Site icon Dr. Labib Mikhail

مشكلة الألم

The Problem of Pain  

الكتاب الذي يحمل لك في كل صفحة من صفحاته عزاء وسلامًا
وراحة ويحل لك مشكلة الألم في الحياة

بقلم

الدكتور القس لبيب ميخائيل
دكتوراه في الدراسات اللاهوتية من أمريكا

الطبعة الثالثة
 أكتوبر 1986

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف
فلا يجوز استخدام أو اقتباس، أو إعادة نشر أو طبع
لهذا الكتاب أو أي جزء منه بدون إذن كتابي من المؤلف
وللمؤلف وحده حق إعادة النشر والطبع

The Problem of Pain

By:
Dr. Labib Mikhail

Copyright 1986
By

Dr. Labib Mikhail

6617 Coachman Drive
Springfield, Virginia 22152
U.S.A
Tel.: (703) 451-6180

First Printing 1949
Second Printing 1959
Third Printing 1986

All rights reserved No part of this book may be reproduced in any manner whatsoever without written permission except in the case of brief quotations or brief reviews.

Printed for the Arabic speaking people in the United States of America

مقدمة الطبعة الأولى

عرفت الألم في نفسي يوم بكتني الروح القدس على خطاياي ولم أسترح إلا بعد أن جددني الله وغفر آثامي.

ثم عرفت الألم في جسدي يوم هاجمتني الحمى في أبريل سنة 1946، وأرهقت أعصابي، واستمرت تأكل من لحمي ومن دمي، وسجنتني في سريري إلى أن أذن الله بشفائي.

ورأيت الألم في كل بيت دخلت فيه، رأيته في بيوت الأغنياء المترفين في صور العذاب النفسي أو العذاب الجسدي تفوق آلام الفقر والاحتياج … ورأيته في بيوت الفقراء في صور من الإحتياج والبؤس والحرمان … ورأيته منتصرًا على الشباب والشيوخ والأطفال، ولمسته في حياة كثيرين من الذين فشلوا في زواجهم أو في حُبهم أو في دراساتهم فهدهم الألم هدًا، وحطمهم تحطيمًا عنيفًا.

وعرفت من الاختبار، أن فرصة الآلام هي فرصة ذهبية للتبشير بالبشارة الأبدية، ففيها يُرهف الحس، ويستيقظ الضمير، وتتفتح مكنونات العقل الباطن، ويفكر العقل الواعي في الخلود، وتتحطم الأبواب المغلقة وتفتح لقبول رسالة الفداء والعزاء والغفران.

وقد دفعني كل هذا إلى التفكير في مشكلة الألم، ثم قادني التفكير إلى الكتابة، فكتبت أول ما كتبت مقالاً، لكنه صار بحكم الأيام كتابًا هو الكتاب الذي بين يديِّ قارئي الكريم، وأجمل ما في هذا الكتاب، أني كتبته بدم قلبي قبل أن أكتبه بحِبر قلمي، فلقد حرقني الألم وصهرني حتى دفعني أن أشارك المعذبين في الأرض آلامهم وأحاول أن أحل معهم مشكلة الألم.

فإلى الذين عذبهم الشيطان بسهام الشكوك في ساعات آلامهم.

وإلى الذين فشلوا في تحقيق آمالهم.

وإلى الذين طال بهم الوقت في سرير المرض فضعفت قواهم.

وإلى كل قلب حزين متألم.

أُهدي هذا الكتاب

فإن نال أحدهم منه عزاء فليقدم الشكر لله، ولينحني خاضعًا عند الصليب، ففيه الحل الأوحد لمشكلة الألم.

وفيه أعلن الله حبه المريح لبني الإنسان وعنده يستريح المتعبون …

القاهرة في يوليو 1949

كلمة ثناء وتقدير

نذكر بالثناء والتقدير صديقنا الدكتور رمسيس فرج الله
لتفضله بكتابة عناوين فصول هذا الكتاب بخطه الجميل

هذا الكتاب

عندما كتبت هذا الكتاب كتبته بحِبر قد إمتزج بدماء قلبي، وكتبته ليكون تعزية وراحة للمتألمين والمُعذبين، وكتبته في روح الصلاة لله، لذلك لا عجب أن يستخدمه الله لراحة الكثيرين.

وقد كتبت كُبريات الصحف والمجلات عن هذا الكتاب الشيء الكثير، ولست أنشر هنا هذه الكلمات للفخر، بل لكي أسجل شكري لله الذي أعانني على كتابة هذا الكتاب، وثنائي على الكُتاب الأجلاء الذين غمروني بعطفهم وتشجيعهم.

قالت جريدة الأهرام

بعددها الصادر يوم الإثنين 21 نوفمبر 1949 تحت عنوان «مشكلة الألم» «هذه رسالة نافعة موجزة في مشكلة الألم كتبها حضرة القس لبيب ميخائيل وعالج فيها حكمة الألم، وبركاته ووسائل النصر عليه، ثم أهداها إلى المتألمين من مرضى وحزانى ومعذبين. وتقع الرسالة في نحو 150 صفحة متوسطة».

وقالت جريدة المصري

بعددها الصادر يوم الإثنين 31 أكتوبر 1949 تحت عنوان «مشكلة الألم» «ألف هذا الكتاب القس المحترم لبيب ميخائيل، بعدما جرب الألم بنفسه، فقدم للقُراء مواعظ رشيدة من شأنها أن تخفف الألم عن النفوس، وتخللت كتابه آيات من الكتب المقدسة وأعمال رجال الدين والأطباء وغيرهم، فيها حث على العمل لإزالة آلام الناس، وقال في كتابه: إن كثيرين من المتألمين تتعزى نفوسهم وترتاح عندما يخدمون القلوب الكسيرة إذ يحسون أن الألم هو ميراث كل أبناء الأرض. ويبحث الكتاب في مشكلة الألم وحكمته وبركاته والانتصار على الألم، وهو المقصود من الكتاب».

وقالت جريدة الكتلة

بعددها الصادر يوم الثلاثاء 26 يولية سنة 1949 تحت عنوان «قصة وكتاب» «إلى الذين فشلوا في تحقيق آمالهم. وإلى الذين طال بهم الوقت في سرير المرض ضعفت قواهم. وإلى كل قلب حزين متألم. وإلى كل فتاة خانها الدهر. إلى الشباب السارحين في مهاوي الشقاء. أهديكم درر كتاب مشكلة الألم، وبعد هذه المقدمة لخصت الجريدة الغراء فصلين كاملين من الكتاب.

وقال جناب القس إبراهيم سعيد

في مجلة رسالة السلام بعددها الصادر في أكتوبر 1949 «مشكلة الألم كتاب ظهر أخيرًا للقس لبيب ميخائيل ينطوي على بحث لمشكلة الألم. وقد مهد له المؤلف بتعريف ماهية الألم. ثم تكلم بعد هذا عن ينابيعه. ومضى فأشار إلى الحكمة المرجوة من الألم، وكذا البركات التي ينالها كل متألم. وختم المؤلف الكتاب بفصل أبان فيه طريقة الانتصار على الألم. هذا إلى جانب ما يمتاز به الكتاب من إيجاز وتأثير».

وقالت مجلة الهدى

بعددها الصادر يوم السبت 24 ديسمبر 1949 «مشكلة الألم للقس لبيب ميخائيل … والكاتب في مستهل الشباب بحكم خدمته وقد اجتاز وادي آلام إخوته وسجل إختبارات المؤمنين في ذلك وهي إختبارات عميقة معزية لأنها ثمرة الشركة القوية مع الآب في المسيح. ولا شك أن الكتاب سيكون رسالة نور ورجاء لجميع المتألمين ورسالة إرشاد للجميع».

وقالت مجلة رسالة المحبة

بعددها الصادر في ديسمبر 1949 «مشكلة الألم تأليف جناب القس لبيب ميخائيل، حلل فيه مشكلة الألم وسر وجوده في الحياة، وكيف نجد تعزية فياضة في آلامنا».

وقالت مجلة شمس البر

بعددها الصادر في أغسطس 1949«مشكلة الألم كتاب قيم كتبه القس لبيب ميخائيل يفسر لنا مشكلة الألم بصورة واضحة وجمال أسلوب ووصف رائع، ويحدثنا عن حكمة الألم وبركاته والإنتصار عليه».

وكتب الواعظ المعروف الأخ فهمي حناوي

في ختام النسخة التي قرأها وأعادها إلىّ هذه الكلمات «بالإجمال كتابك جميل وجليل، جمع فأوعى، وأنا واثق أنه سيكون بركة لكثيرين وقد تقودك الأيام أن تطبعه مرة أخرى. فإلى الأمام».

ومع كل ما كُتب عن كتاب مشكلة الألم في طبعته الأولى فقد وصلني العديد من الرسائل التي نال أصحابها عزاء من هذا الكتاب، إكتفى بأن أذكر هنا ما جاء في رسالة منها إذ كتبت أخت جليلة تقول «قرأت كتاب مشكلة الألم وفي الحقيقة أجد نفسي عاجزة عن أن أعبر لك عن قيمة هذا الكتاب لنفسي إذ إنه لا شك أن يد الرب قد إستخدمتك في إعداد هذا الكتاب الذي ينتظره الكثيرون لمساعدتهم على حل مشاكلهم المختلفة التي تؤلمهم والتي يقفون أمامها حيارى. وإنني أصارحك القول أنه كم من مرات وقفت هذا الموقف أسأل نفسي هذا السؤال: لماذا يسمح الله لأولاده بكل هذا؟ فكان كتابك هو الجواب الصامت لكل معضلة. وصلاتي ان يستخدم الرب هذا الكتاب نعمة وبركة لكل النفوس التي ستقرأه وأن يكافيء كل أتعابك وخدماتك بحسب غناه في المجد».

وبعد

هل يمكن أن أضيف كلمة إلى ما قيل؟! يقينًا ان الشيء الوحيد الذي أستطيع أن افعله هو أن أضع هذا الكتاب فوق المذبح مكرسًا إياه لمجد سيدي الذي إليه يرجع كل الفضل فيما أكتب وما كتبت، مصليًا أن يبارك إلهي هذا الكتاب لقرائه في طبعته الثانية أضعاف ما باركه في طبعته الأولى. وإلهنا كل شكر وسجود وحمد.

شبرا مصر في يوليو 1959

القس لبيب ميخائيل

الفصل الأول

مشكلة الألم

ليس في الحياة مشكلة تملأ القلوب أسى، والعقول حيرة أكثر من مشكلة الألم، فهي المشكلة العظمى التي تحير عقول المفكرين، وتؤلم قلوب ذوي الإحساس الرقيق، فالمفكر المتأمل في آلام الناس ومتاعبهم يقف وهو يرفع أنظاره للسماء قائلاً «إن كان الله محبة فلماذا يسمح لخليقته التي يحبها أن تتألم؟ وإن كان الله حكيمًا فأين حكمته في هذه التجارب المحرقة التي تصيب بني الإنسان؟» وإلى جوار هذا يقف الشخص العاطفي الحساس القلب، وفي عينيه دموع، وفي نفسه الأسى، وفي قلبه الحزن ليقول مرددًا بلسان حاله ذلك القول الذي قاله النبي القديم “لِمَاذَا خَرَجْتُ مِنَ الرَّحِم، لأَرَى تَعَبًا وَحُزْنًا فَتَفْنَى بِالْخِزْيِ أَيَّامِي؟” (إر 20: 18).

لكننا سنقف الآن أمام هذه المشكلة الشائكة لندرسها معًا على ضوء كلمة الله، مصلين إليه أن يفتح عيوننا لنرى سر الألم في الحياة البشرية، فليس شك في أن الألم هو القيد الحديدي القاسي الذي يربط العائلة الإنسانية برباطه الرهيب.

يحدثنا التاريخ عن سيدة أتعبتها آلام الحياة، فذهبت بوجه تبدو عليه سمات الحزن والأسف إلى فيلسوف في مدينتها، وطلبت إليه أن يرشدها إلى دواء يشفي قلبها المثقل ونفسها المتعبة الحزينة.

قال لها الفيلسوف «يا سيدتي إنني على إستعداد أن أصف لكِ الدواء الذي تطلبين على أن تذهبي فتحضري لي حفنة ملح من بيت ليس فيه ألم» .. ذهبت المرأة تقرع الأبواب هنا وهناك ثم عادت إليه تقول «يا سيدي، بحثت عن ما طلبت مني، فوجدت ملحًا كثيرًا في كل بيت، لكنني لم أجد بيتًا واحدًا خاليًا من الألم، فالقصور المفروشة بأجمل الأثاث، والعشش الخالية من زخرف الحياة الدنيا جميعها في الألم سواء».

هذه هي الحقيقة المُرة التي عبر عنها الرسول بولس بالقول “فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا” (رو22:8، 23).

وأمام حقيقة وجود الألم في الحياة، يقفز أمام عيوننا هذا السؤال: ما علة وجود الألم في الحياة؟! هل أوجده الله يوم أوجد الإنسان، ليكون مع الإنسان فيصبحا صنوين عزيزين، أم أوجد الإنسان الألم لنفسه يوم عصى ربه المحب فأدخل بعصيانه الألم في الحياة؟!

مما لا جدال فيه أن الألم لم يُخلق مع الإنسان، فآدم الإنسان الأول عاش مع زوجته حواء في جنة عدن في حياة خالية من كل ألم ومن كل حزن، وكانت حياتهما أنشودة مستمرة تشارك الطيور في تغريدها، والملائكة في تسبيحها لله، إلى أن عصى الإنسان خالقه وأكل من الشجرة المحرمة، فدخلت الخطية ودخل معها الألم والشقاء. والواقع أن الله ليس مسئولاً بحال ما عن دخول الألم، لأنه وهب الإنسان حرية الإرادة، وميزه بها عن الحيوان، فأساء الإنسان إستعمال هذه الحرية بعصيانه لإلهه بدلاً من إطاعته إياه، وكان لا بد للخطية من عقاب، والألم هو عقاب الخطية … وهكذا دخل الألم في الحياة.

ولسنا ننكر أن بعض آلام الحياة تقف أمامنا كالسر المختوم فلا نرى فيها حكمة ولا غاية، وإذ نقف أمامها حائرين نشبه في موقفنا هذا تلك المرأة الطيبة التي تدعى مرثا عندما أرسلت للسيد تختبره عن مرض لعازر أخيها قائلة «هوذا الذي تحبه مريض» وقد تأخر السيد المسيح عن الذهاب ومات لعازر المحبوب. وبعد أربعة أيام من موته جاء المسيح إلى بيت عنيا وقابلته مرثا بعيون دامعة وعقل حائر وهي تردد  «يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي» وأجابها السيد «سيقوم أخوكِ» وهنا نتصور مرثا وكأنها تُترجم ما جال بخاطرها بكلمات لسانها قائلة «أنا أعلم إنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير!! ولكن ما علة موته المبكر؟ ولماذا لم تأتي قبل ان يموت لتنقذ حياته لأجلنا وما السر في ذبول زهرة حياته الجميلة وهو ما زال في ربيع العمر؟» كان هذا هو السر المختوم أمام عقل مرثا المفكر الحائر، وما زالت مشكلة الألم هي مشكلة الأجيال والدهور، امام عقول المفكرين.

فأين نجد إذن الحل الأوفى لهذه المشكلة التي طالما زعزعت إيمان الكثيرين، وحيرت الأبرياء المتألمين؟

لا جدال في إننا نجد في ثنايا السجل الإلهي المقدس التفسير الوحيد الذي ترتاح إليه قلوبنا وتطمئن عليه نفوسنا فهلم بنا إلى مقادس الكتاب الكريم لنستوحي أن يشرح لنا أسرار الألم في الحياة.

ونرى لزامًا علينا ونحن في بداية هذا الفصل أن نتحدث أولاً عن ينابيع الألم في حياة البشر عامة، ثم نتابع حديثنا عن ينابيع الألم في حياة المسيحي خاصة.

ينابيع الألم في حياة البشر عامة

كلنا نتألم .. فالألم هو الميراث المشترك للجنس الآدمي، لكن ينابيع الألم تختلف في حياة كل فرد بإختلاف ظروف وتصرفات ذلك الفرد، فالأحرى بنا أن نقف قليلاً لنتأمل هذه الينابيع التي يستقي منها البشر عناصر شقائهم وأحزانهم وآلامهم.

1)   الألم كعقاب للخطية:

إذ نقلب صفحات السجل المقدس نرى صورًا متعددة للألم الذي أصاب الكثيرين جزاء إرتكابهم الشر وسيرهم في طريق العصيان. فبعد أن ارتكب أبوانا الأولان الخطية، جاء الله ليوقع عليهما العقاب، وكان هذا العقاب هو مطلب العدل إزاء التمرد والعصيان ووقف الله يقسّم العقاب على آدم وامرأته، فقال الله لحواء “تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا” (تك 3: 16). ثم قال الله لآدم “لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ” (تك17:3-19).

هذه هي أول صورة للألم العقابي نرى فيها كيف دخل التعب والوجع إلى مشهد الحياة الإنسانية، كعقاب لإرتكاب الخطية.

ثم نتقدم فنرى صورة قايين وهو يقتل أخاه هابيل وعندئذ يبتديء ضميره في إيلامه بشدة حين يكلمه الله سائلاً إياه عن أخيه ونحن نسمعه يصرخ قائلاً لله “ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ” (تك13:4). وهذه أروع صور للألم النفسي الرهيب.

وإذ نسير قليلاً في مقادس الوحي الإلهي يقابلنا جيحزي غلام أليشع الذي استخدمه الخداع في أخذ المال من نعمان السرياني رئيس جيش ملك أرام، فأعطاه الله مع ذلك المال عقابًا مؤلمًا هو برص نعمان ليلصق به إلى الأبد، والبرص مرض مؤلم للنفس والجسد معًا.

ونستمر لنرى الألم العقابي في قصة يهوذا الذي باع سيده للفريسيين، و بعد أن أفاق إلى نفسه أحس آلام الضمير وهي تلدغه كلدغات الأفاعي، فحاول أن يهديء ضميره عن طريق مقابلة الكهنة وإلقاء ما أخذ من مال في الهيكل أمامهم، لكن الخائن التعس لم يستطع أن يجد لقلبه راحة ولا لضميره هدوءًا فطارده الألم إلى أن حطم قوة المقاومة عنده فتصور خطأ انه لن يجد وسيلة لراحة نفسه المعذبة إلا بالموت “ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ” (مت 27: 5).

ويكفينا أخيرًا، أن نجول بأنظارنا لحظة فنرى الألم العقابي في أولئك الذين يصابون بالأمراض السرية، أو يزجون في السجون، أو يساقون إلى آلات الإعدام ليقتص منهم القضاء، أو يصابون بالجنون. ففي أغلب الأحيان إن لم يكن في كل الأحوال نرى في عقابهم صورًا للألم كنتيجة لخطاياهم التي عاقبتهم عليها عدالة الأرض او عدالة السماء، وهكذا نجد أن إرتكاب الشر هو الينبوع الأول من ينابيع الألم في الجسد والنفس والضمير ولذلك يوصينا الرسول بطرس قائلاً “فَلاَ يَتَأَلَّمْ أَحَدُكُمْ كَقَاتِل، أَوْ سَارِق، أَوْ فَاعِلِ شَرّ” (1 بط 4: 15).

2)   الألم بسبب التدخل في أمور الغير:

يقول الرسول بطرس وهو رسول خبير بأسباب الألم في الحياة “فَلاَ يَتَأَلَّمْ أَحَدُكُمْ كَقَاتِل، أَوْ سَارِق، أَوْ فَاعِلِ شَرّ، أَوْ مُتَدَاخِل فِي أُمُورِ غَيْرِهِ” (1 بط 4: 15). وهو يعلن لنا في هذه الآية أن الأخلاق الضعيفة الخاطئة كثيرًا ما تقود المرء إلى التدخل في أمور غيره، وبالتالي تجلب على صاحبها الألم، وبطرس إذ ينصحنا بهذه النصيحة يكتبها لنا كرجل اختبر آلام التدخل في أمور الغير فعندما كان مع السيد ومع يوحنا، أراد أن يعرف من سيده مستقبل يوحنا فسأله هذا السؤال “يَا رَبُّ، وَهذَا مَا لَهُ؟” وعندئذ وبخه السيد في إجابته له بالقول “إنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ، فَمَاذَا لَكَ؟” (يو21:21، 32). وليس شك أن بطرس قد أحس بالألم عندما سمع هذه الإجابة، وقد ذكر هذا الألم النفسي وهو يكتب «فلا يتألم أحدكم … كمتداخل في أمور غيره».

وفي إنجيل لوقا الإصحاح العاشر نرى صورة أُخرى لألام التدخل في أمور الغير، في قصة مرثا وهي تأتي للسيد محتجة على أختها وقائلة “يَا رَبُّ، أَمَا تُبَالِي بِأَنَّ أُخْتِي قَدْ تَرَكَتْنِي أَخْدُمُ وَحْدِي؟ فَقُلْ لَهَا أَنْ تُعِينَنِي!» فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَها: «مَرْثَا، مَرْثَا، أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ. فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا” (لو40:10-42). وكأن المسيح له المجد يقول لها بهذه الكلمات «يا مارثا مالك تتدخلين في أمور مريم وهي حرة تفعل ما تشاء وتتلقى أوامرها مني».

إن صداقات كثيرة تهدمت عن طريق «التدخل في أمور الغير» وانتهت بنهاية مؤلمة، لأجل ذلك يكتب الرسول بولس محذرًا المؤمنين في تسالونيكي قائلاً  “إِنَّمَا أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ َأَنْ تَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ، وَتُمَارِسُوا أُمُورَكُمُ الْخَاصَّةَ، وَتَشْتَغِلُوا بِأَيْدِيكُمْ أَنْتُمْ كَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ” (1 تس 4: 11).

3)   الألم بسبب العاطفة الحساسة:

يعيش في هذه الدنيا ثلاث فرق من الناس، قوم يعيشون ببطونهم. الحياة في نظرهم هي الطعام والشراب «إلههم بطنهم» هؤلاء هم زحافات الدنيا، يتألمون إذا أصابتهم البلايا في أشخاصهم ولكنهم جامدون بإزاء آلام الآخرين.

وقوم يعيشون بعقولهم، فهم يفكرون في آلام الحياة التي تصادف غيرهم من الناس ويقررون أنها الجزاء العادل لشرهم وخطاياهم ما أشبه هؤلاء بأصحاب أيوب الثلاثة، لسان حالهم معًا كلسان حال أليفاز التيماني وهو يقول لأيوب المجرب المسكين “كَمَا قَدْ رَأَيْتَ: أَنَّ الْحَارِثِينَ إِثْمًا، وَالزَّارِعِينَ شَقَاوَةً يَحْصُدُونَهَا” (أي 4: 8). وقد يفكرون في مشكلة الآلام المعقدة ولا يجدون لها حلاً وفقًا فيهزون رؤوسهم الكبيرة قائلين: الحياة لغز الدهور الذي لا يحل.

وقوم يعيشون بعواطفهم، هؤلاء هم «كبش الفداء» في هذا الوجود فهم يحزنون لحزن البشر، ويتألمون لآلامهم، لأنهم يمتازون بعاطفة حساسة تدفعهم إلى الألم دفعًا. وليس شك أن معظم أفراد هذا الفريق هم من أولاد الله أو من أولئك الذين تعلموا كيف يشعرون مع الآخرين. ونحن نرى هذه العواطف الحساسة في قلوب معظم الأنبياء الذين سجل الوحي أسماءهم.

فأرميا دفعته هذه العاطفة النبيلة إلى الألم لإرتداد شعبه فعبر عن آلام نفسه بالقول “يَا لَيْتَ رَأْسِي مَاءٌ، وَعَيْنَيَّ يَنْبُوعُ دُمُوعٍ، فَأَبْكِيَ نَهَارًا وَلَيْلًا قَتْلَى بِنْتِ شَعْبِي” (إر 9: 1).

وبولس دفعته عاطفته عندما رأى قساوة إخوته من بني إسرائيل إلى أن يعبر عن آلام قلبه بالقول “إِنَّ لِي حُزْنًا عَظِيمًا وَوَجَعًا فِي قَلْبِي لاَ يَنْقَطِعُ. فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ” (رو2:9).

ونحميا عندما سمع عن حالة بيت الرب المتهدم لم يستطع أن يضبط عواطفه الفياضة فيقول  “فَلَمَّا سَمِعْتُ هذَا الْكَلاَمَ جَلَسْتُ وَبَكَيْتُ وَنُحْتُ أَيَّامًا، وَصُمْتُ وَصَلَّيْتُ أَمَامَ إِلهِ السَّمَاءِ” (نح 1: 4).

وهكذا نجد في كل هذه الصور، آلامًا متأججة في القلب، نتيجة للعاطفة الحساسة، والذين يحسون هذه الآلام ليسوا من أصحاب البطون الأنانيين، ولا من أصحاب العقول المفكرين، بل من أصحاب القلوب الحساسة الجياشة بالعاطفة الشريفة وهؤلاء هم وحدهم الذين يبكون مع الباكين ويتألمون لآلام المتألمين.

4)   الألم بسبب قانون الوراثة:

نحن نعيش في عالم ينظمه القانون ويحفظه القانون، فلا بد أن يصيب الألم كل من يتحدى القانون، لأن من وضع يديه في النار إحترقت بالنار يداه ومن مشى على الجمر إكتوت بالجمر رجلاه فمن الجهل الأكبر أن يعيش المرء بلا نظام يسهر كما يشاء وينام متى يشاء ويأكل ما يشاء ويشرب ما يشاء، فيحرق الإهمال جسده حرقًا ويهاجمه الألم في أية صورة من صور المرض ويكون هو الجاني على نفسه.

ومن الجائز أن يتحدى الإنسان القانون لأنه يجهله، لكن الجهل لن يقيه الألم بحال، فكونك تجهل تأثير الخمر على المخ والأعصاب لن يوقف هذا التأثير، فتحدى قوانين الطبيعة عن علم أو جهل هو نبع من ينابيع الكثير من آلام البشر.

ومن بين القوانين التي وضعها الله في عالمنا «قانون الوراثة» وهو قانون طبيعي كثيرًا ما جر الألم على أطفال أبرياء، يرتكب والدوهم خطية النجاسة فتصيبهم الأمراض السرية الرهيبة، وإذ بأولادهم يأتون إلى أرضنا وفي دمائهم جرثومة تلك الأمراض. هؤلاء الأبرياء المساكين يقولون مع أبي العلاء الشاعر المتشائم المشهور: «هذا جناه أبي عليَّ». وكثيرون من أولئك التعساء الأبرياء يقفون موجهين أنظارهم للسماء متسائلين: هل من عدالة موجودة وراء الغمام، أم أن الكون يسير بلا قائد كجواد أفلت من راكبه الزمام؟

والواقع أن الألم الوراثي مشكلة محيرة حلها الوحيد عندي أن تكون تحذيرًا للآباء من إرتكاب الشر لأن الأبناء سيحصدون ثماره ويتم فيهم المثل «الأباء أكلوا الحصرم وأسنان الأبناء ضرست» بل إنه من الممكن القول إن الله وضع في الطبيعة هذا القانون لردع البشر بالخوف من تأثير حياة النجاسة «لأن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضًا» وكثيرون من الذين يقدرون سوء ما فعلوا يمتنعون عن الزواج حتى لا يجنوا على جيل جديد، وفي بعض الدول الكبرى حرم القانون تناسل المصابين بالأمراض الوراثية وهكذا أراحوا الجيل الآتي من ألم لا يجب أن يكون لهم فيه أي نصيب.

5)   الألم من جراء شر الأشرار:

من أشد أنواع الألم في الحياة، الألم الذي يصيبنا من شر الأشرار ومع هذا فإن الذين إختبروا الحياة إختبارًا عمليًا، وعرفوا مآسيها يرون أن الكثير من آلامها راجع إلى شر الأشرار، وكم من مرة كانت صلاة صاحب المزامير أن يحفظه الله من الأشرار، إذ يقول في المزمور السابع «إقض لي يا رب. لينته شر الأشرار» وعلى هذه الوتيرة نرى الطلب للخلاص من شر الأشرار يملأ مزامير داود. ويكفي أن نطوف بالعالم لحظة لنرى الآلام الناتجة عن شر الأشرار فالحروب الفتاكة لا يقوم بها أصحاب القلوب الرحيمة، بل يشعل نارها أولئك الذين ملأ الشر قلوبهم فتناسوا أن الحرب خراب ودمار، تهدم صرح مدينة الإنسان، وتسفك فيها دماء الأبرياء.

وتعال معي لترى أولئك الفتيات التعيسات اللواتي فقدن عفافهن وهن في سن الطفولة البريئة من جراء إعتداء الخدم المجرمين. أو لترى أولئك اللواتي تلوثت حياتهن نتيجة إغراء الشبان الآثمين.

كتب الشاعر الأمريكي «ستوبفورد بروك» قصيدة رائعة صور فيها ثلاثة شبان خرجوا ليقضوا ليلة حمراء فتقابلوا مع ثلاث فتيات بريئات وأغروهن، وشربوا معهن خمرًا، ثم أعتدوا عليهن، ويختتم الشاعر قصيدته الرائعة بالقول «إن الفتيات الثلاث بدأن من تلك الليلة حياة مليئة بالألم والعار، ومتن دون أن يتمتعن بالحب الشريف والحياة الزوجية الهادئة، بينما عاش الشبان الثلاثة في حياة مترفة محترمة أمام أعين الآخرين».

وفي أيامنا هذه كم من أناس يتألمون من إعتداءات الأشرار من اللصوص وقطاع الطرق والنشالين من بني الإنسان؟!

وكم من أطفال أبرياء وبنات وزوجات يتألمون نتيجة لشر ودناءة وقسوة الآباء والأزواج الذين بلا ضمير؟!

وإلى جوار هذه الصور نرى في الكتاب صورًا أخرى عن الآلام التي تصيب بعضًا من البشر نتيجة لشر الآخرين، فيوسف وهو مثال الشباب الطاهر النقي، ألقيَّ في أحد سجون مصر المُظلمة إذ اتهمته ظلمًا في شرفه إمرأة فاجرة هي إمرأة سيده.

والمسيح له المجد وهو الذي جال يصنع خيرًا ويشفي المتسلط عليهم إبليس قاده إلى الصليب جماعة من الفريسيين الأشرار المتعصبين.

وبولس رسول الجهاد كم مرة ناله من الألم الشيء الكثير نتيجة لشر الذين قاوموا رسالة الإنجيل.

والحقيقة أن الله غير مسئول عن هذا النوع من الآلام، لأن هؤلاء الأشرار يتمتعون بحرية الإرادة، وهم يسيئون إستعمال إرادتهم وبهذه الطريقة يتسببون في آلام الأبرياء ويذخرون لأنفسهم دينونة مخيفة في يوم الدين.

6)   الألم كنتيجة للذكريات المرة والفشل في الحياة:

ما أمر آلام الذكريات وما أقساها!!

منذ وقت ليس ببعيد كتبت سيدة إلى كاتبة إجتماعية معروفة هذا الخطاب «أكتب إليك عسى أن تخففي من بعض آلامي، تزوجته منذ أربع سنوات بعد تخرجه مباشرة من الكلية الحربية، وكان يبلغ الحادية والعشرين .. وبرغم صغر سنه كان زوجًا مثاليًا. كنا سعداء ولكن ظروف عمله جعلته لا يستقر في مكان، كان يتنقل بين أبي عجيلة والعريش حيث تمنع العائلات الضباط من الإقامة هناك .. وأخيرًا أنتدب زوجي في الحرس الجمهوري لمدة ثلاث سنوات .. قضى منها شهرًا شعرت خلاله بلذة الإستقرار. وفاجأني بأنه قرر الإنضمام إلى الفرقة الحتمية لمدة ثلاثة شهور حتى يستطيع الإنتساب إلى كلية الحقوق. ولم أعارض طبعًا. ولكن القدر كان لي بالمرصاد .. ليحرمني من أعز إنسان في الوجود. قبل إنتهاء الفرقة بأسبوع واحد إستشهد زوجي أثناء تأدية عمله. وأُصبت بصدمة لم استطع التغلب عليها حتى الآن .. أكتب إليك وأنا أبكي بعيني وقلبي الحزين. كيف أعيش بدونه، وبدون سعادتي وآمالي وحبي؟

فكرت في الإنضمام إلى أي جمعية نسائية وكل هدفي أن أقوم بخدمة إنسانية. فكرت في الإنضمام إلى جمعية المحاربين القدماء ولكني كرهت الحياة .. إنني أفكر في زوجي ليل نهار. إنني أعيش على ذكراه ومعي طفل يبلغ الثانية من عمره وطفلة وضعتها بعد وفاته بأربعين يومًا».

مسكينة هذه المرأة، إنها تخلو إلى نفسها لتذكر أيام سعادتها فتنهمر دموع عينيها، إن ذكرياتها تؤلمها وتحزن قلبها.

وإلى جوار هذه المأساة نرى مأساة أخرى لفتى كانت أمامه فرصة العلم عندما كان أبوه متمتعًا بالغنى الوفير، لكنه أضاع فرصته مع أقران السوء، وجاء الفقر إلى بيت والده يسعى، فاضطر المسكين أن يشتغل في عمل حقير، وها هو يستعيد اليوم ذكريات الفرص الذهبية التي أضاعها ويحس أن نفسه تكاد تذوب من فرط الألم.

وهذه سيدة عاشت مع زوجها فترة من العمر، ثم قام بينهما الشجار فافترقا ولكن الذكريات تؤلم حياتها وتقض مضجعها.

وفي السجل المقدس نقرأ قصة تلك الأرملة التي ذهب إليها إيليا لتعوله وقد إمتد المرض إلى أبنها الوحيد وإشتد به حتى لم تبق فيه نسمة، وهنا إستيقظ ضميرها ليذكرها بأن موت إبنها هو جزاء عادل لشرها القديم، ونحن نرى ان الذكريات آلمت هذه المرأة فذهبت إلى إيليا صارخة “مَا لِي وَلَكَ يَا رَجُلَ اللهِ! هَلْ جِئْتَ إِلَيَّ لِتَذْكِيرِ إِثْمِي وَإِمَاتَةِ ابْنِي؟” (1 مل 17: 18). وكذا إمتزجت آلام ذكرياتها بآلام حزنها على موت إبنها.

وهل يمكن أن ننسى هنا إخوة يوسف الذين عادت إليهم ذكريات شرهم في ساعة ضيقتهم “وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «حَقًّا إِنَّنَا مُذْنِبُونَ إِلَى أَخِينَا الَّذِي رَأَيْنَا ضِيقَةَ نَفْسِهِ لَمَّا اسْتَرْحَمَنَا وَلَمْ نَسْمَعْ. لِذلِكَ جَاءَتْ عَلَيْنَا هذِهِ الضِّيقَةُ” (تك 42: 21). لقد آلمتهم ذكرياتهم وأزادت آلام ضيقهم.

وكم من المجرمين واللصوص وطريدي العدالة قادتهم آلام الذكريات إلى الإنتحار والتخلص من الحياة ، رغم أن العدالة لم تستطع أن تصل إليهم ولم تكتشف جرائمهم، وكثيرون من الناس تنبع آلامهم المحرقة من ذكريات ماضيهم المؤلم الحزين.

ومع الذكريات المؤلمة نجد أن الفشل في الحياة نبع من ينابيع الألم، والفاشلون في الحياة هم أكثر الناس آلامًا في هذا الوجود، وأشد أنواع الفشل إيلامًا للنفس والقلب هو الفشل في الزواج، فكم من شاب بنى خياله قصورًا للحياة الزوجية السعيدة، لكن الأشرار خدعوه فتزوج فتاة ملأت قلبه آلامًا بدلاً من أن يشرب معه! ما أشبهه بيعقوب، طلب راحيل، وفي نور الصباح رأى أمامه ليئة الضعيفة العينين فانقلب فرحه حزنًا وسعادته تعاسة. وأعرف زهرة ما زالت في ربيع العمر فشلت في زواجها ثم مات زوجها وتركها تحيا في آلامها لتذكر فشلها وترثي شبابها، إن فشلها يعذبها.

وكم من شباب فشل في دراسته، أو في حبه، أو في حياته الإجتماعية والعائلية، فحول الفشل نظرته المستبشرة للحياة إلى نظرة سوداء فرآها كما رآها الشاعر العربي جناية كُبرى بالنسبة لنفسيته المتألمة.

7)   الألم لفقدان الأحباء:

يتألم المرء أشد الألم حين يفقد شخصًا حبيبًا إلى قلبه … الزوج والأم .. والأب .. والأخ .. والإبن .. والبنت .. وكل صديق عزيز فالموت حين يختطف أحد هؤلاء يحطم الآمال ويسحق القلوب .. ودموع مرثا ومريم وأرملة نايين أمثلة حية للحزن الموجع على فقدان العزيز المحبوب.

وتعالَ معي لنرى صورًا مجسمة لهذا الألم المُحرق على صفحات الوحي وفي واقع الحياة. فداود الملك حزن على موت صديقه المحبوب يوناثان فرثاه بالمرثاة التي تقول “قَدْ تَضَايَقْتُ عَلَيْكَ يَا أَخِي يُونَاثَانُ. كُنْتَ حُلْوًا لِي جِدًّا. مَحَبَّتُكَ لِي أَعْجَبُ مِنْ مَحَبَّةِ النِّسَاءِ” (2 صم 1: 26). وعندما جاءه خبر موت إبنه أبشالوم “فَانْزَعَجَ ..  وَصَعِدَ إِلَى عِلِّيَّةِ الْبَابِ وَكَانَ يَبْكِي وَيَقُولُ وَهُوَ يَتَمَشَّى: «يَا ابْنِي أَبْشَالُومُ، يَا ابْنِي، يَا ابْنِي أَبْشَالُومُ! يَا لَيْتَنِي مُتُّ عِوَضًا عَنْكَ! يَا أَبْشَالُومُ ابْنِي، يَا ابْنِي” (2 صم 18: 33).

وفي القديم كتب بليني الفيلسوف حين فقد إبنته الوحيدة يقول «هبني راحة جديدة لم أسمع بها من قبل، ولم تقرأها عيني قط لأن كل ما قرأت وكل ما سمعت به يعود إلى ذاكرتي الآن لكن حزني اعمق من كل ما أعرف».

ومنذ وقت قريب كتبت أم فقدت إبنها في كارثة الباخرة دندرة التي حدثت يوم الجمعة 8 مايو 1959 كلمة تتحدث فيها إلى هذا الإبن العزيز، فجاءت كلمتها معبرة عن عذاب قلب يحترق من آلام الفراق.

فاقرأ معي ما كتبت هذه الأم الحزينة لتدرك مدى الألم الذي يصيب المرء من فقدان الشخص الحبيب قالت هذه الأم المسكينة:

إبني … يا حبيب الروح … أيام كثيرة مضت، ولكن لا أفيق من هذا الكابوس الرهيب حلم فظيع أعيشه وأتمنى أن ينتهي، ولكن الأيام تمضي، والحلم باق، وأدور فيه في دوامة مسعورة، تمضي، والحلم باق، وأدور في دوامة مسعورة، تمضي بي إلى غور بعيد، كله فزع، وهلع ، وحزن مميت.

لقد ضاع معنى الزمن من حياتي، وأصبحت ساعاتي وأيامي مشدودة إلى تلك الساعة المشئومة، التي علمت فيها نبأ الفاجعة، فأنا اعيش في هذا الهول، ولا أتزحزح عنه لحظة. أين أنت يا مناي، وكنت لا تحتمل أن تراني غاضبة أو عاتبة،  فكنت تسرع إليَّ وتبكي بين يدي لتعتذر، حتى أرضى عنك وأُقبلك، ولا يهدأ لك بال، إلا إذا أعدت الإبتسام إلى شفتي!

لم يعد لي منك يا حبيبي إلا قميصًا أضمه في لهفة، أو فردة حذاء أغسلها بدمعي المُلتاع! وحينما نجتمع أنا وأبوك، يتحاشى كل منا أن ينظر إلى صاحبه، وأبعد نظراتي عنه، ويتشاغل عني ببعض الأمور، ويظهر التجلد، وأظهر الرضا، ولكن بين جنبينا نار ما بعدها نار. وسعير ما بعده سعير!

يا وّلدي العزيز .. كنت أنت وأخوك جناحين لي، أطير بهما، وأحلق في علياء الحب والهناء … أما اليوم، فأنا كسيرة القلب، ضة الجناح، في عالم كله لوعة، وحسرة، وضياع ..! .. يقولون أن الأيام بلسم القلب الجريح. ولكن شوقي إليك يا صغيري، يزيد مع الأيام ويعصف بروحي، ويورثني مسًا من الجنون. شوقي إلى كلمة لطيفة منك تدل على نضوج مبكر وذكاء .. نظرة من عينيك الجميلتين .. قبلة على شعرك الحبيب، لمسة رقيقة على يدك البريئة. ضمة أبثها شوقي وحبي، وكل ما في كياني من عطف وحنان. وأمد ذراعي في الهواء .. ويبح صوتي من كثرة ما أُناديك. ثم لا أجد إلا صمتًا وفراغًا .. ووحشة كئيبة. ودموعًا غزارا.

ويحي من ذكريات أجدها في كل مكان .. وويحي من ليال سود طوال لا يغمض لي فيها جفن، ولا اسمع إلا فحيح القبر الضاري، يقترس روحي، ويحرق كبدي، ويقذف بالحمم في فؤادي الجريح! ألا تذكر أيها الحبيب إني قلت مرة، إن من لم يرزق أطفالاً، لم يجرب الفرح العميق ولا الحزن العميق؟ أما أنا فقد عرفت السعادة العميقة، وأنت ملء سمعي وبصري وأحضاني. واليوم حين فقدتك ها أنذا اعيش فيما يسمونه بالحزن العميق. ولكنني أنا لا أعرف بم أسميه .. ليس حزنًا فحسب، وليس فجيعة فحسب، ولكنه شيء أضاع معنى الحياة من وجودي، وجعلني مخلوقًا لا من الأحياء ولا من الأموات. فوداعًا يا ولدي. يا حبيب الروح!!

وقد تسأل بعد أن تقرأ هذا الخطاب: هل من عزاء لقلب محطم كهذا؟!! أجل هناك يد المُخلص الحنون التي تمسح الدموع من العيون وتجبر كسر القلوب وهناك الرجاء في الخلود السعيد.

8)   الألم بسبب الخوف والشك:

يقول يوحنا الرسول في رسالته “الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ” (1 يو 4: 18). وكم من مخاوف تملأ حياة الكثيرين بالآلام، وقد تنقلب المخاوف إلى أوهام تهدم أعصاب صاحبها وتخرب حياته، فالخوف من إكتشاف الجريمة، والخوف من المستقبل المجهول، والخوف من الموت ملك الأهوال، والخوف من ظروف الحياة، والخوف من الجراثيم والأمراض، كل هذه المخاوف تملأ النفس بالألم وتولد اليأس في الإنسان، وعندما يزول الأمل ويحل الخوف في القلب، يحس الإنسان بضيق عيشه، إذ ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

وكما أن الخوف هو ينبوع من ينابيع الألم كذلك الشك أيضًا هو في ذاته عذاب قَتال، وكم من شباب جاء إليّ والشك في وجود الله يعذبه فلم يسترح إلا بعد أن زالت شكوكه عن طريق الإيمان.

وكم من أزواج يدفعهم الشك في أمانة زوجاتهم إلى الحياة في غمرة آلام العذاب النفسي حتى تغرقهم هذه الآلام وتسلب سعادتهم كما كادت أمواج البحر أن تطغي على بطرس وتغرقه عندما صرخ للسيد أن ينجيه فوبخه السيد قائلاً “يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟” (مت 14: 31).

ولقد عذب الشك يوحنا المعمدان وهو في السجن إذ تعجب من تصرفات العناية الإلهية، ورأى أن المسيح له المجد لم يتحرك لسجنه، وأن هيرودس ما زال على عرشه فأرسل إلى السيد يقول “أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟” (لو 7: 19).

ويقينًا أن العلاج الوحيد لآلام الشك هو أن يشك الإنسان في شكوكه، ولا يسمح لها أن تأخذ مكانًا في عقله وقلبه، وأن يأتي بها إلى حضرة المسيح متوسلاً إليه كما توسل بطرس وهو يحس بخطر الغرق فقال “يَا رَبُّ، نَجِّنِي!” (مت 14: 30). وعندئذ سيحلها له السيد بنعمته وينقذه من آلامها بحكمته ورحمته.

9)   الألم بسبب الأمراض التي تصيب الجسد:

المرض كلمة رهيبة لا يدرك معناها إلا الذين عرفوها واختبروا مرارتها في أجسادهم، فعندما يهاجم المرض الجسم الإنساني يهاجمه الألم، فالعيون اللامعة تخبو، والأعصاب القوية ترتخي، والأرجل السريعة الجريان يضمها سرير صغير. وفي بعض الأمراض يصل الألم إلى مراتبه العليا، ففي السرطان مثلاً يضطر الطبيب إلى تخدير المريض حتى لا يحس قوة الآلام وهناك أمراض آلامها كنار تحرق اللحم والعظام، فالمرض والألم صنوان.

والذي ندريه أن المرض دخل إلى أرضنا بدخول الخطية في دمائنا، وأن أصعب ما فيه هو سجننا في سريرنا وإبعادنا عن نشاطنا وخدمتنا وأصدقائنا.

وقد يأتينا المرض نتيجة إهمالنا في إتباع قوانين الصحة والنظافة في طعامنا وشرابنا وراحتنا كما يأتي للكثيرين. فهناك خمسة قوانين واضحة للصحة القوية هي: النوم والراحة .. العمل والنشاط .. الرياضة البدنية .. الطعام الصحي .. الضمير النقي، وما افظع الضرر الذي يصيب صحتنا عندما نتعدى هذه القوانين وقد يأتينا المرض بسبب شكوى الشيطان ضدنا كما أصاب أيوب، وقد يأتينا لتأديبنا كما أصاب مريم اخت موسى (عدد9:12).

وقد يأتينا لإمتحان إيماننا أو لتعليمنا درس الإحساس مع الآخرين .. وأنا شخصيًا بدأت أشعر مع الآخرين في آلامهم بعد أن دخلت جامعة المرض وتعلمت فيها أعظم الدروس فعرفت عذاب الوحدة، وآلام الضعف، فصارت خدمتي للمتألمين في أسِرتهم خدمة عاطفية قلبية تحس سطوة الألم في الجسم المريض.

وفوق هذا كله قد يأتينا المرض لإظهار نعمة الصبر والإحتمال فينا. دعتني سيدة جليلة لزيارتها، وما كدت أصل إلى بيتها حتى رأيت كيف تنتصر نعمة الله على أكثر الأمراض تعذيبًا للجسد، فالسيدة مريضة بالروماتزم الحاد منذ سنوات فهي لا تقدر أن تقوم لنفسها بخدمة أو أن تجلس كما يجلس الأصحاء، لكن الإبتسامة المشرقة لا تفارق شفتيها، وقد استخدمت ساعات وحدتها لقراءة الكتاب المقدس فنمت إختباراتها ونضجت حياتها وإزدادت معرفتها وأشرقت حياتها بنور جديد، وعندما تراها تكاد تشعر إنها في ملء الصحة والحياة لأن الله قد جملها بنعمة الصبر.

10)    النبع المجهول للألم:

الألم هو حقيقة عامة في هذه الأرض، وهو الرباط الرهيب الذي يربط كل أبناء الناس، لكن نبعًا مجهولاً للألم يحيّر عقولنا، هو النبع الذي تنبع منه آلام الأطفال والحيوان، فنحن نقبل الألم العقابي لأن من العدالة أن يدان المذنب فينال عقاب جريمته، وقد قبل اللص آلامه على الصليب لأنها كانت آلامًا عقابية فقال لزميله المتذمر “أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا” (لو 23: 41).

ونرضى صابرين على الألم الذي يأتينا نتيجة لضعف أخلاقنا، لأننا نحس بمسئولياتنا. وقد نسكت على الآلام التي تبعثها فينا عواطفنا، وننحني صاغرين أمام الآلام التي ورثناها عن أبائنا، لكننا امام ذلك النبع المجهول نقف حائرين يتردد في عقولنا سيل من الأسئلة.

لماذا خلق الله جراثيم الأمراض الفتاكة التي تهدم الإنسان وتعذبه؟ ولماذا يرضى الله للبشر بآلام المرض الرهيب؟ وما سر عدم إكتمال افراح الأرض الشقية؟ وما سر آلام الأطفال الأبرياء، والحيوان العاجز؟

إن زيارة واحدة لمستشفى من المستشفيات الكُبرى كفيلة بأن تخلق في عقولنا تفكيرًا دائمًا عن مشكلة الألم في الحياة.

ففي هذه الحجرة رجل في سرير أصابه الشلل وهو بعد في شبابه ومرت عليه عشرون سنة وهو مازال قعيد الفراش يتوق إلى الحرية فلا يجد غير سجن سريره الضيق الرهيب.

وهناك في حجرة ثانية سيدة فقدت بصرها في حادثة مؤلمة، وعندها من الأطفال خمسة كانت ترعاهم وتعتني بهم وليس لهم الآن من معين.

وهنا في حجرة ثالثة، مخلوق مشوه ضاعت منه كل معالم الإنسانية إذ فقد عينيه وأنفه ويديه ورجليه من تأثير شظايا قنبلة أصابته في أثناء إشتراكه في الحرب العالمية الثانية.

وأُترك ذلك المستشفى لتلقي نظرة على العالم الواسع الذي تعيش فيه لترى الفقر متربعًا على غالبية أهل هذه الأرض، ومع أنهم يعملون من الصباح إلى المساء لكسب قوت الحياة.

ثم تأمل لترى وراء هذه الصور التي مرت بك، أعاجيب الآلام في أرضنا، فقد سجل الأطباء حتى اليوم أكثر من ستُمائة مرض يتعرض لها الإنسان. وكشف لنا أطباء النفس عن الأمراض النفسية الرهيبة التي تهدم الكيان.

فلماذا كل هذا؟

لماذا حكم الله أن يكون الإنسان مولود المرأة قليل الأيام وشبعان تعبًا؟ بل لماذا قرر أن يولد الإنسان للمشقة كما أن الجوارح لإرتفاع الجناح؟ هذه هي مشكلة المشاكل في عقول المفكرين المتأملين في حوادث الدنيا يبحثون لها عن حلول فيتخبطون، فهل ذلك لأن في حكمة الله أن يبقى الألم سرًا مكتومًا إلى أن يكشفه بنفسه في ضياء الأبد؟ أو ما هي حكمة الله في هذه الآلام؟ لننتظر لحظة حتى ندرس معًا في فصل مقبل حكمة الألم في الحياة!

ينابيع الألم في حياة المسيحي خاصة

إنتهينا من الحديث عن الألم في حياة البشر عامة، ولنأخذ الآن مجالاً للحديث عن الألم في حياة شعب الله، فالألم وإن كان شيئًا مكروهًا من الناس إلا أنه يعمل دائمًا في مصلحة اولاد الله “وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ” (رو 8: 28).

إن وجود الألم في أرضنا حقيقة ملموسة لا ينكرها أحد، لكن الشيء الذي ينبغي أن يتأكد منه اولاد الله هو أن الألم لا يصيب المؤمنين إلا بالقدر الذي يسمح به الله لخيرهم “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ” (مت 10: 30). فما هو سر الألم في حياة المسيحي؟!

1)   الألم لأجل المسيح:

لو رسمنا خطًا أُفقيًا يسير من الأرض إلى الأرض ورسمنا خطًا رأسيًا مقاطعًا له يمتد من الأرض إلى السماء لكان الرسم الناتج عن هذين الخطين هو (رسم الصليب)، فالصليب هو الألم الذي ينتج من إصطدام الخير مع الشر في هذا العالم، وهو دائمًا من نصيب المسيحي في هذه الأرض، وقد قال لنا ربنا “إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي” (لو 9: 23).

فالصليب إذًا هو نصيب كل ابن من ابناء الله على الأرض إلى أن يصل إلى المجد. ولقد كان الصليب هو نصيب المسيح لأجلنا، فنحن إذًا نتحمل الآلام التي يجب ان نجوز فيها لأجل المسيح، ويكفي ذكر بعض هذه الآيات لتأكيد هذا الحق الثمين.

يقول بولس للمؤمنين في فيليبي “لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ” (في 1: 29).

ويقول لنا السيد بفمه المبارك “طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ” (مت 5: 11). بل إنه يردد لنا القول “فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ” (يو 16: 33). “إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ حَفِظُوا كَلاَمِي فَسَيَحْفَظُونَ كَلاَمَكُمْ” (يو 15: 20).

إن الألم لأجل المسيح معناه أن تتألم كمسيحي لا لأجل آرائك وأفكارك الشخصية بل لأجل حياتك التي تشع نورًا فتوبخ شر الآخرين فلا تستطيع عيونهم المريضة بالخطية أن ترى ضياء سلوكك وعندئذ يبدأون في إضطهادك وإيلامك.

وينبغي للمؤمن أن يسلك في آلامه لأجل المسيح كما سلك سيده  من قبل “كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا” (إش 53: 7). وقد يمكن أن يتهكم الأصدقاء على موقف المسيحي الصامت في آلامه، كما تهكم رؤساء الكهنة على المسيح المصلوب على الصليب، وعندئذ يحس المسيحي بالعار والألم ولذا فبطرس الذي رأى السيد في طريق آلامه من جثسيماني إلى الجلجثة ينصحنا بالقول «إن عُيّرتم باسم المسيح فطوبى لكم. لماذا؟!؟

لأن روح المجد والله يحل عليكم» نعم فالسيد نفسه سيهمس في أُذنك قائلاً «طوبى لك، افرح وتهلل لأن أجرك عظيم في السموات». “فَلاَ يَتَأَلَّمْ أَحَدُكُمْ كَقَاتِل، أَوْ سَارِق، أَوْ فَاعِلِ شَرّ، أَوْ مُتَدَاخِل فِي أُمُورِ غَيْرِهِ” (1 بط 4: 15). نعم لا ينبغي أن نخجل من عار آلامنا لأجل فادينا بل “نَجِّدُ اللهَ مِنْ هذَا الْقَبِيلِ” (1 بط 4: 16).

وفي العهد القديم نرى صورة للألم الصامت، في قصة إسحق وأبيمالك الواردة في سفر التكوين الإصحاح السادس والعشرين، فقد حفر عبيد إسحق بئرًا ووجدوا بها ماءً حيًا، وإذا برجال الفلسطينيين يغتصبون البئر ويتركها إسحق لهم في هدوء ثم يعود عبيد إسحق فيحفروا بئرًا أخرى ويأتي الفلسطينيون فيغتصبونها ويظل إسحق صامتًا هادئًا، وأخيرًا يأتي اليوم الذي فيه يعترف ملك الفلسطينيين لإسحق بالقول “إِنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا أَنَّ الرَّبَّ كَانَ مَعَكَ” (تك 26: 28)، هنا تمجد الرب في عبده الصامت الذي تألم كابن من أبناء الله.

والألم لأجل المسيح معناه أيضًا الألم لأجل البر “وَلكِنْ وَإِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، فَطُوبَاكُمْ. وَأَمَّا خَوْفَهُمْ فَلاَ تَخَافُوهُ وَلاَ تَضْطَرِبُوا” (1 بط 3: 14). فالتمسك بحياة البر المُعلنة في الكلمة المكتوبة، لا بد أن يجلب علينا الألام، فيوسف في بيت فوطيفار كان في إمكانه ان ينجو من آلام السجن لولا أنه تمسك بحياة البر والطهارة فثمن البر هو ثمن غالي على طول الخط، وفي كثير من الأحوال يستكثر الناس هذا الثمن الفادح فينجرفون مع التيار تاركين المسيح ومثُله العُليا في الحياة.

حدثني أحدهم بهذه القصة قال «إنه بينما كان موظفًا بإحدى الوزارات طلب منه رئيسه أن يكتب تقريرًا عن شخص كان له أربع سنوات بلا ترقية، وأن يسجل في هذا التقرير أن هذا الموظف لا يستحق الترقية» قال محدثي «أحضرت ملف خدمة الموظف وفتشت في أوراقه فإذا به يستحق الترقية بلا جدال، فأمسكت بقلمي وكتبت تقريري عنه إنه موظف حسن السير والسلوك، يؤدي عمله بأمانة ويستحق بمقتضى القانون كل ترقية، ثم أرسلت التقرير لرئيسي ولما قرأه غضب وإستدعاني وقال لي: ماذا كتبت؟

قلت – كتبت الحقيقة التي رأيتها بملف خدمة الرجل.

قال – ولكن ماذا طلبت منك أن تكتب؟

قلت – إنكم طلبتم مني أن أكتب شيئًا مخالفًا للحقيقة.

قال – ولماذا لم تفعل؟

قلت – لأن ضميري كمسيحي لم يسمح لي أن أكتب شيئًا غير الحقيقة.

وهنا غضب الرئيس .. وكان من جراء غضبه على أمانتي أن نُقلت بعد أيام إلى عمل متعب في وزارة أُخرى.

لقد تألم ذلك الأخ الأمين لأجل تمسكه بالبر “وَجَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ يُضْطَهَدُونَ” (2 تي 3: 12).

يحدثنا التاريخ عن زوجة لورد بيرون أن زوجها كان يعذبها ويؤلمها بالضرب والإهانة والسبب الوحيد أنه كان يرى على وجهها ذلك الهدوء النفسي العميق الذي يوبخه على خطاياه ويعذبه في دخيلة نفسه على حياته الفاجرة المنحطة.

والألم لأجل المسيح يعني أخيرًا خدمة البذل والخدمة في ذاتها بذل “كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مت 20: 28).

وفي سبيل خدمة البشر لا بد أن نبذل من دماء حياتنا، ومن ذات نفوسنا، ويكفي أن اشير هنا إلى ما تحمله بولس في سبيل خدمة سيده لنرى صورة حقيقية ناطقة للآلام التي لأجل المسيح فلنسمع رسول الجهاد وهو يقول “أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ، فَأَنَا أَفْضَلُ: فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلًا وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ. بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ. فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ. عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ. مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟ “ (2 كو 11: 23-29).

هذه صورة للآلام التي لأجل المسيح، أختتمها بصورة أبطال الإيمان القدماء الذين لأجل المسيح ماتوا قتلاً بالسيف، وأُلقوا أمام الأسود، وأُحرقت أجسادهم بالنار، وأُلصقت بهم كل تهمة شنيعة .. يصفهم الرسول بالقول “وَآخَرُونَ تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ وَجَلْدٍ، ثُمَّ فِي قُيُودٍ أَيْضًا وَحَبْسٍ. رُجِمُوا، نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا قَتْلًا بِالسَّيْفِ، طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مِعْزَى، مُعْتَازِينَ مَكْرُوبِينَ مُذَلِّينَ، وَهُمْ لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ. تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ وَجِبَال وَمَغَايِرَ وَشُقُوقِ الأَرْضِ” (عب 11: 36-38).

هؤلاء جميعًا عاشوا في الألم، لأجل خدمة من أحبهم، فضحوا ليمجدوه في حياتهم وموتهم إذ «لم يحبوا حياتهم حتى الموت» وينبغي ان نفهم ان كل الم او تضحية ليس الغرض منها مجد المسيح لا تحسب في باب الآلام لأجل المسيح.

2)   الألم بحسب مشيئة الله:

يقف الكثيرون حيارى أمام الألم بحسب مشيئة الله، والذي يقول عنه الرسول بطرس “فَإِذًا، الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ، فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ، فِي عَمَلِ الْخَيْرِ” (1 بط 4: 19). ويكفينا ان نقرأ سفر ايوب لنرى فيه الألم الذي بحسب مشيئة الله فقد كان ايوب كما يسجل الوحي الإلهي “رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ” (أي 1: 8).

ومع ذلك فقد سمحت مشيئة الله أن يتألم ذلك الرجل الكامل المستقيم بأشد صنوف الآلام، فتمزق قلبه من الداخل لأجل اولاده الأعزاء الذين فقدهم في حادث رهيب، وتشوه جسده من الخارج بذلك القُرح الرديء الذي ضربه به الشيطان، وتألم عقله لأجل إستهزاء الناس به ومعاملة زوجته له.

ونحن نقف متسائلين: ما سر آلام هذا الرجل البار؟ ألم يكن الله عالم في سابق معرفته بإخلاص أيوب له، فلماذا سمح للشيطان أن يجربه؟ والجواب الوحيد هو أن هذه كانت مشيئة الله المخفية عنا، والتي ينبغي أن نسلم لها. لقد درس أصحاب أيوب الثلاثة في نقاشهم معه مشكلة الألم ولكنهم خرجوا من نقاشهم والمشكلة ما زالت سرًا غامضًا أمامهم. ولما تدخل الله في الموقف لم يشرح لأيوب السر بل أعاد له جماله وأملاكه وعزاه.

إن مشيئة الله الدائمة هي أن يتحدى الشيطان بالقول «هل جعلت قلبك على عبدي أيوب؟» ومما لا شك فيه ان أيوب – وكل مجرب مثله –  لم يكن يعلم ان الله قد جعل منه ميدانًا للمعركة الدائرة بينه وبين الشيطان.

لقد قال الآب عن إبنه “هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (مت 3: 17). ومع ذلك فنحن نقرأ أيضًا “أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ” (إش 53: 10).

في إحدى عظات الأب فرير عن الألم قال «هل حاولت مرة أن تُخرج شوكة دخلت في رجل كلب؟ هل تأملت ذلك الكلب وأنت تخرج الشوكة من رجله؟ إنه يحس بآلام مُبرحة أثناء عمليتك، ولكنه مع ذلك يقول بنظرات عينيه «إنك تؤلمني جدًا بما تعمله، ومع هذا فأنا أثق في محبتك لي فاستمر في عملك رغم آلامي».

إن هذه الصورة ترينا ما ينبغي علينا بإزاء الآلام التي بحسب مشيئة الله، فنحن نتألم لكننا نثق في محبة الله ولسان حالنا يقول كما قال سيدنا “أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلهِي سُرِرْتُ” (مز 40: 8). «جئت لا لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني» فإلهنا خالق أمين في عمل الخير.

3)   الألم لأجل الإمتحان:

يظهر للدارس في كتبات الرسول بطرس أنه تخصص في شرح مشكلة الألم الذي يصيب المؤمنين، وقد أرانا أن المؤمن قد يتألم لأجل المسيح أو بحسب مشيئة الله، وهنا يرينا أننا قد نتألم لأجل إمتحان إيماننا، فيتحدث عن بهجة الخلاص ثم عن آلام الإمتحان قائلاً  “الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ – إِنْ كَانَ يَجِبُ – تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1 بط 1: 6، 7).

في حياة إبراهيم نرى إختبارين، إختبار التجديد في الإصحاح الثاني عشر، وإختبار التكريس الكامل في الإصحاح الثاني والعشرين، في الإصحاح الثاني عشر نقرأ أن الله وجد إبراهيم إنسانًا عائشًا في أرض مليئة بالخطيئة والأوثان، فقدم له دعوة للخروج من تلك الأرض قائلاً “اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً” (تك 12: 1).

وعندئذ دخل الإيمان قلب إبراهيم فتجدد وأطاع الله .. ويقول كاتب العبرانيين في ذلك “بِالإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي” (عب 11: 8).

واستمر الله يعامل إبراهيم ويدربه، قائدًا إياه من درس إلى درس ومعلمًا له في طريق البر، إلى ان جاءت الساعة التي اراد الله أن يعطيه فيها ذلك اللقب الإلهي «خليل الله» وكان إبراهيم يحب إلهه لكنه كان يحب إسحق، ويبدو أنه أحبه أكثر مما ينبغي أن يكون وعندئذ يقول الكتاب  “وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ” (تك 22: 1) فقال “خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ … وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ” (تك 22: 2).

كان هذا إمتحانًا شديدًا لإمتحان إبراهيم، فقد وجه الله سهامه إلى الإبن الوحيد المحبوب إسحق، نور البيت، وأمل الحياة، وزهرة الربيع، وعزاء إبراهيم طول العمر وإلى أن يحتوي جسده القبر. لكن إبراهيم نجح في الإمتحان ودعيَّ «صديق الله» و «أب المؤمنين» الذين ينجحون في إمتحانات الله، ولذا يقول يعقوب الرسول “طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ” (يع 1: 12).

ويشرح يعقوب الموقف الواجب على المؤمن بإزاء آلام الإمتحان قائلاً “اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ” (يع 1:  2-4).

4)   الألم لأجل التأديب والتوبيخ:

تقع مسئولية آلام التأديب والتوبيخ على عاتق المؤمن الذي ينحرف عن طريق البر، ويسير في طريق مضاد لمشيئة الله في حياته أو في بيته فيضطر الآب السماوي الحنون ان يؤدبه لأجل نفعه كما يقول داود في المزمور “قَبْلَ أَنْ أُذَلَّلَ أَنَا ضَلَلْتُ، أَمَّا الآنَ فَحَفِظْتُ قَوْلَكَ” (مز 119: 67).

وفي الرسالة إلى العبرانيين يكتب الرسول عن آلام التأديب قائلاً “يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ. لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ». إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟ وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ. ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلاَ نَخْضَعُ بِالأَوْلَى جِدًّا لأَبِي الأَرْوَاحِ، فَنَحْيَا؟ لأَنَّ أُولئِكَ أَدَّبُونَا أَيَّامًا قَلِيلَةً حَسَبَ اسْتِحْسَانِهِمْ، وَأَمَّا هذَا فَلأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ، لِكَيْ نَشْتَرِكَ فِي قَدَاسَتِهِ. وَلكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرٍّ لِلسَّلاَمِ” (عب5:12-11).

وهذه عبارات ترينا تأديب الآب السماوي لأولاده وتؤكد لنا أن التأديب هو دليل المحبة الكاملة، فالأب الحكيم لا يمكن أن يترك إبنه المحبوب يسير في طرق معوجة دون أن يؤدبه ويوبخه حتى يعود إلى الطريق المستقيم. ويستخدم الأب في تأديب أولاده عدة وسائل فهو يستخدم (العصا) كما يقول صاحب الأمثال “اَلْجَهَالَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِقَلْبِ الْوَلَدِ. عَصَا التَّأْدِيبِ تُبْعِدُهَا عَنْهُ” (أم 22: 15).

وهو يستخدم (أشواك الحياة) كما يقول في هوشع “لِذلِكَ هأَنَذَا أُسَيِّجُ طَرِيقَكِ بِالشَّوْكِ، وَأَبْنِي حَائِطَهَا حَتَّى لاَ تَجِدَ مَسَالِكَهَا. فَتَتْبَعُ مُحِبِّيهَا وَلاَ تُدْرِكُهُمْ، وَتُفَتِّشُ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَجِدُهُمْ. فَتَقُولُ: أَذْهَبُ وَأَرْجعُ إِلَى رَجُلِي الأَوَّلِ، لأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَانَ خَيْرٌ لِي مِنَ الآنَ” (هو 2: 6، 7).

وهو يستخدم (أوجاع الجسد) كما يقول أليهو في حديثه لأيوب “لكِنَّ اللهَ يَتَكَلَّمُ مَرَّةً، وَبِاثْنَتَيْنِ لاَ يُلاَحِظُ الإِنْسَانُ. فِي حُلْمٍ فِي رُؤْيَا اللَّيْلِ، عِنْدَ سُقُوطِ سَبَاتٍ عَلَى النَّاسِ، فِي النُّعَاسِ عَلَى الْمَضْجَعِ. حِينَئِذٍ يَكْشِفُ آذَانَ النَّاسِ وَيَخْتِمُ عَلَى تَأْدِيبِهِمْ، لِيُحَوِّلَ الإِنْسَانَ عَنْ عَمَلِهِ، وَيَكْتُمَ الْكِبْرِيَاءَ عَنِ الرَّجُلِ، لِيَمْنَعَ نَفْسَهُ عَنِ الْحُفْرَةِ وَحَيَاتَهُ مِنَ الزَّوَالِ بِحَرْبَةِ الْمَوْتِ، أَيْضًا يُؤَدَّبُ بِالْوَجَعِ عَلَى مَضْجَعِهِ، وَمُخَاصَمَةُ عِظَامِهِ دَائِمَةٌ” (أي14:33-19).

ويقينًا ماذا يفعل الآب السماوي للمؤمن الذي يترك بيته بلا مذبح للصلاة؟ ويترك بناته بلا قيادة أو توجيه؟ ويترك أبناءه يعيشون في طريق العصاة؟ إنه لا بد أن يؤدب مثل هذا الشخص، كما أدب عالي الكاهن فسقط من فوق كرسيه ومات بسبب إهماله في توبيخ أبنائه المستبيحين. وكم من أب يتحدث إليه أولاده بكلام صعب، وكم من أم يعتدي عليها أولادها بالسب والضرب، وكل ذلك يرجع إلى إهمال التربية والتهذيب والتوجيه، وليس اللوم في هذا على الله، بل اللوم على المؤمن الذي لم يسلك بحسب كلمة الله في بيته.

وفي السجل المقدس صورة رهيبة لآلام التأديب نراها في حياة داود فقد سقط ذلك الملك وهو يظن أن الملوك يحل لهم أن يعملوا ما لا يعمله الشعب، وأنهم لا يحصدون ما يزرعون، ولكن الله أدبه ليؤكد له «إن ما زرعه الإنسان إياه يحصد أيضًا» وأن «العصا لظهر الناقص الفهم» ولنسمع كلام الله لذلك الإبن الساقط المسكين “لِمَاذَا احْتَقَرْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ لِتَعْمَلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيْهِ؟ قَدْ قَتَلْتَ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ بِالسَّيْفِ، وَأَخَذْتَ امْرَأَتَهُ لَكَ امْرَأَةً، وَإِيَّاهُ قَتَلْتَ بِسَيْفِ بَنِي عَمُّونَ. وَالآنَ لاَ يُفَارِقُ السَّيْفُ بَيْتَكَ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّكَ احْتَقَرْتَنِي وَأَخَذْتَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ لِتَكُونَ لَكَ امْرَأَةً. هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الشَّرَّ مِنْ بَيْتِكَ، وَآخُذُ نِسَاءَكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَأُعْطِيهِنَّ لِقَرِيبِكَ، فَيَضْطَجعُ مَعَ نِسَائِكَ فِي عَيْنِ هذِهِ الشَّمْسِ” (2صم9:12-11).

وتعال بنا لنرى مقدار الألم الذي إجتاز فيه داود تأديبًا له على خطيته، فأمنون إبنه قد إعتدى على أخته ثامار وأذلها، وأبشالوم قتل أخيه الشرير أمنون، ثم قام بالثورة ضد أبيه ليملك على عرشه إلى أن قتله رئيس الجيش يوآب، ويكفي أن نتصور ذلك الملك الشيخ الذي تمتع بجلال المُلك السنين الطويلة وهو يسير حافي القدمين وفي مقابلة شمعي بن جيرا البنياميني، يسبه ويرشقه بالحجارة، ويقول له «أخرج يا رجل الدماء ورجل بليعال» ثم نصغي إلى آلام ذلك الملك وهو يُجيب رئيس جيشه الذي أراد ان يقتل شمعي قائلاً له «دعوه يسب لأن الله قال له سب داود» لنُدرك عظم التأديب الذي وقع على داود.

وكم من مرات يضطر الآب الحنون إلى تأديب أولاده لتنبيههم على أخطائهم، وليس علينا إلا أن نتصور صورة ذلك المؤمن الضعيف (لوط) وهو يخرج من سدوم يجر قدميه جرًا، وقد تحطم قلبه على بناته اللواتي تركهن طُعمة للنيران، وعلى ممتلكاته التي تركها اُكلاً للهيب، بل على زوجته التي تركها عمودًا من الملح في طريق اللعنة.

لقد نال ذلك الرجل عقاب ضعفه لأنه أحب سدوم، ولم يستطع أن يرفع اسم إلهه فيها، فأدبه إلهه وأخرجه من سدوم صفر اليدين …

وكل ما نقدر أن نقوله في الختام هو تلك الكلمات التي رددها صاحب المزمور “طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي تُؤَدِّبُهُ يَا رَبُّ، وَتُعَلِّمُهُ مِنْ شَرِيعَتِكَ” (مز 94: 12).

لأنه عن طريق التأديب يعود المرتدون إلى أحضان الآب السماوي وعلى شفاههم الكلمات “هَلُمَّ نَرْجعُ إِلَى الرَّبِّ لأَنَّهُ هُوَ افْتَرَسَ فَيَشْفِينَا، ضَرَبَ فَيَجْبِرُنَا” (هو 6: 1).

وعندئذ نفهم معنى العبارات الجليلة “إِذْ قَتَلَهُمْ طَلَبُوهُ، وَرَجَعُوا وَبَكَّرُوا إِلَى اللهِ، وَذَكَرُوا أَنَّ اللهَ صَخْرَتُهُمْ، وَاللهَ الْعَلِيَّ وَلِيُّهُمْ” (مز 78: 34، 35).

5)   الألم الفدائي:

هذا هو الألم الذي يرتقي فيه المؤمن ليصل إلى صفات فاديه، فالمسيح كانت آلامه كلها آلامًا فدائية «لأنه لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه غش» ومع ذلك فهو «مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شُفينا» وقد تمر بالمؤمن ظروف يتألم فيها ألمًا فدائيًا عندما يصمُت عن الإهانة التي تلحقه ليحتمل الألم نيابة عن المسيء إليه.

فعندما يسمع كلمات جارحة لشعوره فيصمُت عنها بدلاً من أن يُؤلم قائلها بأشد منها، يُصبح في هذا الموقف كفاديه الذي وقف صامتًا أمام تعيير المعيّرين واستهزاء المستهزئين، وعندما يُضرب على خده الأيمن فيحول خده الأيسر لضاربه ليفتدي خد الضارب بخده يكون في ذلك الوقت فاديًا لضاربه محتملاً الألم نيابة عنه.

 عندئذ يتم فيه القول الذي قاله بطرس عن المسيح “فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالًا لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ. «الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ»، الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْل” (1بط21:2-24).

هذا هو الألم الذي أحب الرسول أن يختبره فقال “لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ” (في 3: 10). بل هذا هو الألم الذي إختبره الرسول فعلاً وقال عنه للمؤمنين في كولوسي “الَّذِي الآنَ أَفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ، الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ” (كو 1: 24). وكأنه يقول لهم إنني لم أبلغ بعد إلى آلام سيدي، وأمنية قلبي أن أصل في آلامي إلى قمة شدائده وآلامه فأتألم من الذين اضطهدوه كما تألم هو لأجل جسده الذي هو الكنيسة.

وطوبى لمن يتألم هذه الآلام الفدائية، فأنه يقدر أن يهتف مرددًا “فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا” (رو 8: 18).

6)   الألم بسبب الإختيار الأناني الخاطيء:

ما أكثر الذين يتألمون بسبب إختيارهم الخاطيء! وسر آلامهم أنهم لم يُخضعوا إراداتهم لإرادة الآب السماوي الحكيم، ولم يطلبوا منه أن يختار لهم نصيبهم في الحياة بل أسرعوا منجرفين مع تيار المادة، أو تيار الإيحاءات البشرية من الأهل والأصدقاء وإختاروا لأنفسهم أسوأ إختيار.

جاءني أحد المؤمنين مرة، وعلى وجهه علامات الحزن والكآبة وقال: «صلّ من أجلي»، ثم سكت قليلاً وعاد يقول «لقد ظُلمت في زواجي، أغراني جمال زوجتي، وجذبني مالها فاخترت لنفسي، وها أنذا أذوق عذاب الجحيم في بيتي».

 ويقينًا أن هذا الشاب ليس الوحيد في الأرض من المتألمين في زواجهم بسبب إختيارهم الخاطيء فكل مؤمن يختار لنفسه فتاة خالية من التقوى تجري بقدميها إلى دور الملاهي، وتعيش في حياة الخطية، وتحيا للزينة الخارجية، فيدفعه المال، أو الجمال الزائف، أو العلم إلى الزواج بها، دون أن يستشير الرب وينتظر إرشاده لا بد أن يقضي حياته في ألم، وكل مؤمنة تختار لنفسها زوجًا كل ما تراه فيه هو ماله أو جماله أو شخصيته أو مركزه دون إعتبار لحقيقة إختباره مع الله لا بد أن تعيش في حياة قلقة موزعة مليئة بالمنغصات “لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟” (2كو14:6، 15). وما دام البيت لا يتمتع بالانسجام في الحياة الروحية فلا يمكن أن يسوده السلام المنشود.

ذهبت إحدى الفتيات مرة إلى راعي كنيستها، تطلب منه أن يسديها النصح في موضوع زواجها، ثم عرفته بالشاب الذي وقع عليه إختيارها، سألها الراعي «هل هو متجدد؟» قالت «كلا، ولكنه مؤدب وغني» قال لها الراعي «أيتها الأخت إن حدث أن تزوجتِ هذا الشاب، وامتلأت حياتك بالألم، فإياكِ ان تلومي الله، إنكِ وحدك الملومة، لأنك إخترتِ الغنى، والشاب الخاطيء، وكسرتِ أمر الرب الصريح … لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين».

قالت الفتاة: «وماذا أعمل؟ إن الشباب المؤمن قليل، فهل أبقى بلا زواج حتى يأتيني الشاب المؤمن القديس؟!» قال الراعي: «نعم. خير لكِ ألف مرة أن تعيشي بلا زواج، من زواج تكونين فيه على شاطيء السماء ويكون زوجك على شاطيء الجحيم».

ألم يتألم لوط لأجل إختياره الأناني الخاطيء؟ لقد نظر إلى سدوم فرأى جمالها «كجنة الرب كأرض مصر»، ولو انكشف الحجاب عن عينيه لرأى النار وهي تلتهم البلاد. وإختار لوط لنفسه، فلم يعبأ بعواطف إبراهيم، ولا بمشاعر سارة، لكنه وضع لذته وربحه ومستقبله فوق كل شيء، ثم نقل خيامه إلى سدوم، فعاشر الأشرار، وكانت نتيجة هذا الإختيار الأناني أنه خسر كل شيء.

خسر المال الذي ذهب للبحث عنه “لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ” (1 تي 6: 10). وخسر راحة النفس والضمير “إِذْ كَانَ الْبَارُّ، بِالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَهُوَ سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، يُعَذِّبُ يَوْمًا فَيَوْمًا نَفْسَهُ الْبَارَّةَ بِالأَفْعَالِ الأَثِيمَةِ” (2 بط 2: 8). وخسر تأثيره على بناته وأصهاره، وخسر زوجته، وأخيرًا خسر أخلاق إبنتيه وإجتاز هذه الآلام بسبب الإختيار الخاطيء.

وكل مؤمن يختار مكان الحياة أو مهنة الحياة، أو شريكة الحياة دون إستشارة الله، يدخل بلا شك في بوتقة الألم ويكتوي بنارها المُحرقة.

فصلّ أيها المؤمن من القلب، عند كل إختيار يمس مستقبلك وخصوصًا في موضوع زواجك لأنه يتعلق بفرصة الحياة، وقل للآب السماوي المُحب «اختر لي نصيبي» وعندما يختار لك الآب نصيبك فسيحمي حياتك من الم الإختيار الخاطيء فتُردد مُرنمًا

“حِبَالٌ وَقَعَتْ لِي فِي النُّعَمَاءِ، فَالْمِيرَاثُ حَسَنٌ عِنْدِي” (مز 16: 6).

الفصل الثاني

حكمة الله في الألم

ما هي حكمة الله في آلام البشر؟! إن كثيرًا من آلامنا يمكن تفسيرها وتعليلها ومعرفة ينابيعها، فمشكلة الفقر مثلاً ليست المسئولية فيها على الله، بل أن كثيرًا من الفقر المتفشي في معظم بلدان الدنيا يعود إلى نقص في النظم الإجتماعية والإقتصادية، أو إلى جشع الأغنياء وأنانيتهم، وخلو قلوبهم من الرحمة على بني الإنسان إخوتهم، فهم يملكون الذهب ويكنزونه ويتركون إخوتهم يتضورون جوعًا وعريًا.

أذكر بهذه المناسبة قصة غلام سلم حياته للمسيح وكان غلامًا مسكينًا يرتدي ثيابًا رثة فقابله صديق غير مؤمن وتهكم عليه قائلاً «اسمع يا وليم لماذا لا تطلب من المسيح رداء جديدًا يليق بكرامتك؟» وهنا أجابه الغلام في جرأة «إن المسيح ليس مسئولاً عن هذا لأنه أوصى إخوتي الأغنياء أن يستروا عريي وهم قد نسوني، فالمسئولية ليست على المسيح مخلصي بل على إخوتي».

وعلى هذا القياس يمكننا القول أن كثيرًا من الآلام تقع مسئوليتها على البشر، فالنظم الإقتصادية هي المتسببة في آلام الفقر والآباء النجسون هم السبب المباشر في أمراض أولادهم الوراثية التي تتسبب عن النجاسة، واللصوص، والخداعون، والمراؤون هم علة آلام كثيرة في هذه الأرض.

لكننا مع هذا لا نستطيع أن ننكر وجود تلك المآسي التي لا يّد للبشر فيها، والتي تحير عقول المفكرين من بني الإنسان وسأقدم للقاريء الكريم بضعة صور من الأحداث التي تقع للناس تملأ العقل الإنساني حيرة وأسى فيقف عاجزًا عن معرفة حكمة الألم في الحياة.

الحادث الأول حدث أثناء خدمتي لله في مدينة ملوي، فقد كان إلى جوار منزلي عائلة لها إبن تترجاه من الله، وكان ذلك الولد يذهب يوميًا بالقطار إلى مدينة المنيا إذ كان طالبًا بالمدرسة الثانوية هناك، وحدث ذات يوم أن سقط بين القضبان وهشمه القطار تهشيمًا. ذهبت لتعزية والده الذي برح به الألم وبدأت أتحدث إليه عن حكمة الله وهنا قاطعني الوالد الحزين قائلاً«أين حكمة الله في موت ولدي؟ لقد صلى قبل خروجه طالبًا حفظ الله وعنايته لكن الله سمح له أن يموت هذه الميتة الرهيبة .. فأين هي حكمة الله؟!»

الحادث الثاني قصه أحد الرعاة المصريين في كتاب له أنقله كما جاء فيه قال: حدثنا أحد المرسلين في بلاد الهنود قال «هجمت الدفتيريا على بيتين في بلاد الهند فأصابت ولدًا في كل منهما. فاستخدم الأطباء كل ما وهبهم الله من حكمة وما أعده العلم من مُعدات لمطاردة هذا الداء العضال، فشفيَّ أحد الولدين ومات الآخر أما الولد الذي عاش، فله خمسة إخوة، وأما الذي مات فهو حفيد وحيد لشيخين هدهما الزمن. فهل نعجب إذا وقف هذا الجد ذاهلاً ووقف بجانبه شريكة حياته مبهوتة، ونطق كلاهما بلسان حالهما بعد أن إنعقد لسان مقالهما قائلين «أين هي حكمة الله؟»

أما الحادث الثالث فهو مأساة محيرة حدثت لعائلة كانت تجاور بيتي، وكانت العائلة مكونة من جد شيخ قد زاد عمره عن المائة سنة، ووالد فاقد البصر لا يسير في الطريق إلا ومعه رجل آخر يرشد خطاه، وابن شاب لهذا الوالد الأعمى … دخلت الحمى التيفودية إلى ملوي وغزت من البيوت التي غزتها هذا البيت وصوبت هدفها إلى جسد الشاب الوحيد الذي كان عكازًا لجده الشيخ وبصرًا لوالده الأعمى واستمر المرض ينهش في جسد الشاب المريض رغم محاولات الأطباء إلى أن قضى على حياته ومات.

وهنا أذكر حادثًا رابعًا قصه طبيب مشهور من اختبارات حياته قال «كنت أعالج أسرة مكونة من زوج وزوجته وشقيقتها، وكان الزوجان مشلولين من زمن بعيد، وكانت شقيقة الزوجة موفورة الصحة، تقوم على خدمتهما، ثم جاء دور (الحمى الأسبانيولية) في الحرب الماضية، فأصيب بها ثلاثتهم وما كدت أبدأ معالجتهم من هذه الحمى حتى فوجئت بالشفاء التام للزوجين المشلولين اللذين قضيا سنوات عدة لا يفارقان الفراش، بينما توفيت شقيقة الزوجة، دون أن تمرض أكثر من أيام». فما هي حكمة الله في هذا الحادث العجيب؟

ولنضف إلى هذه الحوادث، آلام الأطفال الأبرياء الذين يقضون بعد عذاب طويل في أمراض حادة مؤلمة، وآلام أولئك القديسين الذين ألقى بهم الأشرار في أتون الألم بلا ذنب ولا جريرة كيوحنا الذي أُرسل إلى جزيرة بطمس بأمر دوميتان، لا لشيء إلا لأنه يعظ الناس بإنجيل النور والحق والحياة، وكيوسف الذي زُج به في سجن من سجون مصر لأجل تهمة كاذبة ألصقتها به امرأة مستهترة.

جاءتني ذات يوم فتاة تعسة تشكو إليً من معاملة والدها، وبدأت تقص عليَّ قصص تصرفاته الآثمة والدموع في عينيها وبعد أن انتهت من أقاصيصها المؤلمة المخيفة التفتت إليَّ وقالت: «لماذا سمح الله أن أولد في بيت كهذا؟!»

والإنسان المتأمل يردد متسائلاً: ما هي حكمة الله في آلام كهذه الآلام؟ وليس عند الشخص المُفكر الذي يعيش بدون إيمان في الله سوى رد واحد هو أن يقول: «إن زمام الحياة قد أفلت من يد الله، فأصبحت حياة الناس في يد الصدفة تسوقها كيف تشاء».

لكن إجابة كهذه، هي إجابة العقل القاصر الضعيف لأننا في واقع الأمر لا نعرف سر الألم إذ ليس في إمكاننا أن نرى قصة الحياة كاملة، ولا نستطيع أن نرى الكون بأكمله ولذا فنحن لا نقدر أن نرى ما فيه من تناسق وجمال.

حدثنا شاعر جليل عن نملة سمعت كثيرًا عن جمال إلهة الجمال فينوس فذهبت لترى ذلك الجمال، لكنها لم تستطع أن تراه دفعة واحدة فصارت تتسلق وجه فينوس لكنها لم تقدر أن تدرك ما فيه من جمال وعندئذ خرجت صاخبة غاضبة على الآلهة التي خلقت هذه الخليقة المشوهة. تمامًا كما يفعل الكثيرين من الذين لا يستطيعون إدراك حكمة الله في الحياة فيجدفون ويتذمرون على إله السماء .. وإليك ما قاله الشاعر العظيم الذي وصف هذا المنظر الفريد.

«دخلت فينوس الغابة الإلهية المقدسة عند الفجر لتستحم، فضفرت غدائرها حول رأسها شبه إكليل وغمست جسمها الوردي العجيب في حوض بلوري مملوء عطرًا من ورود الجنان، ولما فرغت من عملها خرجت من الحوض واستلقت على بُساط الأعشاب السندسية وغرقت في سبات عميق.

ومر بها إله صغير يحمل إلى سيده الجبار جوبتير قهوة الصباح فبهرته وخلبت لبه وصرفته عن عمله. فقضى برهة يتأمل ذلك الهيكل القدسي الفخم غير آبه لما ينتظره من شديد العقاب. في أثناء ذلك كانت نملة تدب على الوجه الجميل الصبيح فتصعد الأنف، ثم تهبط منه، وتدخل الأذن فتتيه في منعطفاتها، ثم تخرج منها ساخطة مغضبة، لأن الآلهة تخلق مثل هذه الخليقة المشوهة التي لا تناسق فيها ولا جمال».

هذه هي الصورة التي رسمها الشاعر الناثر، وهي توضح لنا هذه الحقيقة وهي أن العقل البشري الصغير قاصر – كتلك النملة –  عن أن يرى تناسق هذا الكون الجميل.

فلنذهب الآن إلى الكتاب المقدس نُقلب صفحاته ونسمع فيه صوت الله متكلمًا معلنًا لنا بعض حكمته في آلام البشر.

والسجل المقدس يعلن لنا أن الله قد يسمح لنا في سامي حكمته بالآلام ليعرف ما في قلوبنا من جهته: ففي ساعة الهناء والشبع والراحة يقدر القلب أن يشكر مردد مع داود “بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ. بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ” (مز 103: 1، 2).

لكن عندما تأتي أوقات المذلة يُظهر موقفنا الحقيقي تجاه إلهنا ولذا فنحن نسمع حديث موسى إلى الشعب الإسرائيلي وهو يقول لهم “تَتَذَكَّرُ كُلَّ الطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا سَارَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هذِهِ الأَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ، لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ لِيَعْرِفَ مَا فِي قَلْبِكَ: أَتَحْفَظُ وَصَايَاهُ أَمْ لاَ؟ فَأَذَلَّكَ وَأَجَاعَكَ” (تث2:8، 3). وهكذا يسمح الله بإذلالنا وبإدخالنا في بوتقة الألم ليعرف إن كنا نشكر في كل حين على كل شيء، أم نتذمر في عناد قلب!!

ويعلن لنا الكتاب أيضًا أن الله يسمح في سامي حكمته بآلامنا ليذكرنا بخطايانا السالفة: وسأكتفي بأن أذكر في هذا المقام بضعة آيات من الكتاب، ففي سفر التكوين نرى إخوة يوسف واقفين أمامه في موقف الإتهام، والرجل يحاول أن يعصرهم ليعلن أفكار قلوبهم وإذا بهم يلتفتون بعضهم إلى بعض قائلين “حَقًّا إِنَّنَا مُذْنِبُونَ إِلَى أَخِينَا الَّذِي رَأَيْنَا ضِيقَةَ نَفْسِهِ لَمَّا اسْتَرْحَمَنَا وَلَمْ نَسْمَعْ. لِذلِكَ جَاءَتْ عَلَيْنَا هذِهِ الضِّيقَةُ” (تك 42: 21).

فالضيقة التي وقعوا فيها أعادت إلى ذاكرتهم صورة يوسف يوم استرحمهم ليرحموه، فلم يعبأوا بصراخه وألقوه في البئر ثم باعوه للإسماعيليين، فلما جاء الألم قال لهم الضمير المتيقظ «ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضًا».

وفي سفر الملوك الأول نجد تلك الأرملة التي نزل عليها إيليا ضيفًا وقد مرض إبنها واشتد مرضه حتى لم تبق فيه نسمة، وهنا أيقظ الألم ضمير تلك الأرملة، وأعاد إليها صورًا من آثامها الماضية فصرخت إلى إيليا بالدموع قائلة “مَا لِي وَلَكَ يَا رَجُلَ اللهِ! هَلْ جِئْتَ إِلَيَّ لِتَذْكِيرِ إِثْمِي وَإِمَاتَةِ ابْنِي؟” (1 مل 17: 18).

والكتاب المقدس يُعلن لنا سرًا ثالثًا في حكمة الألم، هو أن الألم قد يُسمح به لنا ليعلمنا أن لا ندبر لأنفسنا أي تدبير في برنامج هذه الحياة دون رضى الله: فلوط قد إختار لنفسه كل دائرة الأردن لإنه رأى أن جميعها سقي كجنة الرب كأرض مصر، ولم يستشر الله في إختيار مكان الحياة، فكان أن جاء الألم فخرج من سدوم يحمل بين جَنبيه قلبًا محطمًا يُدمي على بناته اللواتي أحرقتهن نيران غضب الله، وعلى زوجته التي إنقلبت إلى عمود ملح أصم، وعلى أمواله التي قضى العمر في جمعها. وكأن الله يعطيه هذا الدرس القاسي ليتعلم أن لا يدبر لنفسه طريقًا في برنامج الحياة دون إستشارة الله.

ونرى في الكتاب المقدس سرًا رابعًا وهو أن الله يسمح في حكمته بآلامنا لنكون أرض معركة بينه وبين الشيطان يسجل بنا إنتصاره الأبدي في القديسين: وسفر أيوب هو قصة الألم في حياة رجل جعله الله أرض معركة بينه وبين الشيطان، فأثبت في إحتماله وصبره قوته ونصرته الآبدية في القديسين.

وسر آخر من أسرار وجود الألم في الحياة، هو أن يكون الألم حافظًا لبني الإنسان من الأخطار التي قد يمكن أن يتعرضوا لها، فتهلك حياتهم لو خلا العالم من الآلام: فلنتصور عالمًا خاليًا من الألم الجسدي الذي يوقف الإنسان عند حده المعقول، وينبهه إلى الخطر الذي أمامه، وخاليًا من الألم النفسي الذي يلهب الضمير فيوقف الإنسان أمام محكمة نفسه ويردعه عن إرتكاب المعاصي، إن عالمًا كهذا ينهار في يوم واحد، ويتعرض من فيه للموت في ساعات.

سجلت لنا مجلة (ساينس دايجست) قصة ذكرتها الجمعية الطبية الأمريكية عن فتاة وُلدت وهي لا تحس الألم، لأنها كانت من ذلك النوع الشاذ الذي يُولد مُخدرًا تخديرًا طبيعيًا محرومًا من الإحساس بالألم حرمانًا تامًا، وحياة هذه الفتاة سلسلة رهيبة من الأخطار، فقد إنكسر ساقها وعمرها ثلاثة أعوام ولم يدر ذووها إلا بعد مرور شهر كامل على الحادث، وقد طلبت إليهم إسعافها لا لأنها شعرت بالألم بل لأن ساقها ظلت مشتبكة بقطعة من أثاث البيت، وقد عالجها الطبيب بغير مُخدر فلم تشعر بأقل ألم حينذاك، وفي السنة الأولى من عمرها كسر مرفقها الأيسر فلم يعلم أهلها بذلك إلا بعد أن لاحظوا إعوجاجًا فيه، لأنها كانت لا تبكي منذ ولادتها، إذ كانت خالية من الإحساس بالألم.

وفي يوم ما شم والداها رائحة شحم يحترق، ثم بحثا عن مصدره فإذا بهما يجدانها متكئة على موقد ساخن، وكانت تقول إنها ترتاح للمس الأشياء الساخنة.

وقد إضطر والداها مرة إلى ربط يديها لأنها أنشبت أظافرها في أنفها حتى كادت تجدعه، وقطعت طرف لسانها بأسنانها بغير ان تعي. وكانت الفتاة لفقدها الشعور بالألم يصعب عليها أن تدرك معنى الألم عند سواها، ولهذا إشتهرت بخشونتها وعنفها في معاملة الأطفال فتجنبوا اللعب معها.

إن الذي يدرس قصة هذه الفتاة، لا بد أن يشكر الله على تلك النعمة العظيمة، نعمة الألم التي نعانيها في الحياة، فلولاها لما كان الألم، وتدفع صاحبها للدفاع عن نفسه عندما يلحقه ضرر أو تهدده قوة من الخارج تحاول أن تؤذيه.

وثمة سبب آخر لحكمة وجود الألم في الحياة، هو أن يعطي الله فرصة لإستخدام الإحساسات والعواطف النبيلة العليا التي وهبها لبني الإنسان: فما معنى الحنان ما لم يكن هناك شخص تُغدقه عليه؟

ومن أولى بالحنان أكثر من شخص مُتألم في هذا الوجود؟ وما معنى الرحمة والعطف والشفقة والمروءة إلا إذا إستخدمها الإنسان في تخفيف دموع المحزونين ومواساة البائسين؟ .. إن الألم هو أعظم فرصة لإظهار أسمى عواطف الإنسان من نحو أخيه الإنسان، وعندما تخلو الحياة البشرية من العاطفة تعلو عنها حياة الحيوان.

ونقدر أن نقول أيضًا إن الله في سامي حكمته وضع الألم في الحياة ليكون رادعًا للبشر، وعقابًا للشرير: فقد قطع أدوني بازق أباهم أيدي وأرجل سبعين ملكًا فجاء اليوم الذي قطع محاربوه أباهم يديه ورجليه حتى قال “سَبْعُونَ مَلِكًا مَقْطُوعَةٌ أَبَاهِمُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ كَانُوا يَلْتَقِطُونَ تَحْتَ مَائِدَتِي. كَمَا فَعَلْتُ كَذلِكَ جَازَانِيَ اللهُ” (قض 1: 7). وقطع أبيمالك رؤوس سبعين من إخوته على حجر لينفرد بالمُلك فسقط حجر على رأسه ومات، وصنع هامان صليبًا لمُردخاي، فصُلب عليه بدلاً منه “كَرَا جُبًّا. حَفَرَهُ، فَسَقَطَ فِي الْهُوَّةِ الَّتِي صَنَعَ. يَرْجعُ تَعَبُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَعَلَى هَامَتِهِ يَهْبِطُ ظُلْمُهُ” (مز 7: 15، 16).

ولو خلا عالمنا من الألم، ماقدرت أمة أن تنتظم. ولا استطاعت حكومة أن تحكم، لأن الناس إذ يخشون القانون، يخشون في حقيقة الأمر الألم. فشكرًا لله على نعمة وجود الألم في الحياة.

وثمة سبب آخر يرينا حكمة وجود الألم في الحياة هو أن الله قصد في سامي حكمته أن يزيد إحساسنا بمسئوليتنا إزاء أنفسنا وإزاء الأخرين: لما غرقت الباخرة دندرة امتلأت عقول الكثيرين بالحيرة إزاء حكمة الله في هذه المأساة، ونسوا وهم يوجهون اللوم إلى الله أن يفكروا في عظم مسئولية الإنسان، فالذين ركبوا الباخرة وهم يرون أنها تحمل هذا العدد الكبير مسئولون عن أنفسهم.

والذي يركب السيارة العامة رغم تحذير السائق بأن العدد كامل هو مخطيء ومسئول مع غيره عن الكارثة التي يمكن أن تقع، والذي يزاحم في الشارع ويقطع الطريق على السيارات هو مسئول عن الخطر الذي يصيبه .. وسائق السيارة المُهمل الذي يخالف إشارات المرور وينطلق بسيارته كالمجنون لكي يسبق غيره أو يبلغ مقصده قبل الموعد المعقول مسئول عن كل ما يصيبه، والألم الذي يصيب الناس من استهتارهم، وعدم إنتباههم، وإهمالهم هو الناقوس الذي يعلن لنا عظم مسئوليتنا إزاء أنفسنا وإزاء الآخرين وقد يسأل سائل ما ذنب الأطفال الذين ذهبوا ضحية مأساة دندرة وهم لا يفهمون معنى المسئولية؟

ويقينًا إن المسئولية هنا تقع على عاتق الكبار، ولكن عزائنا أن كل الأطفال بغير إستثناء يذهبون إلى السماء فموتهم بالنسبة إليهم أفضل من الحياة، ولو أنه آلم الكثيرين من الأحياء.

ويمكننا أن نقول كذلك أن الله قد أراد في حكمته أن يشوه جمال أرضنا بالآلام ليرفع أنظارنا إلى السماء الجميلة الخالية من الأتعاب:فهناك يبطل الحزن والصراخ والوجع والدموع، فلو تمتعنا في الأرض بكل ما نتمنى من الراحة والهناء، ولو بقى معنا هنا كل حبيب عزيز للقلب، ما فكرنا إطلاقًا في ما وراء ستار الحياة.

ومن يدري فقد تكون حكمة الله في الألم أن يرفع حياتنا، وأن يفتح عقولنا إلى معرفة أعمق لشخصه الكريم: فنراه من خلال دموعنا بكيفية لا نستطيع أن نراه بها من خلال إبتساماتنا ونقول مع أيوب بعد أن رفعته آلامه فوق حجاب المادة فرأى إلهه “بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ” (أي 42: 5، 6).

والواقع أننا عندما نرى الألم على ضوء الغرض الذي أراده الله في حكمته يحل لنا لغزه، لكن في مرات يخفى عنا ذلك الغرض، فالشجرة المثمرة في أحد البساتين لو كان لها لسان لقالت للبستاني في أنين: لماذا تعمل فيّ بسكينك الحاد وتقطع بعض أغصاني؟ ولأجابها البستاني «إن سر ألامك هو في أنك مثمرة، وأنا أرجو أن أزيد ثمرك» فكل غصن يأتي بثمر أُنقيه ليأتي بثمر أكثر، وهكذا تحل أمامنا بعض معضلات الألم.

لقد إجتاز تلاميذ يسوع ذات الإختبار الذي نجتازه نحن، فوقفوا في حيرة أمام مشكلة الألم، وحكمة الله فيه – كما نقف نحن ذاهلين أمام آلام الطفولة، وشقاء الأبرياء – وسألوا السيد مرة وهم يتأملون في رجل مولود أعمى هذا السؤال:

“يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟. أَجَابَ يَسُوعُ: «لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ” (يو2:9، 3). فأعمال الله التي تظهر في إشراق شمس الصباح، وفي جمال زهور الحدائق، تظهر أيضًا في مولود أعمى.

وكما أجاب السيد على الذين أتوا إليه يخبرونه أن لعازر الذي يحبه مريض، يجيب على كثير من أفكارنا “هذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ، بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللهِ، لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللهِ بِهِ” (يو 11: 4). ففي كثير من آلام البشر يتمجد الله بكيفية لا ندريها نحن.

حدثنا أحدهم عن فتاة تعيش في بلاد أسمها (كناري طوفايان) جاءت إلى الدنيا صماء بكماء، فجزعت عليها أمها ورثى لها أبوها وأيقن الجميع أنها ستكون قوة مُعطلة، تضيف إلى أعباء الأسرة حملاً أبديًا لا فكاك منه .. وعندما تنبهت الفتاة إلى حقيقة وضعها، أبت أن تعيش خاملة قعيدة عالة على الآخرين، فبدأت تتعلم الأشغال اليدوية والحياكة والتريكو، وثابرت على عملها بهمة لا تعرف الملل حتى برعت فيه وبدأت تشتغل في براعة فيما يعود عليها بالنفع ويجعلها عضوًا عاملاً في المجتمع من حولها … بدأت تحيك الثياب لذوي قرابتها ثم لجيرانها حتى إذا إشتهر أمرها توافدت عليها العميلات من كل مكان … تصنع لهن الثياب والبلوفرات والمنسوجات الرقيقة.

وتضاعفت أعمالها فاستأجرت لنفسها شقة خاصة وإستعانت بعدد من الفتيات مقابل مرتبات شهرية، بينما إزداد دخلها وفي الوقت نفسه تضائل دخل أسرتها. لقد اُصيب والدها بمرض أقعده عن العمل ونضب مورد الأسرة الذي غذاها سنين طويلة … في الوقت الذي كان فيه أولاده يجتازون مراحل التعليم … في الثانوي … والإعدادي … وعندئذ تقدمت الفتاة البكماء … القوة التي ظنوها مُعطلة، فتسلمت المسئولية من الأب وجعلت من نفسها رب الأسرة، وأمسكت دفة السفينة وتولت الصرف على الجميع بسخاء … وإستطاعت هي الصماء البكماء التي قوبل مولدها بالأسى والحسرة والإشفاق أن تصل بإخوتها وأخواتها إلى مقاعد الجامعة وتقف بهم على عتبة الكفاح والنجاح. وهكذا أظهر الله في هذه الفتاة الصماء البكماء مجده وقوته وعمله.

هذه بعض أسرار الألم في حكمة الله، لكننا في بعض المواقف لا نجد لآلام الحياة غرضًا، وهنا ينبغي أن لا نتسرع في حكمنا بل ان نسلم في خضوع كامل لحكمة الله الفائقة التي قال عنها الرسول “يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!” (رو 11: 33). والتي قال عنها النبي “لأَنَّهُ كَمَا عَلَتِ السَّمَاوَاتُ عَنِ الأَرْضِ، هكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ” (إش 55: 9).

أما الآلام التي يستعصى علينا أن ندرك مغزاها، فيجيب عنها سيدنا بالقول “لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ” (يو 13: 7).

فعندما يضمنا الأبد في أحضانه اللامتناهية، وتتلاقى وجوهنا مع وجه سيدنا البسام، ونضع أيدينا في يد المخلص الكريم، عندئذ يشرح لنا أسرار الحياة، ويحل لنا مشكلة الألم حلاً يرضي عقولنا المشتاقة إلى المعرفة، المتفتحة لإرتشاف أسرار الوجود.

فلنركع مع سيدنا في كل جثيماني تمر بنا

ولنرفع إلى أبينا السماوي المُحب الحنون

نفس الصلاة التي نطق بها ربنا وهو في الجسد

إذ إنفصل عن تلاميذه لكي يحمل آلامه وحيدًا

ثم جثا على ركبتيه وصلي قائلاً

يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ” (لو 22: 42)

وبعد أن نجتاز مناطق الآلام، ونصل إلى مدينة المجد والجلال سنعرف الحكمة العظمى التي من أجلها وُجد الألم في الحياة.

بقى أن نقول إن الألم لم يكن مشكلة محيرة عند جماعة الرسل في الكنيسة الأولى، فنقرأ في سفر الأعمال أن الفريسيين جلدوا الرسل وأوصوهم أن لا يتكلموا باسم يسوع، والجلد عملية مؤلمة للنفس والجسد معًا، لكننا نقرأ بعدئذ هذه العبارة “وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ” (أع 5: 41). فمن أجل إرضاء الرب تحول الألم إلى إمتياز مجيد.

ولا أنسى أن أذكر في الختام تلك الكلمة الخالدة التي سجلها (كاجاوا) المسيحي الياباني المشهور بعنوان «فن الألم» أنقلها كما ترجمها مترجم جليل، قال كاجاوا: «إن الألم في نظر الذين يعرفون الله، فن من أرقى الفنون»، فالله قد غرس بذور الدموع في الأرض ليخضب بها مادة حياتنا.

وليس عسيرًا على عشاق المآسي والروايات المفجعة الذين ينفقون بعض المال لحضور بعض المشاهد المُبكية أن يفهموا بأن ثمة معنى في أن يسمح الله لنا بمشاهدة مآسي كثيرة على الأرض، دون أن يقبُض منا ثمنًا، إن الألم إختبار محيّر للذين يعيشون حياة كثيفة.

قيل أن اللبؤة تلقي شبلها الصغير بعد ولادته بثلاثة أيام من فوق الجرف. والذين يولدون من الله يجب أن يكونوا أقوياء مثل الله. ألا يحق لنا أن نُشبه الألم واللوعة والحرمان والإضطهاد بجواهر ثمينة مختلفة يتزين بها تاج حياتنا؟

حينما يكون للألم هدف أعلى، يستحيل إلى ميزة كُبرى، فالشهيد يختار الألم طريقًا إلى المجد، وينظر الوطني الملتهب بالنار إلى ساحة القتال ميدانًا للشرف والكرامة، لذلك ينبغي ألا ننظر إلى الألم كما هو مجردًا عن البواعث التي تسوق إليه، بل من الضروري أن نتجاهله، وينظر كل منا إلى جوهر مهمته في الحياة نظرة شاملة جامعة.

والذي يشرب من نبع الحياة رشفًا متقطعًا، لا يُدرك إلا القليل من سرّ الألم، أما الذي يعب من أعماق النبع، فهذا يفهم الألم فنًا من أرقى الفنون وأعظمها. وهذا بعينه يقال أيضًا عن الإلتواءات والأخطاء والشرور في العالم. إنه لمن أخطر الأشياء أن يجعل الإنسان نفسه مركزًا في حكمه على الموقف كله وحري بنا أن نذكر أن في العالم كثيرين غيرنا.

ثم ينبغي ألا نجعل الحاضر محكًا أساسيًا نحكم به على الأشياء كلها مجتمعة معًا. فهناك حالات يكون فيها الشذوذ الناشز الذي نراه في الحاضر إنسجامًا بحكم طبائع الأشياء. وحين نرى الطفل الصغير غير قادر على الوقوف، لا نحسب هذا شذوذًا في طبائع الأشياء.

وما أولانا أن نذكر أن وراء شرور العالم ومآثمه، عناية إلهية متسلطة تفوق الحكمة البشرية وتعمل في غير إنقطاع.

نعم … فوراء الألم حكمة الله تنادينا «انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاصْبِرْ لَهُ»، “لأَنَّ الرُّؤْيَا بَعْدُ إِلَى الْمِيعَادِ، إِنْ تَوَانَتْ فَانْتَظِرْهَا” (حب 2: 3).

يحتفظ لنا التاريخ بقصة رجل غني كلف «لينيل» الرسام المشهور، أن يرسم له صورة خاصة ويتقاضى عنها أجرًا قدره ألف جنيه، وبدأ الرسام في رسم الصورة، لكنه رأى أن لا يريها لأحد من الناس أو يكشف سرها إلى أن ينتهي من رسمها … فكان يسدل عليها ستارًا كلما توقف برهة عن العمل فيها .. وكتب على الستار باللغة اللاتينية هذه العبارة «اصبر وانتظر وأنت ترى». وما أحسن أن تكون هذه العبارة شعارنا بإزاء حكمة الألم.

“فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ” (1 كو 13: 12).

فاصبري يا نفسي في مقادس الله

وانتظري إلى أن يكشف لكِ حكمته

فتهللي أمام عرشه المجيد

مع جموع القديسين المرنمين

“الْبَرَكَةُ وَالْمَجْدُ وَالْحِكْمَةُ وَالشُّكْرُ وَالْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ لإِلهِنَا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ!” (رؤ 7: 12).

الفصل الثالث

بركات الألم

ينقسم البشر في موقفهم تجاه الألم إلى ثلاث فرق:

الفرقة الأولى: فرقة المجدفين الذين يستفزهم الألم ويثير أعصابهم فيجدفون على إله السماء، نضع على رأس قائمة هؤلاء، زوجة أيوب التي قالت له بحسب الترجمة الحرفية للكتاب «إلعن الله ومُت».

والفرقة الثانية: فرقة المتذمرين، هؤلاء يثيرهم الألم، ويمسكهم الضمير، فيتأرجحون بين القوتين، فلا يخضعون لمشيئة الله ولا يجدفون عليه، وإنما يتذمرون على تصرفات الله معهم. على رأس قائمة هؤلاء الشعب الإسرائيلي الذي قضى رحلته في البرية في سلسلة تذمرات فكان السؤال الدائم الذي ردده الإسرائيليون: لماذا أخرجنا الرب ليميتنا وأولادنا بالجوع والعطش في البرية؟ والواقع أن التذمر على اعمال العناية هو تجديف مستتر ضد إله السماء. من أجل ذلك يوصينا الرسول في رسالته الأولى إلى كورنثوس قائلاً «ولا تتذمروا كما تذمر أيضًا أناس منهم فأهلكهم المُهلك».

والفرقة الثالثة: فرقة الخاضعين لمشيئة الله، المُسلمين لإرادته -وأقوال المُسلمين لا المستسلمين- فهناك فرق بين التسليم والإستسلام هؤلاء هم الذين يستفيدون من الألم ويجنون منه أفضل الثمار.

ما أشبههُم بالقوقعة التي تدخل حبة الرمل إلى داخل صدفتها فتؤلم جسمها الرقيق، لكنها بدلاً من أن تبكي متذمرة من شدة الألم، تفرز مادة من جسدها في موضع الألم، وتتبلور هذه المادة قليلاً قليلاً إلى أن تصير لؤلؤة ثمينة … وكثيرون من المؤمنين يفعلون هكذا فيحولون آلامهم إلى خدمات مباركة تلمع كاللآليء في تاج حياتهم، وبدلاً من أن يقضوا أوقات آلامهم في شك من جهة حكمة الله ومحبته لهم، يركعون عند الصليب قائلين: إفتح يا رب أذهاننا لنفهم الدروس التي تريد أن نتعلمها في مدرسة الألم.

لقد أغرق الطوفان الأشرار الذين عاشوا في عصر نوح، لكنه رفع نوح وأسرته داخل الفلك على جبال أراراط، وكذلك الألم يدفع الأشرار إلى التجديف والتذمر والشك، ويرفع المؤمنين إلى قمم جبال البركات. فما هي البركات التي ينتجها الألم في حياة الخاضعين لله الواثقين في محبته في كل الظروف والأحوال؟!

1)   البركة الأولى: بركة الرجوع والإلتجاء إلى الله

يقول لنا صاحب المزامير “فِي ضِيقِي دَعَوْتُ الرَّبَّ، وَإِلَى إِلهِي صَرَخْتُ، فَسَمِعَ مِنْ هَيْكَلِهِ صَوْتِي، وَصُرَاخِي قُدَّامَهُ دَخَلَ أُذُنَيْهِ” (مز 18: 6). ثم يعود ويصور لنا في المزمور المائة والسابع بركة الألم لأولاد الله فيرسم بريشته الذهبية هذه الصورة “لِيَقُلْ مَفْدِيُّو الرَّبِّ، الَّذِينَ فَدَاهُمْ مِنْ يَدِ الْعَدُوِّ، وَمِنَ الْبُلْدَانِ جَمَعَهُمْ، مِنَ الْمَشْرِقِ وَمِنَ الْمَغْرِبِ، مِنَ الشِّمَالِ وَمِنَ الْبَحْرِ. تَاهُوا فِي الْبَرِّيَّةِ فِي قَفْرٍ بِلاَ طَرِيق. لَمْ يَجِدُوا مَدِينَةَ سَكَنٍ. جِيَاعٌ عِطَاشٌ أَيْضًا أَعْيَتْ أَنْفُسُهُمْ فِيهِمْ. فَصَرَخُوا إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ، فَأَنْقَذَهُمْ مِنْ شَدَائِدِهِمْ” (مز2:107-6)، ثم يتابع صاحب المزمور حديثه فيكرر أربع مرات في هذا المزمور «فَصَرَخُوا إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ، فَأَنْقَذَهُمْ مِنْ شَدَائِدِهِمْ». وهكذا نرى أن الألم كان هو الدافع الرئيسي الذي يدفع الكثيرون إلى الله في هذه الأيام.

سألني والد جليل كان طفله يتألم من جراء مرض خطير لم يجد له الأطباء علاجًا في كل ما إبتكره الطب الحديث: لماذا يسمح الله بأن يمرض طفلي بهذا المرض الخطير؟ أجبته: إنه يسمح بهذا لسبب هام هو أن يرفع نظرك إليه لتثق به وتعتمد عليه، فها أنت تملك المال الوفير، وفي قدرتك أن تحضر لطفلك أعظم الأطباء، ولكن الطب يقف عاجزًا أمام داء ولدك. وكأن الله يريد أن يقول لك … انظر … إن المال ليس كل شيء في الوجود … وأن أعظم الأشياء الصحة ، والسعادة، وراحة الضمير لا يمكن أن يشتريها المال فالجأ إليَّ وأنا أُريحك من كل تعب وأشفي إبنك من كل مرض.

وهلم بنا الآن ندخل إلى مقادس كلمة الله، لنرى فيها صورًا حية للبشر الذين عاشوا على أرضنا ودفعهم الألم إلى الرجوع والإلتجاء إلى الله.

لنتأمل ذلك الشاب يعقوب وهو في طريقه إلى خاله لابان إنه يستعيد ماضيه ويتدبر حاضره ويفكر في مستقبله. إنه يذكر ذلك اليوم الذي فيه أشترى البكورية من أخيه عيسو بأكلة عدس، فما كان أعظمها صفقة! ويذكر اليوم الذي فيه خدع أباه إسحق شِبه الأعمى وأخذ منه البركة بأكلة أخرى جهزتها له والدته رفقة!

لكنه الآن في ظلام الصحراء يتحدث إلى نفسه متسائلاً: ما فائدة البكورية وما قيمة البركة، وأنا الشاب الأعزل الوحيد الضارب في هذه الصحراء؟ فاجأه الظلام وغابت الشمس، وهو ما زال يدب على أرض البرية القاحلة بقدميه. تخيله معي وهو يحمل (المخلة) التي أعطتها له أُمه، وفيها من الخبز ما إستطاع أن يحمل، وفيها زجاجة الزيت التي صب منها على ذلك الحجر الخالد فيما بعد، ولعل تلك (المخلة) لم تخل أيضًا من قليل من الزبد والجبن، هذه (مخلاته) أما يده فكان فيها عصا صُنعت في أكبر ظني من خشب السنط، وها هو يعقوب يغوص في بحار التفكير ويغرق في التأملات.

إن المسافة بينه وبين خاله لابان طويلة ولا شك، والمئونة لا بد أن تفرغ منه في الطريق، فأي صديق يفتح له بابه أو يعطيه طعامه؟ وهل تسمح له نفسه الأبية أن يستعطي وهو حفيد إبراهيم، وابن إسحق، ووريث البركة والبكورية؟ ألا من يقدر أن ينقذه من ظلام ظروفه؟ إن رفقة الأم المحبة بعيدة عنه وليس في وسعها أن تأتي إليه الآن .. ومن أدراها بحالته؟! إن كل ما تقدر عليه هو أن تسكب على فراقه قطرات عينيها التي يسمونها الدموع!!

وإسحق الوالد الحنون شِبه أعمى وقد صار شيخًا فانيًا!! وعيسو؟ نعم عيسو شقيقه الوحيد يتحين الفرص لإغتياله ومحو إسمه من الأرض لخداعه إياه .. الأم عاجزة، والأب شيخ. والشقيق جبار يريد أن يقتله فإلى أين يذهب في ظلام آلامه ومتاعبه؟

هنا لم يجد يعقوب غير الله ليلجأ إليه، ودفعه الألم دفعًا للإرتماء في حضنه الرحيب. فانحنى ساجدًا أمام إلهه وقائلاً “إِنْ كَانَ اللهُ مَعِي، وَحَفِظَنِي فِي هذَا الطَّرِيقِ الَّذِي أَنَا سَائِرٌ فِيهِ، وَأَعْطَانِي خُبْزًا لآكُلَ وَثِيَابًا لأَلْبَسَ، وَرَجَعْتُ بِسَلاَمٍ إِلَى بَيْتِ أَبِي، يَكُونُ الرَّبُّ لِي إِلهًا” (تك 28: 20، 21). هنا نجد يعقوب ملتجئًا إلى الله، ومصليًا إليه، والصلاة هي الدليل الأكبر على إتجاه قلوبنا نحو إلهنا. وكم قاد الألم أُناسًا ووجه قلوبهم نحو الرب إلههم.

رتب الرب أن أذهب إلى إجتماع من إجتماعات جيش الخلاص في القاهرة، وفي أثناء الإجتماع أعطى القائد فرصة للشهادة فوقفت إحدى الأخوات وإسمها (بارتيا) وهي متطوعة في خدمة الصليب الأحمر، لتؤدي شهادتها عن المسيح قالت «عرفت الرب وأنا في سرير المرض، كان عمري حينذاك أثنى عشر عامًا، وظللت مريضة إلى أن بلغت السابعة عشرة من سني حياتي، وعندما إشتد بي الألم لجأت إلى الرب وقلت له: يا إلهي لو أعطيتني صحة ووهبتني الحياة من جديد، فسأكون مرسلة أشتغل لأجل مجدك. وأشكر إلهي لأنه أشرق عليَّ بنوره وأقامني بعد أن عرفني شخصه لا عن طريق واعظ أو مُبشر بل عن طريق الآلام في سرير المرض».

إن التاريخ يذخُر بقصص عن أشخاص عرفوا الله عن طريق آلامهم، وهو يذكر لنا قصة عن رجل من رجال الله إسمه جورج ماثيسون، نال شهادة الدكتوراه، وخطب لنفسه فتاة أحبها لتصير له زوجة، وفي يوم ما أحس بتعب في عينيه فذهب إلى طبيب العيون، فقال له الطبيب ونغمة الأسى في صوته: «لا حيلة لي يا صديقي وأنا آسف أن أخبرك أنك ستفقد بصرك عما قريب».

يقول الدكتور ماثيسون: «أحسست بظلمة الحياة وأنا مازلت أتمتع بنور البصر، وفكرت إلى من الجأ للعزاء والسلوى، وأمتلأ قلبي يأسًا وحزنًا وألمًا، وأخيرًا اشرق عليَّ نور، فقد رأيت في ظلمتي وجه الفتاة التي أحببت وكأنه يُناديني: «إن الحب لا ينطفيء فتعال إليَّ تجد عندي السلوى والنسيان». أسرعت إلى بيت خطيبتي، وجلست أحدثها ثم أعلنت لها سري وقلت لها: «أتقبلين الزواج من رجل أعمى؟» فقالت وهي مندهشة: ولكنك تُبصر يا ماثيسون؟ قلت لها واللوعة تكاد تقطع نياط قلبي: نعم ولكنني في يوم قريب سأصير أعمى، أترضين بي زوجًا بعد أن أفقد بصري؟! ساد صمت قاتل، واكفهر وجه الفتاة التي أحببت، ثم أجابت بصوت آسف: «إبحث لك عن فتاة غيري فما فكرت مرة أن أكون زوجة لرجل أعمى».

يقول ماثيسون: «إسودت الدنيا في عيني، وتهدم آخر رجاء في قلبي، وتمزق خيط العنكبوت الذي أمسكت به، فخرجت من منزل تلك الفتاة والدنيا تدور بي. ولما خرجت من المنزل، قابلتني محبة الله ظاهرة في الصليب وتحت أقدام المصلوب مُريح التعابى ركعت هاتفًا من قلبي: أيتها المحبة التي لم تتخل عني. إقبليني وأريحيني وعزي فؤادي. أنيري لي بصيرتي ما دامت إرادتك أن أفقد نور بصري.

وبعدها بأيام فقدت نور البصر؛ لكن الله ملأني بنور البصيرة.

 هذه صورة ترينا بركة الألم في إرجاع الإنسان إلى الله، وفي جعله يلتجيء إلى محبته التي تُضمد جراحات الفؤاد الجريح.

يذكُر لنا السجل المقدس قصة الملك منسّى، فقد ملك وهو في الثانية عشرة من عمره، وفتح عينيه فإذا به يرى جلال المُلك، وبهرجة العرش، فبدلاً من أن يمجد الله في هيكله، دنس هيكل الله بالأصنام، ثم ركع ليسجد للحجر وينحني أمام الشجر، وعندئذ إستخدم الله الألم لإرجاعه، فأرسل إليه جنود ملك أشور “فَأَخَذُوا مَنَسَّى بِخِزَامَةٍ وَقَيَّدُوهُ بِسَلاَسِلِ نُحَاسٍ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى بَابِلَ. وَلَمَّا تَضَايَقَ طَلَبَ وَجْهَ الرَّبِّ إِلهِهِ” (2 أخ 33: 11). فعن طريق الألم رجع منسى إلى الله.

يقص علينا مستر مودي في كتابه (السماء) قصة عن رجل إعتاد أن يتهكم على رجال الدين ويسخر بحقائقه، ويحيا حياة مليئة بالاستهتار، وكان لذلك الرجل خمسة أولاد، فامتدت يد الموت وخطفت منهم ولدًا وعندئذ بدأ ذلك الرجل يفكر في حياته الأبدية، وبعد مدة إمتدت يد الموت للمرة الثانية وأخذت ولدًا ثانيًا وعندئذ تهدم قلب الوالد المحزون.

ومرت فترة وإذا بالموت يزور ذلك البيت ويأخذ ولدًا ثالثًا – يقول مودي – عندئذ عاد الرجل إلى الله، وكان الناس يرونه جالسًا أمام المصباح في الليل يفتش في الكتاب المقدس عن كل آية تتحدث عن السماء، ولما سألوه لماذا يبحث عن الآيات التي تتحدث عن السماء قال: «لأن القدير قد أمرني والرب قد كسرني وأولادي الذين في السماء أكثر من العائشين معي على الأرض». لقد فطم الله قلب ذلك الرجل عن العالم، وأرجعه إليه عن طريق الألم.

وكما حدث مع ذلك الرجل كذلك نقرأ عن إسرائيل ففي أثناء راحتهم في أرض مصر أيام وجود يوسف لم نسمع لهم صوتًا مرتفعًا إلى الله، لكن عندما ألهبت سياط المصريين ظهورهم، وسوَّد الطين حياتهم، ولفحَت شمس مصر الحارة أجسامهم، عندئذ صرخوا إلى الله في أنين حتى قال الله “إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ أَجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ. إِنِّي عَلِمْتُ أَوْجَاعَهُمْ، فَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْمِصْرِيِّينَ” (خر 3: 7، 8).

وفي المزمور المئة والسابع، صور المرنم صورة حية تؤكد لنا بركة الألم في الحياة قال “اَلنَّازِلُونَ إِلَى الْبَحْرِ فِي السُّفُنِ، الْعَامِلُونَ عَمَلًا فِي الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ، هُمْ رَأَوْا أَعْمَالَ الرَّبِّ وَعَجَائِبَهُ فِي الْعُمْقِ. أَمَرَ فَأَهَاجَ رِيحًا عَاصِفَةً فَرَفَعَتْ أَمْوَاجَهُ. يَصْعَدُونَ إِلَى السَّمَاوَاتِ، يَهْبِطُونَ إِلَى الأَعْمَاقِ. ذَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِالشَّقَاءِ. يَتَمَايَلُونَ وَيَتَرَنَّحُونَ مِثْلَ السَّكْرَانِ، وَكُلُّ حِكْمَتِهِمِ ابْتُلِعَتْ. فَيَصْرُخُونَ إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ، وَمِنْ شَدَائِدِهِمْ يُخَلِّصُهُمْ. يُهْدِئُ الْعَاصِفَةَ فَتَسْكُنُ، وَتَسْكُتُ أَمْوَاجُهَا. فَيَفْرَحُونَ لأَنَّهُمْ هَدَأُوا، فَيَهْدِيهِمْ إِلَى الْمَرْفَإِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ” (مز23:107-30).

وقصة يونان تمثل هذه الحقيقة أروع تمثيل فقد حاول يونان أن يهرب من تأدية الرسالة التي سلمها له الرب. فركب سفينة ذاهبة إلى ترشيش، فأرسل الرب ريحًا شديدة إلى البحر حتى كادت السفينة تنكسر، وانتهى الأمر بإلقاء يونان في البحر، وعندئذ إبتلعه الحوت العظيم، وهناك في بطن الحوت في عمق الألم والظلام يعود يونان إلى الله، ويكفيني أن أذكر كلماته التي نطق بها ففيها من القوة والتأثير الشيء الكثير.

فصلى يونان إلى الرب إلهه من جوف الحوت وقال “دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ، فَاسْتَجَابَنِي. صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ، فَسَمِعْتَ صَوْتِي. لأَنَّكَ طَرَحْتَنِي فِي الْعُمْقِ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ، فَأَحَاطَ بِي نَهْرٌ. جَازَتْ فَوْقِي جَمِيعُ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ طُرِدْتُ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْكَ. وَلكِنَّنِي أَعُودُ أَنْظُرُ إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ. قَدِ اكْتَنَفَتْنِي مِيَاهٌ إِلَى النَّفْسِ. أَحَاطَ بِي غَمْرٌ. الْتَفَّ عُشْبُ الْبَحْرِ بِرَأْسِي. نَزَلْتُ إِلَى أَسَافِلِ الْجِبَالِ. مَغَالِيقُ الأَرْضِ عَلَيَّ إِلَى الأَبَدِ. ثُمَّ أَصْعَدْتَ مِنَ الْوَهْدَةِ حَيَاتِي أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي. حِينَ أَعْيَتْ فِيَّ نَفْسِي ذَكَرْتُ الرَّبَّ، فَجَاءَتْ إِلَيْكَ صَلاَتِي إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ” (يو2:2-7). وهكذا أعاد الألم العبد الهارب إلى إلهه.

هذه الصور جميعًا ترينا في وضوح بركة الألم كطريق للرجوع والإلتجاء إلى الله.

فيا من تعيش آلامك معذبًا بسهام الشكوك، وتحيا في وحدتك يائسًا بائسًا … ارجع إلى الله ليشفي جراحات نفسك.

2)   البركة الثانية: بركة التنقية والتدريب والإعداد:

إن الحياة لأبناء الله هي مدرسة للتنقية والتدريب والإعداد، وفي مرات يستخدم الآب السماوي عصا الألم الغليظة ليدرب بها أولاده ويعدهم لمراكزهم العُليا في مشيئته الصالحة، فيدخُلهم في أتون الألم ثم يخرجهم إلى رحب الحياة الناجحة “أَنَّكَ جَرَّبْتَنَا يَا اَللهُ. مَحَصْتَنَا كَمَحْصِ الْفِضَّةِ. أَدْخَلْتَنَا إِلَى الشَّبَكَةِ. جَعَلْتَ ضَغْطًا عَلَى مُتُونِنَا. رَكَّبْتَ أُنَاسًا عَلَى رُؤُوسِنَا. دَخَلْنَا فِي النَّارِ وَالْمَاءِ، ثُمَّ أَخْرَجْتَنَا إِلَى الْخِصْبِ” (مز10:66-12).

قرأت سيدة جليلة الآية التي جاءت في سفر ملاخي الإصحاح الثالث “فَيَجْلِسُ مُمَحِّصًا وَمُنَقِّيًا لِلْفِضَّةِ. فَيُنَقِّي بَنِي لاَوِي وَيُصَفِّيهِمْ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِيَكُونُوا مُقَرَّبِينَ لِلرَّبِّ، تَقْدِمَةً بِالْبِرِّ” (ملا 3: 3). فأرادت أن تفهم معنى هذه الآية فذهبت إلى معمل من معامل صهر المعادن ورأت الصائغ جالسًا أمام بوتقة الفضة منحنيًا عليها والنيران تشتعل تحتها، والفضة تنصهر داخل البوتقة هتفت السيدة بالصائغ «كفى لقد ذابت الفضة فحول النار عنها» قال لها الصائغ وهو لا يحول عينيه عن الفضة التي أمامه «كلا يا سيدتي لأن للفضة درجة مخصوصة في الإحتمال يجب أن لا تزيد وإلا إحترقت».

وعندئذ فهمت السيدة معنى جلوس الرب ليمحص وينقي أولاده ليكونوا مشابهين صورة إبنه.

وفي الكتاب صورتان توضحان لنا بركة الألم كوسيلة للتنقية والتدريب والإعداد. الصورة الأولى هي صورة يوسف الشاب الطاهر البار، تأمله وهو في بيت والده يعقوب، ألست ترى أنه كان ممتلئًا بروح الطفولة يعيش بين أحضان أبيه وهو يتيه في قميصه الملون، يعيش في عالم الأحلام، ومع هذا فنحن نراه ولدًا طيبًا أحبه أبوه فميزه عن باقي إخوته وإختصه بمعاملة فريدة ممتازة، ونقف أمام ذلك الغلام الطيب فنهمس لأنفسنا قائلين «لا بد أن العناية تحفظه من الألم، وتحيطه بسياج من الرعاية لكي لا تؤلمه أشواك الحياة. لكننا نجد أن يوسف قد إجتاز أكثر من جميع إخوته في نار الألم  والظلم وذاق قسوة المجتمع الذي عاش فيه! فما السر؟!

إن الشخص العادي يولد كما يولد سائر البشر، ويعيش دون أن يسمع به أحد، ويموت دون أن يحس بفقدانه الناس. لكن الإنسان الممتاز في عناية الله وترتيبه، لا بد أن يجيزه الله في نار الألم، ويصفيه في غربال التجارب، ويزيل منه زغل الكبرياء والطفولة، ويدربه ويعده لمركزه الأسمى في الحياة.

ويصور لنا كاتب المزمور آلام يوسف في هذه العبارات “بِيعَ يُوسُفُ عَبْدًا. آذَوْا بِالْقَيْدِ رِجْلَيْهِ. فِي الْحَدِيدِ دَخَلَتْ نَفْسُهُ، إِلَى وَقْتِ مَجِيءِ كَلِمَتِهِ. قَوْلُ الرَّبِّ امْتَحَنَهُ” (مز17:105، 18). وفي هذه الكلمات نرى آلام يوسف، فقد باعه إخوته عبدًا لجماعة التجار الإسماعيليين وباعه جماعة التجار إلى فوطيفار، وفي بيت فوطيفار إنكوى بنار التجربة المُحرقة، ثم إتهمته زوجة فوطيفار المستهترة بتهمة كان بريئًا منها براءة الذئب من دمه، ثم إقتادوه إلى السجن حيث «آذوا بالقيد رجليه وفي الحديد دخلت نفسه» فلماذا كل هذه الآلام؟

لقد كان الله يُدرب يوسف بلا جدال، وكان يعده ليكون متسلطًا على كل أرض مصر، ولذا فقد أدخله إلى السجن ليتعلم فيه قسوة الحياة فيعطف على الفقراء الجياع، بل أدخله إلى السجن ليعرف ويدرس طبائع البشر فلا يحكم في المستقبل بحسب الظاهر بل يحكم حُكمًا عادلاً، بل أدخله ليتعلم درس مشاركة الآخرين آلامهم، ويختبر آلام نكران الجميل ونسيان المعروف.

نعم في مدرسة الألم عرف يوسف الحياة على حقيقتها، فقد كان في بساطة الطفولة يعتقد أن كل الناس أتقياء مثله، ولكنه بعد أن دخل مدرسة الألم، رأى الغدر والكذب والنميمة في إخوته، ورأى الإجرام في بيت السجن، ورأى النجاسة والشر في زوجة فوطيفار. فعرف أن البيوتات الكبيرة قد تحمل في داخلها نفوسًا دنيئة، وتعلم قبل أن يرتقي إلى مصاف العظماء أن يحفظ بيته من الإتصال بهذه القبور المبيضة التي يسكنها عظماء الأرض.

وبعد هذا الإعداد الطويل إرتقى إلى مركز السلطان كما يقول صاحب المزمور بتعبيره الجميل  “أَرْسَلَ الْمَلِكُ فَحَلَّهُ. أَرْسَلَ سُلْطَانُ الشَّعْبِ فَأَطْلَقَهُ. أَقَامَهُ سَيِّدًا عَلَى بَيْتِهِ، وَمُسَلَّطًا عَلَى كُلِّ مُلْكِهِ، لِيَأْسُرَ رُؤَسَاءَهُ حَسَبَ إِرَادَتِهِ وَيُعَلِّمَ مَشَايِخَهُ حِكْمَةً” (مز20:105-22).

نعم لقد رفعت التجارب والآلام ذلك الشاب من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة المختبرة، فأصبح بعد تدريبه وإعداده يعلم مشايخ مصر حكمة هي حكمة مدرسة الألم، لذلك لا غرابة أن نسمع يعقوب في أخر لحظاته يتكلم إليه بهذا النشيد الخالد “يُوسُفُ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ عَلَى عَيْنٍ. أَغْصَانٌ قَدِ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ حَائِطٍ. فَمَرَّرَتْهُ وَرَمَتْهُ وَاضْطَهَدَتْهُ أَرْبَابُ السِّهَامِ. وَلكِنْ ثَبَتَتْ بِمَتَانَةٍ قَوْسُهُ، وَتَشَدَّدَتْ سَوَاعِدُ يَدَيْهِ. مِنْ يَدَيْ عَزِيزِ يَعْقُوبَ، مِنْ هُنَاكَ، مِنَ الرَّاعِي صَخْرِ إِسْرَائِيلَ” (تك 49: 22-24).

ولنأت الآن إلى الصورة الثانية وهي صورة ذلك الرجل موسى وهو يدخل مدرسة الألم يلتقي دروس التدريب، وليعده الله لرعاية شعبه القديم.

قسم أحدهم حياة موسى إلى ثلاثة أدوار، الدور الأول وهو يتربى في قصر فرعون ويتهذب بحكمة المصريين.

وأي العلوم تلقنها موسى في جامعة مصر؟

لقد درس علم التحنيط، الذي يقف أمامه أطباء القرن العشرين مكتوفي الأيدي، ودرس علم هندسة البناء، الذي أقام الأهرامات معجزة الدهور والأجيال. ودرس مع هذا كله حكمة المصريين وأدابهم وتقاليد القصر الفرعوني وفلسفة الكهنة، وديانة ألهة المصريين وأصبح موسى بعد ان عرف كل هذا مجموعة معارف، وملأ عقله بالعلوم حتى إنتفخ وتكبر (والعلم ينفخ).

وأتصوره واقفًا ذات يوم في شرفة القصر الفرعوني وإلى جواره إبنة فرعون التي تبنته وهما ينظران إلى أولئك البؤساء من إسرائيل وقد تلطخت وجوههم بالطين وإمتلأت أفواههم بالأنين وملابسهم الممزقة تكشف عن أجسادهم العارية، وقسمات وجوههم تنطق بألام العبودية. وتلتفت الأميرة العجوز إلى موسى وتقول في إبتسام: «انظر يا موسى!! هذا شعبك البائس الحقير، وقد كان من الممكن أن تكون واحدًا منهم، لكني رأيتك وأشفقت عليك، ورفعتك من طين الحمأة وجعلت منك إنسانًا من الآدميين.

وهنا اشعر أن قلب موسى يغوص في داخله، ويتحرك فيه كبرياء العنصر، وينزل إلى إخوته لينظر في أثقالهم. لكن بأي روح نزل؟! إنه لم ينزل ليتحدث إليهم كواحد منهم بل كرئيس عليهم.

وها هو يتقدم لخدمة شعبه عن طريق علمه وكبريائه. فيرى رجلاً مصريًا يضرب رجلًا عبرانيًا فيلتفت إلى هنا وهناك ويقتل المصري ويطمره في الرمل .. وهكذا أراد أن يخدم فبدأ خدمته بجريمة لأنه خرج معتمدًا على علمه، مُعتدًا بقوته.

هنا يبدأ الدور الثاني في حياة موسى، فلقد رأى الله أن ذلك القائد يحتاج إلى تنقية وتدريب وإعداد، فأدخله مدرسة الألم في صحراء مصر … ذهب موسى هاربًا من فرعون ليتلقى دروس التدريب والإعداد. تأمله معي في البرية وأنت ترى، ربيب العلم والمجد والجلال، يعيش في حياة التقشف والإعتزال، والأرجل التي لم تلامس الأرض السوداء، شققتها رمال الصحراء. والوجه الأبيض اللامع الجميل، لفحته شمس البرية بالسواد.

نعم ذهب صاحب الشهادات العُليا إلى البرية ليرعى قطيعًا من الأغنام، والأغنام هي أغبى مخلوقات الله، فكانت له المُعلم الأول للصبر وكأن الله إقتاد موسى إلى هذا العمل لينقيه من الإندفاع ويلقنه دروس الحلم والهدوء، والإتضاع، لأنه لما إندفع قتل المصري في أول دقيقة من دقائق خدمته، ولكن الرب دربه في مدرسة المشقة بغباء الخراف، ليعلمه كيف يعامل الأغبياء من شعبه، بل أراد الله ان يؤكد لموسى أن العلم لا يغني، وأن الحكمة البشرية ليست كافية، وإنه من الضروري له «أن يتوكل على الرب بكل قلبه وعلى فهمه لا يعتمد».

وكان في إرادة الله أيضًا أن يرسل موسى إلى مدرسة الألم في البرية ليدرس مسالكها، ويعرف حرها وبردها، ليقود الشعب الإسرائيلي فوق رمالها المترامية، فلا يفشل فشلهم، ولا يتراجع أمام تذمراتهم لإنه إختبر الحياة فيها قبلهم.

وهنا يأتي الدور الثالث في حياة موسى، دور الإرتفاع إلى مركز القيادة، فقد تنقى موسى وتدرب وأعده الله لهذا المركز الرفيع والآن تأمله وهو يتحدث إلى الله قائلاً “مَنْ أَنَا حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَحَتَّى أُخْرِجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ؟” (خر 3: 11).

 لقد تحطمت كبرياء موسى في مدرسة الألم وزالت عنه شوائب الذات فخرج موسى من قلب موسى وحينما يخرج الإنسان من قلب نفسه حينئذ يستطيع الله أن يستخدمه … والآن انظره وهو يسير بشعب الله في البرية يحل لهم مشاكلهم محتملاً تذمراتهم رؤوفًا بضعفاتهم. محب لهم رغم سقطاتهم، واسمع حديثه مع الرب بعد أن غضب الرب على شعبه لعملهم العجل الذهبي، قال الرب لموسى «رأيت هذا الشعب وإذا هو شعب صلب الرقبة، صنعوا لهم عجلاً مسبوكًا وسجدوا له .. فالآن اتركني ليحمي غضبي عليهم وأفنيهم فأصيرك شعبًا عظيمًا».

أيرضى موسى أن يكون أصلاً لشعب عظيم ويفنى شعب الله؟

كلا. فقد تدرب التدريب الكافي لإماتة الذات فيه. وهو الآن لا يسعى إلا لمجد الله، ولذا فقد تضرع أمام الرب وقال “لِمَاذَا يَا رَبُّ يَحْمَى غَضَبُكَ عَلَى شَعْبِكَ الَّذِي أَخْرَجْتَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ بِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وَيَدٍ شَدِيدَةٍ؟ لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ الْمِصْرِيُّونَ قَائِلِينَ: أَخْرَجَهُمْ بِخُبْثٍ لِيَقْتُلَهُمْ فِي الْجِبَالِ، وَيُفْنِيَهُمْ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ؟.. وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ، وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ” (خر7:32-12، 32).

إلى هذا الحد أوصل التدريب موسى، فأعده إعدادًا مباركًا ولذا فنحن نقرأ عنه “وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ” (عد 12: 3).

فمبارك الله لأجل الآلام التي يسمح أن نجتاز فيها، ما دامت هذه الآلام هي البوتقة التي تجعلنا آنية للكرامة نافعة لخدمة السيد.

إن إعداد الله لشعبه يتطلب أن يجيزهم في الألم، ويصور موسى بلسانه الفضي آلام الإعداد في هذه الآية “كَمَا يُحَرِّكُ النَّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ، وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ وَيَأْخُذُهَا وَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنَاكِبِهِ، هكَذَا الرَّبُّ وَحْدَهُ اقْتَادَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ أَجْنَبِيٌّ” (تث 32: 11، 12).

وفي هذه الآية يرينا كيف أن الله يعامل شعبه كما يعامل النسر فراخه ويقول العارفون بطبائع الطيور، إن النسر عندما يرى أن فراخه ينبغي أن تتعلم الطيران، يأخذها على مناكبه، ويرتفع إلى علو شاهق، ثم يقذف بها في الفضاء المترامي تحتها، وعندئذ يغوص قلب النسر الصغير داخله، وإذا بأبيه يفرد جناحيه ويأتي تحته فيحمله من جديد، وبهذا التدريب الصعب المؤلم يبتديء فرخ النسر في تحريك جناحيه، وبعد مدة يحلق بهما في الهواء ليبني عشه على قمم الجبال ويتجه مرتفعًا صوب نور الشمس.

هذه هي البركة الثانية من بركات الألم، والمتأمل في ترتيبات العناية، لا يسعه إلا أن ينحني شكرًا وحمدًا لله من أجل آلام الإعداد والتدريب، فهو قد درب ويدرب أولاده بالألم، ولولا آلام السجن لما قرأنا عن يوسف، ولولا آلام البرية لما وجدنا في التاريخ المقدس اسم موسى .. إن شعب الله هو الذهب الخالص أو هكذا ينبغي أن يكون، ولكي يكون كذلك لا بد من أن يضعه الله في بوتقة التطهير بوتقة الألم.

3)   البركة الثالثة: بركة الحفظ من الكبرياء:

ليس بين الخطايا التي يتعرض لها البشر خطية أشد خطورة من الكبرياء، ولذلك يقول صاحب الأمثال «قبل الكسر الكبرياء وقبل السقوط تشامخ الروح».

وليس أدل على هذه الحقيقة من قصة ذلك الملك العظيم نبوخذ نصر، عندما ارتفع قلبه ووقف على قصره يتأمل عاصمة ملكه ويقول لنفسه “أَلَيْسَتْ هذِهِ بَابِلَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَنَيْتُهَا لِبَيْتِ الْمُلْكِ بِقُوَّةِ اقْتِدَارِي، وَلِجَلاَلِ مَجْدِي؟»، وَالْكَلِمَةُ بَعْدُ بِفَمِ الْمَلِكِ، وَقَعَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: «لَكَ يَقُولُونَ يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ: إِنَّ الْمُلْكَ قَدْ زَالَ عَنْكَ. وَيَطْرُدُونَكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، وَتَكُونُ سُكْنَاكَ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّ، وَيُطْعِمُونَكَ الْعُشْبَ كَالثِّيرَانِ، فَتَمْضِي عَلَيْكَ سَبْعَةُ أَزْمِنَةٍ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ وَأَنَّهُ يُعْطِيهَا مَنْ يَشَاءُ” (دا 4: 30-32). “وَمَنْ يَسْلُكُ بِالْكِبْرِيَاءِ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُذِلَّهُ” (دا37:4).

لأن الله يحب أن يحفظ أولاده في حالة الإتضاع، لذا فنحن نجد أنه في ترتيبات محبته يضعهم في بوتقة الألم لئلا ينحدروا إلى هذه الخطية فتشوه جمال حياتهم وخدمتهم.

وليس في الكتاب صورة توضح كيف يحفظ الله أولاده من الكبرياء كصورة بولس الرسول فقد نال هذا الرسول المجاهد من الإختبارات الشيء الكثير. ففي بداءة خدمته امتلأ من الروح القدس، وبعد مدة من الخدمة والتدريب اختطف إلى السماء الثالثة، ورأى أشياء لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها.

وليس شك في أنه كان من الممكن أن تقوده هذه الإعلانات الفائقة إلى الكبرياء … والكبرياء الروحية هي أخطر أنواع الكبرياء، ولذا فقد عالج الله في حكمته الأمر عن طريق الألم، ولنسمع الرسول وهو يحدثنا عن إختباره قائلاً “وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ” (2 كو 12: 7). ولسنا ندري تمامًا، أي نوع من الأمراض كانت هذه الشوكة، ولكننا بمقارنة الآية التي ذكرت بما قاله الرسول في رسالته إلى غلاطية نستطيع أن نستنتج شيئًا عن هذه الشوكة المؤلمة.

 ففي الرسالة إلى غلاطية يقول بولس للغلاطيين “وَلكِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي بِضَعْفِ الْجَسَدِ بَشَّرْتُكُمْ فِي الأَوَّلِ. وَتَجْرِبَتِي الَّتِي فِي جَسَدِي لَمْ تَزْدَرُوا بِهَا وَلاَ كَرِهْتُمُوهَا، بَلْ كَمَلاَكٍ مِنَ اللهِ قَبِلْتُمُونِي، كَالْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غل 4: 13، 14). ويتبين لنا من هذه الآية أن شوكته كانت مرضًا مضعفًا للجسد، ويقول بعض المفسرين لعلها كانت حمى الملاريا تعاوده من لحظة إلى اخرى فتعطل خدمته، لكننا نلاحظ أيضًا أنها كانت شوكة كريهة تبعث على إزدراء الناس «لم تزدروا بها ولا كرهتموها» ويقول بعض المفسرين أنها كانت الجدري، ترك آثاره في وجه بولس فجعله وجهًا مشوهًا.

أو كانت ضعفًا في عينيه منعه من الرؤية الواضحة. والواقع إننا لسنا ندري ما هي هذه الشوكة بالضبط، لكننا ندري إنها كانت شوكة ألم في جسد بولس لحفظه من الكبرياء. وبذات الوسيلة، يستخدم الله الألم في حياة الكثيرين من أبنائه فيرسل إليهم الضعف الصحي، أو الظروف الصعبة المؤلمة، أو يسجنهم في سرير المرض، ولكنه في ذات الوقت يتمجد في خدمتهم بكيفية مدهشة وممتازة، لأنه لا يقصد من وراء آلامهم أن يعطل شهادتهم بل أن يحفظ حياتهم من الكبرياء المتلفة التي تقودهم إلى السقوط.

كان أحدهم يداعب رجلاً من رجال الله فقال له: تكفيك النعمة أيها الأخ – وكان يقصد أن تسقطه على وجهه – فابتسم الخادم بعد أن فهم مغزى كلام المتهكم وقال له بجد «نعم. فإذا لم تكفيني النعمة على وجهي أمام عرش الله فلا حياة روحية لي على الإطلاق».

وهكذا حفظ الله عبده المجاهد ساقطًا على وجهه أمام عرش النعمة، حانيًا ركبتيه لدى أبي ربنا يسوع المسيح، خادمًا الرب بكل تواضع وبدموع كثيرة إلى ختام الحياة.

ويجدر بنا قبل أن نختتم الحديث عن هذه البركة العظمى من بركات الألم أن نذكر قصة تلك المرأة القديسة مدام جيون التي عاشت في فرنسا في أيام طغى فيها ظلام التعاليم الخاطئة.

كان اسمها (جين) ولدت في 13 أبريل سنة 1648، في عائلة من العائلات الفرنسية العريقة، ونال والدها لقبًا ممتازًا في أيام حكم لويس الرابع عشر وكانت هذه الفتاة تمتاز بجمال رائع وذكاء نادر، حتى أنه عندما رأتها ملكة إنجلترا (هنريتا ماري) أثناء زيارتها لباريس طلبت من أبيها أن تأخذها لتتربي مع أبنتها الأميرة وتصبح وصيفتها مستقبلاً، لكن الوالد العظيم رفض طلب الملكة، ولما بلغت (جين) من العمر عشر سنوات أرسلها والدها إلى أحد الأديرة الراقية الخاصة بالعائلات الأرستقراطية، وفي ذلك الدير درست الكتاب المقدس وحفظت منه جزءًا كبيرًا إذ وجدته في غرفتها.

وبعد أن غادرت الدير أُصيبت بمرض عقلي هز كيانها، فكرهت الدين، وكرهت إخوتها لدرجة لفتت أنظار الناس، لكن أختها الكبرى أثرت عليها وكلمتها عن وجوب تسليم حياتها لله، فاشتركت في الكنيسة وكان عمرها عندئذ أربعة عشر عامًا لكنها رغم عضويتها في الكنيسة لم تكن قد تجددت بعد، ولذا إنجرفت مع التيار وسارت بحسب أهواء أمها التي كانت تحب ان تراها تُشاكل العالم في ملابسه وزينته.

وزادتها الملابس العالمية جمالاً حتى كانت تحس أنها (بدر الجمال في باريس) لكن هذه الأشياء جميعًا لم تشبع قلبها، وعندئذ فكرت في الحب فأحبت قريبًا لها، وكانت تقضي الساعات في التفكير فيه، وتقضي باقي يومها تُطري جمال وجهها في المرآة، وانغمست في محبة العالم، وهي تعتقد أنها ينبغي أن تنال أكبر قسط من اللذات في هذه الحياة الدنيا.

وفي سنة 1663 انتقلت العائلة إلى باريس، حيث ازدادت جين في استهتارها وخطاياها، ثم تزوجت برغبة والدها من مسيو جيون الذي كان رجلاً غنيًا، وكان عمره ثماني وثلاثين سنة بينما كانت جين في السادسة عشرة.

وفي منزل الزوجية ذاقت مرارة الحياة مع حماتها التي كانت تحكم البيت بقضيب من حديد. وهكذا كان منزل الزوجية لجين (منزل الشقاء والنحيب).

وبدأت آلام الحياة تُهاجم هذه المخلوقة الجميلة المتكبرة، ففقد زوجها جزءًا كبيرًا من ثروته، مما قاد حماتها إلى زيادة إضطهادها إعتقادًا منها بسوء طالعها، ثم ماتت أمها وهي الصدر الحنون الذي كان يرعاها، ثم ماتت أُختها وكانت لها بمثابة مرشدتها، وعندئذ تحطمت، وانحنت، وخضعت، وقادها الألم إلى أن تلجأ إلى الله، فطلبت وجهه وسلمت له قلبها ونالت منه الراحة والسلام.

بعدئذ بدأت تزور المحتاجين، وتُعلم الفتيات الساقطات حرفًا لتحفظ حياتهن من الرجوع للشر، وأعطاها الرب ولدين كان أصغرهما في مثل جمالها وذكائها، وكان الناس يتعجبون كيف أن شابة في مثل سنها تسلم حياتها كليّة للرب، وبدأ روح الله يشتغل بواسطتها في تبكيت المجتمعات الراقية، فاضطهدوها واستهزأوا بها، وزادت آلامها عن طريق حماتها التي كانت تعلم زوجها وإبنها الأكبر أن يعاملاها معاملة قاسية جافة.

وفي سنة 1669 وضعت مدام جيون طفلة، كانت تعزية كُبرى لها. ولكنها ماتت بسرعة فتحطم قلبها، واستمرت مدام جيون في حياة روحية عالية سنتين، وفي عام 1670 قامت برحلة، جرفها فيها تيار العالم، فوقعت في تجربة العودة لإرتداء الملابس العالمية، والأحاديث الفاسدة، وعادت إلى إرتياد المجتمعات التي تركتها. لكنها بعد قليل رجعت إلى نفسها وعادت إلى حياة الشركة مع الله وطلبت أن يسيج حولها بسور نار ويحفظها.

فكيف حفظها الله؟!؟

لقد كان جمالها هو الصنم الأكبر المسبب لأرتدادها وكان صنمها الثاني إبنها الأصغر إذ أحبته لجماله وذكائه.

وهنا بدأت يد الرب في تحطيم هذين الصنمين، وحفظ أمته في مركز الإتضاع، فهاجمها مرض الجدري وشوه وجهها، وتقول مدام جيون «أمسكت بالمرآة في صباح يوم رهيب فرأيت وجهي الجميل الفتان وقد أصبح أكثر بشاعة من وجه عجوز شمطاء.

زال كل أثر لجمالي وحل محل الجمال ندوب الجدري المشوِه المخيف، وكان عمري وقتئذ اثنين وعشرين سنة، وعلمت حينئذ أن الذبيحة كلها قد ارتفعت لله» وبعد قليل مد الله يده فاختطف الإبن العزيز وهكذا تفرغت بالآلام من الكبرياء، ولئلا ترتفع مرة أخرى ظلت شوكة الجدري تردها إلى مركز الإتضاع.

واستمرت مدام جيون بعد ذلك تصارع مع الله سبع سنوات اختبرت بعدها اختبار التكريس الكامل وامتلأت بفيض حياة الله، وتشهد عن اختبارها قائلة «لم يصبح لي سلام الله فقط، بل امتلكت ذات إله السلام» بكل هذه الآلام قاد الله هذه السيدة من خطوة إلى خطوة، وبشوكة المرض الفظيع حفظ حياتها خاضعة تحت قدميه.

وعلى هذا الأسلوب يحفظ الله أولاده في مختلف العصور، فهو يشرح لنا سر آلامنا بهذه الآيات “وَأُدْخِلُ الثُّلْثَ فِي النَّارِ، وَأَمْحَصُهُمْ كَمَحْصِ الْفِضَّةِ، وَأَمْتَحِنُهُمُ امْتِحَانَ الذَّهَبِ” وما هي البركة الناتجة من هذه النار المؤلمة؟ “هُوَ يَدْعُو بِاسْمِي وَأَنَا أُجِيبُهُ. أَقُولُ: هُوَ شَعْبِي، وَهُوَ يَقُولُ: الرَّبُّ إِلهِي” (زك 13: 9).

فيا نفسي اخضعي في محضر الله.

واتركيه ينقي الزغل من حياتك بنار الألم.

ليحفظك من كل كبرياء تهدمك.

ليتم فيك القول المكتوب.

“فَإِذْ قَدْ تَأَلَّمَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا بِالْجَسَدِ، تَسَلَّحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهذِهِ النِّيَّةِ. فَإِنَّ مَنْ تَأَلَّمَ فِي الْجَسَدِ، كُفَّ عَنِ الْخَطِيَّةِ، لِكَيْ لاَ يَعِيشَ أَيْضًا الزَّمَانَ الْبَاقِيَ فِي الْجَسَدِ، لِشَهَوَاتِ النَّاسِ، بَلْ لإِرَادَةِ اللهِ” (ابط1:4، 2).

الفصل الرابع

النصرة على الألم

أكد لنا السيد له المجد في مثله الجليل الذي أختتم به عظته على الجبل، إنه سواء بنى الإنسان بيته على الصخر أو على الرمل، فلا بد أن يصادفه الألم في الحياة، فالمطر هو تشبيه بديع للتجارب الآتية بسماح من الله، والأنهار وهي الآلام التي تأتينا من العدو الذي قال عنه الكتاب «إذا جاء العدو كنهر فنفخة الرب تدفعه» والرياح هي الآلام التي تأتي من الظروف المحيطة بتأثير الشيطان «رئيس سلطان الهواء» جاءت على كلا البيتين. أما صاحب البيت المبني على الصخر فثبت وانتصر، وأما صاحب البيت الرملي الأساس فهده الألم وكان سقوطه عظيمًا.

والألم في حياة الذين لا يعرفون الله، هو مصدر معظم المتاعب الموجودة في أرضنا، فكثيرًا ما يزرع الألم في قلوب الذين لا يثقون في محبة الله وحكمته، بذور الحقد وحب الإنتقام من بني الإنسان، وكأن الألم الذي يتعب حياتهم يدفعهم دفعًا إلى إيلام الآخرين، ليكونوا جميعًا في الألم سواء.

أعرف طبيبًا تزوج زواجًا غير موفق، وكانت حياته النفسية ميدانًا لمعركة هائلة تكاد تصرعه، واشتد تفكيره عن حكمة الله في سماحه له بهذا الزواج الفاشل. وأخيرًا قاده الألم إلى تعذيب زوجته الطيبة البسيطة كأنما ليحس أنا ليس المتألم الوحيد في بيته.

وكثيرون يملأ الألم عقولهم بأفكار خاطئة ضد الله، فتبدأ هذه الأفكار تسري في حياتهم، تارة يعبُرون عنها بألفاظ تُعتبر في حقيقتها تجديفًا على الذات العُليا، وتارة يعبرون عنها بأمثلة تصور مبلغ تفكيرهم عن خالقهم. قال طالب جامعي أصابته حُمى التيفود لأمه: «إنني أتصور يا أماه أن الله ترك كل أفراد البشر، وإلتفت إليَّ أنا وحدي ليصُب على جام غضبه».

هذه ولا ريب إحدى الصور الخاطئة التي يصورها الإنسان عن الله في آلامه، فالله محبة وسيظل هو المحبة الحنونة المشفقة لأنه لا يستطيع إلا أن يكون كذلك.

ويكفي أن نفكر لحظة في تلك الصُلبان الثلاثة التي ارتفعت على رابية الجلجثة لنعرف تأثيرات الألم في حياة المتألمين، فعلى الصليب المتوسط نرى المسيح البار يتألم ألمًا فدائيًا «من أجل الفُجار» وعلى الصليب الأيمن صُلب ذلك اللص الذي قاده الألم إلى التفكير في أبديته، فرأى خطية قلبه، وغفران فاديه وصرخ إلى سيده «أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك» هذا اللص أفاده الألم فأنقذ حياته من هلاك أبدي محقق.

أما الصليب الثالث، فقد صُلب عليه اللص الآخر، الذي قاده الألم إلى التجديف. ومع أن ألمه كان المًا عقابيًا جاءه بسبب جرائمه وخطاياه إلا انه إلتفت إلى المسيح وكأنه يضع عليه مسئولية عقابه وبدأ في التجديف عليه ثم إذ إشتد به الألم لم يستطع أن يؤمن به كما آمن زميله فقال «إن كُنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا». وكم من أشخاص يتصرفون هكذا في آلامهم!

عرفت تاجرًا كبيرًا فقد أمواله وأفلس عن طريق إدمانه المخدرات وحياته النجسة، وفي يوم ما فرغ الطعام من منزله وبحث عن وسيلة يحضر بها طعامًا لأولاده فلما لم يجد رفع عينيه للسماء قائلاً «أيها الإله الظالم، إن كنت لا تريد أن ترحمني فارحم أولادي» وقد نسى ذلك التاجر المسكين أنه المسئول الأول عن ما وصل إليه بسبب معاصيه.

وقد يؤثر الألم في الإنسان فيقوده إلى الحياة الكئيبة. فيخلو قلبه من البهجة وتغادر شفتيه الإبتسامة، ويحيا بوجه عابس طول حياته. قيل عن ممثل هزلي كان يُضحك الجماهير، إنه لم يكن يضحك قط، ولما سُئل عن سر عبوسته الدائمة وهو المُضحك الشهير قال «صفعني والدي على وجهي بشدة، وأنا في مقتبل عمري فتألمت وتولدت في حياتي عقدة نقص ومن يومها وأنا حزين لا أقوى على الإبتسام».

 هذه الحقيقة يصورها لنا الكتاب في آيات متعددة فيقول صاحب الأمثال “كُلُّ أَيَّامِ الْحَزِينِ شَقِيَّةٌ” (أم 15: 15). ثم يعود فيقول في سفر الجامعة “لأَنَّ كُلَّ أَيَّامِهِ أَحْزَانٌ، وَعَمَلَهُ غَمٌّ. أَيْضًا بِاللَّيْلِ لاَ يَسْتَرِيحُ قَلْبُهُ” (جا 2: 23). والألم الذي يقود إلى الكآبة الدائمة ينهش الجسم الإنساني نهشًا ويفنيه قبل أوانه لأن “حُزْنُ الْعَالَمِ فَيُنْشِئُ مَوْتًا” (2 كو 7: 10).

ومن تأثيرات الألم أنه يقود الإنسان إلى الحسد، فيحسد الذين يتخيل أنهم أسعد منه حالاً وأهنأ منه بالاً، ويتمنى لهم في قلبه وهذه حقيقة يقررها صاحب المزمور في قوله “َحَسَدُوا مُوسَى فِي الْمَحَلَّةِ، وَهارُونَ قُدُّوسَ الرَّبِّ” (مز 106: 16).

والآن وقد عرفنا تأثيرات الألم في حياة المتألمين، بقى أن نقول إن الكثيرين يحاولون الإنتصار على آلامهم، بأساليب مختلفة، فكثيرون من المتألمين، يلجأون إلى كأس الخمر، أو إلى المخدرات التي تُغيب الشعور، ليغرقوا فيها آلامهم وأتعابهم، وكثيرون يلجأون إلى السهرات الحمراء أو إلى الجلوس أمام موائد القمار، أو أمام خشبة المسرح، أو أمام الستار الفضي، لينسوا آلامهم ولو إلى حين.

ولكن الطرق التي يستخدمها البشر بعيدًا عن الله، لا يمكن أن تقود إلى الإنتصار على الألم، فكأس الخمر تُغرق الآلام إلى ساعات، ولكنها تعود بعد أن يفيق المرء إلى نفسه بأشد مما كانت عليه، وقد قالت إحدى السيدات «إنني لا أشرب الخمر لأنني لا أريد أن أغيب عن الوجود بضع ساعات لأعود إليه فأجد نفسي أسوأ مما كنت».

والمخدرات قد تساعد على نسيان المصائب لكنها تضيَّع معالم الشخصية ولقد رفض المسيح رب المجد أن يأخذ في عمق آلامه مخدرًا، فقد “وَأَعْطَوْهُ خَمْرًا مَمْزُوجَةً بِمُرّ لِيَشْرَبَ، فَلَمْ يَقْبَلْ” (مر 15: 23).

والليالي الحمراء قد تُنسينا آلامنا إلى ساعات، ولكن عالم الحقيقة يصدمنا فنعود إلى الشعور بالألم.

أحس أحد ممثلي الكوميديا المشهورين، بضيق نفسي لم يعرف له سببًا، فذهب يعرض نفسه على الأطباء النفسيين، ولكنهم فشلوا في إيجاد العلاج الأكيد، وأخيرًا ذهب إلى طبيب نفسي ماهر، وبعد أن تحدث إليه قال له: هل تعرف الممثل الهزلي ماكدونالد، إذهب إلى إحدى مسرحياته وسيُضحكك إلى أن تزول كآبتك بلا جدال … وهنا دمعت عينا الممثل بدموع الأسى وقال : «أنا هو ماكدونالد يا سيدي .. لكنني أُضحك الجماهير ولا أقدر أن أسعد نفسي».

فشل البشر في كل طريق جربوه.

فلنتقدم إذا إلى قدس أقداس الكتاب، ونحن في صمت كامل أمام الله، لنطلب إليه أن يعطينا أن نعرف ونختبر طريق النُصرة على آلام الحياة.

 فما هو هذا الطريق؟

1) النصرة عن طريق التمتع الشخصي بالمسيح

إن مفاتيح الحياة جميعًا في يد الفادي المُحب، وهو السر الأوحد لنصرة القديسين على الآلام، لنسمع كلمات الرسول بولس وهو يردد “مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ». وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا” (رو 8: 35-37).

بهذه الكلمات أرانا الرسول سر نصرته، فقد كان يتمتع بحضور المسيح في حياته ويحس أن السيد المُبارك يرافقه في كل مراحلها، فكان لما سُجنت مدام جيون في سجن الباستيل المُخيف عام 1695 بأمر لويس الرابع عشر، وضعوها في حجرة مُظلمة باردة تجري فيها الجرذان، وكان حراس السجن يتنكرون في شكل أشباح ويظهرون لها في الظلام بقصد إخافتها وهز أركان إيمانها، وفي وسط هذه الآلام تشهد مدام جيون قائلة «لقد إمتلكت الرب يسوع نفسه، وكانت أحجار سجن الباستيل تلمع أمام عيني كالجواهر من بهاء مجد الله، ولم أعرف أثناء مدة سجني سوى حياة التسبيح، لأن إله السلام كان معي».

من بين القصص التي سجلها التاريخ ونقلها كاتب مصري معروف، قصة عن كاجاوا المُصلح الياباني المشهور، فحين هدده العمى وأصيب بصره، وإضطر أن يستلقي شهورًا معصوب العينين في غرفة مُظلمة، مضت به ساعات تغبش فيها الأفق البعيد بضباب كثيف أمامه، وخُيّل إليه أن مصيره أشرف على النهاية الوشيكة، ومع هذا كله فإن نفسه البعيدة الرؤى، قد أحست بنشوة ظافرة كأنها مُغرقة في نور آخر لا في البحر ولا في الأرض، لأنه كان يتمتع تمتعًا حقيقيًا بالمسيح.

استمع إليه وهو يتحدث عن إختباره في تلك اللحظات السوداء «أهو شيء سيء الطالع؟ ماذا؟ العمى؟ أجل! ولكنه أدهى وأمر ألا يكون للناس أجنحة يحلقون في السماء، وإذا كان الناس قد اخترعوا الطيارات، فلكي تحل محل الأجنحة .. وهذا قول يصدق كل الصدق على الأعين الباصرة الخارجية، فإذا قُدر لها أن تفقد النور، فإنه لا يتعذر الإستعاضة عنها بأبصار داخلية.

إلهي هو نور وإن أحيطت كل الأشياء الخارجية بظلام كثيف، فإن نور الله الباهر يتلألأ في مخدع نفسي الداخلي. فاشتعل أيها النور الداخلي .. اشتعل .. اشتعل أيها النور، واغتذي من الزيت الذي لا ينضُب معينه. إلهي نوري، وما دام هذا النور مضيئًا في داخلي، فلست أندم إذا أُجبرت أن أقبع اليوم كله في ظلام دامس.

قد ولت صحتي، ذهب بصري ولكن الله ما يزال يضيء في داخلي، وأنا مقيد في هذه الغرفة المظلمة، تجتاحني الآلام التي تفوق نيران الجحيم ذاتها ولكن في هذا الآتون المتقد تغمرني رحمة الله التي هي في نظري أعظم من كل كنوز الأرض وخيراتها.

إن في قلب كل الأشياء قلبًا. ووراء الظلمة الشديدة نورًا، فإذا حُرمت نور البصر أتميز من بعيد ذلك النور الذي يشق سدفة الظلام.

كل الأشياء صائحة في آذاني! ما أعجب هذه كلها! فالفراش الذي أستلقي عليه، والدموع التي تهطل من محاجري، والبصاق الذي يلفظه لعابي، والعرق الذي يتصبب به جسمي، والبخار الذي يتصاعد من (الكمادات) والسقف القائم فوقي، والحصير المنبسطة تحتي، وصوت العصفور المُغرد حولي، كل هذه تهتف في آذاني إن الله في جو حياتي، فحتى في الظلام لا أشعر بشيء من الوحدة لأني أتمتع بحضور إلهي».

هذا إختبار رجل عاش في الألم، ولكنه انتصر عليه عن طريق تمتعه بالمسيح.

وفي الكتاب صورة ترينا كيف يتحول الألم الرهيب، إلى حلاوة ولذة وجمال، ففي سفر دانيال نرى الملك الذي دفعه الغضب على كرامته المُمتهنة إلى تشديد العقاب على أولئك الأبطال الثلاثة شدرخ وميشخ وعبدنغو، ونجده وهو في شدة غضبه يتخيل أن النار العادية لا تكفي لإشفاء غليل قلبه فيأمر أن يحمى الأتون سبعة أضعاف، ثم يلقي رجاله الأشداء بالأبطال الثلاثة في وسط النار.

فما الذي حدث عند ذاك؟! إن رجال الملك الأشداء الذين ألقوا شدرخ وميشخ وعبدنغو، احترقوا بالنار التي أشعلوها، وهذه طريق الله، فالنار التي يشعلها العالم لحرق المؤمنين يحترق بها، وتكون على أبناء الله بردًا وسلامًا، ولقد وقف الملك الغاضب ليرى الأبطال الثلاثة ونيران الأتون تلتهمهم فيهدأ غضبه، لكنه رأى عجبًا، رأى أن النار بدلاً من أن تحرق الثلاثة أحرقت قيودهم، ورآهم يسيرون في هدوء كأنهم في حديقة غناء، وكان السر هو وجود (الرابع شبيه ابن الآلهة)، فقد أضاع حضوره تأثير قوة النار، وحولها إلى جنات تحيط بها الأنهار.

وهذه الصورة، هي الصورة المتكررة في إختبارات أبناء الله، فقد لا يخرجهم الله من آلامهم، ولكنه يمتعهم بحضوره الشخصي فيفرحون به ويبتهجون ويقولون مع حبقوق كلماته المشهورة “فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي” (حب17:3، 18).

سيدة إنجليزية أصيب إبنها بمرض إعتقدت في أول الأمر أنه ليس مرضًا خطيرًا، ولكن الطبيب بعد أن فحص الغلام، أكد لها أنه في خطر شديد، حاولت الأم بعد أن عرفت أن إبنها قد يموت، أن تنبه ذهنه للأبدية فقالت له وهي تربت على خده بلطف: هل تعرف يا عزيزي أنك ستسمع في المجد موسيقى السماء، وستسمع ترنيمة موسى والمسيح، وستتمتع بالموسيقى التي تُحبها؟ وحوّل الغلام المريض وجهه ثم همس: إنني مريض يا ماما ولست أعتقد أنني سأحتمل سماع أي موسيقى، وأعتقد أن الموسيقى ستزيد تعبي.

وعادت الأم تقول: إنك سترى السرافيم، والشروبيم، وشوارع السماء المرصوفة بالذهب … وللمرة الثانية همس الولد المريض: أوه يا ماما، إنني مريض ومتعب، بحيث أظن أنني لن أحتمل رؤيا كل تلك المناظر … وأخيرًا حملته الأم على ذراعيها وضمته إلى صدرها، إلى قلبها المُحب … وإذ ذاك همس الصبي: ماما، هذا ما أحتاج إليه، لو أن يسوع يأخذني على ذراعيه ويعطيني الراحة. وأجابت الأم: وهذا ما سيفعله يا ابني العزيز.

إن أولئك المتألمين المتعبين من ضوضاء الحياة، لا يمكن أن يريحهم سوى التمتع الشخصي بالمسيح، عندما يضمهم في أحضان محبته وراحته.

وهذا هو السر الذي جعل بولس وسيلا في سجن فيلبي، وآثار الجلدات تدمي ظهريهما، والمقطرة تضغط على أرجلهما في ظلام الليل الدامس يصليان ويسبحان الله، لقد تمتعا بحضور المسيح معهما فعزاهما وخفف آلامهما.

حدثتني سيدة أجنبية قالت «سكنت مع زوجي في شقة رطبة وكنت أخشى تأثيرها على صحتي وصحة زوجي، لكنني ذكرت وأنا أُصلي أن يسوع هو شمس البر التي تشرق والشفاء في أجنحتها فقلت في نفسي إن وجود يسوع في هذا البيت سوف يزيل كل آثار الرطوبة لأنه هو شمس حياتنا، وقد كافأني الرب. فقضينا شتاء خاليًا من كل إحساس بالبرد، لقد كان المسيح وما زال شمسنا الساطعة.

ويسألني أحدهم قائلاً: لكن كيف نقدر أن نحصل على هذا الإختبار؟

إننا لا نقدر أن نتمتع بشخص المسيح، إلا بالشركة مع الله في الصلاة، فالصلاة هي باب التمتع بالمسيح، وهي باب حفظ الأفكار في شخصه الكريم، لذا شجع الرسول جماعة الفليبيين بالقول “اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا. لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ. اَلرَّبُّ قَرِيبٌ. لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (في4:4-7). فطريق الصلاة هو طريق التمتع بالمسيح، وهذا هو نفس إختبار كاجاوا عندما هدده العمى .. يقول:

«إن صلاتي لا تنقطع! لا تنقطع! لا تنقطع يومًا بعد آخر! ووراء هاتين العينين المغمضتين لا تنقطع صلاتي، سواء أغامت السماء أو صفت فإن صلاتي لا تنقطع. وإذ قد مُنحت هبة الحياة، لا مندوحة لي عن الصلاة، لأجل ملكوت الله، ولأجل العالم، وإن قدر لي أن أعيش في الظلام فهذا أحسبه مبررًا كافيًا لأن تتلهى نفسي في شئون تتعلق بها دون سواها.

في الظلام ألتقي بالله وجهًا لوجه، في الظلام تكتسي نفسي بثوب أبيض وإذ تطهر تصعد إلى الأقداس إلى حضرة الله، إن الظلمة ذاتها قدس أقداس لنفسي ولن يقدر أحد أن يسلبنيها. إنه لكذلك! إنه لكذلك ليس أني أؤمن بالله، بل إن الله هو الذي ولدني ولادة ثانية، ههنا علة هذا العمى الطويل الأمد، وههنا الغرض من هذا العجز المُمل المُضني، أن أحيا لله، إن لله شأنًا فيَّ فلن أبتئس من ألم أو حزن، لأن الله يأخذني إلى حضنه.

أراد صديق أن يعزيني فقال «لا بد أنك تمل هذا المرض الطويل حين تشعر أن أعمالك الكثيرة مُعطلة»، أما أنا فأقول إني لم أشعر بشيء من الضجر والجزع. أنا أعلم أن عملاً كثيرًا ينتظرني، ولكن العمل ليس غرضي في الحياة. قد أعُطيت الحياة لأحياها. ومن البلادة والسخف أن أقضي هذه الساعات الثمينة ضاجرًا متأففًا أفكر في الغد تفكيرًا بليدًا. إن حياتي تتركز في الساعة التي أنا فيها، ومهمتي الآن أن أستشعر الصلة بالله، والقرب منه وأنا طريح فراش الألم. أنا لا أفكر في الغد، ولا في اليوم التالي، ولا في ساعة الغروب من هذا اليوم وإذ أحمد الله فرحًا من أجل ساعات التي أقضيها معه كيف أجزع وأضطرب؟»

إن الصلاة هي أعظم مورد من موارد العزاء في الألم، فلا غرابة أن يقول عنها داود الملك “فِي يَوْمَ دَعَوْتُكَ أَجَبْتَنِي. شَجَّعْتَنِي قُوَّةً فِي نَفْسِي” (مز 138: 3).

لما دخلت حنة إلى بيت الرب. كانت تكتنفها تجارب ثلاث، التجربة الأولى: تجربة في القلب هي تجربة حرمانها من الولد، والتجربة الثانية: تجربة في البيت هي تجربة إغاظة ضرتها لها، والتجربة الثالثة: تجربة في الهيكل عندما وبخها عالي الكاهن إذ ظن أنها سكرى. لكنها بعد أن سكبت قلبها أمام الله في الصلاة، اختبرت راحته في حياتها فخرجت من بيته “وَلَمْ يَكُنْ وَجْهُهَا بَعْدُ مُغَيَّرًا” (1 صم 1: 18).

هذا هو ذات الإختبار الذي إجتازه يوحنا وهو في جزيرة بطمس، بعيدًا عن رعيته وأصدقائه، وهو في وحدته وشيخوخته لا يسمع سوى خرير مياة البحر، لكنه يقول “أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ فِي الضِّيقَةِ وَفِي مَلَكُوتِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَصَبْرِهِ. كُنْتُ فِي الْجَزِيرَةِ الَّتِي تُدْعَى بَطْمُسَ مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رؤ 1: 9).

وبينما كان في الروح لست أشك في أنه كان مصليًا، وعن طريق الصلاة تمتع برؤية شخص المسيح، ورأى إعلانات الله. فيا من تجتاز في أتون الألم، ارفع قلبك إلى الله وتمتع به فتختبر نصرته في قديسيه.

2) النصرة عن طريق الصبر والتسليم

على مكتب أحد الملوك وجدت قطعة منقوشة من الفضة كتبت عليها تلك الكلمة القصيرة في طولها العميقة في معناها (الصبر) وإن كان الملوك وهم سادة الأرض يحتاجون إلى الصبر ويضعون على مكاتبهم ما يذكرهم أن يكونوا من الصابرين، فالمتألمون في الحياة لا بنتصرون على آلامهم إلا عن طريق الصبر والتسليم لإرادة الله.

والصبر معناه، الإنتظار بسكوت أمام الله، وعن طريق إنتظار الله ننال النصرة العظمى “انْتَظِرِ الرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ” (مز 27: 14).

ولنفكر الآن قليلاً في ذلك الرجل (أيوب) الذي وُضع كمثال للصبر على الآلام في كل الأجيال، إن كثيرين من الناس يفقدون عقولهم عندما تداهمهم تجربة قاسية، لكن لننظر إلى ذلك الرجل وهو يجتاز تجاربه الأربعة الأولى، فتأتيه كالقنابل المتفجرة التي تهز أركان الحياة، ثم تهاجمه التجربة الخامسة فتذبل صحته ويفترش الرماد ومع ذلك ينتصر على كل هذه الآلام. كان جالسًا ذات يوم وآمال الحياة البسامة تُداعب خياله، وإذا بالنذير الأول يأتيه بأول أخبار مصائبه قائلاً “الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ، وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا، فَسَقَطَ عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ” ولنحسب الآن حساب خسارته في هذه التجربة كم عدد البقر؟ وعدد الأُتن؟ وعدد الخدم الحارسين؟

يقول الكتاب “خَمْسَ مِئَةِ فَدَّانِ بَقَرٍ، وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ، وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدًّا” هذه هي الخسارة الأولى، ولم يكد الرجل يفيق من سماع هذا الخبر المشئوم حتى جاء النذير الثاني يقول “نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ” فكم كان عدد الغنم وعدد الغلمان؟ يقول الكتاب “وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَمِ” وبينما كان النذير الثاني في حديثه إذا بالنذير الثالث يأتي قائلاً “الْكَلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق، فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ” فكم كان عدد هذه الجمال؟ يقول الكتاب “َثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَل”.

لقد نزلت ضربات ثلاث على قلب ذلك الرجل البار، وليس شك في أن ذهنه قد سبقه إلى التفكير في أولاده، وأنه همس لنفسه قائلاً «حمدًأ لك يا إلهي لأنك أبقيت لي أولادي، لأنه كسهام بيد جبار هكذا أبناء الشبيبة. فبهم أفتح طريق المستقبل لمجد عتيد فشكرًا لك يا إلهي لأجل سلامة الأولاد». لكنه لم يكد يسبح في هذه الأفكار حتى وصل النذير الرابع بأخباره المخيفة المرعبة «بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ» سبعة بنين وثلاث بنات يموتون في يوم واحد؟! هذه هي التجربة العظمى.

إن هذه التجارب الأربعة تبدو في صورة لا يحتملها العقل البشري. فالآتان والبقر ضاعت عن طريق إعتداء السبئيين، والغنم أحرقت بنار من السماء من عند الله، والجِمال أغتصبها الكلدانيون إغتصابًا، والأولاد ماتوا بحادث مفاجيء مُريع هدم عليهم البيت.

والشيء الوحيد الذي يتوقعه الإنسان العادي هو أن يُصاب أيوب بهزة عصبية أو بشلل مفاجيء أو بصدمة تُفقده العقل والشعور فيصبح (أيوب المجنون) ولكن أيوب ظل كامل العقل، فحسب أن خسارة الآتان من شر السبئيين وظلمهم، وآمن بأن نار الله أحرقت الغنم ليتقبل الله هذه الأغنام كذبائح سرور يشتمها لأجل أولاده؛ وأن الجِمال أغتصبت بسبب طمع جماعة الكلدانيين، وإن الأولاد ماتوا لإن الله أرادهم عنده.

وبهذا الحساب الجديد إستطاع أيوب أن يقابل ألامه في صبر وتسليم لإرادة الله وهو يقول “عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا” (أي21:1). ولكنه بعد هذا كله يُضرب بقرح رديئة من الشيطان فيأخذ لنفسه شقفة ليحتك بها وهو يفترش الغبراء ويلتحف السماء؛ ومع كل ذلك صبر وإنتظر وسلم لإرادة الله في حياته فكانت له نعم العُقبى. إذ بارك الله آخرت أيوب أكثر من أوله؛ ووضعه يعقوب الرسول كمثال للصبر حين قال “هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ” (يع 5: 11).

وفي الكتاب قصص من قصص التسليم لإرادة الله هي قصة المرأة الشونمية العظيمة، فقد حرم الله تلك المرأة نعمة الأولاد، مع إنها كانت عظيمة في خدمتها، وفي حياتها، وفي قناعتها، وفي إنكارها لذاتها. وأخيرًا كافآها الله بولد ملأ حياتها سرورًا وبهجة ثم جاء اليوم الذي دخل فيه الألم إلى بيت الشونمية فضربت الشمس ذلك الولد ومات … ماذا تفعل أي أم فقدت أبنها الوحيد؟ إن أقل ما ينتظره الشخص العادي، هو صرخة يأس تملأ أرجاء البيت، ولكن الشونمية كانت عظيمة في تسليمها لإرادة الله، فأسرعت إلى رجل الله أليشع، ولما رآها ارسل لها تلميذه ليسألها: «أَسَلاَمٌ لَكِ؟ أَسَلاَمٌ لِزَوْجِكِ؟ أَسَلاَمٌ لِلْوَلَدِ؟» فَقَالَتْ المرأة الشونمية في هدوء كامل: «سَلاَمٌ» (2مل4). لقد انتصرت على ألامها بالتسليم لإرادة الله.

فما هو السبيل إلى هذا التسليم الكامل التام؟

يوجد طريقان:

الطريق الأول هو طريق الإحساس بإمتلاك الله، فعندما نحس إننا نمتلك الله فعندئذ لن نعز عنه شيئًا .. بل لن يؤلمنا كثيرًا أن نفقد أحد أعزائنا إلينا، لإن لغتنا ستكون كلغة أيوب “الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا” (أي21:1). بل ستكون كلغة بولس عندما هتف “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الرَّأْفَةِ وَإِلهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ، الَّذِي يُعَزِّينَا فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا، حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نُعَزِّيَ الَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ ضِيقَةٍ بِالتَّعْزِيَةِ الَّتِي نَتَعَزَّى نَحْنُ بِهَا مِنَ اللهِ” (2 كو 1: 3).

إننا عندما نمتلك الله، وتضيع أموالنا، ومتاجرنا، ويخطف الموت أولادنا أو بناتنا وتذبل صحتنا ونضارتنا يبقى هو لنا «الصخر الكامل صنيعه الذي كل سُبله عدل وحق».

إعتاد احد الملوك أن يفخر بعبد من عبيده، حتى أثار كلامه فضول حاشيته، فطلبوا منه أن يتفضل فيريهم ذلك العبد، فدعى الملك عبده المحبوب عنده ودعى عبيده الآخرين، فلما جاء العبد تأمله كل رجال الحاشية وإذا هو لا يمتاز في شكله عن بقية العبيد، وشعر الملك بإندهاش رجال حاشيته فقال لهم، إنكم لم تستطيعوا أن تدركوا إمتياز عبدي إلا إذا أحضرتم لي كأسًا من المُر، فإليَّ بكأس من المُر.

أحضروا للملك كأس المُر فطلب من عبيده الواقفين أن يرتشف كل واحد رشفة واحدة من الكأس، ففعلوا ولكن التقزز ظهر على قسمات وجوههم بشكل ظاهر، وأمر الملك بإعادة ملء الكأس ثم ناوله لعبده المميز عنده فأمسك العبد بالكأس وركز عينيه في الملك ورشف الكأس حتى ثمالته والإبتسامة لا تفارق شفتيه، وإلتفت الملك إلى رجال حاشيته ثم قال:

أرأيتم سر فخري بعبدي، هؤلاء العبيد شربوا المُر ولكنهم شربوه بالرغم منهم وعلامات التقزز تعلوا وجوههم، أما هذا العبد الصالح الأمين فقد شرب المُر في سرور، ولم يتغير وجهه بل إزدادت إبتسامة شفتيه، وهنا سأل أحدهم العبد عن سر إحتماله فأجاب: لو فكرت في مرارة المُر لتألمت مثلما تألم سائر رفقائي، لكني ركزت عيني في الوجه الملكي الكريم الذي ميزني، وفي اليد الملكية الكريمة التي قدمت إليَّ هذه الكأس. إني إمتلكت مولاي فنسيت إني أشرب المُر.

هذه هي الحقيقة الكُبرى، فعندما نمتلك الله، يصبح هو موضوع مشغولياتنا، وهكذا “يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ” (2 كو 2: 14). فيكون لنا لسان حالنا هو لسان حال آساف المرنم “مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ” (مز 73: 25). لأن ما في السماء لي وما في الأرض لي ما دام المسيح لي، ولذا فإرادتي ملك لفاديَّ.

أما الطريق الثاني الذي يقودنا للتسليم بصبر فهو طريق الصلاة ليوحد الله إرادتنا مع إرادته وكما أن الصلاة هي طريق التمتع بالمسيح فهي أيضًا طريق التسليم لمشيئة الله، قال ماير وهو يرى العصيان في إرادته «ركعت أمام الله وصرخت من قلبي، يا إلهي إخضع إرادتي لتكون وفق إرادتك».

ولماذا نذهب بعيدًا وعندنا صورة سيدنا، وهي ترينا كيف سلم لمشيئة الآب فانتصر عن طريق الصلاة.

وهل وُجد في أرضنا من تحمل آلامًا كآلام المسيح في جثسيماني؟!

لقد حاصره مربع الألم من كل جهة، فأحس آلام عدم تقدير الآخرين، وآلام الوحدة، وآلام الحزن، وآلام التفكير في أولئك الهالكين المعاندين.

أحس ألام عدم تقدير الآخرين: فقد جال يصنع لهم خيرًا، ويشفي مرضاهم، ويقيم موتاهم، ويخدمهم ويمسح دموعهم، لكنهم رغم خدمته لهم قابلوه بالإحتقار؛ حتى تم فيه القول الذي قاله أشعياء بالنبوة “مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ” (إش 53: 3). وليس هناك ألم أشد من ألم الإحتقار وعدم التقدير، فعندما يشعر المرء أنه كوفيء عن خدمته .. لطمة، وعن نصيحته الغالية .. كلمة قاسية، وعن محبته القلبية .. عداوة، وعن غرضه الشريف تأويلاً لأعماله غير نبيل .. لا بد أن يتألم.

وأحس آلام الوحدة: لأنه إجتاز المعصرة وحده: وجثسيماني تعني في ترجمتها (معصرة الزيت)، وهناك عصرت الآلام قلب المسيح وأرهقت جسده حتى إحتاج أن يأتيه ملاك من السماء ليقويه، فواحد من أحب تلاميذه إلى قلبه نام في البستان وتركه وحيدًا يصارع قوات الجحيم، والجموع التي أطعمها في البرية لم تقف إلى جواره ساعة شدته، وأولئك الذين شفاهم من الرجال والنساء كانوا يغطون في نومهم مستريحين بينما كان هو وحيدًا في الآلام.

وأحس آلام الحزن: فقال لتلاميذه بعد أن برّح به الألم  “نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ” (مت 26: 38). وليس شك أن سر حزنه في تلك الساعات الرهيبة كان ناتجًا عن تفكيره في خطايا الأجيال السابقة، وخطايا الأجيال اللاحقة، وهي تتجمع فوق رأسه ليعطي عنها الحساب ويتحمل لأجلها الألم والعذاب، وكان ناتجًاعن تفكيره في حجب وجه الآب عنه في ساعة ضيقة وهو الذي لم يعتد أن يسير خطوة دون أن يكون الآب مرافقًا له حتى قال «لم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه» لكنه تركه إذ جعله خطية لأجلنا.

وإن كانت خطايا فرد واحد تقلقه فكم بالحري خطايا الأجيال والدهور، عندما تقع على عاتق ذلك الحمل البريء القدوس؟!

وأحس المسيح فوق هذا كله بآلام التفكير في الآخرين: وعندما نذكر أن آلام المسيح لم تكن لأجل شر ارتكبه، بل كانت آلامًا فدائية لا يصعب علينا أن نصور لأنفسنا شدة آلامه لأجل المعاندين، فقد رأى بعينه الثاقبة لحجب المستقبل، آلاف البشر وهم يرفضون عمله لأجلهم في عناد، ويحبون الظلمة أكثر من النور، ويسيرون وقد خدعهم العالم الجذاب الذي نهايته الحريق، هذا الألم دفعه – وهو صاحب العاطفة الفياضة بالحنان – إلى أن ينظر إلى أورشليم ويبكي عليها ويقول لها “كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا!” (مت 23: 37).

هذا المربع من الآلام أحاط بالمسيح له المجد فأحس برهبة الموقف، وليس شك في أن الشيطان قد سدد كل سهامه إلى عقل المسيح ليرجعه عن مهمته العظمى، وهنا دخل المسيح إلى البستان ليصلي، وعن طريق الصلاة تعلم درس التسليم لمشيئة الآب، ولنسمعه وهو يناجي الآب الذي أرضاه “يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ” وإذ يستمر مصليًا تتوفق إرادته كإنسان مع إرادة الآب الذي أحب البشر فيقول في تسليم كامل .. “وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ” (لو 22: 42). وتم القول المكتوب “مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ” (عب 5: 8).

قالت سيدة لراعيها، أنها تخشى أن تصلي الصلاة الربانية، وخوفها ناتج عن أن هذه الصلاة تحمل بين كلماتها العبارة «لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض» وإن أشد ما تخشاه أن ينفذ الله مشيئته في حياتها، ومن يدري فقد تكون مشيئته أن يأخذ إبنها الوحيد شارل. وهي لا تريد ذلك. قال الراعي المختبر في بساطة «اسمعي أيتها الأخت، افرضي أن إبنك شارل جاء إليكِ قائلاً، هأنذا أسلمك حياتي يا أماه، إليكِ نفسي وكل شيء عندي، عذبيني إن إردتِ لي العذاب، ودعيني أتضور جائعًا عاريًا إن شئتِ لي الجوع والعري، هل تقولين في نفسك حسنًا لقد حانت الفرصة للإنتقام من هذا الولد الوحيد، فتبدأين في إذاقته كل ألوان العذاب؟!».

قالت السيدة: «كلا. كلا، مستحيل أن أفعل به ذلك، إنه ولدي ولو سلم إرادته لي لسعيت بأن اجعل منه احسن الرجال». قال الراعي «وهل تعتقدين أيتها الأخت أنكِ تحبين ولدك أكثر من محبة الله لكِ. اسمعي كلماته  “هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابْنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ” (إش 49: 15)». عندئذ قالت السيدة: «لشد ما تألمت من عنادي ومن اليوم سأصلي إلى إلهي ليدربني ويعلمني درس التسليم لمشيئته».

ليس هناك عذر على الإطلاق لمن لا يصبرون، فالله في محبته وحكمته، لا يعطي تجربة إلا على قدر إحتمال صاحبها، وهو إذ يسمح للشيطان أن يجربنا يوقفه عند حدود لا يتخطاها فيقول له «ها هو في يدك، ولكن احفظ نفسه».

ومن رحمة الله بالبشر، ومحبته لهم، أنه جعل في تركيبهم صمامة أمان طبيعية تعينهم على تحمل الألم. فحين يشتد الألم بالإنسان لدرجة لا يستطيع إحتمالها، ينفتح له باب طبيعي ينقذه من شدة الألم، هو باب فقدان الحس في حالة بعض الآلام الجسدية، كما يفتح الله له أبوابًا اخرى للعزاء في الآلام النفسية، فلا يعود يشعر بما لا طاقة له على إحتماله. لأجل هذه هتف رسول الأمم “لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا” (1 كو 10: 13).

فهل انتصرت أيها المتألم بالصبر والتسليم أم أن حياتك هي حياة التذمر الدائم؟

من بين المآسي الواقعية التي سمعتها، مأساة رجل تزوج فتاة جميلة راقية، وعاشا معًا تظللهما أجنحة الحب والهناء، ثم دخل المرض إلى جسم الزوجة الأمينة فلازمت فراشها، وعمل الطب ما في وسعه أن يعمله ولكنه قال في النهاية أن لا طريق للعلاج … وهنا ضاع صبر الزوج، وغير دينه المسيحي وطلق زوجته التي كان يحبها وتركها في سرير المرض بلا عائل ولا نصير، وتزوج بفتاة أخرى، وبعد أسبوع من زواجه ماتت الزوجة المطلقة، فاستيقظ الضمير النائم، وكان الرجل يسير في الطريق هامسًا لنفسه «آه يا ليتني صبرت. آه يا ليتني صبرت»

لقد قال رب المجد “وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ” (مت 24: 13). وقال رسول العبرانيين “لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ” (عب 10: 36).وقال السيد مرة ثانية “بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ” (لو 21: 19). “لأَنَّكَ حَفِظْتَ كَلِمَةَ صَبْرِي، أَنَا أَيْضًا سَأَحْفَظُكَ مِنْ سَاعَةِ التَّجْرِبَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ لِتُجَرِّبَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ” (رؤ 3: 10).

وصلى الرسول مرة لأجل المؤمنين “وَالرَّبُّ يَهْدِي قُلُوبَكُمْ إِلَى مَحَبَّةِ اللهِ، وَإِلَى صَبْرِ الْمَسِيحِ” (2 تس 3: 5).

فهل نتعلم من كل هذا درس الصبر، من صبر فقد انتصر.

3- النصرة عن طريق الخدمة المضحية

الخدمة في معناها الأسمى، هي نسيان الذات والمشغولية بآلام الآخرين والعمل على تخفيف تلك الآلام، سواء كان عن طريق التحدث إلى المتألمين برسالة العزاء، أو عن طريق إبداء العطف بالتضحية والعطاء. والخدمة هي باب من أبواب النصرة على الألم، لأنها ترينا صورة للعالم المتألم، فتبدو آلامنا بالنسبة لآلام الآخرين سهلة محتملة.

إن سر متاعب المرء هو أنه يركز إهتمامه في نفسه، فيعتقد أنه مركز هذا العالم الفسيح، وينسى أنه ذرة حقيرة لا تُرى إلا بالمجهر بالقياس إلى هذا الكون المتسع الأرجاء.

إن كثيرين من المتألمين تتعزى نفوسهم وترتاح عندما يخدمون القلوب المنكسرة إذ يحسون أن الألم هو ميراث كل أبناء الأرض.

تحدثت زوجة محام معروف إلى صديقاتها قالت: «لما مرض إبني بالدفتيريا، أحسست بألم في قلبي لا يطاق، فلما شفيَّ وتركت الحمى في جسمه الشلل، أحسست بأن الألم يكاد يفتت نفسي، حتى ذهبت إلى المستشفى لأعالجه، ورأيت هناك اطفالاً ما زالوا في سن الرضاعة وهم مرضى بأمراض أشد هولاً من مرض أبني … هناك في المستشفى تعزيت لأنني رأيت أنني لست وحيدة في آلامي في هذا الوجود، إذ رأيت شدة آلام الآخرين».

قص علينا طبيب أمريكي قصة عن سيدة أمريكية غنية، ملأتها الأوهام بأنها مريضة بمرض لا تعرف علته، وإزداد بها الوهم حتى أثر في أعصابها، فبدأت تذهب من طبيب إلى طبيب وتبعثر أموالها على الدواء، إلى أن وصلت إلى ذلك الطبيب. قال الطبيب: «فحصتها فإذا بها أكثر مني صحة وعافية، فأدركت أن سر آلامها وأوهامها إنها ركزت إهتمامها في نفسها، فطلبت منها أن تزورني في مستشفاي، ولما حضرت درت بها قليلاً في حجرات المستشفى وأريتها المشلولين، ومرضى السرطان.

وأولئك الذين تسوست عظامهم فسجنوا في سرير المرض، فلما رأت أمام عينيها العالم بمصائبه ومتاعبه، وضعت يدها في حقيبتها وأخرجت دفتر شيكاتها وكتبت لي تحويلاً بمبلغ كبير، لأخدم بالمال مرضاي». وفي ذلك اليوم زالت اوهامها، إذ بدأت عهد خدمتها للمحتاجين.

إن الشخص الذي يتعلم درس الخدمة المضحية، ينال مكافأته نسيان ذاته، وبالتالي نسيان آلامه، لأن الخدمة هي المحبة، والمحبة «لا تطلب ما لنفسها»، بل لذتها في خدمتها للآخرين.

عاش في أمريكا خادم جليل إسمه تشارلس نايلور، وقصة هذا الخادم هي قصة النصرة عن طريق الخدمة. تخرج نايلور من كلية اللاهوت وبدأ يعظ فتنبأوا له بمستقبل باهر عظيم، ودعته إحدى الكنائس لرعايتها فخدم فيها بنجاح كبير، ولكنه بعد مدة ذهب ليعظ فأحس أنه لا يقوى على الوقوف، فجلس وألقى عظته، وإزداد مرضه يومًا بعد الآخر، فأحضروا له سريرًا على المنبر ليعظ منه، ثم ظهر أن مرضه في السلسلة الفقرية فامتنع عن الخدمة واستقر حبيسًا في غرفته.

فهل قابل الألم بروح التذمر؟ كلا، بل إلتفت إلى السماء وقال «يا إلهي لقد إنتهت خدمتي عن طريق الكلام فاستخدمني يا رب عن طريق القلم». وشرع يكتب بواسطة آلات التسجيل، فكان أول كتاب له (سر القلب المُغني) ثم كان الكتاب الثاني (سر القوة في الحياة المسيحية) واليوم يقرأ الألوف من المتألمين كتبه فيتعزون وينتصرون. كما إنتصر هو على آلامه بخدمته.

حدثنا أحد مشاهير الرعاة المصريين في عظة له، عن مُرسل أمريكي ذهب إلى الصين ومعه زوجته وأولاده ليخدم المسيح، فلما قامت ثورة البوكسر (المصارعين) قتل البوكسر ذلك القسيس، وتركوا زوجته وأولاده الأربعة وحيدين لزيادة ألامهم وتعذيبهم.

عادت الزوجة وأولادها إلى أمريكا، إلى أن كبر الأولاد ونالوا إجازات كلية الطب، وفي ليلة ما جلسوا حول المائدة يفكرون وإذا بالأم تقول:«هيا يا أولادي إلى الصين لننتقم لدم أبيكم» قال الأولاد بإندهاش: إلى الصين؟! قالت: «نعم، فنار فراق أبيكم لا يطفأها إلا نور خدمة المسيح، فهيا لنفتح مستشفى هناك».

ذهبوا إلى الصين لينتقموا، ولكن أي إنتقام؟!؟ فتحوا مستشفى لمعالجة الصينيين من داء الأفيون، ومن أمراضهم الفتاكة، وخدموا المسيح في الصين، بل خلقوا الصين من جديد. إن جاز لنا أن نقول أن إنسانًا يخلق إنسانًا ولا أنسى أن أذكر قصة قصتها عليَّ ميس روز بيترمان، وهي مُرسلة سويسرية جليلة، زارتني أثناء مرضي بالحمى في ملوي:

وشددتني بهذه الحادثة قالت: «عاش رجل في سويسرا أصابه الشلل، وظل في سرير المرض أربعة عشر عامًا، لم يجد سبيلاً للنصرة على ألامه إلا سبيل الخدمة، فابتدأ يخدم الناس عن طريق كلماته المشجعة، وكان أطباء المدينة يرسلون إليه مرضى (النورستانيا) فلا يكاد المريض يجلس جلسة واحدة مع هذا الرجل (المشلول) حتى يخرج وقد فارقته أفكاره السوداء إلى الأبد».

وأختم بقصة سمعتها من مراسل أمريكي عن أستاذ من أساتذة الجامعات في أمريكا أُصيب إبنه الوحيد بالتيتانوس (تسمم في الدم)، وجاء الطبيب ليحقن هذا الولد العزيز ولكنه أخطأ الحقنة ومات الولد المحبوب على زراع أبيه. لكن والديه لم يعيشا في حياة الألم. ولم يقودهم هذا الحادث إلى الإلحاد أو إلى التذمر ضد عناية الله ولم تتمرر حياتهما بهذا التجربة القاسية ولم يقضيا حياتهما في التحصر والدموع، بل رفعهما الألم على أجنحته الخفية إلى حياة الخدمة، فكرسا حياتهما لخدمة الأطفال المرضى والمساكين والمنبوذين.

إن في وسعنا أن نجعل من آلامنا سببًا لمرارة حياتنا، وأن نقضي دقائقنا ونحن نندب حظنا، فنجلس مرددين مراثي الأحزان كل يوم، وقد يوصلنا هذا إلى التجديف على ذات الله، وفي وسعنا ايضًا أن نجعل من الألم طريقًا لخدمة الأخرين من الواقعين في دائرة الألم فنتعزى عن ألامنا بتخفيف آلامهم.

هذه هي النصرة عن طريق الخدمة المضحية، وهي التي اختبرها بولس الرسول حين قال للذين أرادوا أن يمنعوه عن أن يغامر بنفسه فيذهب إلى الألم في أورشليم هذه الكلمات “مَاذَا تَفْعَلُونَ؟ تَبْكُونَ وَتَكْسِرُونَ قَلْبِي، لأَنِّي مُسْتَعِدٌّ لَيْسَ أَنْ أُرْبَطَ فَقَطْ، بَلْ أَنْ أَمُوتَ أَيْضًا فِي أُورُشَلِيمَ لأَجْلِ اسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ” (أع 21: 13). “وَلكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ اللهِ” (أع 20: 24).

4)   النصرة عن طريق التأمل في حياة وصليب المسيح

ليس شك في أن حياة المسيح كانت نموذجًا رائعًا لحياة الألم، لقد ولد المسيح للألم، وعاش في الألم، ومات مصلوبًا على صليب. ويكفي أن يركز الإنسان فكره في حياة المسيح وفي آلام صليبه، ليحيا حياة منتصرة على آلامه. ولذا يشجع الرسول جماعة العبرانيين قائلاً “لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْل، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا،نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ. فَتَفَكَّرُوا فِي الَّذِي احْتَمَلَ مِنَ الْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هذِهِ لِئَلاَّ تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ” (عب 12: 1).

كانت فلورنس نايتنجيل التي خدمت الجرحى في حرب القرم حتى لقبوها بملاك الرحمة تقول للممرضات اللواتي معها عندما يتذمرن من طعامهن أو لباسهن، أو مكان نومهن هذه الكلمات «إن كنتن في حاجة إلى طعام أفضل أذكرن ذاك الذي كان يعيش في معظم أوقاته على سنابل الحنطة، وإن كنتن ترون أن ملابسكن ليست بذات رونق، أذكرن ذاك الذي لم يكن له سوى قميص منسوج كله بغير خياطة، وإن كنتن تتذمرن على عدم راحة أسرتكن، أذكرن ذاك الذي لم يكن له أين يسند رأسه» وبهذه العبارات كانت توجه أنظار الممرضات اللواتي معها إلى حياة المسيح فتذهب عنهن روح التذمر والشكوى.

تعيش في بلادنا سيدة تخدم الإنجيل، مرض زوجها بمرض خطير، فمضت تسأل الناس أن يساعدوها في محنتها، لكن الذين خدمتهم، كانوا أول من أغلقوا في وجهها الأبواب … وحتى التليفون كان يتذمرون من إستعمالها إياه … عادت ذات يوم وقد لاقت من معاملة الناس الآمرين، ودخلت إلى مخدعها وركعت تناجي مُخلصها قالت: «أنا اعلم يا رب أنك تحبني، ولكن لماذا تسمح أن يعاملني الناس بهذه المعاملة القاسية؟!» تقول السيدة القديسة «سمعت صوت الرب يكلمني في قلبي قائلاً: هل ضربوكِ؟ هل بصقوا على وجهك؟! هل وضعوا على رأسك الشوك؟ هل سمروا يديكِ بالمسامير؟ وعندئذ رأيت آلامي كقطرة من محيط آلام سيدي فتعزى قلبي».

أن التفكير في صليب المسيح هو السر الحقيقي للنصرة الدائمة على الألم. يقف أصحاب القلوب الحائرة أمام الألم قائلين: أين هو الله؟ ولماذا يجد الذين لا يعرفون الله محتاجين متألمين؟ لماذا يرتفع الظالم فوق الناس ويُداس البريء بأرجل الأنجاس؟ وأنا أقول لكل أولئك تعالوا لنرى بيلاطس الجبان على كرسي القضاء ونرى يسوع البريء مُحتقرًا مُهانًا، بل لنرى هيرودس النجس على العرش ويسوع السيد البار مصلوبًا على الصليب. لكن بعد الصليب القيامة، وبعد القيامة أعطى الله لكل ذي حق حقه، أما بيلاطس فقد إنتحر، وأما هيرودس فقد قتل، وأما المسيح فقد تمجد ربا فوق الجميع.

يقص علينا مودي هذه القصة في أثناء زيارتي لمدينة دندي زرت رجلاً كسيحًا كان قد قضى في سريره أربعين سنة. أصابه الكساح لما كان عمره خمسة عشر عامًا على آثر سقطة ألزمته الرقاد الدائم.

كان الرجل يتحمل آلامًا مبرحة يومًا بعد الآخر لكن نعمة الله كانت تسنده وتعضده، وسلام الله كان يملأ جو الغرفة بعبير فواح، ويخيل إليّ أن ملائكة السماء كانت جميعًا تقف في دهشة متعجبة على السلام الفياض الذي يملأ حياة هذا الرجل.

ظننت أن رجلاً صابرًا على الألم كل هذه السنين لا بد أن يكون بمأمن من سهام الشيطان، فسألته هذا السؤال: «ألا يأتيك الشيطان ليجربك ويرسم لك الله في صورة الإله الظالم القاسي؟!؟» قال الرجل وقد أبرقت عيناه: «نعم، بلا جدال، ففي مرات وأنا مضطجع في هذا المكان يمر على رفيق من رفقاء الدراسة في مركبته، ويأتيني الشيطان بهذا السهم قائلاً:

لو كان الله يحبك ويرجو خيرك فلماذا أبقاك في سجن المرض كل هذه السنين؟. وفي مرات أرى أصدقائي القُدامى وهم يسيرون على أرجلهم، وعلامات الصحة والقوة تبدو على وجوههم، فيوجه إلى إبليس هذا السهم: «لو كان في قدرة القادر على كل شيء أن يحفظك وأن يقيمك من سرير آلامك؟» قلت: «وماذا تفعل عندما يأتي إبليس ليجربك بهذه السهام المؤلمة؟» وقال الرجل في بساطة: «أمر سهل، آخذه إلى الجلجثة، وأرفع عيني إلى صليب مخلصي، وأريه إكليل الشوك الذي آلم رأسه، والمسامير التي دُقت في يديه، وطعنة الحربة التي فتحت لنا قلبه وأقول له: «أيها العدو لو كان الله لا يحبني، فلماذا صُلب المسيح من أجلي؟ وعندئذ يهرب الشيطان لأنه لا يقدر أن يقف أمام ضياء الصليب».

من بين القصص الواقعية الخالدة قصة غلام إسمه شارلي كولسون كان طبالاً في الجيش في الحرب الأمريكية الأهلية. جُرح في القتال جروحًا بليغة إستلزمت بتر ساقه وزراعه، وكان الطبيب الذي كُلف بالقيام بعملية البتر يهوديًا.

أراد أن يُخدر الغُلام بالكلوروفورم فرفض وإليك بعض ما دار من حوار بين الطبيب والغلام في هذه القصة: «لِمَ ترفض الكلوروفورم يا بنيّ؟ إني ساعة رأيتك مُلقى في ميدان القتال، ظننت أن لا فائدة من إنتشالك، لما رأيت عليك من الذهول وآثار الخور الشديد، ولكن لما شاهدتك تفتح عينيك الزرقاوين، جال بخاطري أنه ربما يكون لك أم تفكر فيك في ذلك الوقت فلم أرض بأن أراك تُسلم أنفاسك في الميدان وأمرت بنقلك إلى المستشفى. لقد سال منك الدم غزيرًا ولن تقوى على أن تتحمل العملية بدون الكلوروفورم، فلتسمح لي بأن أعطيك قليلاً منه».

أدار شارلي وجهه إلى الطبيب وقال: «أيها الطبيب، إني على إستعداد لعمل العملية، وإني أعدك بألا تخرج من فمي كلمة أنين، حين تبتر ذراعي ورجلي إذا لم تعطني شيئًا من الكلوروفورم»، وعده الطبيب بذلك، ولكن هل يستطيع أن يبر بوعده؟ وكيف يستطيع أن يبتر ذراع ذلك الغلام وساقه وهو في تمام شعوره وإدراكه؟ ولكن شارلي صمم على طلبه، فما كان من الطبيب إلا أن شرب بعض المنبهات ليشجع نفسه على القيام بتلك العملية .. أخذ الطبيب مشرطه وصار يقطع لحم شارلي حتى وصل إلى العظم، والغلام صامت لا يصدر منه أنين، ثم أخذ الطبيب منشاره وصار يفصل عظم الغلام فما كان من شارلي إلا أن أخذ طرف وسادته وأدخله إلى فمه وقال بصوت منخفض «يا يسوع المبارك قف بجانبي الآن» وهكذا بر بوعده ولم يئن.

في ذلك المساء لم يذق الطبيب طعم النوم. فإنه كان يسمع في سكون الليل صوت شارلي يتردد في أذنيه «يا يسوع المبارك قف بجانبي الآن». قام من فراشه في منتصف الليل، وذهب إلى المستشفى – ولم يكن ليفعل ذلك قط إلا إذا إستدعى لأمور خطيرة –  ليرى شارلي، وعند وصوله سمع ان ستة عشر جريحًا ماتوا فسأل المراقب:

«وكيف حال شارلي كولسون؟» فأجاب المراقب: «إنه نائم نومًا عذبًا كنوم الأطفال» في ذلك المساء زار شارلي عضوان من نادي الشبان المسيحيين وصليا معه، ورتلا واشترك معهما شارلي – على ما به من ألم شديد – في ترنيمة «من يسوع المعتمد لاجئًا أرجو النجاة» ولا عجب فقد كان قلبه في وسط تلك النيران المتأججة، فائضًا بسعادة علوية ليست من هذه الأرض.

وتنتهي قصة ذلك الغلام البطل بالوفاة الضاحكة التي أثرت في الطبيب اليهودي فسلم قلبه للمسيح.

وقد يقف الشخص العادي أمام قصة هذا الغلام، متعجبًا متسائلاً: كيف أحتمل الألم؟ وكيف انطلق مبتسمًا ضاحكًا؟ والسر هو أن هذا الغلام ركز أنظاره في شخص المسيح وتفكر فيه في ساعة آلامه فانتصر على هذه الآلام بنعمته ومعونته، لأنه مكتوب “لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ” (عب 4: 15). “لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ” (عب 2: 18). “وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا” (رو 8: 37).

5)   النصرة عن طريق النعمة الكافية المقوية

قال يوحنا التلميذ الحبيب عن شخص الرب يسوع “وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ” (يو 1: 16)، وفي مخازن الله نعمتان للإنسان المتألم، النعمة الأولى: نعمة الإكتفاء التي قال عنها رسول الأمم “وَاللهُ قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ اكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ” (2 كو 9: 8).

والتي إختبرها في نفسه فقال “فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ. أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ. أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي” (في11:4-13)، والنعمة الثانية: هي النعمة المقوية التي قال عنها السيد الرب لعبده المتألم “تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ” (2 كو 12: 9). وبهاتين النعمتين يمكننا أن نجتاز في ظفر وادي الألم والدموع وسأتحدث عن كل نعمة على حدة:

النعمة الأولى – نعمة الإكتفاء:

هل يمكن أن يتعلم الإنسان الإكتفاء؟ وكيف السبيل إلى ذلك وفيه من الرغبات الشيء الكثير؟

قَسم الدكتور «ماندر» عالم النفس المشهور، الرغبات التي تسيطر على حياة الإنسان وتنتج من غرائزه الأولية الموروثة إلى ثلاث عشرة رغبة، فذكر الرغبة في الراحة الجسمية، والرغبة في الشعور بالطمأنينة، والرغبة في النجاة، والرغبة في إسترضاء شخص قادر، والرغبة في حب الظهور ونيل إعجاب الآخرين، والرغبة في السيادة والتفوق، والرغبة في إجتذاب الجنس الآخر، والرغبة في العناية بالضُعاف، والرغبة في الحياة الإجتماعية، والرغبة في تقليد القادة والزعماء، والرغبة في الإمتلاك، والرغبة في المعرفة، والرغبة في العودة إلى المألوف.

وقد شرح «ماندر» في كتابة «علم النفس في الحياة» الطرق التي يسلكها البشر لإشباع هذه الرغبات، فذكر الكثير من الطرق التي تعلل سلوك البشر وتشرح تصرفاتهم وإنك إذ تقرأ هذا الكتاب تتصور المخلوق البشري وهو يعيش في حياة قلقة موزعة تتقاسمها هذه الرغبات الأولية، وإذ يحاول أن يشبع غرائزه كلها ليستمتع بالسعادة التي ينشدها يفشل، فيحس الشقاء يملأ جوانب نفسه، والتعاسة تخيم على حياته لأنه لم يعرف أين يجد الشبع الحقيقي لكل رغباته الإنسانية.

لكن داود الملك، إذ أحس هذه الرغبات تتقاسم حياته، وتشوش سلامه وتملأ نفسه بالشقاء، ولم يعرف كيف يسلك لإشباع رغباته التي تتصارع داخله، لجأ إلى الله وعنده وجد الشبع الحقيقي فهتف يقول “تُعَرِّفُنِي سَبِيلَ الْحَيَاةِ. أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الأَبَدِ” (مز 16: 11). ففي نعمة الله تشبع الرغبات الإنسانية وتهدأ، وتكتفي بذات الله العليا.

كتب الدكتور «لوث ليبمان» هذه القصة قال: «وضعت مرة وأنا شاب جدولاً (بطيبات الحياة) المعترف بها، فكتبت هذا البيان بالرغبات التي يحبها الإنسان: الصحة – الحب – الموهبة – القوة – المال –  الشهوة. ثم تقدمت به في زهو إلى شيخ مختبر حكيم، فقال صديقي الشيخ: «جدول بديع، وهو موضوع بترتيب لا يعد غير معقول. ولكن يبدو لي أنك أغفلت العنصر المهم، الذي يعد جدولك بغيره عبئًا لا يطاق، وضرب بالقلم على الجدول كله وكتب كلمتين (نعمة الإكتفاء)».

وليس معنى الإكتفاء أن يرضى الإنسان بالمكان الذي له في الحياة في إستسلام، وأن لا يعمل لأجل التقدم؛ بل أن يدرب الإنسان نفسه على الإكتفاء بحالته، بينما يعمل في سرور وإيمان بحسب ما أعطاه الله من مواهب للوصول إلى حياة أفضل.

والواقع أن المرء لو تنازل عن قليل من رغباته، وهي رغبات لو علم لا قيمة لها، لتمتع بنصرة كاملة على الألم الذي ينهش لحمه وعظامه نتيجة رغباته غير المعقولة التي لا يمكنه الحصول عليها. إن الطفل الصغير هو وحده الذي يرغب أن يمسك بالنجوم ويبكي لوالده حتى يعطيه الشمس ليلعب بها، لكن الرجل الحكيم العاقل هو الذي تدرب بنعمة الله على أن يكون مكتفيًا بما هو فيه.

إن نعمة الإكتفاء هي وسيلة الهدوء والإستقرار، فالمُكتفي القنوع يحس السعادة رغم قلة موارده، أما الشخص الطامع الذي يريد أن يملك الدنيا، ويحسد البشر على نعم الله التي يعطيها لهم، فلن يذوق للسلام طعمًا بل تستمر حياته مأساة غنية بالأحزان.

لقد تمتع بولس بنعمة الإكتفاء فقابل الجوع، والحرمان، والإهانة، والبرد، والعُري، كأنها نعم من الله أسبغها عليه لتدريبه، فعاش كالعصفور يطارده الصياد وهو لا ينفك عن التغريد.

ولست أنسى قصة ذلك الملك الذي أصابه مرض عصبي عضال فنصحوه بأن الطريق الأوحد لعلاجه هو أن يلبس قميص رجل سعيد، فذهب رجال حاشيته يفتشون عن الرجل السعيد حتى وجدوه بعد الجهد والإعياء. فلما طلبوا منه قميصه ليلبسه صاحب الجلالة قال لهم: «إني سعيد حقًا، ولكنني لا أملك من الدنيا قميصًا، وقد تعلمت الإكتفاء».

إن الشخص الفقير، يعتقد أن السعادة في الأُبهة والثراء، لكنه لو وصل إلى أمانيه حتى لم تبق أمامه أمنية في هذه الأرض لفعل كما فعل الملك إسكندر حين جلس باكيًا سوء حظه في الحياة، فلما سئل عن علة بكائه قال: «لأني هزمت الدنيا وليس أمامي ما أعمله بعد اليوم».

ولنذكر أن الذين بنوا لأنفسهم قصورًا من المجد العالمي، إنتهت حياتهم في صورة مُرة، فالإسكندر إنتهت حياته بحمى قضت عليه وهو في ريعان الشباب ونضرة العمر، ونابليون الذي أخضع الكثيرين من ملوك الأرض، قضى نهاية عمره في جزيرة سانت هيلانة يلتهم السرطان معدته ولا يعاشره سوى جرذان حجرته، وموسيليني الذي كان يخطب أيام حربه مع الحبشة على مدفع، مات مدوسًا تحت أقدام الرعاع.

وهتلر الذي ألهب الحرب الأخيرة، وغذاها بالضحايا، إختفى كما يختفي النجم اللامع عند ظهور شمس الصباح، ولو إكتفى هؤلاء جميعًا بنصيبهم في الحياة لكانوا أكثر فائدة لشعوبهم ولأنفسهم وللعالم التعس المسكين.

فيا من تؤلمك رغباتك وتحرق قلبك، تعلم درس الإكتفاء، وتعال لتشرب من مخازن النعمة فتشبع نفسك، فتهتف مع الرسول “فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ” (في 4: 11).

النعمة الثانية – النعمة المقوية:

في كثير من الأحيان لا يرفع الله عنا آلامنا، لكنه يعطينا قوة للنصرة عليها، ويكسب فينا هذه القوة بنعمته.

هذا هو الإختبار الذي إجتازه الرسول بولس فقال “وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ. مِنْ جِهَةِ هذَا تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي. فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ” (2كو7:12-9).

وهو في هذه العبارات يصور لنا صورة لآلامه ويرينا أنه تضرع إلى الرب ليرفعها عنه، لكن الرب بدلاً من أن يرفعها أعطاه نعمة لإحتمالها والنصرة عليها، ولذا فقد أكمل حديثه بالقول “فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ” (2كو9:12، 10).

ويبدو لنا أن هذه النعمة المقوية، جعلت من بولس رجلاً سعيدًا يخدم بسرور وفرح وسط آلامه. وهكذا تغمر النعمة قلب الإنسان المتألم فيقدر أن يقول مع داود “عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي فِي دَاخِلِي، تَعْزِيَاتُكَ تُلَذِّذُ نَفْسِي” (مز 94: 19). بل يردد قائلاً مع بولس: “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الرَّأْفَةِ وَإِلهُ كُلِّ تَعْزِيَةٍ، الَّذِي يُعَزِّينَا فِي كُلِّ ضِيقَتِنَا، حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نُعَزِّيَ الَّذِينَ هُمْ فِي كُلِّ ضِيقَةٍ بِالتَّعْزِيَةِ الَّتِي نَتَعَزَّى نَحْنُ بِهَا مِنَ اللهِ” (2كو2:1، 3).

وقصة ذلك الطبيب الإنجليزي المشهور (ديفيد لفنجستون)، هي إحدى القصص التي ترينا عمل النعمة المقوية في النصرة على آلام الحياة. أحس ذلك الطبيب العظيم بدعوة الله فترك بلاد الإنجليز بحضارتها اللامعة، وذهب مع زوجته الشابة إلى أواسط إفريقيا، معطيًا نفسه لخدمة الله وتبشير هؤلاء البرابرة المتوحشين برسالة الصليب وبدأ ذلك الرجل المجاهد يكافح مع زوجته في وسط هؤلاء السود القساة لكن الزوجة الجميلة الرقيقة الجسم، لم تستطع أن تحتمل سطوة الميكروبات، فهاجمتها الحمى وإشتد بها المرض وماتت. وإنحنى الرجل المُحطم القلب يحفر بيديه قبر زوجته الشابة التي فقدها.

لكن (لفنجستون) لم يعد إلى إنجلترا ليندب سوء حظه وسواد نصيبه. ولم يهزمه الألم، عن الإستمرار في عمله العظيم. بل ركع أمام الله طالبًا العزاء. واستمر مكرسًا حياته له.

يخدم أولئك البؤساء الجهلاء إلى أن سقط صريعًا في ميدان الخدمة والتضحية. ولقد أحبه البرابرة وقدروا خدمته فرفضوا أن يتركوا جسده يذهب إلى إنجلترا إلا بعد أن إنتزعوا قلبه الكبير ودفنوه تحت شجرة أسموها (قلب لفنجستون) ولقد كتب لفنجستون في مذكراته عن سر نصرته على آلام وحدته. وآلام فراق زوجته قائلاً «كنت أحس أن نعمة الله ترفعني فوق آلامي وأن شخص المسيح يرافقني في كل خطواتي».

يقص الدكتور (أولدهام) في كتاب له الإختبار التالي يقول: «عقدت في ولاية أنديانا عقد زواج لإثنين. كان الزوج ضعيف البصر لا يكاد يرى. وكانت الزوجة عمياء. وكانا يكافحان في سبيل العيش. لكنهما وجدا في الزواج السعادة القصوى التي يمكن أن ينالها بشر على هذه الأرض.

وأنجبا طفلين. أضاع العمى بصرهما وهما في سن مبكرة … وذات يوم هجم المرض على الزوج وهو عماد البيت وثروته. وإشتد عليه. وإنطلق إلى المجد. دُعيت لأقوم بخدمة الجنازة. وبعد أن انتهيت من الخدمة ودُفنت الجثة، علمت أن الزوجة في حالة مرض شديد وقد نُقلت إلى مستشفى قريب.

ففكرت أن أذهب إليها لتشجيعها وتعزيتها في ظرفها العصيب. وفي أثناء الطريق تردد في ذهني هذا السؤال: ماذا أقول لهذه السيدة المُجربة في مثل هذه الظروف؟ أن زوجها قد مات وطفليها في عمى كامل، وهي طريحة الفراش!

أحسست أن الكلمات لا معنى لها في مناسبة كهذه، ودخلت المستشفى وأنا لا أعرف ماذا أقول!!! أدخلوني إلى حجرتها، وقدمت لها نفسي، فلما عرفتني سمعتها لدهشتي وهي تُسبح الله وتشكره على عطاياه، ومن خلال دموعها وعظتني بعظة الثقة وأرتني كيف تعضد النعمة المتألمين، لقد كانت النعمة التي أُعطيت لها أقوى من ظروفها فحفظت نفسها في هدوء وسلام.

والنعمة المقوية، تقوينا لا عن طريق تعزيتها لنا فقط، بل عن طريق إعلاناتها، فلقد أعلن الله لبولس سر بقاء شوكته حتى قال «وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ» وعندما يعرف الإنسان غرض آلامه تهدأ مشاعره وتطمئن نفسه، ثم يملأ الله بنعمته ليعضده ويرفعه “فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ” (عب 4: 16).

وهل توجد صورة حية للنعمة الرافعة المقوية، أكثر من قصة حياة تلك الفتاة المعروفة (هيلين كيلر)، التي تعتبر حياتها معجزة من معجزات النعمة الظافرة على الألم. إن قصة هذه الفتاة ليست من مبتكرات الخيال، وإنما هي حقيقة واقعة ما زالت صاحبتها تحيا في عالم الأحياء.

ولدت هيلين كيلر في أمريكا سنة 1880، وعاشت في صحة وقوة تسعة عشر شهرًا، تمتعت خلالها برؤيا الشمس وبضوء القمر الفضي، وسمعت ألحان الطيور وتغريد العصافير، إن جاز لنا أن نقول إن الأطفال الصغار، يتمتعون بمناظر الطبيعة ويتلذذون بتغريد العصافير. ثم أصيبت في سنها المبكر بالحمى القرمزية، وخرجت من مرضها وقد فقدت أحسن ما يجعل للحياة معنى، بصرها وسمعها وشمها، وأصبحت بعدئذ أشقى مخلوق في الوجود.

وكان أبواها إذ يتأملان هذه الزهرة التي ضاع جمالها في طفولتها، يقدران شقائها وتعاستها في مستقبل أيامها، ويشعران بأنهما قد إرتكبا جريمة لا تُمحى لأنهما كانا السبب في وجود هذه المخلوقة على الأرض.

وإزدادت آلامهما يوم علما أن فقدان البصر والسمع قد أدى إلى فقدان (الكلام) أي إلى البكم، لأن طفلة لا ترى شيئًا ولا تسمع ألفاظًا لا تقدر أن تتكلم إذ كيف تتعلم الألفاظ؟! كبرت هيلين كيلر، وبلغت السابعة من عمرها، فأرسلها والداها إلى مدرسة العميان التي كانت تشرف على إدارتها الآنسة (آن سليفان).

وقد رأت هذه المديرة النابهة أن (هيلين) معضلة جديرة بالإهتمام والعناية والدرس، فأنكبت على دراسة تلك المخلوقة العمياء، البكماء، الصماء، ثم بدأت تعلمها القراءة على طريقة (برايل) للعميان، وما زالت هذه المديرة الفذة تعلم تلك الفتاة التعسة حتى تمكنت سنة 1890 من أن تجعلها تتكلم، وبعد مدة عادت إليها حاسة الشم، ولم تمض سنوات حتى تقدمت الفتاة العمياء للإمتحان في إحدى كليات أمريكا المشهورة، فنالت شهاداتها بتفوق.

ومرت الأيام وإذا بشهرة هيلين كيلر تملأ البلاد الأمريكية، ووضعت هذه الفتاة التي تكاد تكون معجزة في عام 1902 كتابًا عن تاريخ حياتها وبعد خمس سنوات وضعت كتابها الثاني الذي عنوانه (العالم الذي أعيش فيه) وفي عام 1911 ألفت كتابها المشهور (الخروج من الظلام). وهكذا عاشت هيلين كيلر عاملة ظافرة، ومع أنها تقضي حياتها عمياء صماء، لكنها ما زالت تغرد أنشودة السعادة والبهجة والسرور.

وقد يمكن أن يقول قائل «إن السعادة والبهجة والسرور، ليست لمخلوقة تقضي حياتها في العمى فلا ترى مباهج دنيانا، وتقضي سنيها في الصمم فلا تسمع نغمات موسيقانا». لكنني أكتفي أن أنقل جزءًا من مقال كتبته في ربيع حياتها وهي تتحدث فيه عن السعادة، التي يخيل إليك أنها أبعد الناس عنها.

فما هي السعادة في نظر هيلين كيلر وكيف انتصرت على آلامها؟

تُحدثنا هذه الفتاة في لغة صاغتها من نور حياة الله فيها قائلة: «يتعجب الكثيرون عندما أقول لهم بأني سعيدة، فهم يعتقدون أو يظنون – لست أدري –  أن النقص في حواسي عبء كبير يربطني على الدوام بصخرة اليأس، ومع ذلك يبدو لي أن علاقة السعادة بالحواس ضعيفة جدًا، لأننا إن عرفنا أن هذا العالم هو لنا نحن البشر، وأن الشمس والقمر والنجوم تتعلق في فضاء الكون لنتمتع بها، فإن هذا الإعتقاد يملأنا فرحًا وسرورًا وبهجة، لأن نفوسنا تتمجد بالخلق، وتسر به كأنها نفس الفنان، وليس هناك شيء يكسب هذه الحياة البشرية كرامة وأملاً إلا إذا إعتقدنا أننا ولدنا لكي نؤدي أغراضًا سامية في الحياة، وأن لنا نصيبًا يتجاوز الحياة المادية.

وقد يسألني البعض معترضًا: ألا تسأمين من وحدة الأشياء التي تمسينها، وأنت لا ترين إختلاف الضوء والظلام عليها، أليست الأيام كلها سواء لديك وأنت لا تتمتعين بتغيير الحياة لأنكِ تعيشين في مملكة الظلام؟ فأجيب: «كلا إن أيامي كلها مختلفة، وليس من ساعة فيها تشبه الأخرى عندي. فإني بحاسة اللمس أشعر بجميع التغييرات التي تطرأ على الجو.

وإني متأكدة بأن الأيام تختلف عندي بمقدار إختلافها عند الذين ينظرون إلى السماء ولا يبالون بجمالها بل يرصدونها ليقفوا على تقلبات الجو. وهل تمطر السماء أم لا؟ وفي بعض الأيام أحس حرارة الشمس وهي تنساب في مكتبي فأشعر بأن مسرات الحياة قد إحتشدت في كل شعاعة من أشعتها، وأحس بحركة الحياة في حرارتها، وهناك أيام ينزل فيها المطر، فأحس بقطراته الهادئة، وهي تنحدر من السماء لتروي الأرض، وأشعر كأن ظلاً يتعلق بي، وتنتشر رائحة الأرض الرطبة في كل مكان.

وهناك أيام تحتجب فيها الشمس ويسود الظلام، وأحس أن النوافذ العشر التي في مكتبي تئن وترتجف من زمهرير الشتاء، وهناك أيام الصيف اللطيفة، حين أستشعر النسيم العليل وهو يهب، ويغريني بالخروج إلى مظلتي حيث أتمدد وأحلم بالزهر يغشاه النحل، وهناك ساعات العجلة والإزدحام، حين تحتشد الخطابات على منضدتي، ثم ساعات لا نهاية لها تختلف وتتفق مع المفكرين والشعراء وأنا أتلذذ بعالم الخيال. وكيف أسأم ما دامت الكتب حولي؟

وعندي حواس أخرى تصل بيني وبين الناس، فحاسة الشم من أثمن وأهم ما أملكه في حياتي اليومية، فإن الجو وهو ممتليء بالروائح التي لا حصر لها، أعرف منها الأماكن والأشياء، فأعرف أزهاري بأشكالها وأريجها العطر، وما أكثر ما أتعجب من أنواع الجمال والحلاوة في الورق، والثمر والبذر، بل أن الشجرة الواحدة تتضوع في الظل بأريج يختلف عن أريجها في الشمس فالشم أشبه شيء عندي بالصديق، فهو صديقي الذي يحدثني عن كل شيء فيخبرني عن الجو حين ينزل المطر وحين يقطع العشب، وحين تمر السيارات، وتبني المنازل الجديدة، ويأتي ميعاد الغداء.

وهناك تعزية فياضة للذين أصابت أجسامهم المحن. في تلك الكلمات التي كتبها بولس الرسول في الكتاب المقدس إذ يقول «حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ» وقد إختبرت هذا القول في نفسي. ففي مرات أفكر في نقص حواسي. لكن هذا الشعور غامض كأنه النسيم يتخلل الزهر. ويمر النسيم ويبقى الزهر راضيًا لأن نعمة الله تغمرني وترفعني فوق إحساسي.

ألا نرى في هذه القصة الحقيقية غنى نعمة الله. التي جاء المسيح ليسكبها على المتألمين في الحياة. وعبر عنها أشعياء في غرة الإصحاح الحادي والستين من سفره حين تنبأ عن سيدنا بالقول “رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ. لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ، وَبِيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلَهِنَا. لأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ. لأَجْعَلَ لِنَائِحِي صِهْيَوْنَ، لأُعْطِيَهُمْ جَمَالًا عِوَضًا عَنِ الرَّمَادِ، وَدُهْنَ فَرَحٍ عِوَضًا عَنِ النَّوْحِ، وَرِدَاءَ تَسْبِيحٍ عِوَضًا عَنِ الرُّوحِ الْيَائِسَةِ، فَيُدْعَوْنَ أَشْجَارَ الْبِرِّ، غَرْسَ الرَّبِّ لِلتَّمْجِيدِ” (أش1:61-3).

فادخلي يا نفسي في بحر النعمة الفائض

وتمتعي بجمال التعويض الإلهي.

6)   النصرة عن طريق الإيمان بالله

كتب إشعياء يلفت أنظار شعب الله القديم إلى إلهه فقال “لِمَاذَا تَقُولُ يَا يَعْقُوبُ وَتَتَكَلَّمُ يَا إِسْرَائِيلُ: «قَدِ اخْتَفَتْ طَرِيقِي عَنِ الرَّبِّ وَفَاتَ حَقِّي إِلهِي»؟ أَمَا عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَسْمَعْ؟ إِلهُ الدَّهْرِ الرَّبُّ خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا. لَيْسَ عَنْ فَهْمِهِ فَحْصٌ. يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً، وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً. اَلْغِلْمَانُ يُعْيُونَ وَيَتْعَبُونَ، وَالْفِتْيَانُ يَتَعَثَّرُونَ تَعَثُّرًا. وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ” (إش27:40-31).

وليس هناك ما يعضد الفرد المتألم، إلا ذلك الإيمان الحي في الإله القادر على كل شيء، فهو الإله الذي يحس آلام شعبه ويتدخل لإنقاذه كما قال عنه النبي الجليل “فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ. بِمَحَبَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ هُوَ فَكَّهُمْ وَرَفَعَهُمْ وَحَمَلَهُمْ كُلَّ الأَيَّامِ الْقَدِيمَةِ” (إش 63: 9).

ولنقلب الآن صفحات كتابنا الكريم، لنرى فيها صورًا لأناس أحاط يهم الألم، ورفعهم الإيمان بالله.

يذكر لنا سفر أخبار الأيام الأول قصة ولادة شاب أسمه (يعبيص)، دعته أمه بهذا الأسم قائلة «لأني ولدته بحزن»، ومع أن ظروف ولادته كانت محاطة بالألم والأسى، إلا أنه إرتفع على أجنحة الإيمان بالله، فرفع لإلهه هذه الصلاة: “لَيْتَكَ تُبَارِكُنِي، وَتُوَسِّعُ تُخُومِي، وَتَكُونُ يَدُكَ مَعِي، وَتَحْفَظُنِي مِنَ الشَّرِّ حَتَّى لاَ يُتْعِبُنِي. فَآتَاهُ اللهُ بِمَا سَأَلَ” (1 أخ 4: 9، 10). نعم فقد إحتضنت المحبة التي لا تتخلى عن البشر هذا الشاب الحزين فأعطته نصرة على ظروفه المحزنة.

وإذ نستمر في البحث بين صفحات الوحي، نقرأ عن داود، وقد خرج للحرب مع ملك جت وترك أملاكه في صقلغ، وإذ بالفلسطينيين يرفضون أن يحارب معهم، فيعود إلى المدينة، ليجد أن العمالقة قد غزوا صقلغ، وأحرقوها بالنار، وسبوا من له فيها من النساء والأولاد والأغنام، وأمام هذه المأساة الكبرى، رفع داود والشعب الذين معه أصواتهم وبكوا حتى لم تبق لهم قوة للبكاء، وعندما يبكي إنسان إلى أن تفرغ دموعه لا يمكن للقلم البشري أن يعبر عن آلامه، وإذ أفاق الرجال الذين مع داود إلى أنفسهم، تهامسوا فيما بينهم أن يرجموا داود، إذ كان كل واحد حزينًا على بنيه وبناته، يضع مسئولية سبيهم على عاتق القائد الوحيد.

ماذا يعمل داود الفرد في ظروف كهذه؟! وأي قوة يمكنها أن ترفعه فوق يأسه وحزنه؟ المال قد ذهب، والزوجة قد سُبيت والأولاد قد أصبحوا أسرى حرب غادرة، والأصدقاء الرفقاء الذين تعاهدوا معه على الجهاد يقولون برجمه!! فماذا يستطيع أن يفعل؟

هنا إرتفع قلب داود بالإيمان في الله، ووثق أنه قادر على إعادة النور إلى حياته التي أحاطها الظلام، فرفع قلبه إلى الله، فشدده وقواه … وهنا تلمع في هذه القصة هذه العبارة “وَأَمَّا دَاوُدُ فَتَشَدَّدَ بِالرَّبِّ إِلهِهِ” (1 صم 30: 6). وبالإيمان بالله ظفر وانتصر، وأعاد الله إليه كل سباياه.

وهل هناك صورة للإيمان بالله أروع من صورة إبراهيم، وهو يقدم إبنه الوحيد إسحق ذبيحة، لقد قصد الله أن يأخذ أعز الأشخاص إلى قلب ذلك الأب الشيخ ليعلم الناس كيف ينتصرون على آلامهم يوم يطلب منهم أعز أحبائهم، وليثبت لهم في كل الأجيال أنه وجد على أرضنا الممتلئة بالأنانية، رجل أحب الله أكثر من إبنه الوحيد، وآمن به ذلك الإيمان الفريد.

وهكذا إذ يكتب رسول العبرانيين عن سر نصرة إبراهيم، يسجل لنا هذه العبارات “بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ الَّذِي قِيلَ لَهُ: «إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ». إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضًا” (عب17:11-19).

وليس أحب إلى قلبي بعد قصة إبراهيم، إلا قصة ذلك الشاب يوسف، فلست أشك في أن الشيطان قد جربه في آلامه وهمس في أذنيه: «لقد كانت أحلامك أيها الغلام أضغاث أحلام. نعم فلقد صارت الأمور في طريق خلت من الأمل والنور، فمن بيت الآب المُحب، إلى بيت العبودية في أرض مصر، ومن ذلك البيت ينزل به السلم درجة أخرى فيدخل إلى السجن، وفي السجن يعيش في أغلال القيود وضيق العبودية … فهل هناك ما يرفعه فوق هذه الآلام؟

نعم!! فقد كان له الإيمان بالله. وبهذا الإيمان صبر، وبهذا الإيمان ظفر وانتصر، وصار وزيرًا خطيرًا في أرض الأهرامات. ولذا فليس بعجيب أن نسمعه متكلمًا لإخوته بالقول “أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا” (تك 50: 20). “لأَنَّهُ لاسْتِبْقَاءِ حَيَاةٍ أَرْسَلَنِيَ اللهُ قُدَّامَكُمْ” (تك 45: 5).

وإلى جوار كل هذه الصور، نجد أن الإيمان بالله هو العلاج الأكبر لإبراء النفس من آلام آثام الماضي … فآثام الماضي إذ تربض في العقل الباطن تولد عقدة رهيبة هي عقدة الإحساس بالإثم التي تهدم الأعصاب وتملأ كيان الفرد بالشقاء. وهذه العقدة لا تحل إلا بالإيمان الذي يقود إلى الإعتراف ونوال الغفران.

فحص طبيب أمريكي مشهور 90% من حالات المرضى الذين أصيبوا بقرحة في المعدة فوجد أن السبب الرئيسي الذي نتجت عنه القرحة هو كراهة في القلب متأصلة، أو عقدة نفسية متمكنة تملأ حياة المريض تعاسة فتنقلب داء عضالاً. ولا يمكن أن تحل عقدة الإحساس بالإثم إلا بالإيمان بالله، ذلك الإيمان الذي يقود الفرد للإعتراف بخطاياه، وعن هذا الطريق ينال السلام والغفران، فقد قال صاحب الأمثال “مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ” (أم 28: 13).

جاز داود هذا الإختبار فكتب يقول “لَمَّا سَكَتُّ بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي الْيَوْمَ كُلَّهُ، لأَنَّ يَدَكَ ثَقُلَتْ عَلَيَّ نَهَارًا وَلَيْلًا. تَحَوَّلَتْ رُطُوبَتِي إِلَى يُبُوسَةِ الْقَيْظِ. سِلاَهْ. أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: «أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي» وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي” (مز3:32-5).

بعد هذا فاضت ينابيع السعادة العظمى في قلبه فهتف مرددًا “طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً” (مز1:32، 2).

إن الإعتراف هو حقيقة علمية كبرى، فعلماء النفس في العصر الحديث قد رجعوا دون أن يدروا إلى طريق الكتاب المقدس، وابتكروا نوعًا من العلاج أسموه (العلاج بالتحليل النفسي) … ويقوم هذا النوع من العلاج على أن يقص المريض قصة حياته أمام طبيبه، إلى أن يصل الطبيب إلى عقدة النقص التي تقلقه وتملأ حياته بالإضطراب ويحلها له.

وهل يوجد طبيب كتوم كإلهنا المحب الكريم، بل هل يوجد طبيب قادر أن يحل آثام الماضي بالغفران، سوى الله غافر الخطايا؟

لقد جاءه المفلوج وقد أتعبت الخطية حياته، وقبل أن يشفي جسده، حل له عقدة النقص التي تقلقه وتعذبه، وناداه بالسلطان الإلهي «ثق يا بني مغفورة لك خطاياك». وجائته المرأة الخاطئة في بيت سمعان فرنَ في قلبها صوته الحنون «مغفورة لكِ خطاياكِ إذهبي بسلام».

فيا من تتألم من آثام الماضي، إكشف قلبك أمام نور الصليب، واعترف في حضرته بخطاياك وثق في هذا الوعد الجليل “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3: 16). وهكذا تنال نصرة على آلامك وآثامك عن طريق الإيمان بالله.

ولنذكر أن الإيمان بالله، يعني الثقة في مواعيده العظمى والثمينة. إن الكتاب المقدس هو (الصيدلية الكبرى) المليئة (بفيتامينات الإيمان) هذه الفيتامينات المقوية هي مواعيد الله للنفس المتألمة الحزينة فالسالك في ظلام ظروفه يمكنه أن يتشجع بهذا الوعد الملكي الكريم “مَنِ الَّذِي يَسْلُكُ فِي الظُّلُمَاتِ وَلاَ نُورَ لَهُ؟ فَلْيَتَّكِلْ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ وَيَسْتَنِدْ إِلَى إِلهِهِ” (إش 50: 10)، والذي يشعر بأنه وحيد في هذا الوجود يقدر أن يتشدد إذ يتمسك بهذه المواعيد:

“لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ. لاَ تَتَلَفَّتْ لأَنِّي إِلهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي” (إش 41: 10).

“«اَلْبَائِسُونَ وَالْمَسَاكِينُ طَالِبُونَ مَاءً وَلاَ يُوجَدُ. لِسَانُهُمْ مِنَ الْعَطَشِ قَدْ يَبِسَ. أَنَا الرَّبُّ أَسْتَجِيبُ لَهُمْ. أَنَا إِلهَ إِسْرَائِيلَ لاَ أَتْرُكُهُمْ” (إش 41: 17).

“«اِسْمَعُوا لِي يَا بَيْتَ يَعْقُوبَ وَكُلَّ بَقِيَّةِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، الْمُحَمَّلِينَ عَلَيَّ مِنَ الْبَطْنِ، الْمَحْمُولِينَ مِنَ الرَّحِمِ. وَإِلَى الشَّيْخُوخَةِ أَنَا هُوَ، وَإِلَى الشَّيْبَةِ أَنَا أَحْمِلُ. قَدْ فَعَلْتُ، وَأَنَا أَرْفَعُ، وَأَنَا أَحْمِلُ وَأُنَجِّي” (إش 46: 3، 4).

“لاَ تَخَفْ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي” (إش 43: 1).

“قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوحِ. كَثِيرَةٌ هِيَ بَلاَيَا الصِّدِّيقِ، وَمِنْ جَمِيعِهَا يُنَجِّيهِ الرَّبُّ” (مز 34: 18).

والمحتاج إلى سلام في القلب والنفس والضمير يجد هذا الوعد الثمين  “سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ” (يو 14: 27).

والمريض الذي طال به الوقت في سرير المرض يناديه الله من أعاليه قائلاً “الإِلهُ الْقَدِيمُ مَلْجَأٌ، وَالأَذْرُعُ الأَبَدِيَّةُ مِنْ تَحْتُ” (تث 33: 27).

ومع كل هذه المواعيد، لنا وعد الروح القدس، الذي أسماه  السيد في تكرار مؤكد (الروح المعزي) والذي قال عنه لتلاميذه الضعفاء “لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ” (أع 1: 8). “فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآبُ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ، يُعْطِي الرُّوحَ الْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ؟” (لو 11: 13).

هذه هي المواعيد الحلوة عن روح القوة، الذي هو السر الأعظم للنصرة على الألم في حياة الكنيسة الأولى. ففي وسط الإضطهاد، والضيق، وسلب الأموال، والعذاب الجسدي، وقفل أبواب الرزق، تلمع أمامنا هذه السطور “وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ فَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مِنَ الْفَرَحِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع 13: 52).

فاركعي يا نفسي في حضرة الله.

وارفعي إليه هذه الصلاة.

يا رب زد إيماني في شخصك.

وأفض عليَّ بملء روحك.

وقوّ ثقتي في مواعيدك.

وليكن لكِ يا نفسي إيمان بالله.

7)   النصرة عن طريق الرجاء في المجد الأبدي

تحدثنا أسطورة يونانية ذات معنى، إن الآلهة غضبت مرة على بني الإنسان ففتحت عليهم قارورة الآلام. وخرجت الآلام تسعى إلى العالم حتى امتلأت الأرض منها، وهنا أحست آلهة الرحمة بالعطف على المتألمين وأرسلت إليهم (الرجاء) وقد كان الرجاء وما زال هو سر عزاء الناس، لأنه المرساة المؤتمنة والثابتة للنفوس المتألمة.

ولندخل الآن إلى مقادس التاريخ الإلهي، لنتأمل في أولئك الذين صهرهم الألم، وعزاهم الرجاء في الكجد العتيد.

يذكر لنا سفر صموئيل الثاني صورة فذة للرجاء في المجد الأسنى، هي صورة داود الملك يوم أن ضرب الرب الولد الذي ولدته له امرأة أوريا فثقل، وهنا يسجل الكاتب هذه الكلمات “فَسَأَلَ دَاوُدُ اللهَ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ، وَصَامَ دَاوُدُ صَوْمًا، وَدَخَلَ وَبَاتَ مُضْطَجِعًا عَلَى الأَرْضِ. فَقَامَ شُيُوخُ بَيْتِهِ عَلَيْهِ لِيُقِيمُوهُ عَنِ الأَرْضِ فَلَمْ يَشَأْ، وَلَمْ يَأْكُلْ مَعَهُمْ خُبْزًا. وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ أَنَّ الْوَلَدَ مَاتَ، فَخَافَ عَبِيدُ دَاوُدَ أَنْ يُخْبِرُوهُ بِأَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ لأَنَّهُمْ قَالُوا: «هُوَذَا لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا كَلَّمْنَاهُ فَلَمْ يَسْمَعْ لِصَوْتِنَا. فَكَيْفَ نَقُولُ لَهُ: قَدْ مَاتَ الْوَلَدُ؟ يَعْمَلُ أَشَرَّ!». وَرَأَى دَاوُدُ عَبِيدَهُ يَتَنَاجَوْنَ، فَفَطِنَ دَاوُدُ أَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ. فَقَالَ دَاوُدُ لِعَبِيدِهِ: «هَلْ مَاتَ الْوَلَدُ؟» فَقَالُوا: «مَاتَ». فَقَامَ دَاوُدُ عَنِ الأَرْضِ وَاغْتَسَلَ وَادَّهَنَ وَبَدَّلَ ثِيَابَهُ وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبِّ وَسَجَدَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ وَطَلَبَ فَوَضَعُوا لَهُ خُبْزًا فَأَكَلَ” (2صم16:12-20).

هنا إشتدت الدهشة برجال الحاشية، فقد رأوا في مليكهم عجبًا، لأنه لم يتصرف كما يتصرف سائر الناس، فالإنسان الطبيعي يستمر عنده الرجاء حتى يحطمه الموت، وبعدئذ يتربع الحزن على قلبه. أما داود فقد ملأه الرجاء، بعد أن مات ذلك الغلام. وجاء الرجال إلى ملكهم يسألونه:

“مَا هذَا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلْتَ؟ لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتَ وَبَكَيْتَ، وَلَمَّا مَاتَ الْوَلَدُ قُمْتَ وَأَكَلْتَ خُبْزًا». فَقَالَ: «لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا صُمْتُ وَبَكَيْتُ لأَنِّي قُلْتُ: مَنْ يَعْلَمُ؟ رُبَّمَا يَرْحَمُنِي الرَّبُّ وَيَحْيَا الْوَلَدُ. وَالآنَ قَدْ مَاتَ، فَلِمَاذَا أَصُومُ؟ هَلْ أَقْدِرُ أَنْ أَرُدَّهُ بَعْدُ؟ أَنَا ذَاهِبٌ إِلَيْهِ وَأَمَّا هُوَ فَلاَ يَرْجعُ إِلَيَّ” (2صم21:12-23). لقد أيقن داود في الخلود فغطى الرجاء أحزانه.

وهل لنا أن نتقدم في مقادس الوحي، لنرى الرجاء يلمع في حياة موسى، ويقوده إلى النصرة والتضحية … فبالرجاء رفض موسى جمال القصر الفرعوني، وخزائن مصر، والتمتع الوقتي بالخطية. ورضى أن يرعى قطيعًا من الأغنام في الصحراء، وأن يقود جماعة من المُحتقرين الفقراء.

ويلخص كاتب العبرانيين سر نُصرة موسى وتضحياته في هذه الآيات “الإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلًا بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ، حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ (عب24:11-26).

فالرجاء في المجد العتيد كان يشدد موسى ويشجعه لإحتمال آلامه. وإذ نستمر في البحث بين صفحات الوحي، نرى ذات الرجاء يداعب خيال أيوب إذ يهتف في شدة إحساسه بالألم “أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ، وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ، وَبَعْدَ أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هذَا، وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ” (أي25:19-27).

وليس في الكتاب أمجد من منظر إستفانوس، عندما شَخَص إلى السماء وهو ممتليء من الروح القدس وقال “هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ” (أع 7: 56). وبهذا الرجاء الأكيد احتمل الرجم وامتلأ قلبه بالغفران كفاديه، فصرخ مع أخر نسماته وأحجار المضطهدين تدمي جسده «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي» ثم ختم حياته بالصلاة لأجل معذبيه “يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ». وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ” (أع60:7).

ولنأخذ الآن مجالاً نصغي فيه إلى كلمات بولس الرسول، ذلك الرجل الذي تخصص في الحديث عن المجد الأسنى، ففي رسالة كورنثوس الأولى يقول “مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ” (1 كو 2: 9). ثم إذا يريد أن يقوي رجاء الكورنثيين في المجد الآتي يناديهم بالقول “إِنْ كَانَ لَنَا فِي هذِهِ الْحَيَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ النَّاسِ” (1 كو 15: 19).

وإذ يغمره فيضان الرجاء، يقص لنا إختباره عن رؤى القدير، ويحدثنا عن إعلانات المجد الإلهي، فيهتف قائلاً “أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الْمَسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. وَأَعْرِفُ هذَا الإِنْسَانَ: أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا” (2 كو 12: 2-4).

وإذ يرتفع على أجنحة النور يكتب لجماعة الفليبيين “لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا” (في 1: 23). ثم يردد كلماته للكورنثيين “لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا” (2 كو 4: 17). ويكتب مشجعًا التسالونيكيين المتألمين فيقول لهم “حَتَّى إِنَّنَا نَحْنُ أَنْفُسَنَا نَفْتَخِرُ بِكُمْ فِي كَنَائِسِ اللهِ، مِنْ أَجْلِ صَبْرِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ فِي جَمِيعِ اضْطِهَادَاتِكُمْ وَالضِّيقَاتِ الَّتِي تَحْتَمِلُونَهَا،بَيِّنَةً عَلَى قَضَاءِ اللهِ الْعَادِلِ، أَنَّكُمْ تُؤَهَّلُونَ لِمَلَكُوتِ اللهِ الَّذِي لأَجْلِهِ تَتَأَلَّمُونَ أَيْضًا” (2 تس 1: 4، 5).

وليس أشهى إلى نفسي بعد كل هذا، إلا صورة بولس التي سجلها عن نفسه في أواخر أيامه، إذ نرى فيها خيط الرجاء الذهبي يلمع في جمال وبهاء، أصغ إليه وهو يكتب إلى تلميذه تيموثاوس “فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ. قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا” (2تي6:4-8).

إلى هنا أرجو أن نترك أرضنا المليئة بالأحزان، لننتقل إلى بيت الآب، لنحضر هناك حفلة تتويج رسول الجهاد.

إنني أتخيل بيت الآب والأنوار تتلألأ فيه بنور أبهى من لمعان الشمس، وأسمع موسيقى الملائكة تردد أناشيد البهجة والسرور … نعم، فهذا يوم تتويج بولس الرسول. وفي وسط هذا النور الغامر، يتقدم الرسول، وينحني خاشعًا أمام كرسي المسيح، وباليد التي لم تمتد إلا لتمسح دموع المحزونين يضع السيد الكريم التاج الثمين على رأس الرسول الأمين … ثم يرتفع الهتاف من جموع القديسين المرنمين.

وها هو بولس يخلع أكليله، ليضعه تحت أقدام السيد المهوب ثم يتأمل ذلك الأكليل البديع، ويدقق النظر في لآلئه المتعددة، ويسأل سيده وهو يشير إلى جوهرة تلمع على جوانب التاج:

«لماذا وضعت لي هذه الجوهرة أيها السيد المجيد؟» فيجيبه المسيح له المجد بثغره البسام «هل تذكر يا بولس المقطرة التي آلمت رجليك في سجن فيليبي؟ هذه الجوهرة هي مكافأتها» ويسترعى إنتباه بولس لؤلؤة ثانية تتماوج بأضوائها في ذلك الإكليل الجميل، فيشير إليها متسائلاً وهو يتأمل وجه فاديه «وهذه اللؤلؤة البهية أيها السيد المبارك؟» فيجيبه السيد الحنون «وهذه أجرة رجمك بالحجارة أيها الخادم الأمين». وهنا يهتف الرسول قائلاً: «ليتك زدت آلامي أيها السيد لإزادة مجدي».

هذا هو الحفل كما يرسمه أمامي خيالي، وهيهات أن يقدر القلم البشري العاجز ولو غُمس في مداد الذهب أن يصور لنا لمحة من جلال ذلك المجد. لقد كانت هذه الحياة العتيدة، مصدر القوة للأنبياء القدماء هابيل، وأخنوخ، ونوح، وإبراهيم، وإسحق، ويعقوب، وموسى، ويوسف، وداود، وسحابة الشهود الذين نقرأ عنهم الكلمات “فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ. فَإِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِثْلَ هذَا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ وَطَنًا. فَلَوْ ذَكَرُوا ذلِكَ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ، لَكَانَ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلرُّجُوعِ. وَلكِنِ الآنَ يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا. لِذلِكَ لاَ يَسْتَحِي بِهِمِ اللهُ أَنْ يُدْعَى إِلهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ مَدِينَةً” (عب13:11-16).

وأي مدينة؟ “لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ” (عب 11: 10).

هذا الرجاء اللامع، هو السر الحقيقي الذي جعل الشهداء يحتملون الألم، ويرضون بأن تصير أجسادهم طعامًا للوحوش، ووقودًا للنيران، وهذا الرجاء عينه هو حاجتنا الكبرى في هذه الأيام.

قرأت مؤخرًا حياة مدام كوري مكتشفة الراديوم، وتأثرت جدًا من قصتها، فقد بدأت هذه المرأة العظيمة في فقر مدقع، فجاهدت في سبيل الرفعة حتى إنتصرت على الفقر وتعلمت، ثم أشرق لها النهار فتزوجت بشخص أحبته أكثر من نفسها، وأحبها أكثر من حياته، وكانا يقضيان أوقاتهما في معامل الراديوم، وبدأ العالم يقدرهما فدعاهما العظماء وإبتسمت لهما الحياة وتألق نجمهما في سماء المجد، وبدأت أيام السعادة تلوح للزوجين الهانئين وعندئذ تدخل الألم، وهو ميراث أهل الأرض، وفاجأ هذه العائلة السعيدة، فإذا بعربة نقل محملة تفاجيء (بيير كوري) الزوج المحبوب، وتهشمه وتتركه جثة هامدة بلا حراك فينتقل إلى أحضان الأبد.

وقد جلست إلى نفسي أتسائل بعد أن قرأت هذه القصة: أين يمكن أن تجد مدام كوري العزاء وقد سلب منها الموت أعز من تحب؟ وجائني صوت من العلاء: ليس أمامها إلا التفكير في مجد الحياة الأبدية إن كانت من وارثات تلك الحياة!! فالإيمان بالخلود السعيد هو عزاء القلب الحزين.

وليس في عالمنا كلمات تعالج آلام قلب كهذا القلب، إلا تلك الكلمات التي رسمها يوحنا بريشته الذهبية في رؤياه، حين أشرق عليه المجد السماوي فكتب يقول “ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ. وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: «هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ. وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ». وَقَالَ الْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ: «هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا!” (رؤ1:21-5).

أجل! هناك في تلك المدينة المصنوعة من ذهب نقي شبه الزجاج النقي، والتي سوقها من ذهب نقي كزجاج شفاف، والتي أبوابها لن تغلق نهارًا لأن ليلاً لا يكون هناك “وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ. وَعَرْشُ اللهِ وَالْخَرُوفِ يَكُونُ فِيهَا، وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ. وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ، وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ. وَلاَ يَكُونُ لَيْلٌ هُنَاكَ، وَلاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى سِرَاجٍ أَوْ نُورِ شَمْسٍ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ يُنِيرُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ سَيَمْلِكُونَ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ” (رؤ3:22-5).

هناك في أرجاء ذلك المكان الرائع البديع “اَلْمَلِكَ بِبَهَائِهِ تَنْظُرُ عَيْنَاكَ. تَرَيَانِ أَرْضًا بَعِيدَةً. وَلاَ يَقُولُ سَاكِنٌ: «أَنَا مَرِضْتُ». الشَّعْبُ السَّاكِنُ فِيهَا مَغْفُورُ الإِثْمِ” (إش 33: 17، 24).

وهناك نشترك مع جموع المفديين وهم يمجدون الفادي المُحب بترنيمة جديدة قائلين “وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: «مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ” (رؤ 5: 9، 10).

بل هناك نرتل ترنيمة موسى عبد الله (ترنيمة النصرة) وترنيمة الخروف (ترنيمة الفداء) قائلين “عَظِيمَةٌ وَعَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ! عَادِلَةٌ وَحَقٌ هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الْقِدِّيسِينَ” (رو3:15).

أجل هناك نستمتع بالمدينة السعيدة الأبدية التي يتلاشى فيها معنى الزمن والتي وصفها يوحنا الرسول بالقول “وَكَانَ بِنَاءُ سُورِهَا مِنْ يَشْبٍ، وَالْمَدِينَةُ ذَهَبٌ نَقِيٌّ شِبْهُ زُجَاجٍ نَقِيٍّ. وَأَسَاسَاتُ سُورِ الْمَدِينَةِ مُزَيَّنَةٌ بِكُلِّ حَجَرٍ كَرِيمٍ. الأَسَاسُ الأَوَّلُ يَشْبٌ. الثَّانِي يَاقُوتٌ أَزْرَقُ. الثَّالِثُ عَقِيقٌ أَبْيَضُ. الرَّابِعُ زُمُرُّدٌ ذُبَابِيٌّ الْخَامِسُ جَزَعٌ عَقِيقِيٌّ. السَّادِسُ عَقِيقٌ أَحْمَرُ. السَّابِعُ زَبَرْجَدٌ. الثَّامِنُ زُمُرُّدٌ سِلْقِيٌّ. التَّاسِعُ يَاقُوتٌ أَصْفَرُ. الْعَاشِرُ عَقِيقٌ أَخْضَرُ. الْحَادِي عَشَرَ أَسْمَانْجُونِيٌّ. الثَّانِي عَشَرَ جَمَشْتٌ. وَالاثْنَا عَشَرَ بَابًا اثْنَتَا عَشَرَةَ لُؤْلُؤَةً، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الأَبْوَابِ كَانَ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ. وَسُوقُ الْمَدِينَةِ ذَهَبٌ نَقِيٌّ كَزُجَاجٍ شَفَّافٍ. وَلَمْ أَرَ فِيهَا هَيْكَلًا، لأَنَّ الرَّبَّ اللهَ الْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ وَالْخَرُوفُ هَيْكَلُهَا. وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا. وَأَبْوَابُهَا لَنْ تُغْلَقَ نَهَارًا، لأَنَّ لَيْلًا لاَ يَكُونُ هُنَاكَ. وَيَجِيئُونَ بِمَجْدِ الأُمَمِ وَكَرَامَتِهِمْ إِلَيْهَا. وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا وَكَذِبًا، إِّلاَّ الْمَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوفِ” (رؤ18:21-27).

منذ مدة طويلة، وضع رسام صورة لفتاة عارية الرأس، معصوبة العينين، حافية القدمين، تجلس على كرة الأرض وحيدة وتتلاعب تحتها أمواج المحيط، وهي تبكي بكاءً مرًا لأنها تتألم من أشواك هذه الحياة، وفي يدها قيثارة تحطمت جميع أوتارها إلا وترًا واحدًا، ويلوح أنها عند بدء الفجر، وقد وضع الرسام عنوانًا لهذه الصورة كلمة (الرجاء) وهذا هو أخر وتر في قيثارة تلك الفتاة.

والحقيقة أن هذه الصورة الرمزية، هي صورة واقعية لكثيرين من أبناء الله، فالغالبية فيهم تحطمت أوتار قيثارة حياتهم ولم يبق لهم إلا وترًا واحدًا هو وتر الرجاء في المجد العتيد.

هذا الرجاء المجيد مصدره ونبعه شخص المسيح، كما قال فيه رسول الأمم:

“الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْدِ” (كو 1: 27).

“إِنْ تَمَسَّكْنَا بِثِقَةِ الرَّجَاءِ وَافْتِخَارِهِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ” (عب 3: 6).

“لِنَتَمَسَّكْ بِإِقْرَارِ الرَّجَاءِ رَاسِخًا، لأَنَّ الَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ” (عب 10: 23).

وليقل كل متألم مع ذلك الملك القديم :

“لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ تَرَجَّيِ اللهَ، لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، خَلاَصَ وَجْهِي وَإِلهِي” (مز 43: 5).

 

ففي هذا الرجاء الوطيد مفتاح الغد السعيد

 

 

Exit mobile version