Christianity and Psychological Well-Being
الكتاب الذي يشرح لك حقيقة دوافعك ويرسم لك الطريق الصحيح للسعادة النفسية
بقلم
القس لبيب ميخائيل
صاحب ومحرر مجلة الأخبار السارة
دبلوم دراسة الكتاب المقدس
ودبلوم دراسة العقائد المسيحية
ودبلوم دراسة النبوات من كندا
الطبعة الأولى
1960
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
المطبعة التجارية الحديثة
تقديم الكتاب
السعادة هي الحالة التي ينشدها كل قلب، وهي الموسيقى العذبة التي تحن لسماعها كل أذن، وهي النور المشرق الذي تتوق لرؤيته كل عين، وهي الهدف الأوحد الذي يبحث عنه كل إنسان !!
فالباحثون عن المال، والباحثون عن الجمال، والباحثون عن الصحة، والباحثون عن النجاح، والباحثون عن الشهرة، والباحثون عن المركز الرفيع، والباحثون عن شريكة الحياة، والباحثات عن شريك الحياة … كل هؤلاء وأولئك يبحثون في واقع الأمر عن السعادة، ويتوقون إلى الإستمتاع بها … ولكن هيهات !!
أقول هيهات … لأن السعادة الحقيقية ليست فيما يملكه الإنسان من مال، أو يتمتع به من جمال، أو يحظى به من شهرة أو جاه عريض، ولا هي كذلك في وجود شريك الحياة، وإنما السعادة الحقيقية هي سعادة النفس الهادئة الصافية الراضية، هي في سلام الإنسان مع ربه ونفسه وإخوته في البشرية، هي في إكتشاف الإنسان الطريق الصحيح للحياة.
ولقد تمثلت وأنا أكتب صفحات هذا الكتاب ألوف الناس الذين يصارعون معاركهم النفسية في ألم ممض، يخيل للناظرين إليهم أنهم في ملء السعادة وملء الهناء … ومع ذلك ففي دخيلة أنفسهم صراع رهيب مرير … صراع بين دوافعهم المنحرفة ومُثلهم العليا، صراع بين رغباتهم الدنيا ومبادئهم السامية، صراع بين إنفعالاتهم الضارة وضمائرهم الحساسة … وهو في صراعهم الجبار يتوقون لمعرفة طريق الحرية والسعادة والخلاص !!
يقول كل واحد منهم مع ثيودور باركر «حبذا لو عرفت فن الحياة أو وجدت كتاباً أو إنساناً يعلمني كيف يجب أن أعيش».
من أجل هؤلاء المعذبين الأشقياء كتبت هذا الكتاب راجياً بنعمة إلهي أن ينير سبيل السعادة أمام الكثيرين.
وتتركز فلسفة هذا الكتاب في قيادة المعذبين في صراعهم النفسي إلى شخص المسيح المجيد الذي نادى المتعبين المثقلين بالأحزان والآلام قائلاً :
“تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ” (مت 11 : 28 -29).
وهنا يجدر بنا أن نذكر في وضوح أن المسيح والمسيحية فلا مسيحية بغير المسيح، فإذا قلنا أن المسيحية تنير السبيل للسعادة النفسية فنحن نعني أن المسيح هو السبيل إلى هذه السعادة.
أجل !! ففي ميلاد المسيح ميلاد المسيحية، وفي صليبه فداؤها، وفي قيامته قوتها، وفي حياته حياتها، وفي رجاء مجيئه عزاؤها، ومن يسرع إلى شخصه الحبيب الكريم يجد عنده راحة قلبه، وغفران خطاياه، وسعادة نفسه.
عند قدميه أقدم هذا الكتاب، فله وحده كل الشكر وحمد ومجد.
القس
لبيب ميخائيل
شبرا مصر
27 يونيو 1960
الفصل الأول
ديانة السعادة
سأل أحد رجال الصحافة أربع فتيات عن هدفهن في الحياة، فقالت الأولى :«إن هدفي في الحياة هو أن أجد الزوج الذي أسعده ويسعدني» وأجابت الثانية : «إن هدفي هو أن أعيش الحياة كلها وأنا أستمتع بكل لحظة من لحظات حياتي وأسعد بها» وردت الثالثة «إن هدفي أن أفهم معنى الحياة وأن أضع يدي على سرها ففي هذا سعادتي » وهمست الرابعة قائلة «لا هدف لي في الحياة، لأن الهدف الأوحد في الحياة هو السعادة ، والحياة والواقعية خالية من السعادة»
وهذه الصورة تُرينا الهدف الأعظم في حياة البشر عامة، وهذا الهدف هو أن يجد المرء (السعادة التي يبحث عنها )
فأين السبيل إلى هذه الضالة المنشودة والهدف الجميل ؟
يقول واحد : «أعطني المال فأصبح أسعد مخلوق في هذا الوجود» لكن منطق الواقع، وهو أبلغ من منطق المترافع، يؤكد لنا أن الإنسان قد يملك الملايين ، ويظل بائساً حزيناً تنتابه أحاسيس الشقاء.
صدق القول الإلهي الكريم “وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ، فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ، تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ. لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ” (1تي 6 : 9 ، 10).
يقول آخر «أعطني القوة فأصير أسعد إنسان في هذه الأرض». والذي يقول هذا الكلام ينسى عشرات الضحايا من الذين ماتوا بحثاً عن القوة والسيطرة على الآخرين ، فهذا هتلر ، الرجل الذي أشعل نار الحرب العالمية الثانية ، وأمسك بين يديه مقاليد شعب عظيم ، ينتهي نهاية بائسة حزينة بعد أن تسلط على الملايين .
إقرأ معي كيف كانت نهاية هذا الزعيم الضخم الذي عاش يبحث عن القوة لعله يجد فيها سعادته كما جاءت في صحيفة كبرى :
«في الساعة الرابعة من صباح الأحد 29 أبريل سنة 1945 أملى هتلر وصيته الشخصية التي تنازل فيها عن جميع ممتلكاته للدولة ، سوى جزء قليل يضمن لأقاربه أن يعيشوا عيشة برجوازية ! ثم أخذ يشرح ظروف زواجه وموته قال : «لقد كنت أومن خلال سنوات كفاحي أنني لا أستطيع تحمل مسئوليات الزواج … والآن وقبل أن تنتهي حياتي …. قررت الزواج من المرأة التي جاءت إلى هذه المدينة بعد عدة سنوات من الصداقة الحقيقية ورغم وجود حصار شبه كامل حول برلين … جاءت بمحض إرادتها لكي تشاركني مصيري … وستموت معي بمحض إختيارها كزوجتي … وسيعوضنا موتنا معاً عن كل ما فقدناه خلال السنوات التي أنفقتها في خدمة شعبي . ولقد اخترت أنا وزوجتي أن نموت لكي نتجنب عار الهزيمة أو التسليم ، ووصيتنا أن تحرقوا جثتينا عقب موتنا مباشرة في هذا المكان الذي أنفقت فيه الجزء الأكبر من السنوات الإثنتي عشرة التي أمضيتها في خدمة البلاد … »
ومع خيوط فجر يوم 29 أبريل اتجه هتلر إلى فراشه لينام … وقد أمضى وزوجته صباح يوم 30 أبريل داخل مخبئه الخاص بمبنى المستشارية وعندما أشارت الساعة إلى الثانية والنصف صباحاً خرج كلاهما لتوديع أقاربهما وأصدقائهما المقربين ، وكانت عينا هتلر مبللتين بالدموع ، وكان ينظر بعيداً كأنما يريد أن يستشف ما وراء الجدران التي تحيط بمخبئه.
وكان معظم أعوان هتلر قد توقعوا له أن ينتحر في صباح هذا اليوم ، ولكنه لم يفعل بل أمر عند الظهر أن يعقد مؤتمره العسكري المعتاد ، وفي أثناء المؤتمر استمع إلى أنباء تشير إلى أن ساعات حياته أصبحت معدودة، وفي الساعة الثانية والنصف أمر سائقه بإعداد 200 لتر من الجازولين في حديقة المستشارية ثم ودع وزوجته أقاربهما وأصدقاءهما الوداع الأخير ودخلا غرفتيهما.
وعلى باب الغرفة وقف جوبلز ومارتن بورمان وغيرهما من الأعوان ، وانتظروا بضع لحظات سمعوا بعدها صوت طلق ناري من مسدس، وانتظروا قليلاً ثم دخلوا الغرفة برفق حيث وجدوا جثة هتلر ملقاة فوق أريكة والدماء تنزف منها … لقد أطلق رصاصة واحدة في فمه اخترقت أعلى حلقه … وبجانبه رقدت جثة إيفا براون … وبجانبهما مسدس لم يطلق منه الرصاص …
فقد اختارت إيفا الموت بالسم … وقم تم كل ذلك قبل الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر يوم 30 أبريل 1945 بعد أن انقضت إثنتا عشرة سنة وثلاثة أشهر على اليوم الأول الذي تولى فيه هتلر منصب مستشار ألمانيا. وحُملت الجثتان إلى الحديقة ووضعتا في إحدى الحفر الناجمة من ضرب قنابل الروس وصب عليها الجازولين وأضرمت فيهما النار … ولم تكد الجثتان تحترقان عن آخرهما حتى كانت قنابل الروس قد بدأت تنهال كالمطر على المستشارية وحديقتها، فقضت بذلك على آخر أمل في العثور على أي أثر لهما».
وهكذا كانت نهاية رجل عاش يبحث عن القوة ، ويرجو أن يسعد بها، فإنتهى بهذه النهاية الدامية وتمت فيه كلمات الوحي الإلهي “وَمَنْ يَسْلُكُ بِالْكِبْرِيَاءِ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُذِلَّهُ” (دا 4 : 37).
هنا يتقدم شخص آخر قائلاً « أعطني الصحة فأحس بها سعادة الحياة » … ويقيناً أن الصحة هي أعظم البركات، ولكنها مع ذلك ليست الطريق إلى السعادة. فكثيرون من المرضى يستمتعون بالهدوء والصفاء، وكثيرون من الأصحاء يخيم على حياتهم الشقاء.
ويأتي بعد ذلك قائل يقول «هبني العمر الطويل وأنا أصبح أسعد الناس في هذا العالم الواسع» …. ولكن ما نفع العمر الطويل بغير سعادة؟ وما قيمة طول السنين بغير هناء؟ وكم من أناس عاشوا عمراً طويلاً وكانت حياتهم مغلفة بالحزن، مغمورة بالآلام .
خذ مثلاً ( الملك حزقيا) فقد مرض ذلك الملك وأرسل إليه الرب قائلاً ” أَوْصِ بَيْتَكَ لأَنَّكَ تَمُوتُ وَلاَ تَعِيشُ” لكن حزقيا كان يحب الحياة، كان يرغب في ( العمر الطويل) ” فَوَجَّهَ حَزَقِيَّا وَجْهَهُ إِلَى الْحَائِطِ وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ .وَقَالَ: آهِ يَا رَبُّ، اذْكُرْ كَيْفَ سِرْتُ أَمَامَكَ بِالأَمَانَةِ وَبِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَفَعَلْتُ الْحَسَنَ فِي عَيْنَيْكَ. وَبَكَى حَزَقِيَّا بُكَاءً عَظِيمًا” ورق قلب الرب، ” فَصَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى إِشَعْيَاءَ قَائِلًا:اذْهَبْ وَقُلْ لِحَزَقِيَّا: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ دَاوُدَ أَبِيكَ: قَدْ سَمِعْتُ صَلاَتَكَ. قَدْ رَأَيْتُ دُمُوعَكَ. هأَنَذَا أُضِيفُ إِلَى أَيَّامِكَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً” ( أش 38 : 1 -5 ).
طال عمر حزقيا خمسة عشر سنة … فهل كانت هذه السنون سبباً في سعادته ؟ يقيناً : لا
“فِي ذلِكَ الزَّمَانِ أَرْسَلَ مَرُودَخُ بَلاَدَانَ بْنُ بَلاَدَانَ مَلِكُ بَابِلَ رَسَائِلَ وَهَدِيَّةً إِلَى حَزَقِيَّا، لأَنَّهُ سَمِعَ أَنَّهُ مَرِضَ ثُمَّ صَحَّ. فَفَرِحَ بِهِمْ حَزَقِيَّا وَأَرَاهُمْ بَيْتَ ذَخَائِرِهِ: الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ وَالأَطْيَابَ وَالزَّيْتَ الطَّيِّبَ، وَكُلَّ بَيْتِ أَسْلِحَتِهِ وَكُلَّ مَا وُجِدَ فِي خَزَائِنِهِ. لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ لَمْ يُرِهِمْ إِيَّاهُ حَزَقِيَّا فِي بَيْتِهِ وَفِي كُلِّ مُلْكِهِ. فَجَاءَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ إِلَى الْمَلِكِ حَزَقِيَّا وَقَالَ لَهُ: مَاذَا قَالَ هؤُلاَءِ الرِّجَالُ، وَمِنْ أَيْنَ جَاءُوا إِلَيْكَ؟ فَقَالَ حَزَقِيَّا: جَاءُوا إِلَيَّ مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ، مِنْ بَابِلَ. فَقَالَ: مَاذَا رَأَوْا فِي بَيْتِكَ؟ فَقَالَ حَزَقِيَّا: رَأَوْا كُلَّ مَا فِي بَيْتِي. لَيْسَ فِي خَزَائِنِي شَيْءٌ لَمْ أُرِهِمْ إِيَّاهُ. فَقَالَ إِشَعْيَاءُ لِحَزَقِيَّا: اسْمَعْ قَوْلَ رَبِّ الْجُنُودِ: هُوَذَا تَأْتِي أَيَّامٌ يُحْمَلُ فِيهَا كُلُّ مَا فِي بَيْتِكَ، وَمَا خَزَنَهُ آبَاؤُكَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، إِلَى بَابِلَ. لاَ يُتْرَكُ شَيْءٌ، يَقُولُ الرَّبُّ. وَمِنْ بَنِيكَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْكَ الَّذِينَ تَلِدُهُمْ، يَأْخُذُونَ، فَيَكُونُونَ خِصْيَانًا فِي قَصْرِ مَلِكِ بَابِلَ” ( أش 39 : 1 -7).
لقد تمنى حزقيا العمر الطويل، وتوسل أن يناله، فلما ناله لم يكن هذا العمر الطويل سبباً في إسعاده بل في خلاله قاده حبه للعظمة والظهور إلى ضرر شعبه وذريته .
أخيراً يخرج من موكب البشرية إنسان يقول «إعطني العلم وأنا أمتلىء بسعادة الحياة».
ومما لا جدال فيه أن العلم قد أصبغ على المجتمع البشري الكثير من المزايا والمخترعات ، التي أعانت الإنسان على توفير سبل الراحة، وسعادته على تخفيف آلام الأمراض، وعلى ملء الحياة بالتسليات والمسرات، وعلى تعميم فرص التعليم، وعلى إطالة أوقات الفراغ، ولكننا لا نجد أي دليل على أن العلم قد جعل الناس أوفر سعادة، أو أنه جعل الأسر أشد ارتباطاً وتضامناً، أو أنه صير الحكومات أكثر حكمة وتعقلاً.
إن الدليل الملموس يقودنا إلى الإعتقاد بفشل العلم في إسعاد البشر، فنحن نعاني من تفكك عري الأسرة في جميع أرجاء العالم الفسيح، وإنفصام الروابط الزوجية من جراء حوادث الطلاق العديدة التي تسجلها المحاكم كل يوم، ونرى عشرات بل مئات المرضى بأمراض عصبية نجمت كلها عن القلق المتزايد في عالم اليوم، والناس في كل مكان حيارى يبحثون عن ترياق يهبهم السعادة والهدوء والهناء. وعصرنا بغير شك يتميز بإنه عصر (البحث عن السعادة) .
فهل يمكن للمسيحية ان تقدم للإنسان مالم يستطع أن يحصل عليه بالمال، والقوة، والصحة، والعلم، والعمر الطويل؟!
إن كثيرين يعتقدون خطأ أن المسيحية هي ديانة الحرمان والحزن والألم، ولذا فنحن نرى أن عدداً كبيراً من الشباب قد أعطوا ظهورهم للمسيحية إعتقاداً منهم إنها تحرمهم من متع الحياة ومسراتها، وتثقل كواهلهم بالضغط والكبت والإذلال .
فتعال معي لكي نبحث حقيقة هذه القضية، وسترى في وضوح أن كل صفحة من صفحات الكتاب المقدس تؤكد أن المسيحية هي ديانة الفرح والسعادة والسلام والرجاء الباسم.
إصغ إلى صوت المرنم يتحدث في سفر المزامير قائلاً “إِنِّي أَسْمَعُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ اللهُ الرَّبُّ، لأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِالسَّلاَمِ لِشَعْبِهِ وَلأَتْقِيَائِهِ، فَلاَ يَرْجِعُنَّ إِلَى الْحَمَاقَةِ” (مز 85 : 8).
واسمع الرب يتكلم في سفر إرميا قائلاً “لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرّ، لأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً “ ( إر 29 : 11).
وانصت إليه وهو يتحدث في سفر إشعياء قائلاً “رَأَيْتُ طُرُقَهُ وَسَأَشْفِيهِ وَأَقُودُهُ، وَأَرُدُّ تَعْزِيَاتٍ لَهُ وَلِنَائِحِيهِ خَالِقًا ثَمَرَ الشَّفَتَيْنِ. سَلاَمٌ سَلاَمٌ لِلْبَعِيدِ وَلِلْقَرِيبِ، قَالَ الرَّبُّ، وَسَأَشْفِيهِ” (إش 57 : 18، 19).
ثم إصغ إلى ما يقوله عنه داود في المزمور ” الرَّبُّ يُعْطِي عِزًّا لِشَعْبِهِ. الرَّبُّ يُبَارِكُ شَعْبَهُ بِالسَّلاَمِ” (مز 29 : 11).
والآن هلم بنا إلى العهد الجديد !!
هل تبصر هذا القائم هناك في وسط المجمع وتحيط بوجهه هالة من النور الإلهي الوضاح وتنبىء عيناه بإحساسه بحقيقة شخصه .
إنه الرب يسوع المسيح الذي تنبأ عنه إشعياء قائلاً “لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ” (إش 9 :6).
إنه يمسك السفر المقدس الذي وردت فيه هذه النبوة سفر إشعياء النبي “فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ. وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا فِيهِ: رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ” (لو 4 : 17 – 19).
إن السيد المسيح له المجد يحدد معالم رسالته، لقد جاء لإسعاد المساكين، ولشفاء المنكسري القلوب، ولتحرير الأسرى من الخطايا والذنوب، ولإعادة البصر للعميان ! … إنه في عبارة جامعة مانعة قد جاء ليهب الناس السعادة !.
وعندما نعود إلى تتمة هذه النبوة في مكانها من سفر إشعياء نقرأ العبارات البهيجة المعزية “لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ، وَبِيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلَهِنَا. لأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ. لأَجْعَلَ لِنَائِحِي صِهْيَوْنَ، لأُعْطِيَهُمْ جَمَالًا عِوَضًا عَنِ الرَّمَادِ، وَدُهْنَ فَرَحٍ عِوَضًا عَنِ النَّوْحِ، وَرِدَاءَ تَسْبِيحٍ عِوَضًا عَنِ الرُّوحِ الْيَائِسَةِ، فَيُدْعَوْنَ أَشْجَارَ الْبِرِّ، غَرْسَ الرَّبِّ لِلتَّمْجِيدِ” (إش 61 : 2 -3).
وإذن فالمسيح يريد للناس أن يستمتعوا بالفرح في أتم مظاهره وبالسعادة في أكمل معانيها، فتفيض السعادة على شفاههم تسبيحاً، وعلى مظهرهم جمالاً وضاءاً .
وهلم بنا لنسمع نداءات بولس الرسول للمؤمنين القديسين، فكل هذه النداءات تطلب إليهم أن يستمتعوا بالسعادة، وأن يعيشوا في جو الفرح الدائم.
إسمع هذا الرسول العظيم وهو يكلم القديسين في فيلبي قائلاً ” اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا. لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفًا عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ. اَلرَّبُّ قَرِيبٌ. لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (في 4 : 4 -7).
وإصغ إليه وهو يوضح معالم ملكوت الله قائلاً ” لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ” (رو 14: 17).
ثم إستمع إليه وهو ينادي المؤمنين في تسالونيكي قائلاً “افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ” (1 تس 5 : 16).
وينادي المؤمنين في رومية قائلاً “فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ، صَابِرِينَ فِي الضِّيْقِ، مُواظِبِينَ عَلَى الصَّلاَةِ” (رو 12 : 12).
إن هذه الآيات الوضاءة اللامعة تؤكد لنا أن المسيحية هي ديانة السعادة، الديانة التي تسعد معتنقيها الأمناء الأتقياء في مختلف ظروف الحياة.
وحتى في وسط الضيق والألم والإضطهاد يناسب إلينا صوت المسيح الحنون عبر القرون قائلاً “طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ” (مت 5 : 11 -12).
ففي وسط التعيير، والطرد، والشائعات الكاذبة المغرضة، يملأ قلب المؤمن الحقيقي بالرب يسوع المسيح إحساس غامر بالسعادة كما يقول بطرس الرسول “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تَسْتَغْرِبُوا الْبَلْوَى الْمُحْرِقَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ، لأَجْلِ امْتِحَانِكُمْ، كَأَنَّهُ أَصَابَكُمْ أَمْرٌ غَرِيبٌ، بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِينَ. إِنْ عُيِّرْتُمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَطُوبَى لَكُمْ، لأَنَّ رُوحَ الْمَجْدِ وَاللهِ يَحِلُّ عَلَيْكُمْ. أَمَّا مِنْ جِهَتِهِمْ فَيُجَدَّفُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَتِكُمْ فَيُمَجَّدُ. فَلاَ يَتَأَلَّمْ أَحَدُكُمْ كَقَاتِل، أَوْ سَارِق، أَوْ فَاعِلِ شَرّ، أَوْ مُتَدَاخِل فِي أُمُورِ غَيْرِهِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ كَمَسِيحِيٍّ، فَلاَ يَخْجَلْ، بَلْ يُمَجِّدُ اللهَ مِنْ هذَا الْقَبِيلِ” (1بطر 4 : 12 – 16).
فالمسيحي شخص سعيد …. وسعادته تنبع من داخل نفسه لا من الظروف المحيطة به.
جاء التلاميذ ذات يوم إلى سيدهم وقد علا وجوههم الفرح قائلين “فَرَجَعَ السَّبْعُونَ بِفَرَحٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ!. فَقَالَ لَهُمْ: رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ. هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ. وَلكِنْ لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ” (لو 10 : 17 -20).
أجل ، ففرح المؤمن ينبع من يقينه بأن اسمه قد كُتب في السماوات، ولذا فهو يهتف مع المرنم قائلاً :
“جَعَلْتَ سُرُورًا فِي قَلْبِي أَعْظَمَ مِنْ سُرُورِهِمْ إِذْ كَثُرَتْ حِنْطَتُهُمْ وَخَمْرُهُمْ. بِسَلاَمَةٍ أَضْطَجعُ بَلْ أَيْضًا أَنَامُ، لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ مُنْفَرِدًا فِي طُمَأْنِينَةٍ تُسَكِّنُنِي” (مز 4 : 7 -8).
بل يهتف مردداً مع حبقوق النبي “فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي” (حب 3 : 17 -18).
لقد ناد نحميا أبناء شعبه في القديم قائلاً “فَقَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا كُلُوا السَّمِينَ، وَاشْرَبُوا الْحُلْوَ، وَابْعَثُوا أَنْصِبَةً لِمَنْ لَمْ يُعَدَّ لَهُ، لأَنَّ الْيَوْمَ إِنَّمَا هُوَ مُقَدَّسٌ لِسَيِّدِنَا. وَلاَ تَحْزَنُوا، لأَنَّ فَرَحَ الرَّبِّ هُوَ قُوَّتُكُمْ” (نح 8 : 10).
وهتف داود مردداً “افْرَحُوا بِالرَّبِّ وَابْتَهِجُوا يَا أَيُّهَا الصِّدِّيقُونَ، وَاهْتِفُوا يَا جَمِيعَ الْمُسْتَقِيمِي الْقُلُوبِ” (مز 32 : 11).
فالذين عرفوا الرب يسوع المسيح معرفة حقيقية، واختبروا عمل نعمته، وسكنى روحه في قلوبهم حياتهم ممتلئة بالسعادة الحقة.
ونفوسهم المطهرة بالدم.
تشدو بأعذب الترانيم
فالمسيحية الحقيقية والسعادة النفسية صنوان عزيزان لا يفترقان.
الفصل الثاني
أسباب الأمراض النفسية
لا جدال في أن مرضى النفوس قد زاد عددهم في هذا العصر عن مرضى الأجساد زيادة تلفت الأنظار.
وكثيرون من هؤلاء المرضى ليست لديهم أية فكرة عن أن ما بهم هو عيب عقلي وليس نقصاً جسمياً على الإطلاق، فهم يعتقدون أن مصدر شكاتهم جسمي محض، وربما يكون هذا المصدر في إعتقادهم … المعدة أو الكبد، أو الأمعاء مع إنهم في حقيقة الأمر في حالة صحية جيدة من الناحية العضوية، ولكن مرضهم في نفوسهم لا في أجسادهم.
والفرد من هذا النوع المريض نفسياً يشعر بتعب في جسمه عند قيامه من النوم، ويحس إنه لا يقوى على هضم شيء، كما إنه لا يقوى على مزاولة عمله، ويستعصى عليه النوم حين يأوى إلى فراشه.
ومشكلة هذا الشخص في عقله لا في جسمه، فأعصابه هي المتعبة، ومصدر هذا التعب راجع إلى عدم الثقة في نفسه، فهو يشعر بأنه ليست لديه القوة ولا القدرة على القيام بواجباته أو الإحتفاظ بصحته وهكذا يُستهدف للقلق، وتستبد به الكآبة، ويغمره الحزن، وتدور أفكاره كلها حول الفشل والفقر والمرض، ويعجب كيف أن إنساناً مريضاً مثله قادر أن يحيا تلك الحياة، فإذا أخبرته بأنه ليس به شيء فإنه لا يصدقك بل يفقد ثقته فيك …
ولقد شرح معالج نفسي مشهور معنى المرض النفسي في هذه الكلمات «المرض النفسي ليس مرضاً بالمعنى الذي يفهم من كلمة مرض في مجال الطب، والذين يأخذون المرض النفسي بهذا المعنى بعيدون كل البعد عن المفهوم الصحيح ( للمرض النفسي) أو إن صح التعبير (الإضطراب النفسي) فالمرض النفسي إنما هو اضطراب يُصيب العلاقات الإنسانية فيصبح (تصرف ) الإنسان أو (سلوكه) شاذاً أو منحرفاً بمعنى أنه لا يساعده على التوافق مع المجتمع الذي يعيش فيه، ولا مع نفسه، ويؤدي به إلى زيادة التعاسة والشعور بالضيق والهم وعدم الإرتياح بوجه عام. فالمرض النفسي إذن اضطراب يُصيب السلوك ويصيب الحالة الإنفعالية للإنسان دون أن يكون هناك خلل عضوي في أعضائه أو أجهزته».
فما هي الأسباب التي تؤدي بالمرء إلى الأمراض النفسية؟
إن أول أسباب الأمراض النفسية هو الأحداث التي يمر بها المرء في حياته:
والتي يمكن تلخيصها من هذه الزاوية في كلمتين هما الثواب والعقاب الذي يناله المرء عن طريق أسرته أو القائمين على أمر تطبيعه الإجتماعي.
ونتيجة الثواب تتلخص في إقامة علاقات إنفعالية إيجابية نحو الأشخاص أو الأشياء أو الأهداف المقترنة بهذا الثواب، ويدخل ضمن هذه جميعها الذات نفسها فتصبح الذات محبوبة ومرغوبة فيها.
أما نتيجة العقاب فهي تكوين علاقات إنفعالية سلبية نحو موقع العقاب وما شابهه وما إقترن بهذه الحالة المؤلمة ومن ذلك أيضاً الذات نفسها التي تتميز عندئذ بالقلق وعدم التوافق .
خطاب صغير يروي مشكلة تعترض كل الأمهات
نشرت صحيفة الأهرام بعدده الصادر في 17 يناير 1960 خطاباً من أم قلقة على طفلتها تقول كلماته «لي طفلة تبلغ من العمر أربع سنوات …. توفي والدها فحرمت من عطفه، وكنت حاملاً وجاءت لها أخت جديدة أصبحت موضع عنايتي ورعايتي ، وبذلك فقدت الطفلة عطفي أنا الأخرى … بدأت الطفلة تسلك سلوكاً غير مألوف لكي تجذب إليها الأنظار … فمثلاً كانت تحاول أن تطيل فترة بقائها في دورة المياه أو تمتنع عن الأكل، أو تتعمد الذهاب إلى فراشها في وقت مبكر جداً … وبالرغم من هذه المحاولات فإنني تظاهرت بأنني لا أهتم بها على الإطلاق، فإضطرت الطفلة أن تقلع عن كل هذه الوسائل وتلجأ إلى وسيلة أخرى.
فبدأت تتعلق بالآخرين وخاصة الكبار وتجالسهم وتداعبهم لتثير إنتباه الناس … ولكن عندما بلغت الأخت الجديدة سناً تستطيع فيها أيضاً أن تجذب إهتمام الكبار لجأت طفلتي الأولى إلى الصمت التام وظهر في تصرفاتها الخجل الشديد، وبدأت تعتزل مجتمعات الناس بعد أن فشلت في جذب إهتمام الناس لها … لقد لاحظت ذلك كله ولكنني لم أستطع أن أفعل شيئاً من أجلها فزادت عزلتها وبدأت تخفي نفسها خجلاً من الضيوف الذين يترددون على المنزل كما لجأت إلى الإعتداء على أختها المنافسة كوسيلة للتعويض وبدافع الرغبة المُلحة في التخلص من هذه الدخيلة، وعندما هددتها بالضرب بدأت تتظاهر بحبها لأختها لكي تحصل على رضائي أو تفوز بكلمة تشجيع أو إعجاب .
وعندما وجدت أن التهديد أفاد أخذت أستعمل معها وسائل الضغط لكي أرغمها على الإختلاط بالناس فكانت النتيجة أن إزدادت الطفلة حساسية وبدأت تبكي من أي نقد ووصلت إلى درجة كانت تفضل فيها الصمت. وتطور الأمر فأصبحت تخجل مني أنا وأصبحت الطفلة هي مشكلة حياتي التي لا أدري كيف أصل إلى حل لها».
هذا خطاب ينطوي على مشكلة خطيرة، هي مشكلة خجل الأطفال وانطوائهم على أنفسهم، وهي مشكلة يعاني منها الكثيرون من الوالدين.
فماذا قال علماء النفس عن هذه المشكلة؟
لقد أجمعوا على أن الطفل يمر عادة بفترة من الشعور بالخجل وخصوصاً عند أول إختلاطه بالغرباء ولكن سرعان ما يتخلص منه إذا كان نموه طبيعياً وتربيته خالية من القسوة، أما إذا وجد الطفل في بيئته ما يساعده على الشعور بالخجل فترة طويلة من حياته فسيتحول الخجل إلى عادة وقد يتطور الخجل أيضاً إلى مرض نفسي خطير كالشعور بالإضطهاد أو العزلة، وكلما كبر الطفل كبر في نفسه هذا الشعور، حتى يصبح طفلاً منطو على نفسه شديد الإحساس بكل ما يمر به، وقد تصل به هذه الحساسية إلى الرغبة في الإبتعاد عن الحياة الإجتماعية العادية لإحساسه بالفشل في علاقاته مع الناس.
إن أسباب الخجل لا أول لها ولا آخر ولكنها كلها ترجع إلى طريقة معاملة الوالدين للطفل وخاصة في السنوات الأولى من حياته، فالتدليل الشديد للطفل والإهتمام به إلى حد كبير أمام الغرباء وإظهاره بمظهر الطفل الكامل يؤدي إلى شعوره بالخجل إذا تعرض للفشل لأنه يلجأ في هذه الحالة إلى الخجل كوسيلة للهروب من مواجهة الناس.
وكما أن التدليل والإهتمام الزائد بالطفل يؤدي به إلى الخجل فإن القسوة في معاملته وإغاظته وإطلاق إسم من الأسماء التي لا يحبها عليه، يجعل الطفل يحاول الإبتعاد تماماً عن الإحتكاك بالناس وخاصة الذين يضايقونه.
أن هناك أحداثاً تمر بالأسرة كأن يفقد الطفل أحد والديه، أو يحل طفل جديد في البيت يصبح موضع عناية والديه ويسلبه ما كان يستمتع به من عطف ورعاية وكل هذه الأحداث تساعد على شعور الطفل بالخجل.
وقد يحدث أحياناً أن يرى الطفل نقصاً في بيئته الإجتماعية بالنسبة لزملائه في المدرسة فيخجل من الإختلاط بهم أو الحديث معهم وينطوي على نفسه.
إن هناك أمراً هاماً يجب أن نضعه نصب عيوننا وهو حاجة الطفل إلى الحب والأمان وتوفير هذه الحاجة له في بيئته.
نشرت إحدى كبريات الصحف قصة عن طفل اسمه (جوني) أخذه أبوه وأمه إلى مستشفى الأطفال في مدينة (أبي وود) بإنجلترا ثم مضى شهر ولم يزر الوالدان طفلهما، ثم شهران ثم ثلاثة !! … كان الطفل يتطلع كل لحظة إلى الباب على أمل أن يرى والديه، ولكنهما نسياه !
واتصلت إدارة المستشفى بالعنوان الذي تركه الوالدان، فلم تجد لهما أثراً … ومضى عام، وعامان، وثلاثة أعوام ! والطفل الصغير يرى الأمهات والآباء يزورون زملاءه المرضى ويحملون لهم الهدايا … وهو وحده في فراشه لا يزوره أحد ، ولا يفكر فيه أحد !!
كان الطفل جائعاً إلى الحب، وإلى الحنان، وإلى العطف، فبدأ يكذب على زملائه الأطفال لينفي عن نفسه عار النسيان والوحدة، وراح يقول لهم : لقد زارتني أمي في الليل أمس أثناء نومكم وأمطرتني بالقبلات، وأبي أيضاً جاء معها ومعه الكثير من الحلوى ! وأحست كبيرة الممرضات في المستشفى أن جوع الطفل إلى الحب هو الذي اضطره إلى الكذب، فنشرت قصته وصورته في الصحف !!
وفي اليوم التالي كان المئات من أفراد الشعب يقفون أمام باب المستشفى وهو يحملون الهدايا للطفل جوني، وسمحت إدارة المستشفى لتسعين من الزوار فقط بمقابلته في اليوم الأول، وامتلأت أروقة المستشفى بالهدايا ، وبكت سيدة أمام الباب لما منعوها من الدخول، فقد ركبت ثلاث قطارات وقطعت مسافة توازي المسافة بين القاهرة وأسوان لتزور هذا الطفل الجائع إلى الحنان، واضطرت أن تمضي ليلة في الفندق حتى يسمح لها بزيارة (جوني) في اليوم التالي … وحمل جوني الهدايا، وراح يوزعها على زملائه، وأحس بالدفء يسري في كيانه بعد برودة ، وبالحب يحوله إلى إنسان مذكور.
إن هذه القصة الواقعية تُرينا أن في قلب كل إنسان جوعاً طبيعياً إلى الحب والحنان، وإن المرء إذا لم يجد من البشر من يحبه ويهمس في أذنه بكلمات الإعجاب والعطف، أصيب بإضطراب في نفسيته، وأصبح شخصاً مريضاً من الناحية النفسية.
وهذا يتفق تماماً مع كلمات بولس الرسول التي سجلها للآباء ورسم بها طريق التربية القويم إذ قال “أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ لِئَلاَّ يَفْشَلُوا” (كو 3 :21).
أجل، فالآباء الذين يغيظون أولادهم، ويستخدمون أساليب الضغط والعنف في تربيتهم يسيئون إلى هؤلاء الأولاد إساءة بالغة، إذ يتسببون في كثير من الأمراض النفسية والعصبية التي تصيبهم.
يحتفظ لنا التاريخ بمثال عن شخصية مضطربة كانت القسوة هي سر تصرفاتها الشاذة العنيفة، تلك هي شخصية (فردريك الثاني) ولي عهد بروسيا.
كان (فردريك وليام) والد (فردريك الثاني) رجلاً قاسياً عنيفاً، وكان يُعامل ابنه الصغير (فردريك) بالقسوة التي لا حد لها، إذ كان ذلك الملك مفطوراً على الحقد والشك اللذين لم يكونا يقومان على أساس ما، وحتى زوجته لم تنج من شكه، وربما كان هذا هو أصل كراهيته الظاهرة لولده فردريك.
ولقد كان فردريك الابن ضعيف البنية، وكان مجرد منظره يُثير غضب أبيه حتى أنه كان إذا إلتقى به في ردهات القصر أمسك به بلا أدنى سبب، وظل يهزه حتى تصطك عظامه وأسنانه، وفي أحيان أخرى كان يركله بحذائه الثقيل … وكان لدى فردريك وليام غرفة مليئة بالعصي الكبيرة، وكان يحتفظ بالعصي في جميع أنحاء القصر لتكون في متناول يده إذا ما إنتابته الرغبة في ضرب ولده.
وإذ بلغ الابن الثالثة عشرة، عينه أبوه قائداً عسى أن يذكي ذلك من رجولته، وكان الصبي ما زال ضئيل الجسم، فكان يركب الحصان ليُعطي لنفسه مظهر القائد، وكان يشغل كل دقيقة من وقته بالدراسة والتدريب العسكري، حتى إنه لم يبلغ الرابعة عشرة من عمره إلا وقد ظهرت عليه إمارات كبر السن والإرهاق وكان يضطر لمرافقة أبيه كلما خرج للصيد.
وفي ذات يوم إختار الملك للأمير حصاناً يركبه، ولكن كبير الياوران احتج على ذلك قائلاً أن الحصان أقوى مراساً من أن يلين للأمير الصبي، فتجاهل الملك ذلك وأركب فردريك الحصان، وعندما سار الموكب أطارت الريح قبعة الملك وألقت بها أمام حصان فردريك فتملك الخوف الأمير الصغير، وإندفع لإلتقاطها قافزاً من فوق جواده ولكنه أصيب بجراح بالغة فقد وقع جنبه على مقبض سيفه، ونُقل إلى القصر وهو غائب عن وعيه، ولكن الملك تضايق من ذلك وأصر على الإعتقاد بأن ولده كان يخدعه فأمره في اليوم التالي أن يشترك في استعراض عسكري .
وإستمر الملك يضرب ولده في السر والعلن، على أمل أن يصنع منه رجلاً ، حتى إذا بلغ الأمير الحادية والعشرين زوجه أبوه من (اليزابيث برنسويك) فلم يسعه إلا أن يصدع بالأمر وإن قال « ها هوذا العالم يستقبل أميرة أخرى تنضم إلى صف التعيسات»
فماذا كانت نتيجة هذه التربية القاسية العنيفة الخالية من العطف والحب والحنان؟!
أخيراً مات الأب (فردريك وليام) وتولى (فردريك الثاني) الحكم بعد وفاة أبيه عام 1740 فعُرف بعد ذلك بإسم فردريك الأكبر لإصراره الشديد على أن يجعل من وطنه امبراطورية كبيرة يكون هو رأسها.
وكانت شهوته الطاغية للسلطان، والشهرة، والثروة رد فعل لقسوة أبيه، والعذاب والكبت والحرمان الذي عاناه طيلة حياته.
كان يعمل دون أن يهاب، ويتوقع من الآخرين أن يفعلوا مثله، وكانت تملؤه طاقة جبارة لا يكاد يكون لها حد، ولم يكن يحتمل وجود النساء في البلاط أو في القصر، أما سكرتيره فكان يعمل كالعبد.
ولقد كان فرديك الأكبر موضوع تقديس نابليون في صباه، وكان هذا التقديس حافزاً لنابليون على طلب السلطة والدكتاتورية، كما كان حافزاً له أيضاً على أن يحطم الإمبراطورية التي خططها معبوده … وبعد مائتي سنة من تاريخ تولي فردريك العرش صمم أحد المغتصبين لذكراه أن يضع مطامح الملك البروسي وخططه موضع التنفيذ … وكان إسم هذا الرجل (أدولف هتلر) .
ويقيناً أن مسئولية ما وقع بعد ذلك من بؤس وخراب لا تقع على عاتق الرجل الذي لم يكن ليصبح على تلك الحال إلا بسبب التعذيب والإهانات التي عرفها في طفولته، وإنما تقع هذه المسئولية على عاتق ذاك الذي أوسعه تعذيباً وإهانة، حتى خلق منه طاغية ألهم الكثيرين أن يصبحوا طغاة مثله.
فالقسوة هي التي تصنع الطاغية، وهي تسبب الإضطرابات النفسية والعصبية في حياة الكثيرين. والمسيحية الحقة تُعلم المرء مبادىء التربية المُثلى، فهي تدعو الآباء أن لا يغيظوا أولادهم بل يربوهم بتأديب الرب وإنذاره، وتُطالبهم أن يُعودوا أولادهم على الثقة بالله، هذه الثقة التي تولد فيهم الثقة بأنفسهم، بل تُرشد الكبار إلى ضرورة إحترام الولد والإهتمام بشخصيته إذ قال السيد له المجد بفمه المبارك “اُنْظُرُوا، لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 18 : 10).
وهذا يوقفنا موقف الحذر من إحتقار الصغار أو التهكم عليهم، أو جعلهم أضحوكة أمام الضيوف فكل هذه الأشياء تُسيء إلى نفسيتهم وبالتالي إلى شخصيتهم.
إن الإنسان إذ يحس بصغر نفسه، يشعر كذلك بأن الآخرين ينظرون إليه هذه النظرة، ونحن نرى ذلك جلياً في كلمات الجواسيس الخائفين الذين قالوا لموسى بعد أن عادوا من تجسس أرض كنعان “وَقَدْ رَأَيْنَا هُنَاكَ الْجَبَابِرَةَ، بَنِي عَنَاق مِنَ الْجَبَابِرَةِ. فَكُنَّا فِي أَعْيُنِنَا كَالْجَرَادِ، وَهكَذَا كُنَّا فِي أَعْيُنِهِمْ” (عد 13 : 23).
بل نرى تأثير الإحساس بالمذلة في نفوس شعب الله القديم إذ نقرأ عنهم الكلمات “فَكَلَّمَ مُوسَى هكَذَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلكِنْ لَمْ يَسْمَعُوا لِمُوسَى مِنْ صِغَرِ النَّفْسِ، وَمِنَ الْعُبُودِيَّةِ الْقَاسِيَةِ” (خر 6 : 9).
هناك حاجات ضرورية للطفل هي :
(1) الحاجة للأمن
(2) الحاجة للمحبة
(3) الحاجة للتقدير
(4) الحاجة للحرية
(5) الحاجة إلى سلطة ضابطة
(6) الحاجة إلى النجاح
وبدون إشباع هذه الحاجات يصاب الطفل بالإضطرابات النفسية التي قد تهدم شخصيته وتعذب حياته.
إن الطفل إذا لم يشعر من طفولته أنه مرغوب فيه ومحبوب من أمه وأبيه، فهو لا يستطيع أن يبادل إخوته الحب، أو يبادل الناس العطف والمشاعر الطيبة أو يصبح شخصية سوية.
والبيت المسيحي المبني على أساس كلمة الله تتوفر فيه كل الخصائص التي تصنع من الطفل إنساناً سوياً، وتحفظه من الإصابة بالأمراض النفسية التي تشقيه مدى الحياة.
منذ عدة سنوات قامت مجلة أمريكية كبرى بعمل إحصائية طريفة عن عائلتين عاشتا في ولاية نيويورك.
العائلة الأولى بدأها رجل إسمه (ماكس جوكس ) كان لا يؤمن بالمسيحية، وكان يعيش في الشر والإباحية وتزوج بفتاة من طرازه.
ومن الدراسات التي أجريت على 1026 من سلالة هذه الأسرة كانت النتائج كالآتي :
300 ماتو قبل الوصول لسن الشباب
100 أودعوا سجن الإصلاحية
190 باعو أنفسهم للدعارة.
100 أدمنوا المسكرات .
وقد كلفت هذه الأسرة الولاية 100.000 من الدولارات.
أما العائلة الثانية فقد بدأها رجل إسمه (يوناثان أدواردز ) كان يؤمن بالمسيحية من كل قلبه، ويؤمن بضرورة تربية الأولاد بالطريقة المسيحية المبنية على الحب والإحترام. وقد تزوج هذا الرجل بفتاة تقية فاضلة من طرازه.
ومن الدراسات التي أجريت على 700 من سلالة هذه الأسرة كانت النتائج كالآتي :
300 صاروا واعظين أتقياء
65 أساتذة في الكليات
13 عمداء جامعات
6 من أعاظم المؤلفين
3 أعضاء في الكونجرس
1 نائب رئيس الولايات المتحدة
ولم تكلف هذه الأسرة الولاية دولاراً واحداً .
فهل رأيت عظم الفرق بين هاتين الأسرتين، إن مصير طفلك في يدك، ففي مقدورك أن تجعل منه بنعمة الله شخصاً نافعاً لنفسه وللمجتمع الذي يعيش فيه فينطبق عليه ما قاله بولس لتيموثاوس “وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ، بِالإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (2 تي 3 : 15). أو أن تهمله أو تدلله، أو تقسو عليه فتجعل منه شخصاً هداماً لنظم المجتمع، تملأ حياته الأمراض والعقد النفسية.
فماذا إنت مزمع أن تفعل بأولادك الذين أعطاك إياهم الله ؟!.
هذا يأتي بنا إلى سبب آخر من أسباب الأمراض النفسية وهو الصراع بين الدوافع.
يقول مؤلف كتاب (الدوافع النفسية) إذا إستطاع الفرد إشباع دافع من دوافعه المختلفة – بيولوجية أم سيكولوجية – بمجرد الإحساس به فإن هذا الإجراء من شأنه ألا يثير في نفسه أي إحباط أو صد وبالتالي لا ينتج داخله أي صراع نفسي.
ولكن الواقع أن العالم الذي نعيش فيه مليء بالمعوقات التي تحول بين الفرد وبين تحقيق الكثير من مطالبيه، وقد أصبحت هذه المعوقات جزءاً هاماً من حياتنا اليومية.
وتختلف المعوقات من حيث الدرجة فهي تتفاوت من مواقف تسبب الضيق المؤقت للفرد إلى مواقف أخرى يُهزم فيها هزيمة منكرة، فيشعر نتيجة ذلك بالخيبة وفقدان الأمل.
وكما أن هذه المعوقات تختلف من حيث الدرجة فهي تختلف من ناحية أخرى من حيث النوع، فهناك معوقات مادية تتصل بالبيئة من جو قارس وجبال عالية ومحيطات وصحاري شاسعة، وهناك معوقات إجتماعية تنتج خلال الحياة عن طريق تفاعل الفرد مع غيره أو بسبب المعايير الإجتماعية السائدة في المجتمع.
وهناك معوقات أخرى تسود عالم الأطفال وتنشأ بسبب النواهي والقيود التي يفرضها الآباء على أبنائهم، وهناك معوقات تنشأ بسبب عاهات الحواس والبدن التي يتعرض لها بعض الأفراد مثل الصمم والعمى والكساح أو الشلل، إن هذه العاهات تعوق الفرد المصاب عن إشباع الكثير من دوافعه، فكم من المصابين بالصمم تمنوا أن يعملوا كموسيقيين، وكم من العميان تمنوا لو كانت لديهم الحاسة البصرية لكي يشتغلوا بالأعمال الفنية، وكم من المصابين بالشلل تمنوا لو كان بدنهم سليماً يمكنهم من العمل بالشئون الهندسية.
فهذه كلها أنواع من المعوقات التي يتعرض لها الفرد في حياته وتسبب له نوعاً من الإعاقة عند رغبته في إشباع بعض الدوافع التي تُثيرها مواقف معينة.
وهناك بجانب ما سبق أنواع أخرى من المواقف (الإحباطية) أو المعوقة تنشأ بسبب وجود الفرد في موقف يتطلب منه أن يختار بين أمرين، فهذا الموقف يتطلب من الفرد أن يفكر عملياً ويتردد قبل البت فيما يختار، وقد يحدث في ظروف خاصة أن يختار بين أمرين غير مُحببين لنفسه، وقد تصل موازنة الفرد قبل تفضيله موضوعاً على آخر، إلى نوع من الصراع الذهني يكون سبباً في حيرته ولكنه يزول بمجرد إيجاد حل للمشكلة المعروضة عليه.
ويوجد نوعان من الصراع أحدهما عناصره واقعة في دائرة شعورنا، لدرجة أننا ندرك المشكلة التي يدور حولها ذلك الصراع، وندرك طرفي الصراع، وهذا النوع من الصراع لا يتسبب عنه أي كبت أو عزل أفكار أو ميول أو رغبات من الشعور إلى اللاشعور، ذلك لأن المشكلة التي يقوم عليها الصراع تواجهنا ونستطيع بطريقة ما أن نصل إلى حلها.
ومن أمثلة هذا الصراع : شابة يتقدم إليها خطيبان، لهما من الصفات المشتركة ما يجعل تفضيل أحدهما على الآخر أمراً عسيراً، إنها تتعرض لصراع مؤقت في سبيل الوصول إلى قرار نهائي بتفضيل أحد الخطيبين ثم ينتهي الصراع عند هذا الحد.
أما النوع الخطير من الصراع فيحدث في مستوى لا شعوري، فكثيراً ما يجد الفرد نفسه أمام حاجات ونزعات لا تسمح له ظروفه الإجتماعية بتحقيقها، وحينئذ تكبت هذه الحاجات دون شعور منه وترسب في حيز اللاشعور، ولا تبقى فيه خاملة، بل تظل في حركة ونشاط لأنها لم تتحقق، فهي دائما تبحث لها عن منفذ تخرج منه، إلا أن النفس الشعورية تقف في أغلب الحالات حائلاً بينها وبين تحقيق رغباتها، وعلى هذا النحو يحدث الصراع النفسي الذي ينتج عنه الكثير من الأمراض النفسية والعصبية.
ومن أمثلة هذا الصراع ما يقوم في نفس الطفل، فالطفل ليس عنده سبب أو شبه سبب يمنعه من أن يأكل متى شاء، ويصيح متى شاء، ويفرغ أمعاءه مما فيها حيث شاء وفي أي وقت شاء، أو أن يمص أصبعه، أو ينام أو يستيقظ أو يدمر هذا أو ذاك من الأشياء التي تقع تحت يده، ومع ذلك فهو خاضع لنظام خاص ومرغم على إتباع هذا النظام ضد إرادته، وعلى خلاف رغبته، وبلا سبب يستطيع أن يفهمه.
وهذا أول صراع ينشأ بين الطفل وبيئته، ويجاهد الطفل ويجالد في التغلب على إملاء البيئة فلا يستطيع، ويجد أن ذلك الذي يملي عليه شخص محبوب هو الأم التي يحبها ويرغب في إرضائها، فينتج من ذلك موقف غريب يواجهه الطفل.
وهو رغبته في إرضاء الأم . ثم رغبته في إرضاء نزعاته الداخلية .
وهكذا ينتقل ميدان الصراع فلا يبقى صراعاً بين الطفل والبيئة بل يصبح صراعاً داخلياً بين رغبتين متنازعتين في نفس الطفل. وتتضارب الرغبتان في نفس الطفل كلما جد موقف يدعو إلى ذلك، ولكن العقل لا يحتمل الصراع الظاهر طويلاً، ذلك لأن الصراع معناه إنقسام العقل على نفسه، معناه نشوب نوع من الحرب الأهلية بين نزعتين متضادتين وفي ذلك الخطر كل الخطر على كيان الشخص، ولذلك فلا يلبث الصراع أن ينتهي بحل، وتكون نتيجة الحل أن تتغلب إحدى النزعتين المتعارضتين على الأخرى، فتختفي المغلوبة من الميدان وتخليه لغريمتها.
ولكن هل هذه الرغبة التي اختفت من الميدان قد انتهت وتلاشت كلية من الوجود ؟! كلا فإنها إذ تختفي إنما تكمن فقط، فهي تبتعد من الشعور وتنحدر إلى اللاشعور ، فتصبح منسية، ولكنها تبقى مستعدة للظهور وإنتهاز الفرص، لتصل إلى نوع من التحقيق أو التعبير، وهكذا ينتهي الأمر كما تنتهي كل حرب أهلية بإنتصار الفريق القوي وهزيمة الفريق الضعيف، فتظهر الأمة بصورة واحدة ويختفي الفريق المغلوب من الحياة الظاهرة للأمة، ولكنه يلجأ إلى شتى الوسائل ليُحارب خصمه ويسبب له المضايقات فيعمل في الظلام على تدبير المؤمرات وإنتهاز الفرص للإيقاع بغريمه، وهذا ما نعنيه بالصراع النفسي.
وهناك مثل آخر يصور لنا الصراع النفسي، نراه في صورة جندي يُحب وطنه، ويتجه بكل قواه للدفاع عنه، ثم يجد نفسه يُحب فتاة تنتمي إلى العدو، فهذا الجندي يقع فريسة للصراع النفسي بين حبه لوطنه، وحبه لهذه الفتاة، وتكون نفسه إذ ذاك منقسمة على نفسها جزء منها يتعارض مع الجزء الآخر.
فالصراع النفسي يعود في الأصل إلى تعارض الدوافع النفسية، ويتحول إلى نزاع داخلي لا شعوري يتسبب في كثير من الإضطرابات النفسية.
وما دام الصراع اللاشعوري هو السبب المباشر لكثير من الأمراض النفسية، فيجدر بنا أن نفهم شيئاً أكثر عن حقيقة هذا الصراع.
قسم (فرويد) عالم النفس المشهور (الجهاز النفسي ) إلى ثلاثة أقسام، وأوضح ان لكل قسم منها خصائص ووظائف معينة، وسنتحدث فيما يلي عن هذه الأجزاء وهي :
(1) الأ نا Ego
(2) الهو Id
(3) الأنا الأعلى Supper – Ego
الأ نا The Ego
يقول الدكتور (القوصي ) في كتابه (علم النفس أسسه وتطبيقاته التربوية ) هذه الكلمات : «وصل فرويد في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي إلى وضع فرض يستعين به في تفسير الظواهر العقلية الشاذة، والظواهر العقلية اليومية، ويتضمن هذا الفرض أن جزءاً من الشخصية ويسميه ( الأ نا ) هو الجزء المعروف لنا، والذي ندركه إدراكاً مباشراً ، وهذا الجزء متصل بعالم الواقع، وهو يتضمن عواطفنا وذكرياتنا .
فأنا أقول ( أنا ) أحب ولدي، و( أنا ) أحب عملي، و ( أنا ) أكره الكذوب، و ( أنا ) أحب صديقي، و ( أنا ) أحب العدل وأكره الظلم وأحب المساواة بين الناس و ( أنا ) أحترم من يفوقني عقلاً ومقدرة و ( أنا ) لا أغار منه، هذا ( الأنا ).
هو الجانب الظاهر من الشخصية، ونقصد بهذا أنه ظاهر لي ( أنا) ويتأثر ( الأنا ) بالعوامل اللاشعورية من ناحية، وبعالم الواقع من ناحية أخرى.
ففي عالم الواقع يجد المجتمع بتقاليده وقوانينه وعلاقاته وأفراده، ويجد فيه كذلك الأزمنة والأمكنة والأشياء ومختلف المؤثرات التي ندركها بحواسنا ونتأثر بها، تأثراً يمكننا من إستعادتها ومن التأثر بها في خبراتنا التالية.
وإذا تتبعنا الطفل من وقت ولادته إلى أن يكبر، وجدنا أن ( الأنا ) ينمو تدريجياً بتقدم السن، وذلك لتعدد الخبرات، ولإستمرار تبادل التأثير والتأثر بين الشخص والأشخاص الآخرين، وكذلك بينه وبين مختلف أجزاء البيئة التي يتعامل معها.
ويلاحظ أن الطفل الصغير من الناحية النفسية عبارة عن مجموعة من الدوافع والنزعات التي تتجه إلى التعبير عن نفسها عن طريق الإتصال بالعالم الخارجي، فيُعبر دافع الجوع عن نفسه بالرغبة في الشبع عن طريق مص ثدي الأم، وبهذا يتصل الطفل بعالم الواقع إتصالاً يصحبه ارتياح وإشباع وسرور.
وأحياناً يترتب على الإتصال بالعالم الخارجي تألم وعدم ارتياح، فإذا دفع حب الإستطلاع الطفل إلى أن يلمس اللهب، فإن النتيجة ألم وعدم ارتياح، وهكذا يبدأ الطفل منذ اللحظة الأولى يتصل بأجزاء العالم الخارجي اتصالاً يوقفه على خصائص أجزاء هذا العالم، فهذه أشياء متحركة، وتلك ساكنة، وهذه حية وتلك ميتة، وهذه قوية وتلك ضعيفة، وهذه مؤلمة، وتلك سارة إلى غير ذلك من الخبرات التي تساعده على أن يكون لنفسه فكرة عن نفسه متميزة عن فكرته عن العالم الواقعي المحيط به.
ولا يستطيع الطفل قبل مرور عامين من عمره أن يفرق بين ذاته وذوات الآخرين، ومعنى ذلك أنه يكون عاجزاً في تلك الفترة عن إدراك نفسه كذات متميزة مما يحيط بها، وفي منتصف العام الثالث تقريباً، يبدأ الشعور بأنه فرد مستقل، يتحدث إليه الناس ويتحدث هو بدوره إليهم، ويتوقف سلوكهم نحوه والفكرة التي يكونونها عنه على مايصدر منه من تصرفات وأعمال، وما يتركه في نفوسهم من تأثير، وكنتيجة لتفاعله بهم يبدأ في تكوين فكرة عن نفسه يشتقها من موقف المجتمع منه، فما يحرزه الطفل في ذلك الدور من نجاح أو فشل وما يسمعه من مدح أو ذم، وما يلاقيه من رضى أو سخط، ومن تشجيع أو لوم ، يزيد في توضيح فكرته عن نفسه، إذ قد يرى إنه طفل ناجح أو يتبين إنه فاشل.
وبالتدريج تتسع الدائرة التي يتعامل معها الطفل، وتزداد نتيجة لذلك خبراته ومعلوماته فيتبين منزلته في الأسرة والمدرسة، كما تتضح له مكانة أسرته في المجتمع العام، وبتكرار التفاعل بين الفرد وتلك الوحدات الإجتماعية المختلفة يتكون ( الأ نا)، أو ( الذات)، ونذكر هنا أن أقوى عوامل التفاعل الأولى هي ( الأم ) أو ( الأب).
وسعيدة هي ( الأم ) التي تدرك مدى تأثيرها في حياة أولادها الصغار فتستخدم هذا التأثير لبركتهم وخيرهم في العالم الحاضر والأبدية ليتم فيها القول الذي كتبه بولس لتلميذه الحبيب تيموثاوس “إِذْ أَتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ أَوَّلًا فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ أَفْنِيكِي، وَلكِنِّي مُوقِنٌ أَنَّهُ فِيكَ أَيْضًا” ( 2 تي 1 : 5).
وسعيد هو ( الأب) الذي يعرف قوة تأثيره على أبنائه فيستخدم هذا التأثير لمصلحتهم من الناحية الروحية والجسدية قبل أن يصل أولاده إلى سن العاشرة ويفلت منه زمام قيادتهم.
ونعود إلى الحديث عن ( الأنا) فنقول أن الأنا هو الجانب النفسي الذي يواجه العالم الخارجي ويتأثر به تأثراً مباشراً ، ويكاد يكون صورة للواقع الذي تقره البيئة، ولذا يصح لنا أن نعتبره منطقياً معقولاً رزيناً في تصرفاته وأحكامه، يميل أن تكون تصرفاته في حدود المبادىء الخلقية التي يقرها عالم الواقع، وهو حلقة الإتصال بين الطاقة الغريزية والعالم الخارجي، ( فالأ نا) هو الذي يتصل بعالم الواقع لتحقيق النزعات الغريزية بالصورة التي يراها خلقية معقولة، ولذلك كان دائماً في صراع مع الأمور والتصرفات التي لا تلائم طبيعة تكوينه.
وعلى ضوء ما تقدم يمكننا القول بأن ( الأ نا) شعوري، منطقي، خلقي، يتصل مباشرة بعالم الواقع، ويعمل كحلقة إتصال بين النزعات الغريزية وعالم الواقع، و ( الأ نا) يغفل في ساعات النوم.
الهو The Id
( الهو ) هو القسم الثاني من الجهاز النفسي، وقد فضَّل الدكتور اسحق رمزي في ترجمته لكتاب فرويد ( مقدمة التحليل النفسي) إستخدام صيغة التذكير هذه على العكس من بعض الكتاب الذين استعملوا صيغة التأنيث ( الهي) .
و (الهو ) هو القسم اللاشعوري في الجهاز النفسي، ومن خصائصه إنه لا يتجه وفق المبادىء الخلقية، وإنما يسير على قاعدة تحقيق اللذة والإبتعاد عن الألم، ثم إنه لا يتقيد بقيود منطقية، ومن مركباته النزعات الفطرية الوراثية والمكبوتة، فهو يشمل مجموعة النزعات والرغبات والميول البدائية التي كبتها المرء بطريقة لا شعورية في مستهل حياته في أعماق النفس، لأنها لا تتفق مع العرف والتقاليد والتعاليم الدينية والأخلاقية.
إن ( الهو ) يشبه (الغرفة المظلمة) البعيدة الغور، العميقة غاية العمق، المخفية عن الشخص غاية الخفاء، ومع ذلك فهي زاخرة بالمحتويات العقلية من أفكار ورغبات ودوافع فطرية وراثية.
ويقول (دكتور فرويد ) إن العناصر التي يتكون منها ( الهو) لا تموت بل تبقى حية مزدهرة تعمل في مكمنها الجديد في غير توافق أو إنسجام، كما أنها من وقت لآخر تحاول التعبير عن نفسها بشتى الوسائل والطرق، ومن بين هذه الوسائل أو الحيل اللاشعورية ما هو معروف بإسم الأحلام وفلتات اللسان ، والتبرير ، والإسقاط وغيرها من الوسائل، ويجب أن نشير إلى أن بعض هذه الرغبات والإنفعالات المكبوتة في اللاشعور تندمج مع بعضها في شكل تنظيمات أو تكوينات جديدة أطلق عليه (فرويد) إسم ( العقد)، وعلى هذا يصح لنا أن نعرف العقد complex بأنها مجموعة متصلة من الرغبات والميول غير المشبعة أو أنها عبارة عن مجموعة من الذكريات والحوادث ذات الأثر الأليم في حياة الفرد المبكرة، فصلت أو عزلت من مجال الشعور إلى الحياة العقلية اللاشعورية، ونُسيت منها، غير أن هذه الأخطار والحوادث والذكريات المفصولة، وما كان يصاحبها من إنفعالات غير سارة لا تتداعى ولا تتحطم بل تبقى في معزلها أو مرقدها الجديد حية لا تموت تتحرك في ذلك المكان العميق المسمى بـ ( الهو ).
الأ نا الأعلى The Supper Ego
يبدأ الطفل منذ الثالثة من عمره في العمل على حل الصراع النفسي الذي ينشأ في أعماق اللاشعور بين رغباته غير المهذبة وبين تلك المعايير والتعاليم والأديان والمثل العليا التي يتلقنها من العالم الخارجي وعلى الأخص من والديه، وترجع أهمية سلطة الوالدين هنا إلى كونها سلطة ثابتة في السنوات الأولى، ووظيفة هذه السلطة توجيه السلوك ، فقد يرغب الطفل في القيام بعمل ما، فيمنعه والداه برغم تشوقه للقيام به وقد يرغم الطفل على الإتيان بعمل ما رغم كراهيته له، ويتعرض الطفل في كل هذا للثواب والعقاب، والمدح والذم، والرضا والسخط، وبالتدريج يمتص الطفل تلك المعايير الأخلاقية ويبلورها في نفسه حتى تصبح (سلطة داخلية ) تحل محل السلطة الخارجية في تنظيم وضبط تلك الرغبات المحظورة.
وهكذا يدخل في دائرة صراع جديد، فبعد أن كان التعارض قائماً بين الذات الشعورية للطفل (الأنا)، وبين تلك الرغبات المحظورة التي مركزها ( الهو) نجد الصراع ينتقل إلى داخلية نفسه ويصبح تعارضاً بين تلك الرغبات البدائية وبين ذلك الجزء الجديد الناشىء في نفس الطفل المسمى ( الأنا الأعلى) ويمكن تشبيه ذلك الجزء من الجهاز النفسي ( بالرقيب الداخلي ) الذي يقف حائلاً دون إندفاع تلك الرغبات والميول غير المهذبة والمكبوتة في اللاشعور .
وفي كلمات قليلة يمكننا أن نعرف الصفات الأساسية للأنا الأعلى بأنه الناقد الخلقي الأعلى الذي يشعر الأنا بالخطيئة وهو شديد التمسك بالمبادىء الخلقية والمثل العليا، وهو المسيطر على ( الأنا) والذي ينظم العلاقة بينه وبين الطاقة الغريزية، ومع هذا كله فهو يبقى في مستوى لا شعوري ولذا تواضع علماء النفس على تسمية ( الأنا) بالنفس الحسية، و (الأنا الأعلى) (بالضمير أو الذات المثالية ).
الصراع النفسي :
صار مفهوماً لنا أن جانب الشخصية الظاهر لنا والذي يمثلنا أمام أنفسنا، ونحب أن يمثلنا أمام الناس هو ( الأنا ) غير أن الأنا يتعرض لعوامل ثلاثة كل منها قوي غاية القوة.
فالأ نا يتعرض من الناحية الأولى لعالم الواقع بقوانينه وتقاليده ومنطقه، ومستوياته الخلقية، والعلاقات الإنسانية السائدة فيه، كما يتعرض لما في عالم الواقع من المثيرات والمغريات وأغلب هذه المغريات تستدعي إستجابة من النزعات الغريزية.
ولذا فإن الأ نا يتعرض من الناحية الثانية لإلحاح النزعات الغريزية المختلفة التي تريد أن تعبر عن نفسها عن طريق الأ نا، فهذه نزعة عدوانية. وتلك نزعة جنسية، وغير ذلك من نزعات أخرى كلها تتدافع للتعبير عن نفسها، وتجد من عالم الواقع ما يمنعها من قوانين وما يجذبها من مغريات ومثيرات، و كل من المنع والإستثارة يحدث عن طريق الأ نا.
ثم يتعرض الأ نا بالإضافة إلى هاتين القوتين الهائلتين قوة عالم الواقع وقوة عالم الهو إلى قوة ثالثة هي قوة ( الأنا الأعلى) الذي يقوم بمنع ( الأ نا) من الإستمتاع بكثير من لذات إشباع الدوافع النفسية الملحة، ويقوم الأ نا الأعلى بهذا المنع متعاوناً في ذلك مع ما في المجتمع من تقاليد ومُثل وآداب، ومقاوماً ما في المجتمع من مثيرات ومغريات.
ويقوم الأ نا الأعلى بإشعار الذات بحقارتها لمجرد إحساسها إحساساً خفياً بالرغبة في تحقيق دوافعها المختلفة وهذا قد يفسر ما يسمى الشعور بالإثم أو الشعور بالخطيئة.
ولهذا كله كانت مهمة الأ نا أن يحصل على حالة إتزان بين مجموعات القوى الثلاث، ولذا فهو يسمح لبعض الرغبات بالتنفيذ ويقاوم البعض الآخر بناء على فهمه للواقع وحدوده، والأ نا قبل أن يسمح لأمثال هذه النزعات بالتعبير عن نفسها لا بّد له أن يقدر النتائج التي تترتب على هذا التعبير وأثر ذلك في عالم الواقع، وهكذا نرى أن الأ نا يهمل هذه الدوافع حتى يأتي الوقت المناسب لإشباعها، وقد يضطرها إلى التنازل عن بغيتها نظير مقابل، أو تعديلها على الأقل حتى تتوافق مع العالم الخارجي، أو تعديله حتى يتوافق معها.
فعلى الأ نا أن تعبر عن نزعاتها ودوافعها الغريزية تعبيراً يتفق مع ما في المجتمع من تقاليد ونظم بشرط ألا يثير سخط الأ نا الأعلى.
فإن أراد المرء أن يعبر عن نزعاته الجنسية مثلاً فعليه أن يفعل ذلك في الحدود التي يعترف بها المجتمع بقوانينه وشرائعه وتقاليده بصورة لا تثير في الإنسان تأنيباً داخلياً أو شعوراً بالخطيئة و الإثم.
ولا يستطيع ( الأ نا) أن يقوم بهذا الدور إلا إذا كانت لديه القوة الكافية للتحكم في رغبات (الهو) حينئذ يسير الجهاز النفسي سيراً طبيعياً دون أن يتعرض للخطر، أما إذا كان الأ نا ضعيفاً فلن يستطيع أن يوفق بين رغبات ( الهو) وبين عالم الواقع، أي أنه لن يستطيع أن يتحكم في الشهوات والنزعات المكبوتة فيعمد إلى إجراء لا شعوري هو ( كبت ) رغبات ( الهو) إذ يعجز عن إشباعها على نحو يتفق مع مطالب الواقع، ومن هنا تنعزل الرغبات المكبوتة في الأعماق اللاشعورية للنفس حيث تعمل على الإنتقام لنفسها، وتتفاعل وتتصارع مع ( الأ نا) ويتكون عن طريق هذا التفاعل وذلك الصراع ما نسميه ( بالعقد النفسية).
ومع الصراع بين ( الأ نا والهو ) ينشب صراع آخر بين ( الأ نا والأ نا الأعلى) وقد سبق القول أن الأ نا الأعلى ينشأ نتيجة إتصال ( الأ نا) بالتعاليم والأديان والنظم والمثل العليا، وأنه ( ذات مثالية ) وأنه رقيب على ( الأ نا) يحاسبه على كل صغيرة وكبيرة، فا لأ نا الأعلى أو كما يسميه علماء النفس أيضاً ( الضمير اللاشعوري) إذا لاحظ شذوذاً في تصرف الأ نا، أو أنه أتى ما ينافي الآداب والأخلاق فإنه يصب عليه التقريع واللوم والعقاب وكثيراً إما أن يوقفه عند حده قبل أن يرتكب هفوته فيحول بينه وبينها، ويصرفه عنها، وكثيراً ما يشتط في أحكامه على ( الأ نا) إذا كان على جانب كبير من القوة، فيظهر عمل ( الأ نا) البريء بمظهر الجرم العظيم.
وهنا تظهر نتائج هذا الصراع النفسي الرهيب في صور شتى.
الصورة الأولى من صور الصراع النفسي – الشعور بالقلق :
ويظهر هذا الشعور في عدم الإستقرار والإرتعاش، وقضم أظافر اليد، وإمتصاص الأصابع، وكثرة الحركة، وكثرة الشكوى، وسرعة الإستثارة.
وليس أدل على صدق هذه الصورة من ذلك الحديث الذي دار بين كاتب كبير وصديقه وقد جاء هذا الحديث كما يلي :
قال :«ماذا ترى في الحياة ؟»
قلت : « كما تراها … »
قال : « لم تجب … »
قلت : « لا أستطيع ان أجيب . أن لكل إنسان فلسفته، منهجه. أترى حياتي هي حياتك ؟ هل تستطيع أن تقيس الأمور بالمقياس الذي أقيسها به ؟»
قال : « إن ثقافتنا واحدة … تعلمنا في معاهد واحدة . عشنا فترة طويلة معاً. ألا ترى هذا كافياً حتى يقرب ما بين مناهجنا في الحياة»
قلت : « ليس كافياً ، لإنني أنا … ولأنك أنت … »
سكت برهة، وأحسست كأنه يسرح بخاطره بعيداً عني …
ثم قال : « ما هي القيم الأخلاقية والإجتماعية والدينية ؟… وأحس أنه أسرف فتوقف لحظة ثم استطرد : وعلى الجملة ما هي القيم التي تحكم الحياة ؟ مم نشأت ؟ من نفوسنا ؟ من المجتمع ؟ من وراثاتنا ؟ من أهوائنا ؟ من تعليمنا ؟ من الأوساط التي عشنا فيها؟»
قلت : « من هذا كله …. »
قال : « اسمع … لقد قمت بتجربة … إنني لا أفهم الحياة، لا أدرك تحديد هدفها ، ومع ذلك فإنني أتحرك فيها بقيود لا حصر لها … قلت في نفسي : لماذا لا أجرب الإنطلاق … الإنطلاق المسعور … لماذا لا أتحلل فترة من الوقت من كل القيود؟
إنني أخاف … أحاذر ، أقلق … أحسب لكل شيء ألف حساب … لا أحب أن أغضب أحداً ، كما لا أحب أن أغضب المجتمع أوالناس … كل هذه الأشياء تخيفني، لأنني أعتقد أن عقابها لا قبل لي على تحمله … أرأيت كيف يعيش الإنسان في خوف من شبح يطارده ويقف في وجهه بالليل والنهار … كذلك كنت أنا … ما هو العلاج حتى تتخلص من هذا الشبح … أن تمسك سكيناً وتغمدها في صدره، لكي تقيس قوتك بقوته، فإما غاصت السكين وتبين أن الشبح خرافة، تهاوى أمامك وإنتهى أمره، وأما عرفت فعلاً إنه أقوى منك وألا سبيل لك عليه …
لست أدري إذا كان تفكيري واضحاً أمامك أم لا … الحب مثلاً شيء جميل، ولكنني لم أحصل عليه، أو حصلت عليه ثم تبين إنه شيء تافه إنه قيمة من القيم الكبرى في الحياة … ماذا لو عبثت به وسخرت منه وبددته وإسترحت من خياله أو من وهمه المقدس … السمعة الحسنة في المجتمع شيء عظيم أيضاً ، وقيد عظيم أيضاً … ماذا لو حطمته، وإستهنت به ومرغته في التراب … ترى ماذا تكون النتيجة؟
إنني إعرفها بالوهم، بالسماع، بالتخيل، بالقراءة، ولكن هذه جميعاً لا تكفي، أريد أن أعرفها بالواقع، بالتجربة الشخصية .
السكر شيء كريه … لم أقرب الخمر ، كنت أهابها، أهرب منها، لأن الأمثلة أمامي كثيرة، ولكن هل من المحتم إن ما حصل لغيري لا بد أن يحصل لي أيضاً … لأجرب بنفسي …. إنني أريد أن أحطم هذا القيد.
خطيئة الجسد شيء خطير جداً، هكذا قرأت وفهمت ووعيت أنها تقف أمامي كالغول، لا بد أن أغمد السيف فيها بنفسي فإما قتلتها وبددتها من طريقي، واندفعت محرراً من هذا القيد وإما عدت إلى تزمتي وآثرت هذا القيد عن فهم ورضا.
هل فهمت ؟ قد تقول إن عقلي إختلط، أو أن ضيقي بالحياة بلغ مداه … إستمع إلى النهاية.
بدأت التجربة … سكرت، لعبت الميسر … عبثت بكل المقدسات التي يدين بها المجتمع، سخرت من الحب والإستقامة والسمعة الحسنة … شعرت أنني حطمت كل القيود وانطلقت … عشت سنة كاملة على هواي أنا … لم أشعر بقيد أبداً، أو بتعبير أدق تحديت كل قيد.
وعند هذا الحد توقف قليلاً … تأملت وجهه فإذا العرق يتصبب منه.
قلت : «هل أنت متعب ؟ »
قال : «كلا ولكنني مضطرب … أنا قلق»
قلت : «مضطرب وقلق … حسبت أن التجربة التي قمت بها منحتك الهدوء الذي تنشده »
قال : « لا تقاطعني … لا تتعجل … لست أحب منك هذه السخرية »
قلت : « سخرية … لم يخطر ببالي »
قال : « أنا أعرفك أكثر من نفسك … إن الإنسان لا يعرف نفسه تماماً … الآخرون يرونها خيراً مما يراها»
قلت : « أنا إذن أعرفك أكثر مما تعرف نفسك»
قال : « ومن أجل هذا تضايقت من ملاحظتك للعرق المتصبب من جبيني»
قلت : « استمر»
قال : « لم أعد في حاجة إلى الإستمرار … ألا ترى للحصان الذي دخل ميدان السباق، وانتهى شوطه، أنا هو !! »
قلت ضاحكاً : « مثل الحصان …»
قال : «ليس عندي استعداد للضحك … قل ما يعجبك …. إنني أتصبب عرقاً، لأنني تعبت من التجربة، كان الشوط طويلاً وأصبحت في حاجة إلى الراحة».
سألته : « راحة من الإنطلاق؟»
أجاب : « نعم راحة من الإنطلاق »
قلت : « أصبحت تحن إلى القيود »
سكت ولم يجب، ولكنني أحسست أسى مراً يطوف بوجهه الأسيف ثم قال « نعم … يالا العجب أن أمرنا في الحياة هكذا … لا الإنطلاق يسعدنا ولا القيود تسعدنا … ولكنني أشعر الآن بفيض كبير من السعادة لأنني تخلصت من تجربتي المجنونة».
هذه صورة صادقة للقلق الناتج عن الصراع النفسي تجسم لنا الإنسان في صراعه بين دوافعه، ومثله العليا، بين رغباته المنحرفة والقيم الدينية والإجتماعية التي تحيط به وترينا في وضوح أن الإنسان إذا سعى إلى التحرر من قيود الدين والمجتمع والمثل العليا فإنه بغير شك سيسقط فريسة للقلق والإضطراب فلا يجد في تحرره سعادة نفسه.
وقديماً حاول ملك حكيم أن يجد السعادة في إشباع دوافعه ونزعاته بلا قيد ولا شرط ولكنه في النهاية وقع فريسة للصراع النفسي، وإتجه في صراعه اتجاهاً تشاؤمياً بدى في ثنايا سفره الجليل المسمى ( سفر الجامعة).
إصغ إلى ذلك الملك وهو يحدثك عن محاولاته للحصول على السعادة عن طريق التحرر من القيود وإشباع كافة الدوافع، إنه يقول “قُلْتُ أَنَا فِي قَلْبِي: هَلُمَّ أَمْتَحِنُكَ بِالْفَرَحِ فَتَرَى خَيْرًا. وَإِذَا هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ” (جا 2 : 1)، ثم يستطرد فيحدثنا عن الوسائل التي اتبعها للحصول على هذا الفرح المنشود.
إنه جرب الضحك :
أجل حاول سليمان الملك أن يجد سعادته في الضحك ولعله جعل شعاره ذلك الشعار المعروف ( إضحك يضحك لك العالم ) لكنه بعد أن ضحك وإهتز من كثرة الضحك أحس بالكآبة الخرساء تخيم على حياته في الداخل فردد قوله المشهور “أَيْضًا فِي الضِّحِكِ يَكْتَئِبُ الْقَلْبُ، وَعَاقِبَةُ الْفَرَحِ حُزْنٌ” (أم 14 : 13) بل زاد على ذلك قائلاً ” اَلْحُزْنُ خَيْرٌ مِنَ الضَّحِكِ، لأَنَّهُ بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ” ( جا 7 : 3) ووصل إلى نتيجته المعروفة “لِلضَّحْكِ قُلْتُ: مَجْنُونٌ وَلِلْفَرَحِ: مَاذَا يَفْعَلُ؟” (جا 2 :2).
إنه جرب الخمر :
الآن إستمع إلى حديثه “اِفْتَكَرْتُ فِي قَلْبِي أَنْ أُعَلِّلَ جَسَدِي بِالْخَمْرِ، وَقَلْبِي يَلْهَجُ بِالْحِكْمَةِ، وَأَنْ آخُذَ بِالْحَمَاقَةِ، حَتَّى أَرَى مَا هُوَ الْخَيْرُ لِبَنِي الْبَشَرِ حَتَّى يَفْعَلُوهُ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ مُدَّةَ أَيَّامِ حَيَاتِهِمْ” (جا 2 :3).
ولكنه بعد أن إرتشف كؤوس الخمر حتى ثمل، أفاق لنفسه وقرر هذا القرار الحكيم “لِمَنِ الْوَيْلُ؟ لِمَنِ الشَّقَاوَةُ؟ لِمَنِ الْمُخَاصَمَاتُ؟ لِمَنِ الْكَرْبُ؟ لِمَنِ الْجُرُوحُ بِلاَ سَبَبٍ؟ لِمَنِ ازْمِهْرَارُ الْعَيْنَيْنِ؟ لِلَّذِينَ يُدْمِنُونَ الْخَمْرَ، الَّذِينَ يَدْخُلُونَ فِي طَلَبِ الشَّرَابِ الْمَمْزُوجِ. لاَ تَنْظُرْ إِلَى الْخَمْرِ إِذَا احْمَرَّتْ حِينَ تُظْهِرُ حِبَابَهَا فِي الْكَأْسِ وَسَاغَتْ مُرَقْرِقَةً. فِي الآخِرِ تَلْسَعُ كَالْحَيَّةِ وَتَلْدَغُ كَالأُفْعُوانِ. عَيْنَاكَ تَنْظُرَانِ الأَجْنَبِيَّاتِ، وَقَلْبُكَ يَنْطِقُ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ. وَتَكُونُ كَمُضْطَجعٍ فِي قَلْبِ الْبَحْرِ، أَوْ كَمُضْطَجعٍ عَلَى رَأْسِ سَارِيَةٍ. يَقُولُ: ضَرَبُونِي وَلَمْ أَتَوَجَّعْ! لَقَدْ لَكَأُونِي وَلَمْ أَعْرِفْ! مَتَى أَسْتَيْقِظُ؟ أَعُودُ أَطْلُبُهَا بَعْدُ!” (أم23 : 29 – 35).
وهكذا قرر الملك فشل الخمر في منحه السعادة المنشودة.
ثم جرب إشباع دافع الإمتلاك
إسمعه وهو يصور لنا محاولته بأسلوبه ” فَعَظَّمْتُ عَمَلِي: بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا، غَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُومًا. عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ، وَغَرَسْتُ فِيهَا أَشْجَارًا مِنْ كُلِّ نَوْعِ ثَمَرٍ. عَمِلْتُ لِنَفْسِي بِرَكَ مِيَاهٍ لِتُسْقَى بِهَا الْمَغَارِسُ الْمُنْبِتَةُ الشَّجَرَ. قَنَيْتُ عَبِيدًا وَجَوَارِيَ، وَكَانَ لِي وُلْدَانُ الْبَيْتِ. وَكَانَتْ لِي أَيْضًا قِنْيَةُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا فِي أُورُشَلِيمَ قَبْلِي. جَمَعْتُ لِنَفْسِي أَيْضًا فِضَّةً وَذَهَبًا وَخُصُوصِيَّاتِ الْمُلُوكِ وَالْبُلْدَانِ. اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ وَتَنَعُّمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ، سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ” (جا 2 : 4 – 8).
فهل شبع الملك الباحث عن السعادة بهذا كله؟ هل أبهجته حدائقة الغناء، وأسعدت قلبه مناظر الجنات التي تجري فيها المياه؟ كلا !
إنه يردد بعد أن قام بكل هذا الجهد العظيم كلماته المليئة بالكآبة والتعاسة “ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ” (جا 2: 11).
ثم إنجرف في طريق الشهوات والملذات الحسية :
لقد أراد أن يجرب الإنطلاق من القيود، أن يمتع نفسه بكل شىء في هذا الوجود عله يجد في ذلك سعادة نفسه … هاهو يحدثنا عن إختباره في الكلمات “جَمَعْتُ لِنَفْسِي أَيْضًا فِضَّةً وَذَهَبًا وَخُصُوصِيَّاتِ الْمُلُوكِ وَالْبُلْدَانِ. اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ وَتَنَعُّمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ، سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ. فَعَظُمْتُ وَازْدَدْتُ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلِي فِي أُورُشَلِيمَ، وَبَقِيَتْ أَيْضًا حِكْمَتِي مَعِي. وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا. لَمْ أَمْنَعْ قَلْبِي مِنْ كُلِّ فَرَحٍ، لأَنَّ قَلْبِي فَرِحَ بِكُلِّ تَعَبِي. وَهذَا كَانَ نَصِيبِي مِنْ كُلِّ تَعَبِي” ( جا 2 : 8 -10).
وتعال لتقرأ معي عن طعام هذا الملك الحكيم ” وَكَانَ طَعَامُ سُلَيْمَانَ لِلْيَوْمِ الْوَاحِدِ: ثَلاَثِينَ كُرَّ سَمِيذٍ، وَسِتِّينَ كُرَّ دَقِيق، وَعَشَرَةَ ثِيرَانٍ مُسَمَّنَةٍ، وَعِشْرِينَ ثَوْرًا مِنَ الْمَرَاعِي، وَمِئَةَ خَرُوفٍ، مَا عَدَا الأَيَائِلَ وَالظِّبَاءَ وَالْيَحَامِيرَ وَالإِوَزَّ الْمُسَمَّنَ” ( 1 مل 4 : 22 ، 23).
فهل تجد في أرضنا إنساناً إستمتع بما إستمتع به سليمان ؟! تعال معي لترى كيف إندهشت ملكة سبأ من نظام بيته ” وَسَمِعَتْ مَلِكَةُ سَبَا بِخَبَرِ سُلَيْمَانَ لِمَجْدِ الرَّبِّ، فَأَتَتْ لِتَمْتَحِنَهُ بِمَسَائِلَ. فَأَتَتْ إِلَى أُورُشَلِيمَ بِمَوْكِبٍ عَظِيمٍ جِدًّا، بِجِمَال حَامِلَةٍ أَطْيَابًا وَذَهَبًا كَثِيرًا جِدًّا وَحِجَارَةً كَرِيمَةً. وَأَتَتْ إِلَى سُلَيْمَانَ وَكَلَّمَتْهُ بِكُلِّ مَا كَانَ بِقَلْبِهَا. فَأَخْبَرَهَا سُلَيْمَانُ بِكُلِّ كَلاَمِهَا. لَمْ يَكُنْ أَمْرٌ مَخْفِيًّا عَنِ الْمَلِكِ لَمْ يُخْبِرْهَا بِهِ. فَلَمَّا رَأَتْ مَلِكَةُ سَبَا كُلَّ حِكْمَةِ سُلَيْمَانَ، وَالْبَيْتَ الَّذِي بَنَاهُ، وَطَعَامَ مَائِدَتِهِ، وَمَجْلِسَ عَبِيدِهِ، وَمَوْقِفَ خُدَّامِهِ وَمَلاَبِسَهُمْ، وَسُقَاتَهُ، وَمُحْرَقَاتِهِ الَّتِي كَانَ يُصْعِدُهَا فِي بَيْتِ الرَّبِّ، لَمْ يَبْقَ فِيهَا رُوحٌ بَعْدُ. فَقَالَتْ لِلْمَلِكِ: صَحِيحًا كَانَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْتُهُ فِي أَرْضِي عَنْ أُمُورِكَ وَعَنْ حِكْمَتِكَ. وَلَمْ أُصَدِّقِ الأَخْبَارَ حَتَّى جِئْتُ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ، فَهُوَذَا النِّصْفُ لَمْ أُخْبَرْ بِهِ. زِدْتَ حِكْمَةً وَصَلاَحًا عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي سَمِعْتُهُ” ( 1 مل 10 : 1 – 7).
لقد عاش سليمان في رفاهية لا نظير لها، ولم يمنع نفسه من الإستمتاع بكل ما تقع عليه عيناه “وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ” (1 مل 11 :3).
ولكن إنطلاقة هذا الرجل، أوجدت في نفسه صراعاً نفسياً دفعه إلى النزعة التشاؤمية التي نلمسها بصورة واضحة في سفر الجامعة وها هو يسجل قراره الأخير بعد أن إختبر كل ما في الحياة في الكلمات ” ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ … فَكَرِهْتُ كُلَّ تَعَبِي الَّذِي تَعِبْتُ فِيهِ تَحْتَ الشَّمْسِ حَيْثُ أَتْرُكُهُ لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدِي” ( جا 2 : 11 ، 18).
وحتى بعد أن جرب طريق العلم والفلسفة ظل على تشاؤمه ومرارة قلبه فكتب يقول ” أَنَا نَاجَيْتُ قَلْبِي قَائِلًا: هَا أَنَا قَدْ عَظُمْتُ وَازْدَدْتُ حِكْمَةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مَنْ كَانَ قَبْلِي عَلَى أُورُشَلِيمَ، وَقَدْ رَأَى قَلْبِي كَثِيرًا مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ. وَوَجَّهْتُ قَلْبِي لِمَعْرِفَةِ الْحِكْمَةِ وَلِمَعْرِفَةِ الْحَمَاقَةِ وَالْجَهْلِ، فَعَرَفْتُ أَنَّ هذَا أَيْضًا قَبْضُ الرِّيحِ. لأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْحِكْمَةِ كَثْرَةُ الْغَمِّ، وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا” (جا 1 : 16 – 18).
وهكذا يظهر التشاؤم، ونغمة الحزن والكآبة في حديث رجل وقع تحت سيطرة صراع نفسي، ولولا حكمة الله التي معه، ولولا مواعيد الله له، ولولا أن الله جعله مثلاً على الزمن لمن يريد أن يختبر الحياة لتحطمت حياته وضاع في معركته مع نفسه.
الصورة الثانية من صور الصراع النفسي – العدوان:
وهذه الحالة تُصاحب حالات القلق الشديد إذ تبدو رغبة الفرد في القيام بسلوك عدواني يأخذ أشكالاً مختلفة من تخريب وإتلاف وإعتداء بالأيدي والأقدام، وقد يعتدي الفرد على مصدر الإحباط كما يضرب الطفل زميله الذي سرق لعبته، أو يتحول العدوان إلى شىء آخر أو شخص آخر لا صلة له بمصدر الإحباط، كما يعتدي الزوج على زوجته لأن رئيسه في العمل قد آذاه واستبد به مع أن الزوجة المسكينة لا دخل لها في هذا الإيذاء.
وفي حياة ( لورد بايرون) الشاعر الإنجليزي الماجن، نرى صورة للصراع النفسي الفظيع الذي كان يتأجج في جوانب نفسه وكيف أن هذا الصراع دفعه إلى الإساءة إلى زوجته اللطيفة الجميلة المتدينة لا لسبب إلا لأنه كان يرى في وجهها الملائكي البرىء ما يذكره بآثامه وشروره ومعاصيه.
كان ( بايرون) آية من آيات الجمال، شعره الذهبي الصقيل ينهدل في خصلات متموجة فوق جبينه، وعيناه الرماديتان تتحركان بين أهداب طويلة غزيرة، شفتاه قرمزيتان، وأنفه دقيق حاد، لكنه ولد بقدم معوجة كان لها أكبر الأثر في حياته كلها، ونشأ عن تلك العاهة عرج ملحوظ في سيره.
ولم تغدق الأم على ذلك الإبن المسكين عطفها ورعايتها، بل دفعتها ظروفها الصعبة إلى أن تكون حياتها سلسلة غضبات جنونية تتعالى خلالها صرخات يسمعها السائرون في الطريق. ثم يتبع ذلك تحطيم الصحون وتمزيق الثياب، وذاق بايرون الصغير الأمرَّ ين، وتفتحت عيناه على مشاجرات حامية الوطيس، وبدل قبلات الأم الناعمة قاسى الكلمات الخشنة الموجعة.
ومنذ طفولته إنصب في أذنيه سيل الإهانات الجارحة التي تكمن في القلوب فلا تستطيع الأيام محوها.
وكبر بايرون، وكتب ديواناً من الشعر أقبل الناس على قراءته، واشتروا مئات النسخ منه. وتألق إسمه فجأة في سماء الشهرة وأصبح لورد بايرون موضوع حديث الناس وسعى الكل إلى معرفته، وفتحت أبواب القصور أمامه، وخضعت النساء لسحر جماله، فقال جملته المأثورة « استيقظت ذات صباح فوجدت نفسي شهيراً».
ولكن الشهرة، وما سبقها من نقد وجه إلى شخصه من أحد الصحفيين، وغير ذلك من الظروف الصعبة التي أحاطت به جعلته يصبح إنساناً قاسي القلب، ميت العاطفة والإحساس.
ثم جاءت قصة زواجه من ( أنا بيلا ميلبانكي ) الإبنة الوحيدة لسير والف ميلبانكي شقيق ليدي ملبورن، وقد نشأت هذه الفتاة بين أيد قوية حكيمة فنالت قسطاً عظيماً من الثقافة، وتشبعت بالمبادىء المسيحية السامية، واشتهرت بين الناس بالتقوى والحكمة والهدوء، هذا مع جمال آخاذ وهبها الله إياه.
وهكذا تبدأ قصة هذا الزواج.
في اليوم الخامس والعشرين من شهر مارس 1812، حضرت أنا بيلا حفلة راقصة في بيت قريبة لها تدعي (كارولين ) كانت على صلة آثمة بالشاعر بايرون، ووجدت ( أنا بيلا ) أن الجو الذي يسود المكان لا يناسب خلقها الهادىء، ولا يتفق مع تدينها، فجلست عن كثب ترقب الجميع.
وفجاة دخل بايرون فأحاطت به السيدات وتهافتن على خطب ودّه والتقرب إليه، فلما جاء دور أنا بيلا رفضت التعارف به خشية أن تنضم إلى زمرة المعجبات …
ثم حدث أن قابلته بعد بضعة أيام فوجدته خجولاً ، وتبادلا الحديث، فكان أول ما قاله أن أبدى دهشته الشديدة من أن تقبل ( أنا بيلا) الإتصال بمجتمع كهذا ( لا يقوى فرد فيه على مواجهة ضميره أو مناقشته الحساب ) ولم تمض دقائق قليلة حتى فتح لها قلبه، وحدثها بآلامه، وبكراهيته لمثل هذه المجتمعات، وحبه للهدوء والوحدة.
وأعجبها حديثه وتبينت فيه شخصاً آخر يختلف تمام الإختلاف عما سمعته من قبل، وإنتهى الأمر عند هذا الحد، وعادت ( أنا بيلا ) إلى الريف الوديع لتستأنف حياتها الساكنة، ولكنها لم تنسه. فلما كتبت بضع قصائد صغيرة أرسلتها إلى قريبتها ( كارولين) وطلبت منها أن تستطلع رأي الشاعر الجميل فيما نظمته وكانت إجابة بايرون ( إن أنا بيلا فتاة ممتازة، فمن كان يظن أن مظهرها الهادىء يخفي قوة كهذه، وتنوعاً في التفكير، ولكني لا أريد أن أستزيد من معرفتها، فهي أسمى من أن تتصل بشخص ضال مثلي، ولو كانت أقل كمالاً مما هي عليه لأعجبتني كثيراً ).
ومرت الأيام … وفكر بايرون في الزواج لكي يضع حداً لعلاقته الآثمة ( بكارولين ) وطلب يد (أنا بيلا ) التي رفضت في أول الأمر محكمة عقلها لما كانت تسمعه عن آثامه، ثم خُيل إليها أنها وصلت إلى موطن الداء في ذلك الشاعر الآثم الفاجر، وعزت أخطاءه جميعاً إلى سوء تربيته الأولى، وأقنعت نفسها أن شروره ما هي إلا قشرة زائفة تخفي تحتها صفات نبيلة طيبة، وأن بايرون ليس سوى ملاك ضل السبيل وعليها أن تنقذه من ضلاله فترد إليه إيمانه بقوة تقواها، وتشفي جروح قلبه بحبها، أو تزيل عنه بإخلاصها تلك القشرة التي كونتها الأيام السوداء ، وبدافع أملها الخادع بدأت تراسله فإرتفعت الكلفة بينهما، فتقدم ثانية إليها وفي هذه المرة قبلت الزواج منه دون تردد .
ولكن الشاعر الماجن أساء إلى عروسه الطيبة المتدينة من أول لحظة، وبدت مشاعره العدوانية تظهر حين ركبا العربة التي سارت بهما إلى رحلة شهر العسل، فما كانت العربة تسير حتى انفجر بايرون ضاحكاً وقال لعروسه في سخرية لاذعة!
«لقد ذهبت ضحية خيالك وأوهامك! أتظنين وأنتِ على هذا الذكاء أن في إستطاعة إمرأة أن تصلحني ؟ يكفي أن تكوني زوجتي لأكرهك، ولو كنتِ زوجة رجل آخر لأعجبتني أكثر !، ثم تمهل قليلاً واستطرد ستعرفين إنكِ إقترنتيِ بشيطان مريد».
ونزلت أقواله على قلبها الحار نزول الصقيع، وتحطمت كبرياؤها، ومرت أيام شهر العسل في مرارة قاسية، وخيم على العروسين حزن وإكتئاب، ورأت من أخلاق زوجها عجباً ، تارة يثور فيصب على رأسها جام غضبه، وتارة أخرى يهدأ فيعطف عليها ويطلب منها الصفح والغفران، وما تكاد تسعد بعطفه لحظة حتى ينقلب وحشاً كاسراً، وفي خلال غضباته يحدثها بأمور جديدة عليها فيرتعد قلبها المؤمن الطاهر من مجرد سماعها، ويرى بعينه الثاقبة مظاهر إيمانها، فيثور ويحاول أن يحطمه، وفي المساء يجلس معها الساعات الطوال، يقنعها بوجهة نظره في الأديان، ويردد على أسماعها ما تلقاه في اسكتلندا على يد باترسون وماي جراي.
ودخلت الشكوك إلى قلب أنا بيلا، في أن هناك علاقة محرمة بين بايرون وبين أخته أوجستا، فقد كان بايرون يدافع عن العلاقة المحرمة بكل قواه، وفي الليل كانت أنا بيلا ترى من أحواله عجباً، فالهواجس تطارد نومه، والأرق يلازمه، فينهض من فراشه، ليتفقد سلاحه وخنجره ، ثم يجول في البيت وحيداً، ليعود إليها عند مطلع الفجر.
وتملك أنا بيلا الرعب الشديد، فإنكبت على الكتاب المقدس تقرأه كل ليلة لتُعيد آياته هدوء قلبها المفقود.
ونزلا في لندن، وسكنا في بيت أنيق في شارع بيكاديللي وتطلبت الحياة الجديدة، نفقات كثيرة، فتراكمت على بايرون الديون، وإشترى بايررون نصيباً في مسرح (دروري لين) وبذلك دخل عضواً في مجلس إدارته.
ومهد له المركز الجديد فرصة الإتصال بالممثلات، فإنغمس في الملاذ مرة أخرى ليهرب من شبح الخطيئة الذي يطارده دائماً. وعندما يعود من سهراته كل ليلة ويرى وجه أنا بيلا يمتلىء بالتقوى، والصبر، والحزن، يتحرك ضميره من مرقده، فيثور على نفسه، ويصب جام غضبه على رأس من تُحرك ذلك الضمير في هدوء وسكون، على زوجته الطيبة أنا بيلا.
وهكذا يدفعه الصراع النفسي الذي يدور داخله إلى هذا التصرف القاسي الشاذ ….. وكم من زوجات بريئات عفيفات طاهرات يتألمن من معاملة أزواجهن القاسية الفظيعة لا لسبب إلا لأن وجوههن المليئة بالطهارة، وتصرفاتهن الخالية من اللوم تُثير صراعاً نفسياً رهيباً في نفوس أزواجهن، فيدفعهم هذا الصراع إلى العدوان الرهيب على زوجاتهم المخلصات، لأنهم لا يعرفون كيف يوفقون بين ضرورة الإخلاص لزوجاتهم وبين رغباتهم الشريرة الفاسدة.
الصورة الثالثة من صور الصراع النفسي – الإستكانة :
إن الإحباط الذي يستجيب له أغلب الناس بالعدوان قد يؤدي ببعض الأفراد إلى نوع من الجمود والبلادة وعدم الإكتراث وإنعدام النشاط، وعدم الإنتباه، إذ يجد المرء أن المقاومة لا تجدي فيعمد إلى الإنسلاخ من الموقف وإصطناع نوع من الغباء بدلاً من الإلتجاء إلى الغضب والمهاجمة.
ويدل الجمود والبلادة على أن الفرد قد تمكن من ضبط ميوله العدوانية ولكن هذا لا يعني ان الرغبة العدائية المستترة قد إنعدمت أو تلاشت.
الصورة الرابعة من صور الصراع النفسي – الإلتجاء إلى عالم الخيال والأوهام:
يلجأ الفرد إلى عالم الخيال والأوهام إذا تكاثرت عليه المشاكل فيبدأ في البحث عن مهرب منها في عالم الخيال والوهم لا في عالم الحقيقة الذي فشل فيه، وليس هذا النوع من السلوك قاصراً على الأطفال، فإن صور الممثلات الجميلات المعلقة على جدران المعسكرات لأظهر دليل على أن الجنود عز عليهم إشباع رغباتهم في عالم الحقيقة فراحوا يلتمسون ذلك في عالم الخيال.
كذلك أجريت تجارب على نفس المجموعة من الجنود وقت كان يطبق عليهم نظام تغذية المجاعات فتبين أنهم فقدوا إهتمامهم بالنساء أو أنهم عمدوا إلى صور الأغذية الشهية المطهية ينتزعونها من المجلات ويعلقونها على الجدران.
إن الصراع النفسي هو سبب قوي من أسباب الأمراض النفسية والعصبية التي تُصيب الكثيرين.
هذا يأتي بنا إلى سبب ثالث من أسباب الأمراض النفسية وهو الإحساس بالخطيئة :
ينشأ الشعور بالذنب من التربية الخاطئة المبنية على غير قواعد الشرف والصحة، والتي أساسها ( التخويف) المجرد عن الإقناع، والنتيجة الحتمية للتربية الخاطئة هي أن يسلك الشاب سلوكاً مقلوباً وطرقاً ملتوية في إشباع الغريزة الجنسية، أو يرتكب خطية النجاسة في السر، أو ينجرف مع العادة السرية التي تستنزف الكثير من قواه، ثم يستيقظ ضميره ليصليه بنار اللوم والتأنيب، ويقوى هذا الندم فيه ويكون عنده ما يسمى ( بالإحساس بالخطيئة) أو (الشعور بالذنب) وهذا الشعور من شأنه أن يقتل روح الفرد، ويهدم كيانه ويصيبه بالإنهيار العصبي.
ويقول ( و . ج . مكبريد ) مؤلف كتاب ( الخوف ) :
« إن الشعور الخفي بالذنب هو سبب الهم، وما يشبهه من حالات التبرم، أو المخاوف اللاإرادية، والمرء الذي تثقل ضميره بالذنوب يعيش في حالة متصلة من الحيرة والقلق .
والإحساس بالذنب قد يكون شعورياً، وقد يكون لا شعورياً، فقد ينشأ عن عمل شرير إجرامي يكون الفرد شديد التنبه له، وهذا التنبه المباشر هو الذي يجعله خائفاً من ضميره ومن القانون على السواء.
ومن الناحية الأخرى قد يكون الإحساس بالخطيئة إحساساً لا شعورياً غامضاً توجد جذوره في عمل محرم من أعمال الطفولة يكون قد كون في العقل الباطن عقدة الشعور بالذنب.
وعقدة الشعور بالذنب تخلق في الإنسان إحساساً بالتوتر والصراع، والتنافر، والذلة أمام الآخرين في أغلب الأحيان».
ولقد قص علينا العلامة شتيكل في مؤلفه ( فن العلاج النفسي التحليلي) حالة مريض كان سر مرضه نزعة لا شعورية يكنها المريض في قرارة نفسه تدور حول قتل زوجته، وتتلخص الحالة فيما يلي:
«المريض رجل يبلغ من العمر 45 عاماً يشكو من نوبات ربو ثقيلة الوطأة، قَدِمَ إلى ( فينا ) ليعرض نفسه خصيصاً على الأستاذ شتيكل، وعلى أثر وصوله لفينا، إنتابته نوبة ربو قاسية حال نزوله بالفندق، فإستدعى شتيكل ليعوده في غرفته، فلما ذهب إليه وجده يعاني حشرجة نوبة ربو شديدة كادت تزهق أنفاسه، وبمجرد أن رأى المريض شتيكل طلب منه أن يحضر له إسطوانة غاز الأكسجين لمساعدته على التنفس ولكن شتيكل أفهمه أنه لا حاجة له بها إذ لا خطر على حياته البتة من هذه النوبات وكل ما هو مطلوب منه في الوقت الحاضر أن يجعل حركات التنفس من شهيق وزفير هادئة منظمة، ثم أخذ شتيكل يتنفس أمامه ليضرب له المثل طالباً منه أن يقتدي به ويقلده، وأفهمه أنه بذلك ستنفرج أزمته ويصبح تنفسه مريحاً لدجة محسوسة تمكنه من الحضور بلا عناء إلى عيادته في اليوم التالي، فأجابه المريض بأن ذلك من رابع المستحيلات لأن نوبات الربو التي اعتادت أن تنتابه تمكث لديه مدة طويلة لا تقل عن أربعة أيام، ولكن شتيكل أصر على وجوب حضوره إليه إذ ليس من عادته أن يزور المرضى في منازلهم.
وأكد له أن نوبة الربو في هذه المرة لن تمكث لديه أكثر من يوم واحد، وأنه لن يجد حاجة إلى إستدعاء طبيب أو لأخذ حقنة ضد الربو ، وكل ما هو مطلوب منه هو أن يكون هادىء البال حتى تمر النوبة بسلام .
وقال العلامة شتيكل : «وقد لاحظت على وجه المريض إمارات الإستغراب والتشكك في صدق ما أقول ولكن على الرغم من ذلك فإنه إستطاع الحضور إلى عيادتي، وكانت حالته على خير ما يرام، ولا عيب في تنفسه إلا مجرد أزيز خفيف لم يعقه عن الكلام» .
فقصّ على شتيكل تاريخ مرضه ومختلف العلاجات الطبية التي جربها بلا جدوى. وإستمرت عمليات التحليل النفسي ثلاثة أيام، كان المريض خلالها يعاني كابوس أحلام ثقيلة الوطأة، فكان يرى نفسه في الرؤيا كمن يحمل أثقالاً أو صندوقاً ضخماً يحاول أن يصعد به جبلاً ، أو يحاول أن يدرك قطاراً وهو مثقل بالأحمال والأمتعة الكبيرة فيفوته القطار، وهكذا.
وبالجملة فإن أحلامه كانت تدور حول عبء ثقيل يحمله مما يدل على أنه يُعاني في قرارة نفسه شعوراً قوياً بإثم أو جرم أثقل كاهله.
وقد ظلت عملية التحليل بضعة أيام في ركود حيث كانت خواطر المريض وذكرياته في نضوب تام، فتحمل الأستاذ شتيكل الموقف السلبي من جانب المريض ولكن إلى حين وفي النهاية صارح مريضه بأنه إن لم يفتح مغاليق قلبه ويبوح له بما يضمره في نفسه من أسرار ، فإنه سيضطر إلى نبذ حالته والتنحي عن معالجته، وأكد له المريض أنه ذكر له كل ما لديه دون أن يخفي عنه شيئاً .
ولكن شتيكل بين له أنه لا يصدقه، وعندئذ بدت على المريض دلائل التأثر النفسي والإنفعال، ثم أخذ يجهش بالبكاء وإستمر يبكي بمرارة نحو نصف ساعة، حتى قارب أن يحل الموعد المضروب للزائر التالي الذي كان منتظراً دوره في غرفة الإستقبال ، ولكن العلامة شتيكل رأى أن لا يضيع هذه الفرصة السانحة وأرسل لذلك الزائر يعتذر عن مقابلته لإنشغاله بحالة هامة طارئة وضرب له موعداً آخر.
وقال شتيكل تعليقاً على هذا التصرف من جانبه « أن من الخطأ البين أن يدع المحلل مثل هذه الفرصة الفذة تفلت من بين يديه، فيصرف المريض من أمامه لمجرد إنقضاء ميعاد جلسته وهو على حافة الإعتراف، على أن يعود في فرصة أخرى يحتمل معها أن يتغير فيها موقفه، ففي مثل هذه الحالات المستعجلة يتعين على المحلل النفسي أن يكون صديقاً ومنقذاً للمريض فيقدر أهمية الأزمة النفسية التي يجتازها حق قدرها ولو ضحى في سبيل ذلك بشىء من وقت بعض المرضى ممن هم أقل حاجة وإضطراراً إلى عملية الإنقاذ من تلك الحالة الفذة المستعجلة التي تحت يده والتي يخشى عليها من فوات الوقت» .
ثم استطرد العلامة شتيكل يقول « أن المحلل المحنك يعرف بفضل طول خبرته أن أغلب المرضى النفسيين يرجئون أهم إعترافاتهم وأخطرها شأناً إلى اللحظات الأخيرة عندما يقترب موعد إنصرافهم».
فلما انقشعت نوبة البكاء أخذ المريض يفيض في ذكر متاعبه وآلامه النفسية، ويكشف لمحلله القناع عن ذلك السر الرهيب الذي يطويه في صدره، وهو يتلخص في أنه متزوج للمرة الثانية، وأن زوجته الحالية هي أخت زوجته الأولى المتوفاة، وكانت له بها علاقات غرامية حال حياة زوجته السابقة وقد أصيبت هذه الزوجة قبل وفاتها بنوبة إلتهاب رئوي حاد ظلت معها خمسة أيام وقد إرتفعت حرارتها خلالها إرتفاعاً كبيراً، مع عسر شديد في التنفس دعا إلى استخدام غاز الأوكسجين، فكان عليه أن يقوم بإعطائها أنبوبة الأوكسجين في فمها، وفي فترة من الفترات خطر بباله أن زوجته لو توفيت فإنه يصبح في حل من التزوج بأختها الصغرى التي تعلق قلبه بها، وبينما هذا الخاطر يجول برأسه، عرته هزة اضطراب نفسي إرتبكت معها يده الممسكة بجهاز غاز الأوكسجين فلم تحكم إستخدامه مما أدى إلى إفلات الغاز وتسربه إلى الخارج حتى نضبت الإسطوانة دون أن تستنشق زوجته منه قطرة واحدة، ولما تبين ما صنعت يده خرج مهرولاً قاصداً الذهاب إلى الصيدلية ليُحضر إسطوانة أخرى، ولكنه عوضاً عن ذلك وجد نفسه قد ذهب إلى منزل الطبيب الذي جاء حضوره بعد فوات الأوان حيث كانت زوجته في دور الإحتضار.
وأول نوبة ربو إنتابته كانت في ذكرى مرور العام الأول على وفاة زوجته، فلما عرض نفسه على الطبيب عزا النوبة إلى فعل البرد، لأنه قضى في ذلك اليوم ساعات طويلة في البكاء على قبر زوجته في طقس شديد البرودة.
هذه هي حكاية المريض التي كانت جائمة على صدره كالكابوس الثقيل، وقد كشف التحليل عن تقمصه في شخص زوجته المتوفاة إلى درجة أنه أحضر بمنزله جهازاً للأوكسجين المضغوط ليستعمله كلما انتابته نوبات الربو.
وعلى أثر إعترافه المتقدم وإفصاحه عن السر الدفين الذي كان مصراً على كتمانه، وتحطيم المقاومة التي كان يُبديها في بدء العلاج، أصبحت طريق التحليل سهلة واضحة.
ولا يغرب عن البال أنه قل أن تخلو حالة من حالات المرض النفسي من عنصر المقاومة القائمة على تعمد الكتمان، وأن نجاح العلاج يتوقف على النجاح في رفع حواجز المقاومة وإقناع المريض بالكلام والإعراب عما يكنه في صدره من الأسرار.
وفي السجل المقدس نجد صورة للإحساس بالخطيئة، في المزمور السادس، إذ نجد هناك تصويراً رائعاً لحالة داود وهو يحس بإثمه، ويشعر بثق جريمته، فيقول وكأنه ينطق بمرثاة أليمة “يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ. ارْحَمْنِي يَا رَبُّ لأَنِّي ضَعِيفٌ. اشْفِنِي يَا رَبُّ لأَنَّ عِظَامِي قَدْ رَجَفَتْ، وَنَفْسِي قَدِ ارْتَاعَتْ جِدًّا. وَأَنْتَ يَا رَبُّ، فَحَتَّى مَتَى؟ عُدْ يَا رَبُّ. نَجِّ نَفْسِي. خَلِّصْنِي مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ. لأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَوْتِ ذِكْرُكَ. فِي الْهَاوِيَةِ مَنْ يَحْمَدُكَ؟ تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي. سَاخَتْ مِنَ الْغَمِّ عَيْنِي. شَاخَتْ مِنْ كُلِّ مُضَايِقِيَّ” (مز 6 : 1 -7).
وأي تصوير أقوى وأكثر تأثيراً من هذا التصوير، لإنسان أثقله الإحساس بخطيته، وملأه الخوف من تأديب الله الشديد له، فتوسل إليه أن لا يوبخه بغضبه ولا يؤدبه بغيظه، وزاد إحساسه بجرمه فإنتقل من دائرة نفسه إلى دائرة جسده فإرتجفت عظامه، ثم ملأ الخوف نفسه من جديد حتى ردد كلماته الحزينة “وَنَفْسِي قَدِ ارْتَاعَتْ جِدًّا. وَأَنْتَ يَا رَبُّ، فَحَتَّى مَتَى؟ عُدْ يَا رَبُّ. نَجِّ نَفْسِي. خَلِّصْنِي مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ. لأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَوْتِ ذِكْرُكَ. فِي الْهَاوِيَةِ مَنْ يَحْمَدُكَ؟ تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي. سَاخَتْ مِنَ الْغَمِّ عَيْنِي. شَاخَتْ مِنْ كُلِّ مُضَايِقِيَّ”
وفي المزمور الثاني والثلاثين نرى تأثير الإحساس بالخطيئة في كلمات داود حين يقول “طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً، وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ. لَمَّا سَكَتُّ بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي الْيَوْمَ كُلَّهُ، لأَنَّ يَدَكَ ثَقُلَتْ عَلَيَّ نَهَارًا وَلَيْلًا. تَحَوَّلَتْ رُطُوبَتِي إِلَى يُبُوسَةِ الْقَيْظِ.. أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي” (مز 32 : 1 -5).
والآيات الرائعة تُرينا إنساناً سيطر عليه الإحساس بالخطيئة، يحس الألم في عظامه مع أن الألم الحقيقي في نفسه، ويحس اليبوسة في حلقه، مع أن الجفاف الحقيقي في قلبه، إنه يبدو مجهداً، مريضاً ، قلقاً ، متعباً ، خائفاً …. لأنه يشعر بثقل خطيته، وعظم إثمه، ولا يجد راحة من هذه الحالة المريرة إلا بالإعتراف لإلهه وها هو يناجيه ويناديه “أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: «أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي» وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي”.
وفي المزمور الثامن والثلاثين يعود داود فيصور لنا صورة أخرى للإحساس بالذنب إذ يكتب قائلاً ” يَا رَبُّ، لاَ تُوَبِّخْنِي بِسَخَطِكَ، وَلاَ تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ، لأَنَّ سِهَامَكَ قَدِ انْتَشَبَتْ فِيَّ، وَنَزَلَتْ عَلَيَّ يَدُكَ. لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي. لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي. كَحِمْل ثَقِيل أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ. قَدْ أَنْتَنَتْ، قَاحَتْ حُبُرُ ضَرْبِي مِنْ جِهَةِ حَمَاقَتِي. لَوِيتُ. انْحَنَيْتُ إِلَى الْغَايَةِ. الْيَوْمَ كُلَّهُ ذَهَبْتُ حَزِينًا. لأَنَّ خَاصِرَتَيَّ قَدِ امْتَلأَتَا احْتِرَاقًا، وَلَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ. خَدِرْتُ وَانْسَحَقْتُ إِلَى الْغَايَةِ. كُنْتُ أَئِنُّ مِنْ زَفِيرِ قَلْبِي” (مز 38 : 1 -8).
فيالرهبة وفظاعة الشعور بالإثم حين يسيطر على الفرد ، فلا يعرف الطريق الصحيح للغفران، هذا الطريق الذي رسمته المسيحية بحروف من الدم القاني الذي سكبه المسيح المجيد على صليب الجلجثة وقال فيه رسول الأمم بعد أن إختبر قوته “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” ( أف 1 :7).
إنه طريق سهل واضح يبدأ بالإعتراف لله بالخطية كما يقول يوحنا الرسول “إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا. إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ” ( 1 يو 1 : 8 – 9).
ففي الإعتراف الشخصي لله راحة القلب المتعب، فهو ( أمين ) لا يفشي أسرار من يعترف له، وهو بكل يقين أفضل من أي محلل نفسي لأنه ” أَفَلاَ يَفْحَصُ اللهُ عَنْ هذَا؟ لأَنَّهُ هُوَ يَعْرِفُ خَفِيَّاتِ الْقَلْبِ” ( مز 44 : 21).
وقد قال عنه موسى “قَدْ جَعَلْتَ آثامَنَا أَمَامَكَ، خَفِيَّاتِنَا فِي ضَوْءِ وَجْهِكَ” ( مز 90 : 8) وهو مع هذا كله عادل أخذ عقاب خطايانا في صليب المسيح … وإن اعترفنا له بخطايانا يُريحنا من عذاب الإحساس بها، ويغفرها لنا، ويطهرنا من كل إثم.
لذلك قال صاحب الأمثال “مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ” ( أم 28 : 13).
فهل اختبرت أيها المتعب المثقل في صراعك النفسي المرير قوة الدم الغافرة، المطهرة، المحررة؟
وهل ترغب من قلبك أن تعرف طريق النصرة الواضح الصحيح.
هيا إلى شخص الفادي المحب الحنون الكريم، واسمعه وهو يناديك، وينادي أمثالك من المتعبين المثقلين “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت 11 : 28).
واستمع إلى ذلك المرنم وهو يردد كلماته الحلوة في أذنيك
هل أتعبتك أثقال الآثام ………. سلم قلبك للمسيح
هل إبتغيت حياة السلام ……… سلم قلبك للمسيح
هيا إنزع الشك الآن ………… وإقبله بلا توان
فتنعم بالغفران ………… سلم قلبك للمسيح
…………………..
الفصل الثالث
المسيحية والصراع النفسي
تتفق المسيحية في مفهومها الصحيح مع علم النفس الحديث إتفاقاً يكاد يكون شاملاً .
وفي مقدورنا أن نسمي أجزاء (الجهاز النفسي) بالأسماء التي وردت في الكتاب المقدس لنرى مدى انطباق علم النفس والكتاب المقدس.
(فا لأنا ) وهو الجانب النفسي الذي يواجه العالم الخارجي ويتأثر به تأثراً مباشراً هو ( العقل الواعي) وقد جاء ذكره في الكتاب المقدس مراراً عديدة، فقال صاحب الأمثال ” إِذَا دَخَلَتِ الْحِكْمَةُ قَلْبَكَ، وَلَذَّتِ الْمَعْرِفَةُ لِنَفْسِكَ، فَالْعَقْلُ يَحْفَظُكَ، وَالْفَهْمُ يَنْصُرُكَ، لإِنْقَاذِكَ مِنْ طَرِيقِ الشِّرِّيرِ، وَمِنَ الإِنْسَانِ الْمُتَكَلِّمِ بِالأَكَاذِيبِ” (أم 2 : 10 -12).
وقال في موضع آخر “أَمَّا الزَّانِي بِامْرَأَةٍ فَعَدِيمُ الْعَقْلِ. الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ هُوَ يَفْعَلُهُ. ضَرْبًا وَخِزْيًا يَجِدُ، وَعَارُهُ لاَ يُمْحَى” ( أم 6 : 32 ، 33).
وقال في موضع ثالث “خِزَامَةُ ذَهَبٍ فِي فِنْطِيسَةِ خِنْزِيرَةٍ الْمَرْأَةُ الْجَمِيلَةُ الْعَدِيمَةُ الْعَقْلِ” (أم 11 : 22).
(و الهو ) وهو الذات السفلى الذي لا يهتم بمقتضيات الواقع ولا يتحكم في توجيهه إلا مبدأ اللذة، وهو الجزء الفطري الموروث بما فيه من دوافع فطرية في صورته الهمجية، يسميه الكتاب المقدس (الإنسان العتيق الفاسد) ونحن نقرأ عنه في مواضع كثيرة من كلمة الله إذ يقول بولس الرسول للمؤمنين في أفسس “أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ، وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ” (أف 4 : 22 – 24).
ويكتب للقديسين في كولوسي الكلمات ” لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ” ( كو 3 : 9 ، 10).
وينادي الأحباء في رومية قائلاً “عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ” (رو 6 : 6).
وكما يطلق الكتاب المقدس على ( الهو ) إسم (الإنسان العتيق) كذلك يسميه الجسد، فيقول بولس الرسول “وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ” (غلا 5: 24).
وكلمة ( الجسد) المذكورة في هذه الآية لا تعني ( اللحم والدم ) إذ أن الجسد بهذا المعنى هو هيكل للروح القدس الذي يسكن في المؤمنين بالمسيح كما يقول الرسول الجليل “أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيِ للهِ” (1 كو 6 : 19 -20).
إذن ( فالجسد ) الذي تعنيه هو الميول والرغبات الفاسدة التي استقرت في اللاشعور، والتي ورثناها عن آدم الأول رأس البشرية الساقط، والتي وصفها رسول الأمم في رسالته إلى أهل غلاطية قائلاً “وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً، عَهَارَةٌ، نَجَاسَةٌ، دَعَارَةٌ، عِبَادَةُ الأَوْثَانِ، سِحْرٌ، عَدَاوَةٌ، خِصَامٌ، غَيْرَةٌ، سَخَطٌ، تَحَزُّبٌ، شِقَاقٌ، بِدْعَةٌ، حَسَدٌ، قَتْلٌ، سُكْرٌ، بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ” (غلا 5 : 19 -21).
عن هذا ( الجسد) الفاسد، الذي يشبه الحجرة المظلمة الممتلئة بالحشرات يقول الرسول للأحباء في رومية “لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ. فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ، فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ. وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ” (رو 8 : 6 -11).
ويتفق هذا الكلام مع الوصف العلمي ( للهو ) فالهو لا يتجه وفق المبادىء الخلقية، وإنما يسير على قاعدة تحقيق اللذة، غير متقيد بقيود منطقية.
وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن عقيدة المعصية الأولى أو الخطيئة الوراثية هي عقيدة صحيحة تتفق مع أسس على النفس الحديث كما تتفق مع تعاليم الكتاب المقدس، والذي لا يؤمن بحقيقة وراثة الخطية لا يستطيع أن يدرك كنه النفس البشرية، ذلك لأن الإعتقاد بوراثة الخطية هو التعليل الوحيد الذي نراه معقولاً لإنتشار الخطية في العالم والميل العام إلى الإنحراف عن الطريق القويم، هذا الميل الموجود في قلب كل إنسان.
منذ وقت ليس ببعيد تصدى أحد الكُتاب لعقيدة المعصية الأولى فكتب يقول « أما الإنسان فوقف بعد اليهودية والمسيحية موقفاً لا يحسد عليه كثيراً بسبب ما التصق به من وزر أبيه الأول آدم ذلك الوزر الذي إعتبر خطيئة أولى، وخطيئة باقية موروثة لا بد لها من كفارة وفداء حتى لا يذهب بجريرتها أبناء الجنس البشري كافة.
وإن أنس لا أنسى ما ركبني من الفزع والهول من جراء تلك الخطيئة الأولى، وما سيقت فيه من سياق مروع ، يقترن بوصف جهنم ذلك الوصف المثير لمخيلة الأطفال، وكيف تتجدد فيها الجلود كلما أكلها النيران، جزاء وفاقاً على خطيئة آدم، بإيعاز من حواء وأنه لولا النجاة على يد المسيح الذي فدى البشر بدمه الطهور، لكان مصير البشرية كلها الهلاك المبين.
وإن أنس لا أنسى القلق الذي ساورني وشغل خاطري عن ملايين البشر قبل المسيح، أين هم ؟ وما ذنبهم حتى يهلكوا بغير فرصة للنجاة؟!
فكان لا بد من عقيدة ترفع عن كاهل البشر هذه اللعنة، وتطمئنهم إلى العدالة التي لا تأخذ البرىء بالمجرم، أو تزر الولد بوزر الوالد، وتجعل للبشرية كرامة مضمونة.
والحق أنه لا يمكن أن يقدر قيمة عقيدة خالية من أعباء الخطيئة الأولى الموروثة إلا من نشأ في ظل تلك الفكرة القائمة التي تصبغ بصيغة الخجل والتأثم كل أفعال المرء، فيمضي في حياته مُضي المريب المتردد، ولا يقبل عليها إقبال الواثق بسبب ما أنقض ظهره من الوزر الموروث.
إن تلك الفكرة القاسية تسمم ينابيع الحياة كلها، ورفعها عن كاهل الإنسان منة عظمى، بمثابة نفخ نسمة حياة جديدة فيه. بل هو ولادة جديدة حقاً ورد إعتبار لا شك فيه. إنه تمزيق صحيفة السوابق، ووضع زمام كل إنسان بيد نفسه. أ . هـ
والكاتب الذي سجل بقلمه هذه الكلمات يحكم على نفسه بالجهل من الناحيتين العلمية والروحية.
فمن الناحية العلمية يؤكد علم النفس أننا جميعاً من الناحية النفسية قد ولدنا أنانيين منطوين، يبدو ( الهو) في جهازنا النفسي بسلطانه المقلق، ومن خصائصه كما قلنا أنه لا يتجه وفق المبادىء الخلقية وإنما يسير على قاعدة تحقيق اللذة والإبتعاد عن الألم، ومن مركباته النزعات الفطرية الوراثية والمكبوتة.
ومن الناحية الروحية تؤكد كلمة الله حقيقة وراثتنا للخطية فيقول الرسول بولس “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” (رو 5: 12)
لقد تلوث آدم بالخطية، وكان آدم بالنسبة للبشرية كنبع النهر بالنسبة للنهر، فلما تلوث نبع النهر تلوثت المياه الجارية فيه من منبعه إلى مصبه.
أجل دخلت الخطية اللعينة إلى العالم، وتفشت في كل مكان وطأته أقدام الإنسان. وكان أول إنسان ولد من حواء هو ( قايين) القاتل الأول الذي لوث الأرض بدماء هابيل أخيه، ولو لم يرث قايين الخطية من أبيه آدم فمن أين إذن جاءته فكرة القتل؟ من أين دخلت الكراهية إلى قلبه؟ من أين ملأته الغيرة من أخيه حتى دفعته إلى ذبحه؟
وهابيل أيضاً قد ورث الخطية، ولا شك في أنه فعلها كذلك وإلا فلماذا يقدم من أبكار غنمه ومن سمانها قرباناً للرب إلا لأنه تعلم من أبيه أنه “وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” (عب 9 : 22).
وبعد هابيل ولدآدم ولداً ودعا إسمه شيثاً ويؤكد الكتاب المقدس أن شيثاً ورث أباه في كل شىء فقال “وَعَاشَ آدَمُ مِئَةً وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ وَلَدًا عَلَى شَبَهِهِ كَصُورَتِهِ وَدَعَا اسْمَهُ شِيثًا” (تك 5 : 3) .
لقد خلق الله الإنسان مستقيماً كما يقول صاحب سفر الجامعة “اُنْظُرْ. هذَا وَجَدْتُ فَقَطْ: أَنَ” اللهَ صَنَعَ الإِنْسَانَ مُسْتَقِيمًا، أَمَّا هُمْ فَطَلَبُوا اخْتِرَاعَاتٍ كَثِيرَةً” ( جا 7 : 29). أجل ! سمع الإنسان لصوت الشيطان بمحض إرادته وحريته وانحدر إلى هوة العصيان وبهذا تلوثت كل ينابيع حياته.
وبغير جدال كان آدم نائباً وممثلاً لجميع الجنس البشري الذي كان في صلبه يوم تعدي وصية الله، فسقط الجنس البشري بسقوطه، واجتاز الموت كما رأينا إلى الناس أجمعين، وعم الفساد البشرية .
وهذا ما يقرره صاحب المزمور قائلاً “اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (مز 14 : 2 ، 3).
أجل ….. بعد طرد آدم من الجنة ولداً نسلاً ساقطاً نظيره في حالة الفساد الروحي والأدبي، وهذا ما يؤكده داود النبي في قوله “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مز 51: 5) وهي كلمات تعلن حقيقة وراثة الخطية، التي شوهت حياة البشر جميعاً.
منذ وقت ليس ببعيد كتب كاتب إجتماعي مقالاً بعنوان ( من هم الناس؟) صور فيه الناس بالصورة التي نلمسها كل يوم، الصورة التي سودتها الخطية، قال الكاتب الكبير : «لست أدري من هم الناس؟ … قضيت عمراً أحاول أن أعرفهم فلم أستطع … وإني لأروح وأغدو بينهم وهم حولي صناديق مغلقة لست تعرف على التحديد ماذا يرضيهم ….. إن أعطيت طلبوا المزيد، وإن كففت قالوا يا لهذا الرجل الذي تلين الحجارة ولا يلين … إن عفوت طمعوا ، وإن انتقمت سكتوا …. وإن أحببت وعطفت قالوا ضعف وإن كرهت وابتعدت قالوا إنسان لا يحب الخير …. إن خدمتهم إجتمعوا حولك، فإذا انقضت الحاجة تفرقوا عنك …. إن قدمت المعروف شكروا ريثما يتم، فإذا إنتهى ما بينك وبينهم، فكأنك العدو المبين.
إذا آثرت العزلة قالوا متكبر مستوحش فإذا اختلطت بهم لم تسلم من ألسنتهم يروون عنك ما لم تقل، وينسبون إليك ما لم تفعل ….. إذا جلست بينهم فتحيات مباركات طيبات، فإذا توليت أطلقوا فيك ألسنة حداداً ……
إذا رعيت واحداً حتى يكبر فهو عند قدميك إلى أن يشب، فإذا طالت قامته، نظر إليك كأنك لم تكن في حياته شيئاً مذكوراً ، وكأن يدك لم تمتد إليه بخير، وكأن عقلك لم يمنحه النصيحة، وكأن هديك إياه حتى يرتفع كان عبثاً آذيته به، وأنه إرتفع لأن قدميه كانتا أثبت منك قدماً.
إذا أحس أنك تزوره لحاجة، إلتوى وتعاظم كأنه رب في السماء، فإذا زارك لحاجة فهو الضعيف الأمين الرقيق، خادم إذا شئت، ذليل إذا شئت …..
إذا كنت صاحب منصب كبير فالناس من حولك يذودون عنك، ويرتجفون بين يديك، ويملأون أذنيك مديحاً وملقاً …… إذا تأففت جروا إليك يسألونك ماذا يضايقك …. إذا قلت أنك لم تنم الليلة الماضية، أرقت أو سهرت، بدا الحزن على وجوههم، وأخذ كل منهم يهون الأمر عليك ويلتمس الأسباب التي تريحك …. إذا أحسوا أنك حزين، انطلقوا يهرجون حتى تضحك، فإذا أحسوا أنك سعيد فقد عديتهم بالبشر والهناء وإذا كلهم عيون ضاحكة وثغور باسمة، وأعين مرطبة بالدعاء …. إذا قلت فقولك الفصل، وإذا رأيت فرأيك وحي نازل من السماء …. إذا خرجت فهم في ركابك، فإذا دخلت فهم أمامك يفسحون لك، ويهتفون بالناس أن يفسحوا لك !! ….. إذا مرضت فبيتك كعبة الزوار، وإذا الأفئدة من حولك واجفة، والقلوب داعية، والعيون مفعمة بآيات الحب والولاء …… فإذا عوفيت فالدنيا كلها صفاء في صفاء …..
وإذا أحسوا أن السلطان آخذ في الأفول، فهم أسبق إلى النجم الطالع ولسانهم يقول رب إنا لا نحب الآفلين … يقولون للنجم الجديد : كان طالعك في خيالنا منذ أمد بعيد …. وإذا جاء ذكر صاحب المنصب القديم، تفضل كل واحد بكلمة أو غمزة أو حكاية فيها سخرية وتصغير، كأنما لم يكن في الأمس القريب بعض الحواريين الراكعين الساجدين.
الناجح عندهم عدو مبين، والفاشل سخرية الساخرين ….. الذكي لم يرفعه ذكاؤه، والمجد لم يرفعه جده.
الصديق لا مثيل له في الأولين والآخرين فإذا وقع ما يفسد الصداقة فهو الذميم ابن الذميم … ما من نقيصة في الدنيا إلا فيه …. هؤلاء هم الناس ….. الناس بعد أن ملأت قلوبهم الخطية، وغرقوا في الخداع والنفاق والإثم، فبماذا يفسر الكاتب هذه الصورة السوداء؟!
هذا يأتي بنا إلى حقيقة ثانية يجهلها ذلك الكاتب، ولا بد أن نرد عليها في هذا المقام وهي تظهر في كلماته :«وكيف تتجدد الجلود كلما أكلتها النيران، جزاء وفاقاً على خطيئة آدم » فالواقع أنه ليس في الكتاب المقدس آية واحدة تقول إن إنساناً سيذهب إلى جهنم لأجل خطيئة آدم، بل إن الكتاب المقدس يقرر أنه كما دخلت الخطيئة إلى العالم بإنسان واحد هو ( آدم)، وبدون مسئولية النسل الهابط من ذلك الإنسان، كذلك رفعت هذه الخطيئة عن كاهل البشر أجمعين دون أن يحاسب الله عنها واحداً منهم وهذا ما يؤكده بولس في كلماته ” فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هكَذَا بِبِرّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ” (رو 5 : 18).
ولهذا قال يوحنا المعمدان وهو يشير إلى المسيح له المجد “وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ” ( يو 1 : 29)، وخطية العالم بغير جدال هي الخطية التي اشترك فيها الجنس البشري كله، من ولد منهم قبل ميلاد السيد المسيح بالجسد، أو من جاء إلى الأرض بعد صعوده السيد إلى المجد، ولا يجب أن يغيب عن بالنا أن عملية الفداء وإن كانت قد تمت فوق الجلجثة منذ قرابة ألفي سنة، إلا أنها كانت في التدبير الإلهي قبل خلقة الإنسان، يعلن هذه الحقيقة الساطعة بطرس الرسول في كلماته ” عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ” (1بط 1 : 18- 20).
وواضح من هذه الكلمات الإلهية أن تدبير الفداء كان مرتباً قبل تأسيس العالم، وقبل خلق الإنسان، ولذا فإن أحداً من بني آدم لن يذهب إلى جهنم لأجل خطية آدم، وإنما سيذهب من يذهب إلى جهنم لأنه بعد أن بلغ سن المسئولية ارتكب الخطية فعلاً أو قولاً، ورفض بعناد طريق الخلاص المرتب من الله بواسطة دم المسيح الطهور، فلا حاجة إذن لقلق ذلك الكاتب من جهة مصير ملايين البشر قبل المسيح، وسؤاله عن ذنبهم حتى يهلكوا بغير فرصة للنجاة، فالإنسان لا يؤخذ بذنب آدم ولا يعاقب على خطيئته وإنما يرث حالته فقط، حالة الميل إلى الخطية هذا الميل الذي نبعه ( الإنسان العتيق) الذي يسميه علماء النفس ( الهو ) ذلك الجزء الفطري الذي هو الدوافع الفطرية في صورتها الهمجية كما يقول فرويد عالم النفس المشهور.
هذا يصل بنا إلى الحديث عن ( الأ نا) الأعلى أو ( الذات المثالية) والكتاب المقدس يتفق تماماً مع علم النفس فيطلق على هذا الجزء من الجهاز النفسي إسم ( الضمير) والضمير في لغة الكتاب المقدس يمكن أن يكون صالحاً مدرباً وفق كلمة الله، ويمكن أن يكون موسوماً منجساً بحسب المبادىء والمثل التي تلقنها من بيئته، ولهذا نجد أناساً إلتوت ضمائرهم يرتكبون الأوزار دون أن يحسوا بألم أو تأنيب، قد يرتكب الواحد منهم جريمة قتل في سبيل عقيدة دينية متسلطة عليه دون أن يحس وخزاً في ضميره أو ألماً في نفسه.
وفي السجل المقدس نرى صورة تؤكد هذه الحقيقة، فقد قبض اليهود على المسيح له المجد وأرادوا قتله، ولكننا نعجب إذ نقرأ عنهم “ثُمَّ جَاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ، وَكَانَ صُبْحٌ. وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا، فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ” (يو 18 : 28).
فأنظر كيف يتلاعب الضمير فيرضى عن جريمة قتل لشخص برىء، ولا يسمح أن يدخل المرء إلى دار الولاية لئلا يتنجس ؟!
الدخول إلى دار الولاية نجاسة، وقتل المسيح القدوس أمر مقدس جليل …. ياللضمير الملتوي !!
وكم من أشخاص يسكرون … ويعربدون … ويقامرون … ويدخنون … ويرتكبون مختلف الشرور ثم لا يسمح لهم ضميرهم النجس أن يتوقفوا عن القيام بفرض ديني، كالصوم، أو الصلاة، أو غير ذلك من فروض.
لهذا يحذر بولس تلميذه تيموثاوس قائلاً “وَلَكَ إِيمَانٌ وَضَمِيرٌ صَالِحٌ، الَّذِي إِذْ رَفَضَهُ قَوْمٌ، انْكَسَرَتْ بِهِمِ السَّفِينَةُ مِنْ جِهَةِ الإِيمَانِ أَيْضًا” (1تي 1 : 19)، وبولس في هذا التحذير يطالب تيموثاوس بضرورة الإحتفاظ بضميره صالحاً يقظاً .
وفي موضع آخر يتحدث الرسول عن الضمير النجس قائلاً ” كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِرًا، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ” (تي 1 : 15).
وفوق هذا نجد حديثاً جميلاً عن الضمير المدرب إذ يقول بولس “لِذلِكَ أَنَا أَيْضًا أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِمًا ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ” (أع 24 : 16).
وعمل ( الضمير ) أو ( الأ نا الأعلى ) كما يقول علماء النفس هو صب اللوم على ( الأ نا ) حين يخطىء وينحرف عن السلوك القويم، ونحن نرى هذا الفكر واضحاً في كلمة الله.
ذات يوم جاء الفريسيون بإمرأة أمسكت في زنا وقدموها إلى شخص المسيح الكريم ولما أقاموها في الوسط قالوا له :
“وَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ امْرَأَةً أُمْسِكَتْ فِي زِنًا. وَلَمَّا أَقَامُوهَا فِي الْوَسْطِ قَالُوا لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، هذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ، وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالُوا هذَا لِيُجَرِّبُوهُ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ. وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ! ثُمَّ انْحَنَى أَيْضًا إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ. وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ، خَرَجُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا، مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسْطِ. فَلَمَّا انْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَدًا سِوَى الْمَرْأَةِ، قَالَ لَهَا: يَا امْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ فَقَالَتْ: لاَ أَحَدَ، يَا سَيِّدُ!. فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا” ( يو 8 : 3 -11).
على ضوء ما تقدم نرى أنه في مقدورنا أن نعرف الجهاز النفسي بالتعريف الكتابي، كما نعرفه بالتعريف العلمي، فالتعريفان يتفقان وسنضعهما في الجدول التالي :
الإسم في علم النفس الإسم في الكتاب المقدس
الأ نا العقل
الهو الإنسان العتيق
الأ نا الأعلى الضمير
وهنا يجدر بنا أن نتحدث عن الصراع النفسي بين العقل والإنسان العتيق، وبين العقل والضمير وهو صراع رهيب جبار إذا لم يُعالج العلاج الصحيح أدى بالمرء إلى كثير من حالات الإضطراب والمرض النفسي.
وفي السجل المقدس صورة تجسم لنا حقيقة هذا الصراع جاءت على لسان بولس الرسول، إسمعه وهو يتحدث إلى القديسين في رومية قائلاً :
“فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ. لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ. فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ، فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. إِذًا أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي. فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ” ( رو 7 : 14 -24).
فأي صراع أفظع من هذا الصراع بين ( العقل ) أو ( الأنا ) وبين ( الهو) أو ( الإنسان العتيق ) من جهة وبين ( العقل ) وبين ( الأ نا الأعلى ) أو ( الضمير ) من جهة أخرى.
إنه صراع يحس به كل فرد داخل نفسه، وهو يستنزف الكثير من طاقته، ويُصيب الكثيرين من الشيوخ والشباب بشتى أنواع القلق والإضطراب.
فهل في مقدور المسيحية أن تجد علاجاً لهذا الصراع المرير ؟ أو تكفي علاجات البشر في إنهاء هذا الصراع الجبار؟!
يقيناً أن المسيحية تقدم العلاج الحاسم الأوحد لهذا الصراع النفسي، ولكننا قبل أن نتحدث عن هذا العلاج الفريد سنأخذ مجالاً للكلام عن العلاجات البشرية، والنتائج النفسية لهذا الصراع الخطير.
لقد سبق أن عرفنا أن هناك صراعاً جباراً بين ( الأ نا ) وعالم الواقع وبين ( الأ نا ) و ( الهو ) وبين ( الأ نا ) و ( الأ نا الأعلى ) شرحناه بالتفصيل فيما سبق من حديث، كما عرفنا كذلك أن مهمة الأ نا هي الحصول على حالة إتزان بين هذه القوى الثلاثة. على أن هذا ليس ممكناً دائماً بالبساطة التي نتصورها فقد أغتصب مالاً ولكيلا أشعر بالخطيئة أبرر العمل بيني وبين نفسي فأصل إلى حالة ارتياح، أو يعود ( الأ نا ) إلى حالة الإتزان، وهناك حيل نفسية متعددة توقف إلى حين الصراع الدائر في النفس البشرية، يطلق عليها علماء النفس إسم الحيل العقلية اللاشعورية نذكرها فيما يلي لنبين أنها لا يمكن أن تفلح في علاج الصراع النفسي، ونعتمد في ذكرها على كتابين هما كتاب ( الدوافع النفسية ) وكتاب ( علم النفس أسسه وتطبيقاته التربوية ).
والآن إلى الحديث عن بعض هذه الحيل :
الحيلة الأولى : التبرير :
يود كل إنسان أن تكون تصرفاته معقولة وأن تقوم على أساس من الدوافع المقبولة، ولهذا فإن الفرد حين يخرج في تصرفاته عن الحد المعقول ويصدر في سلوكه عن بعض الدوافع التي لا يرضيه أن يقر بها ويعترف بنسبتها إليه، يعمد إلى تفسير سلوكه تفسيراً يبين به لنفسه وللناس أن سلوكه معقول لا غبار عليه وأن ما دفعه إليه ليس أكثر من دوافع مقبولة يحترمها الناس، وقد اتفق العلماء على تسمية هذه العملية التي يلتمس الفرد فيها الأعذار المنطقية المعقولة لتصرفاته ( بالتبرير) .
والتبرير الذي يعنيه علماء النفس يختلف عن التبرير الذي يعنيه الكتاب المقدس، والذي نحصل عليه بالإيمان، فالأول عبارة عن أعذار يتلمسها المرء لتبرير نفسه كأوراق التين الذي غطى بها آدم عريه بعد سقطته والثاني عمل إلهي يريح النفس المذنبة من عذاب الخطية، فلا يعود المرء يتلمس لنفسه الأعذار بل يأتي إلى السيد وفي فمه كلمات الترنيمة :
كما أنا وليس لي عذر لديك
إلا الدم المسفوك عني من يديك
وأمرك القائل أن آتي إليك
آتي أنا يا حمل الله الوديع
وعندما يقبل خلاص الله الذي أتمه السيد له المجد بموته على الصليب يهتف مع بولس مردداً “فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” ( رو 5 : 1).
إن التبرير الذي يقصده علماء النفس ليس معناه أن تكون تصرفات الفرد معقولة، ولكن معناه أن نبرر سلوكنا حتى يبدو معقولاً، والتبرير يعد حيلة دفاعية لأنه يُمكن الفرد من تجنب الإعتراف بما يدفعه إلى سلوكه غير المعقول من دوافع غير مقبولة، هذا يذكرنا بخرافة الثعلب الذي عجز عن الوصول إلى العنب، وعندئذ نظر إلى العناقيد المدلاة وقال « ياله من عنب فج لا يستحق العناء » فهذا نوع من التبرير شوه به الثعلب حقيقة العنب ليبرر عجزه عن الوصول إليه.
ويختلف ( التبرير ) عن ( الكذب ) على أساس أن التبرير عملية لا شعورية يقنع فيها الفرد نفسه بأن سلوكه لم يخرج عما إرتضاه لنفسه من قيم ومعايير في حين أن الكذب عبارة عن عملية تزييف شعورية إرادية يشوه بها الفرد وجه الحقيقة وهو على علم بما يفعل وبأن ما يصوره للناس ويحاول إقناعهم به ليس صحيحاً ولكنه محض خيال.
وسنورد هنا مثالاً للتبرير نوضح به ما نقول :
يقوم إنسان بشراء سيارة جديدة، ويبيع سيارته القديمة التي لم يكن يعيبها شيء، والتي لم يكن هناك ما يدعو إلى التخلص منها، ثم يعتذر عن شراء السيارة الجديدة بأن ما دفعه إلى هذا هو أن السيارة القديمة كانت على وشك أن تكلفه نفقات طائلة لإصلاحها، تكاد تساوي ما دفعه من مال لتغييرها.
فالدافع الحقيقي في هذا السلوك هو مجرد شراء سيارة جديدة للتباهي بحيازتها، ولكن هذا الدافع لا يستطيع أن يعترف به فيما بينه وبين نفسه، ولذلك فهو يلتمس العذر الذي يبدو به سلوكه مقبولاً ومعقولاً ، والذي يعفيه من استهجان الآخرين لتصرفاته، والذي يجنبه من أن يلوم نفسه أو يستشعر الإثم لأنه قد استجاب لما لا ينبغي أن يستجيب له من الدوافع.
وفي السجل المقدس صورة واضحة للتبرير، فيعد أن أكل آدم وحواء من الشجرة المحرمة نقرأ هذه الكلمات “فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ؟. فَقَالَ: سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ. فَقَالَ: مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا” ( تك 3 : 9 -11).
وبدلاً من أن يعترف آدم بخطيته بصراحة لجأ إلى حيلة التبرير فقال “الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ. فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ” ( تك 3 : 12 -13).
والتبرير حيلة يلجأ إليها المرء ليشعر بالإرتياح بعد إرتكابه أمراً لا يليق ليبرر سلوكه الخاطىء بشتى المعاذير وهيهات أن تصلح هذه الحيلة إلى التمام في إعطاء الإنسان الراحة المنشودة .
الحيلة الثانية : الإسقاط :
يوجد في كل إنسان صفة غير مرغوب فيها، أو نقيصة لا يحب أن يعترف بها، ولكي يكفي نفسه مشكلة الإعتراف بنقائصه فيلجأ إلى حيلة دفاعية تعرف بالإسقاط ….. والإسقاط يعني أن تنسب ما في نفسك من صفات غير معقولة أو محبوبة إلى غيرك من الناس بعد أن تجسمها وتضاعف من شأنها، فتبدو تصرفاتك بمقارنتها بتصرفات غيرك منطقية معقولة.
فلو أنك كنت تميل إلى التعسف في نقد الآخرين، والقسوة والتشدد في معاملة الناس، وفي ذات الوقت تكره هذا الميل في نفسك.
فإنك تلجأ إلى وصف من حولك من الناس بالقسوة، واتهامهم بالإستبداد لتجد سبباً معقولاً تفسر به تصرفاتك، بدلاً من أن تبدو هذه التصرفات ولا مسبب لها سوى نقائصك .
وهكذا يتبين أن الإسقاط نوع من التبرير، وأنه كثير الشيوع في تصرفات الناس. إنه يظهر بصورة واضحة في إدانة الآخرين بشدة، ولذا قال السيد له المجد :
“لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا، لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا (وهنا حيلة الإسقاط ) أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟ يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ” (مت 7 : 1 -5).
الحيلة الثالثة : التقمص
في الإسقاط ينسب المرء صفاته القبيحة إلى غيره من الناس، أما في التقمص فهو يتخذ لنفسه بعض ما يجد عند غيره من الصفات الحميدة.
وهناك شبه كبير بين التقمص والتقليد، وإن كان هناك بعض نواحي الإختلاف، ففي التقليد يتخذ المرء لنفسه مثالاً يحتذيه، ولكن الفرد لا يتقمص الشخص الذي يقلده إلا إذا كان يحمل له الحب في قلبه، كما أن التقمص الحق لا يقتصر على تقليد شخصي، وإنما يتضمن شعور الشخص بأنه قد أصبح في الخيال والوهم نفس الشخصية المتقمصة، فيصبح وإياه شيئاً واحداً، يحس بنجاحه وفشله ويشعر بفرحه وأسفه.
والتقمص هو الذي يجعل للمسرح والروايات والأفلام السينمائية جاذبية وإمتاع، فالمرء يضع نفسه حين قراءة الروايات أو مشاهدة المسرحيات أو الأفلام موضع الأبطال، ويصبح وكأنه يقوم بما يقومون به من مخاطرات وأعمال، وكذلك يتقمص قارىء الرواية البوليسية دور رجل البوليس الذي يقوم في النهاية بالكشف عن فاعل الجريمة ويشعر القارىء عندئذ بشىء من الإرتياح والإستعلاء واحترام الذات لأنه قد تقمص شخصية البطل الجدير بالإعجاب .
والتقمص لازم من أجل نمو الشخصية، والفتاة التي تكون قد نجحت في تقمص شخصية أمها هي التي تستشعر الغبطة والسعادة حين تقوم بعد ذلك بدور الأم. أما الفتاة التي كانت قد اقتصرت على تقليد أمها فإنها لا تصل إلى أكثر من معرفة الدور الذي يطلب إليها القيام به، ثم تقوم بأداء دورها دون أن تعيش فيه وتشعر به.
الحيلة الرابعة : إنعدام الترابط :
وتسمى هذه الحيلة بالإنجليزية Dissociation وتعني تلاشي الوحدة والإنسجام بين التفكير والوجدان والأفعال.
ولكي نوضح ذلك نقول : أن من طبيعة الإنسان أن تكون أفعاله ومشاعره وأفكاره بحيث ترتبط بعضها ببعض، فعندما تدرك أن هناك من يسىء إليك فإنك تغضب وتقابل الإساءة بمثلها …. فتفكيرك، وغضبك، وحركاتك العضلية كلها أجزاء في كل واحد متناسق، ولكن هذه الوحدة كثيراً ما تنعدم بفعل التربية المبكرة وما يترتب عليها من صراع، فنحن نُعلم الطفل منذ سن مبكرة ألا يدفعه الغضب إلى الضرب، فإن تصادف بعد ذلك أن أغضبه أحد أبويه نجده لا يستطيع أن يرد العدوان لأن ذلك لا يرضيه كما أنه يشعره بالإثم ونراه يحاول وهو يصارع بين إحساسه بالغضب، وتجنبه الشعور بالإثم، وقد أسعفه انعدام الترابط بين مشاعره من ناحية وأفكاره أو أفعاله من ناحية أخرى، يقضي ساعة أو ساعتين في رسم الطائرات أو التحدث عن المعارك، ومعنى هذا أنه لم يتخلص من غضبه بإنعدام الترابط، وإنما انفصلت مشاعر الغضب عنده عن أبويه وعبرت عن نفسها بطريقة رمزية على هيئة صور وقصص عن الحرب والقتال.
ويتخذ انعدام الترابط الكثير من الصور سنتحدث هنا عن صورتين منها :
(1) الحركات القسرية :
وهي حركات يجد الفرد نفسه مضطراً إلى إتيانها ثم إلى إعادة إتيانها، وتدل هذه الحركات على أنها قد انسلخت عن الوجدانات الخاصة بها …. ونحن نلاحظ هذه الحركات في سلوك الكثيرين من الناس، على هيئة لزمات أو حركات هي أشبه بالطقوس الدينية، والحركات القسرية تصدر عن الفرد بطريقة أوتوماتيكية ودون أن يصحبها شيء كثير من الإنفعال فيخيل للمرء عندئذ أنه ليس وراءها وجدانات قوية تدفع إليها انفعالات عنيفة مما يدل على أنها سلوك تدفع إليه دوافع قوية.
ومن الممكن تفسير هذه الحركات القسرية بأنها تقوم مقام أنواع أخرى من السلوك لا يدري الشخص نفسه طبيعتها فمثلاً اهتزاز رمش العين قد يرمز إلى رغبة الشخص في النظر إلى مشهد تحرم رؤيته وإلى تحرجه في ذات الوقت من إتيان هذا الفعل، وفوق ذلك فإن هذه الحركات القسرية حين يقوم بها الفرد في غير انفعال تصبح بمثابة تأكيد للفرد بأنه لن يقوم بتنفيذ الأفعال التي قامت الحركات القسرية مقامها، وأنه بالتالي لن يستشعر الإثم والخطيئة نتيجة ذلك.
وهنا لا بد لنا أن نقول أن المرء يجب أن لا يفزع إن وجد في سلوكه شيء مما ذكرنا، فإن في سلوك الناس جميعاً شيئاً من الحركات القسرية مثل الترنم بنغمة معينة لمدة طويلة أو قرض الأقلام، ومثل هذا السلوك يساعدهم على الشعور بشيء من الراحة ويخفف من حدة توترهم في حياتهم اليومية العادية.
(2) الإكثار من التفكير النظري
الإكثار من التفكير النظري صورة أخرى من صور إنعدام الترابط، يحل فيها التفكير في الشيء والتحدث عنه محل ما كان ينبغي أن يؤدي نحوه من الأفعال وذلك لئلا يؤدي عجز الشخص عن القيام بالأفعال المطلوبة إلى شعوره بالنقص والذلة.
الحيلة الخامسة : الكبت :
وتسمى هذه الحيلة بالإنجليزية Repression ، وهناك فرق بين القمع Suppression والكبت.
فالقمع معناه أن يقوم الإنسان بضبط نفسه وحبسها عما تشتهيه وتندفع إليه من الأمور المحرمة، وفي أن الإنسان يكون على علم بهذه النوازع وبأنه يحول بينها وبين أن تبدو للناس.
كما يقول بولس الرسول ” وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَمَّا أُولئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إِكْلِيلًا يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلًا لاَ يَفْنَى. إِذًا، أَنَا أَرْكُضُ هكَذَا كَأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ غَيْرِ يَقِينٍ. هكَذَا أُضَارِبُ كَأَنِّي لاَ أَضْرِبُ الْهَوَاءَ. بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا” ( 1 كو 9 : 25 -27).
أما الكبت فلا يتضمن وعي الفرد بما يكبته من دوافع. وفي حالة القمع تكون الدوافع محرمة في نظر الجماعة وغير مقبولة لديها، أما في حالة الكبت فتكون من النوع الذي لا يقره ضمير الفرد ولا يسمح به.
فكأن الكبت نوع من تهذيب الذات للذات، على حين أن القمع عبارة عن خضوع النفس لنواهي المجتمع ومحرماته.
والشخص الذي تربى في مجتمع نظم سلوك أفراده على القمع، أخوف ما يخافه هو أن يلحقه العار والخزي بين أهله ومواطنيه.
أما الشخص الذي تربى في مجتمع نظم سلوك أفراده على الكبت فإن ما يحول بين الفرد فيها وبين أن يسوء سلوكه هو الخوف من أن يستشعر الإثم والندم وعذاب الضمير.
وترجع غلبة القمع على الكبت أو الكبت على القمع إلى تفاوت الأفراد نتيجة التربية المنزلية وسيطرة الدين على النفوس، ودرجة السمو الروحي، والنضج الفكري.
والكبت الكامل يؤدي إلى النسيان أي اختفاء الدوافع غير المقبولة اختفاءً تاماً من وعي الفرد وإدراكه، وزوال ما يترتب على هذه الدوافع من سلوك.
ولكن الكبت لا يكون كاملاً في معظم الأحوال، ولذا تلتمس الدوافع وسائل أخرى غير مباشرة تعبر بها عن نفسها، فتلجأ إلى كثير من الحيل الدفاعية التي سبق الحديث عنها.
وقد نجح الباحثون أخيراً في إجراء دراسات تجريبية، أظهرت لهم أن أظهر ما يتميز به الكبت هو أن الفرد يكون قد صادف نوعاً من الفشل والإخفاق أنقص من احترامه لنفسه واعتباره لذاته، وبذلك تسوء قدرته على تذكر هذه الخبرات.
الحيلة السادسة: الإبدال :
وتسمى هذه الحيلة بالإنجليزية Substitution…. والإبدال نوعان :
إعلاء Sublimation وتعويض Compinsation
أما الإعلاء فهو التعبير عن الدوافع التي لا يقبلها المجتمع بوسائل يقرها المجتمع ويرتضيها، فالمرء الذي لا يستطيع إشباع دافعه الجنسي قد يقوم بإعلائه عن طريق رسم اللوحات الفنية، أو قرض الشعر، أو غير ذلك من الأساليب.
ولا جدال في أن في الإعلاء تصريف للطاقة الجنسية، وإنقاص من حدة التوتر، ومع ذلك فهذا التصريف وهذا الإنقاص ليسا كاملين …. ذلك لأن الإشباع الجنسي لا يحقق الدافع الجنسي وحده، وإنما يحقق كذلك كثيراً من الدوافع الأخرى المرتبطة به، مثل الحاجةإلى الرفيق، والرغبة في الإتكال على الغير، وعاطفة الأبوة، وهذه الدوافع لا يمكن إشباعها بالسلوك البديل الذي أعلينا به الدافع الجنسي.
وأما التعويض فهو محاولة الفرد النجاح في ميدان من ميادين النشاط بعد أن أخفق في ميدان آخر مختلف عنه أو مرتبط به.
فالطالب الذي يفشل في الألعاب الرياضية، قد يعوض عن فشله هذا بالدراسة والجد ليصيب من التقدير في الفصل ما لم يتحقق له في الألعاب، وواضح أن التعويض هنا قد تم في ميدان مخالف للميدان الأول.
وقد يُغالي الفرد في التعويض ليثبت تفوقه وامتيازه في الميدان الذي خلق ضعيفاً فيه، قليل الإستعداد له، وقد شهد التاريخ أن هتلر و موسوليني و فرانكو و ستالين كانوا على شاكلة نابليون من قصر القامة، وأنهم عمدوا إلى تحصيل قوة الشخصية، وجمع النفوذ السياسي في أيديهم بعد أن عز عليهم أن يغيروا ما وهبتهم الطبيعة إياه من أجسام وقامات.
هذه هي الحيل التي يستخدمها الفرد لتخفيف التوتر الناشىء عن الصراع النفسي، وهي حيل تحقق للفرد نوعاً من الراحة النفسية بسبب ما يشعر من تخفيف مؤقت للتوتر!
لكن هناك من الناس من يقوم بأنماط من السلوك الشاذ المنحرف الذي يظهر في المرض النفسي والعقلي، ومن هذه الأمراض النفسية والعقلية نكتفي بذكر ما يلي :
(1) الوساوس المتسلطة :
أي تسلط أفكار من نوع خاص على تفكير المرء تدفعه قسراً إلى القيام بأعمال وحركات رغم شعوره التام بأن ما يصدر عنه من أعمال وحركات وتصرفات أمور لا يقبلها العقل ولا يقرها المنطق السليم.
ولهذا المرض صور متعددة من أهمها الخوف من النجاسة فتجد المريض لا يكاد يلمس أحداً أيا كان حتى يسارع إلى غسل يديه ويضيع الأوقات في محاولات التطهير بالماء والصابون أو المطهرات، وهناك ظاهرة ثانية هي عدم النوم قبل التأكد من إغلاق الأبواب والنوافذ مع أن المريض يكون قد أغلقها.
(2) النبورا ستنيا :
وهذا المرض يشبه القلق النفسي وأهم أعراضه الشعور الدائم بإجهاد زائد، وعدم النوم المريح وعدم القدرة على مواصلة التفكير في موضوع معين.
(3)الهستيريا :
وهو مرض تبدأ أعراضه بإنهاك في القوى الجسمية بسبب الصدمات العاطفية، ويعتقد فرويد أن مرض الهستيريا ينشأ نتيجة الصراع بين الذات وبعض الرغبات الغريزية الجنسية التي ترجع إلى أيام الطفولة المبكرة والمكبوتة في اللاشعور .
وفي الواقع أن معظم الأعراض الهستيرية على إختلاف أنواعها ما هي إلا وسائل دفاعية يستعملها المريض للهرب من موقف يشعر بينه وبين نفسه أنه غير قادر على مواجهته بعد ما أصاب شخصيته من إنحلال نتيجة للصراع العقلي الذي تحدثه تلك الصدمات النفسية المتعاقبة وما يتبع ذلك من كبت وإجهاد.
وهناك أعراض لمرض الهستيريا هي :
(1) الشلل
(2) التشنجات العصبية
(3) الإرتعاش من الخوف
(4)التقلصات العضلية
(5) فقدان القدرة على تذكر الخبرات الماضية.
(4)السكيزوفرينيا : Schizophrenia :
والمريض بهذا المرض يتميز بغرابة الأطوار، والإستنتاج غير المطابق للعقل، وهذيان العظمة والإضطهاد، وتشتت التفكير والإنتباه والوهم واضطراب الشعور .
(5)السلوك السيكوباتي Psychopathic :
والمريض بهذا المرض يتميز بنشاط عشوائي اندفاعي مضاد للمجتمع، مستمر، ومتكرر لكسب وهمي غير محسوس، وهو فريد في قصوره وعوجه وإلتواء أحكامه وعدم استبصاره وزيغ أهدافه وفجاجته وتقلبه وسخفه وحماقاته وقسوته وقلة جدواه، لا ينضج أصحابه من التجربة ولا يرتدعون من العقاب، ولا يثبتون على هدف، ولا يصلون إلى قدر ما من التكيف مع المجتمع ولا يعرفون الندم ولا يحسون العار، ولا يختبرون الشعور بالخطيئة ولا يجعلون لتعاملهم مع الحياة إلا شعاراً واحداً هو ( أن يأخذوا كل ما يستطيعون، من أي إنسان يستطيعون وبأية وسيلة يستطيعون ).
والشخص السيكوباتي لا يعرف من الزمن إلا الحاضر، إلا اللحظة التي يعيش فيها وحسب، مقطوع الصلة بما كان، معدوم الإرتباط بما سوف يكون.
ويرجع سبب هذا المرض النفسي إلى نوع من الإستعداد الموروث يتصل عادة بتفوق ظاهر في النواحي العقلية يدفعه إلى المغامرة والإقدام وحب الظهور، يقابله نوع من المقاومة تعرض على الفرد أيام طفولته المبكرة والمتأخرة، وكثيراً ما تقترن معاملته بالقسوة فينشأ الطفل ناقماً على المجتمع . وعندما تكتمل رجولته سرعان ما يعبر بشكل لا شعوري وبطرق شتى من الإنحراف عما يخالج نفسه من نزعات مكبوتة دون أي إعتبار للقيم والمعايير الأخلاقية.
وإذن فالصراع النفسي، صراع رهيب جبار، فشلت كل العلاجات في القضاء عليه، وهو سبب الكثير من الإضطرابات والأمراض النفسية التي تصيب الشخصية الإنسانية!
فهل في مقدور المسيحية أن تجد علاجاً للصراع النفسي؟! وأن تعالج الشخصيات المنحرفة المريضة نفسياً وعقلياً ؟!
أجل وبكل يقين !!
فالمسيحية تعالج الصراع النفسي من جذوره. وتستأصله من أصوله فتنادي بضرورة الميلاد الثاني …. الميلاد من فوق ….. الميلاد من الروح القدس !!
والميلاد الثاني يعني خلق الإنسان من جديد، خلقه خليقة خالية من الأمراض العقلية والنفسية التي أصابت شخصيته بالإنحلال والتدهور، وبدون الميلاد الثاني يبقى الإنسان في صراعه بائساً مسكيناً وحيداً يضارب الهواء، ولا يصل في صراعه إلى نجاح .
لقد قال ربنا له المجد لنيقوديموس :
” أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ” ( يو 3 :3).
“اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ” (يو 3 : 6)
وبهذه الكلمات أكد السيد المسيح له المجد أن رؤيا ملكوت الله متعذرة بدون الميلاد الثاني بل هي مستحيلة !!
وما هو ملكوت الله ؟ يجيبنا الرسول بولس قائلاً ” لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ” ( رو 14 : 17) .
فالميلاد الثاني هو وسيلة التمتع بالبر والسلام والفرح في الروح القدس.
وفي الأصحاح الرابع من إنجيل يوحنا، نرى الرب وهو يتعامل مع المرأة السامرية، وهي إمرأة ذات ماض، إمرأة منحلة الشخصية، يطاردها الإحساس بالإثم، غارقة في أوحال ونجاسة الأرض، اندفعت مع غرائزها بشكل رهيب، فكان لها خمسة أزواج والرجل الذي كان معها حين كانت تتحدث إلى المسيح لم يكن زوجاً شرعياً لها، ومع ذلك فقد تحدث السيد إلى هذه المرأة التي تعتبر من سقط المتاع، بحقائق ثمينة، فكلمها عن الماء الحي وأثار في قلبها الرغبة إلى الإرتواء منه، وأكد لها أنها لن تشبع بملذاتها الجسدية أبداً ، وناداها بالكلمات الآتية :
“أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهاَ: كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا. وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ” ( يو 4 : 13 – 14).
وإذ تطلب المرأة أن تشرب من هذا الماء يكشف لها الرب بطريقته الفذة الستار عن ماضيها “قَالَ لَهَا يَسُوعُ: اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى ههُنَا “ (يو 4 : 16).
إن أعظم محلل نفسي لا يستطيع أن يصل إلى غور النفس البشرية كما فعل ربنا المبارك، وبغير جدال أنه لكي يصل المحلل إلى إعتراف صريح من مريضه فإنه يحتاج إلى جلسات وجلسات، أما يسوع له المجد، فهو في دقائق قليلة بل في سرعة خاطفة يصل إلى هدفه، ويدفع المريضة المعذبة إلى الإعتراف دون أن يسىء إلى شخصيتها وكرامتها.
إصغ إلى الحديث الذي دار بينه وبينها :
المرأة السامرية : يا سيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش ولا آتي إلى هنا لأستقي .
المسيح له المجد : إذهبي وإدعي زوجك وتعالي إلى هنا.
المرأة السامرية : ليس لي زوج
المسيح له المجد : حسناً قلتِ ليس لي زوج، لأنه كان لكِ خمسة أزواج والذي لكِ الآن ليس هو زوجك. هذا قلتِ بالصدق.
المرأة السامرية : ( تعترف) ياسيد أرى أنك نبي .
وفي كلمات المرأة ( يا سيد أرى أنك نبي ) إعتراف أكيد بخطيتها، أنها قد سلمت أسلحتها، وكشفت النقاب عن خطيتها، وإعترفت بماضيها الأسود البغيض، ويقول يوحنا الرسول ” إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ” ( 1يو 1 : 9).
وقد نالت المرأة السامرية البركتين، بركة غفران الخطايا، وبركة التطهير من كل إثم …. لقد ولدت من جديد وصارت أهلاً لعبادة الله عبادة حقيقية كما قال السيد :
“قَالَ لَهَا يَسُوعُ: يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ. أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ . لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ. وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا “ ( يو 4 : 21 -24).
أجل ولدت المرأة ذات الماضي ولادة جديدة.
ولدت من فوق .
ولدت من الله .
وأعلن لها السيد نفسه كالمسيا الآتي لخلاص العالم وقال لها “قَالَ لَهَا يَسُوعُ: أَنَا الَّذِي أُكَلِّمُكِ هُوَ” (يو 4 : 26).
“فَتَرَكَتِ الْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا وَمَضَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَتْ لِلنَّاسِ: هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟ فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا إِلَيْهِ” ( يو 4 : 28 -30).
لقد صارت المرأة النجسة سيدة قديسة، وصارت مبشرة ناجحة أنهضت مدينة بأسرها.
ويقيناً أن فرح السماء قد ملأ قلبها، فالإنسان حين يولد من الله يختبر السعادة الحقيقية … إن قوة جديدة تُخلق في حياته وتساعده في صراعه الجبار، ويغمره فرح عظيم حتى يختبر كلمات بطرس الرسول القائلة :
“لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ” ( 1 بط 1 : 7 -8).
حدثنا مسيحي غير معروف في كتاب له بهذه القصة:
«تقابلت فتاة ذكية كانت تحب العالم مع مس مارش، فحدثتها الأخيرة عن خلاص نفسها فقالت الفتاة المحبة للعالم لمس مارش : هل تريدين مني أن أترك كل شيء في العالم، أن أعطي كل شيء …؟
فأجابتها مس مارش قائلة : كلا بالتأكيد : إنني أطلب منك أن تأخذي كل شيء في المسيح يسوع.
وأول بركة ينالها المولود من الله هي بركة غفران الخطايا ».
غفران الخطايا :
إن هذه البركة وحدها هي نبع لا ينضب من ينابيع السعادة، كتب ملك من الملوك العظام، أغنية فرح عميقة المعاني، كان هذا الملك قد أخطأ ضد الله، وضد التاج، وضد الشعب، وضد الجيش، وضد الشرف، وضد الضمير، وضد أوريا الحثي، وضد إمراة أوريا الحثي، ولكنه تاب توبة صادقة ورجع إلى الله ….. كان أعظم ملوك أيامه، وكان يملك كل شيء يمكن أن يجعل الإنسان سعيداً، قصر عظيم …. غني عظيم …. جيش عظيم …. شعب عظيم …. هدوء وإستقرار من كل وجه، ولكنه في أغنية الفرح التي كتبها، لم يقل ( سعيد هو الرجل الغني) ولم يقل ( سعيد هو الملك المحبوب من شعبه )
كلا : بل كتب قائلاً : “طُوبَى ( أي سعادة) لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى (أي سعادة ) لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً، وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ” (مز 32 : 1 -2).
وكل من ينال بركة الغفران لا بد أن يرنم من قلب سعيد فرحان لأن الله غفر إثمه وستر خطيته.
إن الميلاد الثاني ليس معناه قلب صفحة جديدة بل معناه الخليقة الجديدة كما يقول بولس للكورنثيين “إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا” ( 2 كو 5 : 17).
إن معناه أن يولد الإنسان من الله في أسرة الله، لقد كان نيقوديموس إنساناً، وكان فريسياً مدققاً، وكان رئيساً لليهود، وكان معلماً لإسرائيل، وكان باحثاً عن الحق، ولكنه إحتاج أن يولد من الله …. أن يولد من كلمة الله التي أشير إليها في حديث المسيح بالماء، كما يقول يعقوب الرسول ” شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لِكَيْ نَكُونَ بَاكُورَةً مِنْ خَلاَئِقِهِ” (يع 1 : 18).
وكما يقول بطرس الرسول “مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ” ( 1بط 1 : 23).
أجل أن يولد الإنسان من كلمة الله بعمل روح الله
والله لا يغفر لي خطاياي فقط حينما أقبل المسيح مخلصاً ولكن روح الله يسكن فيّ، يمتلكني، ويمتلك قلبي، وحياتي، وعواطفي، ورغباتي، يسوع المسيح يسكن فيّ بروحه القدوس.
هذا شيء عجيب وحلو !
لقد قال ربنا لتلاميذه : “وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ. بَعْدَ قَلِيل لاَ يَرَانِي الْعَالَمُ أَيْضًا، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا فِي أَبِي، وَأَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ” ( يو 14 : 16 -20).
هذا هو السر العظيم لسعادة المسيحي ” فِي مَا بَعْدُ لاَ يَجْلِبُ أَحَدٌ عَلَيَّ أَتْعَابًا، لأَنِّي حَامِلٌ فِي جَسَدِي سِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ” ( غل 6 : 17) وروح الله نفسه يسكن فيه.
إن هناك كثيرين قد ولدوا من الله، لكن حياتهم حياة العلو والهبوط، إنهم كثيراً ما يسقطون، إنهم مسيحيون مرضى، ضغفاء …. وبدلاً من أن يكونوا جنوداً للسيد نراهم مرضى في مستشفى الروح، وهم لا يستمتعون إلا بفرح قليل في الرب، وربما لا فرح عندهم، ولذا فهم يلجأون للبحث عن السعادة في المسرات العالمية.
ولكن لكي تكون مسيحياً سعيداً، وتستمتع بفرح الرب فيجب أن تكون دائم الإحساس بسكنى الرب يسوع المسيح في قلبك. إنه لا يزرع الفرح في قلبك، إنه هو نفسه الساكن فيك، ينبوع سلامك وسعادتك وفرحك.
إن المسيحي المولود من الله يحب الأشياء التي يحبها الله، ويرغب في الأشياء التي يرغب فيها الله، ويكره الأشياء التي يكرها الله. إنه لا يستطيع أن يخطىء وهو مرتاح القلب، بل يحس بالتعاسة والشقاء حين يخطىء.
إن سعادته القصوى في إرضاء مخلصه الذي فداه. إن المسيحي المولود من الله يرضى بمشيئة الله مهما كانت صعبة بالنسبة إليه.
حدثنا كاتب جليل بهذه القصة :
«كان الأخ (ساند ) يزور مدينة لندن ويرى الأشياء الغريبة التي كان يسمع عنها وهو صغير، وكان يتكلم مع الناس عن الرب يسوع المسيح مخلص الخطاة وفي أحد الأيام زار مدرسة غريبة، تلاميذها كلهم من الصم البكم ( الذين لا يسمعون ولا يتكلمون ) ولما دخل الأخ (ساند) تلك المدرسة أشار إلى ولد صغير ليأتي إلى السبورة وكتب له هذا السؤال :
س: من خلق الأرض؟
وأعطى الطباشير للولد فكتب :
في البدء خلق الله السموات والأرض
ثم كتب له السؤال الثاني :
س: لماذا جاء المسيح إلى العالم ؟
فلمع وجه الولد بالسعادة عندما كتب هذه الإجابة :
“صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا” (1تي1 :15).
وقد سر الأخ ( ساند) من إجابة الولد، فكتب له السؤال الثالث :
س: لماذا أنت مولود أصم أبكم بينما أنا أستطيع أن أسمع وأتكلم ؟
فكتب الولد العزيز بسرعة :
“نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ “ (مت 11 :26).
بعد ذلك سالت دموع الأخ ( ساند ) فمسحَها وهو ينظر مسروراً إلى هذا الولد الذي يفيض وجهه بالفرح والسعادة، والذي يسلم لمشيئة الله بفرح وسرور .
وكل مسيحي مولود من الله يجب أن يسلم هكذا لمشيئة الله
من بين القصص المؤثرة التي قرأتها في مجلة كبرى هذه القصة الرائعة :
« دام زواجهما عشرين عاماً، دون أن ينعم الله عليهما بمولود، ولهذا كان فرح الزوجين عظيماً حين علما أن جنيناً في طريقه إليهما.
وجاء يوم الوضع، ولشدة ما تألم به قلب الطبيب حين وجد أن الطفلة بذراع واحدة، وأن الذراع الأخرى إقتصرت على نصف ذراع ينتهي بكتلة من اللحم، ولم يجد الطبيب مفراً من أن يخبر الزوج بهذا النبأ السيء، وعرض عليه أن يقوم هو (الطبيب) بإخبار الزوجة بالأمر، غير أن الزوج أسرع وقال :«كلا، فأنا الذي يجب أن أنقل إليها هذا النبأ».
ودخلا معاً، والطبيب يحمل الطفلة، ووضعها إلى جانب أمها على الفراش الذي كانت راقدة عليه، فراحت الأم تتحسس وجهها بأصابع الأم الرءوم ثم نظرت إلى زوجها وقالت : إنها رائعة ؟ أليست كذلك؟
غير أن شيئاً في عيني زوجها أنذرها وأوقفها عن إتمام الحديث، وفي بطء راحت ترفع الغطاء عن الطفلة حتى رأت تلك الذراع المشوهة، فأدارت وجهها إلى زوجها مرة ثانية وقالت في هدوء وفي رقة !
إن الله المحب يعلم أين يرسل هذه الطفلة، إنه يعلم مبلغ حاجتنا إليها، ومبلغ حاجتها إلينا، ولذا فقد أرسلها لنا هكذا لنسبغ عليها عنايتنا ومحبتنا وعواطفنا. وتلاشى الألم من عيني الزوج حين رأى كيف تلقت زوجته هذه الصدمة.
لقد تلقتها بالإيمان بالله، بالتسليم الكامل لمشيئة الله، والإيمان بالله هو ترياق الهموم، هو سر السعادة في هذه الأرض.
أما الحيل اللاشعورية كالتبرير، والإسقاط، والتقمص، وإنعدام الترابط، والكبت، والإبدال !!
فهي لا تستطيع أن تعالج النفسية المريضة، أو توقف الصراع الدائر في الحياة النفسية الداخلية أو تحمي الإنسان من الأمراض النفسية والعقلية.
الفصل الرابع
المسيحية وتكييف الدوافع
كان علماء النفس إلى وقت قريب يضعون قوائم محدودة مرسومة مبوبة للغرائز ، بإعتبارها الدوافع الأساسية للسلوك.
والغريزة على حسب تعريف هؤلاء العلماء : هي عبارة عن استعداد فطري لا يحتاج إلى تعلم، يدفع الكائن الحي إلى القيام بسلوك خاص في موقف معين، ففراخ الدجاج مثلاً في استطاعتها أن تلتقط الحب بعد انقضاء ساعات قليلة على خروجها من البيض ( وهذه غريزة البحث عن الطعام )، والطفل عقب ولادته مباشرة يصرخ إذا سمع صوتاً عالياً مدوياً (وهذه غريزة الخوف) وسر على هذا القياس في بقية تعريف الغرائز.
ولقد وضع ( وليم جيمس ) في كتابه (Princles of Psychology ) في أواخر القرن التاسع عشر قائمة بالغرائز ذكر فيها أن عند الإنسان ما يقرب من 32 غريزة منها :
الصيد – الصراخ – الخوف – التقليد – اللعب – التسلق – الخجل – الغيرة – الطاعة – النظام – التنافس – الشفقة – إدارة الرأس جانباً – الإبتسام – الحب – النظافة .
وفي عام 1913 أخرج ( ثور نديك ) قائمة أخرى تختلف عن القائمة السابقة، وذلك في عام 1913 حيث وضع للإنسان ما يقرب من 42 غريزة ، ومن بين هذه الغرائز :
الأكل – البلع – الجمع – المقاتلة – الضحك – البكاء – العض – البصق – التثاؤب – العطس – القىء .
وبعد هذين جاء وليم مكدوجل ذكر في كتابه ( An Outline Of Psychology ) أن لدى الكائن الحي 14 غريزة يصحب استثارة كل منها إنفعال خاص وهذه الغرائز هي :
1- غريزة المقاتلة : انفعالها الغضب .
2- الغريزة الوالدية : انفعالها الحنو .
3- غريزة الهرب : انفعالها الخوف .
4- غريزة حب الإستطلاع : انفعالها التعجب .
5- الغريزة الجنسية : انفعالها الشهوة الجنسية .
6- غريزة الضحك : انفعالها التسلية .
7- غريزة حب الإجتماع : انفعالها الشعور بالوحدة .
8- غريزة التملك : انفعالها حب التملك .
9- غريزة الحل والتركيب : انفعالها العمل والنشاط .
10- غريزة السيطرة : انفعالها الزهو .
11- غريزة الخنوع : انفعالها الشعور بالنقص .
12- غريزة النفور : انفعالها الإشمئزاز .
13- غريزة البحث عن الطعام : انفعالها الجوع .
ثم أضاف مكدوجل إلى هذه القائمة في عام 1933 في كتابه The Enegies Of Men بعض الغرائز الأخرى وهي : غريزة الراحة، غريزة النوم، غريزة الهجرة.
ويقول مؤلف كتاب ( الدوافع النفسية ) : « إننا إزاء الخلاف القائم على تحديد الغرائز حتى بين القائلين بوجودها ونظراً للتناقض الذي يتصل بالتسمية والغموض الذي لابس نظرية الغرائز، وتلك الآلية البغيضة التي تجعل الإنسان أقرب إلى الآلة منه إلى كائن حي ينمو ويتطور ويتفاعل ديناميكياً يؤثر في البيئة التي يعيش فيها ويتأثر بها، نفضل أن ننحو منحى آخر في تفسير سلوكنا مسترشدين في ذلك بتقدم البحوث التجريبية في السنوات الأخيرة، لا في ميدان علم النفس فحسب بل في علم وظائف الأعضاء، وعلم الأجناس البشرية، والإجتماع، وعلم النفس المرضي، والطب النفسي المرضي.
وهذا المنحى الجديد سوف لا يقوم على أساس وجود قوائم محدودة مرسومة، مبوبة من الغرائز والحاجات لأن هذا التحديد فيه قصور لفهم طبيعة التكوين النفسي، ولأجل أن نتحرر من هذا التحديد وتلك الآلية في فهم السلوك الإنساني وتفسيره سنستعمل لفظاً أكثر مرونة من لفظ ( غريزة )، ذلك اللفظ البالي الذي يفيد الثبوت، إن هذا اللفظ الجديد هو ( دافع Motive ) وهي كلمة أعم وأشمل، تتضمن الفطري والمكتسب من مصادر السلوك الإنساني ولا شك أن هذا الإستعمال يعفينا من التناقض الكائن في كتب علم النفس – من استعمال ألفاظ معروفة لنا جميعاً أمثال ( حوافز وبواعث ونزعات فطرية عامة، وعواطف وعقد ) إلى غير ذلك من ألفاظ واصطلاحات عدة، يضيق بنا أمر حصرها في هذا المجال الضيق .
وتستخدم لفظة ( دافع ) في الحياة الجارية بمعان أشمل وأوسع من معناها السيكولوجي الخاص، فتشمل بذلك الحاجات والحوافز والمثيرات والبواعث والعادات والأهداف والإنفعالات.
إن المدلول الحرفي لكلمة ( دافع ) يتضمن كل ما سبق من حيث إنه يتضمن معنى التحريك أو الدفع …. هذا من ناحية المعنى اللفظي العام، أما من ناحية المعنى السيكولوجي فكلمة (دافع) اصطلاح يستعمل بكل بساطة للدلالة على فكرة تُستخدم لكي نوضح بها أن سلوك الكائن الحي يتوقف في تغيره وتعديله على إخضاع الكائن الحي وتعرضه لعمليات معينة، ويسمى هذا التفسير باللغة الإنجليزية Operational definition ونستطيع أن ندلل على ذلك المثال التالي (مثال الحرمان من الطعام ) .
فطالما كان الكائن الحي شبعاناً فإنه لا يبدي من أنواع السلوك، ما يظهر منه عندما يكون محروماً من الطعام، وحرمان الكائن الحي من الطعام يوجه نشاطه نحو هدف معين هو الطعام بحيث إذا ما حصل عليه فإنه يكف عن هذا النشاط .
ومفهوم الدافع على هذا النحو يختلف عن مفهوم الغريزة، كما عرفها مكدوجل، على أنها (مركب نفسي فيزيقي ) ثابتة محددة بغض النظر عن الموقف، إن السلوك الإنساني بناء على هذا التفسير محتوماً محدوداً لا يحيد عن خطة يمكن التنبؤ بها، فإذا ما رأى الإنسان طعاماً فإنه ينفعل إنفعالاً خاصاً، ثم ينزع نزوعاً خاصاً، كل ذلك يحدث بطريقة آلية تلقائية، سواء سمح المجال النفسي للفرد بهذا النوع من الإستجابة أم لم يسمح، ومن العوامل المؤثرة على استجابة الفرد في هذه الحالة، نوع الطعام المعروض وقابلية الفرد ، ودرجة الجوع التي يكون عليها.
ويجدر بنا أن نذكر هنا أن هناك علاقة وطيدة بين الدافع والطاقة. فالطاقة Energy تتولد في الجسم نتيجة عملية احتراق الطعام وتستهلك عادة في الأعمال البدنية وفي الإشعاع الحراري، ويختزنها الجسم ثم يستهلكها رويداً رويداً وفقاً لمقتضيات الأحوال، أو يطلقها دفعة واحدة، في ثورة غضب مفاجىء مثلاً .
بيد أن جانباً من الطاقة يذهب هباء إذا اختل نظام عضلات الجسم فيعمل بعضها ضد البعض الآخر، أو إذا زاول الإنسان أعماله في جو يسوده القلق وتشتت البال.
هذه الطاقة المختزنة في الجسم لإفادته في وقت ما، لا بد من توفر الدافع الذي يستغلها في مختلف الأعمال. فالدافع يوجه الطاقة هذه الوجهة أو تلك، في سبيل التعبير عن نفسه، فهو بمثابة الصمام الذي يطلق الطاقة من محبسها أو تحول مجراها من اتجاه إلى آخر.
ومعنى ذلك أن سلوك الكائن الحي لا يمكن أن يتم ما لم يتوفر أمران :
أولهما : الطاقة.
وثانيهما : الدافع الذي يسخر هذه الطاقة لصالح الكائن الحي، ويتصرف فيها كي يوجهها هذه الوجهة أو تلك.
وتتوقف سلامة السلوك على هذين العاملين.
فإن أصاب الطاقة نقص كما في حالة المرض، لم يستطع الشخص التعبير الكافي عن دوافعه بالرغم من توفرها، وذلك نتيجة نقص في الطاقة بسبب المرض.
فقد نستثير في المريض دافع المقاتلة ولكن نقص الطاقة عنده يجعله يعجز عن التعبير عنه، وكذلك قد يشعر بالميل الجنسي، ولكنه لا يجد الطاقة الكافية للإيضاح عنه، وعلى عكس ذلك قد تتوفر للكائن الحي طاقة زائدة، ولكن الدوافع تكون غير منتظمة، فيؤدي ذلك إلى تبدد الطاقة في غير مصلحة الكائن، كما يحدث في حالة بعض الأمراض النفسية وإجرام الأحداث.
وكل ما يهم علم النفس هو أن الدوافع في حاجة دائمة إلى الطاقة التي تكون دائماً مختزنة في الأنسجة العصبية وفيها وحدها يتاح للدوافع أن تعبر عن نفسها في مختلف صور النشاط.
وتنقسم الدوافع إلى قسمين دوافع أولية Primary ودوافع ثانوية Secondary أو دوافع عضوية Organic ودوافع نفسية إجتماعية .
والدوافع الأولية هي تلك التي لم يكتسبها الفرد من بيئته عن طريق الخبرة والمران والتعلم، وإنما هي استعدادات يولد الفرد مزوداً بها. ولهذا فهي تسمى أحياناً بالدوافع الفطرية، وهي دوافع مشتركة بين جميع أفراد الإنسان والحيوان فهي جزء من كيانهما الحيوي.
أما الدوافع الثانوية فهي من اختصاص الإنسان، وبعضها مشترك بين جميع أفراده مع فوارق شكلية بين بيئة وأخرى أما البعض الآخر فهو شخصي يختص بفرد دون آخر، وهو مرجع ما بين الأفراد من فروق في الخلق، والميل، والإتجاه، والشخصية.
كما أن الدوافع الثانوية هي دوافع مكتسبة دون أن ننكر أن لبعضها صلة من قريب أو بعيد بالناحية الفسيولوجية.
ويذكر الكتاب المقدس في الأصحاح الأول من سفر التكوين عدة دوافع :
الدافع الأول هو دافع السيطرة :
ونقرأ عنه في الكلمات “وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ” (تك 1 : 26).
والدافع الثاني هو الدافع الجنسي :
ونقرأ عنه في الكلمات “فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ” ( تك 1 : 27 – 28) .
والدافع الثالث هو دافع البحث عن الطعام :
ونقرأ عنه في الكلمات “وَقَالَ اللهُ: إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْلٍ يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا” (تك 1 :29).
وبغير شك أن سقوط الإنسان قد انحرف بدوافعه جميعاً إلى طريق التدهور والإنحلال، هذا التدهور الذي لوث الحياة الإنسانية بالشر والإجرام والخطية.
لقد خلق الله الإنسان مزوداً بمجموعة من الدوافع لخدمة الفرد، والنوع، والجماعة.
فدافع البحث عن الطعام يحمي الحياة الفردية من الإضمحلال، والدافع الجنسي وضعه الله في الإنسان لحفظ النوع على هذه الأرض، والدافع الإجتماعي لفائدة المجتمع الإنساني، ودافع السيطرة ليدفع الإنسان إلى استغلال موارد الأرض، وإلى السيطرة على كل ما في الأرض من إمكانيات وخيرات .
ولكن الإنسان انحرف حين دخلت الخطية حياته، وانحرفت معه دوافعه إلى اتجاهات غير شريفة وغير سليمة فصارت الحياة في أرضنا حياة مليئة بالأنانية والمصلحة الفردية التي قضت على كثير من المثل العليا وأفقدت الجنس البشري السعادة الحقيقية.
والسؤال الذي يواجهنا الآن :
هل تقدر المسيحية على تكييف هذه الدوافع المنحرفة، والسير بها في طريق الصواب ؟!
والجواب : أجل ! وبكل يقين .
وسنأخذ مجالاً في هذا الفصل من الكتاب لنشرح كيف تساعد المسيحية الفرد على تكييف دوافعه وبالتالي تقوده إلى طريق السعادة والبهجة والإطمئنان.
الدافع الجنسي :
يظل الدافع الجنسي خاملاً إلى أن يحين وقته، ويمر الإنسان عادة بفترة تسمى فترة الكمون، أو فترة الطفولة الهادئة، وتستمر هذه الفترة في المعدل من الخامسة إلى الثانية عشرة، وتلك فترة يبدو أنها متحررة من مظاهر النشاط الجنسي تحرراً تاماً …. فنشاط الطفل فيها يتجه إلى المدرسة، واللهو، والرفاق ….. ونظرته خلالها إلى الجنس الآخر، نظرة زمالة، ورفقة، سواء في اللهو أو في المدرسة …. ولا يكاد ذهنه يعي من الفوارق بينه وبين الفتاة سوى الفارق النوعي أي أنه ذكر وهي أنثى، دون أن يكون لذلك الوعي أي مدلول جنسي له صدى في نفسه …. ثم يأتي دور البلوغ، وفترة المراهقة.
وقبل أن نتحدث عن هذه الفترة نذكر أن ثمة ثلاث أزمات نفسية في حياة كل إنسان .
الأولى : ( أزمة مولد الذات ) :
وهي تأتي في حوالي السنة الثالثة من العمر حين يحس الطفل بذاته وينفصل نفسياً عن أبويه، ويرى نفسه شيئاً مستقلاً له كيان يتفاعل مع من حوله .
والثانية ( أزمة إكتشاف الذات ) :
وهي أزمة المراهقة التي يحس فيها المرء بنمو جسمه، واستكماله عناصر الرجولة، أو الأنوثة، وتأهبه للإستقلال بنفسه في الحياة، وأداء وظيفته الطبيعية فيها، وتكوين مجتمع خاص به، وتعاونه مع المجتمع الكبير على نطاق واسع معتمداً على قدراته وإمكانياته.
والثالثة : ( أزمة الشيخوخة ) :
حين تضمحل قدرة المرء على أداء وظيفته التناسلية وهي أزمة تسمى أحياناً بسن اليأس.
والذي يعنينا ونحن ندرس ( الدافع الجنسي ) هي ( أزمة المراهقة ) ففيها تزداد رغبة المرء في الإستقلال وحاجته إلى أن يغدو شيئاً مذكوراً ، ومن ثم فهو يسعى إلى إعادة النظر في الروابط التي تربطه بأهله ورفقاء طفولته لينبذ منها ما لم يعد متفقاً مع نظرته الجديدة إلى نفسه وإلى الأمور، وكذلك يعمد إلى مراجعة الحقائق التي كان يتقبلها عن طيب خاطر، فينبذ ما لا ينسجم منها مع وضعه الجديد، فما يصدر إليه من أوامر والديه مثلاً لا يتقبله على علاته ويطيعه على الفور، بل يعمل إلى تحليله ووزنه، ويتمرد على ما يعده خليقاً بطفل صغير أي أنه بمعنى آخر يتمرد على كل ما يستهدف جعله تابعاً، أو يقيده بقيود، أو يفرض عليه فروضاً، ويتوق إلى ما يشعره بإستقلاله وفرديته، على أنه ينبغي ألا يغيب عن بالنا أن ( الفتى ) برغم رغبته في الإستقلال وحاجته إلى الإحساس بفرديته وأهميته والسيطرة على الوسط المحيط به، يرغب في الوقت نفسه أن يظل طفلاً مستمتعاً بروابطه العاطفية بوالديه، وبالتبعية التي لا تحمله مسئولية ولا تلقي عليه تبعة …. ومن ثم فما يبديه من نشاط ينبىء عن رغبته في إخضاع البيئة التي تحيط به، إنما يُخفي في الحقيقة صراعاً داخلياً يحس له في نفسه قلقاً غامضاً، ويحتاج إلى رعاية وحنان وفهم المحيطين به حتى تمر أزمة المراهقة بسلام .
ويجدر بنا أن نذكر هنا أن مرحلة البلوغ هي التي يظهر فيها ( الدافع الجنسي ) فحين يولد الطفل لا تكون هناك علامة تميز جنسه سوى الأعضاء التناسلية الظاهرة، أما فيما عداها فلا يكون ثمة فارق مميز بين الجنسين، ولهذا تسمى الأعضاء التناسلية بالخصائص الجنسية الأولية .
وتظل الأعضاء التناسلية هي الشىء الجوهري المميز للجنسين حتى يقتربا من طور البلوغ، وكلما اقتربا من هذه المرحلة ظهرت خصائص طبيعية أخرى تميز من حيث الشكل بين الجنسين ثم تكتمل هذه الخصائص الأخرى في سن البلوغ ويصبح الفارق واضحاً متميزاً … وهذه الخصائص تسمى الخصائص الجنسية الثانوية، وهي في الفتى تتمثل في خشونة الصوت، وظهور الشعر على مناطق معينة من الجسم، وفي الفتاة تتمثل في استدارة الجسم، وكبر الثديين، وظهور الشعر أيضاً على مناطق معينة من الجسم.
هذا من ناحية التغيرات البدنية الظاهرة، وثمة تغيرات فسيولوجية تصاحب هذه التغيرات البدنية، وتلعب الدور الأكبر في حفز سلوك المراهق وإحساسه وتفكيره وتلك هي التغيرات التي تطرأ على الغدد الجنسية وهي الخصيتان في الرجل والمبيضان في المرأة، وعلى غدد الجسم الأخرى وأهمها الغدة النخامية في قاع المخ، والدرقية في الرقبة، والغدتان الأدريناليتان وهما فوق الكليتين، وهي الغدد التي تسمى بالغدد اللاقنوية، أو الغدد الصماء، أو الغدد ذات الإفراز الداخلي Endocrine ففي طور البلوغ يزداد نشاط هذه الغدد وتزداد إفرازاتها التي تسمى بالهرمونات، ولكل هرمون تفرزه هذه الغدد دور معين يؤديه في عمليات الجسم المختلفة، أما هرمونات الغدد الجنسية بالذات وهي المسماة بالهرمونات الجنسية فهي التي تتحكم في ظهور الصفات الجنسية الثانوية أي أن ظهور هذه الصفات رهين بنشاط الغدد الجنسية وإفرازها، ولو فرض أن استئصلت الخصيتان مثلاً وهما الغدتان الجنسيتان للرجل لإمتنع ظهور الخصائص الثانوية وبقي الرجل عند البلوغ رفيع الصوت، ناعم الوجه، فاقد الرغبة الجنسية بل لإقتراب شبهاً بالإناث .
وكذلك الحال في الإناث، فالهرمونات الجنسية التي تفرزها الغدتان الجنسيتان للأنثى وهما المبيضان تقع عليهما مسئولية ظهور الخصائص الجنسية الثانوية، ولو حدث أن أستئصل المبيضان قبل البلوغ لما حاضت المرأة .
وكنتيجة لنشاط الغدد الجنسية في الذكر والأنثى يتهيأ الدافع الجنسي لأداء وظيفته الكبرى التي من أجلها أوجده الله وهي حفظ النوع عن طريق التزاوج والتناسل .
وينبغي لنا أن نؤكد هنا أن الزواج ليس خطية على الإطلاق كما يتصور غير العارفين وأنه قد وضع للإنسان في عهد طهارته وبرارته، إذ نقرأ عن ذلك الكلمات :
“فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ” (تك 1 : 27 -28).
وهكذا نرى أن الله خلق الإنسان ذكراً وأنثى، وكان غرضه من ذلك هو الزواج وحفظ النوع بأن يثمروا ويكثروا ويملأوا الأرض .
وفي الرسالة إلى العبرانيين نقرأ الكلمات :
“لِيَكُنِ الزِّوَاجُ مُكَرَّمًا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْمَضْجَعُ غَيْرَ نَجِسٍ. وَأَمَّا الْعَاهِرُونَ وَالزُّنَاةُ فَسَيَدِينُهُمُ اللهُ” (عب 13 : 4)، وهذا يعني كرامة الزواج وقدسيته.
ولكن الدافع الجنسي وهو من أعظم الدوافع التي وضعها الله في الإنسان، لأننا به نشترك مع الله في عملية ( الخلق ) وهو وسيلة تهذيب المشاعر والود نحو الجنس الآخر، قد ينحرف في سبيل ضار، خاطىء، ويصير مصدر شر ونجاسة وبلاء .
ويخطىء الكثيرون في إستخدام ( الدافع الجنسي ) قبل أن ينضجوا نضجاً تاماً، فليس مجرد الوصول إلى سن البلوغ دليلاً على أن الجنسين قد صارا أهلاً لأداء وظيفتهما التناسلية وإنما لابد من مرور وقت كاف لينضج فيه المراهق أو المراهقة جنسياً وإنفعالياً ليُصبح كل منهما أهلاً لأداء وظيفة التناسل وهي كما قلنا أخطر وظيفة عهد بها الله للإنسان .
كذلك يخطىء الكثيرون حين يحاولون إشباع دافعهم الجنسي بطريق غير شريف، وهم يخطئون في هذا إلى أنفسهم وإلى الجنس البشري كافة، ونحن نرى الكتاب المقدس يحذرنا من خطية ( الزنا ) ويكرر التحذير والإنذار من تكوينه إلى رؤياه، والسبب يذكره بولس الرسول في كلماته إلى الكورونثيين قائلاً :
“الأَطْعِمَةُ لِلْجَوْفِ وَالْجَوْفُ لِلأَطْعِمَةِ، وَاللهُ سَيُبِيدُ هذَا وَتِلْكَ. وَلكِنَّ الْجَسَدَ لَيْسَ لِلزِّنَا بَلْ لِلرَّبِّ، وَالرَّبُّ لِلْجَسَدِ. وَاللهُ قَدْ أَقَامَ الرَّبَّ، وَسَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِقُوَّتِهِ. أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ؟ أَفَآخُذُ أَعْضَاءَ الْمَسِيحِ وَأَجْعَلُهَا أَعْضَاءَ زَانِيَةٍ؟ حَاشَا! أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنِ الْتَصَقَ بِزَانِيَةٍ هُوَ جَسَدٌ وَاحِدٌ؟ لأَنَّهُ يَقُولُ: يَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ. اُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَا. كُلُّ خَطِيَّةٍ يَفْعَلُهَا الإِنْسَانُ هِيَ خَارِجَةٌ عَنِ الْجَسَدِ، لكِنَّ الَّذِي يَزْنِي يُخْطِئُ إِلَى جَسَدِهِ” ( 1 كو 6 : 13 -18).
إن من يشبع دافعه الجنسي ( بالزنا ) يحكم على نفسه بعذاب الإحساس بالإثم، وهو إحساس مرير ورهيب. وكذلك يخطىء جداً من يحاول إشباع دافعه الجنسي بطريق غير طبيعي، وقد حذر بولس الرسول من السير في هذا الطريق الآثم في الكلمات :
“أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ” ( 1 كو 6 : 9 -10).
ويجب أن لا يغرب عن بالنا أنه حين ينحرف الدافع الجنسي عن غرضه المقدس الذي أوجده الله من أجله تظهر على الشخص المنحرف عدة أعراض هي :
(1)محبة القصص الجنسية القذرة
(2)إلقاء النكات البذيئة
(3)الإحتفاظ بالصور العارية والمبتذلة
(4)الرغبة في حضور الأفلام والمسرحيات المثيرة
(5)الإهتمام المفرط بالأعمال الجنسية والحكايات السالفة هذا الإهتمام الذي يبلغ أحياناً درجة الإستحواذ والتسلط.
(6)الشك في المعتقدات الدينية، والشك في وجود الله وصدق كلمته
(7)حدوث هزات عنيفة في حياة المرء بالنسبة إلى القيم والمثل العليا.
يحدثنا الواعظ الأمريكي الأشهر دويت لايمان مودي عن شاب ذهب إليه ودار بينهما الحديث التالي :
الشاب : إنني أشك في صدق كلمة الله وسبب ذلك إنني لا أجد في سفر التكوين أي حديث عن زوجة قايين، فهل لك أن تقول لي ممن تزوج قايين ؟
مودي : لا شك أنه تزوج أخته لأن وضع الحياة كان يقتضي ذلك، ولم يذكر إسمها لأنها لا تتصل بنسب المسيح له المجد أو بتدبيرات الله .
الشاب : أنا لا أصدق هذا التفسير …. إن زوجة قايين مشكلة تسىء إلى كلمة الله .
وأدرك مودي أن الشاب منحرف جنسياً، فنظر إليه نظرة فاحصة ثم قال : يبدو لي يا صاحبي أن السر ليس في زوجة قايين، ولكنه في إمراة أخرى دنست طهارتك .
وأحنى الشاب رأسه في مذلة ومضى في طريقه.
لنذكر أن انحراف الدافع الجنسي كثيراً ما يقود الشباب إلى الإلحاد والشك في صدق كلمة الله، وانهيار المثل العليا، والإبتعاد عن الإجتماعات الدينية الروحية ذات الطابع المؤثر الفعال.
هذا يأتي بنا إلى السؤال: كيف تساعدنا المسيحية على تكييف الدافع الجنسي ؟! وللإجابة نقول :
أولاً : إفهم دافعك الجنسي فهماً صحيحاً :
لقد أوجد الله هذا الدافع لغرض مقدس عظيم، هو حفظ النوع، وإيجاد الود والترابط بين الجنسين، لكي تبقى الحياة مستمرة متصلة على هذه الأرض فينبغي أن نفهم ذلك جيداً، وأن تحفظ نفسك طاهراً حتى يحين الموعد الذي يعمل فيه هذا الدافع في الطريق وبالوسيلة التي رسمها الله لبقاء النوع، وعليك أن تدرك جميع التغيرات التي تحدث في بدنك، ونفسك، لتقابلها بفهم ووعي، وإدراك، وهدوء، وتعقل. ولا تنس نصيحة بولس لتيموثاوس الشاب “لاَ تَضَعْ يَدًا عَلَى أَحَدٍ بِالْعَجَلَةِ، وَلاَ تَشْتَرِكْ فِي خَطَايَا الآخَرِينَ. اِحْفَظْ نَفْسَكَ طَاهِرًا” (1 تي 5 :22).
ثانياً : ابتعد عن المثيرات :
إن المثيرات بمثابة النار التي تشعل البارود، فإبتعد عنها …. هل قلت إبتعد عنها ؟! إن بولس يستخدم عبارة أقوى فيقول ” إهرب منها ” وهو يكتب بالحرف الواحد لتيموثاوس الشاب هذه الكلمات “أَمَّا الشَّهَوَاتُ الشَّبَابِيَّةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا، وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلاَمَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الرَّبَّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ” (2 تي 2 : 22).
وكذلك يكتب للمؤمنين في كورنثوس قائلاً :
” اُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَا. كُلُّ خَطِيَّةٍ يَفْعَلُهَا الإِنْسَانُ هِيَ خَارِجَةٌ عَنِ الْجَسَدِ، لكِنَّ الَّذِي يَزْنِي يُخْطِئُ إِلَى جَسَدِهِ “ (1 كو 6 : 18).
فإحذر من أن تبقى وحدك مع فتاة أو إمرأة بغير مبرر قوي قاهر للبقاء، وابتعد عن الأفلام السينمائية المثيرة فهي تشعل الدافع الجنسي وتصور الحياة الجنسية في صورة غير صحيحة وغير واقعية، وابتعد عن الحفلات المكتظة بالنساء العاريات، واحذر التأمل وإطالة النظر في الصور الجنسية العارية التي كثيراً ما يقدمها الشيطان بإسم الفن، والفن الحقيقي منها برىء، إحرق هذه الصور، وليكن شعارك كشعار أيوب “عَهْدًا قَطَعْتُ لِعَيْنَيَّ، فَكَيْفَ أَتَطَلَّعُ فِي عَذْرَاءَ” (أي 31 :1) والتطلع هنا يعني إطالة النظر والتأمل وتفحص أجزاء الجسم الأمر الذي يؤدي إلى إثارة الدافع الجنسي .
ونصيحة قلبية أوجهها لكل شاب أن يحذر قراءة الأدب الوجودي الذي هو في حقيقته أدب همجي لأنه يكشف عورات النفس الإنسانية، ويمزق الستائر عن الجسد الإنساني وهو كريه في عيني خالقه لدرجة أن بولس الرسول يقول عنه ” أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيِ للهِ” ( 1 كو 6 : 19 -20).
واحذر (الرقص العصري) ولا تنخدع بالتسميات الكاذبة التي يطلقها عليه الناس، وإسمع كلمات سليمان الملك المختبر الحكيم “أَيَأْخُذُ إِنْسَانٌ نَارًا فِي حِضْنِهِ وَلاَ تَحْتَرِقُ ثِيَابُهُ” (أم 6 :27).
إن الرقص العصري هو فخ رهيب من فخاخ الشيطان للشبان والفتيات وللرجال والنساء.
أخيراً إحذر المجتمعات الفاسدة المفسدة
حدثني صديق جليل عن ابنة قسيس نشأت في بيئة دينية عالية، وتجددت ونضجت اختباراتها، ثم جربها الشيطان بأن تحاول الذهاب إلى المجتمعات الفاسدة، بحجة أن ترى العالم على صورته الحقيقية، فتحدثت إلى والدها في الأمر، لكنه رفض قائلاً لها ” لاَ تَضِلُّوا فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ” (1 كو 15 :33).
فإحتجت الفتاة قائلة : «كلا يا أبي إنها لا يمكن أن تفسدني فقد تشبعت بمواعظك، واختبرت حياة التجديد فلا خوف عليّ» وكان الوالد يسمعها وهو جالس إلى جوار المدفأة فأمسك قطعة فحم لم تصل إليها النار وألقاها في خفة على فستان إبنته، فأسرعت بدورها ونفضتها عنها، لكن قطعة الفحم كانت قد تركت أثراً في الفستان وهنا نظر إليها أبوها وقال :« أنظري يا ابنتي …. لقد أسرعتِ بنفض قطعة الفحم عن ثيابك …. ولكن ألا ترين أنها قد تركت أثراً أسود في فستانك ».
المجتمعات الفاسدة قد لا تحدرك إلى الأوحال لكنها تترك أثراً سيئاً في حياتك، إنها تثير الدافع الجنسي فيك بكيفية مخيفة فإسمع نصيحتي وابتعد عن المثيرات.
ثالثاً : أنظر نظرة نظيفة للجنس الآخر :
إن كل فتاة هي إحدى ثلاث، فإما أن تكون ( أمك ) أو ( أختك ) أو ( زوجتك ).
ويقيناً أن كل واحد منا يريد أن يكون هؤلاء طاهرات عفيفات فاضلات ….. فلماذا تطلب لنفسك ما تحرمه على غيرك؟!
ومن الجهة الأخرى ينبغي للفتاة أن تنظر للشاب نظرة بريئة طاهرة، وأن تحذر من أن تسلب رجلاً من زوجته أو تسرقه من أسرته ….. إن الزواج الحق السعيد يتم وفق إرادة الرب وحين يرى الرب إخلاص القلب، سيرسل الشاب المناسب في الوقت المناسب، فلا تتعجلي وقتك … وأذكري أنه خير لكِ ألف مرة أن تبقى بلا زواج، من زواج فاشل يحول سعادتك إلى شقاء مرير.
إن النظر للجنس الآخر نظرة مشتهية هو ( زنا ) بحسب كلمات ربنا “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ” (مت 5 : 27 – 28).
لذلك إصغ إلى كلمات سليمان الملك الحكيم الذي إمتلك ألف إمرأة، من كل الألوان، والأحجام، والأشكال، ثم قال في النهاية ” فَكَرِهْتُ الْحَيَاةَ، لأَنَّهُ رَدِيءٌ عِنْدِي، الْعَمَلُ الَّذِي عُمِلَ تَحْتَ الشَّمْسِ، لأَنَّ الْكُلَّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ” (جا 2 : 17).
إسمعه وهو يقدم لك نصائحه العملية الإختبارية “يَا ابْنِي، احْفَظْ وَصَايَا أَبِيكَ وَلاَ تَتْرُكْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ. اُرْبُطْهَا عَلَى قَلْبِكَ دَائِمًا. قَلِّدْ بِهَا عُنُقَكَ. إِذَا ذَهَبْتَ تَهْدِيكَ. إِذَا نِمْتَ تَحْرُسُكَ، وَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ فَهِيَ تُحَدِّثُكَ. لأَنَّ الْوَصِيَّةَ مِصْبَاحٌ، وَالشَّرِيعَةَ نُورٌ، وَتَوْبِيخَاتِ الأَدَبِ طَرِيقُ الْحَيَاةِ. لِحِفْظِكَ مِنَ الْمَرْأَةِ الشِّرِّيرَةِ، مِنْ مَلَقِ لِسَانِ الأَجْنَبِيَّةِ.لاَ تَشْتَهِيَنَّ جَمَالَهَا بِقَلْبِكَ، وَلاَ تَأْخُذْكَ بِهُدُبِهَا. لأَنَّهُ بِسَبَبِ امْرَأَةٍ زَانِيَةٍ يَفْتَقِرُ الْمَرْءُ إِلَى رَغِيفِ خُبْزٍ، وَامْرَأَةُ رَجُل آخَرَ تَقْتَنِصُ النَّفْسَ الْكَرِيمَةَ. أَيَأْخُذُ إِنْسَانٌ نَارًا فِي حِضْنِهِ وَلاَ تَحْتَرِقُ ثِيَابُهُ؟ أَوَ يَمْشِي إِنْسَانٌ عَلَى الْجَمْرِ وَلاَ تَكْتَوِي رِجْلاَهُ؟ هكَذَا مَنْ يَدْخُلُ عَلَى امْرَأَةِ صَاحِبِهِ. كُلُّ مَنْ يَمَسُّهَا لاَ يَكُونُ بَرِيئًا. لاَ يَسْتَخِفُّونَ بِالسَّارِقِ وَلَوْ سَرِقَ لِيُشْبعَ نَفْسَهُ وَهُوَ جَوْعَانٌ (أي أن إشباع الدافع الجنسي بطريق غير شريف خطر يُعرض الإنسان للهلاك ) إِنْ وُجِدَ يَرُدُّ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، وَيُعْطِي كُلَّ قِنْيَةِ بَيْتِهِ. أَمَّا الزَّانِي بِامْرَأَةٍ فَعَدِيمُ الْعَقْلِ. الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ هُوَ يَفْعَلُهُ. ضَرْبًا وَخِزْيًا يَجِدُ، وَعَارُهُ لاَ يُمْحَى” (أم 6 : 20 – 33).
ثم يستطرد سليمان قائلاً : “يَا ابْنِي، احْفَظْ كَلاَمِي وَاذْخَرْ وَصَايَايَ عِنْدَكَ. احْفَظْ وَصَايَايَ فَتَحْيَا، وَشَرِيعَتِي كَحَدَقَةِ عَيْنِكَ. اُرْبُطْهَا عَلَى أَصَابِعِكَ. اكْتُبْهَا عَلَى لَوْحِ قَلْبِكَ. قُلْ لِلْحِكْمَةِ: أَنْتِ أُخْتِي وَادْعُ الْفَهْمَ ذَا قَرَابَةٍ. لِتَحْفَظَكَ مِنَ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ، مِنَ الْغَرِيبَةِ الْمَلِقَةِ بِكَلاَمِهَا. لأَنِّي مِنْ كُوَّةِ بَيْتِي، مِنْ وَرَاءِ شُبَّاكِي تَطَلَّعْتُ، فَرَأَيْتُ بَيْنَ الْجُهَّالِ، لاَحَظْتُ بَيْنَ الْبَنِينَ غُلاَمًا عَدِيمَ الْفَهْمِ، عَابِرًا فِي الشَّارِعِ عِنْدَ زَاوِيَتِهَا، وَصَاعِدًا فِي طَرِيقِ بَيْتِهَا. فِي الْعِشَاءِ، فِي مَسَاءِ الْيَوْمِ، فِي حَدَقَةِ اللَّيْلِ وَالظَّلاَمِ. وَإِذَا بِامْرَأَةٍ اسْتَقْبَلَتْهُ فِي زِيِّ زَانِيَةٍ، وَخَبِيثَةِ الْقَلْبِ. صَخَّابَةٌ هِيَ وَجَامِحَةٌ. فِي بَيْتِهَا لاَ تَسْتَقِرُّ قَدَمَاهَا. تَارَةً فِي الْخَارِجِ، وَأُخْرَى فِي الشَّوَارِعِ، وَعِنْدَ كُلِّ زَاوِيَةٍ تَكْمُنُ. فَأَمْسَكَتْهُ وَقَبَّلَتْهُ. أَوْقَحَتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ لَهُ: عَلَيَّ ذَبَائِحُ السَّلاَمَةِ. الْيَوْمَ أَوْفَيْتُ نُذُورِي. فَلِذلِكَ خَرَجْتُ لِلِقَائِكَ، لأَطْلُبَ وَجْهَكَ حَتَّى أَجِدَكَ. بِالدِّيبَاجِ فَرَشْتُ سَرِيرِي، بِمُوَشَّى كَتَّانٍ مِنْ مِصْرَ. عَطَّرْتُ فِرَاشِي بِمُرّ وَعُودٍ وَقِرْفَةٍ. هَلُمَّ نَرْتَوِ وُدًّا إِلَى الصَّبَاحِ. نَتَلَذَّذُ بِالْحُبِّ. لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ فِي الْبَيْتِ. ذَهَبَ فِي طَرِيق بَعِيدَةٍ. أَخَذَ صُرَّةَ الْفِضَّةِ بِيَدِهِ. يَوْمَ الْهِلاَلِ يَأْتِي إِلَى بَيْتِه. أَغْوَتْهُ بِكَثْرَةِ فُنُونِهَا، بِمَلْثِ شَفَتَيْهَا طَوَّحَتْهُ. ذَهَبَ وَرَاءَهَا لِوَقْتِهِ، كَثَوْرٍ يَذْهَبُ إِلَى الذَّبْحِ، أَوْ كَالْغَبِيِّ إِلَى قَيْدِ الْقِصَاصِ، حَتَّى يَشُقَّ سَهْمٌ كَبِدَهُ. كَطَيْرٍ يُسْرِعُ إِلَى الْفَخِّ وَلاَ يَدْرِي أَنَّهُ لِنَفْسِهِ” .
ويختتم سليمان كلماته بهذه النصيحة الغالية ” وَالآنَ أَيُّهَا الأَبْنَاءُ اسْمَعُوا لِي وَأَصْغُوا لِكَلِمَاتِ فَمِي: لاَ يَمِلْ قَلْبُكَ إِلَى طُرُقِهَا، وَلاَ تَشْرُدْ فِي مَسَالِكِهَا. لأَنَّهَا طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ. طُرُقُ الْهَاوِيَةِ بَيْتُهَا، هَابِطَةٌ إِلَى خُدُورِ الْمَوْتِ” (أم 7).
أجل أيها الشاب أنظر نظرة نظيفة للجنس الآخر، ولا تدنس طهارتك بالنجاسة .
رابعاً : ضع الله كقوة مسيطرة لدافعك الجنسي :
نجد في الكتاب المقدس صورتين لشخصين، الصورة الأولى لداود الذي نقرأ عنه الكلمات “وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جِدًّا. فَأَرْسَلَ دَاوُدُ وَسَأَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِدٌ: أَلَيْسَتْ هذِهِ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ؟. فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلًا وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا” (2 صم 11 : 2 -4).
وهنا نجد داود العظيم وقد انحدر إلى هوة السقوط وكسر الوصية السابعة الصريحة. كل هذا لأنه خضع لنداء الدافع الجنسي دون أن يعمل حساباً لله .
وبهذه المناسبة نجد لزاماً علينا أن نوجه كلمة خاصة إلى الفتيات والسيدات، لقد نظر داود الملك والنبي إلى إمرأة على السطح تستحم فسقط سقطته الكبرى، فهل ترضى الأخت المؤمنة أن تتسبب في سقوط الشباب بُعريها على شاطىء البحر أو بملابسها العارية في الطريق العام؟!
أكتب هذا للتأمل والتحذير “وَيْلٌ لِلْعَالَمِ مِنَ الْعَثَرَاتِ! فَلاَ بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ” ( مت 8 : 17).
نأتي الآن للحديث عن الصورة الثانية وهي صورة ( يوسف ) الشاب البطل الظافر المنتصر، فهذا الشاب قد أحيط بالتجربة المحرقة بصورة رهيبة، وليس شك أنه قد دخل في صراع جبار مع دافعه الجنسي، فهو إنسان، وهو شاب، وفيه حيوية الشباب.
ولقد أدرك ( يوسف ) خلال صراعه أنه لن يستطيع وحده السيطرة على هذا الدافع القوي، فوضع الله كقوة مسيطرة عليه، فلما نادته إمرأة فوطيفار لإغرائه، كان الله هناك، وصرخ الشاب العظيم في وجهها ” لَيْسَ هُوَ فِي هذَا الْبَيْتِ أَعْظَمَ مِنِّي. وَلَمْ يُمْسِكْ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَكِ، لأَنَّكِ امْرَأَتُهُ. فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ” (تك 39 : 9).
وهنا نرى أن ( يوسف ) وضع الله كقوة مسيطرة على الدافع الجنسي من جهة، وحسب الحساب الصحيح لخطية الزنا بإعتبارها خطية موجهة ضد الله من جهة أخرى.
كما ردد داود بعد إرتكابه للخطية قائلاً ” إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ، وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ” ( مز 51 :4).
ولما ألحت عليه المرأة وجد أن أسلم طريق هو الهرب ” فَأَمْسَكَتْهُ بِثَوْبِهِ قَائِلَةً: اضْطَجعْ مَعِي!. فَتَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ” ( تك 39 : 12).
وما أجمل أن يفعل كل شاب مثل ما فعل يوسف الشاب !!
خامساً : لا تدبر أمراً لإشباع الدافع الجنسي :
يكتب بولس في رسالته إلى أهل رومية قائلاً ” لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ: لاَ بِالْبَطَرِ ( أي المرح الزائد ) وَالسُّكْرِ، لاَ بِالْمَضَاجعِ وَالْعَهَرِ، لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ. بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ” ( رو 13 : 13 -14).
قال الولد لأمه : سأذهب إلى شاطىء البحر يا أماه .
قالت الأم : أنا لا أريدك أن تستحم في البحر اليوم .
قال الولد : سأذهب ولكنني لن أستحم .
وذهب الولد …. ونزل البحر وإستحم …. وعاد إلى البيت ليأخذ حماماً بالماء العذب .
فقالت له الأم : هل نزلت البحر ؟
قال : نعم يا أماه .
قالت : ألم تعدني أنك لن تنزل البحر ؟
قال : البحر أغراني يا ماما فنزلت .
قالت : هل نزلت بملابسك ؟
قال : كلا كنت قد أخذت معي ( لباس البحر ) خوفاً من أن يغريني البحر فلا أستطيع النزول.
قالت الأم : آه أيها الولد الأثيم، لقد دبرت الأمر قبل أن تذهب إلى البحر .
وكثيرون يفعلون هكذا مع الدافع الجنسي فيهيئون له السبيل للنصرة عليهم .
فإحذر من أن تدبر لنفسك جلسة، أو خلوة، أو مكاناً لإشباع شهواتك بطريق غير نظيف .
سادساً : إحذر خداع الغريزة ولا تستمع لندائها :
في رسالة يعقوب نقرأ هذه الكلمات ” لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا. وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ. ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا” ( يع 1 : 13 -15).
أذكر مرة أن سأل أحد أصدقائي مرسلة أمريكية قديسة انتقلت إلى المجد :« ماذا يفعل إزاء الأفكار الجنسية الملحة؟»
وكانت المرسلة جالسة فقامت وأغلقت باب غرفة خاوية ثم شرعت تقرع عليه برفق أولاً ثم بشدة إزدادت مع الوقت. وبعدئذ عادت إلى مكانها وسألت صديقي : «هل فتح لي أحد ؟»
أجاب كلا ! قالت :« إفعل هكذا مع الأفكار الجنسية الملحة … أتركها على الباب، وأسرع بأن تشغل نفسك بعمل جليل، ستذهب الأفكار دون أن تقتحم رأسك».
أجل إثبت في صراعك، ولا تتذبذب في حياتك المسيحية وأذكر الكلمات التي قيلت عن دانيال “أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لاَ يَتَنَجَّسَ” ( دا 1 : 8).
فعلى قدر عزمك وثباتك تكون نُصرتك. وأذكر كلمات بولس الرسول ” إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ. هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ” ( 2 كو 10 : 4 -5).
وطبق نصيحته الإيجابية للفيلبيين على حياتك ” أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَقٌ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا” ( في 4 : 8).
وأذكر أن الأفكار الإيجابية الطاهرة تطرد الأفكار السلبية النجسة.
سابعاً : حول دافعك الجنسي إلى أعمال عظيمة :
يخشى الكثيرون ضبط دافعهم الجنسي لئلا يصابوا بالأمراض النفسية نتيجة ( كبت ) هذا الدافع، وتتردد كلمة ( الكبت ) على أفواه الرجال والنساء دون فهم لمدلولها .
والكبت ليس معناه ضبط المرء لدوافعه المعروفة بل أن الكبت لا يتضمن وعي الفرد بما يكبته من دوافع فإستخدام كلمة الكبت بمناسبة وبغير مناسبة ضار جداً بالشباب، لأن ضبط الدافع الجنسي ليس كبتاً على الإطلاق .
ويمكننا القول بأن التصرف الحكيم إزاء الدافع الجنسي هو تحويل هذا الدافع إلى أعمال عظيمة.
يقول ( سيجموند فرويد ) إن هناك طريقتين للتصرف إزاء الدافع الجنسي (الضبط ) أو ( الإبدال)
وفي إمكان كل شاب أن يضبط نفسه بنعمة الله، وأن يسير بدافعه الجنسي في طريق الإعلاء ولقد خلق الله فينا القدرة على تحويل هذا الدافع إلى أعمال عظيمة نافعة …. ويقرر علماء النفس أنهم وجدوا عنصراً جنسياً قوياً في كثير من آثار الموسيقيين والشعراء، ففي وسع كل شاب أن يجد منفذاً لهذا الدافع في الموسيقى، والشعر، والأدب، والعمل العقلي المبتكر، والترنيم، والخدمة، والعمل الفردي، والكتابة، والعاطفة المضحية حتى يحين موعد عمله الشرعي الطبيعي.
وهل هناك صورة أروع من صورة مس ليليان تراشر، التي رفضت الزواج وحولت هذا الدافع إلى خدمة مضحية رائعة، وصارت أماً لألوف الأولاد والبنات على ضفاف النيل، وجعلت حياتها بركة كبرى للكثيرين.
إن نعمة الله كفيلة بالإرتفاع بدوافعنا إلى المكان الذي فيه نسمو بها إلى خدمة خالدة مباركة.
ثامناً : أنظر إلى زوجتك النظرة المسيحية :
إن كثيرين من المتزوجين غير سعداء لأنهم لم يفهموا حقيقة الدافع الجنسي، ومن وراء هذا الدافع تنشأ المتاعب الكبرى في الحياة العائلية، لذلك يجدر بنا ونحن نعالج هذا الموضوع الخطير أن نوجه كلمة للمتزوجين.
يقول الأستاذ تومسون «إن الحب البشري قد تطور إلى علاقة كثيرة التعقيد، وأصبحت الجاذبية الجنسية التي كانت في أولها بسيطة نسبياً أكثر رقة، وإن كان عنصر العاطفة هو الغالب فيها. وبذلك تقوى هذه الجاذبية حتى تصبح حباً غريزياً وشعرياً معاً. كشجرة نفذت جذورها في الطبيعة الحيوانية وانتشرت فروعها عالية في ضوء الشمس تحمل ثمار الروح.
ولذا فلا يجب أن تكون العملية الجنسية مجرد عملية حيوانية خالية من العاطفة الحقيقية لأن هذا يجعل المرء ينظر إلى الموضوع كله بعين المقت والزراية والسخط والكراهية فتصبح العلاقة الجنسية علاقة وحشية وتنقلب أسس الحياة العائلية إلى شقاء مقيم».
إن أجمل منظر رأته أرضنا، هو منظر آدم حين أحضر له الرب شريكة حياته حواء وعندئذ تلقاها آدم بالترحاب وهو يهتف مهللاً ” فَقَالَ آدَمُ: هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ” ( تك 2 : 23).
فالمسيحي الحقيقي يرى في زوجته صورة طبق الأصل منه، فهي عظم من عظامه، وهي لحم من لحمه، ولم يهمل أحد جسده قط بل يقوته ويربيه، وهكذا يجب أن يلاحظ الرجل زوجته ويرعاها، ويكفل لها الهناء والبهجة والسرور.
إن المسيحية وضعت قانوناً واضحاً صريحاً يقول :
“رجل واحد لإمرأة واحدة “
فهي لا تبيح بحال تعدد الزوجات، وهذه هي نصوص الكتاب :
(1) عندما كانت الأرض خالية من البشر إلا من آدم وحده، نقرأ الكلمات :
“فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. فَقَالَ آدَمُ: هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ. لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا” ( تك 2 : 21 -24 ).
وفي هذه الآيات نرى وحدة الزواج …. رجل واحد وإمراة واحدة ….. في وقت كانت الحاجة فيه ماسة إلى أكثر من إمرأة لإكثار النوع على الأرض خلق الله إمرأة واحدة للرجل الواحد …. وحين تحدث الرجل الواحد عن زوجته الواحدة، تحدث بحب وعطف وتقدير ومساواة “هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي” والوحي الإلهي يقول “لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا”
هنا وحدة الزواج المسيحي إنها وحدة في الجسد، كما هي وحدة في العاطفة، إنها كوحدة القيثارة والقوس، فكما أن القيثارة لا تعزف بدونها قوسها، ولا القوس يعزف بغير القيثارة كذلك في الزواج المسيحي “وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا” ويخرجان معاً أعذب أنغام الحياة .
(2) في إنجيل متى الأصحاح (19) نقرأ الكلمات ” وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ. قَالُوا لَهُ: فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَق فَتُطَلَّقُ؟ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي” (مت 19 : 3-9).
إذن لا طلاق في المسيحية، رجل واحد لإمراة واحدة مدى العمر، وإلى أن يحتوي جسدهما أو جسد أحدهما القبر، “إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ “ (مت 19 : 6) إن الزواج في المسيحية يعني وحدة القلب، والعاطفة، والأهداف، والغايات، إنه إتحاد في الجسد، والروح، والعاطفة.
(3)يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس “وَلكِنْ لِسَبَبِ الزِّنَا، لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ، وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا” ( 1كو 7 : 3).
ويستطرد الرسول قائلاً ” لِيُوفِ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ حَقَّهَا الْوَاجِبَ، وَكَذلِكَ الْمَرْأَةُ أَيْضًا الرَّجُلَ. لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهَا، بَلْ لِلرَّجُلِ. وَكَذلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهِ، بَلْ لِلْمَرْأَةِ. لاَ يَسْلُبْ أَحَدُكُمُ الآخَرَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوافَقَةٍ، إِلَى حِينٍ، لِكَيْ تَتَفَرَّغُوا لِلصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، ثُمَّ تَجْتَمِعُوا أَيْضًا مَعًا لِكَيْ لاَ يُجَرِّبَكُمُ الشَّيْطَانُ لِسَبَبِ عَدَمِ نَزَاهَتِكُمْ” ( 1 كو 7 : 3 -5).
وهذه كلمات جامعة مانعة قاطعة تؤكد أن الزواج المسيحي لا تعدد فيه، بل رجل واحد لإمرأة واحدة، لا يملك أحدهما جسده، بل يملك كل منهما جسد الآخر !!
وكيف يمكن أن يكون جسد الرجل ملكاً للمرأة إذا أباحت المسيحية تعدد الزوجات؟ وإذا تزوج الرجل أكثر من واحدة فمن منهن تمتلك جسده ؟ وكيف يمكن أن يتفرغ الرجل إلى حين للصوم والصلاة أي بعيداً عن الإتصال الجنسي وهو ملزم أن يوفي زوجاته في حالة إباحة المسيحية تعدد الزوجات هذا الحق الواجب ؟ وكيف يقدر الرجل أن يوفي المرأة حقها الواجب وهو مرتبط بغيرها ؟!
إن المسيحية ترقى بالدافع الجنسي، وتعطي للزواج مكانته القدسية، وتنظم الأسرة على أساس متين من الوحدة التي لا تنفصم …. وهنا السعادة القصوى …. سعادة الرجل والمرأة والأولاد على سواء .
دافع البحث عن الطعام :
الطعام … الطعام … مَن مِن البشر يقدر أن يحيا بغير طعام ؟!
كلنا يبحث عن الطعام، ويأكل ليعيش، ولكن كثيرين من الناس انحرف فيهم هذا الدافع، فصار شعارهم، لنأكل ونشرب لأننا غداً نموت، فهل يمكن أن نجد في المسيحية ما يساعد المرء على تكييف هذا الدافع القوي؟ أجل أن المسيحية تقدم لك هذه الخطوات :
أولاً : أشكر على كل طعام يقدم لك، فالشكر يجعل الطعام لذيذاً :
حين كان سيدنا على الأرض، كان يشكر قبل أن يأكل، وكان بهذا يعطينا درساً في شكر الله على عطاياه، والشكر يضفي على ( الشاكر) شعوراً تلقائياً بالرضا عن ما أمامه، فيأكل وهو يشعر بلذة الطعام، ويقول بولس لتلميذه تيموثاوس ” لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ، لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ” ( 1تي 4 :4).
فأشكر الله على كل طعام يُقدم لك، وثق أنك ستجد طعمه لذيذاً في فمك، فلذة الطعام في الرضا به والإقتناع بكفايته.
ثانيا: تيقن من رضا الله على ما تأكله :
وضع الكتاب المقدس قوانين واضحة للتيقن من رضا الله على ما نأكله.
وأول قانون هو ما ذكره بولس الرسول لأهل كورنثوس ” فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ” ( 1 كو 10 : 31).
فسل نفسك قبل الطعام، هل مواد هذا الطعام لمجد الله؟ هل هي لصحة جسدي وروحي ونفسي؟ أم لملذاتي وإثارة شهواتي؟!
القانون الثاني نجده في رسالة كولوسي ” وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْل أَوْ فِعْل، فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، شَاكِرِينَ اللهَ وَالآبَ بِهِ” (كو 3 : 17).
فهل ما تأكله تقدر أن تأكله بإسم الرب يسوع ؟ هل يرضى يسوع له المجد أن يشاركك مواد طعامك؟
القانون الثالث نجده في رسالة كورنثوس الأولى ” أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيِ للهِ” ( 1 كو 6 : 19 -20).
فهل أنت متيقن أنك لست ملكاً لذاتك ؟ وهل ترفض أي طعام أو شراب يضر جسدك لأنه هيكل للروح القدس ؟! .
نقرأ عن دانيال هذه الكلمات ” أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لاَ يَتَنَجَّسَ” ( دا 1 : 8).
لقد كانت المائدة الملكية في بابل تحمل الأطايب وكؤوس الخمر، ولكن دانيال أدرك أن هذا الطعام الفاخر ليس لمجد الله، وأنه لا يمكن أن يتناوله وهو واثق من ملكية الله له، فطلب من رئيس الخصيان أن لا يتنجس.
واسمع رجاءه لرئيس السقاة “فَقَالَ دَانِيآلُ لِرَئِيسِ السُّقَاةِ الَّذِي وَلاَّهُ رَئِيسُ الْخِصْيَانِ عَلَى دَانِيآلَ وَحَنَنْيَا وَمِيشَائِيلَ وَعَزَرْيَا: جَرِّبْ عَبِيدَكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. فَلْيُعْطُونَا الْقَطَانِيَّ لِنَأْكُلَ وَمَاءً لِنَشْرَبَ. وَلْيَنْظُرُوا إِلَى مَنَاظِرِنَا أَمَامَكَ وَإِلَى مَنَاظِرِ الْفِتْيَانِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ مِنْ أَطَايِبِ الْمَلِكِ. ثُمَّ اصْنَعْ بِعَبِيدِكَ كَمَا تَرَى” ( دا 1 : 11 -13).
وماذا حدث بعد الأيام العشرة ؟ “وَعِنْدَ نِهَايَةِ الْعَشَرَةِ الأَيَّامِ ظَهَرَتْ مَنَاظِرُهُمْ أَحْسَنَ وَأَسْمَنَ لَحْمًا مِنْ كُلِّ الْفِتْيَانِ الآكِلِينَ مِنْ أَطَايِبِ الْمَلِكِ. فَكَانَ رَئِيسُ السُّقَاةِ يَرْفَعُ أَطَايِبَهُمْ وَخَمْرَ مَشْرُوبِهِمْ وَيُعْطِيهِمْ قَطَانِيَّ” ( ويراد بالقطاني عند علماء العرب بجميع الحبوب التي تطبخ كا العدس والفول واللوبيا والحمص ) ( دا 1 : 15 -16).
فقبل أن تأكل طعاماً تيقن من رضا الله على ما تأكله، وثق أن بالجسم قدرة على تحويل الأطعمة التي تصل إلى معدتك إلى العناصر التي يحتاجها، وأن العبرة في راحة الضمير والإحساس برضا الله القدير. ودرب نفسك على الإكتفاء والقناعة كما تدرب بولس الرسول فكتب قائلاً :
” لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ. أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ. أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي” (في 4 : 11 – 13).
فلو دربت نفسك على الإكتفاء والقناعة، صار طعامك كيفما كان نوعه لذيذاً في فمك، حلواً في مذاقك، إن هذا التدريب سيمتعك بالسعادة الداخلية سعادة الرضا والإكتفاء والقناعة .
ثالثاً : لا تجعل الطعام هدفاً لحياتك :
إذا أكلت لتعيش فستحيا سعيداً، أما إذا عشت لتأكل فما أشقاك ….. إنك ستصبح شرهاً، لا تشبع ولا ترتوي .
وهنا لا بد من كلمة عن ( الصوم ) فمن الضروري أن تتعلم السيطرة على دافع البحث عن الطعام، عن طريق الإنقطاع عن الطعام للتفرغ لما هو أسمى من الطعام، لدراسة كلمة الله والصلاة، فهناك حقيقة هامة نسيها الكثيرون وذكرها ربنا له المجد هي أنه “فَأَجَابَ وَقَالَ: مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ “ ( مت 4 : 4).
فيجب أن تكرس أياماً بينك وبين إلهك في كل أسبوع أو في كل شهر لتنقطع عن الطعام في ذلك اليوم، وتبقى مع الرب لتشبع به ومع كلمته لتحيا وتتغذى بها.
ولقد كان بولس الرسول كثير الصوم وهو يكتب عن هذا قائلاً “فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ” ( 2 كو 11 : 27).
لقد صام ربنا في البرية، إنقطع كلية عن الطعام، تاركاً لنا مثالاً لنتبع خطواته، فلنتعلم في مدرسته، ولنكيف دافع البحث عن الطعام وفق مشيئته.
الدافع الإجتماعي :
يوجد الدافع الإجتماعي عند الإنسان والحيوان وقد أثبتت الأبحاث المتصلة بعلم نفس الطفل أن هذا الدافع لا يوجد عند الأطفال قبل نهاية النصف الثاني من السنة الأولى …. وهذا الميل إلى الإجتماع لا يوجد في الطفل منذ ميلاده، وإنما ينشأ نتيجة تفاعل الفرد بالمجتمع على مستوياته المختلفة في البيت، والمدرسة، والعمل، وعلى هذا فالأسلم لنا أن نفترض أن الدافع الإجتماعي يستند في أساسه إلى عوامل مكتسبة .
وينحرف هذا الدافع بالفرد فيقوده إلى الإنضمام إلى المجتمعات الفاسدة، والإنسياق بلا تفكير وراء عادات وتقاليد وعقائد الجماعة، وإتباع الكثيرين إلى فعل الشر. ولذا فإن هذا الدافع في حاجة إلى تكييف ليسير وفق إرادة المسيح .
ولكي يسير الإنسان في المجتمع بطريقة سليمة نافعة، يجب أن يتحرر من الأوثان والأوهام وهي كما ذكرها ( بيكون) وجاءت في كتاب مسائل فلسفية تتلخص فيما يلي :
أولاً : أوهام الجنس : Idols of race
وهي تعبر عن الأخطاء التي يقع فيها الإنسان مُساقاً بطبيعته البشرية من ذلك ميله إلى التسرع في إصدار أحكام لا تبررها مقدمات ونزوعه الطبيعي إلى التسليم بأفكار لمجرد أنها تصادف في نفسه هوى، أو تُشبع عنده نزوة، أو تسد في حياته حاجة، أو تحقق له مصلحة وكثيراً ما يتخير الإنسان شواهد تؤيد فكرة لأنه يميل إليها، وبغض النظر عن شواهد أخرى تتنافى معها، ويسوق ( بيكون) إيضاحاً لوجهة نظره قصة رجل كان يستخف بأثر النذور التي تقدم للقديسين في تحقيق مطالب الناس، فأخذوه إلى معبد وأطلعوه على كثير من اللوحات التي علقها أصحابها على جدران المعبد إعترافاً منهم بنجاتهم من الغرق لما نذروا من نذور للقديس، وقيل له : ألا تعترف بعد هذا بأن النذور لهذا القديس كفيلة بتحقيق المطالب؟ ولكنه قال في حكمة وتهكم : ولكن أين يا ترى أجد لوحات الذين نذروا النذور له التماساً للنجاة من الغرق ومع هذا ابتلع البحر جثثهم دون إكتراث لنذورهم؟!
هذه النقيصة الكامنة في طبيعة الجنس البشري كثيراً ما تنتهي بالإعتقاد بالخرافات والتسليم بصحة الأوهام، فإذا صدقت مرة أو مرات نبوءة عراف بادر الإنسان بتصديقه بعد ذلك، متغافلاً عن المرات التي يثبت فيها كذب هذا العراف … وينعق البوم فيتفق أن تقع على أثر نعيقه كارثة، فيبادر الإنسان الساذج بالإعتقاد بأن البوم ينذر بالكوارث، دون أن يضع في حسابه عشرات المرات التي يسمع فيها هذا النعيق دون أن يعقب ذلك سوء.
ثانياً : أوهام الكهف : Idols of the cave
تعبر أوثان الجنس عن نقيصة في طبيعة الجنس البشري بوجه عام، وتعبر أوثان الكهف عن الأخطاء التي يقع فيها الإنسان مسوقاً بشخصيته الفردية التي تتضافر على تكوينها تربيته وثقافته ومهنته ونحوها من عوامل لا يتحتم أن يشاركه فيها إنسان .
من هنا اختلفت نظرة الناس إلى الحياة، وتباينت وجوه الرأي عندهم، وكثيراً ما تنتهي ميول الفرد الخاصة به إلى إيقاعه في أخطاء جسيمة، فيعمى عن الحقائق التي تتنافى مع أهوائه ونزواته، ويفهم الأمور على غير وجهها لمجرد أن حقيقتها تتنافى مع رغباته.
فمن الناس المتفائل المقبل على الحياة، والمتشائم النافر من الدنيا ومَن فيها، منهم السِمح الكريم النفس، والمتعصب الحاقد …. ولا يمكن أن تبدو الأمور في نظر الجميع على وجه واحد، ومن هنا وجب الحذر من الإنسياق مع الأهواء الذاتية والميول الشخصية إتقاء للخطأ وتفادياً للزلل .
ثالثاً : أوهام السوق :Idols of the market
وهي تعبر عن الأخطاء التي تنشأ عن غموض اللغة أداة التفاهم والتعبير عن الأفكار والمعروف أن نشأة الألفاظ في أي مجتمع ترجع إلى حاجاته العملية، ولكن سرعان ما تتحكم هذه الألفاظ في تصور الناس للأشياء، وكم أفاد السوفسطائيون قديماً من غموض الألفاظ، واستغلوا إشتراكها في هدم حقائق العلم ومبادىء الأخلاق، بل في تأييد موضوع ومعارضته معاً ! وسبيل الخلاص من هذا أن تحدد معاني الألفاظ وتعرف مدلولاتها على وجه دقيق، كما أشار بهذا سقراط في مناقشته للموقف السوفسطائي .
رابعاً : أوهام المسرح :Idols of the theater
وهي تعبر عن الأخطاء التي يقع فيها الإنسان عن وعي، بسبب تسليمه بآراء الفلاسفة والمفكرين الذين أثاروا إعجابه. فالمذاهب الفلسفية والأفكار التي تلقاها عن السلف تشبه المسرحيات التي تشير إلى عوالم من خلق مؤلفيها وليست من الواقع في شيء، وشر ما في الأمر أن … أن الإنسان متى اعتقد في صحة رأي تلقاه عن غيره، تعذر عليه بعد هذا أن يتخلى عنه عندما يثبت بطلانه.
ومن أظهر الأمثلة على هذا أن أرسطو كان يرى أننا إذا ألقينا بجسمين مختلفي الثقل من مكان مرتفع بلغ الثقل الأرض قبل الأخف، وآمن العالم بعده بهذا قضية مسلمة نحو عشرين قرناً من الزمان !
وتسلق أستاذ في جامعة بيزا هو (جاليليو ) برج الجامعة وأجرى أمام جمع من أساتذتها تجربة يثبت بها بطلان هذا الزعم، وألقى بجسمين مختلفي الوزن، بعد أن فرغ الهواء الذي يؤثر في سرعة سقوطهما، فسقط الجسمان في وقت واحد !
فأثبت أن اختلاف سرعة السقوط مرده إلى مقاومة الهواء على نحو ما أشرنا من قبل . ولكن شهود التجربة من العلماء أنكروا أمرها إستناداً إلى أن أرسطو قال غير ذلك . بل أنبوا (جاليليو) لأنه فكر في البحث في موضوع سبق أن عالجه أرسطو وأبدى فيه رأياً، واضطر جاليليو إلى ترك منصبه في جامعته .
هذه هي الأوثان التي تؤدي بالناس في حياتهم اليومية وبالباحثين في دراساتهم العلمية إلى الوقوع في الخطأ، فتحجب عنهم الحقائق وتجرهم إلى مهاوي الزلل، ومن أجل هذا حذر بيكون من مغرياتها وأوجب تحرر العقل من سيطرتها، عن طريق الإعتصام بالصبر وعدم التعجل في إصدار حكم في موضوع قبل أن تتوافر مبرراته، وبهذا نتجنب مفاتن الضلال منذ البداية.
إن الإنسان كمخلوق إجتماعي يجب أن يعيش حراً ، ولا حرية إلا بالحق ولذا قال السيد له المجد ” وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ” (يو 8 : 32).
إن الحق هو شخص المسيح الكريم، الذي شهد عن نفسه بصدق قائلاً “قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي “ (يو 14 : 6).
فمن يبحث عن الطريق يجد فيه الطريق الأوحد .
ومن يبحث عن الحق يجده الحق المتجسد .
ومن يبحث عن الحياة يجد فيه الحياة .
ومن يجد المسيح، يتكيف الدافع الإجتماعي في حياته تكيفاً حقاً، فيجتمع مع المؤمنين بإسمه كما قال “لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ” ( مت 18 : 20).
ويجتمع بحسب الحق الكتابي المعلن في الكلمة المقدسة، ويناقش نفسه في هدوء عن مصادر عقائده ومعتقداته، حتى لا يضل في غمرة الجري وراء القطيع، وفوق هذا كله يتعلم الفرد كيف يتعاون مع قطيع الرب في الخدمة والعمل لإتساع ملكوته.
وعلى هذا القياس تأخذ المسيحية بيد كل فرد مخلص، يؤمن بالمسيح المصلوب لأجل خطاياه، كمُخلص شخصي لنفسه، فتكيف له كل دوافعه، وتسيطر على انفعالاته الضارة التي تسيء إلى صحته الجسدية والنفسية فيحيا سعيداً موفقاً في حياته متحرراً من الخوف من الدينونة، ومن هموم الحاضر، ومن الإحساس بآثام الماضي، مردداً مع الرسول الجليل كلماته القائلة “إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ” (رو 8 : 1).
وسر فرحه وسعادته هو في يقينه بقوة عمل روح الله في حياته، وبالنصرة التي يهبها له في صراعه ولذا فهو يهتف قائلاً ” لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ” (رو 8 : 2).
فكما أن الطائرة قد صنعت بقانون يجعلها ترتفع في الجو منتصرة على قانون الجاذبية، كذلك المسيحي يسكن فيه روح الله الذي يجعله يرتفع فوق انحراف دوافعه الإنسانية . كما يقول بولس للمؤمنين في غلاطية “وَإِنَّمَا أَقُولُ: اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ. وَلكِنْ إِذَا انْقَدْتُمْ بِالرُّوحِ فَلَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ. وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً، عَهَارَةٌ، نَجَاسَةٌ، دَعَارَةٌ، عِبَادَةُ الأَوْثَانِ، سِحْرٌ، عَدَاوَةٌ، خِصَامٌ، غَيْرَةٌ، سَخَطٌ، تَحَزُّبٌ، شِقَاقٌ، بِدْعَةٌ، حَسَدٌ، قَتْلٌ، سُكْرٌ، بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ. وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ. وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ” ( غلا 5 : 16 – 24).
إن المسيحي المولود من الله، الذي يتمتع بسكنى روح الله القدوس في قلبه يسيطر على انفعالاته بنعمة الله، ذلك أن قانون حياته وتصرفاته يتركز في كلمات الرسول بولس التي كتبها للقديسين في أفسس تلك الكلمات الذهبية القائلة :
“لِذلِكَ اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ، وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ، لأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ الْبَعْضِ. اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا. لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ، وَلاَ تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَانًا. لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلًا الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ. لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ. وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ. لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ. وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ” ( أف 4 : 25 -32).
وكذلك في كلماته إلى أهل كولوسي حين قال “لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ، حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ. فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا. وَعَلَى جَمِيعِ هذِهِ الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَالِ. وَلْيَمْلِكْ فِي قُلُوبِكُمْ سَلاَمُ اللهِ الَّذِي إِلَيْهِ دُعِيتُمْ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ، وَكُونُوا شَاكِرِينَ. لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً، وَأَنْتُمْ بِكُلِّ حِكْمَةٍ مُعَلِّمُونَ وَمُنْذِرُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، بِنِعْمَةٍ، مُتَرَنِّمِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْل أَوْ فِعْل، فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، شَاكِرِينَ اللهَ وَالآبَ بِهِ” ( كو 3 : 9 -17).
ويقيناً أن من يكيف دوافعه وانفعالاته وفق هذه الكلمات الإلهية.
فيمتنع عن الكلام الرديء.
ولا يحُزن روح الله القدوس .
ويتصرف بلطف مع الآخرين .
ويغفر للمسيئين .
ولا يسمح للغيظ أن يبيت في قلبه أو يحرق أعصابه ويشوش هدوء نفسه .
ويحيا حياة الشكر الدائم لله .
ويلبس المحبة التي هي رباط الكمال .
ويسلك بالروح فلا يتمم شهوة الجسد، ويعمل كل شيء لمجد الله .
فلا بد أن يحصل على السعادة النفسية، تلك السعادة التي تهبها المسيحية الحقيقية.
………………………………….
إشترك في مجلة الأخبار السارة
مجلة المقال الطريف – والفكر النظيف
المجلة التي تقدم لك أجمل العظات وأسمى الإختبارات
صاحبها ورئيس تحريرها
القس / لبيب ميخائيل
محتويات الكتاب
تقديم الكتاب
الفصل الأول
ديانة السعادة
الفصل الثاني
أسباب الأمراض النفسية
الفصل الثالث
المسيحية والصراع النفسي
الفصل الرابع
المسيحية وتكييف الدوافع
مجموعة مؤلفات
القس / لبيب ميخائيل
1- عقدة العقد
2- عالم الخلود حقيقةأم خيال
3- زهور السعادة الزوجية
4- حقيقة التجسد
5- حقيقة معمودية الماء
6- حقيقة الصلة بين المسيحي والناموس
7- حقيقة عقيدة التثليث
8- حقيقة اختبار الميلاد الثاني
9- مفاجآت المجيء الثاني
10- صوت الإختبار
11- مؤتمر القديسين
12- قضية الصليب
13- طريق الحياة الأبدية
14- عظيم إيمانك
15- طريقك إلى السلام
16- مشكلة الألم ( الطبعة الثانية المنقحة)
17- تحضير الأرواح
18- المسيحية والسعادة النفسية
