Site icon Dr. Labib Mikhail

صوت الإختبار

The Voice of Experience

تأليف

الدكتور القس لبيب ميخائيل

صاحب ومحرر مجلة الأخبار السارة

(مشكلة الألم) و (حقائق الكتاب الكبرى)

و(مفاجآت المجيء الثاني) ألخ …

الطبعة الأولى

 1954

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف

تقديم الكتاب

الإختبار هو المعلم الأعظم الذي يأخذ بيد كل فرد، وهو الجامعة الكبرى للإنسان في هذا الوجود.

وعندما يتكلم الإختبار يسكت كل صوت معارض، ذلك لأن صوت الإختبار هو صوت الواقع، وصوت الواقع أبلغ من منطق المترافع.

ويبدو هذا الحق جليًا في قصة ذلك الشاب الأعمى الذي فتح رب المجد عينيه، فقد أراد الفريسيون أن يبعدوه عن الإيمان بشخص المسيح الكريم، بقولهم «نحن نعلم ان هذا الإنسان خاطيء» ولكن الشاب الذي عاد إليه نور البصر بعد طول ظلام أجابهم بلغة الإختبار قائلاً «أخاطيء هو. لست أعلم. إنما أعلم شيئًا واحدًا إني كنت اعمى والآن أبصر» وهكذا أبطل صوت الإختبار حجة الفريسيين المعارضين.

والمسيحية تظل صورة بلا حياة بالنسبة للمرء الذي لم يختبر قوتها في قلبه، ولم تغير تأثيراتها أهداف حياته.

والسواد الأعظم ممن يدينون بالمسيحية اليوم، مسيحيتهم في عقولهم لا في قلوبهم، وهي مسيحية صناعية لا تغني ولا تشبع من جوع، لأنها عبارة عن مجموعة من العقائد تلقنها أصحابها في دور من أدوار حياتهم دون أن يختبروا فاعلية هذه العقائد في نفوسهم.

لكن المسيحية الحقة هي مسيحية الإختبار الشخصي مع الله، فالشخص الذي لم تشبعه ملذات العالم، ولم ترو ظمأ قلبه، يلجأ إلى الله، فيختبر أنه نبع القوة في حياة البشر، ويدرك من الإختبار أن الخطية هي سر شقاء الفرد، والأسرة، والمجتمع، ويتأكد أنه في مقدور الإنسان أن يختبر بنفسه خلاص الله.

ويقوده إختباره لخلاص الله، إلى إختبار قوة الصلاة، ويجعله يلمس بنفسه قيادة الله. فتصير حياته في مختلف مناحيها رغم ما يمكن أن يكتنفها من آلام، حياة ضاحكة هنيئة مليئة بالمسرات.

وكتاب (صوت الإختبار ) الذي بين يدي القاريء الكريم هو سجل حافل بشتى المواضيع التي تتصل بإختبار الفرد.

والغرض الأسمى من كتابة هذا الكتاب هو أن يجعلك تمسك بكلتا يديك ويزيل الشكوك العالقة برأسك، ويقودك أن تختبر الله في داخل قلبك، وتتلذذ به في أعماقك، فتقول مع يوحنا الرسول الحبيب: “اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، … الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ” (1 يو 1: 1). بل تضم صوتك مع صوت أيوب بعد أن تعمق إختباره مع الله قائلاً “بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي. لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ”.

فإن أوصلك هذا الكتاب المتواضع إلى هذا الإختبار الثمين، وأزاد إيمانك بشخص المسيح الكريم، فقد أدى رسالته الكبرى، وليس عليك إلا أن تنحني شاكرًا أمام الله، الذي منه وبه وله كل الأشياء، والذي إليه نقدم كل سجود وحمد.

شبرا مصر في 27 سبتمبر 1954

القس لبيب ميخائيل

الفصل الأول

الله في إختبار الفرد

يبدأ المزمور الثالث والستون، وهو مزمور لداود لما كان في برية يهوذا بهذه الكلمات الجليلة “يَا اَللهُ، إِلهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي، يَشْتَاقُ إِلَيْكَ جَسَدِي فِي أَرْضٍ نَاشِفَةٍ وَيَابِسَةٍ بِلاَ مَاءٍ” (مز 63: 1).

وبنفس الأسلوب يعبر المزمور الثاني والأربعون وهو قصيدة لبني قورح عن ذات الإحساس، إحساس الإشتياق إلى الله فيقول “كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ.عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ ؟” (مز 42: 1، 2).

وفي كلمات هذين المزمورين نجد نغمة واحدة تعزف على قيثارة القلب الإنساني عندما ينحنيمن الآلام وتحيط به ضيقات الحياة فتدفعه للإلتجاء إلى الله؟!

لكن هل هذا هو إختبار كل إنسان في هذا الوجود؟

في الواقع أن البشر ينقسمون في موقفهم تجاه الإيمان بالله إلى ثلاثة أنواع، نوع ينكر وجود الله، هؤلاء هم دعاة الإلحاد الذين يحتجون لدعوتهم بأدلة يحسبونها علمية حتى ليقول بعضهم: إن العلم والإيمان نقيضان لا يجتمعان. ونوع يؤمن بوجود الله على أساس التلقين، أو أساس الشعور، أو أساس التعاليم التي يحفظونها دون تفكير وهذه أسس لا تصلح لبناء الإيمان السليم. أما النوع الثالث فهم أولئك الذين يؤمنون بالله على أساس من الفهم، والإدراك، لحقيقة الوحي وحقائق هذا الوجود، وهذا هو الإيمان الإختباري الذي يقي الإنسان الزلل في هذا العصر الذري، المادي الشرير.

وفي هذا الفصل سوف نتحدث عن الله في وجوده الأزلي، وفي صلة هذا الوجود بإختبار الفرد، والحديث عن الله هو أقدس حديث وأخطر حديث، ولكنه حديث ضروري جدًا، فكم من مرات نسأل الآخرين أو نتسائل بيننا وبين أنفسنا قائلين: من هو الله؟ وماذا يشبه الله؟ وكيف نتيقن من وجود الله؟

وتلمع هذه الأسئلة في ذاكرتنا بصورة ملموسة عندما تنزل بنا نائبة من نوائب الدهر، أو يغزو أجسادنا مرض من الأمراض! وقد يتناسى الإنسان هذه الأسئلة في غمرة الحياة ومعركة العيش، لكنه يعود فيسمع من تحت صخب النهار، ومن بين الأصوات الصارخة في معركة الحياة، صوتًا خافتًا يحاول دائمًا أن يصل إلى أذنيه، وخصوصًا عندما يتعب فيحتاج إلى القعود، أو عندما يأوى إلى ركن هاديء يجفف عن وجهه عرق الجهاد، أو عندما يجلس في هدأة الليل يرعى أشياء هذه السماء.

أجل! فعندما يرعى الإنسان السماء، يرعى نجومها، يرعى جلالها، يرعى جمالها، يزداد هذا الصوت الخافت في آذانه، ثم يزداد حتى يصير دويًا عاليًا: هذه السماء ما هي؟ وهذه النجوم ما أعدادها؟ وما أبعادها؟ وما فتات من النور مبعثرة في هذه القبة البلقاء بعثرة الرمال في الصحراء، وكيف تحور هذه القبة وكيف تدور؟ وما شروق لها وما غروب؟ وما هذه المواعيد التي تضربها فلا تخلف عنها أبدًا؟

وعندئذ يقوده إمعان النظر، ورفع البصر، إلى أن يمعن الفكر، فيرد كل هذه المعاني وهذه الصور إلى ذلك الصانع الواحد:

إلى الله العزيز الحكيم … فهذه يده … وتلك إرادته وحكمته وقدرته.

لكن بعض الذين طمست أبصارهم، وأظلمت عيونهم لا يرون في هذا الوجود العجيب، وفي هذه الخليقة الرائعة يد الله، بل يدعون أنها الصدفة المحصنة التي أوجدت ما يرون!!

ومع أن هذا الكتاب ليس كتابًا علميًا، لكننا سنحاول فيما يأتي من حديث أن نورد البراهين العلمية والفلسفية المؤكدة لحقيقة وجود الله، عسى أن تكون هذه البراهين واسطة في هداية نفس مخلصة إلى يقين الإيمان بالله.

البراهين العلمية والفلسفية على حقيقة وجود الله

في عام 1947 كتب أ. كريسي موريسون الرئيس السابق لأكاديمية العلوم بنيويورك كتابًا أسماه (الإنسان لا يقف وحده) وذكر المؤلف الأشهر في كتابه الثمين عدة أسباب لإيمانه الشخصي بالله نوردها في إيجاز وتركيز مع ذكر ما ينطبق عليها من آيات الكتاب المقدس البينات، ومع الجديد من المعلومات.

قال كريسي موريسون، أنا أؤمن بوجود الله على أساس سليم من البحث العلمي وأسجل فيما يلي أسباب هذا الإيمان

1- أنا أؤمن بوجود الله، لأن الناموس الرياضي الذي لا يتبدل، والتناسق العجيب في عالمنا الفذ، والروعة الظاهرة في نظام الحياة تؤكد هذا الوجود:

إن الناموس الرياضي الذي لا يتبدل يؤكد في وضوح صريح بأن العالم لا يمكن أن يكون قد وُجد بمجرد المصادفة … خذ عشرة قروش ورقمها من واحد إلى عشرة ثم ضعها في جيبك وإخلطها ما إستطعت، ثم حاول أن تخرجها من جيبك دون أن تنظر بحسب ترتيب أرقامها: الأول أولاً والثاني ثانيًا وهكذا، على أن تعيد كل قرش تخرجه إلى جيبك بعد إخراجه ثم تخلطها جميعًا وتُخرج القرش الذي يليه، ونحن نعلم أن الإحتمال الرياضي لإخراج القرش الأول أولاً هو واحد من عشرة، ولإخراج القرشين الأول والثاني بهذا الترتيب هو واحد من مئة، ولإخراج القروش الثلاثة الأولى على التوالي هو واحد من ألف وهكذا، فالإحتمال الرياضي لإخراج القروش العشرة تباعًا من واحد إلى عشرة يبلغ رقمًا لا يصدق يصل إلى نسبة واحد من عشرة ملايين، وهذا المثل الحسابي يبين كيف تتكاثر الأعداد ضد المصادفة. إذ لا بد للحياة فوق أرضنا من شروط جوهرية عديدة بحيث يصبح من المحال حسابيًا أن يكون العالم قد وُجد بمجرد المصادفة.

فبحق قال داود في المزمور “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَمًا، وَلَيْلٌ إِلَى لَيْل يُبْدِي عِلْمًا. لاَ قَوْلَ وَلاَ كَلاَمَ. لاَ يُسْمَعُ صَوْتُهُمْ. فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ. جَعَلَ لِلشَّمْسِ مَسْكَنًا فِيهَا، وَهِيَ مِثْلُ الْعَرُوسِ الْخَارِجِ مِنْ حَجَلَتِهِ. يَبْتَهِجُ مِثْلَ الْجَبَّارِ لِلسِّبَاقِ فِي الطَّرِيقِ. مِنْ أَقْصَى السَّمَاوَاتِ خُرُوجُهَا، وَمَدَارُهَا إِلَى أَقَاصِيهَا، وَلاَ شَيْءَ يَخْتَفِي مِنْ حَرِّهَا” (مز1:19-6).

وتبدو هذه الكلمات في روعتها وصدقها الكامل عندما نتأمل هذه الأرض التي نعيش عليها، فلقد أمكن تقسيم الكرة الأرضية إلى أقسام دائمة، ووضع خطوط طول وخطوط عرض لها، وتحديد حجمها وسرعتها في مدارها حول الشمس وقد وجد أن سرعتها ثابتة للغاية لدرجة أن إختلاف ثانية واحدة في مدى قرن من الزمان يمكن أن يقلب التقديرات الفلكية رأسًا على عقب. وتدور الكرة الأرضية حول محورها مرة في كل أربع وعشرين ساعة، أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة، ولو أنها دارت بمعدل مائة ميل في الساعة فقط لصار نهارنا وليلنا أطول مما هما الآن عشر مرات، ولأحرقت شمس الصيف الحارة نباتاتنا في كل نهار، وتجمد كل نبت الأرض في الليل الطويل.

وفوق ذلك فإن كرتنا الأرضية مائلة بزاوية قدرها 23 درجة، ولو أنها لم تكن مائلة بهذا القدر لكان القطبان في حالة غسق دائم، ولصار بخار الماء المنبعث من المحيطات يتحرك شمالاً وجنوبًا مكنسًا في طريقه قارات من الجليد.

وتعال بنا لنتأمل القمر، وهو الكوكب الذي يصحب أرضنا، فحركاته محددة، وسياق تغيراته يتكرر كل 18 سنة، وهو يبعد عنا مسافة 240.000 ميل، ولو انه يبعد عنا خمسين ألف ميل مثلاً بدلاً من المسافة الشاسعة التي يبعد بها عنا فعلاً، فإن المد الذي يحدث بالمحيط، كان يبلغ من القوة بحيث أن جميع الأراضي التي تحت منسوب الماء، كانت تغمر مرتين في اليوم بماء متدفق يزيح الجبال نفسها، ومعنى هذا أن الكرة الأرضية كانت تتحطم من هذا الإضطراب، وكان المد الذي في الهواء يحدث الأعاصير كل يوم.

ولنتقدم الآن خطوة لندخل إلى هيكل الحياة! هل قُلت الحياة؟ لكن ما هي الحياة؟ إن الواقع يؤكد لنا أنه لم يستطع إنسان ما أن يدرك كُنْهُ الحياة، لأن الحياة لا وزن لها، ولا حجم، ولا طول، ولا عرض، ولا كثافة، ومع ذلك فما أكبر القوة المذخرة في الحياة، فالجذر النامي يقدر أن يشق الصخر الجامد، والنملة التي تدب بأقدامها المتناهية الصغر تقدر أن تتسلق الجبل الشامخ، وقد سيطرت الحياة على كل عناصر هذا الكون الفسيح.

والحياة كمثال، تشكل الكائنات الحية، وهي كفنان ترسم كل ورقة في كل شجرة، وتلون الأزهار، والتفاح، والغابات، وريش الطيور، وتضع اللمعان في عيني الطفل الصغير وتملأ فمه بالضحكات، وهي كموسيقى تُعلم كل طير كيف يشدو بأغانيه، وتلهم حتى الحشراتأن تدعو بعضها بعضًا بموسيقى أصواتها … والحياة هي الكيميائي الأكبر فهي التي تهب لكل فاكهة مذاقها، ولكل وردة عطرها، وتحول الماء وحمض الكربونيك إلى سكر وخشب، وتُطلق الأكسجين حتى تستطيع الحيوانات أن تتنفس نسمات الحياة!!

لكن هل هذا كل ما في أرضنا، قف الآن لحظة في معمل الطبيعة السحري، لتفكر في الهواء الذي تستنشقه والذي يحفظ الحياة في الأرض، فلو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام لإمتصت ثاني أكسيد الكربون والأكسجين، ولما أمكن وجود حياة النبات. وهناك إحتمال بأن قشرة الأرض والمحيطات السبعة قد إمتصت كل الأكسجين وأن ظهور جميع الحيوانات التي تستنشق الأكسجين قد تأخر إنتظارًا لظهور النباتات التي تلفظ الأكسجين.

وهذا ينطبق بشكل يثير التفكير على ما ورد بسفر التكوين الإصحاح الأول، فبعد أن إجتمعت المياة في مكان واحد وظهرت اليابسة قال الله “لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلًا يُبْزِرُ بِزْرًا، وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ، بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأَرْضِ. وَكَانَ كَذلِكَ” (تك 1: 11). ثم بعد ذلك قال الله “لِتُخْرِجِ الأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا: بَهَائِمَ، وَدَبَّابَاتٍ، وَوُحُوشَ أَرْضٍ كَأَجْنَاسِهَا. وَكَانَ كَذلِكَ” (تك24:1).

فما سبب خلقة الحيوانات بعد النباتات؟ إن سبب هذا بحسب التعليل العلمي إيجاد النباتات التي تلفظ الأكسجين وهو عنصر ضروري للحياة لتأثيره في عناصر الدم، وفي أجزاء الجسم، وبدونه تتوقف عمليات الحياة، وكما أن الأكسجين ضروري لحياة الإنسان والحيوان، كذلك تعتمد حياة كل نبات على المقادير التي تكاد تكون متناهية الصغر من ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء، فكيف وُجد هذان العنصران الضروريان لحياة النبات والحيوان؟

لكي نوضح هذا التفاعل الكيماوي المركب بأبسط طريقة ممكنة نقول: إن أوراق الشجر هي رئات وأن لها القدرة في ضوء الشمس على تجزئة ثاني أكسيد الكربون العنيد إلى كربون وأكسجين، فهي تلفظ الأكسجين وتحتفظ بالكربون متحدًا مع هيدروجين الماء الذي يستمده النبات من جذوره، ويحوله بكيمياء سحرية إلى سكر، أو سيلولوز، ومواد كيميائية أخرى عديدة، وهكذا يغذي النبات نفسه وينتج فائضًا يكفي لتغذية كل حيوان على وجه الأرض، وفي الوقت نفسه يلفظ لنا الأكسجين الذي نتنسمه والذي بدونه تنتهي الحياة في الأرض بعد دقائق.

ولو كانت هذه المقايضة غير قائمة بين الحيوان والنبات، فإن الحياة الحيوانية أو النباتية كانت تستنفذ في النهاية كل الأكسجين أو كل ثاني أكسيد الكربون، ومتى أختل التوازن ذوى النبات أو مات الحيوان. فمن ذا الذي أوجد هذا التوازن الرائع في الحياة سوى المبدع العزيز الحكيم؟

ولنذكر أنه لو كان الهواء أرق مما هو فإن بعض الشهب التي تتهاوى كل يوم وتحترق في الهواء الخارجي بالملايين كانت تضرب في جميع أجزاء الأرض وتشعل كل شيء قابل للإحتراق، وتمزق جسم أي إنسان تصطدم به وهي تسير بسرعة تتراوح بين ستة أميال وأربعين ميلاً في الثانية، لكننا نرى أن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيميائي التي يحتاج إليها الزرع، والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات دون ان تضر بالإنسان.

ولنفحص الآن (النتروجين) وهو مع كونه غازًا جامدًا يعمل كمخفف للأكسجين، بيد أن هناك سلسلة من المواد الكيميائية التي يعد النتروجين جزءًا منها، والتي يطلق عليها بصفة عامة أسم (النتروجين المركب) وهو عنصر هام لنمو النباتات الغذائية التي بدونها يموت الإنسان جوعًا.

والوسيلة الأولى التي يدخل بها النتروجين في التربة الزراعية هي عن طريق نشاط جراثيم معينة تسكن في جذور النباتات البقولية مثل البرسيم والفول والحمص وغيرها، وهذه الجراثيم تأخذ نتروجين الهواء وتحيله إلى نتروجين مركب، وحين يموت النبات يبقى بعض هذا النتروجين المركب في الأرض لإخصابها.

أما الوسيلة الثانية التي يدخل بها النتروجين إلى الأرض، فهي عن طريق عواصف الرعد، فكلما ومض برق خلال الهواء وحد بين قدر قليل من الأكسجين والنتروجين فيسقطه المطر إلى الأرض كنتروجين مركب، ومن عجب أن هذا ما يقرره سفر أيوب في القول “مَنْ فَرَّعَ قَنَوَاتٍ لِلْهَطْلِ، وَطَرِيقًا لِلصَّوَاعِقِ،لِيَمْطُرَ عَلَى أَرْضٍ حَيْثُ لاَ إِنْسَانَ، عَلَى قَفْرٍ لاَ أَحَدَ فِيهِ، لِيُرْوِيَ الْبَلْقَعَ وَالْخَلاَءَ وَيُنْبِتَ مَخْرَجَ الْعُشْبِ؟” (أي 38: 25-27).

فحيث لا إنسان ينبت العشب للحيوان، يرتب الله طريقًا للصواعق التي تولد النتروجين المركب لينبت مخرج العشب !!

لكن حيث وُجد الإنسان، وطال وقت زرع الأرض حتى فقدت ما بها من نتروجين، ووَضح للناس أن الموت جوعًا هو إحتمال قد يقع في المستقبل، أرشد الخالق القدير الإنسان إلى الطرق التي أمكنه بها إنتاج النتروجين المركب من الهواء، وهكذا زال ذلك الخوف من حدوث المجاعات.

والسؤال الذي يواجه الشخص العاقل بعد أن يفكر في هذه الحقائق الرائعة، هو: من الذي أوجد هذا التوازن من الكمال إلى حد أنه لم يعتريه أي تغيير على مدى القرون والأزمان؟ ومن ذا الذي أوجد هذا الإتقان الرائع في هذا الكون الجميل!؟

إن الإنسان المفكر لا يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال إلا بتلك الكلمات التي سجلها النبي حين قال “أَلاَ تَعْلَمُونَ؟ أَلاَ تَسْمَعُونَ؟ أَلَمْ تُخْبَرُوا مِنَ الْبَدَاءَةِ؟ أَلَمْ تَفْهَمُوا مِنْ أَسَاسَاتِ الأَرْضِ؟ الْجَالِسُ عَلَى كُرَةِ الأَرْضِ وَسُكَّانُهَا كَالْجُنْدُبِ. الَّذِي يَنْشُرُ السَّمَاوَاتِ كَسَرَادِقَ، وَيَبْسُطُهَا كَخَيْمَةٍ لِلسَّكَنِ … ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا، مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟ مَنِ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟ لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ” (أش21:40-26).

يقينًا أننا “بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ” (عب 11: 3). فنردد مع صاحب المزمور “مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ. مَلآنةٌ الأَرْضُ مِنْ غِنَاكَ” (مز 104: 24).

2- أنا أؤمن بوجود الله لأن حكمة الغريزة في الحيوان، والعقل الموهوب للإنسان يؤكدان هذا الوجود:

عندما تكلم أيوب محاولاً أن يعلل آلامه بكلمات لا تتفق مع قصد الله، أجابه الرب من العاصفة موجهًا نظره إلى هيكل الطبيعة والأعاجيب التي فيه كما يرى الدارس لهذا السفر في الإصحاح الثامن والثلاثين، ثم إنتقل به في الإصحاح التاسع والثلاثين إلى التأمل في مملكة الحيوان فسأله قائلاً “أَتَعْرِفُ وَقْتَ وَلاَدَةِ وُعُولِ الصُّخُورِ، أَوْ تُلاَحِظُ مَخَاضَ الأَيَائِلِ؟ أَتَحْسُبُ الشُّهُورَ الَّتِي تُكَمِّلُهَا، أَوْ تَعْلَمُ مِيقَاتَ وَلاَدَتِهِنَّ؟ يَبْرُكْنَ وَيَضَعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ. يَدْفَعْنَ أَوْجَاعَهُنَّ. تَبْلُغُ أَوْلاَدُهُنَّ. تَرْبُو فِي الْبَرِّيَّةِ. تَخْرُجُ وَلاَ تَعُودُ إِلَيْهِنَّ. «مَنْ سَرَّحَ الْفَرَاءَ حُرًّا، وَمَنْ فَكَّ رُبُطَ حِمَارِ الْوَحْشِ؟ الَّذِي جَعَلْتُ الْبَرِّيَّةَ بَيْتَهُ وَالسِّبَاخَ مَسْكَنَهُ. يَضْحَكُ عَلَى جُمْهُورِ الْقَرْيَةِ. لاَ يَسْمَعُ زَجْرَ السَّائِقِ. دَائِرَةُ الْجِبَالِ مَرْعَاهُ، وَعَلَى كُلِّ خُضْرَةٍ يُفَتِّشُ. «أَيَرْضَى الثَّوْرُ الْوَحْشِيُّ أَنْ يَخْدُمَكَ، أَمْ يَبِيتُ عِنْدَ مِعْلَفِكَ؟ أَتَرْبِطُ الثَّوْرَ الْوَحْشِيَّ بِرِبَاطِهِ فِي التَّلْمِ، أَمْ يُمَهِّدُ الأَوْدِيَةَ وَرَاءَكَ؟ أَتَثِقُ بِهِ لأَنَّ قُوَّتَهُ عَظِيمَةٌ، أَوْ تَتْرُكُ لَهُ تَعَبَكَ؟ أَتَأْتَمِنُهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِزَرْعِكَ وَيُجْمَعُ إِلَى بَيْدَرِكَ؟ «جَنَاحُ النَّعَامَةِ يُرَفْرِفُ. أَفَهُوَ مَنْكِبٌ رَؤُوفٌ، أَمْ رِيشٌ؟ لأَنَّهَا تَتْرُكُ بَيْضَهَا وَتُحْمِيهِ فِي التُّرَابِ، وَتَنْسَى أَنَّ الرِّجْلَ تَضْغَطُهُ، أَوْ حَيَوَانَ الْبَرِّ يَدُوسُهُ. تَقْسُو عَلَى أَوْلاَدِهَا كَأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهَا. بَاطِلٌ تَعَبُهَا بِلاَ أَسَفٍ. لأَنَّ اللهَ قَدْ أَنْسَاهَا الْحِكْمَةَ، وَلَمْ يَقْسِمْ لَهَا فَهْمًا. «أَمِنْ فَهْمِكَ يَسْتَقِلُّ الْعُقَابُ وَيَنْشُرُ جَنَاحَيْهِ نَحْوَ الْجَنُوبِ؟ أَوْ بِأَمْرِكَ يُحَلِّقُ النَّسْرُ وَيُعَلِّي وَكْرَهُ؟ يَسْكُنُ الصَّخْرَ وَيَبِيتُ عَلَى سِنِّ الصَّخْرِ وَالْمَعْقَلِ. مِنْ هُنَاكَ يَتَحَسَّسُ قُوتَهُ. تُبْصِرُهُ عَيْنَاهُ مِنْ بَعِيدٍ. فِرَاخُهُ تَحْسُو الدَّمَ، وَحَيْثُمَا تَكُنِ الْقَتْلَى فَهُنَاكَ هُوَ” (اي1:39-30).

ويقينًا من ذا الذي يتأمل حكمة الغريزة في الحيوان ولا يقول مع أيوب “هَا أَنَا حَقِيرٌ، فَمَاذَا أُجَاوِبُكَ؟ وَضَعْتُ يَدِي عَلَى فَمِي” (أي8:40).

قف لحظة لتتأمل أنثى فراشة تدخل من خلال نافذة حجرتك! فإن هذه الفراشة لا تلبث حتى ترسل إشارة خفية إلى الذكر وقد يكون الذكر على مسافة بعيدة عنها ولكنه يتلقى تلك الإشارة ويجاوبها مهما أحدثت أنت من رائحة لتضليلهما! ترى هل لتلك المخلوقة الضئيلة محطة إذاعة لا سلكية؟ وهل لذكر الفراشة جهاز إستقبال عقلي؟ ومن أين له السلك اللاقط للصوت؟ لقد إخترع الإنسان الراديو، ولكن الفراشة لا تزال متفوقة عليه من هذه الوجهة إذ أنها تتصل بذكرها دون حاجة إلى أسلاك.

وقد قام البروفسور هنري بيجلي الأستاذ بجامعة بنسلفانيا بدراسة طويلة لمعرفة الحمام الزاجل وكيفية طيرانه، حتى كشف عن ناحية علمية دقيقة أفادت العلوم وأماطت اللثام عن لغز ذلك الطير النادر، فقد كان يظن أن الحمام يعرف المغناطيسية الأرضية، وتحول ظنه إلى يقين عندما وضع في أجنحة الحمام صفائح مغناطيسية رقيقة فاختلط عليه الأمر وفقد طريق العودة إلى مراكزه، ثم تبين له أن المغناطيسية الأرضية ليست العامل الوحيد في مقدرة الحمام على تعرف طريق العودة إلى مراكزه، بل أن للقوة المتولدة من دوران الأرض علاقة كبيرة بمعرفته للطريق، فالحمام يشعر بجذب هاتين القوتين المتحدين معًا ومن ثم يسير على هديهما فلا يضل الطريق مطلقًا.

وتعجب فوق ذلك عندما تعلم أن الجراد البالغ من العمر سبع عشرة سنة في ولاية نيوانجلاند يغادر شقوقه تحت الأرض، حيث عاش في ظلام، ويظهر بالملايين في شهر مايو من سنته السابعة عشرة ويضبط مواعيد ظهوره باليوم تقريبًا دون سابقة ترشده. وهناك أشياء عجيبة أكثر من هذه يعرفها المتخصصون في دراسة غرائز الحيوان، فمن أين للحيوان هذه الحكمة في غريزته لو لم تكن من الله الخالق الحكيم!!

لكن حكمة الحيوان، ليست شيئًا بالقياس إلى عقل الإنسان فبحق قال أليهو لأصحاب أيوب وهو يرى صمتهم بإزاء حججه “قُلْتُ: الأَيَّامُ تَتَكَلَّمُ وَكَثْرَةُ السِّنِينِ تُظْهِرُ حِكْمَةً. وَلكِنَّ فِي النَّاسِ رُوحًا، وَنَسَمَةُ الْقَدِيرِ تُعَقِّلُهُمْ” (أي 32: 7، 8).

فالعقل هو هبة الله لبني الإنسان، ومما يدعو إلى أشد العجب أنه في أنواع الحياة الحيوانية التي لا تُحصى لا يوجد أي مظهر للعقل، بل توجد غرائز وحدها، ولذا فإن أي حيوان لم يسجل لنفسه قدرة على هندسة قصر منيف، ولم يستطع أن يعد إلى عشرة، أو أن يفهم مسألة حسابية بسيطة، لأنه لا يملك سوى غريزته … والغريزة ليست إلا لحنًا واحدًا على قيثارة، بينما العقل البشري يحتوي كل الأنغام لكل الآلات الموسيقية في فرقة كاملة.

فقد إستطاع الإنسان بعقله المفكر أن يخرج قطعًا موسيقية متحدة النغم نسميها (سمفونيات)، وأن يتسلط على الهواء، فركب الطائرات التي جعلت سرعته أعظم من سرعة الطير، وهو الذي إخترع الراديو فأوصل صوته عبر المحيطات، وعرف المقاييس الهندسية فبنى الأهرامات، وصنع لنفسه عينا أحد من عين النسر هي الميكرسكوب وقرّب لنظره أبعد الكواكب بواسطة التلسكوب … وهو بهذا العقل العجيب يتعلم الحساب، والكيمياء، وعلم الأحياء، والجغرافيا، ويعرف مع هذا كله شتى اللغات، وهو الذي إكتشف بتفكيره وملاحظته الأمصال الواقية من الأمراض، وأخيرًا قدر أن يفتت الذرة وهي اصغر قالب في بناء هذا الكون العظيم.

وهذا العقل الجبار الذي يتمتع به الإنسان هو أكبر دليل على أن هناك عقلاً أسمى وراء عقله، هو عقل الله القادر على كل شيء.

3- أنا أؤمن بوجود الله لأن ظاهرات عوامل الوراثة، ودراسة جسم الإنسان والضوابط الموجودة في الحياة تؤكد هذا الوجود:

يرنم داود لله في المزمور التاسع والثلاثين قائلاً “لأَنَّكَ أَنْتَ اقْتَنَيْتَ كُلْيَتَيَّ. نَسَجْتَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي. أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ امْتَزْتُ عَجَبًا(والترجمة الحرفية أحمدك لأني خلقت بشكل رائع مخيف). عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذلِكَ يَقِينًا. لَمْ تَخْتَفِ عَنْكَ عِظَامِي حِينَمَا صُنِعْتُ فِي الْخَفَاءِ، وَرُقِمْتُ فِي أَعْمَاقِ الأَرْضِ. رَأَتْ عَيْنَاكَ أَعْضَائِي، وَفِي سِفْرِكَ كُلُّهَا كُتِبَتْ يَوْمَ تَصَوَّرَتْ، إِذْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهَا” (مز 139: 13-16).

ويظهر هذا الكلام في ملء صدقه عندما نتأمل تكوين الإنسان، فمع أن الإنسان في تكوينه يشبه فصائل (السيميا) وهي فصائل الأورانجتان والغوريلا والشمبانزي، إلا أن هذا الشبه ليس برهانًا على أننا من نسل القرود، أو أن تلك القرود هي ذرية منحطة للإنسان.

ولا شك في أن نظرة مفكرة في علم وحدات الوراثة (الجينات) يقطع الطريق على إتباع نظرية التطور، ويؤكد لنا وجود الخالق العظيم، فهذا العلم يرينا أن كل خلية ذكرًا  كانت أو أنثى تحتوي كرموزومات (والكروموزوم Chromosome  هي وحدة المادة العضوية والعامل في نقل الصفات الوراثية) وتحتوي الخلية كذلك على جينات (والجينات Genes هي العامل الرئيسي الحاسم فيما يكون عليه كل كائن حي أو إنسان) وتحتوي كذلك على السيتو بلازم (والسيتوبلازم Cytoplasm هي المادة البروتوبلازمية التي حول نواة الخلية) وتبلغ الجينات من الدقة أنها وهي المسئولة عن المخلوقات البشرية جميعًا التي على سطح الأرض من حيث خصائصها الفردية، وأحوالها  النفسية وألوانها، وأجناسها، لو جمعت كلها ووضعت في مكان واحد لكان حجمها أقل من حجم جوزة صغيرة … أفلا يدهشك بحق أن خواص ألفي مليون من البشر تحشد في مكان صغير كهذا؟!

إن الأمر المتفق عليه هو أن (الجينات) تحفظ التصميم، وسجل السلف، والخواص التي لكل كائن حي، وبناء على قانون وحدات الوراثة لم تحمل شجرة بلوط قط عنبًا، ولم تلد لبؤة فأرًا، ولم يلد حوت سمكة! وحقول القمح المتماوجة هي قمح في كل حبة من حباتها، لأن قانون الوراثة يقرر قطعًا كل نوع من الحياة من البداية إلى النهاية، ويجعل جميع طوائف الكائنات الحية تنفصل بعضها عن بعض بهوات سحيقة لا يمكن عبورها. حتى أن الحيوانات المتقاربة ينفصل بعضها عن بعض كذلك بموجب هذا القانون.

وهذا ينطبق تمامًا على ما جاء في سفر التكوين إذ نقرأ هذه الكلمات “وَقَالَ اللهُ: «لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلًا يُبْزِرُ بِزْرًا، وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ، بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأَرْضِ». وَكَانَ كَذلِكَ” (تك 1: 11).“وَعَاشَ آدَمُ مِئَةً وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ وَلَدًا عَلَى شَبَهِهِ كَصُورَتِهِ” (تك 5: 3).

فهل تثير تفكيرك هذه المعلومات الجديدة؟ تعال معي لكي ندرس معًا ذلك الجسم البشري العجيب، الذي يقضي طالب الطب في دراسته حوالي سبع سنوات!! إن بصمات الأصابع في أيدي سكان الأرض تختلف في كل واحد عن الآخر، حتى أضحت هذه البصمات دليلاً قويًا على تحقيق شخصية الفرد. فكيف جاء هذا الفرق في خطوط البصمات إن لم يكن وراء خلقة الإنسان يد الخالق المبدع الحكيم؟

ثم أنظر إلى عملية الهضم في جسم الإنسان، فهي عملية عجيبة تدعو إلى التأمل الكثير، فنحن نضع في هذا المعمل المسمى (المعدة) أنواعًا من الطعام، دون مراعاة للمعمل نفسه أو تفكير في كيفية معالجة كيمياء الهضم له، فنحن نأكل شرائح اللحم، والحنطة، والسمك، والفاصوليا، وندفعها بقدر من الماء، ونأكل معها خبزًا، وبقولاً وقد نضيف إلى كل ذلك كبريتًا، وعسلاً أسود، ومن بين هذا الخليط تختار المعدة تلك الأشياء ذات الفائدة، وذلك بتحطيم كل صنف من الطعام إلى اجزائه الكيماوية دون مراعاة للفضلات وتعيد تحويل الباقي إلى بروتينات جديدة تصبح غذاء لمختلف الخلايا وتختار أداة الهضم، الجير والكبريت، واليود والحديد، وكل المواد الأخرى الضرورية وتعني بعدم ضياع الأجزاء الجوهرية، وبإمكان إنتاج الهرمونات، وبأن تكون جميع الحاجات الحيوية للحياة حاضرة في مقادير منتظمة ومستعدة لمواجهة كل ضرورة، وهي تخزن الدهن، والمواد الإحتياطية الأخرى للقاء كل حالة طارئة مثل الجوع، وتفعل ذلك كله بالرغم من تفكير الإنسان أو تعليله، وهكذا يقدم هذا المعمل المنظم لكل خلية من بلايين الخلايا التي تبلغ من العدد أكثر من عدد الجنس البشري كله على وجه الأرض غذائها اللازم لها وحدها، ويعطي لكل خلية المواد التي تحتاج إليها لتحويلها إلى عظام، أو أظافر، أو لحم، أو شعر، أو أسنان كما تتلقاها الخلية المختصة في إتقان عجيب.

وفي حالة العدوى بجراثيم معادية يحتفظ هذا الجهاز الرائع بجيش قائم باستمرار على أهبة الإستعداد لملاقاة الغزاة، وإنقاذ حياة الإنسان من الموت قبل الأوان.

وفوق هذه الروعة في خلقة جسم الإنسان نجد قانون الضوابط والموازين في الحياة، فالحشرات الوافرة النسل لا تكبر لأنه ليس لها رئات كرئات الإنسان، ولولا هذا لسيطرت الحشرات على هذه الأرض، وعصير الليمون يعالج مرض الأسقربوط اللعين، وإلتهابات الجسم يعالجها البنسلين، والقطط تأكل الفيران!! والذرة يحفظها قانون الضوابط من الملاشاة والتحطيم، وهكذا تدور الإلكترونات حول النواة في مسافة محفوظة ونظام عظيم … وهكذا نرى أن الضوابط تتحكم في أصغر أجزاء هذا الكون الفسيح مؤكدة وجود ذلك الذي قال عنه الكتاب “حَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ”!!

ويلذ لنا أن نذكر هنا كشف عالمان جليلان هما سبالانزاني Spellanzani وباستير Pasteur، فقد أجرى هذان العالمان عدة تجارب حطما بها الإعتقاد بالنشأة الذاتية للكائنات الحية من مواد عديمة الحياة، ولم يدع عملهما أي شك في أنه لا وجود لحياة إلا عن طريق وجود حياة سابقة!! وبناء على هذا الكشف العلمي الدقيق، يمكننا أن نردد مع يوحنا البشير قوله عن رب المجد “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ” (يو 1: 3، 4).

4- أنا أؤمن بوجود الله لأن القوى الروحية الموجودة في الإنسان وقدرته على تصور وجود الله برهان فذ على حقيقة هذا الوجود:

لنترك ميدان العلم، ولنتقدم لنسمع صوت الفلسفة، فالواقع أن مسألة وجود الله هي مسألة وعي قبل كل شيء فالإنسان له وعي يقيني بوجوده الخاص وحقيقته الذاتية ولا يخلو من وعي يقيني بالوجود الأعظم والحقيقة الكونية لأنه متصل بهذا الوجود بل قائم عليه.

ومع ذلك فليس في مقدور الإنسان أن يعرف الله معرفة محددة بالمقاييس، والموازين، وآلات الإختبار، فهو كالنغم الموسيقي الرائع الذي يثير في الأسماع بهجة ورضى، ويحرك في النفس العواطف والأحاسيس ولكنك لو ذهبت تطلبه بفكرك في طبقات الأثير ترد كل ذبذبة فيه إلى ضوابط من الفن وقواعد من العلم لأعيتك مذاهبه ولا ننهي بك المطاف إلى غير طائل!!

وإذًا فيكفي أن يتصور الإنسان وجود الله، لأن تصور هذا الوجود ينبثق من قدرة علوية في الإنسان لا يشاركه فيها سائر الأحياء هي قدرة التخيل، وبها يستطيع الإنسان دون غير من الأحياء أن يجد الدليل على أشياء لا يراها، وأن الآفاق التي تفتحها هذه القدرة أمام عينيه لهي آفاق لا حدود لها، والحق أن تخيل الإنسان إذا ما دنا من مراتب الكمال وصار حقيقة روحية، إستطاع أن يتبين من خلاله دلائل النظام والقصد في الكون، تلك الحقيقة العظمى: إن قدرة السماء في كل مكان، وكل شيء؛ وأن الله في كل مكان وعند كل شيء وهذا هو الإيمان لأن “الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى” (عب 11: 1).

ويمكننا أن نضيف إلى ما تقدم أن وجود القوى الروحية في الإنسان هي في ذاتها برهان قوي على حقيقة وجود الله؛ فالإنسان يتميز بقدرة على الشعور على البعد أو ما يسمى الإتصال التلباثي Telepathy؛ والتوجيه على البعد أو ما يُسمى ال Telergy؛ والإستيحاء الباطني أو ما يسمى Automatism وما إلى ذلك من قوى روحية كامنة فيه. وفوق هذا كله، ففي الإنسان وازع أخلاقي هو قوة الضمير، وهو برهان رائع على وجود الله القدوس القدير! لأنه من أين إستوجب الإنسان أن يدين نفسه بالحق كما نعرفه إن لم يكن في الكون مقياس للحق يغرس في نفسه هذا الإحساس؟ ومن أين تقرر في ضمير الإنسان أن الواجب الكريه لديه أولى به من إطاعة الهوى المحبب إليه وإن لم يطلع احد على دخيلة نفسه، إن لم يكن هناك إله قدوس وضع في الإنسان الإحساس بضرورة القداسة في الحياة؟!

إن صوت العلم، وصوت الفلسفة يتحدان في التدليل على حقيقة وجود الله، حتى إننا يمكننا أن نردد للذين ينكرون هذه الحقيقة كلمات الرسول القائل “لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ” (رو 1: 18-20). يقينًا “قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ». فَسَدُوا وَرَجِسُوا بِأَفْعَالِهِمْ” (مز 14: 1).

فالذي ينكر وجود الله هو جاهل بأدلة العلم، هو جاهل بحقائق الوجود، هو جاهل ببراهين العقل، هو جاهل وكفى، وإنكاره لوجود الله ناشيء عن فساد في حياته الأدبية لوث ضميره، وطمس عينيه. وأعمى بصيرته، وأظلم عقله.

الله في إعلانات الكتاب

هل يكفي أن نعتمد على العلم في معرفة الله والتيقن من وجوده؟ إن العلم بأدلته الجامعة القاطعة، يكشف النقاب عن الله القدير الجبار، ولكنه يشيع إحساسًا بالحقارة في قلب الإنسان وفي ذات الوقت يعجز عن أن يعطينا إعلانًا واضحًا عن صفات الله العلي العظيم.

فالعلم يثبت أن الشمس أكبر من الأرض بمقدار مليون وربع مرة! فكم يكون الفرد بالنسبة إلى الأرض؟ وكم يكون بالنسبة إلى الشمس؟ وكم يكون بالنسبة إلى المجموعة الفلكية في هذا الكون الفسيح!؟ إلا ذرة كربون حقيرة لا تكاد تُرى إلا بالمجهر!! وهل يعتني الله العظيم القدير بهذا الإنسان الضئيل الحقير؟ بحق ردد داود في المزمور “أَيُّهَا الرَّبُّ سَيِّدُنَا، مَا أَمْجَدَ اسْمَكَ فِي كُلِّ الأَرْضِ! حَيْثُ جَعَلْتَ جَلاَلَكَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ … إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، الْقَمَرَ وَالنُّجُومَ الَّتِي كَوَّنْتَهَا، فَمَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ؟ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟”(مز1:8، 3-5).

وأمام هذا الإحساس بالضعة والحقارة، تملأ الشكوك عقل الإنسان من جهة عناية الله به! وإذًا فلا بد من رسالة من السماء تريح قلب الإنسان؛ وتعلن له حب الله وحنانه ورعايته؛ وتخرجه من ظلمات الشكوك إلى نور اليقين؛ وهذا الإعلان السماوي هو الوحي، كلمة الله الموحى بها منه، وهو السبيل الوحيد للإعلان الصحيح عن صفات الله، وعن موقفه وشعوره من جهة الإنسان.

فماذا يقول الكتاب المقدس عن الله؟

1- إن الكتاب المقدس يعلن لنا أن الله روح:

وهذا ما قاله المسيح له المجد في حديثه مع المرأة السامرية “اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا” (يو 4: 24).

 وما هو الروح! أن المعنى الوحيد لهذه الكلمة نجده في كلمات الرب يسوع التي تحدث بها لتلاميذه الخائفين “اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي” (لو 24: 39).

 فالروح ليس له جسد، ومع ذلك فإن له وجودًا وقدرة!! ومهما يكن الأمر فليس في وسعنا نحن الذين نعيش في عالم المادة أن نتصور الله بالصورة الحقيقية، لأن مقاييسنا ومعاييرنا مرتبطة بهذه الأرض.

2- إن الكتاب المقدس يعلن لنا ان الله كائن ازلي:

هذه هي اللغة التي نجدها في ثنايا الكتاب، فهو يرينا أن الله فعل، والله أحب، والله تضايق مع المتضايقين، والله فرح، وهذا يؤكد لنا أن الله كائن أزلي موجود، يشعر، ويحس، ويفكر، ويحب، ويغفر، ويعطف علينا في آلامنا وتجاربنا.

3- إن الكتاب المقدس يعلن لنا أن الله قدوس بار:

من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا، تظهر لنا قداسة الله، وكم من مرات نسمع في ثنايا الوحي المقدس “كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ” (1 بط 1: 16)، ونقرأ كلمات حبقوق “عَيْنَاكَ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ”(حب 1: 13). وقداسة الله هي التي دبرت موت المسيح، لأنها تتطلب الحكم العادل ضد الخطية، وفي ذات الوقت ترتب للإنسان طريق الخلاص، ولأن الله الذي نعبده إله قدوس بار، أرسل لنا إبنه الحبيب الوحيد، لكي يفتح لنا الطريق للإقتراب منه، ولكننا إذا تجاهلنا الوسيلة التي عينها لخلاصنا، وفشلنا في طاعة وصاياه. فإننا لن نستطيع أن نطلب منه الرحمة في يوم العقاب.

4- إن الكتاب المقدس يعلن لنا أن الله محبة:

وهذا ما سجله يوحنا التلميذ الحبيب قائلاً “الله محبة” (1يو4: 8، 16). لكن فلنحذر الفكر القائل: بأنه ما دام الله محبة، فكل شيء سوف يكون جميلاً، وأنه لن يدان احد من أجل خطاياه لأن الله محبة !! فهذا فكر خاطيء يتعارض مع قداسة الله التي تتطلب دينونة الخطية.

فمحبة الله رتبت طريق الفداء “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3: 16). لكن قداسة الله لا بد أن توقع على الخاطيء غير التائب العقاب.

الله في إختبار الفرد

إذا كان العلم يثبت وجود الله، والكتاب يعلن صفات الله، فإن إختبار الفرد هو الدليل الملموس في حياة الإنسان لحقيقة وجود الله ويقينًا أن قضية إثبات وجود الله هي قضية إختبارية فوق أنها قضية علمية وفلسفية.

يحدثنا التاريخ عن مُلحد إنجليزي إسمه مستر برادلاف أرسل رسالة لرجل الله الأشهر الدكتور تشارلس برايس يتحداه فيها أن يناظره علنًا في موضوع وجود الله، لكن الدكتور برايس رد عليه هذا التحدي بتحدي من نوع آخر إذ كتب له رسالة قال فيها ما يلي:

«يامستر برادلاف! إن المناظرة ما هي إلا مصارعة ذهنية ينطبق عليها القول المأثور، إقنع الإنسان ضد إرادته يبقى على رأيه لا يتحول عنه، فدعنا من المناظرة الكلامية، وبدلاً منها فسأحضر معي إلى صالة المناظرة التي يقع عليها إختيارك مئة شخص يشهدون بأن الإيمان بالله قد رفعهم من الحضيض الأدبي إلى المجد الروحي، وأحضر أنت معك مئة شخص يشهدون بأن الإلحاد قد غير حياتهم، وسما بعواطفهم، وأسعدهم، وإن لم تستطع إحضار خمسين أكتفي منك بعشرين يشهدون والسرور يشع من عيونهم ويبدو في نبرات صوتهم – كما يشهد المؤمنون بالله – بأن الإلحاد رفع قدرهم وخلص حياتهم، وضمن مستقبلهم، وإن لم تستطع إحضار عشرين أكتفي منك بعشرة فقط. لا بل أخفض الرقم إلى واحد فقط يا مستر برادلاف يشهد بنفس هادئة مطمئنة مقدرة فرحة متأثرة بأن الإلحاد أسبغ عليه كل هذه النعم» وأمام هذا التحدي القائم على الإختبار الشخصي، تنحى مستر برادالاف عن المناظرة، وإنتصرت قوة الإيمان بالله على منطق الإلحاد السقيم ..

فهل لك إختبار شخصي مع الله؟ وهل أدركت ما يفعله الله للفرد؟ تعال بنا لنرى ماذا يفعل الله للفرد!

1- إن الله يعرف الفرد:

وهذا هو ما يؤكده إختبار  داود الذي سجله في قوله “يَا رَبُّ، قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي. أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ … لأَنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةٌ فِي لِسَانِي، إِلاَّ وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا” (مز1:139-3).

بل هذا ما قاله السيد له المجد “خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي” (يو 10: 27). ولما يتيقن الفرد من أن الله يعرفه بالذات، ويرعاه ويهتم به، يستريح قلبه!!

أجل لقد عرف الرب سمعان بطرس بإسمه، وعرف شمشون قبل أن يولد، وعرف موسى قبل أن يأتي إلى الأرض، وعرف مريم المجدلية وشاول الطرسوسي، وهو يعرف كل فرد في هذا الوجود، ويفرح برجوع الخاطيء التائب “إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ” (لو 15: 7). بل هو يعرف أعمال كل فرد “أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَمَحَبَّتَكَ وَخِدْمَتَكَ وَإِيمَانَكَ وَصَبْرَكَ” (رؤ19:2).

يحدثنا رجل من رجال الله عن موظف من موظفي الإحصاء ذهب إلى منزل إمرأة فقيرة ليسجل عدد أفراد عائلتها وكان للمرأة ستة عشر ولدًا وبنتًا قال موظف الإحصاء للمرأة: كم عدد أولادك يا سيدتي؟ أجابت: بناتي هي رفقة، وراحيل، وثامار، وراعوث، وأبيجايل وأرادت أن تستمر لكن الرجل قاطعها قائلاً: أريد جملة العدد لا أسماء الأفراد وإبتسمت الأم التي تعرف أولادها وقالت: أنا هنا أعرف كل واحدة وكل واحد بإسمه فينبغي إن أردت معرفة عددهم أن تنصت لي.

وهذا هو ذات ما يفعله الله، بل أقل ما يفعله الله لأنه قال “هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابْنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ. هُوَذَا عَلَى كَفَّيَّ نَقَشْتُكِ. أَسْوَارُكِ أَمَامِي دَائِمًا” (إش 49: 15، 16).“اِسْمَعُوا لِي يَا بَيْتَ يَعْقُوبَ وَكُلَّ بَقِيَّةِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، الْمُحَمَّلِينَ عَلَيَّ مِنَ الْبَطْنِ، الْمَحْمُولِينَ مِنَ الرَّحِمِ.وَإِلَى الشَّيْخُوخَةِ أَنَا هُوَ، وَإِلَى الشَّيْبَةِ أَنَا أَحْمِلُ. قَدْ فَعَلْتُ، وَأَنَا أَرْفَعُ، وَأَنَا أَحْمِلُ وَأُنَجِّي. بِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي وَتُسَوُّونَنِي وَتُمَثِّلُونَنِي لِنَتَشَابَهَ؟” (أش3:46-5)>

2- إن الله يعاين الفرد:

هذا هو الحق الذي أعلنه موسى في كلماته “لَيْسَ مِثْلَ اللهِ يَا يَشُورُونُ. يَرْكَبُ السَّمَاءَ فِي مَعُونَتِكَ، وَالْغَمَامَ فِي عَظَمَتِهِ. الإِلهُ الْقَدِيمُ مَلْجَأٌ، وَالأَذْرُعُ الأَبَدِيَّةُ مِنْ تَحْتُ” (تث 33: 26، 27). وهذا ما نقرأه في كلمات يعقوب لإبنه يوسف ساعة إحتضاره “يُوسُفُ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ عَلَى عَيْنٍ. أَغْصَانٌ قَدِ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ حَائِطٍ، فَمَرَّرَتْهُ وَرَمَتْهُ وَاضْطَهَدَتْهُ أَرْبَابُ السِّهَامِ. وَلكِنْ ثَبَتَتْ بِمَتَانَةٍ قَوْسُهُ، وَتَشَدَّدَتْ سَوَاعِدُ يَدَيْهِ. مِنْ يَدَيْ عَزِيزِ يَعْقُوبَ، مِنْ هُنَاكَ، مِنَ الرَّاعِي صَخْرِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ إِلهِ أَبِيكَ الَّذِي يُعِينُكَ، وَمِنَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي يُبَارِكُكَ” (تك 49: 22-25).

ومع هذه الكلمات الحلوة، نقرأ شهادة بولس أمام أغريباس حين قال “فَإِذْ حَصَلْتُ عَلَى مَعُونَةٍ مِنَ اللهِ، بَقِيتُ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، شَاهِدًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ” (أع 26: 22). فالله إذ يعاين الفرد، ويناديه “لاَ تَخَفْ. أَنَا أُعِينُكَ” (إش 41: 13). فثق في هذه المواعيد وردد مع داود مزموره الحلو “الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ” (مز 23: 1).

3- إن الله يدبر كل ظروف الفرد:

إجتاز يعقوب في حياته ثلاثة إختبارات هامة، الإختبار الأول هو إختبار بيت أيل، والإختبار الثاني هو إختبار محنايم، والإختبار الثالث هو إختبار فنيئيل، وفي إختبار بيت أيل أدرك يعقوب ان الله يدبر كل ظروف الفرد وسمع صوت الله قائلاً “وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ، لأَنِّي لاَ أَتْرُكُكَ حَتَّى أَفْعَلَ مَا كَلَّمْتُكَ بِهِ” (تك 28: 15).

وفي إختبا ر محنايم لقاه ملائكة الله فعرف أن الله يحرسه بقوى غير منظورة، وفي إختبار فنيئيل تصارع مع الله وجه لوجه، وحطم الله الذات التي فيه ونجى نفسه!!

وهناك إختبار رائع في حياة إبراهيم يوم سأله إبنه وهو في طريق إلى الذبح “هُوَذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟” (تك 22: 7). فقال إبراهيم “اللهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي” ، ولما وصل إبراهيم للحظة الصفر وأنقذ الله ولده، وأراه كبشًا ممسكًا في الغابة بقرنيه قدامه عوضًا عن إبنه، دعى أسم ذلك الموضع (يهوة يرأه) وأسم (يهوة) هو أسم الرب الذي لا يترفع عن خلائقه ويتركهم لشأنهم، بل يرى أعواز شعبه ويتنازل ليخلصهم، وقد ورد هذا الأسم الجليل مقترنًا بالأعمال التي يعملها الله لكل فرد يتكل عليه ويثق فيه، فالنتأمل إذن في هذه الأعمال العظيمة.

1- يهوة رافا: أي الرب الشافي (خر26:15)، وهذا هو الإسم المريح لكل طريح على فراش المرض “الرَّبُّ يَعْضُدُهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الضُّعْفِ. مَهَّدْتَ مَضْجَعَهُ كُلَّهُ فِي مَرَضِهِ” (مز 41: 3).

2- يهوة نسى: أي الرب رايتي (خر8:17-15)، وهذا هو الإسم المعزي لمن يضايقه العدو.

3- يهوة شالوم: أي الرب سلام (قض24:6)، وهذا هو الإسم المفرح لكل خائف ومضطرب.

4- يهوة رعا: أي الرب راعي (مز1:23)، وهذا هو الإسم الجميل لكل غريب ونزيل.

5- يهوة تصديقينو: أي الرب برنا (أر6:23)، وهذا هو الإسم البهيج لكل شاعر بإحتياجه إلى بر الله.

6- يهوة يرأه: أي الرب يرى ويدبر (تك14:22)، وهذا هو الإسم الحلو لكل من لا مخرج له في ضيقات الحياة.

7- يهوة شمة: أي الرب هناك (حز35:48)، وهذا هو الإسم المبارك لكل من يتوقع مجيء ملكوت الله على الأرض.

فهل بعد كل هذه الإعلانات تحس بوحدتك في هذه الأرض، أو تشعر بأن الله معك في كل الطريق؟!

أصغي إلى كلمات إشعياء المشجعة “لِمَاذَا تَقُولُ يَا يَعْقُوبُ وَتَتَكَلَّمُ يَا إِسْرَائِيلُ: «قَدِ اخْتَفَتْ طَرِيقِي عَنِ الرَّبِّ وَفَاتَ حَقِّي إِلهِي»؟ أَمَا عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَسْمَعْ؟ إِلهُ الدَّهْرِ الرَّبُّ خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا. لَيْسَ عَنْ فَهْمِهِ فَحْصٌ. يُعْطِي الْمُعْيِيَ قُدْرَةً، وَلِعَدِيمِ الْقُوَّةِ يُكَثِّرُ شِدَّةً. اَلْغِلْمَانُ يُعْيُونَ وَيَتْعَبُونَ، وَالْفِتْيَانُ يَتَعَثَّرُونَ تَعَثُّرًا. وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ”(إش27:40-31).

وكل اليوم مرددًا مع أيوب”بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي.لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ” (أي 42: 5).

الجرائم الكثيرة الغريبة الشاذة التي نقرأ أنبائها في الصحف كل صباح على أي شيء يدل وقوعها بهذه الكثرة، وهذا الشذوذ، وهذه الوحشية؟ السفاح الذي يقتل ضحاياه من أجل قروش، ويحتفظ بجثثهم في أرض الحديقة التي يعملها بها في الليل وفي النهار ويبيع جمجمة الواحد منهم بخمسين قرشًا، ويقتطع من ثيابهم أجزاء للذكرى ثم يصنع منها وسائد يريح فوقها رأسه! وعلامَ يدل هذا الإجرام وهذه القسوة؟

والعمتين اللتان تفسدان أبنتيّ أخيهما اليتيمتين وتقودونهما إلى الشر وتتنكران لهما يوم يصيبهما المرض الخبيث، ما علة تصرفهم؟ وطالب كلية الهندسة الذي يطلق نسناسًا على المصطفين في شاطيء أسبورتنج يثير الرعب فيهما فلما يعترضه عامل قائلاً «حرام عليك» يغضب وينهال عليه ضربًا ولا يتركه إلا جثة هامدة! ما علة تصرفه هذا؟

وهذه الخلاعة التي تفشت في كثير من البيوت! وهذه الحروب! وهذه الدموع! وهذه الدماء! وهذه الأسر المنقسمة على ذاتها التي لا يبطل منها النزاع والخصام! وهذه المطامع الأشعبية التي حطمت قلوب الناس؟ وهذه الخيانات والإعتداءات والسرقات؟ ما علة كل هذا؟ إن العلة الأصيلة الحقيقية هي (الخطية!!) تلك التي قال عنها بولس في إختباره “فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ. لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ. فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ، فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ.إِذًا أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي. فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟” (رو 7: 14-24).

وكما ذكر بولس هذا الإختبار المرير في صراعه مع الخطية كذلك قرر هذه الحقيقة داود النبي حين قال “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مز 51: 5). فالخطية هي الميراث القديم لجميع البشر، وهي القاسم المشترك الأعظم في حياة كل فرد في هذا الوجود، وهذا هو ما يؤكده صاحب المزمور في قوله “اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (مز 14: 2، 3).

وبذات الأسلوب يقرر بولس هذه الحقيقة قائلاً ” كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ … لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو10:3، 11، 12، 22، 23).

ودعنا الآن نتقدم بإرشاد الله لكي ندرس موضوع الخطية الخطير

تعريف الخطية

ما هي الخطية؟ وما هو تعريفها في كلمة الله؟ وكيف نميز بين الخير والشر في حياة البشر؟!

إن الكتاب المقدس قد وضع تعريفات واضحة للخطية نذكرها فيما يلي:

1- الخطية هي التعدي على قانون الله:

وهذا ما يقرره يوحنا “كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضًا. وَالْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي” (1 يو 3: 4). ومعنى ذلك أن الشخص الذي يخطيء يتعدى الحدود المرسومة في ناموس الله، ويدخل في منطقة محرمة لا يصح دخولها “لأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ النَّامُوسِ، وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُجْرِمًا فِي الْكُلِّ. أَنَّ الَّذِي قَالَ: «لاَ تَزْنِ»، قَالَ أَيْضًا: «لاَ تَقْتُلْ». فَإِنْ لَمْ تَزْنِ وَلكِنْ قَتَلْتَ، فَقَدْ صِرْتَ مُتَعَدِّيًا النَّامُوسَ” (يع 2: 10، 11). وهذا ما فعله آدم حين تعدى وصية الله التي وضعها له وأكل من الشجرة التي حرمها عليه.

2- الخطية هي إهمال ناحية الخير في الحياة:

يضع الرسول يعقوب تعريفًا للخطية فيقول “فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (يع 4: 17). وقصة الغني ولعازر هي صورة مجسمة لتوضيح هذا التعريف، فقد كان ذلك الرجل غنيًا يلبس الأرجوان والبز ، ويتنعم كل يوم مترفهًا، وكان عند بابه لعازر الذي كان مضروبًا بالقروح، وكان لعازر في حالته التي تدعو للعطف والرثاء، إمتحانًا حيًا لمشاعر ذلك الغني، وفرصة لإظهار أرق عواطفه الإنسانية ولكن الغني كان أنانيًا فلم يهتم بلعازر المريض ولم يرسل له طعامًا والواقع إن الكلاب كانت أفضل منه وأرق في شعورها «فكانت تأتي وتلحس قروح ذلك المسكين» لقد كان في وسع الرجل أن يفعل حسنًا ولكنه لم يفعل وهذه كانت خطيته، وعلى هذا القياس “فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ”.

3- الخطية هي كل ما ليس من الإيمان:

إصغي إلى كلمات بولس الرسول “وَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ فَهُوَ خَطِيَّةٌ” (رو 14: 23). والإيمان هو وسيلة إرضاء الله “وَلكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ” (عب 11: 6). وهو طريق نوال الخلاص “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ” (أف 2: 8). وهو مفتاح النصرة على العالم “لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا” (1 يو 5: 4). فكل عمل ليس القصد منه إرضاء الله وكل شيء يدفعنا إلى الإتكال على الذات، وكل هزيمة أمام شهوات العالم وإغراءاته وكل تصرف من هذا القبيل ليس من الإيمان “وَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ فَهُوَ خَطِيَّةٌ”.

4- الخطية هي كل إثم نرتكبه:

في رسالة يوحنا الأولى نجد هذا التعريف للخطية “كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ” (1 يو 5: 17). فما هو الإثم؟ في سفر اللاويين الإصحاح الخامس من عدد 1 إلى عدد 19 ، والإصحاح السادس من عدد 1 إلى عدد 7 نجد حديثًا مطولاً عن ذبيحة الأثم وهي تلك التي تتعلق بالأخطاء العلنية المعينة التي يُرتكب بعضها بجهل وبعضها عن علم. فإذا اخطأ أحد وسمع صوت حلف وهو شاهد يُبصر أو يعرف فإن لم يُخبر به حمل ذنبه ووجب عليه أن يقدم ذبيحة أثم. وإذا مس أحد نجاسة إنسان وحتى لو لم يعلم بها ثم علم بها فهو مذنب. وإذا حلف أحد ليفعل حسنًا أو إساءة وأخفى عنه ثم علم فهو مذنب في شيء من ذلك، وفي كل ذلك كان الأمر يتطلب ذبيحة أثم، فالأثم إذًا هو الأخطاء العلنية التي يرتكبها المرء عن علم أو جهل “كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ”.

5- الخطية هي فكر الحماقة:

يعرف صاحب الأمثال الخطية في هذه العبارة  “فِكْرُ الْحَمَاقَةِ خَطِيَّةٌ” (أم 24: 9). ونجد في قصة الغني الغبي تفسيرًا واضحًا لهذه الآية، فهذا الغني أخصبت كورته وبدل من أن يشكر الله على بركاته ويقدم له حقه فيما أعطاه نقرأ عنه هذه الكلمات “فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قَائِلًا: مَاذَا أَعْمَلُ، لأَنْ لَيْسَ لِي مَوْضِعٌ أَجْمَعُ فِيهِ أَثْمَارِي؟ وَقَالَ: أَعْمَلُ هذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَلاَتِي وَخَيْرَاتِي، وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي! فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَا غَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟” (لو 12: 17-20).

وبولس يحذرنا من التدبير الأحمق في قوله “الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ” (رو 13: 14). فكل تدبير للحياة أو للجسد بعيدًا عن فكر المسيح هو خطية.

6- الخطية هي نور الأشرار:

هذا تعريف أخر لصاحب الأمثال “طُمُوحُ الْعَيْنَيْنِ وَانْتِفَاخُ الْقَلْبِ، نُورُ الأَشْرَارِ خَطِيَّةٌ” (أم 21: 4). والعينان الطامحتان هما دليل الكبرياء “سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا،”وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ!” (مت 6: 23، 24).

وإنتفاخ القلب يؤكد وجود الشر في الداخل “لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ،سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ. جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإِنْسَانَ” (مر 7: 21-23).

ومن الطبيعي أن تكون نتيجة وجود القلب المنتفخ والعين الطموحة، أن النور الذي يأتي من صاحبها يعتبر خطية، فنجاح الشرير، شر في جذوره وأغصانه، وثماره، لأن العامل الأول فيه (الخطية) وكذلك كل صلاح يحاول الشرير أن يعمله، أو كل بر يحاول أن يستتر فيه هو خطية “وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ (أي كخرقة بالية) كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا” (إش 64: 6). فأعمال البر التي يعملها الأشرار هي في ذاتها خطية لأن دوافعها غير مقدسة وليست لمجد الله.

هذا هو التعريف الكتابي للخطية؛ وعندما نطبق هذا التعريف على حياتنا ماذا يمكن أن نرى فيها سوى لُطخ الخطية السوداء التي شوهتها وأضاعت جمالها؟!

الخطية والغرائز الإنسانية

هل توجد علاقة بين الخطية والغرائز الإنسانية؟ وما هي هذه العلاقة؟ وكيف تستخدم الخطية الغرائز البشرية؟

يقول الدكتور ماندر عالم النفس المشهور في تعريف الغريزة: إن الغريزة هي ميل فطري موروث يدفع الإنسان أن يسلك سلوكًا خاصًا في ظروف معينة، ولكي نوضح معنى كلامنا هذا نقول إن الغريزة إستعداد فطري في الجهاز العصبي لوضع الجسم في حالة عضوية خاصة وإتيان حركات جسمية معينة هي رد فعل لعملية مناسبة لها، مثال ذلك:

أننا إذا فزعنا لسماع فرقعة عالية مفاجئة أو صيحة حادة جاءت على غير إنتظار منا، فقد تتصلب أجسامنا وتجمد لساعتها ويأخذنا هول ذلك الحادث فتنعقد ألسنتنا ولا نحير جوابًا، نشعر بهذا في أجسامنا فنسمي هذا الشعور خوفًا. ولكن السلوك الجسمي نفسه هو مثل لنوع خاص من الغرائز يسمى غريزة (التماوت).

وقد وضع الله في الإنسان كثيرًا من الغرائز هي أصل جميع الرغبات الأولية في حياة كل فرد.

فغرائز اللمس، والأكل، والحركة الجسمية، وطلب الراحة، والنوم من الغرائز البسيطة التي تولد فينا الرغبة للراحة الجسمية، وغريزة التماوت تولد فينا الرغبة للشعور بالطمأنينة، وغريزة الهرب تولد فينا الرغبة للنجاة، وغريزة الخنوع والتذلل تولد فينا الرغبة لإسترضاء شخص قادر، وغريزة حب الظهور تولد فينا رغبة لفت أنظار الناس وإثارة إعجابهم بنا، ومحبتهم لنا، وغريزة المقاتلة والهجوم تجعلنا نرغب في إيقاع الضرر والأذى، وتدفعنا إلى التغلب والسيادة والشعور بالتفوق، والغريزة الجنسية تولد فينا الرغبة لإجتذاب شخص من الجنس الآخر والتزاوج معه وإدخال السرور عليه، وغريزة الرعاية والحماية تدفعنا للعناية بشخص أضعف من الإنسان والمحافظة عليه، والغريزة الإجتماعية تدفعنا للبحث عن الرفاق وصحبة وزمالة غيرنا من نوعنا، وغريزة التقليد تولد فينا الرغبة للتشبه بالقادة والزعماء منا، وغريزة المطاردة والقنص تولد فينا الرغبة في الإمساك والتملك والقبض؛ وغريزة الإرتياد والكشف تولد فينا الرغبة للكشف والمعرفة والفهم؛ وغريزة العودة إلى المألوف تجعلنا نحس برغبتنا في العودة إلى المألوف من الناس والأمكنة والظروف، ويجدر بنا أن نضع في أذهاننا أن هذه الغرائز و الرغبات ليست شرًا في ذاتها، ولكن الشر في إنحرافها، وفي الطريق الذي يسلكه الفرد لإشباعها.

ولقد سقط كثيرون من الأبطال عن طريق الغريزة المنحرفة، والرغبة الجامحة … فهذا هو داود في خطيته الرهيبة التي حوت جملة خطايا في ثناياها، فقد أخطأ ذلك الملك ضد أوريا، وأخطأ ضد بثشبع، وأخطأ ضد التاج، وأخطأ ضد الدولة؛ وأخطأ ضد الجيش وأخطأ ضد جسده، وأخطأ ضد الإنسانية، عندما إرتكب خطية الزنا مع إمرأة أوريا، ولا ريب أن هذه الخطية كانت إنحرافًا صريحًا للغريزة الجنسية عن الطريق الشريف الذي وضعه الله لإشباعها، ويظهر هذا بكل وضوح في الحديث الذي دار بين ناثان النبي وداود فقد قال ناثان للملك “كَانَ رَجُلاَنِ فِي مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا غَنِيٌّ وَالآخَرُ فَقِيرٌ. وَكَانَ لِلْغَنِيِّ غَنَمٌ وَبَقَرٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَأَمَّا الْفَقِيرُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ إِلاَّ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ صَغِيرَةٌ قَدِ اقْتَنَاهَا وَرَبَّاهَا وَكَبِرَتْ مَعَهُ وَمَعَ بَنِيهِ جَمِيعًا. تَأْكُلُ مِنْ لُقْمَتِهِ وَتَشْرَبُ مِنْ كَأْسِهِ وَتَنَامُ فِي حِضْنِهِ، وَكَانَتْ لَهُ كَابْنَةٍ.فَجَاءَ ضَيْفٌ إِلَى الرَّجُلِ الْغَنِيِّ، فَعَفَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَنَمِهِ وَمِنْ بَقَرِهِ لِيُهَيِّئَ لِلضَّيْفِ الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ نَعْجَةَ الرَّجُلِ الْفَقِيرِ وَهَيَّأَ لِلرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ” (2صم1:12-6).

ولقد حكم داود على الرجل الذي تتحدث عنه القصة بالموت لأنه ترك أغنامه وأبقاره وإعتدى على نعجة الرجل المسكين، أي أنه إنحرف بغريزته في طريق غير شريف فالخطية ليست في وجود الغريزة نفسها بل في إنحرافها إلى طريق مضاد لإرادة الله.

ونلاحظ في سقطة داود، أن إنحراف غريزة واحدة في المرء، قد يؤدي إلى إنحراف غرائز أخرى معها؛ فغريزة التماوت، وهي التي تولد الرغبة في الشعور بالطمأنينة، والإنفعال المصاحب لها هو الخوف، دفعت داود إلى قتل أوريا ليستريح من الفضيحة ويطمئن إلى كتمان الأمر، فلنحذر إذًا من إنحراف غرائزنا ولنسر بها في الطريق المرتب لها من الله.

ومع داود نجد عاخان الذي إنحرفت رغبة حب التملك فيه عن الطريق السوي فدفعته إلى السرقة، فلما رأى في الغنيمة رداء شنعاريًا نفيسًا ومئتي شاقل فضة ولسان ذهب وزنه خمسون شاقلاً إشتهاها، وأخذها، وطمرها في وسط خيمته بعد أن وضع الفضة تحتها (يش21:7) وبذات الكيفية إنحرف جيحزي فسقط في خطية الكذب والإغتصاب، وكذلك باع يهوذا سيده المسيح بثلاثين من الفضة “لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ” (1 تي 6: 10). وإلى جوار هؤلاء نجد بطرس الذي قال لسيده “يَا رَبُّ، إِنِّي مُسْتَعِدٌّ أَنْ أَمْضِيَ مَعَكَ حَتَّى إِلَى السِّجْنِ وَإِلَى الْمَوْتِ!” (لو 22: 33).

وهو يلعن ويحلف ويسب أنه لا يعرف المسيح … ولا ريب أن الذي دفعه إلى ذلك هو إنحراف غريزة التماوت فيه، هذا الإنحراف الذي جعله يبحث عن الطمأنينة بطريق غير سليم، ودفعه إلى الخوف الجارف الذي جعله ينكر سيده لينجو بحياته من الخطر، بدلاً من ان يثق بالله لنجاته وإنقاذه.

وهناك عدة أمثلة أخرى لإنحراف الغرائز، يضيق مجال هذا الكتاب عن حصرها، لكننا نخرج منها كلها بنتيجة واحدة هي أن نبحث عن السبيل النظيف الذي وضعه الله لإشباع غرائزنا، ونتسامى بها في طريق الخدمة والمثل العليا حتى لا تنحرف إلى طرق الضلال والنجاسات والأوحال.

عندما تأتي الخطية للإنسان، تأتي مرتدية رداء الخداع والمداهنة والتملق، وهي تعطي لكل غصن من أغصان شجرتها الأثيمة أسمًا جميلاً، فهي تسمي الكبرياء كرامة، وتسمي الأغاني المبتذلة فنًا رفيعًا، وتسمي شهوة العيون حب الجمال، وتسمي الحروب البشعة دفاعًا عن الحرية، ولكنها بعد أن تخدع المرء تهشمه بين انيابها القاسية.

يحدثنا التاريخ عن مرسل من بلاد الغرب ذهب إلى إحدى غابات الهند، ووجد هناك نمرًا صغيرًا ما زال وليدًا، فأخذه معه ليربيه كما تربي الكلاب، وبدأ المرسل يعتني بالنمر ويطعمه إلى أن كبر، وفي يوم ما بينما كان المرسل جالسًا في حديقته يقرأ صحيفته، مد يده وربت على رأس النمر كعادته، وإذ بالنمر يلحس يد المرسل بلطف، وقليلاً قليلاً أحس المرسل بأن قوة تخرج من جسمه دون أن يعرف السبب، وفجأة إنتبه فإذا به يجد الدماء تسيل من يده … وأدرك أن النمر ظل يلحس بلسانه إلى أن أسال دماءه وإذ أراد أن يعاقب ذلك الوحش ثارت غريزة الإفتراس فيه بعد أن ذاق طعم الدماء وإفترس المرسل الذي رباه!

وهذه هي قصة الخطية على مدى الأزمان، تخدع ثم تقتل!! وليس شك في أن كثيرين يعتقدون أن خطاياهم لن تكشف ولن ينالوا عنها عقابًا، لكن قانون الله الخالد هو “فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا” (غل 6: 7). ولا بد أن يأتي اليوم الذي فيه يعلن الله ما ارتكبناه من آثام إلا إذا سترت هذه الآثام بالتوبة والإيمان في دم الصليب، وهذه هي الحقيقة التي يقررها موسى في سفر العدد في الكلمات “وَتَعْلَمُونَ خَطِيَّتَكُمُ الَّتِي تُصِيبُكُمْ”(عد32 :23). ذلك لأن “اللهُ يَطْلُبُ مَا قَدْ مَضَى” (جا 3: 15).

وليس هذا كل ما تفعله الخطية في حياة الفرد، فالخطية تفصل الإنسان عن الله “آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلهِكُمْ، وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ” (إش 59: 2). وهذا هو ما حدث في حياة شاول الملك حتى قال وهو في ضيقته الكبرى “الرَّبُّ فَارَقَنِي وَلَمْ يَعُدْ يُجِيبُنِي لاَ بِالأَنْبِيَاءِ وَلاَ بِالأَحْلاَمِ. فَدَعَوْتُكَ لِكَيْ تُعْلِمَنِي مَاذَا أَصْنَعُ” (1 صم 28: 15). وعندما يفارقنا الله، يفارقنا النجاح، والسلام، والهدوء النفسي والقلبي، ويأخذ الشيطان مجاله الأكبر في حياتنا، وفوق هذا فإن الخطية تصيب المرء بالعمى الروحي، فتجده يفهم الأدب، والسياسة، والإجتماع، والعلوم الرياضية، ويجهل أبسط مباديء الحياة الروحية “وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا” (1 كو 2: 14)، والخطية تنيم الضمير الحي، فداود الذي ضربه قلبه عندما قطع طرف جبة شاول الملك (1صم5:24)، نام ضميره حتى قتل أوريا الحثي، وإعتدى على إمرأته. والخطية عاقبتها الموت الروحي والجسدي“لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ” (رو 6: 23).“وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا” (يع 1: 15) …

وأخيراً تأتي الخطية بالإنسان إلى نار جهنم “وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي” (رؤ 21: 8).

ولكن هل هذا كل ما في قصة الخطية المؤلمة؟! اصغي إلى آنين أولئك الذين غررت بهم، ولطخت حياتهم … اسمع صوت قايين القاتل وهو يقول “ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ” (تك 4: 13)، وانصت إلى تأوهات داود الساقط “لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِيلأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي. كَحِمْل ثَقِيل أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ” (مز 38: 3)، وأمِل أذناك لتسمع كلمات أيوب “لأَنَّكَ كَتَبْتَ عَلَيَّ أُمُورًا مُرَّةً، وَوَرَّثْتَنِي آثَامَ صِبَايَ” (أي 13: 26). واصغ إلى إعتراف إشعياء “وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ” (إش 6: 5)، ثم تعال بعد هذا لتسمع ذلك التعس يهوذا وهو يقول “أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا” (مت 27: 4).

هذا هو عذاب الخطية في قلب كل فرد يواجه الله، ويعرف حقيقة خطاياه، ومع هذا العذاب النفسي المرير، نرى الشقاء الذي تحدثه الخطية في جميع مناحي الحياة.

فحواء قد ملأت الدموع عينيها، وخرجت السعادة من خيمتها بعد أن قتل قايين هابيل، وعاخان رجمه كل إسرائيل مع جميع بيته لأجل أطماعه وشهواته، وشمشون قلع الفلسطينيون عينيه ونزلوا به إلى غزة وأوثقوه بسلاسل نحاس وكان يطحن في بيت السجن لأجل حبه للمرأة المستهترة دليلة، وجيحزي قد ضُرب هو ونسله ببرص نعمان السرياني لأجل محبة المال، وداود كان يعوم في كل ليلة سريره بدموعه، واحتمل أشد الآلام والنكبات في بيته بسبب سقطته، وآخاب لحست الكلاب دمه لأجل طمعه واعتدائه، وبطرس بكى بكاء مراً بسبب إنكاره لسيده.

وماذا أقول أيضًا عن الملوك، والأبطال، والعظماء، والفتيات، والشبان، الذين شوهت الخطية جمالهم وجلالهم، وسجلت في كتاب حياتهم سطورًا سوداء بيدها القاسية التي لا ترحم.

يحدثنا رجل من رجال الله هو الدكتور تشارلس برايس عن مأساة رهيبة من مآسي الخطية في حياة قسيس عظيم، كان أسم ذلك القسيس جوزيف كونلي، كرسه والداه لخدمة الله فإلتحق بكلية اللاهوت، وكان بالكلية أستاذ عصري لا يؤمن بالكتاب المقدس، عز عليه أن يرى شابًا ذكيًا يكرس حياته لخدمة المسيح، فهمس في أُذنه بهذه الكلمات «اسمع يا جوزيف، أنت شاب ألمعي الذكاء، وينبغي أن تعرف أن ديننا قد دخلته الخرافات، وأنا أنصحك أن تدرس كتب الفلاسفة، وأن تزن الأمور بتفكير، اقرأ يا جوزيف داروين، ورينان وهكسلي، ولا تسر كالأعمى في طريق الحياة».

واهتز الشاب وهو يسمع من أستاذه الأثيم هذه العبارات، ولكنه رغم الصراع الذي قام داخله أتم دراسته وخرج للخدمة المقدسة. تزوج جوزيف كونلي بعد أن نُصب راعيًا من ابنة أحد القسوس الأتقياء. وكانت فتاة مكرسة تحب الرب، وارتقى القس جوزيف كونلي سلم المجد على درجات، حتى استقر في مدينة (بومونا) في ولاية كاليفورنيا وبنى بها كنيسة ميثودستية من أجمل ما ابتكرت الهندسة الأسبانية، وعلت شهرته حتى منحته إحدى الجامعات الدكتوراه الفخرية تقديرًا له.

وفي خلال مدة خدمته في هذه المدينة كان الصراع قد بلغ أشده في قلبه وعقله، وكانت كلمات الأستاذ الأثيم قد أثمرت في تفكيره، فوقف في صباح يوم أحد، وأعلن من فوق منبره، أنه لا يؤمن بميلاد المسيح من عذراء، ولا يؤمن بالمعجزات، وأنه سيترك الخدمة إلى عمل آخر في الحياة.

كان الدكتور كونلي كاتبًا موهوبًا، فدخل إلى ميدان الصحافة، وعلا نجمه فعُين رئيسًا للتحرير في جريدة كبرى؛ ثم أنشأ لنفسه جريدة خاصة وطبق اسمه الآفاق؛ فقد كان قلمه كأنه قد غُمس في مداد الإلهام. لكن الخطية غررت بالرجل حتى سادت على حياته، فبدأ يُدخن ويشرب الخمر، ثم تملكت منه عادة السكر ففقد عمله في الصحافة وخبا ذلك النجم الذي لمع لمدة سنوات.

وكنت ترى الدكتور القس جوزيف كونلي، وهو يسير في الشوارع متسكعًا، بملابسه الممزقة، وقد زال عنه بهاؤه، واحمرت عيناه، وضاعت معالم شخصيته من فرط السكر. ولو رآه ذلك الأستاذ الشرير الذي أبعده عن الإيمان لبكى عليه بالدموع.

ورآه أحد الأطباء من أعضاء كنيسته القدامى، فراعه منظره حتى أبكاه، فأشفق عليه وأعطاه حُلة جديدة لكن جوزيف كونلي الراعي الذهبي اللسان والقلم، باع الحُلة ليشرب بثمنها خمرًا.

ووضع الله في قلب ذلك الطبيب أن يهتم بذلك الراعي، ففكر في إبعاده عن البيئة التي يعيش فيها عله يُبطل عادة السكر ويرجع إلى نفسه، وكانت مناجم الذهب قد اُكتشفتفي ألاسكا فأوحى إليه أن يذهب إلى هناك … ووافق كونلي على الذهاب ورتبت له زوجته حقيبة وضعت فيها بعض الدواء، وفي داخل الحقيبة وضعت له ابنته الجميلة الصغيرة فلورنس نسخة من الكتاب المقدس وقد كتبت عليها إهداءها «لبابا العزيز …» وسافر الرجل تتبعه صلاة الزوجة الحزينة من أجله إلى الله.

وما كاد جوزيف كونلي يذهب إلى ألاسكا حتى اشتغل عاملاً في (خمارة) وكنت ترى ذلك الرجل العظيم الذي حطمته الخطية وهو يغسل أرض الخمارة بيديه الرقيقتين في سبيل الحصول على مزيد من الخمر …

وطلبه أحد الأغنياء ليقوم بحراسة منجم جديد، فكان الشرط الأساسي الذي وضعه ذلك المسكين أن يزوده الغني بكميات كافية من الخمر … ووافق الرجل، وأرسله لحراسة المنجم وأسكنه في غرفة خاصة على بعد أربعين ميلاً من العمران … وفي تلك الغرفة كان كل عمل جوزيف كونلي أن يجرع كؤوس من الخمر وهو يتطلع إلى الخلاء … وانضم إليه في غرفته شابان، كان أحدهما كاثوليكيًا واسمه (جيمي مُلر) وكان الثاني يعمل في كاليفورنيا كوسيط روحي في جلسات مناجاة الأرواح واسمه (ولي فلت) … وكان عمل هؤلاء الثلاثة هو شرب الخمر، والتحدث بأقبح القصص وأقذر النكات.

وظل الحال هكذا في الغرفة البعيدة عن العمران، إلى أن أصيب جيمي مُلر بالحمى، وكان يصرخ من الألم، وتذكر جوزيف كونلي الدواء الذي وضعته زوجته في الحقيبة، ففتحها ليخرجه منها وإذا بنسخة الكتاب المقدس تسقط على الأرض، وانحنى الرجل وأمسك بها، ثم أراد أن يحرقها ولكن صديقه (ولي فلت) منعه من إحراقها بحجة أنه لا يوجد في الغرفة ما يقرأونه.

أثر الدواء في (جيمي مُلر) وشُفَّي، وبدأ بعد شفائه يقرأ الكتاب المقدس …

ولقد قاوم جوزيف كونلي فكرة قراءة الكتاب في غرفته ولكنه استسلم لرأي زميليه لما قالا أنهما يقرآنه بقصد التسلية لا بقصد الإيمان …

وجاء الشتاء بليله الطويل، وكان ثلاثتهم يجلسون الساعات لقراءة الكتاب، وأحدث الكتاب تغييرًا في حياة هؤلاء التعساء … قل حديثهم الشرير البذيء … وماتت على شفاههم اللعنات.

وحل عيد الميلاد، فجلسوا يقرأون قصة ميلاد المسيح … وعادت إلى ذاكرة كل منهم مناظر إحتفالات العيد … وتذكر جوزيف ابنته الجميلة فلورنس، وهي تضع الزينات في أغصان شجرة العيد، وذكر الرجل حياته يوم كان راعيًا جليلاً تنحني له الهامات.

ظل الأصدقاء الثلاثة يقرأون الكتاب حتى شهر يناير، وفي أواخر ذلك الشهر بدأوا قرائتهم لإنجيل يوحنا، ثم جاء اليوم الرابع عشر من شهر فبراير حين جلس ( ولي فلت) يقرأ، وأمامه الدكتور كونلي يصغي بانتباه إلى قراءته “لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي. فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا”

وتحت تأثير هذه الكلمات لم يتمالك القسيس القديم نفسه فانحدرت الدموع على خديه.

وتوقف (ولي فلت) عن القراءة وسأل: ما الذي حدث يا جوزيف؟

وأجاب كونلي: لا شيء!

هل تبكي!

نعم! استمر! استمر! إنني أفكر في إبنتي الصغيرة فلورنس. ووقف وليى فلت وهو يقول «يا لعظم هذا الكتاب! إنه قد هز كياني، وغير قلبي، وأنا أحس منذ أيام برغبة شديدة في الصلاة ولكنني خشيت أن أصلي لئلا تسخر مني، أما الآن فقد عزمت أن لا أستمر في خجلي، وسأركع وأصلي إلى الله، وأطلب إليه أن يتكلم إلى قلبي» … وانفجر كونلي في البكاء وهو يسمع كلمات زميله ثم جفف دموعه وهو يقول «آه يا صاحبي، هذا هو ذات الإحساس الذي يملأني، فمنذ أسبوع وقلبي يتحطم داخلي، وصورة أمي التي انتقلت إلى المجد تتمثل أمامي وهي تصلي لأجلي …» وسكت الدكتور كونلي لحظة ثم قال: «وأنت يا جيمي ماذا تحس في قلبك؟» …

وأجاب جيمي ملُر: إن المعركة قد بلغت نهايتها وسأركع معكما لأصلي.

وركع السكيرون الثلاثة في تلك الغرفة، وارتفعت صلواتهم في طلب خلاص الله، وفجأة وقف ولي فلت على قدميه وهتف «هللويا! هللويا! لقد سمع يسوع طلبتي» وقفز بعده من فرط الفرح جيمي مُلر وهو يهتف بكلمات الحمد لله، وأخيرًا وقف جوزيف كونلي وقد امتلأت عينيه بالدموع وفمه بهتاف المجد.

كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل عندما زار السيد له المجد ذلك المكان البعيد، وخلص أولئك المساكين.

وإتجه ثلاثتهم إلى برميل الخمر ودحرجوه إلى خارج الغرفة، وسكبوا السائل القَتال على الجليد بين هتافات الشكر والحمد …

وبعد مدة قليلة ترك ثلاثتهم ذلك المكان، أما جيمي مُلر فقد أصبح قسيسًا ميثودستيًا مباركًا، وأما ولي فلت فقد امتلأ بالروح القدس وما زال يعظ ببشارة الخلاص في مدينة تكساس …

وأما الدكتور جوزيف كونلي، فقد رحبوا به كعميد لكلية المثال لدرس الكتاب، وقبل إحتضاره بأيام جلس والدموع في عينيه يقص على الدكتور برايس قصة حياته ليذيعها على الناس حتى يتحذروا من الخطية وعدم الإيمان والشك في الله.

والواقع أن قصة هذا القسيس هي إختبار رهيب لمرارة الخطية، وهي تحذير قوي من الكتب التي تملأ العقل بالشكوك، والفلسفات التي تبعدنا عن الإيمان …

فاحذر يا أخي أن تقيدك الخطية بقيودها الحديدية، واحترس من سماع نصيحة الأشرار واصغ إلى الأوصاف التي سجلها بولس الرسول عنهم “مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلًا وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا، نَمَّامِينَ مُفْتَرِينَ، مُبْغِضِينَ للهِ، ثَالِبِينَ مُتَعَظِّمِينَ مُدَّعِينَ، مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا، غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ، بِلاَ فَهْمٍ وَلاَ عَهْدٍ وَلاَ حُنُوٍّ وَلاَ رِضىً وَلاَ رَحْمَةٍ.حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سِمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ…  وَفَمُهُمْ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً. أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ. فِي طُرُقِهِمِ اغْتِصَابٌ وَسُحْقٌ. وَطَرِيقُ السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ. لَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ” (رو1،3).

يقينًا أن “الْخَطِيَّةُ خَاطِئَةً جِدًّا” “لأَنَّهَا طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ”.

فإذا قامت معارك الشكوك في داخلك، فردد هذه الكلمات «يا إلهي مع إنني لا أفهم كل شيء لكنني سأستمر في ثقتي بك وبينما أنا أحيا وسط الغيوم فسأظل مؤمنًا بمحبتك، وفي وسط الظلمات وحيث لا نور سأستند يا ربي على قوتك. فاحفظني بنعمتك لئلا تحطم الخطية حياتي».

الفصل الثالث

إختبار خلاص الله

 تقدمت فتاة من جنود (جيش الخلاص) في إنجلترا إلى الأسقف وستكوت وسألته «هل حصُلت على الخلاص يا سيدي؟» وكان الأسقف رجلاً وديعًا وقديسًا متواضعًا وعالمًا كبيرًا في اللغة اليونانية فنظر إليها بوجهه المشرق، وإبتسامته التي لم تفارقه منذ كرس حياته للمسيح وقال: هل تقصدين Esothen؟ أو Sozomenos  أو Sothesomai؟ وظهر الإرتباك على وجه الفتاة لأنها لم تفهم الكلمات اليونانية التي نطق بها الأسقف الجليل، ولاحظ الأسقف ذلك فاستطرد قائلاً «اسمعي أيتها الإبنة العزيزة، إن هذه الكلمات اليونانية التي وردت في العهد الجديد، تُرجمت (خلص- يُخلص- سيُخلص) فالخلاص فعل ماض، وعمل حاضر، ورجاء مستقبل وطيد، فهو فعل ماض كما يقول الرسول بولس “لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ” (تي 2: 11).

وهو عمل حاضر كما يقول في ذات الآية “مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ”(تي 2: 12). وهو رجاء مستقبل مجيد كما يقول أيضًا في ذات الآية “مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ”(تي 2: 13). وكما يقول في آية أخرى “مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا” (رو 8: 23).

وسكت الأسقف لحظة ثم استأنف حديثه قائلاً «أما بخصوص سؤالك الموجه إلى شخصي فأقول وقلبي مفعم بالشكر لله: إني بنعمة الله قد خُلصت – وإني مُخلص – وإني سأخلص عندما يأتي الرب».

وهذا هو الخلاص في معناه الكتابي – غفران، وتجديد، وتقديس، وتمجيد، ولكن المهم ليس أن نعرف المعاني بل أن يختبر كل فرد بنفسه خلاص الله.

نوال الخلاص

يسبق نوال إختبار الخلاص خطوات جوهرية نوردها فيما يلي:

1- الخطوة الأولى اليقظة الروحية:

ونجد هذه الخطوة في اختبارات المخلصين بصورة واضحة، فلا بد من يقظة روحية للفرد تشعره بحقيقة حالته أمام الله، وبهلاكه الذي لا مندوحة عنه إذا بقى في خطاياه، وقد تحدُث هذه اليقظة من مؤثرات متنوعة، فقد يستيقظ الإنسان بعد أن تتحطم آماله البشرية التي وضعها في الناس فيتجه بقلبه إلى الله، كما حدث مع إشعياء حين مات عزيا الملك الذي كان موضع آماله فقال “فِي سَنَةِ وَفَاةِ عُزِّيَّا الْمَلِكِ، رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ …  فَقُلْتُ: «وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ” (اش1:6، 5).

وقد تحدُث هذه اليقظة من جراء معجزة يجريها الله أمامنا كما حدث مع بطرس عند صيد السمك الكثير بعد ليلة فشل مرير “فَلَمَّا رَأَى سِمْعَانُ بُطْرُسُ ذلِكَ خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ قَائِلًا: «اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَا رَبُّ، لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ!” (لو 5: 8).

وقد تستيقظ النفس بسبب كارثة مفاجئة كما حدث مع حافظ سجن فيلبي عندما تزعزعت أساسات السجن، وانفتحت الأبواب كلها وظن الرجل أن المسجونين قد هربوا وكان مزمعًا أن يقتل نفسه لولا أن ناداه بولس قائلاً “لاَ تَفْعَلْ بِنَفْسِكَ شَيْئًا رَدِيًّا! لأَنَّ جَمِيعَنَا ههُنَا!” (أع 16: 28).

وعندئذ إندفع الرجل قائلاً “يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟” (أع 16: 30). وقد تأتي اليقظة للنفس نتيجة سماع كلمة الله من شخص ممتليء من الروح القدس كما حدث يوم الخمسين عندما وعظ بطرس الجموع “فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا لِبُطْرُسَ وَلِسَائِرَ الرُّسُلِ: «مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟” (أع 2: 37). وهذه اليقظة الروحية هي أول خطوة في طريق إختبار خلاص الله.

منذ وقت ليس ببعيد وقفت مسز كولين تونسند إيفانز – وقد كانت نجمة سينمائية لامعة في طريقها للمجد العالمي – أمام إحدى عشر ألفًا من سكان مدينة لندن، حضروا إجتماعات الحملة التبشيرية التي قام بها بللي جراهام، وسردت إختبارها لهذا الجمع الحاشد مُعلنة كيف إستيقظت نفسها، فطوحت بكل مجدها وآمالها وطموحها لتكرس حياتها للمسيح.

قالت مسز كولين «منذ سنوات كنت في مركز من الغنى والسعادة والشهرة يحسدني عليه الكثيرون حتى اعز أصدقائي؛ وكنت المرأة الوحيدة التي إنفردت بعقد أكبر إتفاق مع أكبر شركات السينما في هوليود؛ وكان المال الذي وعدوني به أكثر مما كنت أحلم أو أفكر … وكانت الشهرة تسعى إليَّ، وكنت أتمتع بمكانة ممتازة في مهنتي … ومع كل المباهج التي كانت تحيط بي؛ إلا إنني أعترف أنه في اللحظات التي كنت أخلو فيها مع نفسي؛ كنت أفزع من قلق داخلي ناجم عن حاجة مُلحة في قلبي … إلى شيء أكثر أهمية من الشهرة والمال؛ والمجد والمطامع الذاتية … وتقابلت مرة مع بعض الشابات من كنيسة هوليود وسمعت منهن أجمل قصة عرفتها في حياتي؛ قصة مُصالحة الله للخطاة بواسطة إبنه يسوع المسيح.

لقد ذهبت إلى الكنيسة مرارًا كثيرة، وسمعت هذه القصة مرات ومرات، لكنني لم أدركها بطريقة واضحة، ولم أفهم ما يقصده الإنجيل من ورائها، لأنها قُدمت إلىَّ بطريقة عسرة غير مشوقة … أما هؤلاء الشابات فقد قدمن إليَّ القصة بأسلوب  عجيب مؤيدات إياها بالآيات الكتابية الحلوة كقول السيد له المجد “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي” (يو 14: 6). وكان الشيء الذي أثار إنتباهي، وأيقظ ضميري هو سلوك أولئك الشابات الذي يتفق تمام الإتفاق مع أقوالهن التي لم تكن مجرد كلمات جوفاء، بل تعاليم غيرت مجرى حياتهن وبدلت كل ما يتعلق بهن …

أحسست بجوع شديد لما يتمتع به هؤلاء الشابات من سلام، ورافقتهن لحضور أحد المؤتمرات، وانشغل فكري بمطالب الرب يسوع، وبشخصه المبارك العجيب، وفي صباح يوم أحد إستيقظت مبكرة وخرجت للنزهة، لكنني كنت أسمع صوتًا يتردد داخل قلبي قائلاً «أعط الله فرصة في حياتك» ومع معرفتي القليلة بالصلاة جثوت وصليت، وقلت لله: «إن كانت الرسالة التي سمعتها عن يسوع حقيقية، وإن كان يسوع شخصية حقة، وإن كان في إستطاعته عمل ما قالته أولئك الفتيات، فأني أود أن يكون يسوع هو سيد حياتي وأن ينزع مني كل شيء ويهبني الغبطة التي وهبها لأولئك الشابات».

وفي اللحظة التي قلت فيها للرب يسوع «ادخل قلبي يا ربي» حدث أمر عجيب، لم يكن هناك أي حركة للعواطف، ولم أر رؤى، ولم أسمع صوتًا، ولكن لأول مرة في حياتي صار الله حقيقة ملموسة لي، وعرفت أن المسيح له المجد قد غيرني، وقد جعلني شخصية جديدة، طاهرة، لطيفة، وتذوقت طعم السلام الحقيقي الذي كنت أتمناه، وأشهد إنني وجدت في يسوع سلامًا فياضًا وبهجة دائمة لم أجدهما في المال الوفير، أو الشهرة الواسعة، أو المركز الكبير!!

وهكذا استيقظت هذه المرأة لتقابل الرب وتسعد به، ولا بد لكل فرد أن يستيقظ يقظة روحية قبل نواله الخلاص “لِذلِكَ يَقُولُ: «اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ” (أف 5: 14).

2- الخطوة الثانية التوبة الحقيقية:

وقف بولس الرسول يعظ فيلكس الوالي برسالة الله “وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ، ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ، وَأَجَابَ: «أَمَّا الآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ” (أع 24: 25). وهذا الرجل هو صورة للشخص الذي يستيقظ ضميره ليواجه الله، ولكنه لا يخطو الخطوة الثانية، خطوة العزم القلبي على ترك خطاياه، ففيلكس قد ارتعب من تأثير الكلمة، واهتز كيانه امام الحقائق الأبدية، لكنه قال لبولس “الآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ”، وبهذا وضع أمر خلاصه بعد قضاء مآربه ولذاته، فقد عرف الرجل أن الخلاص يتطلب منه ترك دروسيلا المرأة غير الشريفة التي كان يحبها، وترك الرشوة التي فتح يده لقبولها، وترك الشرور التي كان يرتكبها، لكنه لم يكن يريد ترك هذه الأوزار فهدّأ يقظة ضميره بالتأجيل ومات في خطاياه.

فاليقظة الروحية لا بد أن يعقبها توبة حقيقية لنوال الخلاص، ونحن نرى هذا بوضوح فيما حدث يوم الخمسين، فبعد ان نُخست قلوب الناس في ذلك اليوم من تأثير الكلمة، سألوا بطرس وسائر الرسل “مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟» فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ : «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا”لقد  كانت التوبة هي الرسالة الجوهرية في خدمة الأنبياء والرسل والرب يسوع نفسه. فأشعياء يقول “لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ” (إش 55: 7).ويوحنا يعظ الجموع قائلاً “تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ” (مت 3: 2). والرب يسوع يحذر المهملين بالقول “إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ” (لو 13: 5). وبطرس يردد للجماهير التي سمعته “فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ” (أع 3: 19).وبولس ينادي للأثينيين برسالة التوبة قائلاً “فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ” (أع 17: 30). فالتوبة إذًا هي مفتاح نوال إختبار الخلاص.

لكن ماهي التوبة؟

وقف دكتور في اللاهوت في إجتماع حافل يعظ عن التوبة. لكنه بدل من أن يشرح معنى التوبة حاول أن يتكلم في لغة رفيعة وفلسفة عالية حتى أن الجمهور لم يفهم ما هي التوبة وكان حاضرًا أحد القسوس المختبرين. وكان شيخًا وقورًا فطلب من الدكتور الجليل أن يسمح له بالحديث إلى الجمهور خمس دقائق.

وصعد القسيس الشيخ فوق المنبر وعصاه بيده ثم واجه الجمهور قائلاً «هذه هي التوبة!!» وبينما كان الجمهور ينتظر ما سيقول، نزل من فوق المنبر، وسار في ممر الكنيسة وهو يضرب على الأرض بعصاه ويردد العبارة «أنا ذاهب إلى الجحيم … أنا ذاهب إلى الجحيم … أنا ذاهب إلى الجحيم» وكان الجمهور يتأمله في ذهول وهو يردد هذه الكلمات، حتى وصل إلى منتصف الممر ثم أدار وجهه نحو المنبر وشرع يضرب بعصاه على الأرض ويقول «أنا ذاهب إلى السماء … أنا ذاهب إلى السماء» ثم أرتقى المنبر وتكلم للجمهور قائلاً: «هذه هي التوبة الحقيقية … كنت في طريقي للجحيم، فعزمت على ترك الطريق القديم، والعودة إلى الله. كنت في طريق مخالف لإرادة الله، فعدت إلى طريق طاعة الله».

 إن التوبة تعني ترك الطريق الملتوي الأثيم، وترك أفكار الشر، والرجوع إلى الرب لطلب الرحمة والغفران … لكن من الأسف أن كثيرون يتوبون في ساعة الضيق كتوبة فرعون ثم لما يأتي الفرج يعودون إلى خطاياهم من جديد، بينما التوبة بحسب إرادة الله تعني تغيير الفكر عن الخطية وعدم الإستهانة بها، فيحس المرء من ناحية الخطية بذات إحساس الله من جهتها، والدليل القاطع على التوبة الحقيقية هو الإنقطاع الإرادي عن الخطية، لأن الفرد يجد شبعه وسعادته في الرب.

3- الخطوة الثالثة الإعترافات الشخصية:

الإعتراف أمر جوهري وخطوة لازمة لنوال الخلاص، لذلك يتكلم هوشع قائلاً “خُذُوا مَعَكُمْ كَلاَمًا وَارْجِعُوا إِلَى الرَّبِّ. قُولُوا لَهُ: «ارْفَعْ كُلَّ إِثْمٍ وَاقْبَلْ حَسَنًا، فَنُقَدِّمَ عُجُولَ شِفَاهِنَا” (هو 14: 2). وداود يتحدث عن أهمية الإعتراف قائلاً “لَمَّا سَكَتُّ بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي الْيَوْمَ كُلَّهُ … أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: «أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي» وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي” (مز3:32-5)، ومعنى هذا أن داود لم يجد راحة من آثامه إلا بالإعتراف، فالإعتراف هو طريق راحة القلب من ثقل الخطية، وهو وسيلة راحة النفس من عقدة النقص التي تنغص الحياة، وهو الدليل الملموس للعزم على ترك الخطية، ولذلك فنحن نقرأ عن الابن الضال أنه لما أراد أن يعود إلى أبيه قال “أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ،وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا” (لو 15: 18).

وليس شك أن إعتراف الابن لأبيه قد أزاح عن كاهله حِمل خطاياه، ولذا فصاحب الأمثال يقول “إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ” (1 يو 1: 9). وهذه الكلمات تعني أننا لما نعترف لله بخطايانا نعترف للأمين الذي لا يفشي أسرارنا، ولا يفضح أعمالنا، وللعادل الذي أخذ عقاب هذه الخطايا في الصليب، وهو لذلك يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم.

ومع الإعتراف لله، ينبغي أن نعترف للناس بالزلات التي إرتكبناها في حقهم، وبالإساءات التي واجهناها إليهم كما يقول يعقوب الرسول “اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ” (يع 5: 16). وكما أوصانا رب المجد “فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ” (مت23:5، 24).

إن إلهنا ليس جائعًا إلى قرباننا، ولكنه جائع إلى القلوب الغافرة الصافية التي تصفح عن الآخرين، وتعترف بالإساءات لمن آذتهم بإساءاتها.

عاش منذ زمن ليس ببعيد رجل إسمه هوكمان، عزم على أن يعيش لله، وكان روح الله يعمل في قلبه ويطالبه بأن يكتب إلى ستة أشخاص في بلاد بعيدة كان قد أساء إليهم منذ وقت طويل، ولم يسترح هوكمان إلا بعد أن كتب ستة خطابات لهؤلاء الأشخاص، ويقول الرجل في إعترافه «أحسست بأن سلام الله ملأ قلبي عندما إصطدمت الخطابات بقاع صندوق البريد».

4- الخطوة الرابعة الثقة القلبية:

هذه هي النقطة المركزية لنوال الخلاص، وهي خطوة الإيمان في عمل المسيح الذي أجراه على الصليب، وكم من أشخاص يتصورون أن الإيمان بالمسيح مسألة معقدة، مع أنه أمر بسيط للغاية … لما سأل حافظ سجن فيلبي بولس وسيلا “مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟””قَالاَ: «آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ” (أع 16: 30). ومعنى هذا أنهما طلبا إلى حافظ السجن ان يؤمن بالمسيح ربًا (آمن بالرب)؛ وأن يؤمن به مخلصًا (بالرب يسوع) “وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ”؛ أن يؤمن به ممسوحًا من الله لخلاص البشر “آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” ونتيجة هذا الإيمان نوال الخلاص كما يقول بولس “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ.لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” (أف 2: 8، 9).

سُئل شخص مُخَلص: كيف نلت الخلاص؟ فأجاب: كان الأمر غاية في البساطة فقد إتخذت مكان باراباس! فسُئل: وما معنى هذا؟ أجاب: كان باراباس سجينًا في أورشليم ينتظر حكم الإعدام، كان مجرمًا، قاتلاً، لصًا، ولو إتخذت العدالة مجراها فيه لصلبوه على الصليب الذي صُلب عليه يسوع، لكن يسوع جاء في طريق ذلك الرجل، فحكموا عليه وهو البريء بالصلب، وأطلقوا باراباس المجرم حرًا … ولا شك أن أحد الضباط ذهب إلى باراباس ليبشره بالإفراج عنه وأتخيل أنه جرت بينهما المحادثة التالية:

الضابط: أبشر يا باراباس أنت اليوم حر، حكم بيلاطس بإطلاقك.

باراباس: حر! لا تتهكم عليَّ أيها الضابط، أنا في طريقي إلى الموت!

الضابط: لو سار العدل في طريقه لكنت اليوم تساق إلى الصليب لكن رجلاً بريئًا إسمه يسوع الناصري أخذ مكانك هناك وسيموت هو لكي تخرج أنت حرًا …

ويخرج باراباس، وأتخيله مسرعًا إلى موضع الجلجثة حيث صلبوا يسوع، وهناك يرى الرجل بديله البار معلقًا على الصليب ويسمع صلاته لأجل أعدائه “يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ”، وأعتقد أن باراباس تأثر وركع هناك في أحد الأركان مكرسًا حياته لمن مات بدلاً عنه … وهذا ما فعلته أنا، رأيت مخلصي والجروح في يديه، وإكليل الشوك على رأسه، وأثر الحربة في جنبه المطعون، وعرفت أنه “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا” (إش 53: 5). فوثقت فيما فعله لأجلي، وقلت مع بولس “ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2: 20)وبهذا الإيمان البسيط نلت الخلاص.

يقين الخلاص

بعد أن ينال الفرد الخلاص يحاول الشيطان ان يشككه في إختباره، ولذا فلا بد من أن يمتليء المؤمن بيقين الخلاص.

دعتني جمعية خلاص النفوس بالمنيا للوعظ بالمجمع الذي أقامته يوم الجمعة 16 يوليو 1954، وما كدت أستقر في الغرفة التي أعدتها الجمعية لي، حتى جاء شاب تبدو عليه علامات الهدوء والحياء وقال في أدب جم: هل يمكن أن تعطيني جزءًا من وقتك؟ قلت: بكل تأكيد. جلس الشاب على حافة مقعده وقال بصوت خافت: تجددت سنة 1948، ولكنني لم آذق طعم السرور أو السلام منذ ذلك التاريخ لأن الشيطان يشككني من جهة خلاصي، ويحرمني من التمتع بيقين الخلاص، فهل لك أن تزيل شكوكي وتريح قلبي.

تحدثت إلى ذلك الشاب بما أراح قلبه، ودفعني ذلك الحديث أن اكتب للمخلصين عن يقين الخلاص، فمما لا شك فيه أن الشخص المُخلص ينبغي ان يتيقن خلاصه، وليس هناك كبرياء أو غرور في الإعتراف بنوال الخلاص، ولو كان الاعتراف بيقين الخلاص كبرياء وغرورًا لكان الرسل أول من نضعهم على رأس قائمة المتكبرين المغرورين لأنهم اعترفوا بخلاصهم بكل ثقة ويقين.

فبولس يقول “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ” (1 كو 1: 18). ثم يعود فيقرر “لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا. لكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ” (2 تي 1: 12). وأكثر من ذلك يعلن ثقته بنواله إكليل البر فيقول “وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ” (2 تي 4: 8).

وبطرس يعلن خلاصه في الكلمات “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ” (1 بط 1: 3).

ويوحنا قرر يقين خلاصه قائلاً “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ” (1 يو 3: 2).“نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ اللهِ” (1 يو 5: 19).

وأكثر من هذا يكتب للمؤمنين ليؤكد لهم خلاصهم قائلاً: “أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لأَنَّهُ قَدْ غُفِرَتْ لَكُمُ الْخَطَايَا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ” (1 يو 2: 12).“كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلِكَيْ تُؤْمِنُوا بِاسْمِ ابْنِ اللهِ” (1 يو 5: 13). والرب يسوع نفسه يقول لتلاميذه “بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ” (لو 10: 20).

هذه الإعلانات الكتابية ترينا أن الاعتراف بيقين الخلاص، من إمتيازات المؤمن الحقيقي، وذلك لأن هذا اليقين يهديء عواطف القلب، ويعطي للإنسان بهجة وسلامًا فياضًا.

فكيف يتيقن الإنسان من خلاصه؟

هناك أدلة كثيرة تؤكد للمرء تمتعه بالخلاص، وتغمر قلبه بهذا اليقين الثمين.

1- الدليل الأول شهادة كلمة الله:

إن سر عذاب الكثيرين من أولاد الله هو إعتمادهم على عواطفهم ومشاعرهم من جهة خلاصهم، مع أن العواطف متقلبة، والمشاعر متغيرة، والدليل الأكيد على نوالنا الخلاص ليس هو الشعور البهيج الذي يملأنا، بل هو كلمة الله الثابتة إلى الأبد! وقد كان العبرانيون الذين وضعوا الدم على بيوتهم وهم في أرض مصر في يقين كامل من نجاتهم، لا على أساس عواطفهم ومشاعرهم، بل لأنهم وثقوا في كلمة الله “فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ” فيقينهم كان مبنيًا على وعد الله الأمين وهذا هو الأساس الوطيد لليقين.

وماذا تقول لنا كلمة الله؟ “مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. مَنْ لاَ يُصَدِّقُ اللهَ، فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا اللهُ عَنِ ابْنِهِ” (1 يو 5: 10). اقرأ أيضًا (1يو11:5، 12).

يحتفظ لنا التاريخ باختبار جميل في حياة الملكة فكتوريا ملكة الإنجليز، كانت الملكة تصلي ذات يوم في كنيسة (القديس بولس) بلندن، وتوجهت بعد العظة إلى راعي الكنيسة وسألته «هل يمكن للمرء أن يتأكد تمامًا من نواله الخلاص وهو ما زال على قيد الحياة؟» وكان الراعي رجلاً عصريًا فلم يستطع ان يعطيها جوابًا شافيًا، لكن رجلاً ممتلئًا من الروح القدس اسمه جون تونزيد، قرأ هذه الحادثة في النشرة الملكية، فقضى وقتًا في الصلاة ثم كتب للملكة المشتاقة إلى التمتع بيقين الخلاص الرسالة التالية:

«إلى صاحبة الجلالة الملكة فيكتوريا من أحد رعاياها المخلصين – أكتب إليكِ يا صاحبة الجلالة بقلب مفعم بالمحبة؛ لأخبرك في ثقة كاملة بأننا نقدر أن نتأكد تمامًا من خلاصنا الأبدي في هذه الحياة، وهذا اليقين مؤسس على كلمة الله التي لا تزول، فأرجوكِ ان تقرأي (يوحنا 16:3)، و(رومية 9:10، 10) فهذه الأعداد تؤكد لنا الخلاص التام بالإيمان بيسوع المسيح، وتريح قلوبنا على عمله الكامل لأجلنا … المُخلص : جزن تونزند»

تسلمت الملكة العظيمة هذا الخطاب، وكان جون تونزند يصلي مع بعض أصدقائه لأجلها، وبعد أسبوعين تقريبًا، تسلم جون تونزند الرد التالي: «عزيزي جون تونزند … قرأت بتمعن وصلاة الآيات التي أشرت إليها في خطابك الكريم الذي أرسلته لي، وقد ملأتني هذه الآيات يقينًا بخلاصي، على أساس العمل الكامل الذي أجراه المسيح على الصليب لأجلي، وأثق أنني سأقابلك بنعمته في بيت الآب ( فكتوريا).

وتعال الآن لنسمع كلمات السيد له المجد “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ” (يو 5: 24). وفي هذه الآية الفريدة نجد خمس حقائق: السماع – الإيمان – إمتلاك الحياة الأبدية – النجاة من الدينونة – الإنتقال من الموت إلى الحياة … فمن يستند على كلمة الله لا شك أنه يتمتع بيقين الخلاص.

2- الدليل الثاني شهادة روح الله:

يكتب رسول الأمم إلى المؤمنين في رومية قائلاً “أَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ». اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ” (رو14:8-16( ويكتب إلى الغلاطيين قائلاً “ثمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: «يَا أَبَا الآبُ». إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ للهِ بِالْمَسِيحِ” (غل6:4، 7). ويؤكد يوحنا هذه الحقيقة للمؤمنين في قوله “وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِينَا: مِنَ الرُّوحِ الَّذِي أَعْطَانَا” (1 يو 3: 24).

ومن كل ما تقدم من آيات نتعلم أن روح الله يشهد للمؤمن بحقيقة بنويته، ويهبه يقينًا كاملاً من جهة خلاصه! والروح القدس يشهد لأرواحنا بواسطة الكلمة المقدسة، كما قال بولس في سفر الأعمال “إِنَّهُ حَسَنًا كَلَّمَ الرُّوحُ الْقُدُسُ آبَاءَنَا بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ” (أع 28: 25).

ففي كل مرة نقرأ فيها كلمة الله بتأمل، أو نسمعها من شخص مُخلص ممتليء، يكلمنا الروح القدس، ويشهد لنا بأننا أولاد الله.

3- الدليل الثالث هو الحياة المتجددة:

الحياة العملية المسيحية، هي الدليل الملموس على صدق إختبارنا مع الرب، لأنه “إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا” (2 كو 5: 17). ونجد شاول الطرسوسي الذي هو بولس الرسول أقوى حُجة لصدق كلامنا، فهذا الرجل كان قبل مقابلته للرب في طريق دمشق (مُجدفًا ومُضطهِدًا ومُفتريًا) ولكنه بعد أن قابل الرب، وسلم له مفاتيح حياته يقول “غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ: « أَنَّ الَّذِي كَانَ يَضْطَهِدُنَا قَبْلًا، يُبَشِّرُ الآنَ بِالإِيمَانِ الَّذِي كَانَ قَبْلًا يُتْلِفُهُ». فَكَانُوا يُمَجِّدُونَ اللهَ فِيَّ” (غل23:1، 24). فالحياة المتغيرة دليل على نوال الخلاص.

تخيل أحدهم زكا رئيس العشارين بعد أن قبل المسيح ووعده “إِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ” (لو 19: 8). بأن الرجل قد مضى يقرع أبواب بيوت الناس الذين وشى بهم ويرد لهم حقوقهم أربعة اضعاف ويعتذر بأسف حقيقي عن إساءته لهم.

ها هو يقرع باب أرملة باع أثاثات بيتها منذ وقت قصير

الأرملة– من الطارق؟

زكا– أنا زكا العشار

الأرملة– وماذا تريد يا سيدي بعد الذي أخذت، بعت أثاثات بيتي، وهدمت عش حياتي، وماذا تريد بعد هذا؟!

زكا– افتحي … افتحي يا أماه، أنا زكا جديد .. زكا آخر .. أنا عائد لأرد لكِ أربعة أضعاف ما أخذته منك، وأعتذر لكِ يا أماه عن كل الآلام التي سببتها لك .. إن يسوع قد دخل قلبي وقد غيرني.

من ذا الذي يجروء أن يقول بعد هذا إن زكا لم يتجدد؟! أن حياته تشهد له، وإذا فالحياة الجديدة تؤكد لنا حقيقة إختبارنا.

يقول حزقيال”إِنْ رَدَّ الشِّرِّيرُ الرَّهْنَ وَعَوَّضَ عَنِ الْمُغْتَصَبِ، وَسَلَكَ فِي فَرَائِضِ الْحَيَاةِ بِلاَ عَمَلِ إِثْمٍ، فَإِنَّهُ حَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ” (حز 33: 15). فهل ارتهنت أشياء صاحبك ولا تريد أن تعيدها إليه؟ وهل إغتصبت حق البقال، أو الترزي، أو صاحب المنزل، في بلد بعيد وفررت منه؟ رد المُغتصب إلى صاحبه وإلا فأنت لم تعرف المسيح.

قص ف. ب. ماير إختباره التالي «ذهبت وأنا في شبابي المبكر إلى إجتماع تبشيري وسمعت الواعظ يقول: أيها الأخ إذا لم تكن تعرف يوم ميلادك الثاني، ومكان هذا الميلاد، وبواسطة مَن من خدام الله نلت الخلاص، فأنت إذًا لم تولد الميلاد الثاني!!

ويقول ماير: لم أكن أعرف متى، أو أين، أو بواسطة من نلت إختباري فقد نشأت في عائلة مسيحية، ونلت الخلاص في يوم لا أستطيع أن أذكره، وفي مكان ليس في مقدوري أن أحدده، ولا أذكر أنني تجددت بواسطة أحد رجال الله … ولذا خرجت من ذلك الإجتماع، والأرض تميد تحت أقدامي، وظللت شهورًا وأنا معذب من الشك، إلى أن قادني الرب إلى إجتماع كان يعظ فيه القس سبرجن وقال رجل الله العظيم في عظته هذه الكلمات «قد لا تعرف أين ولدت ولا متى ولدت، ولكن كونك تحيا وتتنفس الهواء، فهذا أكبر دليل على أنك ولدت في يوم ما، فإذا كانت حياتك المسيحية لامعة وأنت تتنفس في جو الشركة مع الله، وقلبك ينبض بحب المسيح، فأنت قد نلت الخلاص في يوم ما ومكان ما .. ولا داعي للإضطراب!

ويسجل ماير بعد ذلك هذه العبارات: «خرجت من الإجتماع وأنا أكاد أطير كالعصفور لأن يقين الخلاص ملأ قلبي».

فهل لك الحياة المتجددة. المطيعة لصوت الرب!؟ وضع يوحنا الحبيب هذا الإمتحان ليعرف به المرء حقيقة نفسه!! “وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ. مَنْ قَالَ: «قَدْ عَرَفْتُهُ» وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيهِ. وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا … مَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي النُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، فَهُوَ إِلَى الآنَ فِي الظُّلْمَةِ” (1يو3:2-9).

فما هو موقفك بإزاء هذا الإمتحان الصريح؟ هل تدرس كتابك المقدس لتعرف الحق وتسير فيه بهذا نعرف أننا قد عرفناه.

4- الدليل الرابع هو محبة الإخوة:

   في يقين شديد يتحدث يوحنا الحبيب قائلاً “نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ. كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ” (1يو14:3، 15). “مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ. وَأَمَّا مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَفِي الظُّلْمَةِ يَسْلُكُ، وَلاَ يَعْلَمُ أَيْنَ يَمْضِي، لأَنَّ الظُّلْمَةَ أَعْمَتْ عَيْنَيْهِ” (1يو10:2، 11).

فالمحبة للإخوة هي دليل رائع على حقيقة إختبارنا، ويقينًا إن المحبة هي رباط الكمال وهي الملكة المتوجة في الأبدية السعيدة، عنها قال رسول الأمم“إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ” (1 كو 13: 1).

وقد كتب القس هملتون تفسيرًا جليلاً لمميزات المحبة كما وردت في الإصحاح الثالث عشر من الرسالة الأولى إلى الكورنثيين قال:

1- “المحبة تتأنى” إذا ما أوغر الناس صدورنا.

2- “ترفق” إذا لم يكافئنا الناس عن إحساننا، وترفق بالجهال والضالين منا.

3- “لا تحسد” أي أنها لا تغار من نجاح الآخرين، ولا تغمطهم حقهم من التقدير والإستحسان.

4- “لا تتفاخر” أي لا تعتد بذاتها ولا يأخذها الزهو والغرور.

5- “لا تنتفخ” يعني أنها لا يمكن أن تتكبر وتتعظم.

6- “لا تقبح” أي لا تُغضب أحدًا بأقوال نابية.

7- ” لا تطلب ما لنفسها” أي أن الأثرة والأنانية لا مكان لهما فهي دائمًا تفضل الأخرين على نفسها.

8- ” لا تحتد” أي ليست سريعة الغضب.

9- “لا تظن السوء” أي لا تضمر العداء ولا تحمل حقدًا.

10- ” لا تفرح بالإثم” أي لا يجذبها رواء الغش ولا يسرها ما يحيق بالآخرين من ظلم وجور.

11- “تفرح بالحق” أي تسر لنصرة الحق، وتفرح إذا ما نالت العدالة من عداها من الناس.

12- “تحتمل كل شيء” أي تعرف كيف تسكت ومتى تصمت.

13- “تصدق كل شيء” أي أنها مملوءة ثقة وإيمانًا دون قلق.

14- “ترجو كل شيء” أي أنها مفعمة رجاء ويقينًا دون يأس أو إستسلام.

15- “تصبر على كل شيء” أي أنها مشحونة صبرًا واحتمالاً.

16- “لا تسقط ابدًا” فهي ستستمر إلى آباد الدهور.

وإن كانت محبتنا البشرية يعتورها الفشل والوهن، فإن المحبة الإلهية لا تعرف إليهما سبيلا …

تلك هي مميزات المحبة العجيبة التي وهبنا الله إياها في المسيح يسوع، فهل لنا هذه المحبة في قلوبنا من نحو الإخوة إذًا لنردد هاتفين “نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ” ولنتمتع ونبتهج بيقين الخلاص.

الفصل الرابع

إختبار قوة الصلاة

حدث هذا  الإختبار العجيب للرئيس الأمريكي أيزنهاور، ونشرته مجلة ريدرز دايجست سنة 1949: كان ايزنهاور في الثالثة عشرة من عمره حين زلقت قدمه وهو يعدو في طريقه إلى البيت عائدًا من المدرسة، وقد أُصيبت ركبته بخدوش حسبها في أول الأمر يسيرة ولكن ساقه آلمته في المساء، فراح يغالب إحساسه بالألم ويتجلد كما عوده أبوه. وقبل أن يأوى إلى فراشه في تلك الليلة، ركع وأخذ يُصلي كعادته كل ليلة، ثم صعد إلى سريره لينام.

ولما استيقظ في صباح اليوم التالي، كان ألمه ما زال شديدًا، ولكنه أخفى الأمر، وراح يتأهب للخروج إلى المدرسة، بينما كان والداه منصرفين إلى أعمالهما الصباحية في المزرعة … وبعد يومين كانت العلة قد تفاقمت فعجز عن السير، وكان اليوم يوم عطلة أسبوعية فخرج إخوته مبكرين إلى المزرعة مع والديهم، بينما إضطر هو إلى التخلف في البيت وحده ولم يفطن أبواه إلى غيابه إلا ساعة الضُحى، فأرسلا من يبحث عنه، فوجده في البيت يتلوى من الألم بعد أن طفح الكيل ولم يعد في وسعه أن يكبت شعوره، ولما سأله عن علته أشار إلى ساقه وقد تورمت إلى ما فوق ركبته واكتست بلون أزرق داكن.

وأسرع الرسول إلى والديه في المزرعة ينبئهما بما رأى، فعادا على عجل. وحاولت الأم أن تخلع حذاء ولدها فلم تستطع واضطرت إلى تمزيقه، ثم راحت تغسل الساق بماء ساخن إلى أن يحضر الطبيب الذي أرسل الأب يدعوه. وكانت كلما مرت بيدها على الساق صرخ الصبي بحدة ونضح وجهه بالعرق، ولكن الأم لم تضعف إزاء صرخات إبنها، وراحت تؤدي عملها في صمت!

وحضر الطبيب، وفحص الساق، ثم قال في صوت خفيض «لست أعتقد أننا نستطيع الآن إنقاذ ساق الغلام» فحملق الولد في وجه الطبيب ثم قال: «ماذا تعني بذلك يا سيدي؟» فأجاب وقد أراد أن يتحين الفرصة ليواجهه بالحقيقة: «أعني أننا قد نضطر إلى بتر الساق إذا ساءت الأمور» فصاح الصبي في حزم: «لا … لا يمكن أن يحدث ذلك. إنني أوثر الموت على أن اعيش بساق واحدة». فقال الطبيب: «كلما انتظرنا يا عزيزي … إضطررنا إلى بتر جزء أكبر» فقال الولد – وكانت الأم قد أدارت وجهها لتخفي عنه عبراتها المنهمرة، وعجز الأب عن مغالبة عواطفه فخرج إلى الردهة الخارجية: «لا. لن تقطعوا رجلي».

وخرج الطبيب من غرفة الصبي بعد أن أشار إلى الأم أن تتبعه وبينما كان واقفًا في صالة البيت، يشرح لوالديّ الصبي ما يحتمل حدوثه إذا توانيا في بتر ساق إبنهما، سمعوا الصبي يقول لأخيه الأكبر في صوت متقطع حاد النبرات: «أدجار، أدجار، تعال هنا .. إذا ضعفت ولم أتمكن من المقاومة وحدي لا تدعهم يقطعون رجلي هل تعدني بذلك؟» وشاهدت الأم ولدها أدجار يسرع نحو المطبخ فلما خرج منه سألته:

«أدجار .. ماذا يطلب أخوك؟» فقال: «إنه يطلب شوكة ليضعها في فمه كي يعض عليها ساعة إشتداد الألم، فلا تُسمع تأوهاته». ثم حدج الولد الطبيب بنظرة تحد عجيب، وقال في صوت أجش: «لن يجروء مخلوق على قطع رجل أخي» فقال له الطبيب: «ولكنك سوف تندم على هذا، إن ذلك ليس إكرامًا لأخيك، فتأخير إجراء الجراحة قد يودي بحياته» أجاب أدجار: «لعل ما تقول صحيح، ولكنني أعطيته كلمة شرف. ولن أخلف وعدي مهما تكن النتيجة»

وذُهل الأبوان لهذه الجرأة من ولدهما الأكبر، ولا سيما أن تحدي الصغار لمن يكبروهم كان أمرًا لم يتعوده أبناؤهما من قبل، على أنهما ما لبثا أن تأثرا بموقفه، ورفضا هما الآخران أن يذعنا لرغبة الطبيب وإلحاحه … وخرج الطبيب، ولكن أدجار– برغم ذلك أصر على ألا يغادر باب غرفة أخيه، وظل كذلك يومين ارتفعت أثناءهما حرارة الصبي، ولم تهدأ فيهما نوبة الألم الحاد لحظة واحدة وأخذت زرقة الساق تزحف إلى أعلى كما تنبأ الطبيب تمامًا، ولكن أدجار ظل ثابتًا على رأيه، ولما حضر الطبيب وحاول إقناعه وإقناع والديه مرة أخرى بضرورة الإسراع في بتر الساق، ثار الولد في وجهه وأصر على الرفض، فخرج الطبيب غاضبًا وهو يقول:

«إنكم تقتلون الغلام، لا شيء يمكن أن ينقذ الولد الآن سوى معجزة من السماء ..» ورنت كلمة «معجزة» في آذان الأب والأم والأخ، فإذا بهم في غمرة الحزن واليأس والإرتباك، ينهضون من أماكنهم ثم يركعون بجوار الفراش وترتفع أصواتهم في صلاة حارة ضارعين إلى الله أن ينقذ فتاهم الصغير العزيز … وكانت صلاتهم ممتزجة بالدموع والإيمان.

وفي الصباح التالي حضر الطبيب ووقف إلى جوار الصبي فإذا به يلاحظ أن التورم قد بدأ يخف، كما بدأت الزرقة تنحسر ولما أظهر الطبيب دهشته، وعرف من الأم قصة الصلاة، أغلق عينيه ثم تلا صلاة شكر قصيرة وقد فاض السرور في وجهه .. وقال لأفراد الأسرة الملتفين حوله: «إن حالة الولد بدأت تتحسن، وقد غيرت رأيي الآن، فلست أرى ما يدعو إلى بتر الساق، إن المعجزة قد جاءت من السماء».

وإستغرق أيزنهاور لأول مرة منذ وقوع الحادث في نوم عميق، ولما حل المساء وأضيئت المصابيح فتح عينيه ثم أدارهما فيمن حوله وهمس قائلاً: «شكرًا لله، ولأخي أدجار ولكم جميعًا، لقد ذهب عني الألم وإني الآن أشعر بأني قد ولدت من جديد!» ولم تمض أيام حتى كان في إستطاعته أن يقف على قدميه، ثم لم تمض أيام أخرى حتى عاد سيرته الأولى، ومضى الحادث كأنه ما كان!!

بحق رنم داود في مزموره الجميل قائلاً “يَا سَامِعَ الصَّلاَةِ، إِلَيْكَ يَأْتِي كُلُّ بَشَرٍ” (مز 65: 2). فالصلاة هي (الموصل) الذي بين الإنسان وغير المنظور، وهي (الجسر) الذي يعبُر غمر الأبدية وهي (الطريق) الذي يجعل قلب الإنسان يردد صدى صوت الله، ومتى إنعدمت الصلاة إنعدم معها الدين الحقيقي الحي.

شروط إستجابة الصلاة

ولنتقدم الآن معًا لندخل إلى مقادس كلمة الله، لنعرف شروط إستجابة الصلاة.

1- الشرط الأول لإستجابة الصلاة هو الإيمان:

قال السيد المسيح له المجد لتلاميذه “لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ” (مر 11: 24)، وقال يعقوب الرسول “وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ، فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ. وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ الْبَتَّةَ، لأَنَّ الْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجًا مِنَ الْبَحْرِ تَخْبِطُهُ الرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. فَلاَ يَظُنَّ ذلِكَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ” (يع5:1-7). وقال أيضًا “أَمَرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ؟ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ الْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ بِاسْمِ الرَّبِّ، وَصَلاَةُ الإِيمَانِ تَشْفِي الْمَرِيضَ، وَالرَّبُّ يُقِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ خَطِيَّةً تُغْفَرُ لَهْ” (يع14:5، 15).

فالإيمان إذًا هو الواسطة الكبرى لإستجابة الصلاة “وَلكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ” (عب 11: 6).

سجلت لنا كلارا فيدلر في كتابها الجليل (الأخت أبيجايل) الإختبار التالي: كانت أبيجايل أبنة أحد خدام الإنجيل الأتقياء، وكان والدها يسكن إلى جوار ملجأ جورج موللر رجل الإيمان الأشهر، وكان جورج موللر صديقًا حميمًا لوالد أبيجايل، يساعده في خدمة مدرسة الأحد، وكانت الطفلة أبيجايل تحب جورج موللر، لما تسمعه من والديها عن الكيفية العجيبة التي يستجيب الله بها صلاته، ويسدد جميع حاجاته، وامتلأت شوقًا أن تكون مثل جورج موللر في صلاته المقتدرة …

 وذهبت أبيجايل ذات يوم إلى جورج موللر، وكان عمرها وقتئذ ثلاث سنوات، وقالت له في لغتها البسيطة: مستر موللر، أريد أن الله يسمع صلاتي مثلما يسمع صلاتك! وابتسم رجل الصلاة وقال لها: إنه سيسمع لك يا صغيرتي. ثم أجلسها على ركبتيه وقرأ لها هذا الوعد “كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ” (مر 11: 24).

وشرح لها معنى هذه الكلمات في عبارات بسيطة يستطيع عقلها الصغير أن يفهمها، ثم سألها قائلاً: والآن ماذا تريدين أن تطلبي من الله؟ فأجابت الطفلة في يقين: أريد أن اطلب كمية من الصوف!! فطلب إليها ان تركع معه للصلاة، وأن تردد الكلام الذي يقوله، ثم ركع وصلى قائلاً: يا رب من فضلك أرسل لأبيجايل صوفًا، فكررت بعده ذات الكلمات، ثم قفزت وهي فرحة لتلعب وقد امتلأت ثقة بأن الله سيرسل لها الصوف الذي طلبته.

وفي أثناء لعبها تذكرت فجأة بأن الله لا يعرف لون الصوف الذي تريده، فكيف يرسل لها ما تريد فأسرعت إلى مستر موللر وهي تقول: مستر موللر، أريد ان أصلي ثانية. أجاب الرجل التقي: ليس الآن يا عزيزتي لأني مشغول. أجابت بجد: لكنني نسيت أن أقول للرب على لون الصوف الذي أريده.

وأجاب مستر موللر: آه، دعينا نصلي كما تريدين وأذكري في المرة الثانية أن تحددي صلاتك! ثم تابع حديثه قائلاً والآن ما هو لون الصوف الذي تريدين؟ أجابت أريد صوفًا ملونًا، ورددت الصغيرة الصلاة بعده.

وكان فكر أبيجايل مشغولاً بكلمة (حددي صلاتك) فذهبت إلى أمها وسألتها عن معناها فأفهمتها أمها المعنى المقصود، وفي اليوم التالي كادت أبيجايل تطير من الفرح، عندما حمل إليها البريد صندوقًا مليئًا بخيوط الصوف الملون …لكن كيف جاء هذا الصندوق؟ لقد أرادت إحدى المدرسات في مدرسة الأحد أن ترسل هدايا لأطفالها بمناسبة زواجها، وكان عندها بعض بقايا من الصوف الملون، فأرشدها الله أن ترسلها إلى أبيجايل وهكذا أرسلتها …

فهل لك هذا الإيمان البسيط أيها القاريء العزيز!! إن الله مستعد أن يعطيك كل ما تطلب بالإيمان.

2- الشرط الثاني لإستجابة الصلاة هو أن تكون باسم يسوع:

“وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ. إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ” (يو 14: 13، 14).“اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ مِنَ الآبِ بِاسْمِي يُعْطِيكُمْ. إِلَى الآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئًا بِاسْمِي. اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا، لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلًا” (يو23:16، 24).

لكن ما معنى الصلاة باسم يسوع؟! إن معنى ذلك أن نصلي الصلاة التي تتوافق مع إرادة يسوع، وتنسجم مع صفاته، وتتناسب مع محبته وقداسته، ففي هذه الحدود المركزة في شخص المسيح لك الحرية أن تطلب ما تشاء وسيستجيب لك الله كل طلباتك.

يحتفظ لنا التاريخ بقصة إمرأة كانت لها علاقة غير شريفة مع رجل متزوج وكانت تصلي لكي يعطيها الله ذلك الرجل زوجًا، وكانت تختتم صلاتها باسم يسوع! لكن كيف يستجيب الله صلاة هذه المرأة؟ هل تتفق هذه الصلاة مع طهارة المسيح، وقداسته، ومحبته؟ لنحترس ونحن نطلب بهذا الأسم الكريم من أن نطلب ما لا يوافق صفاته القدسية.

تروي لنا السيدة هوارد تيلر قصة عن فتاة صينية صغيرة، كان جدها الوثني معتادًا أن يضربها لأنها تصلي باسم الرب يسوع، وكان ذلك الوقت عصيبًا مليئًا بأخطار عصابات البوكسير التي قاسى منها ذلك الجد الشيء الكثير، حيث سبق أن أحتلت المسكن الذي يملكه.

ولشد ما كان فزعه في يوم من الأيام حينما شاهد عن بُعد وهو يسير على سور المدينة رجال تلك العصابات، يعودون في ملابسهم الخاصة لإقتحام بيته، وعبثًا حاول أن يبحث عن مخرج من ذلك المأزق ولكنه تذكر فجأة حفيدته المصلية فأسرع إلى البيت حيث وجدها فهزها بعنف لينبهها إلى حرج الموقف وصاح بها: «إذا كان الله يسمع صلاتك، فنحن الآن أحوج ما نكون إلى الصلاة، لقد عاد رجال البوكسير، وقد رأيتهم اليوم من فوق سور المدينة وسيكونون هنا حالاً … وأنت تقولين أن الله يستجيب الصلاة، فادخلي إلى الغرفة وصلي لكي لا يأتوا إلى بيتنا» ثم دفع بالفتاة إلى غرفة خالية وأغلق الباب … ركعت تلك الفتاة التي تناهز الثامنة من عمرها منفردة أمام الله! وقلبها عامر بالثقة في أمانته …

وسمعتها أمها وهي تسكب قلبها للرب في هذه الصلاة «أيها الآب السماوي، إني مسرورة وشاكرة جدًا لأن جدي طلب مني أن أصلي بينما كان من قبل يضربني دائمًا ويركلني إذا ما صليت، أيها الآب السماوي، أنها فرصتك الآن، فأرجوك أثبت لجدي انك تجيب الصلاة، أرجوك لا تدع رجال البوكسير يأتون إلى بيتنا». وكانت صلاتها باسم الرب يسوع المسيح.

دخل رجال البوكسير المدينة، وأتوا إلى نفس الشارع، وكان باب بيت الجد مفتوحًا إذ كان يعلم أنه لا فائدة من قفله، واقترب القائد الذي يتقدم العصابة وأدار حُصانة ليدخل إذ كان يقصد هذا البيت!! لكن الفرس بلا سبب ظاهر أبى في عناد أن يدخل، فأدار ظهره وهو يتجه إلى هنا وهناك، ويضرب الأرض برجليه، والقائد ينخسه بشدة، ولكن عبثًا حاول أن يجعله يدخل …

وأخيرًا تغلبت على القائد المخاوف الخرافية المنتشرة في بلاد الصين، فأدار وجهه إلى رجاله قائلاً «إن هذا البيت مليء بالشياطين، إننا لا نستطيع أن نراهم، ولكن الحصان يراهم، فلا يدخل أحد منكم إلى هنا». قال هذا، وقاد رجاله إلى الطرف الآخر من المدينة … ونحن لا نعلم ماذا رأى الحصان، ولماذا لم يدخل، ولكننا نعلم ما رآه حمار بلعام قديمًا عندما إنحرف عن الطريق، ونثق أن الرب قد فعل شيئًا كما فعل من قبل، إستجابة لصلاة تلك الفتاة الصغيرة باسم المسيح …

وقد حدثنا مرسل من تلك المدينة أن هذا الجد أتى إلى مقر الإرسالية في اليوم التالي وقال والدموع في عينيه «لقد كانت حفيدتي الصغيرة على صواب وأنا على خطأ طول ذلك الوقت، فعلموني عن ذلك الإله الذي يسمع الصلاة» وهكذا جاء الرجل إلى المخلص. إن الصلاة باسم المسيح هي الصلاة المقتدرة التي تفتح لنا كنوز السماء وتعطينا كل ما نطلب من الآب.

3- الشرط الثالث لإستجابة الصلاة أن تكون بحسب مشيئة الله:

يقول يوحنا الحبيب “وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا” (1 يو 5: 14).

حسب مشيئته؟! كيف نقدر أن نعرف مشيئة الله؟! يجيب رب المجد على هذا السؤال في القول “إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ اللهِ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي” (يو 7: 17)، فمن يريد أن يعرف مشيئة الله ينبغي أن يدقق في بحثه، وأن يعود إلى الكتاب المقدس الإعلان الوحيد لهذه المشيئة كما يقول عنه بطرس الرسول “عَالِمِينَ هذَا أَوَّلًا: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ.”لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (2 بط20:1، 21).

فهل تدرس الكتاب يا أخي المؤمن، ويا أختي المؤمنة؟؟ إنني لا أقصد مجرد قراءة الكتاب، هذه القراءة العابرة، بل أعني دراسة الكتاب، دراسة أسفاره، وشخصياته، وموضوعاته، وآياته، لمعرفة مشيئة الله والصلاة بموجبها. عبثًا يحاول المرء أن يصلي صلاة مقتدرة وهو ليس تلميذًا للكتاب، يحبه ويفحصه، ويسير بحسب النور الذي فيه.

يحدثنا القس كلارنس آشر عن حادثة إختبارية حدثت في حياته الشخصية قال:

حدثت هذه المعجزة سنة 1915، وكنت أيامئذ أشتغل في مركز تبشيري على حدود روسيا، وقد مكنتني العناية أن أؤدي خدمات جليلة للجيش الروسي، حتى أن جلالة القيصر كتب لي توصية لكي أعامل كأي جنرال روسي في الجيش.

أصبت بحمى التيفوس، وفي ذات الوقت أصبت بالدوسنطاريا الحادة، وقد نقلتني عربة الأسعاف إلى مستشفى روسي للعلاج … إجتمع حولي عدد من الأطباء ليتشاوروا في حالتي، وقد رأوا أن وقت إنقاذي قد فات، فقلبوا شفاههم، وكتبوا ورقة العلاج، ولكنهم أمروا الممرضة أن لا تمنع عني أي طعام، وأن لا ترغمني على تعاطي الدواء، ثم تكلموا إلى أختي التي رافقتني أن تستعد لإجراءات الدفن.

إزدادت حالتي سوءًا يومًا بعد الآخر، ونقص وزني حوالي تسعين رطلاً، وفقدت شهيتي لمدة أربعة أيام، ونزفت الدماء مني من جراء الدوسنطاريا الخبيثة، وصرت من الضعف بحيث لم أكن أقوى على عمل أي شيء لنفسي.

تذكرت فجأة إني أحمل كتابًا مقدسًا في جيب سترتي، فطلبت من أختي أن تحضره لي، ولما أمسكته في يدي، رفعت صلاة لله أن يقودني إلى الموضع الذي يعزي قلبي، ثم ألقيت الكتاب على صدري وتركته يفتح من ذاته ثم وضعت أصبعي في مكان ما بالصفحة التي فُتحت أمامي وشرعت أقرأ ما وضعت عليه أصبعي إذ بي أجد هذه الآيات في سفر الأعمال (8:28) “فَحَدَثَ أَنَّ أَبَا بُوبْلِيُوسَ كَانَ مُضْطَجِعًا مُعْتَرًى بِحُمَّى وَسَحْجٍ. فَدَخَلَ إِلَيْهِ بُولُسُ وَصَلَّى، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ فَشَفَاهُ” (أع 28: 8) …

تعجبت أن أجد أن الآية تتحدث عن مرضي وقلت في نفسي، هل مشيئة الله إذًا أن يشفيني؟! وهمست مصليًا لإلهي «يا رب أنني أضع إيماني فيك» … لم يكن بالغرفة أي شخص يعرف الإنجليزية، لكنني لدهشتي سمعت صوتًا واضحًا يرن في أذني قائلاً «ليس إيمانك أنت بل إيمان يسوع المسيح هو الذي يخلص ويشفي». كدت أبعد هذا الفكر عني، ولا أصدق الصوت الذي كلمني، لكنني تذكرت اليوم الذي كنا ندرس به في كليتنا بفيلادلفيا، وتذكرت أننا في درس اللغة اليونانية وصلنا للآية الموجودة في (غل20:2) وهي الآية القائلة “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي”وتذكرت إنني سألت استاذي الدكتور ماكس موللر – «ألا يمكن ان نترجم الجزء (إيمان ابن الله) إلى (الإيمان بابن الله؟) فأجابني الأستاذ الكبير:

«كلا. إن الترجمة الحرفية تعني إيمان يسوع المسيح» هدأت في سريري ووثقت أن الصوت الذي كلمني هو صوت الرب، ووثقت في أن مشيئته أن يشفيني فرفعت إليه هذه الصلاة: «أيها الرب يسوع اعمل كل شيء . فالإيمان إيمانك والشفاء شفاؤك وصلاتي إليك الآن بحسب مشيئتك».

مرت بضع دقائق، وإذا بي أحس بآلام الدوسنطاريا، وخشيت أن ألوث سريري ففكرت في أن أمد يدي إلى الجرس الذي إلى جواري حتى تأتي الممرضة لمساعدتي، لكنني سمعت صوتًا يهمس في داخلي «ألم تثق في يسوع للشفاء، فلماذا تطلب الممرضة؟» …

شعرت بقوة غريبة تدفع يدي ناحية الجرس، وأحسست بمعركة شديدة بين قوات الظلمة وبيني أنا المريض الضعيف، وبمعونة الرب انتصرت، ولم أمد يدي إلى الجرس وقلت في قلبي «سأترك كل شيء ليسوع ولن أستدعي الممرضة مهما حدث» ومن تلك الساعة احسست بالشفاء يدب في جسدي.

عادت إليَّ شهيتي، وإنتهت نوبات الدوسنطاريا، وشفيت من الحُمى، وبدأت أشعر بالجوع الشديد كلما جاء ميعاد الأكل … ظل الأطباء أربعة أيام لا يعيدوني، وأخيرًا جاء أحدهم وكتب لي (الأفيون) كعلاج لحالتي، لكنني عندما علمت ذلك قلت للمرضة «قولي للطبيب أنني قد شُفيت وأن يسوع قد شفاني من كل أمراضي، وإنني لست في حاجة إلى الأفيون بل إلى الفاكهة». ولما قالت الممرضة هذا الكلام للطبيب، هز رأسه تعجبًا وأمر بأن يرسلوا لي طبقًا ملآنًا (بالبطيخ)، ولما جاء البطيخ أكلت كل قطعة في الطبق.

في صباح اليوم التالي دخل غرفتي عدد من الأطباء، ونظر إليَّ أحدهم ثم قال بالفرنسية التي كنت أجيد التحدث بها «ألم تمت بعد؟ لقد أرسلنا إليك البطيخ لكي تموت».

كنت قد أحضرت بعض نسخ من العهد الجديد باللغة الروسية لإهدائها لأطباء المستشفى يوم خروجي، فناولت الطبيب نسخة بعد أن فتحتها عند (أع8:28) وطلبت منه أن يقرأها، ثم طلبت من آخر أن يقرأ جزءًا من الموعظة على الجبل في إنجيل متى، وقصة نيقوديموس في إنجيل يوحنا، وأمام قوة المعجزة قرأ الطبيبان باحترام ما طلبت منهما قراءته، وبعد أن إنتهينا من القراءة هتف أحدهما قائلاً «يا له من كتاب جميل، ما كنت أعتقد أن في الكتاب المقدس كلمات حلوة كهذه» من ذلك اليوم تعلمت بالاختبار، أنه ليس إيماني أنا الذي يفتح لي مخازن الآب، بل إيمان يسوع المسيح، فقد يكون إيماني ضعيفًا فلا أقدر أن اطلب ما أريد، لكنني أثق أن إيمان ابن الله يمكنه أن يحصل لي على كل شيء ما دمت أصلي حسب مشيئته المعلنة في كلمته؛ وأثق في مواعيده … ووعده الكريم لنا “وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا” (1 يو 5: 14).

ويجدر بنا أن نذكر هنا أن مواعيد الله لا يمكن أن تكذب، لأنها ترتكز على أربعة أعمدة العمود الأول هو أمانة الله“لأَنْ مَهْمَا كَانَتْ مَوَاعِيدُ اللهِ فَهُوَ فِيهِ «النَّعَمْ» وَفِيهِ «الآمِينُ»، لِمَجْدِ اللهِ، بِوَاسِطَتِنَا” (2 كو 1: 20)؛ والعمود الثاني هو محبة الله“اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟” (رو 8: 32).والعمود الثالث هو صدق الله“لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلاَ يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلاَ يَفِي؟” (عد 23: 19).والعمود الرابع هو قدرة الله“وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا” (أف 3: 20).فلنثق في مواعيد الله، ولنطلب بحسبها لأنها الإعلان الكامل عن مشيئته.

يحتفظ لنا التاريخ بقصة عن امرأة أمريكية جاهلة تركها إبنها وسافر إلى مدينة بعيدة، وهناك فتح الله له أبواب الرزق وأغدق عليه من بركات الحياة، فشرع يرسل لأمه الفقيرة (شيكات) على أحد المصارف، لتصرف قيمتها وتعيش حياة مريحة، لكن الأم المسكينة كانت تجهل أن هذه الأوراق الملونة تحمل الخير والمال.

 وكانت تظن انها مجرد صور جميلة أرسلها ولدها الحبيب، فتحفظها في جيبها، وتدفعها الحاجة فتمر على المقاهي تطلب إحسانًا، وظلت المرأة كذلك حتى استوقفها في يوم ما رجل طيب القلب وسألها: أليس لك من يعولك يا امرأة؟ قالت: لي ولد تغرب عني منذ زمن طويل لكنه لا يرسل لي سوىبعض الأوراق الجميلة الملونة، التي احتفظ بها في جيبي لذكراه، ولما اخرجت هذه الأم (الشيكات) ورآها الرجل، هتف في دهشة: أيتها المرأة الطيبة، هذه الأوراق ثروة ضخمة، وأنت تحملينها في جيبك وتتسولين طالبة الإحسان؟ أذهبي يا سيدتي إلى البنك واصرفي هذا المال وعيشي الحياة التي يريد ولدك أن تتمتعي بها.

وكثيرون يتصرفون مع الله بهذه الكيفية، لهم مواعيد الله وهي أعظم من (الشيكات) لأنها محولة على (بنك السماء) الذي لا يفرغ ومع ذلك فهم لا يطلبون ولا يصلون لنوال هذه المواعيد في حياتهم. فالله قد وعد بالخلاص وهم يعيشون في الخطية، ووعد بملء الروح القدس وهم يعيشون حياة الجفاف، ووعد بالفرح والسلام وحياتهم مجموعة من الأحزان .. فلنطالب الله باتمام مواعيده، لأنه إن طلبنا شيئًا حسب مشيئته يسمع لنا.

بقى أن نقول، أننا يجب أن نحترس من الصلاة ضد مشيئة الله المعلنة، فلقد أعلن الله مشيئته لبلعام أن لا يذهب مع رجال بالاق ولكن الرجل أحب أجرة الإثم فصلى ثانية عندما عادوا إليه ليسأل الله، والواقع أنه كان في صلاته يضرب الهواء ويعيش في الظلام والأوهام. فاحترس من السقوط في هذه الخطية.

إن مشيئة الله أن لا يتزوج المؤمن بفتاة غير متجددة. فإن ذهبت لخطبة فتاة غير مخلصة فلا تطلب إرشاد الله ولا معونته. إنه قد قال كلمته.

ومشيئة الله ان لا يشارك المؤمن غير المؤمن في التجارة فإن إنحرف قلبك نحو المال وأردت مشاركة رجل شرير فلا تذهب لإستشارة الرب. إنه قد اعلن كلمته!!

وعلى هذا القياس سر، واجعل شعارك “سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي” (مز 119: 105).

4- الشرط الرابع لإستجابة الصلاة هو حياة الأمانة والطاعة:

اصغ إلى كلمات يوحنا الرسول “وَمَهْمَا سَأَلْنَا نَنَالُ مِنْهُ، لأَنَّنَا نَحْفَظُ وَصَايَاهُ، وَنَعْمَلُ الأَعْمَالَ الْمَرْضِيَّةَ أَمَامَهُ” (1 يو 3: 22). فحياة الطاعة للرب شرط ضروري لإستجابة الصلاة، والسلوك في الأعمال المرضية أمر جوهري لنوال طلباتنا منه.

عندما أرسل الرب إشعياء النبي إلى حزقيا الملك بالقول “أَوْصِ بَيْتَكَ لأَنَّكَ تَمُوتُ وَلاَ تَعِيشُ” يقول الكتاب المقدس “فَوَجَّهَ حَزَقِيَّا وَجْهَهُ إِلَى الْحَائِطِ وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: «آهِ يَا رَبُّ، اذْكُرْ كَيْفَ سِرْتُ أَمَامَكَ بِالأَمَانَةِ وَبِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَفَعَلْتُ الْحَسَنَ فِي عَيْنَيْكَ». وَبَكَى حَزَقِيَّا بُكَاءً عَظِيمًا …”

وعندئذ رق قلب الرب لعبده فأرسل إليه إشعياء قائلاً “هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ دَاوُدَ أَبِيكَ: قَدْ سَمِعْتُ صَلاَتَكَ. قَدْ رَأَيْتُ دُمُوعَكَ. هأَنَذَا أُضِيفُ إِلَى أَيَّامِكَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً” (اش1:38-5)

وهكذا سمع الله الصلاة الممتزجة بالطاعة، وحياة الأمانة، والدموع، ورأى هذه الدموع وإستجاب لهذه الصلاة .. فعلى قدر نوع حياتك تكون كذلك صلاتك.

لماذا لا يستجيب الله كل صلواتنا؟

هناك عدة أسباب تجعل الله لا يستجيب الصلاة، نذكرها بكل إيجاز :

1- السبب الأول هو محبة الذات: “تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ” (يع 4: 3).

2- السبب الثاني هو البخل في العطاء: “مَنْ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ صُرَاخِ الْمِسْكِينِ، فَهُوَ أَيْضًا يَصْرُخُ وَلاَ يُسْتَجَابُ” (أم 21: 13).

3- السبب الثالث هو المعاملة القاسية للزوجة: “كَذلِكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ، كُونُوا سَاكِنِينَ بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ مَعَ الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ كَالأَضْعَفِ، مُعْطِينَ إِيَّاهُنَّ كَرَامَةً، كَالْوَارِثَاتِ أَيْضًا مَعَكُمْ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ، لِكَيْ لاَ تُعَاقَ صَلَوَاتُكُمْ” (1 بط 3: 7).

4- السبب الرابع هو وجود الخطية في الحياة: “هَا إِنَّ يَدَ الرَّبِّ لَمْ تَقْصُرْ عَنْ أَنْ تُخَلِّصَ، وَلَمْ تَثْقَلْ أُذُنُهُ عَنْ أَنْ تَسْمَعَ. بَلْ آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلهِكُمْ، وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ” (إش1:59، 2).

وقد يسأل أحدهم قائلاً: لكن هب أن هذه الأسباب غير موجودة فلماذا بعد أن نتمم كل الشروط لا يستجيب الله كل صلواتنا؟

والواقع أنه ليس هناك مشكلة تحير المؤمنين أكثر من مشكلة الصلوات غير المستجابة، وكثيرون من المؤمنين يضعف إيمانهم لأن الله لم يستجب كل صلواتهم.

ويقينًا أننا لا نستطيع أن ندرك كل ما يحدث في السماء عندما ترتفع صلواتنا إلى الله ، ومع ذلك فقد شاء الرب في محبته أن يعلنلنا في ثنايا كلمته المعزية لماذا لا يستجيب كل صلواتنا، وسنحاول فيما يلي من حديث معالجة هذا الموضوع الخطير.

1- إن الله لا يستجيب صلاتنا لأنه يقصد إمتحان إيماننا او إعلان عظمة هذا الإيمان:

نجد في إنجيل متى قصة تلك المرأة الكنعانية التي خرجت صارخة وراء السيد له المجد “ارْحَمْنِي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ” ونقرأ “فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ” (مت22:15، 23). وليس شك في أن الرب لم يسكت لأنه قصد أن يمنع رحمته عن هذه الأم البائسة.

 بل كان يقصد أن يعلن مدى قوة إيمان هذه المرأة، ومدى عظمة وإتساع هذا الإيمان الصابر الظافر المنتصر، ولذلك فلما استمرت المرأة في طلبها ورأت وعدًا جليلاً في كلمات يرى فيها أغلب الناس قسوة، ألتفت إليها الرب قائلاً “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ». فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ”.

فهل سكتت السماء عن إستجابة صلاة رفعتها إلى الله؟ وهل همس العدو في أذنك أن الله قد تخلى عنك ولم يعد يسمع صوتك؟ لا تفشل ان الله يمتحن إيمانك، ويريد أن يعلن للملأ عظمة هذا الإيمان وفي الوقت المعين سيقول صاحب القلب الكبير المُحب “عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِ”.

2- إن الله لا يستجيب صلاتنا لأنها تُرفع في ظروف لا نعني فيها ما قلناه ولا نعيه بل على العكس تفسد ما قصده الله لحياتنا:

اصغ إلى صلاة أيوب وهو في عمق آلامه “يَا لَيْتَ طِلْبَتِي تَأْتِي وَيُعْطِينِيَ اللهُ رَجَائِي! أَنْ يَرْضَى اللهُ بِأَنْ يَسْحَقَنِي، وَيُطْلِقَ يَدَهُ فَيَقْطَعَنِي” (أي 8:6،9)، لقد دفع الإحساس بالألم ذلك الرجل التقي أن يصلي هذه الصلاة، ويتمنى هذه الأمنية، ولو إستجاب الله طلبته لمات في غمرة تجاربه وأحزانه، ولكانت قصة حياته مأساة مؤلمة بدلاً من تلك النهاية السعيدة التي أعدها له الله في عنايته.

وتعال معي لتسمع الصلاة التي رفعها إيليا النبي في ساعة خوفه من الملكة الشريرة إيزابل وهو ينادي الله قائلاً ومتوسلاً “قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ. خُذْ نَفْسِي لأَنَّنِي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي” (1 مل 19: 4). ولو أن الله إستجاب صلاة إيليا وهو في ساعة ضعفه وخوفه، لحُرم إيليا من الذهاب إلى المجد في المركبة النارية ولما إستطاع أن يمسح حزائيل ملكًا على آرام، ولا أن يمسح ياهو إبن نمشي ملكًا على إسرائيل، ولا أن يمسح أليشع بن شافاط نبيًا عوضًا عنه، ولكن الله لم يسمع صلاة أيوب ولا صلاة إيليا لأنها رفعت إليه في ظروف كانت هي الدافع للنطق بهذه الصلاة، ويا لها من رحمة كبرى أن الله لا يستجيب صلوات كهذه وإلا لإنتهت حياة الكثيرين نهايات مريرة وأصبحت الحياة مجرد مأساة محيرة.

3- إن الله لا يستجيب صلاتنا لأن إستجابتها قد تعني ضررًا روحيًا بهدم حياتنا:

تأمل ذلك الرجل بولس، لقد كان رجلاً فريدًا من طراز ممتاز، بحق قال عنه مودي «لقد هزم الإسكندر بجحافل جيوشه، وهز نابليون أركان الدنيا بجبروت عقله، لكن ذلك الخيام الفقير بولس قد قلب العالم رأسًا على عقب بقوة إيمانه، ومع ذلك فأن الله قد شاء أن يعطي ذلك الخادم الجليل القدر شوكة في جسده، يكتب عنها الرجل قائلاً “وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ. مِنْ جِهَةِ هذَا تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي. فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ”(2كو7:12-9).

لقد أعطى الله الشوكة لبولس لحفظه، ذلك لأن الرجل قد تمتع بإعلانات سماوية رائعة، رأى الفردوس، ورأى تاجه اللامع، وسمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها … وكان بعد هذا كله في خطر الإنتفاخ، والإرتفاع، والكبرياء، فكان ملاك الشيطان يلطمه لئلا يرتفع، ولقد تضرع الرجل إلى الله ثلاث مرات أن يفارقه هذا الملاك، لكن الرب لم يستجب هذه الصلاة، لأن معنى إستجابتها أن يتعرض بولس لخطر روحي هدام، ولكنه ملأ الفراغ الذي في قلبه وقال له “تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ”

وهنا هتف الرجل بفرح “فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ” (2كو9:12-10).

فيا أخي ألا تكتفي بنعمة المسيح الغامرة، وتشكره إن لم يستجب صلاة ترفعها إليه، إن إستجابة صلاتك قد تكون المقص الذي يقص حياتك الروحية، ويمزق قواك المعنوية.

4- إن الله لا يستجيب صلاتنا لأن وقت إستجابتها لم يحن بعد أو لأنه رتب طريقًا أفضل لهذه الإستجابة:

صلى زكريا الكاهن كثيرًا لكي يعطيه الله ولدًا، مجرد ولد، لكن الله لم يستجب صلاته في الوقت الذي أراده، بل إنتظر عليه حتى وصل إلى سن الشيخوخة ثم أرسل إليه جبرائيل الملاك ليقول له بعد هذا الوقت الطويل “لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا” (لو 1: 13).

ولكن من هو يوحنا هذا؟ هل هو مجرد ولد عادي كما أراد زكريا؟ كلا! فقد قال عنه رب المجد “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا” (مت 11: 11).

فهذه الصلاة المعطلة، جاءت إجابتها بصورة بهية جميلة رائعة!! وهل يمكن أن نذكر زكريا ولا نذكر موسى الذي طالما توسل إلى إلهه قائلاً “يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، أَنْتَ قَدِ ابْتَدَأْتَ تُرِي عَبْدَكَ عَظَمَتَكَ وَيَدَكَ الشَّدِيدَةَ. فَإِنَّهُ أَيُّ إِلهٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ يَعْمَلُ كَأَعْمَالِكَ وَكَجَبَرُوتِكَ؟ دَعْنِي أَعْبُرْ وَأَرَى الأَرْضَ الْجَيِّدَةَ الَّتِي فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ، هذَا الْجَبَلَ الْجَيِّدَ وَلُبْنَانَ” لكن الرب لم يسمع صلاته بل قال له “كَفَاكَ! لاَ تَعُدْ تُكَلِّمُنِي أَيْضًا فِي هذَا الأَمْرِ”(تث23:3-26).

أجل …

لم يسمع الرب تضرعات موسى ليدخله الأرض الجيدة ولكنه في محبته إستجاب هذه الصلاة بصورة أكمل وأجمل، يوم جاء موسى وإيليا ووقفا على جبل التجلي مع الرب يسوع، وكانا يتكلمان عن خروجه الذي كان عتيدًا أن يكمله في أورشليم … وهكذا رأى موسى الأرض الجيدة وهو في ثياب المجد والجلال.

فهل بعد هذا كله نتذمر لأجل صلواتنا المعطلة؟ لقد صلت مونيكا أم أوغسطينوس لكي لا يذهب ولدها العزيز إلى ميلانو خوفًا عليه من شر ميلانو، ولكن الرب أرسله إلى هناك وخلصه بنعمته من خطاياه، فأفكار الله غير أفكارنا وطرقه ترتفع عن طرقنا.

5- قد تتعطل إستجابة صلاتنا بسبب قوات الظلام التي تحاربنا:

هذه حقيقة لامعة تظهر في سفر دانيال، فلقد وجه الرجل المحبوب قلبه لطلب الرب، وللصلاة لأجل نفسه ولأجل شعبه، وناح ثلاثة أسابيع، ولم يأكل طعامًا شهيًا، لكي يعلن له الله إرادته ومستقبل شعبه، وانتظر الرجل كل هذا الوقت حتى جاءه رجل يلبس كتانًا وحقواه متمنطقان بذهب أوفاز وجسمه كالزبرجد ووجهه كمنظر البرق وعيناه كمصباحي نار وزراعاه ورجلاه كعين النحاس المصقول وصوت كلامه كصوت جمهور … وقال له “لاَ تَخَفْ يَا دَانِيآلُ، لأَنَّهُ مِنَ الْيَوْمِ الأَوَّلِ الَّذِي فِيهِ جَعَلْتَ قَلْبَكَ لِلْفَهْمِ وَلإِذْلاَلِ نَفْسِكَ قُدَّامَ إِلهِكَ، سُمِعَ كَلاَمُكَ، وَأَنَا أَتَيْتُ لأَجْلِ كَلاَمِكَ. وَرَئِيسُ مَمْلَكَةِ فَارِسَ وَقَفَ مُقَابِلِي وَاحِدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهُوَذَا مِيخَائِيلُ وَاحِدٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ الأَوَّلِينَ جَاءَ لإِعَانَتِي، وَأَنَا أُبْقِيتُ هُنَاكَ عِنْدَ مُلُوكِ فَارِسَ. وَجِئْتُ لأُفْهِمَكَ مَا يُصِيبُ شَعْبَكَ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ، لأَنَّ الرُّؤْيَا إِلَى أَيَّامٍ بَعْدُ” (دا12:10-14).

وفي هذه الكلمات يصور لنا الوحي معركة الصلاة الكبرى في السماويات، فمن اليوم الأول الذي صلى فيه دانيال، سمع الرب كلامه، وأراد أن يجيب صلاته لولا أن الشيطان رئيس مملكة فارس وقف معطلاً وصول هذه الإستجابة!! كيف يمكن أن يحدث هذا؟ ليس في وسعنا نحن سكان التراب، أن نعرف أسرار السماء … لكننا نحني هاماتنا أمام إعلانات القدير، إلى أن نصل إلى المجد ونفهم كل الأسرار

فيا نفسي اهدأي في محضر الله، وارفعي إليه هذه الصلاة:

“يَا رَبُّ، لَمْ يَرْتَفِعْ قَلْبِي، وَلَمْ تَسْتَعْلِ عَيْنَايَ،

 وَلَمْ أَسْلُكْ فِي الْعَظَائِمِ، وَلاَ فِي عَجَائِبَ فَوْقِي.

بَلْ هَدَّأْتُ وَسَكَّتُّ نَفْسِي كَفَطِيمٍ نَحْوَ أُمِّهِ.

نَفْسِي نَحْوِي كَفَطِيمٍ” (مز1:131، 2).

وليتشدد وليتشجع قلبك وانتظر الرب.

الفصل الخامس

إختبار قيادة الله

أين يذهب المؤمن الحقيقي لطلب الإرشاد في ظروف الحياة العادية؟ وأين يذهب لحل مشاكله المعقدة؟ ومن يستشير حين يقدم على الزواج، أو على إختيار مهنة الحياة؟ هل يذهب إلى المنوم المغناطيسي، أو إلى ضارب الرمل، وقاريء الكف، وقارئة الفنجان؟ أو يلجأ إلى جلسات مناجاة الأرواح وأصحاب الجان والسحرة والمنجمين؟

لقد حرم الله في كلمته هذه الوسائط قائلاً “لاَ تَتَعَلَّمْ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ رِجْسِ أُولئِكَ الأُمَمِ. لاَ يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ، وَلاَ مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً، وَلاَ عَائِفٌ وَلاَ مُتَفَائِلٌ وَلاَ سَاحِرٌ، وَلاَ مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً، وَلاَ مَنْ يَسْأَلُ جَانًّا أَوْ تَابِعَةً، وَلاَ مَنْ يَسْتَشِيرُ الْمَوْتَى. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ” (تث9:18-12).

ومن هذه الآيات نتعلم أن الله يحرم التشاؤم والتفاؤل من الأرقام، والأشخاص، وأصوات الطيور، كما يحرم السحر والرقية، وسؤال أصحاب الجان والتوابع وإستشارة الموتى، لأن كل هذه الأعمال هي رجس من عمل الشيطان، وكل من يفعلها هو مكروه عند الرب.

 ومن الجهة الأخرى ضمن الله قيادة أولاده في موكب الحياة الزاخر، فكان يرشد شعبه قديمًا بالأحلام، والأنبياء، والأوريم والتميم «الأوريم والتميم» كلمتان عبريتان معناهما «الأنوار والكمالات» وكانا يوضعان في صدرة القضاء، وعنهما قال موسى للاوي “تُمِّيمُكَ وَأُورِيمُكَ لِرَجُلِكَ الصِّدِّيقِ، الَّذِي جَرَّبْتَهُ فِي مَسَّةَ وَخَاصَمْتَهُ عِنْدَ مَاءِ مَرِيبَةَ” (تث 33: 8). ومن الواضح أنه في أيام الشدة وتعقد الأمور كان رئيس الكهنة بطريقة ما يسأل الله بواسطة الأوريم والتميم بعض الأسئلة وكان الله يعطي عنها الجواب الكافي للقيادة والإرشاد.

ويقول فيلو – وهذا مجرد رأي – أن الأوريم والتميم كانا عبارة عن تمثالين صغيرين منقولين عن آلهة المصريين الواحد يمثل رع إله النور، والآخر يمثل توت إله الحق، وهذان التمثالان وضعا في صدرة رئيس الكهنة ومنهما كانوا يعرفون إرادة الله سلبًا وإيجابًا عن طريق نور يضيء في أحد التمثالين لمعرفة الجواب الإلهي.

ونحن وإن كنا لا نعتقد بما يقول فيلو، إلا أننا ذكرنا هذا لمجرد تصوير الأوريم والتميم بكيفية يفهمها القاريء العادي، والمهم في الأمر أن المؤمن يجب أن ينتظر الإشارة السماوية قبل ان يبدأ أي عمل من أعماله، كما كان بنو اسرائيل يسيرون في هداية عمود السحاب وعمود النار إذ “وَكَانَ الرَّبُّ يَسِيرُ أَمَامَهُمْ نَهَارًا فِي عَمُودِ سَحَابٍ لِيَهْدِيَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَلَيْلًا فِي عَمُودِ نَارٍ لِيُضِيءَ لَهُمْ. لِكَيْ يَمْشُوا نَهَارًا وَلَيْلًا” (خر 13: 21).

فالله المُحب الحكيم يقود أولاده في كل ظروف الحياة وأوقاتها، ما داموا يطلبون هذه القيادة بقلب مخلص قائلين مع صاحب المزمور “وَلكِنِّي دَائِمًا مَعَكَ. أَمْسَكْتَ بِيَدِي الْيُمْنَى. بِرَأْيِكَ تَهْدِينِي، وَبَعْدُ إِلَى مَجْدٍ تَأْخُذُنِي. مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ” (مز23:73-25).

لكن من أسف، أن بعض أولاد الله يخدعهم الشيطان لطلب الإرشاد بطرق محرمة، فكم من أشخاص يطلبون الإرشاد عن طريق قراءة الكف أو فنجان القهوة أو أوراق اللعب أو جلسات مناجاة الأرواح. علها تنير أمامهم سبيل الحياة، وترشدهم في مشاكلهم الصعبة.

ويستند هؤلاء على أن شاول الملك في ساعة ضيقة لجأ إلى صموئيل، فأخبره بما يخبئه له المستقبل، ولذا فنرى لزامًا علينا أن ندرس بروح الصلاة قصة شاول الملك وعرافة عين دور المذكورة في الإصحاح الثامن والعشرين من سفر صموئيل الأول، وسوف يلاحظ الدارس المدقق أن الجلسة التي حضرها ذلك الملك التعس كانت جلسة مليئة بالخداع، تولى الشيطان قيادتها من بدايتها إلى نهايتها، وفي إعتقادي أن روح صموئيل لم تظهر في هذه الجلسة وإنما قلد الشيطان شخصية ذلك النبي الجليل …

 ولكي نستطيع فهم القصة فهمًا واضحًا لنرجع إلى مكانها في الكتاب ونفحصها في ضوء الملاحظات الآتية:

1- في العدد السادس نقرأ “فَسَأَلَ شَاوُلُ مِنَ الرَّبِّ، فَلَمْ يُجِبْهُ الرَّبُّ لاَ بِالأَحْلاَمِ وَلاَ بِالأُورِيمِ وَلاَ بِالأَنْبِيَاءِ” (1 صم 28: 6). ولقد كانت هذه الوسائل هي الوسائل المشروعة لمعرفة إرادة الله، ولكن بسبب خطية شاول لم يجبه الرب بها، ولم يرشده بواسطتها، فهل يعقل أن الله لا يجيب شاول بالوسائل الإلهية، فيستطيع شاول عن طريق العرافة أن يُحضر روح صموئيل ليعرف إرادة الله بالوسائل الشيطانية؟ وهل يعقل أن يكون في مقدور امرأة شريرة أن تحضر روح ذلك الرجل البار؟ إن هذا يقودنا للإعتقاد بأن أرواح القديسين تحت سلطان السحرة والعرافين، وهذا فكر رهيب مخيف.

2- في العدد الثامن نقرأ كلمات شاول للعرافة “اعْرِفِي لِي بِالْجَانِّ وَأَصْعِدِي لِي مَنْ أَقُولُ لَكِ” فالجلسة إذًا بدأت بواسطة الجان واستمرت تحت سيطرته وقيادته بحسب طلب الملك شاول.

3- منع الله إستشارة الموتى في (تث10:18-12) بقوله “لاَ يُوجَدْ فِيكَ … مَنْ يَسْتَشِيرُ الْمَوْتَى” وفي (اش19:8، 20) إذ قال “وَإِذَا قَالُوا لَكُمُ: «اطْلُبُوا إِلَى أَصْحَابِ التَّوَابعِ وَالْعَرَّافِينَ الْمُشَقْشِقِينَ وَالْهَامِسِينَ». «أَلاَ يَسْأَلُ شَعْبٌ إِلهَهُ؟ أَيُسْأَلُ الْمَوْتَى لأَجْلِ الأَحْيَاءِ؟» إِلَى الشَّرِيعَةِ وَإِلَى الشَّهَادَةِ. إِنْ لَمْ يَقُولُوا مِثْلَ هذَا الْقَوْلِ فَلَيْسَ لَهُمْ فَجْرٌ!” فهل يمكن أن يخالف صموئيل وصايا الله بعد موته. وهو النبي التقي الذي إشتهر بالطاعة لله في حياته؟ وهل الممنوع على الأحياء مُباح للموتى؟ أو هل القوى الشيطانية تقدر أن تجبر الأرواح الراحلة على عصيان مشيئة الله؟

4- في العددين الثاني عشر والثالث عشر نجد هذا المنظر الغريب، صرخت المرأة العرافة، وأرادت بهذه الصرخة أن تأخذ وعدًا من شاول بالعفو عنها، لأنه كان قد أباد أصحاب الجان والتوابع من الأرض، ولا شك أنها عرفته من منظره وطول قامته، ومن معاملة حاشيته له، فلما أعطاها الملك الوعد، سألها: «ماذا رأيت؟» قالت: «رأيت آلهة يصعدون من الأرض؟» ومع أن المرأة تكلمت في صيغة الجمع فقالت «رأيت آلهة» إلا أن الملك الحائر المضطرب سألها سؤالاً بصيغة المفرد قائلاً: «ما صورته؟» وهنا أجابته العرافة بمكر فصورت له شخصية صموئيل التي كانت معروفة لها ولا ريب، ووصفت النبي بأنه مغطى بجبة، وليس يعقل أن الأرواح ترتدي ملابسها في عالم الخلود، وهكذا تولى الروح المُضل الذي ظهر تمثيل الدور تمثيلاً متقنًا.

5- قال الروح الذي ظهر لشاول “غَدًا أَنْتَ وَبَنُوكَ تَكُونُونَ مَعِي” (1 صم 28: 19). وهذا دليل قوي على أن المتكلم هو الشيطان  لأن شاول كان سيذهب إليه في اليوم التالي، إذ لا يصدق عاقل إن شاول المرتد عن الله، الذي إنتهت حياته بالإلتجاء إلى الجان، و مات مُنتحرًا، يذهب إلى ذات المكان الذي ذهب إليه صموئيل؟ إذ ما هو الفرق بين البار والشرير وبين نهاية الأبرار ونهاية المتمردين الفُجار؟

6- أشاع الروح الذي ظهر إحساس الخوف الشديد في قلب شاول، وسلبه قواه المعنوية، وهذا عمل الشيطان للإنسان (عدد20) وهكذا ترينا القصة في وضوح أن هذه الجلسة التي تمت تحت ستار الظلام – تمامًا كما يفعل أصحاب هذا المذهب الأثيم –  قد سيطر عليها الشيطان، ومثل فيها دوره خير تمثيل حين قلد شخصية صموئيل “وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ!” (2 كو 11: 14). وهذا يحذرنا من الإلتجاء إلى هذه الأرواح لأنها “فَإِنَّهُمْ أَرْوَاحُ شَيَاطِينَ صَانِعَةٌ آيَاتٍ”(رؤ 16: 14). والمؤمن المُطيع الخاضع للرب له هذا الوعد الكريم “وَأُذُنَاكَ تَسْمَعَانِ كَلِمَةً خَلْفَكَ قَائِلَةً: «هذِهِ هِيَ الطَّرِيقُ. اسْلُكُوا فِيهَا». حِينَمَا تَمِيلُونَ إِلَى الْيَمِينِ وَحِينَمَا تَمِيلُونَ إِلَى الْيَسَارِ” (إش 30: 21).

من بين الإختبارات المُلذة عن قيادة الله إختبار (أم الأيتام المصريين – مس ليليان تراشر) هذه الفتاة التي لمس الرب قلبها بمحبته الفائقة، وحرك أنامله الذهبية على أوتار ذلك القلب، فجعل منها أوتارًا تعزف أناشيد الرحمة والحب والحنان. فأسست هذه الفتاة المباركة ملجأ الأيتام بأسيوط، ذلك الملجأ الذي يأوي المئات من اليتامى والأرامل والعاجزين.

اسمعها تقص قصة حياتها فتقول «ذهبت في ليلة من ليالي الثالثة والعشرين من عمري إلى إجتماع كانت تتكلم فيه مُرسلة أمريكية عقب رجوعها من الهند عن الحاجة إلى أشخاص يكرسون أنفسهم لخدمة الرب، وما أن سمعتها تتكلم حتى سمعت صوتًا في قلبي يناديني أن أذهب إلى أفريقيا، ولما كنت قد صرفت كل ما أمتلك إستعدادًا لحفلة زفافي التي كان ميعادها بعد عشرة أيام من تلك الليلة الخالدة في تاريخ حياتي، لم يكن لديَّ سوى جنيه واحد، وماذا يفيد هذا الجنيه؟! أصبحت في موقف دقيق، إذ كان عليَّ أن أختار بين أن أفضل الزواج على إطاعة دعوة الله، أو أن أطيع أمر الله وأرفض الزواج. فعرضت على خطيبي أن يرافقني إلى افريقيا فأبى فتركته وخضعت لأمر إلهي.

كنت أعمل في ذلك الوقت كمساعدة لمس ماتي بيري في ملجأها في ماريون بكارولينا، فلما جاءتني دعوة الله جهزت حقيبتي إستعدادًا للرحيل وأخبرت أصدقائي بعزمي على السفر، فساعدني بعضهم بمبلغ ثلثمائة وستين قرشًا، وأخبروني عن مؤتمر المُرسلات المنعقد في بيتسبرج، ففكرت أن أذهب هناك لأجمع بعض المعلومات عن المرسلات

وقلت في نفسي: عسى أن أهتدي هناك إلى أي جهة من افريقيا يريدني الله أن أذهب …، أودعت نقودي عند المس ماتي بيري، وهذه حفظتها في درجها، ولما كانت أخت المس بيري مدينة بمبلغ لأحد الناس، وكانت تجهل أن هذه النقود تخصني سددت دينها بنقودي، والغريب أنني لم أسمع بما حصل إلا ساعة إستعدادي للسفر، لكن أصدقائي بذلوا ما في وسعهم لمساعدتي إلا أنهم لم يستطيعوا إحياء مبلغ الثلثمائة والستين قرشًا …

تأهبت للرحيل، ولكن ثمن التذكرة كان ناقصًا ورأيت أنني سألقى حزنًا على قلوب من حضروا لتوديعي إذا رأوني إنثنيت عن عزمي، فرأيت أن أقطع المرحلة التي تكفيها نقودي، وسألت بعض الناس فعلمت منهم أنني أستطيع السفر بهذه النقود إلى واشنجتون.

كنت أجهل واشنجتون، ولا أعرف أحدًا بها، ولكن المس بيري قالت لي إن لها صديقة هناك، وأعطتني خطابًا تقدمني به إليها وقالت لي: امكثي معها إلى أن أرسل لك النقود التي تكفيكِ للسفر إلى بيتسبرج …

وصلت واشنجتون في الوقت المناسب، حيث وجدت صديقة مس بيري وسلمتها الخطاب وما أن قرأته حتى قالت: أنا أرثي لحالك، ولكنني لا يمكنني أن أقبلك كضيفة في بيتي، لأنني أقوم بضيافة عائلة مُرسل من المرسلين في أسيوط بالقطر المصري ومع ذلك يمكننا أن نتناول الطعام سويًا. كان المرسل الضيف الذي قدموني إليه كمرسلة هو القس برلسفورد.

لا يمكنني أن أتذكر كل ما قاله القس برلسفورد، وكل ما أذكره الآن هو صدى صوته يخترق عباب المحيط، ثم يأتي متموجًا إلى أن يقرع أذني قائلاً: يحسن بكِ يا بنتي أن تعودي أدراجك إلى أمك.

لم يثن ذلك عزمي، بل كانت كلماته المُثبطة كأنها دافع تدفعني إلى الأمام، إلى افريقيا. وما أنا إلا طائعة صاغرة، مؤمنة بالوعد الكريم “أَمِينٌ هُوَ الَّذِي يَدْعُوكُمُ الَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا” (1 تس 5: 24).

ضحت إحدى السيدات بغرفتها لي، ومكثت في ذلك البيت يومين، وقبل أن أرحل سألني القس برلسفورد أن أعاونه في عمله بأسيوط بالقطر المصري، فأجبته: بالحقيقة إنني لم أعزم قط على المجيء إلى واشنجتون، فيظهر أن رغبة الله قادتني إلى هنا لأقابلك.

وفي الحال شعرت بصوت يناديني قائلاً: إقبلي الدعوة إلى أسيوط.

وبطريق ما رتب الله لي أجر سفري وبعد أن صليت في غرفتي قبل الإبحار سألني أحدهم أن أفتح الإنجيل وأطلب من الله أن يبين لي إرادته فيه ففعلت، وإذا بالعدد الذي جذب عيني وعجيب أن تسمع أن هذا العدد رأيته في تلك اللحظة لأول مرة في حياتي، وهذا نصه:

“إِنِّي لَقَدْ رَأَيْتُ مَشَقَّةَ شَعْبِي الَّذِينَ فِي مِصْرَ، وَسَمِعْتُ أَنِينَهُمْ وَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ. فَهَلُمَّ الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَى مِصْرَ” (أع 7: 34).

وهكذا بهذه الطريقة الواضحة وضع الله ختمه النهائي على دعوته لي. وجئت إلى مصر.

وبمثل هذه الطرق العجيبة يقود الله أولاده الأمناء، فلنتقدم الآن إلى مقادس الكلمة الإلهية لندرس هذا الموضوع الجليل.

شروط التمتع بقيادة الله

يجدر بنا ونحن نطلب معرفة إرادة الله، أن نذكر أنه لا يستطيع كل واحد أن يحظى بهذه المعرفة، أو يتمتع بهذه القيادة، فالله يطلب شروطًا واضحة حتى يتنازل في محبته فيهدي الإنسان برأيه، ومشورته وحكمته، فما هي هذه الشروط:

1- الشرط الأول للتمتع بقيادة الله هو التكريس الكامل للحياة:

ويبدو هذا الشرط واضحًا في كلمات بولس الرسول حين قال “فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ، وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ” (رو 12: 1، 2).

وفي هذه الكلمات يطالبنا الرسول بتكريس أجسادنا على مذبح الصليب بدافع الإحساس بمراحم الله، وكذلك يطلب إلينا أن لا نشاكل هذا الدهر في تصرفاته العالمية الأثيمة، وحكمته الإنسانية الغاشمة، وعندئذ سنختبر في حياتنا ما هي إرادة الله، الصالحة، المرضية، الكاملة … ونتعلم من هذا أن الله لا يعلن إرادته إلا للنفس التي تُسلم له كل التسليم لأنها في هذه الحالة تكون مطيعة للقيادة الإلهية.

يحدثنا ف. ب. ماير أنه أراد مرة أن يختبر قيادة الله، فصلى مُسلمًا حياته للرب ونام، وفي نومه رأى حلمًا رأى أن الرب في جمال شخصه جاء إليه، وسمع صوته يناديه «أعطني مفاتيح حياتك يا ماير» يقول ماير: كنت أعتز بمفتاح خاص في حلقة مفاتيحي، فظننت أني أستطيع أن أُغافل السيد وأنتزعه من الحلقة، وفعلاً إنتزعت المفتاح وقدمت للسيد بقية المفاتيح، وأمسك السيد حلقة المفاتيح بأطراف أصابعه ثم نظر إليَّ نظرة موبخة وقال وهو يتجه بعيدًا عني «المفتاح الأخير يا ماير» أحسست أن الرب قد طعنني في قلبي، وشعرت بألم لأني سأسلم آخر مفاتيحي، لكنني خشيت إذا أنا لم أفعل أن يبتعد الرب عني، فأخرجت المفتاح الأخير من جيبي وأعطيته لسيدي. ولما تسلم السيد ذلك المفتاح الأخير العزيز بدأ يقودني في حياتي وأحسست بفرح لا ينطق به ومجيد.

2- الشرط الثاني للتمتع بقيادة الله هو الصلاة المُسلمة لإرادته:

إن العناد يتعارض مع طلب قيادة الله، أما الوداعة فترحب بها ولذا فإن الرب يحذرنا من العناد قائلاً “أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَسْلُكُهَا. أَنْصَحُكَ. عَيْنِي عَلَيْكَ.لاَ تَكُونُوا كَفَرَسٍ أَوْ بَغْل بِلاَ فَهْمٍ. بِلِجَامٍ وَزِمَامٍ زِينَتِهِ يُكَمُّ لِئَلاَّ يَدْنُوَ إِلَيْكَ” (مز 32: 8، 9). فقبل أن تشرع في طلب قيادة الله، دع قلبك يتفرغ من رغباته من جهة الأمر الذي تطلب القيادة فيه، ليستطيع الله أن يقودك برأيه وحكمته فهو “يُدَرِّبُ الْوُدَعَاءَ فِي الْحَقِّ، وَيُعَلِّمُ الْوُدَعَاءَ طُرُقَهُ” (مز 25: 9).

والعلامة الأكيدة على وجود روح الطاعة والتسليم هي الراحة الداخلية التي بها نواجه الصعاب التي تعترض حياتنا، فلا ننزعج منها بل نفرح لأننا نسير وراء عمود السحاب الذي أعده الله لنا.

تعلم جورج موللر رجل الإيمان هذا الدرس فقال: «لقد كنت أحس في داخلي بشعور خفي باللذة بسبب عظم الصعوبات التي كانت تعترضني، فهي لم تروعني ابدًا بل كانت مبعث السرور لنفسي أليست هذه الصعاب مرتبة بمشيئة إلهي؟ وألست تواقًا لأن أعمل مشيئته وحدها؟ إذن فما الذي يزعجني ويشوش سلامي؟ إن كل من يجعل الرب أمامه في كل حين، وكل من يجد مسرته في عمل إرادة الله، يفرح ويصير الفرح عادة في نفسه، ولا بد أن يقوده الرب بروحه لحل اصعب المشاكل وأعقد المعضلات، لأن إرادته ستكون متوافقة مع إرادة إلهه».

إن سر توقف السماء عن إرشاد أبناء الأرض، هو أنهم يعدون برامج حياتهم ثم يطلبون من الله أن يبارك هذه البرامج، وهذا هو الخطأ الأكبر في الحياة.

كم من شاب يذهب وراء عينيه، وعقله، وشهواته وهو يختار شريكة حياته، فيجذبه بريق الذهب، أو تخدعه المظاهر الخلابة فينطبق عليه ما قيل عن يشوع ورجاله عندما خدعهم سكان جدعون “فَأَخَذَ الرِّجَالُ مِنْ زَادِهِمْ، وَمِنْ فَمِ الرَّبِّ لَمْ يَسْأَلُوا” (يش 9: 14).

وهكذا بعد أن يضع شروطه ويملي رغباته، ويجهز أثاثات بيته يطلب من الله البركة والسعادة لأسرته، مع أن الشرط الضروري لقيادة الله هو الصلاة المُسلمة الخاضعة لإرادته، وهذا ما فعله عبد إبراهيم عندما ذهب ليخطب زوجة لإسحق إذ قبل أن يذهب وراء عينيه أو يثق في فهمه صلى للرب قائلاً “أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهَ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ، يَسِّرْ لِي الْيَوْمَ وَاصْنَعْ لُطْفًا إِلَى سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ. هَا أَنَا وَاقِفٌ عَلَى عَيْنِ الْمَاءِ، وَبَنَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَارِجَاتٌ لِيَسْتَقِينَ مَاءً. فَلْيَكُنْ أَنَّ الْفَتَاةَ الَّتِي أَقُولُ لَهَا: أَمِيلِي جَرَّتَكِ لأَشْرَبَ، فَتَقُولَ: اشْرَبْ وَأَنَا أَسْقِي جِمَالَكَ أَيْضًا، هِيَ الَّتِي عَيَّنْتَهَا لِعَبْدِكَ إِسْحَاقَ. وَبِهَا أَعْلَمُ أَنَّكَ صَنَعْتَ لُطْفًا إِلَى سَيِّدِي” (تك11:24-14).

وبهذه الصلاة البسيطة المُسلمة أرشد الله العبد الأمين إلى الزوجة التي عينها لإبن سيده، وسهل قدامه الطريق فعاد برفقة إلى إسحق وكان زواجهما زواجًا سعيدًا موفقًا … وهذا ذات ما فعله موسى أكبر قائد عرفه تاريخ البشر، إذ أدرك عظم المسئولية الملقاة على عاتقه في قيادة جماعة غير منظمة مكونة من عبيد نالوا حريتهم حديثًا، فتوسل إلى إلهه قائلاً “فَالآنَ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَعَلِّمْنِي طَرِيقَكَ حَتَّى أَعْرِفَكَ لِكَيْ أَجِدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ. وَانْظُرْ أَنَّ هذِهِ الأُمَّةَ شَعْبُكَ” (خر 33: 13).

وقد إستجاب الله صلاته المتواضعة فنقرأ في (مزمور 7:103) “عَرَّفَ مُوسَى طُرُقَهُ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ أَفْعَالَهُ”. فموسى عرف طرق الله في معاملاته، أما بنو اسرائيل فعرفوا أفعال الله فقط، وخفيت عن إدراكهم المباديء التي كانت تسير عليها هذه الأفعال، حتى جاء اليوم الذي فيه نسوا أعمال الله العظيمة (مز11:78) لأنهم لم يطلبوا معرفة إرادته.

ولقد كاد آساف يبعد عن طريق الله، وكادت مشيئة الله تغيب عن عينيه عندما رأى نجاح الأشرار، وكادت تزل قدماه، ولكن الرجل في عمق حيرته يقول “حَتَّى دَخَلْتُ مَقَادِسَ اللهِ، وَانْتَبَهْتُ إِلَى آخِرَتِهِمْ. حَقًّا فِي مَزَالِقَ جَعَلْتَهُمْ. أَسْقَطْتَهُمْ إِلَى الْبَوَارِ” (مز17:73، 18). ففي المقادس الإلهية حل لجميع المشاكل، وعن طريق الصلاة المسلمة يقودنا الله قيادة حكيمة.

وقعت أثناء الحرب العالمية الأولى حادثة لرجل من رجال الله، إعترض حياته مشكلتان معقدتان، فركع الخادم أمام الله وصلى في حرارة طالبًا قيادة سماوية لحل هاتين المشكلتين، وكانت إحداهما تتعلق بطبع كتاب، فصلى الخادم للرب قائلاً «يا إلهي إني أخشى أن لا يوافق الناشر على طبع كتابي» فأتاه جواب الله «أترك هذا بين يدي».

أما المشكلة الثانية فعرضها أمام الله وطلب إليه أن يرشده لحلها، وحالاً هدى الرب فكره إلى رجلين يقدمان له الحل المطلوب ولكن ذلك الخادم المصلي قال: «يا رب إن واحدًا من هذين الرجلينيعيش شمالاً، والآخر جنوبًا، والمسافة بعيدة بينهما، والمشكلة يجب أن تحل اليوم» فأتاه جواب الرب الطيب «أترك هذا بين يدي» ..

وقام الخادم من صلاته مطمئن القلب، وركب القطار المعتاد قاصدًا مدينة نيويورك، وإذ وصل إلى هناك وبلغ العمارة التي كان مكتبه فيها ألتقى بالناشر في مصعد العمارة، وإذ قدم إليه مسودة الكتاب الذي كان ينوي طبعه أقر الناشر على طبعه فامتلأ الرجل سرورًا إذ إستجاب الرب صلاته، ثم مضى إلى إجتماع لجمعيات الكنائس التي كانت تنظر شئون الحرب.

 وهناك صرف ساعات الصباح، وفي نحو الساعة الثالثة بعد الظهر داخله إقتناع قوي بأن يقفل راجعًا إلى مكتبه بأول فرصة، فخرج متجهًا إلى المكتب، وإذ وصل إلى المصعد وجد فيه الرجلين الذين أوحى إليه وقت الصلاة أن يستأنس برأيهما فكانت هذه أول مرة عرف فيها أن الرجلين يقطنان معًا مدينة نيويورك فلو إتفق أنهما دخلا المصعد قبل ذلك الوقت أو بعده بدقائق قليلة لما أمكنه أن يلتقي بهما إذ لم يكن في نيتهما مقابلته، فدعاهما إلى مكتبه وأصغى إلى نصحهما وبعد وقت قصير إنحلت مشكلته الثانية، وهكذا عن طريق الصلاة يقودنا الله في وسط مشاكل الحياة.

3- الشرط الثالث للتمتع بقيادة الله هو العطاء بسخاء:

اصغ إلى كلمات الرب في إشعياء “وَأَنْفَقْتَ نَفْسَكَ لِلْجَائِعِ، وَأَشْبَعْتَ النَّفْسَ الذَّلِيلَةَ، يُشْرِقُ فِي الظُّلْمَةِ نُورُكَ، وَيَكُونُ ظَلاَمُكَ الدَّامِسُ مِثْلَ الظُّهْرِ، وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ” (إش 58: 10، 11).

فالسخاء في الإنفاق على الجائع،والتضحية في كساء الجسد العاري، والعمل إطلاق المسحوقين في الحرية، هذه كلها شروط ضرورية في سبيل التمتع بقيادة الله، فبعد أن نتممها عمليًا في حياتنا “وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ”

إن في قلب كل مؤمن عاطفة جياشة بالحنان، وهذه العاطفة لا تتضح إلا إذا أضفينا عليه الألوان التي تُظهرها، فالمَثال يختار ألوان لوحته من الزيت، والشاعر يختار ألوان شِعره من الكلمة، والموسيقي يختار ألوان لحنه من النغمة، ولكن عاطفة المسيحي الحقيقي لا تُظهرها هذه الألوان متفرقة أو مجتمعة، فإن لونها المختار هو الفضة، والذهب، ومعادن العملة المتداولة، وهذه العملة وحدها هي التي تجعل العاطفة المسيحية طاقة ذريةـ تحول البؤس سعادة، واليأس أملا، والظلام نورًا ، ويوم تظهر فيك هذه العاطفة “وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ”.

4- الشرط الرابع للتمتع بقيادة الله هو الإنتظار بصبر:

ليس شك في أن الوقت الذي حدده الله ليعمل فيه عمله، هو أفضل وقت لنا، لكننا كثيرًا ما نتسرع بعدم صبرنا فنفقد السير في طريق إلهنا، ولنا في حياة شاول الملك مثل رائع، فقد كان موقفه غاية في الحرج عندما تجمع الفلسطينيون بعددهم الهائل وقوتهم المروعة وأوشكوا أن يبدأوا القتال، وعندئذ تفرق رجال شاول عنه، وحتى صموئيل تأخر في المجيء إليه ليقرب المحرقة ويسأل من الله عونًا له، ولم يشأ أن يحارب دون معونة الله، ولكنه لم ينتظر حتى يحين وقت الرب، فعمل شيئًا لإنقاذ الموقف، وكان العمل الذي عمله تطاولاً منه على ما ليس من وظيفته، فقد قدم المحرقة وهو ليس كاهنًا لله قبل أن يحين موعدها، وبعد ذلك دنت ساعة الله، وجاء خادم الله. وكثيرًا ما تأتي اللحظة التي عينها الرب، بعد اللحظة التي عيناها نحن بقليل.

فتعلم أن تنتظر بصبر امام الله، لئلا تخسر كشاول الملك الذي خسر بتسرعه ومركزه ورضى الرب عنه، وأطع الكلمة القائلة “انْتَظِرِ الرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ” (مز 27: 14). وعندئذ ستردد مرنمًا “يَحْفَظُنِي الْكَمَالُ وَالاسْتِقَامَةُ، لأَنِّي انْتَظَرْتُكَ” (مز 25: 21).“لأنه طُوبَى لِجَمِيعِ مُنْتَظِرِيهِ” (إش 30: 18).

5- الشرط الخامس للتمتع بقيادة الله هو وضع الأمور الروحية في المرتبة الأولى:

لقد أوصانا السيد له المجد أن نطلب أولاً ملكوت الله وبره (مت33:6)، وهذا يعني أن نعطي لله ومطاليبه المكان الأول في حياتنا، فلا نتصرف في شيء يتعارض مع هذا المبدأ المبارك.

ذهب أخ مسيحي تقي إلى ج.ه. لانج طالبًا نصيحته بخصوص قبول مركز ممتاز في مدينة لندن، عُرض عليه دون أن يسعى وراءه كان الأخ يعول أسرة كبيرة، وكان المنصب الجديد سيضمن له ربحًا ماديًا وفيرًا يريح أولاده وزوجته ويمتعهم برفاهية أكثر في معيشتهم.

يقول الأخ لانج: «قدمت لهذا الصديق المسيحي هذه الأسئلة: هل هذا المنصب الجديد يعني دخولك في معاملات جديدة قد يأباها ضميرك المسيحي؟ وهل ما يتطلبه هذا المنصب من زيادة في الجهد، وقلة في ساعات الفراغ، وإرهاق للأعصاب، من شأنه أن يعطل خدمتك المسيحية ويضعف صحتك الجسدية؟ وإلى أي مدى تؤثر الزيادة في دخلك وأعبائك في حالتك الروحية؟ وهل إذا قبلت هذا المنصب يكون لله المركز الأول في حياتك؟!

وعندما فحص ذلك الأخ المسيحي الموضوع في نور هذه الأسئلة وضحت له إرادة الله فرفض ذلك المنصب الكبير. فإذا كنت تطلب القيادة الإلهية، فينبغي عليك أن تضع الله وعمله أولاً، ولا شك أنه سيقودك بعد ذلك بحكمته.

وسائط القيادة الإلهية

 بعد أن نتمم شروط الله، ما هي الوسائط التي يستخدمها إلهنا لقيادتنا؟!

1- الواسطة الأولى للقيادة الإلهية هي الكلمة المقدسة:

“إِلَى الشَّرِيعَةِ وَإِلَى الشَّهَادَةِ. إِنْ لَمْ يَقُولُوا مِثْلَ هذَا الْقَوْلِ فَلَيْسَ لَهُمْ فَجْرٌ!” (إش 8: 20). فالشريعة والشهادة هما الواسطة الأولى لإرشادنا وقيادتنا “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلًا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ” (2تي16:3، 17). “فَتْحُ كَلاَمِكَ يُنِيرُ، يُعَقِّلُ الْجُهَّالَ” (مز 119: 130).“سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي” (مز 119: 105).

وهذا يعني أن الكتاب المقدس هو وسيلة قيادتنا، ويجدر بنا أن نضع في أذهاننا هذه الحقيقة: إن كل موضوع قد أعلن الكتاب المقدس رأى الله فيه بوضوح لا يجب الصلاة من أجل معرفة إرادة الله فيه بل يجب طاعته …

 فالله قال “لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟” (2كو14:6، 15). وهذا إعلان إلهي صريح يأمرنا بالإبتعاد عن أية شركة تجارية فحاذر أن تصلي لأجل هذا الموضوع، إذ ان الصلاة لن تفيدك، والله لن يقودك، لأنه سبق وقال (لا) في كلمته “لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ”وستكون صلاتك إذًا جرّبك الشيطان أن تصلي كصلاة بلعام بعد أن قال له الله”لا تذهب مع رجال بالاق” لكنه عاد وصلى لله وسأله عن إرادته تحت إغراء الذهب والربح القبيح مع أن الله سبق أن أعلن له مشيئته.

وكما كان في الشركات التجارية والعالمية، وكذلك في شركة الزواج، إحترس من أن تصلي حتى يعطيك الرب فتاة جميلة غير متجددة يكون قلبك قد إنجذب بجمالها، وحاذري أيتها الأخت أن تصلي حتى يرتب الرب زواجك من شاب غير مؤمن أحبه قلبك، فإن هذه الصلاة تكون بمثابة كلمات مشبعة بالأوهام، ومغلفة بالغيوم، لن يسمعها ساكن السماء …

وهكذا الأمر في كل موضوع قد قال فيه الكتاب المقدس قوله الفصل، سواء أكان يمس الحياة الشخصية، أو يتعلق بالعقائد الدينية، فهنا يتحتم الطاعة لكلمة الله إن كنت تريد أن تسير في نور قيادته، ولأجل هذا قال السيد له المجد “إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ اللهِ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي” (يو 7: 17).

تجدد أحد الشبان في إجتماع ما، وظل يواظب على هذا الإجتماع اكثر من سنة، فتقدم إليه الراعي وسأله: هل أنت متجدد؟ أجاب: نعم، بنعمة الله. سأله: ولماذا لم تشترك على مائدة الرب؟ أجاب: لأن الله لم يرشدني!! ابتسم الراعي وقال: اسمع يا ولدي الطيب، إن الله لا يرشدنا بأشياء أعلن مشيئته فيها في الكتاب، لا تتوقع هذا إطلاقًا، إنه قال “اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي” (لو 22: 19). وليس علينا إلا أن نطيع.

وما دمنا بصدد الحديث عن القيادة بالكلمة المقدسة، فلا بد لنا أن نشيرإلى ضرورة درس الكتاب المقدس دراسة شخصية بفهم وإدراك، فبدون هذه الدراسة الدائمة، كيف يتسنى للرب قيادتنا في موكب مشيئته؟ بحق قال أحد القديسين «يوجد أعظم رجاء لأعظم خاطيء يقرأ الكتاب المقدس، ويوجد أعظم خطر على اعظم قديس يهمل دراسة الكتاب المقدس» فطوبى للإنسان الذي في ناموسه يلهج نهارًا وليلاً.

2- الواسطة الثانية للقيادة الإلهية هي صوت الروح القدس:

تكلم رب المجد لتلاميذه قائلاً “إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ” (يو12:16، 13).

ومن كلمات ربنا نتعلم أن الروح القدس يقودنا ويرشدنا في أمور الحياة كما يقول بولس الرسول“لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ” (رو 8: 14). لكننا ينبغي أن ننتبه إلى حقائق هامة بخصوص قيادة روح الله … وأول هذه الحقائق هي أن الروح القدس لا يقودنا بشيء ضد كلمة الله، فالقياس الوحيد الذي به نميز إرشاد الروح القدس هو كلمة الله وفي سفر الملوك الأول قصة رائعة لتوضيح هذا الحق الثمين، فقد أرسل الرب نبيًا من يهوذا إلى بيت إيل للتنبؤ ضد يربعام، فأوصاه ألا ينتظر في بيت إيل ولا يأكل خبزًا ولا يشرب ماء، ولا يرجع في الطريق الذي جاء فيه، وبعد أن أتم النبي الذي من بيت إيل مهمته، سمع القصة نبي شيخ كان ساكنًا هناك، فأسرع وراء النبي الذي من بيت يهوذا حتى إذا وجده قال له «سر معي إلى البيت وكل خبزًا …

“فَقَالَلاَ أَقْدِرُ أَنْ أَرْجعَ مَعَكَ وَلاَ أَدْخُلُ مَعَكَ وَلاَ آكُلُ خُبْزًا وَلاَ أَشْرَبُ مَعَكَ مَاءً فِي هذَا الْمَوْضِعِ، لأَنَّهُ قِيلَ لِي بِكَلاَمِ الرَّبِّ: لاَ تَأْكُلْ خُبْزًا وَلاَ تَشْرَبْ هُنَاكَ مَاءً. وَلاَ تَرْجعْ سَائِرًا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبْتَ فِيهِ”(1 مل 13: 17). لكن النبي الشيخ قال له “أَنَا أَيْضًا نَبِيٌّ مِثْلُكَ، وَقَدْ كَلَّمَنِي مَلاَكٌ بِكَلاَمِ الرَّبِّ قَائِلًا: ارْجعْ بِهِ مَعَكَ إِلَى بَيْتِكَ فَيَأْكُلَ خُبْزًا وَيَشْرَبَ مَاءً». كَذَبَ عَلَيْهِ. فَرَجَعَ مَعَهُ وَأَكَلَ خُبْزًا فِي بَيْتِهِ وَشَرِبَ مَاءً” (1مل18:13، 19).

فماذا كانت نتيجة عصيان كلمة الرب التي أعطاها لنبي يهوذا وتصديقه للكلام الكاذب الذي قاله النبي الشيخ باسم الرب؟؟ لقد كانت النتيجة مخيفة بالنسبة للنبي الذي من يهوذا فقد جاءه كلام الرب قائلاً “مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ خَالَفْتَ قَوْلَ الرَّبِّ وَلَمْ تَحْفَظِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أَوْصَاكَ بِهَا الرَّبُّ إِلهُكَ، فَرَجَعْتَ وَأَكَلْتَ خُبْزًا وَشَرِبْتَ مَاءً فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَكَ: لاَ تَأْكُلْ فِيهِ خُبْزًا وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً، لاَ تَدْخُلُ جُثَّتُكَ قَبْرَ آبَائِكَ” (1مل21:13، 22). وانطلق النبي العاصي فصادفه أسد في الطريق وقتله.

 فلنحذر إذن من أي إعلان يقال إنه من الروح القدس وهو يخالف الكتاب المقدس، لأن الروح القدس لا يمكن أن يخالف المكتوب فلنتمسك بكلمة الرسول يوحنا “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ” (1 يو 4: 1). ولنسمع وصية الرسول بولس “وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»(أي محرومًا)!” (غل 1: 8).

وهناك حقيقة ثانية بخصوص قيادة الروح القدس وهي أن هذه القيادة تطلب جوًا خاصًا يستطيع فيه الروح أن يقودنا ويرشدنا ونحن نقرأ في سفر الأعمال هذه الكلمات “وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: «أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ». فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا. فَهذَانِ إِذْ أُرْسِلاَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ انْحَدَرَا إِلَى سَلُوكِيَةَ” (أع2:13-4).

ونتعلم من هذا كيف يقود الروح القدس أولاد الله قيادة حكيمة واضحة، وكما أفرز برنابا وشاول للخدمة كذلك يفرز اليوم خدامًا أمناء لخدمته، لكنه يتطلب جوًا مقدسًا حتى يتمكن من قيادتنا، وهذا الجو هو جو الخدمة الأمينة “بَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ”، وهو جو الصوم والبعد عن العالم والأفكار العالمية وتركيز العقل في الرب (ويصومون) في هذا الجو السماوي يهمس الروح القدس همساته الإلهية ويرشد شعبه بحكمته التي لا تخطيء، لكن السر في عدم تمتع أولاد الله وبناته بقيادة الروح، هو كثرة مشغولياتهم وإهتماماتهم العالمية، وتعجلهم للأمور، وعدم إدراكهم أهمية الهدوء في محضر الله حتى تصدر الإشارة الإلهية بالعمل …

وتوجد حقيقة ثالثة بخصوص قيادة الروح القدس، هي أن الروح القدس قد يمنعنا من أعمال مقدسة لم يحن وقت عملها ونحن نقرأ  في سفر الأعمال هذه الكلمات “وَبَعْدَ مَا اجْتَازُوا فِي فِرِيجِيَّةَ وَكُورَةِ غَلاَطِيَّةَ، مَنَعَهُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِالْكَلِمَةِ فِي أَسِيَّا. فَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مِيسِيَّا حَاوَلُوا أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى بِثِينِيَّةَ، فَلَمْ يَدَعْهُمُ الرُّوحُ” (أع6:16، 7).

فالتكلم بالكلمة أمر مقدس ولكن الروح منعهم أن يتكلموا بالكلمة في أسيا، والذهاب إلى بثينية أمر مقدس لكن الروح لم يدعهم يذهبون، لأن وقت الكلام، ووقت تبشير بثينية لم يحن بعد. فقيادة الروح تتطلب إحساسًا ممتازًا وتوجيهًا للعقل نحو الله وكما يوجه المرء مؤشر جهاز الإستقبال إلى المحطة المطلوبة بتدقيق كذلك يجب أن نوجه قلوبنا بإخلاص إلى الله حتى يمكن أن نسمع هذا الصوت المنخفض الخفيف وإلا فلن نسمع سوى ضوضاء أصوات العالم.

والكتاب المقدس مليء بالحوادث التي تؤكد حقيقة قيادة الروح، فقد قاد الروح فيلبس أن يكلم الخصي الحبشي “فَقَالَ الرُّوحُ لِفِيلُبُّسَ: «تَقَدَّمْ وَرَافِقْ هذِهِ الْمَرْكَبَةَ” (أع 8: 29).

ولما أطاع فيلبس وجد نفسًا مستعدة، ووجد فصل الكتاب الذي يبدأ منه رسالته الخلاصية لهذه النفس، وكما أرشد الروح فيلبس كذلك أرشد بطرس لمعرفة قلب حنانيا وسفيرا فلما دخل الرجل وقال كذبته الرهيبة قال له بطرس “فَقَالَ بُطْرُسُ: «يَا حَنَانِيَّا، لِمَاذَا مَلأَ الشَّيْطَانُ قَلْبَكَ لِتَكْذِبَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ وَتَخْتَلِسَ مِنْ ثَمَنِ الْحَقْلِ؟” (أع 5: 3)، ولما دخلت سفيرا وكذبت هي الأخرى قال لها “مَا بَالُكُمَا اتَّفَقْتُمَا عَلَى تَجْرِبَةِ رُوحِ الرَّبِّ؟”وهكذا يقود الروح القدس أبناء الله بطرق متنوعة وعجيبة.

حدثتنا الأخت أبيجايل لوف عن إختبار مثير يؤكد قيادة الروح القدس قالت «كنت حاضرة في إجتماع صباح الأحد لكسر الخبز وكان حضور الرب واضحًا عميقًا وقد شبعت به النفوس، وفي وسط الهدوء الذي يسود الحجرة التي عقد فيها الإجتماع سمعت صوتًا منخفضًا خفيفًا يهمس داخلي قائلاً: أبيجايل اذهبي إلى البيت وإحضري كل ما عندك من مال، فأنا أريدك أن تعطي الكل.

كنت أضع في حقيبتي دولارين، وكان عندي في البيت ثلاثة دولارات وكان الصوت واضحًا أن أذهب وأحضر الباقي، تعجبت في نفسي لماذا يطلب الرب هذا الطلب؟! ولكنني تعودت أن أطيعه، ولذلك غادرت الإجتماع في هدوء وذهبت في سيارة من السيارات العامة إلى منزلي وأحضرت كل ما عندي وخرجت لأعود إلى الإجتماع …

وقفت في الطريق أنتظر السيارة، وإذا بي أرى سيدة مُسنة متعبة تقف في ذلك الصباح البارد في ظلال أحد الأبواب، وقد أغمضت عينيها كأنما هي ترفع صلاة إلى الله … وتقدمت إليها وقلت لها: إنك تبدين متعبة يا أماه، فما الذي أخرجك في هذا اليوم البارد المطير؟ أجابت: لقد كنت مريضة يا ابنتي لكنني قد أصبحت الآن أحسن حالاً مما كنت.

سألتها؛ هل تعرفين الرب يسوع المسيح كمخلص شخصي لك؟ أجابت: بكل يقين يا إبنتي ولقد وقفت في ظلال هذا الباب حتى أستطيع أن أصلي إلى أن تأتي السيارة التي ستقلني. سألتها: ولأي شيء كنت تصلين؟ أجابت: لو أخبرتك يا ابنتي لإعتقدت إنني أسألك إحسانًا!! قلت: حاشا يا أماه.

وشرعت السيدة العجوز تحدثني بقصتها، لقد مات زوجها وتركها فقيرة مسكينة ولها أبنة تقطن في بلد بعيد، وقد أرسلت إليها أن تبيع أثاث منزلها وتسافر بثمنه إليها لتعيش معها، ولكنها بعد أن باعت الأثاث وجدت أن القيمة المطلوبة تنقص خمسة دولارات … وسكتت العجوز لحظة ثم استطردت «وقد وقفت في هذا المكان أطلب إلى مخلصي أن يرسل لي الخمسة دولارات».

قفزت من فرط الفرح، وأخبرت الأم الطيبة كيف قادني الروح القدس بصوته الهاديء أن أخرج من الإجتماع لأحضر باقي ما عندي من مال، وكيف تعجبت من طلب الرب لكنني أطعته وها هو يريني لماذا قادني!! … ثم سلمتها الخمسة دولارات ومضيت في طريقي أطفر من فرط السرور …

3- الواسطة الثالثة للقيادة الإلهية هي الظروف المجهزة من الله:

عندما ذهب عبد إبراهيم ليحضر زوجة لإسحق، وصلى للرب، وفقه الله بكيفية واضحة، وقاده إلى بيت إخوة سيده، وإلى الفتاة المعينة، وسارت الظروف سهلة هينة بلا تعقيدات، حتى أنه لما أراد أهل الفتاة أن يبقوها أيامًا قال لهم العبد التقي “لاَ تُعَوِّقُونِي وَالرَّبُّ قَدْ أَنْجَحَ طَرِيقِي” (تك 24: 56).

أجل! فلما تكون مشيئة الله في جانبنا تسير الأمور في هوادة وسهولة ويسر.

حدثنا الأخ لانج قال: حدث مرة أن وعدت مسيحيًا حديث السن بمساعدته في أمر صعب، ولكنني في صباح اليوم الموعود مرضت بالحمى، وكان يجب أن أبقى في البيت، إلا أنني لم أشأ أن أخذل ذلك الصديق. كما لم أكن قد تعودت أن أجعل جسدي يتحكم فيّ، ولذا تحاملت على نفسي وخرجت حسب الموعد، وبدا لي أن كل شيء يسير على ما يرام، فقد نجحت في تدبير الأمر، ولكن لم يمض وقت طويل حتى ندمت جدًا إذ تبينت أن ذلك الشاب لم يكن اهلاً للمساعدة، وأصابني لوم كبير لأنني تصديت لمعونته.

 فلو أنني كنت مرهف الحس، لأدركت أن ذلك المرض الفجائي الذي ألم بي، كان صوتًا إلهيًا يمنعني من الخروج لهذا العمل.

لقد قال إرمياء النبي “سَيَّجَ طُرُقِي بِحِجَارَةٍ مَنْحُوتَةٍ” (مرا 3: 9). وإذا كان الرب قد سيج الطريق بالحجارة فمن الغباء أن نتسلق هذا الطريق!

ويلذ لنا ونحن بصدد الحديث عن الظروف المجهزة من الله، أن ننتبه إلى حقيقة هامة، وهي أن هذه الظروف لا تكون من الله إلا  إذا إتفقت مع نور كلمته الوضاح، وقيادة روحه في إقناع صريح، أما إذا إنفتح الباب ضد المكتوب، وضد قيادة الروح القدس، فهو إذن إغراء من الشيطان للإيقاع بنا، فالباب المفتوح ليس دليلاً دائمًا على إرادة الله وقيادته.

 ونجد في سفر صموئيل الأول (4:24) حادثة تعيننا على فهم هذا الفكر الجليل، فقد طارد شاول داود أشد المطاردة وفي أثناء مطاردته جاء إلى صير الغنم التي في الطريق، وكان هناك كهف فدخل شاول لكي يغطي رجليه وداود ورجاله  كانوا جلوسًا في مغابن الكهف … ونام شاول، نام نوم المتعب المكدود “فَقَالَ رِجَالُ دَاوُدَ لَهُ: «هُوَذَا الْيَوْمُ الَّذِي قَالَ لَكَ عَنْهُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أَدْفَعُ عَدُوَّكَ لِيَدِكَ فَتَفْعَلُ بِهِ مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكَ». فَقَامَ دَاوُدُ وَقَطَعَ طَرَفَ جُبَّةِ شَاوُلَ سِرًّا” (1 صم 24: 4).

قطع طرف جبة الملك لكنه لم يرض بأن يقتله ويعتلي عرشه، ومع أن الباب قد فتح أمام داود، والظروف بدت مرتبة للخلاص من الملك الذي يطارده، والذي تسبب في هزيمة بلاده وعارها، ومع أن الأغلبية التي مع داود نصحته بأن يقضي عليه، وكان من الممكن أن يعتبر داود أن الباب المفتوح هو دليل قاطع على قيادة الله، وأن يخضع لرأي الأغلبية التي معه، لكن داود كان رجلاً متصلاً بالرب، وكان يتلقى أوامره من الأعالي لا من أصوات أصدقائه أبناء الأرض، ولذا قال لرجاله “حَاشَا لِي مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ أَنْ أَعْمَلَ هذَا الأَمْرَ بِسَيِّدِي، بِمَسِيحِ الرَّبِّ، فَأَمُدَّ يَدِي إِلَيْهِ، لأَنَّهُ مَسِيحُ الرَّبِّ هُوَ” (1 صم 24: 6).

قال هذا الكلام دون أن يخشى غضب الأغلبية، أو يندم على الفرصة التي اتيحت له للخلاص من عدوه وإعتلاء العرش بدلاً منه. ولذا فقد جاء وقت الرب، ومات شاول منتحرًا  وإعتلى داود العرش وهو طاهر اليد نظيف الماضي …

فحاذر أن تجري وتدخل من الباب المفتوح إلا إذا وثقت أن الله هو الذي رتبه لك، فقد فتح نبوخذ نصر باب النجاة أمام الفتية الثلاثة، وطلب إليهم أن يسجدوا للتمثال، لكنهم وجدوا هذا الباب ضد المكتوب فقالوا للملك “يا نبوخذ نصر لا يلزمنا أن نجيبك عن هذا الأمر” ومن الناحية الأخرى نجد يونان يركب السفينة التي وجدها أمامه وهو يُطمئن نفسه بالهروب، ولكن سهولة وجود السفينة لم يكن دليلاً على قيادة الله، لذا قضى في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال حتى تعلم درس الطاعة لصوت الله.

4- الواسطة الرابعة للقيادة الإلهية هي الرؤى السماوية:

نقرأ في سفر أيوب هذه العبارات “لكِنَّ اللهَ يَتَكَلَّمُ مَرَّةً، وَبِاثْنَتَيْنِ لاَ يُلاَحِظُ الإِنْسَانُ.”فِي حُلْمٍ فِي رُؤْيَا اللَّيْلِ، عِنْدَ سُقُوطِ سَبَاتٍ عَلَى النَّاسِ، فِي النُّعَاسِ عَلَى الْمَضْجَعِ.حِينَئِذٍ يَكْشِفُ آذَانَ النَّاسِ وَيَخْتِمُ عَلَى تَأْدِيبِهِمْ” (أي 33: 13-16). ونتعلم من هذه الكلمات أن الله يكلم الناس بالرؤى، ويرشدهم بالأحلام، ونرى هذا الحق في ثنايا الكتاب المقدس بشكل ظاهر، فنقرأ عن حلم يعقوب، وأحلام يوسف إبنه، وكذلك نقرأ عن احلام يوسف رجل مريم العذراء فقد قاده الرب بالأحلام أربع مرات. (مت20:1، مت13:2).

وفي سفر أعمال الرسل نقرأ  أنه بعد أن منع الروح القدس بولس من الذهاب إلى بثينية “وَظَهَرَتْ لِبُولُسَ رُؤْيَا فِي اللَّيْلِ: رَجُلٌ مَكِدُونِيٌّ قَائِمٌ يَطْلُبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: «اعْبُرْ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ وَأَعِنَّا!».فَلَمَّا رَأَى الرُّؤْيَا لِلْوَقْتِ طَلَبْنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ، مُتَحَقِّقِينَ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَعَانَا لِنُبَشِّرَهُمْ” (أع 16: 9).

وهكذا قاد الرب خادمه عن طريق رؤيا واضحة، وكذلك إذ أراد السيد أن يقنع بطرس بالذهاب مع رجال كرنيليوس أراه رؤيا سجلها لنا سفر الأعمال في هذه الكلمات “ثُمَّ فِي الْغَدِ فِيمَا هُمْ يُسَافِرُونَ وَيَقْتَرِبُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ، صَعِدَ بُطْرُسُ عَلَى السَّطْحِ لِيُصَلِّيَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَجَاعَ كَثِيرًا وَاشْتَهَى أَنْ يَأْكُلَ. وَبَيْنَمَا هُمْ يُهَيِّئُونَ لَهُ، وَقَعَتْ عَلَيْهِ غَيْبَةٌ، فَرَأَى السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِنَاءً نَازِلًا عَلَيْهِ مِثْلَ مُلاَءَةٍ عَظِيمَةٍ مَرْبُوطَةٍ بِأَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ وَمُدَلاَةٍ عَلَى الأَرْضِ. وَكَانَ فِيهَا كُلُّ دَوَابِّ الأَرْضِ وَالْوُحُوشِ وَالزَّحَّافَاتِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ. وَصَارَ إِلَيْهِ صَوْتٌ: «قُمْ يَا بُطْرُسُ، اذْبَحْ وَكُلْ». فَقَالَ بُطْرُسُ: «كَلاَّ يَا رَبُّ! لأَنِّي لَمْ آكُلْ قَطُّ شَيْئًا دَنِسًا أَوْ نَجِسًا».فَصَارَ إِلَيْهِ أَيْضًا صَوْتٌ ثَانِيَةً: «مَا طَهَّرَهُ اللهُ لاَ تُدَنِّسْهُ أَنْتَ!»وَكَانَ هذَا عَلَى ثَلاَثِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ الإِنَاءُ أَيْضًا إِلَى السَّمَاءِ” (أع9:10-16). وبواسطة هذه الرؤيا، ذهب بطرس إلى بيت كرنيليوس وكان سبب بركة في بيت ذلك القائد المشتاق إلى معرفة النور.

على أنه يجدر بنا ونحن نتحدث عن الرؤى الإلهية أن نحترس من الرؤى الزائفة فقد قيل في سفر إشعياء “الْكَاهِنُ وَالنَّبِيُّ … ضَلاَّ فِي الرُّؤْيَا” (إش 28: 7).

وقيل أيضًا في سفر إرمياء “بِالْكَذِبِ يَتَنَبَّأُ الأَنْبِيَاءُ بِاسْمِي … بِرُؤْيَا كَاذِبَةٍ” (إر 14: 14).فإذا كانت بعض الرؤى صادقة فالكثير من الرؤى كاذب زائف، ومحك صدق الرؤيا هو إتفاقها مع كلمة الله، ومع قيادة روحه، فإذا كانت صادقة فهي إذن من الرؤى التي قال عنها حبقوق النبي”لأَنَّ الرُّؤْيَا بَعْدُ إِلَى الْمِيعَادِ، وَفِي النِّهَايَةِ تَتَكَلَّمُ وَلاَ تَكْذِبُ. إِنْ تَوَانَتْ فَانْتَظِرْهَا لأَنَّهَا سَتَأْتِي إِتْيَانًا وَلاَ تَتَأَخَّرُ” (حب 2: 3).

إن لم تتفق الرؤى مع كلمة الله وقيادة روحه فهي أضغاث أحلام، منبعثة من العقل الباطن، أو من تعب الأعصاب وكثرة التفكير.

ومع كل ما ذكرنا من وسائط للقيادة الإلهية، نقول أن الله قد يقود أولاده بواسطة الملائكة كما قاد كرنيليوس قائد المئة “لاَ تَنْسَوْا إِضَافَةَ الْغُرَبَاءِ، لأَنْ بِهَا أَضَافَ أُنَاسٌ مَلاَئِكَةً وَهُمْ لاَ يَدْرُونَ” (عب 13: 2).

نتائج طاعة قيادة الله

ماهي نتائج طاعة قيادة الله؟ لنتقدم إلى مقادس الوحي لنراها معًا:

1- النتيجة الأولى هي الألم لمجد الله:

يعتقد الكثيرون أنهم إذا أطاعوا صوت الله، امتلأ طريقهم بالورود وانتفت من حياتهم الآلام؛ وهذا خطأ جسيم فقد يقودنا الرب في إعلان واضح ومع ذلك نتألم آلامًا مبرحة لأجل مجده، ونرى هذا جليًا في حياة بولس الرسول، فقد كانت الرؤيا التي جاءت لبولس وهو في تراوس واضحة صريحة، وقد تحقق هو وزملاؤه أن الرب يدعوهم للذهاب إلى مكدونية.

 ولكن ما كاد بولس يصل إلى فيلبي التي هي أول مدينة من مقاطعة مكدونية حتى قابلته جارية بها روح عرافة، فأخرج بولس الروح العراف منها، الأمر الذي دفع مواليها أن يجروه مع زميله سيلا إلى الحكام، وهناك قام الجمع معًا عليهما ومزق الولاة ثيابهما وأمروا أن يضربا بالعصى “فَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا ضَرَبَاتٍ كَثِيرَةً وَأَلْقُوهُمَا فِي السِّجْنِ، وَأَوْصَوْا حَافِظَ السِّجْنِ أَنْ يَحْرُسَهُمَا بِضَبْطٍ. وَهُوَ إِذْ أَخَذَ وَصِيَّةً مِثْلَ هذِهِ، أَلْقَاهُمَا فِي السِّجْنِ الدَّاخِلِيِّ، وَضَبَطَ أَرْجُلَهُمَا فِي الْمِقْطَرَةِ” (أع23:6، 24). وأتخيل حديثًا جرى بين بولس وسيلا في السجن على النحو التالي:

سيلا: هل أنت واثق من إنك رأيت رؤيا يا بولس؟

بولس: بكل يقين

سيلا: إذن لماذا هذا الألم وهذا العذاب؟

بولس: لأنه وهب لنا لأجل المسيح لا أن نؤمن به فقط بل أيضًا أن نتألم لأجله.

سيلا: إذًا هلم بنا نصلي ونرنم ونجعل من هذا السجن سماء صغيرة.

وهذا هو الشيء الحساس في هذه القصة، فعندما نسير في إرادة الله، ونتألم لأجل مجده، ويتعذب الجسد الخارجي، فإن سلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبنا وأفكارنا في المسيح، ولذا فنحن نقرأ عن بولس وسيلا أنهما “وَنَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ كَانَ بُولُسُ وَسِيلاَ يُصَلِّيَانِ وَيُسَبِّحَانِ اللهَ، وَالْمَسْجُونُونَ يَسْمَعُونَهُمَا” (أع 16: 25). وهذا عكس ما يحدث عندما ننفذ إرادتنا، ونسير في عناد قلوبنا، فإننا نحزن ونكتئب ولا نجد رجاء أو عزاء، كما إختار لوط لنفسه فخسر خسارة كبرى.

2- النتيجة الثانية هي خلاص النفوس:

في وسط الإنتعاش العظيم الذي حدث في السامرة، قال ملاك الرب لفيلبس أذهب في الطريق إلى غزة التي هي برية، وأطاع فيلبس، وهناك كلمه الروح القدس أن يرافق مركبة الوزير الحبشي، فتقدم الخادم الخاضع وكلم الوزير! وماذا كانت نتيجة الطاعة؟ خلص وزير كنداكة ملكة الحبشة، وإعتمد بالماء، ومضى في طريقه فرحًا.وفي فيلبي بعد أن أطاع بولس وسيلا الرؤيا التي ظهرت لبولس تجددت ليديا وبدأت إجتماعًا في بيتها، وبعد آلام السجن التي إجتاز فيها بولس وسيلا خلص الرب بواسطتهما حافظ السجن وجميع بيته، وتأسست هناك كنيسة مباركة كانت من أسخى الكنائس في عصرها.

وكذلك كانت طاعة بطرس في الذهاب لبيت كرنيليوس سببًا في بركة ذلك البيت وامتلأ عدة أشخاص من الروح القدس. فعندما نطيع الصوت الإلهي الذي يدفعنا لزيارة شخص مريض، أو للتحدث برسالة الإنجيل لإنسان معين، أو لإرسال رسالة خاصة لنفس حزينة، لا بد من أن نرى الثمار المباركة بخلاص النفوس التي يقودنا الرب إليها.

3- النتيجة الثالثة هي العيشة في رعاية القدير:

لا يوجد إنسان أطاع صوت الله، وتخلت عنه العناية الإلهية أبدًا، فها هو إيليا النبي وهو يعيش في أيام الجوع والجفاف، يناديه الرب قائلاً “انْطَلِقْ مِنْ هُنَا وَاتَّجِهْ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَاخْتَبِئْ عِنْدَ نَهْرِ كَرِيثَ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الأُرْدُنِّ، فَتَشْرَبَ مِنَ النَّهْرِ. وَقَدْ أَمَرْتُ الْغِرْبَانَ أَنْ تَعُولَكَ هُنَاكَ(1 مل 17: 3، 4).

فلما أطاع النبي صوت إلهه وذهب إلى “هناك” كانت الغربان تأتي إليه بخبز ولحم صباحًا وبخبز مساء وكان يشرب من النهر، ثم جاء الوقت الذي جف فيه النهر الأرضي، والموارد الإنسانية تجف وتنضب، وعندئذ قال الرب لإيليا أن يذهب إلى صرفة التي لصيدون، لأنه هناك أمر امرأة أرملة أن تعوله، فلما ذهب إلى هناك وجد الإعالة الكاملة، فلم يفرغ كوار الدقيق، ولم ينقص كوز الزيت في بيت المرأة التي أضافت رجل الله الأمين المطيع … وعناية الله ورعايته وتدبيره تحيط بكل ابن من أبنائه، وبكل بنت من بناته، ما دام ذلك الابن وتلك الإبنة في مركز قيادته ومشيئته.

فيا نفسي إخضعي لقيادة الله.

وإرفعي إليه هذه الصلاة

لكني دائمًا معك. أمسكت بيدي اليمنى

برأيك تهديني وبعد إلى مجدك تأخذني.

الفصل السادس

الزواج والإختبار

نشرت مجلة (كورنت) القصة التالية «قضى أحد الفنانين بضع سنوات يسجل بريشته الجمال حيث كان، ولكنه لم يقنع بما رسمه من لوحات. فراح يبحث عن أجمل شيء في الوجود ليرسمه. وأثناء بحثه قابل رجلاً من رجال الدين فحدثه عن فكرته وسأله عن رأيه: فقال رجل الدين «إن أجمل ما في الوجود يا ولدي هو الإيمان، فإنك تجد ما يغنيك في الله المُحب الحنان». وواصل الفنان بحثه، فصادف زوجين حديثي العهد بالزواج، فوجه إليهما نفس السؤال، فأجابا: إن أجمل ما في الوجود هو الحب، فالحب يحيل الفقر ثروة، والظلمة نورًا، والدموع فرحًا، فلا جمال في الحياة بغير الحب».

وسار الفنان في طريقه يواصل البحث فرأى جنديًا متعبًا، عائدًا من القتال، فوجه إليه سؤاله، فأجاب الجندي: «إن أجمل شيء في الوجود يا سيدي الفنان هو السلام، وحيث يوجد السلام لا شك أنك ستجد الجمال في أروع صوره وأعلى درجاته».

ومضى الفنان في طريقه وهو يهمس لنفسه «الإيمان … والحب والسلام، تُرى كيف أصورها؟» وعاد إلى بيته وهو مكدود الذهن من التفكير، ولكنه ما أن دخل البيت حتى وجد بغيته، ففي عيون أطفاله رأى الإيمان مُجسمًا، وفي إبتسامة زوجته وجد الحب ناطقًا وفي أرجاء بيته الهاديء رأى السلام المُقيم … فرسم الفنان العظيم صورة (أجمل شيء في الوجود) وعندما فرغ منها سماها (البيت السعيد).

وليس شك في أن البيت السعيد هو (أجمل شيء في الوجود)، هو أمل كل شاب يبحث عن زوجة، وأمل كل فتاة تتطلع إلى فتى أحلامها.

ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن البيت السعيد أن نتحدث أولاً عن:

كيف تختار زوجتك؟

إن زيجات كثيرة قد تحطمت على صخرة الإختيار الخاطيء والشاب العاقل هو  الذي لا يقدم على الزواج إلا بعد تأمل وإنتظار وتفكير.

حدثنا أحدهم عن شاب أراد الزواج، فأرشده صديق له إلى رجل كان له سبع بنات جميلات، كن يملأنا البيت روعة وجلالاً، وكان اسم الفتاة الأولى (الجمال)، واسم الثانية (الأنوثة) واسم الثالثة (الخفة) واسم الرابعة (الحنان) واسم الخامسة (الوفاء) واسم السادسة (الصحة) واسم السابعة (العقل)، لكن الشاب مضى وراء عينيه، فلم يختر الوفاء، ولم يختر العقل، ولم يختر الحنان، وإنما إختار (الجمال) فلما أخذ عروسه وذهب بها إلى بيته وهو يظن أنه أسعد من في الوجود، إذا به يرى ذلك الجمال وقد ذبل وإنهار وتحول إلى تمثال من الملح البارد الجامد الخالي من كل عاطفة أو إحساس.

منذ وقت ليس ببعيد أبدى مستر جورج إيفالدي، وهو أحد رجال الصناعة في فيلادلفيا إستعداده للتنازل عن كل ثروته للمرأة المثالية على شرط أن توجد هذه المرأة.

لكن ما هي شروط المرأة المثالية؟ هل هي التي تقوى فيها عاطفة الأمومة؟ أم هي المرأة الوفية؟ أم هي المرأة الصبورة المحتملة؟ في إعتقادي أن المرأة المثالية هي المرأة التي تسعد الرجل الذي تتزوجه، وتنشر الهناء في المحيط الذي تعيش فيه، وتحمل معها الحنان ، والحب، والعطف، أينما ذهبت، وتجعل العطاء قاعدة حياتها إنها المرأة التي تُشعر زوجها بالحياة في شبابه، وتكون صديقته إذا انتصف به العمر، وممرضة له إذا وهن العظم.

فهل يمكن أن يجد الشاب هذه الزوجة؟ هناك بعض إرشادات تقي كل مُقدم على الزواج من الإختيار الخاطيء نذكرها فيما يلي:

1- لا تتزوج بفتاة غير متجددة بحجة أنها قد تتجدد مستقبلاً:

إن أمر الرب “لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ” (2 كو 6: 14). وكل تعد لهذا القانون يجر على صاحبه الشقاء.

ذهب أحد الشبان إلى راعي كنيسته يسأله رأيه في أمر زواجه قال: «ما رأيك في الأنسة أفلين؟ إنها شابة جميلة، ومثقفة ومن عائلة عريقة، فهل توافق على أن أطلبها من أبيها؟» سأله الراعي: «هل هي مولودة من الله يا إبني؟» أجاب: «كلا! إنها مؤدبة ومتدينة ولطيفة جدًا» وهنا ارتسمت علامات الجد على وجه الراعي الوقور ثم قال: «أنت يا إبني ابن الله، فأنت تسير على شاطيء نهر الحياة الأبدية، وهي ليست إبنة لله، فهي تسير على حافة الجحيم، فكيف يكون بينكما توافق وإنسجام؟ قد تسعدا في الشهور الأولى يا ولدي، لكن سعادتكما ستكون في عمر الزهر، ثم تتسع شقة الخلاف بينكما، وتنقلب سعادتكما إلى أشجان، ولن يكون هناك علاج بعد فوات الأوان … وأذكر يا ولدي أن “كُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَثْبُتُ” (مت 12: 25).

فحاذر أيها الشاب عندما تختار فتاتك، أن تختار فتاة غير متجددة أن معنى هذا أنك تعيش في شقاء مقيم. وما نقوله للشاب نقوله للفتاة «خير ألف مرة أن تنتظر الفتاة بغير زواج من أن تتزوج شاب ينغص حياتها، ويفسد إيمانها، ويقودها إلى الخطية».

2- تأكد قبل زواجك من التوافق التام بينك وبين الفتاة التي ستتزوجها:

ليس الإيمان هو كل شيء في الزواج، فليس كل شاب مؤمن من يصلح لكل شابة مؤمنة،  فلا بد إذًا من الإنسجام في الأشياء الآتية:

العمر:

والعمر أمر هام في الزواج، فاحذر أن تتزوج فتاة تصغرك بعشرين عامًا، إن طبيعة الحياة تنفر من هذا، فالربيع لا يعيش مع الشتاء، والمال، والأثاثات الجميلة، والقصر الملآن بكل معدات المدنية المريحة لا يمكن أن تعوض ربيع العمر وقوة الشباب لذلك فلا بد من أن يكون السن متقاربًا، لقد كان الترتيب الإلهي أن يكبر آدم حواء في حساب الزمن، وأقصى مدة معقولة للفرق في السن بحسب آراء المفكرين هي سبع سنوات.

الثقافة والعقلية:

لا بد مع توافق العمر، من التناسب في الثقافة العقلية، ولا ضير في أن يكون الزوج أكثر ثقافة من زوجته، فطبيعة الحياة لا تأبى ذلك، لكن الأمر الهام هو توافق العقلية والمزاج، فمن الصعب أن تعيش امرأة مع رجل غبي. أو يعيش رجل مع فتاة بلهاء ولو كانت في جمال (فينوس).

البيئة والعائلة:

يجب أن تعرف البيئة التي نشأت فيها الفتاة التي ستصبح أمًا لأولادك، وشريكة لحياتك. سل اين تعلمت، فبعض الشبان تعجبهم الثقافة الفرنسية، وبعضهم يحبون الثقافة الأمريكية، وآخرون يرغبون الثقافة الشرقية، والبيئة التي تعلمت فيها زوجتك هي التي صنعت منها المرأة التي ستعيش معك.

ومع دراسة البيئة إدرس عائلة الفتاة، إن أخاها هو خال أولادك العتيد، ووالدها هو جدهم، وأختها هي خالتهم، فلا بد إذًا من أن تحسن إختيار الأسرة التي ستأخذ منها فتاتك، ولا بد من التناسب بين عائلتها وعائلتك حتى لا يكون هناك أي مجال للتفاخر والغرور.

وأخلاق الأهل، في معاملتهم، وحسن تصرفهم، وكياستهم في تصريف الأمور، ومحبتهم، وعواطفهم، وقلوبهم المتسعة لها أهميتها. ففكر في هذه الأمور وأنت مُقدم على الزواج.

3- حاذر من زواج البدن، فالزواج القائم على الأساس الجسدي المحض زواج فاشل:

إن الأشياء الروحية لها البقاء بلا شك، لهذا قال لموئيل ملك مسه “اَلْحُسْنُ غِشٌّ وَالْجَمَالُ بَاطِلٌ، أَمَّا الْمَرْأَةُ الْمُتَّقِيَةُ الرَّبَّ فَهِيَ تُمْدَحُ” (أم 31: 30).

كتبت إحدى الفتيات في إعترافاتها هذا الإختبار «أحببت زميلاً لي من زملاء الدراسة من على بعد، راعني جماله، ورشاقة جسمه، وخفة حركاته، وتمنيت من قلبي أن أصير له زوجة، ومرت الأيام وحبه كامن في قلبي، حتى جاء اليوم الذي دعاني فيه إلى نزهة فأحسست بالسعادة تغمرني، سرت معه وأنا أحس بأن الدنيا لا تسعني، لكنه عندما بدأ يتكلم أحسست أن هناك شيئًا ناقصًا في ذلك التمثال الجميل، فقد كان حديثه خاليًا من العاطفة، وكانت أنفاسه تفوح منها رائحة الخمر، وبدا أمامي كأنه قبر من المرمر، وكانت هذه الدعوة هي أول لقاء وأخر لقاء، وقد تعلمت من ذلك اليوم الا أحدق في وادي الخيال أو أتعلق بالأوهام».

فاحترس يا أخي من أن يجذبك الجمال وحده، أدخل إلى الأعماق لترى ما وراء الحسن، فإن العاطفة الحارة، والحنان الدافق في وجه امرأة متوسطة الجمال، أحسن ألف مرة من الجمود والقسوة في قلب امرأة جميلة.

4- اطلب وجه الرب للإرشاد بإخلاص:

يقول سليمان الحكيم “اَلْبَيْتُ وَالثَّرْوَةُ مِيرَاثٌ مِنَ الآبَاءِ، أَمَّا الزَّوْجَةُ الْمُتَعَقِّلَةُ فَمِنْ عِنْدِ الرَّبِّ” (أم 19: 14). ولاحظ أن الزوجة المتعقلة من عند الرب! أما الزوجة الغير متعقلة فليست من عنده بحال من الأحوال!! لذلك يجب أن تصلي كثيرًا قبل الزواج بإخلاص من القلب، وتقول للرب أن يختار لك شريكة الحياة. لما صلى عبد إبراهيم أرشده الله إلى رفقة وكانت خير زوجة لإسحق. والرب ما زال مستعدًا أن يرشد من يطلب وجهه بلا غرض، ففي صلاتك فرغ نفسك من كل الأغراض المادية، وإحذر أن يكون غرضك في الزواج، هو المال، أو وظيفة زوجتك، أو مركز عائلتها، فالزواج التجاري لا يعيش.

كيف تحتفظ بالسعادة الزوجية؟

في العلاقات الزوجية كما في كل العلاقات البشرية، ليست السعادة هبة تُمنح، ولكنها نتيجة مجهود يُبذل، فالزواج فن، وكل فن لا بد له من الوقت والصبر والمثابرة للتجويد والإبداع فيه، وعلى قدر معرفتنا لفن السعادة الزوجية، نضمن الإختفاظ بهذه السعادة داخل بيوتنا.

وسأهمس في هذا الفصل ببضع كلمات في أذن كل من الزوجة والزوج على إنفراد …

اسمعي يا سيدتي!!

هل تريدين أن تحتفظي بحياتك الزوجية في ملء سعادتها؟ كتب كاتب إجتماعي كبير يقول: «تستطيع المرأة أن تحفظ بيتها سعيدًا، إذا أحبت زوجها أكثر مما تحب نفسها، وإذا أحبت عمله أكثر مما تحب أحاديث الجيران، وإذا أراحته فأخفت عنه الأخبار السيئة، وإذا أضاءت له شمعة الأمل في فترة ظلام اليأس، وإذا قدمت له طعامًا نظيفًا في مواعيد منتظمة، فالطعام النظيف الصحي يحفظ الجسم، ويضمن هدوء الأعصاب.

وإذا أعتنت بأناقة بيتها كما تعتني بأناقة ملابسها، وإذا غيرت وبدلت في نظام بيتها حتى لا يشعر بالسأم، وإذا جددت في حديثها، فقرأت كل شيء جديد، وحاولت ان تلخص له الموضوعات التي لم يتسع وقته لقراءتها وإذا لم ينسها حبها لأولادها حبها له، وإذا لم تكذب عليه، وإذا إحترمته أمام الناس، فلا تسخر منه ولا تهزأ بآرائه بل تشعر الناس أنها تزوجت رجلاً مفكرًا، وإذا غضبت منه فلا تخاصمه، فالخصام الطويل يوجد التوتر في البيت، وإذا صالحته فلا تذكره بمعارك الماضي؛ لأن الرجل سريع النسيان، فإذا ذكرته زوجته بالأزمات التي وقعت بينهما أوحت إليه ان زواجهما لا يمكن أن يدوم لكثرة ما فيه من خناقات وأزمات. إذا فعلت المرأة ذلك رفرفت السعادة على بيتها دومًا».

أذكري يا سيدتي أنك أنتِ التي تصنعين زوجك! منذ بضعة شهور وضعت مس بركيتر وزيرة العمل الأمريكية كتابًا عن الرئيس روزفلت، وعلق أحد كبار الكتاب على فصل هام من فصول الكتاب قال: «إستوقف نظري الفصل الذي كتبته مس بركيتر عن إصابة روزفلت وهو في الأربعين من عمره بشلل الأطفال، كيف إستحال هذا الشاب المتحرك إلى جثة مسجونة في الفراش!

رجل يتحول إلى طفل، يجب أن يُحمل من غرفة إلى غرفة، لا يستطيع أن يتناول طعامه بيده، لا يستطيع أن يدخل وحده إلى الحمام، وأحس روزفلت أن حياته تحطمت، وآماله أصبحت رمادًا، وأنه سيعيش باقي حياته مقعدًا كسيحًا يُحمل على نقالة، أو يوضع في كرسي متحرك، شأنه شأن الشحاذين الذين كان يراهم يتجولون في شوارع نيويورك!…

ثم جاءت زوجته وإستطاعت أن تقوم له بوظيفة الساقين واليدين! كانت تذهب إلى المجتمعات وتجيء له بصورة كاملة لما يجري فيها، وكأنه كان هناك! كانت تشهد الإجتماعات الكبرى وتقص على زوجها ما رأته وسمعته، فيراها بعينيها ويسمعها بأذنيها!

ثم لاحظت أن الوحدة تقتله فكانت تجيء له بكبار الشخصيات لتجتمع به وتتحدث إليه، في يوم تأتي له بمؤلف، أو بمحاضر عظيم أو برسام ممتاز، أو بسياسي كبير … ولم يلبث أن شعر روزفلت أنه لم يخرج من الدنيا، وأن صلته بالعالم مستمرة، وراحت هذه المرأة تملأ حياة زوجها مرحًا، ومع المرح جاءت الثقة بالنفس، ومع الثقة بالنفس بدأت محاولة روزفلت أن يتغلب على المرض وأن يحتقره …

 لم تذكر له يومًا أنه مريض وأنه يحتاج إلى الراحة، بل أشعرته أنه قوي ويستطيع وهو مشلول أن يفعل ما لا يفعله الأقوياء وصحبته إلى مشتى وراحت تدربه على السباحة وهو مُقعد! واشترت له سيارة يستطيع أن يقودها بغير أن يستعمل قدمه، وأزالت من نفسه مركب النقص بأنه لا يستطيع أن يظهر في مجتمع وهو يستند إلى عكازين! وذات يوم إقترح عليه أحد أصدقائه أن يُرشح نفسه محافظًا لنيويورك وهو أعظم منصب في أمريكا بعد رئيس الجمهورية وتردد روزفلت فإن هذا الترشيح يستوجب عليه أن يطوف بجميع الشوارع ويحضر جميع المجتمعات، فكيف يفعل ذلك وهو مُقعد كسيح! ولكنها قالت له «تستطيع أن تفعل ذلك».

وذهب إلى الإجتماع الأول! ورفضت الزوجة أن يُحمل زوجها إلى الإجتماع قبل أن يحضر الناخبون حتى لا يرونه وهو يزحف على بطنه إلى منصة الإجتماع! وأصرت أن يحدث هذا في وجود جميع الناخبين! وحملوا روزفلت على نقالة إلى الإجتماع …

وأدخلوه من أحد أبواب الصالة، وبدأوا ينقلونه إلى المسرح، ولهث الناس وهم يرون هذا المنظر المؤثر الحزين! وبدأ روزفيلت يزحف حتى وقف مستندًا إلى ذراع أحد الرجال، ثم إستند إلى المنصة، ثم رتب شعره المنكوش أثناء النقل، ثم إبتسم كأن شيئًا لم يحدث على الإطلاق، عندئذ دوت القاعة بالتصفيق! هذه الإبتسامة كان فيها معنى النصر على المرض والشلل، هذه الإبتسامة جعلت كل من في القاعة يؤمن بأن هذا الرجل الذي يقابل كل هذا الهوان بابتسامة لا بد أنه رجل عظيم!

وشعر كل رجل ضعيف أنه هذا المرشح! بعضهم مشلول بالفقر، وبعضهم مشلول بالمرض، وبعضهم مشلول بالوحدة، وبعضهم مشلول بخيبة أمل في حب أو عمل! هذا المنظر أعطى كل واحد منهم ثقة في نفسه وثقة في هذا الرجل الذي تقدم للإنتخاب!

وفاز روزفلت في إنتخابات محافظ نيويورك، وبعد سنوات فاز في إنتخابات رياسة الجمهورية، وإستطاع هذا الرجل المُقعد أن يحكم أمريكا ستة عشر عامًا، وأن يطوف العالم، وأن يزور ميادين القتال وأن يقود الحرب العالمية الكبرى … وهو مستند إلى عكاز … وكان هذا العكاز هو (زوجته المؤمنة).

 وأنتِ يا سيدتي تستطيعين أن تكوني هذه الزوجة! وهمسة أخرى قبل أن أنهي حديثي معك امدحي زوجك، واخضعي له.

في سنة 1952، نشرت إحدى المجلات الكبرى قصة الدكتور شاخت (العبقرية الطائرة) في عالم المال، واسمع حديث شاخت عن زوجته: «إن زوجتي تقول إنها إذا تحدثت عني فلن يصدقها أحد، إذ أنها لا ترى فيَّ غير المحاسن، إننا متزوجان منذ سنين، وقد أصبحت زوجتي شديدة التعلق بي، بحيث لم تعد ترى في تصرفاتي ما لا يرضي» فليتك تتصرفين هكذا مع زوجك!!

في حياة الملكة فيكتوريا ملكة الإنجليز السابقة قصة لطيفة، فقد تشاجرت في يوم ما مع زوجها ألبرت وكان من عادته عندما يغضب منها أن يدخل حجرته ويغلق بابها من الداخل وينشغل في رسم صور زيتية، وأرادت الملكة أن تتصل بزوجها فذهبت إليه وقرعت الباب، وأجاب هو من الداخل قائلاً «من الطارق؟» قالت: «أنا ملكة إنجلترا وإمبراطورة الهند» فلم يجبها بكلمة، وعادت الملكة تقرع الباب وأجاب ألبرت:  «من الطارق؟» قالت «أنا ملكة إنجلترا» فلم يرد جوابًا، وللمرة الثالثة قرعت الملكة الباب وسأل ألبرت «من الطارق؟» وفي تواضع وخضوع أجابت الملكة «افتح يا ألبرت أنا زوجتك» وفتح الرجل الباب.

بقى أن أهمس في أُذنِك يا سيدتي بهذه العبارة: «ادفعي زوجك للذهاب إلى بيت الله، ادفعيه أن يحب الله، والكتاب المقدس، فإن الرجل الذي يحب الله، يحب بيته وزوجته»

واسمع الآن يا صديقي الزوج العزيز!!

إن في وسعك أن تجعل بيتك فردوسًا أرضيًا، وذلك بأمور بسيطة للغاية!! أولها أن تغدق على زوجتك من حبك، وحنانك، وعطفك … بحق قال رسول الأمم “أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا” (أف 5: 25). فمقياس حب الرجل لإمرأته هو مقياس حب المسيح للكنيسة، وأي رجل في الوجود يحب زوجته بهذا المقياس الرفيع … إن الحب يجعلك ترى محاسن زوجتك.

كتب كاتب فرنسي نصيحة للأزواج قال فيها: «إذا كانت زوجتك جميلة لا تقل لها ذلك فإنها تعرف أنها جميلة، قل لها إنها ماهرة … وإذا لم تكن جميلة، قل لها أنها حسناء في عينيك وعندها ستحمد الله إنها تزوجت من رجل يرى الجمال بروحه لا بعينيه ولذلك ستحبك إلى الأبد».

وكلمة أخرى أهمس بها في أُذنك، حاذر من أن تسمح لأهلك بالتدخل بينك وبين زوجتك، إن معظم الحموات – وليسامحنني في هذا الكلام – لا يرفقن بزوجات أولادهن، والكثيرات منهن عندهن عقدة نقص تدفعهن إلى تنغيص حياة أولادهن عن حسن نية، والرجل العاقل هو الذي لا يسمح لأهله أو لأهل زوجته أن يتدخلوا في علاقاته مع زوجته، أو يرشدوه إلى كيفية معاملتها!

لقد قال السيد له المجد “أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ” (مت 19: 4-6). فلتكن هذه الكلمات عصائب بين عينيك حتى تحفظ لك سعادتك الزوجية.

ودعني أهمس في أُذنك بكلمة هامة: كن سياسيًا في داخل بيتك: لقد كان جلادستون المنافس الأكبر لدزرائيلي رجلاً عنيدًا، ولكنه كان ينقلب إلى حَمل عندما يحتويه البيت، كان إذا نزل البهو لتناول إفطاره واكتشف أن سائر أهل المنزل ما زالوا نيامًا صاغ تأنيبه في أسلوب فكاهي طريف إذ جعل يصيح بأعلى صوته، ويملأ جو البيت بنغمات نشاز مشوشة تُذكر أهل البيت بأن أكثر الرجال إزدحامًا بالعمل في الإمبراطورية ينتظر إفطاره! نعم كان جلادستون في البيت سياسيًا كيسًا لا يقدم على النقد إطلاقًا، ولا يسوق اللوم صريحًا. فاعمل بنصيحتي يا صاحبي ولا تنتقد.

وهناك همسة ضرورية اعمل بها لتسعد في زواجك وهي أن تمنح زوجتك التقدير المُخلص، إنك تريد منها أن تُشبع غرورك، ولا بد أن تُشبع أنت أيضًا كرامتها … كتب أحدهم عن زوجته قال «إنني مدين لزوجتي بالشيء الكثير، فقد عاونتني على شق طريقي في الحياة، وإدخرت كل قرش أمكن إدخاره، وجعلت لي من ذلك ثروة تنفع في الأيام السود، وقد أنجبنا خمسة أطفال فأحسنت تربيتهم، ووسعها أن تهيء لي من البيت جنة فيها النعيم المقيم، فلو أنني بلغت في الحياة شأنً مذكورًا، فالفضل كل الفضل يرجع إليها». فهل تذكر لزوجتك جميل صُنعها. إفعل هذا فتسعد!!

أخيرًا خُذ هذه الباقة من الزهور وجمل بها بيتك، لا تختلق النكد لأتفه الأسباب، ودع شريكة حياتك تنطلق على سجيتها وتحس أنها في بيتها، ولا تنتقد، وإمنح زوجتك التقدير، ولا تهمل أبدًا إعجابك بالفستان الذي تلبسه والطعام الذي صنعته بيديها وكن سياسيًا، وحاذر من أن تُفرق في معاملتك بين أولادك فتمنح الذكور التقدير وتغمط عن الإناث حقهم من العطف. لئلا توجد عُقد نقص في حياة بناتك، وتوَلد الحسد والغيرة في قلوبهم وتدفعهن إلى البحث عن الحب خارج البيت، أو إلى الحزن والإنطواء. واقرأ كتابًا مُحترمًا في الناحية الجنسية، وادرس في روح الصلاة الإصحاح السابع من رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس …

 ثم اسمع في الختام هذه الكلمة:

اجعل الرب يسوع ملك بيتك:

فوجود المسيح في البيت يمنع كل شر، ويطرد منه الصور الخليعة، والروايات الماجنة، وزجاجات الخمر، وأوراق اللعب، وعلب السجائر، ويُسكت أصوات الأغاني لتحل محلها الترانيم، ويجعل من بيتك سماء صغيرة على الأرض.

يسجل لنا يوحنا في بشارته صورة للتلاميذ في السفينة في ظلام الليل البهيم، والبحر في هياج من ريح عظيمة تهب، والتلاميذ يحاولون أن يحتفظوا بالسفينة في أمان ولا يقدرون. هذه صورة كل بيت خال من المسيح، فهو عُرضة لرياح المشاجرات، وزوابع المُخاصمات، وقارص الكلمات، بل هو مسرح لأقسى العذابات وكل محاولة لإسعاد بيت كهذا تضيع مع الريح …

لكن يوحنا يختتم قصته بمجيء الرب يسوع، فلما جاء “فَرَضُوا أَنْ يَقْبَلُوهُ فِي السَّفِينَةِ. وَلِلْوَقْتِ صَارَتِ السَّفِينَةُ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي كَانُوا ذَاهِبِينَ إِلَيْهَا” (يو 6: 21).

أجل عندما ترضى بقبول الرب في بيتك، يدخل بدخوله السلام المُقيم، وعندئذ تستطيع أن ترى أن:

وجه يسوع هو نور البيت

وحضور يسوع هو فرح البيت

واسم يسوع هو إنشودة البيت

وعمل يسوع هو موضوع مشغولية البيت

وخدمة يسوع هي شغل البيت

ويسوع نفسه هو رب البيت

وهذا هو السر الأعظم للسعادة الزوجية.

الفصل السابع

الألم في إختبار الفرد

لماذا يسمح الله بآلام اولاده؟ ولماذا يرضى بآلام الأبرياء؟ لا شك في أن الألم هو القاسم المشترك الأعظم في هذا الوجود، وهو الميراث القديم الذي لا بد أن يرثه كل فرد، ومع أن طبيعة البشر تنفُر من الألم، وتهرب من العذاب إلا أن الألم هو (الطبيب الأعظم) للإنسانية في هذه الأرض.

يقينًا أن الحيرة تأخذنا عندما نفكر في كثير من الآلام التي تصادف المؤمنين القديسين، فنقف أمامها في تأمل عميق، فلماذا يرضى السيد له المجد أن يموت بطرس الرسول منكس الرأس على الصليب، ويقول له “لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ، وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ.قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُمَجِّدَ اللهَ بِهَا” (يو 21: 18، 19). بل لماذا يسمح الرب أن يُقتل بولس رسول الأمم والجهاد في روما بسيف نيرون؟ وأن تنتهي حياة يعقوب الرسول بسيف هيرودس الماجن؟!

قالت لي سيدة رقيقة القلب، ما زالت في سن الشباب مات زوجها في حادث أليم، قالت لي والدموع تملأ عينيها: لماذا سمح الله بأن يموت رجلي وهو ما زال في ربيع العمر؟! والسؤال لماذا يسمح الله؟ هو السؤال الخالد على جميع الشفاة! هو سؤال من فقد ماله، أو زوجة، أو عياله، أو صحته، أو مركزه، هو سؤال الفاشل في الحياة، والفاشل في الإمتحانات والدراسات!!

ولا جدال في أن الكتاب المقدس يريق كثيرًا من النور على آلام البشر، ويعلن لنا لماذا يسمح الله بهذه الآلام؟

1- إن الله يسمح بآلامنا حتى نعود إليه ونرتاح بين يديه:

لنسمع كلمة الرب في سفر هوشع وهو يتحدث إلى اسرائيل المرتد “لأَنَّ أُمَّهُمْ قَدْ زَنَتِ. الَّتِي حَبِلَتْ بِهِمْ صَنَعَتْ خِزْيًا. لأَنَّهَا قَالَتْ: أَذْهَبُ وَرَاءَ مُحِبِّيَّ الَّذِينَ يُعْطُونَ خُبْزِي وَمَائِي، صُوفِي وَكَتَّانِي، زَيْتِي وَأَشْرِبَتِي. لِذلِكَ هأَنَذَا أُسَيِّجُ طَرِيقَكِ بِالشَّوْكِ، وَأَبْنِي حَائِطَهَا حَتَّى لاَ تَجِدَ مَسَالِكَهَا. فَتَتْبَعُ مُحِبِّيهَا وَلاَ تُدْرِكُهُمْ، وَتُفَتِّشُ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَجِدُهُمْ. فَتَقُولُ: أَذْهَبُ وَأَرْجعُ إِلَى رَجُلِي الأَوَّلِ، لأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَانَ خَيْرٌ لِي مِنَ الآنَ” (هو 2: 5).

أجل، لقد وضع الله الأشواك في طريق أولاده، حتى يعودوا إليه، بل أنه أكثر من ذلك بنى حائط هذا الطريق حتى لا يجدوا المسالك التي تبعدهم عنه، وهذا ما نقرأه عن الملك منسى، الذي عندما أغراه سلطان الملك، دنس هيكل الله بالأصنام، وعندئذ إستخدم الله الألم لإرجاعه فأرسل إليه جنود ملك أشور “فَأَخَذُوا مَنَسَّى بِخِزَامَةٍ وَقَيَّدُوهُ بِسَلاَسِلِ نُحَاسٍ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى بَابِلَ” (2 أخ 33: 11). فما اجمل أن نشكر الله في آلامنا أضعاف ما نشكره في مسراتنا، لأن الآلام هي طريق عودتنا إليه كما نقرأ عن يهوذا وبنيامين أنهم “وَلكِنْ لَمَّا رَجَعُوا عِنْدَمَا تَضَايَقُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ وَطَلَبُوهُ وُجِدَ لَهُمْ” (2 أخ 15: 4).

2- إن الله يسمح بآلامنا حتى تلمع حياتنا وتخلو من الزغل:

أتدري ما هو أصل الماس؟ ذلك الحجر الكريم اللامع الخلاب الذي يجذب الأبصار بلمعانه؟! إن هذا الحجر هو كربون نقي، أي فحم متبلور بلورات مختلفة، كلها مشتقة من الشكل المكعب … إن الماس هو ذات الفحم الذي يستعمل وقودًا في المنازل والمصانع، غير أن هذا الفحم قد إنصهر في باطن الأرض في درجة حرارة عالية جداً، فتبلور وصار نقيًا … صار ألماسًا.

ومرات يصهر الرب حياتنا ليخرج منها الزغل. ويجعل منا آنية للكرامة نافعة لخدمته “لأَنَّهُ مِثْلُ نَارِ الْمُمَحِّصِ، وَمِثْلُ أَشْنَانِ الْقَصَّارِفَيَجْلِسُ مُمَحِّصًا وَمُنَقِّيًا لِلْفِضَّةِ. فَيُنَقِّي بَنِي لاَوِي وَيُصَفِّيهِمْ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِيَكُونُوا مُقَرَّبِينَ لِلرَّبِّ، تَقْدِمَةً بِالْبِرِّ” (ملا 3: 2، 3).

ومن ذا الذي أظهر لمعان حياة الفتية الثلاثة ومحبتهم للرب سوى أتون النار المتقدة سبعة أضعاف؟! ومن ذا الذي أعلن لمعان حياة بولس سوى الشوكة التي أعطاه إياها الله؟

هل تعرف كيف تصنع القوقعة اللآليء؟ تدخل حبة رمل إلى داخل الصدفة التي تحتويها وتؤلم جسم القوقعة الحساس، فبدلاً من أن تبكي القوقعة متذمرة من شدة آلامها، تبدأ في إفراز مادة من جسدها في مكان الألم، وتتبلور هذه المادة قليلاً قليلاً إلى أن تصير لؤلؤة …

حدثنا دكتور ستانلي جونس في كتابه (المسيح والآلام البشرية) عن رجل شغل منصبًا من أرقى المناصب في الهند، سؤِل مرة عن الجامعة التي تخرج منها فقال (جامعة الألم) فقد حالت ظروفه دون الإستمرار في العلم، لكن الله أدخله مدرسة الألم وعلمه أفضل الدروس! وما زال الرب يعمل هذا مع كثيرين وكثيرات من اولاده وبناته.

3- إن الله يسمح بآلامنا حتى يظهر إيماننا للعالم المحيط بنا:

يكتب بولس الرسول إلى الفليبينيين قائلاً “لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ” (في 1: 29). ولقد كانت آلام الشهداء بغير شك سببًا في بناء الكنيسة على هذه الأرض، لأنها أعلنت إيمان هؤلاء الأبطال أمام المضطهدين الأشرار.

يحدثنا مستر فوكس في كتابه (الشهداء) عن سيدة شابة إسمها (بربتيوا Perpetua) في السادسة والعشرين من عمرها، آمنت بالرب يسوع المسيح، فحكمت عليها السلطات الوثنية بأن تطرح للحيوانات المفترسة جزاء إيمانها، ويصورها الكاتب الجليل، وطفلها الصغير الجميل على صدرها، ووالدها الشيخ الوقور يتوسل إليها أن تنكر إيمانها لأجل خاطر طفلها، وأبيها، وتقدم القرابين لآلهة الرومان.  لكن بربيتوا بدلاً من أن تتخلى عن فاديها تخلت عن إبنها وأبيها ووقفت تنتظر اللحظة التي تدخل فيها إلى ساحة الموت!!

لكن لماذا رضى الله لهذه الفتاة، ولعشرات الشهداء معها أن يموتوا بين براثن الأسود؟! إن السر في هذا كله بحسب إعتقادي هو أن الله أراد أن يقول للناس أنه يوجد أشخاص عاشوا مثلهم على الأرض أحبوه أكثر من أولادهم، ومن أنفسهم، وماتوا باسمين لكي يحيوا معه في المجد الأسنى.

وهكذا يقود الله الكثيرين بواسطة الإيمان الظافر المنتصر إلى صليب محبته وإختبار خلاصه.

فالنصرة على الألم، هي إنتصار لله في قديسيه، وهل يمكن أن نرى منظرًا كمنظر إستفانوس الشهيد الأول في الكنيسة المسيحية، والعيون الغاضبة تنظر إليه، وأسنان سامعيه تصر من فرط حنقهم عليه، وهو يشخص إلى السماء، وهو ممتليء من الروح القدس، فيرى مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين الله، ولا نمتليء دهشة؟ّ! بل هل يمكن أن نتأمل هذا الشاب الظافر والأشرار يرجمونه، والحجارة تمزق جسده وهو يدعو ويقول “يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ” (أع 7: 60). ولا تمتليء أفواهنا هتافًا لمجد الله.

يقينًا أن الآلام تظهر إيمان المؤمنين أكثر من آلاف المواعظ ومئات الترانيم!!

منذ وقت ليس ببعيد ذكرت إحدى الصحف الكبرى قصة امرأة اسمها (دورتيا كوبلنج) قال لها الأطباء إنها لن تعيش طويلاً وكانت تتألم من مرض عسير الشفاء، لكن المرأة بدلاً من أن تستسلم للدموع أو تقضي بقية حياتها في الأحزان نظرت إلى الله ووضعت كتابًا هامًا أسمته (فن الحياة)، وسجلت في هذا الكتاب خلاصة إختباراتها في معاملة الناس، ونظرتها إليهم وهي على شاطيء الأبدية!! وبهذه الكيفية انتصر الله في هذه المرأة العظيمة التي حولت آلامها بنعمته إلى بركات.

وذكرت صحيفة أخرى منذ وقت قصير قصة تلك النبيلة الإنجليزية الكونتس أوف وارنلي، فقد فقدت هذه السيدة نور عينها اليمنى منذ ولادتها، وعرضها والدها على مئات من أطباء العيون، فأجمعوا على أن نور العين اليمنى لن يعود، ثم تزوجت الكونتس ومرضت إبنتها الصغيرة بالشلل، وأجمع الأطباء على أنه لا أمل في شفائها، وفي غمرة آلام هذه الأم المسكينة راحت تتطلع إلى السماء وتقول: يا رب، لقد أخذت عيني، فلا تأخذ قلبي. فإن إبنتي هي قلبي! يا رب أنا مؤمنة بك واثقة بمحبتك برغم كل ما أصابني، فلا تهز إيماني … واستمرت تدعو الله حوالي العام! وفجأة قال لها الأطباء: لقد حدثت معجزة، إن إبنتك ستشفى!

وما كادت الأم تسمع كلام الطبيب حتى فتحت النافذة وتطلعت إلى السماء لتشكر الله … ولما أغلقت النافذة: أحست بشيء غريب! أحست كأن الغشاوة التي على عينها اليمنى ترتفع ببطء … وبدأت تميز هذه الأجسام ثم عاد لها البصر كاملاً …وقال الناس: معجزة ومجدوا الله.

لقد وضعت هذه المرأة إيمانها في القدير ولم يمنعها الألم من الثقة في محبته فحول الله آلامها إلى مسرات، وأعلن لمعان إيمانها للناس.

4- إن الله يسمح بآلامنا ليدربنا على فضيلة الصبر ويعدنا لمركز أسمى في هذه الحياة:

هذا هو ما يقرره يعقوب الرسول في كلماته “اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ” (يع2:1-4).

وفي الواقع أننا نحتاج إلى الصبر في عصر الكهرباء والذرة الذي نعيش فيه كما يقول كاتب العبرانيون “لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ” (عب 10: 36). وأين نتعلم الصبر إلا في مدرسة الألم؟! عندما يوقف الله عجلة حياتنا بمرض مفاحيء؟ أو يوقف إتساع آمالنا البشرية بفشل غير منتظر، في التجارة، أو الزراعة، أو الإمتحان، أو الحياة العائلية.

لقد كان يوسف شابًا مدللاً في بيت أبيه، فاحتاج أن يتدرب على الصبر في مدرسة الألم فوضعه الله في بيت السجن ليصنع منه شخصية عظيمة من شخصيات التاريخ.

وكان أيوب رجلاً تقيًا، لكنه إحتاج أن يتعلم الصبر فتعلمه في غمرة أحزانه حتى صار مثالاً للصابرين قال عنه يعقوب “قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ” (يع 5: 11).

ويحدثنا التاريخ عن سيدة أمريكية إسمها (فرنسيز ماتيلدا) تزوجت من رجل عبقري هو الكاتب (روبرت لويس ستيفنسون) ذلك الرجل الذي ألف أجمل الكتب، وكان الرجل يوم تزوجته فرنسين مصابًا بالتدرن الرئوي ذلك المرض المخيف الذي يأكل جسم الإنسان لكن المرأة العظيمة لم تعتبر نفسها يوم تزوجت هذا الرجل المريض فريسة، أخطأت الإختيار ولم تتذمر؛ ولم تتراجع، بل أخلصت لزوجها كزوجة وفيّه أمينة.

 ورعت ذلك الرجل وسهرت على صحته، وشرعت تطوف به البحار وتصعد به الجبال، إلى أن شُفيَّ من مرضه وكتب للعالم كتبه الباقية الأثر، اسمع كلمات الرجل الذي سجل فضل زوجته العظيمة عليه في آخر كتبه، إنه يهدي إليها الكتاب بهذه العبارات «خذي لك هذه الكتابة فإنها من حقك، إذ من غيرك الذي صقل السيف، ونفخ في الفحم الهامد، ورفع الدرع، وزهد في الثناء، وسخا بالرأي والنصيحة … من سواك».

فيا أخي هل أنت فريسة لآلامك، أم أنت بطل منتصر ظافر بقوة، ويا أختي هل حياتك مجرد مأساة مريرة، أم أنت قد حولت دموعك إلى خدمات؟! ليقل كل متألم حزين “أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي” (في 4: 13).

ولنذكر دائمًا في تجاربنا هذه الكلمات المشجعة التي قالها رب المجد لبطرس “لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ” (يو 13: 7).

5- إن الله يسمح بآلامنا ليزيد في أمجادنا:

هذه كلمات بولس الرسول “لِذلِكَ لاَ نَفْشَلُ، بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا. لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا” (2 كو 4: 16، 17).“فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا” (رو 8: 18).

فعلى قدر آلامنا في هذه الأرض تزداد أمجادنا في السماء “إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ” (رو 8: 17). والكثيرون منا عندما يرفع ستار المنظور ويروا غير المنظور، سيتمنون لو أن آلامهم تضاعفت وهم في الجسد؛ لكي تتضاعف مسراتهم في المجد.

فيا نفسي اصبري في عالم الدموع

وسيري وسيري معتمدة على ذراعي المسيح يسوع

فبعد قليل جدًا سينتهي كل إختبار مرير

عندما يأتي مخلصك القدير

وفي هذا الرجاء الوطيد

سر الإختبار المجيد

 

فهرس الكتاب

تقديم الكتاب

الله في إختبار الفرد

الخطية في إختبار الفرد

إختبار خلاص الله

إختبار خلاص الله

إختبار قوة الصلاة

إختبار قيادة الله

الزواج والإختبار

الألم في إختبار الفرد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Exit mobile version