Site icon Dr. Labib Mikhail

هل المسيح هو الله؟

 

Is the Messiah God?

دراسة تحليلية لأخطر قضية من قضايا المسيحية

 

 

بقلم
الدكتور القس لبيب ميخائيل
دكتوراه في الدراسات اللاهوتية من أمريكا

 

 

الطبعة الرابعة
يونيو 1984

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

 

كلمة الناشر عن الكاتب والكتاب

أخترنا أن نُصدر هذه الطبعة الثانية من كتاب «هل المسيح هو الله؟!» تلبية لطلب الكثيرين، وإيمانًا منا بقيمة هذا الكتاب وأهميته، والجهد الضخم الذي بذله المؤلف في كتابته، وحاجة الجيل الجديد من المسيحيين إليه.

وكتاب «هل المسيح هو الله؟!»، يتميز بأنه دراسة تحليلية لأخطر قضية من قضايا المسيحية «قضية لاهوت المسيح»، وفيه يخاطب المؤلف القلب والعقل معًا، ويقدم إجابة واضحة مدعمة بمواقع الآيات في الكتاب المقدس عن السؤال الخالد الذي ستردده الأجيال جيلاً بعد جيل «هل المسيح هو الله؟!».

ومؤلف هذا الكتاب «القس لبيب ميخائيل» رئيس المجمع المعمداني الكتابي العام بجمهورية مصر العربية، هو كاتب ألمعي وخطيب قدير، حباه الله موهبة الكتابة وموهبة الخطابة، وقد درس اللاهوت والصحافة، ومؤلفاته التي بلغت الأربعين تتجه دائمًا إلى ناحية بحث القضايا الهامة والعويصة في المسيحية وفي الحياة.

ومن اشهر مؤلفاته التي لاقت رواجًا كبيرًا كتاب «مشكلة الألم» وقد طبع هذا الكتاب مرتين، واستقبلته الصحف اليومية المصرية وعلى رأسها صحيفة «الأهرام» عند ظهور طبعته الأولى سنة 1949 استقبالاً حارًا وكتبت عنه الكثير.

وإلى جوار «مشكلة الألم» كتب المؤلف كتبه العديدة التي سدت فراغًا كبيرًا في المكتبة المسيحية، منها: «قضية الصليب»، و«صوت الاختبار»، و«المجيء الثاني للمسيح والأحداث العالمية القادمة»، و«المسيحية والسعادة النفسية»، و«الكتاب المقدس والإنسان المعاصر» و«يقين الخلاص» و«طريقك إلى السلام» وغيرها من الكتابات والمؤلفات.

وقد اشتغل «القس لبيب ميخائيل» أستاذًا لعلم الوعظ، وعلم الرعاية، وتاريخ الكنيسة، بمعهد اللاهوت الخاص بالقاهرة لمدة ثلاث سنوات.

وقام بالوعظ في إجتماعات كثيرة في أنحاء جمهورية مصر أستمع إليه فيها المئات والألوف، واستخدمه الرب بقوة فتجدد بواسطة خدمته المباركة الكثيرين، منهم من يعملون الآن في خدمة الإنجيل.

وقد سافر القس لبيب ميخائيل إلى عدة دول أوروبية وعربية وقام بالوعظ في الكثير من اجتماعاتها، فوعظ في بعض كنائس إنجلترا، والعراق ، ولبنان، كما زار سوريا، والأردن، وألمانيا، وإيطاليا، وقبرص، ورودس، وقد أعطته رحلاته نظرة شاملة للحياة ولمشاكل الناس، وأكسبت كتبه ومقالاته حيوية وواقعية.

ومع المؤلفات الكثيرة والكتابات التي ظهرت للقس لبيب ميخائيل في كثير من الصحف والمجلات، فإنه يصدر مجلة «الأخبار السارة» منذ أكثر من عشرين سنة، وهو صاحبها ورئيس تحريرها وهي تلاقي إقبالاً ورواجًا، ولها في أنحاء العالم العديد من المشتركين، وتعتبر مشعلاً مضيئًا بالحق والنور في العالم المسيحي المتكلم بالعربية.

ولما نفذت نسخ الطبعة الأولى من كتاب «هل المسيح هو الله؟!» ونظرًا للإلحاح المتزايد في طلب إعادة طبعه، رأينا أن نقدمه في هذه الطبعة الثانية لقرائنا، وكلنا أمل في أن تسد حاجة القراء، ونقدمه كذلك وكلنا ثقة ويقين في إلهنا المبارك أنه سيجعله بنعمته وعمل روحه سبب إنارة وبركة للكثيرين.

القاهرة في 15 أكتوبر 1972

الناشر

مكتبة النيل المسيحية

 

مقدمة الطبعة الأولى

هذا كتاب عن المسيح ..

وما أكثر ما كُتب عن المسيح وما سوف يُكتب عنه حتى يجيء.

وأعترف أنني لم أكتب كلمة واحدةٍ من هذا الكتاب، إلا بعد أن قرأت الكثير من الكتب المنتشرة في المكتبات الإنجليزية والعربية والتي تتحدث عن المسيح.

قرأت ما كتبه عنه الذين حاربوه، ووقفوا منه موقف العداء. وقرأت ما كتبه عنه الذين أحبوه، وشهدوا من واقع اختبارهم بأن المسيح حقيقة حية، وبأنه ما زال يُغيّر الذين يقبلونه ويؤمنون به.

وقرأت كذلك حجج الذين أرادوا ان يتجاهلوه، فادعوا أن يسوع المسيح أسطورة، وأنه لم يظهر قط في دنيا الواقع على مسرح التاريخ.

وأعجبني ما كتبه جبران خليل جبران الشاعر اللبناني في كتابه «يسوع ابن الإنسان» ووضعه على لسان مريم المجدلية حين أنطقها بالحديث عن المسيح في هذه العبارات: «لقد كنت امرأة طلقت نفسها .. كنت مشاعًا لجميع الرجال، وفي ذات الوقت لم يمتلكني رجل .. وأطلقوا عليَّ أسم «الزانية» و «المرأة المسكونة بسبع شياطين» .. ولكن عندما ألتقت عينا يسوع المسيح في فجر نورهما بعينيَّ تلاشت كل نجوم ليلي، وصرت «مريم»، و«مريم» فقط، المرأة التي تدهورت إلى الحضيض، ثم عادت في نور عينيَّ المسيح لترى نفسها من جديد.

لقد نظر إليَّ المسيح وقال «الرجال الآخرون يحبون ذواتهم بالقرب منك، ولكنني أُحبك لذاتك .. الرجال الآخرون يرون فيكِ جمالاً سوف يذبُل بأسرع مما يذبُل شبابهم، ولكنني أرى فيكِ الجمال الذي لا يذبل، ولا يخجل من أن ينظر إلى نفسه في المرآة .. إنني أحب فيك روحك التي لا يراها الآخرون .. وعرفت في ذلك اليوم أن نظرات عينيه الطاهرتين قد ذبحت الحية الرقطاء الساكنة في قلبي، وصرت من لحظة ذلك اللقاء امرأة جديدة .. صرت مريم المجدلية.

وأعجبني ما كتبه عنه عباس العقاد في كتابه «الله» إذ قال: «لم يشهد التاريخ قبل السيد المسيح رسولاً رفع الضمير الإنساني كما رفعه، ورد إليه العقيدة كما ردها إليه .. فقد جعله كفؤًا للعالم بأسره بل يزيد عليه، لأن من ربح العالم وفقد ضميره فهو مغبون في هذه الصفقة الخاسرة «لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه، او ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟» .. والطهر كل الطهر في نقاء الضمير، فمناط الخير كله فيه، ومرجع اليقين كله إليه «فليس شيء من خارج الإنسان يدنسه، بل ما يخرج من الإنسان هو الذي يدنس الإنسان».

وأعجبني كذلك ما كتبه في كتابه «حياة المسيح في التاريخ وكشوف العصر الحديث، إذ قال «كانت الدعوة المسيحية رسالة لازمة تُعلم الناس ما هم في حاجة إلى أن يتعلموه كلما غرقوا في لُجة راقدة من الحروف الميتة والأشكال المتحجرة، فعلمهم أن العقيدة مسألة فكرة وضمير، لا مسألة حروف وأشكال … وهذه رسالة السيد المسيح في ذلك العصر الموبوء بجموده وريائه على السواء لإن الرياء إنما هو في باطنه جمود على وجهه طلاء».

وهزني ما قاله نابليون لطبيبه وهو في منفاه ونقله أحد خدام الإنجيل بالكلمات: «لقد أسس الأسكندر وقيصر وشرلمان وأنا إمبراطوريات عُظمى ولكن بمحض القوة العسكرية. أما يسوع المسيح فهو وحده الذي أسس دولة من طراز جديد على المحبة الخالصة وإلى يومنا هذا نجد الملايين مستعدين لأن يجودوا بحياتهم جود السماح من أجله .. لقد خبرت البشر وعرفتهم وأشهد أن كلاً منا إنسان، ولكن يسوع المسيح أعظم من إنسان .. كان في مقداري وأنا في أبان سطوتي أن ألهب نار الحماسة في قلوب الكثيرين ليضحوا بحياتهم في سبيلي، وذلك بقوة شخصيتي وتأثير كلامي وأنا أتقدم صفوفهم … أما يسوع المسيح فقد أستطاع بعد مبارحته الأرض بألف وثمانمائة عام ان يطالب الملايين بأن يقدموا له قلوبهم بغير قيد ولا شرط، ففاز منهم بكل ما طلب.

ولم تقو يد الزمن الجامدة على أن تطفيء جذوة النار المتقدة في قلوبهم بعد أن باعدت الأجيال الطويلة بينه وبينهم. هذا هو لغز الناصري الذي يحيرني وسوف أظل حائرًا حتى أُسلم بأنه شخص إلهي بل هو «الله» بالذات.

كل هذا الكلام أعجبني وأثار تفكيري ومعه قرأت الكلام المسموم الذي يحاول كاتبوه عبثًا تشويه شخصية المسيح الكريم.

ولهذا قررت بعد أن سكبت قلبي أمام الله وانفردت بكتابي المقدس وبالكتب الأخرى لوقت طويل أن أكتب هذا الكتاب لأجيب على صفحاته عن السؤال الذي طالما تردد عبر السنين:

هل كان المسيح حقًا هو الله؟ وقد قصدت بهذا الكتاب أن أساعد الإنسان المعاصر لمعرفة المسيح بأسلوب العصر، فخاطبت عقله وقلبه معًا، وحاولت أن أوقفه مواجه مع ذلك الشخص المجيد المبارك الفريد

ويتميز هذا الكتاب أنه جمع بين دفتيه تفسيرًا واضحًا للآيات التي تبدو مناقضة في ظاهر كلماتها للإيمان بأن المسيح هو الله .. وأنه تحاشى في ذات الوقت التعقيد السفسطي الذي يصعب فهمه على الإنسان العادي، وأنه أعطى جوابًا كافيًا لصاحب العقل العلمي.

وإنني إذ أضع هذا الكتاب بين يدي الرب، أضعه بكل خشوع وتهيب، مؤكدًا لقارئي الكريم أنه إن وُجد في الكتاب ما يفيد فالفضل يرجع اولاً وأخيرًا لربي، وأنه إن أكتشف فيه أي قصور أو تقصير فإن هذا يرجع إلى ضعفي وإنسانيتي.

وكل رجائي أن أكون قد تمكنت بنعمة إلهي من أن أقود النفوس المخلصة الباحثة عن الحق بخصوص المسيح، أن تتأكد حقيقة شخصيته، وتتيقن لاهوته ومحبته.

«مصر الجديدة» 19 نوفمبر 1968

     القس لبيب ميخائيل

 

مقدمة الطبعة الثانية

هذه الطبعة هي نسخة طبق الأصل من الطبعة الأولى، لم أستطع لظروف خاصة أن أضيف عليها جديد، وإذ أقدمها لقرائي الأعزاء، أقدمها مصليًا لإلهي أن يجعلها دافعًا لهم للبحث والدرس، وأن يعمق بها إيمانهم في شخص الرب يسوع المبارك المجيد.

المؤلف

مقدمة الطبعة الرابعة

لا خطأ عليك إذا جهلت معرفة الشخصيات العظمى في التاريخ. فإذا لم تتعرف على الاسكندر الأكبر، أو نابليون، أو أدولف هتلر، أو أرسطو، أو سقراط، أو أفلاطون، فلن يؤثر جهلك بهذه الشخصيات في حاضرك ومستقبلك. لكنك إن لم تعرف المسيح، وتؤمن قلبيًا بما فعله لأجلك، فإن هذا الجهل بالمسيح سيؤثر تأثيرًا لا حدّ له في حاضرك وسينتهي بك إلى مصير أليم.

من هنا تبدو الأهمية القصوى لمعرفة من هو المسيح، ومن هنا كان لا بد أن نطبع هذه الطبعة الرابعة من هذا الكتاب الذي يتحدث من بدايته إلى نهايته عن حقيقة شخص المسيح.

ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في فبراير 1966 وطبعت مكتبة النيل المسيحية بالقاهرة الطبعة الثانية في يونيو 1972، ثم الطبعة الثالثة في أمريكا بعد نفاذ الطبعتين الأولتين في يونيو 1983، ثم طلب برنامج «تحطمت القيود» .. إذاعة حول العالم، وهو يذاع باللغة العربية على أكثر من عشرين دولة من مونت كارلو أن أوافيه بعدد ضخم من نسخ هذا الكتاب لتوزيعه على مستمعي البرنامج في كل الدول العربية.

وهكذا ظهرت هذه الطبعة الرابعة لتصل إلى المتكلمين بالعربية في أكثر من عشرين دولة، وها نحن نقدمها ومعها صلاتنا الحارة ان يستخدمها الرب لإنارة أذهان الكثيرين ليعرفوا شخص المسيح ويخلصوا .. إذ بدون معرفة المسيح لا خلاص. “وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ” (أع 4: 12).

7 يونيو 1984

الدكتور القس لبيب ميخائيل

 

الفصل الأول

 

حَتميّة الإيمان
بأن
المسيح هو الله

 

يجد الباحث في المسيحية عددًا من القضايا الخطيرة، وأخطر قضية في المسيحية هي «قضية لاهوت المسيح»، ونعني بقولنا «لاهوت المسيح» إيماننا بأن المسيح الذي وُلد من مريم العذراء في بيت لحم اليهودية، وعاش على أرض فلسطين، وصُلب فوق موضع الجمجمة الذي يُسمى بالعبرانية جلجثة هو «الله الابن» وهو «ابن الله».

فإذا كان المسيح هو «الله الابن» حقًا، وهو «ابن الله» الذي تجسد في ملء الزمان في صورة إنسان، إذاً فالمسيحية ديانة إلهية صحيحة في مفاهيمها، ومبادئها، وإدعائتها، وقضاياها، أما إذا كان المسيح مجرد إنسان، أو نبي كسائر الأنبياء، فهذا يعني أن المسيحية ديانة منهارة من أساسها، وبالتالي أنها غير ذات موضوع.

فمع أن المسيحية تختلف عن غيرها من الديانات، بمبادئها، ومثُلها، وتعاليمها، وروح الحب والتسامح الذي يتمثل فيها، إلا أنها تنفرد بقولها بأن المسيح مؤسسها هو الإعلان الكامل والكافي للسؤال القديم: من هو الله؟ وما هي سجاياه؟ فالمسيحية تؤكد في وضوح لا غموض فيه أن “اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ” (2 كو 5: 19).

ويقينًا أننا إذا قلبنا صفحات التاريخ، وأوقفنا أمامنا جميع عمالقة العالم العظام، فإننا لن نجد شخصًا أثار إهتمام الناس، وأزعج ضمائرهم، وألهب تفكيرهم، وهز عقولهم هزًا عنيفًا كشخص المسيح الكريم.

ومنذ فجر المسيحية انقسم البشر في موقفهم تجاه المسيح إلى ثلاثة أفرقة .. فريق الذين أحبوه، وفريق الذين حاربوه، وفريق الذين تجاهلوه.

أما الذين أحبوه، فهؤلاء هم الذين اقتربوا إليه، ووثقوا تمامًا أن أثامهم قد وضعت عليه، فقبلوه مخلصًا شخصيًا لهم، فسرت في حياتهم قوته التي غيرتهم، فأفرغوا عند قدميه أحلى ترنيماتهم، وأعذب موسيقاهم، وأجمل أفكارهم، فأناروا العالم بالنور الذي إستمدوه من شخصه المبارك الكريم.

وأما الذين حاربوه، فلم يستطيعوا أن يواجهوا نوره، فداروا حوله، وافتروا عليه بشتى الأقاويل.

قالوا عنه: إنه ليس إبنًا شرعيًا لأمه مريم، وأنها قد حملت به سفاحًا من جندي من الجنود الألمان الذين كانوا يحتلون الناصرة إبان حكم الرومان.

وقالوا عنه: إنه في سني اختفائه، وهي السنين التي لم يشأ الوحي أن يكشف الستار عنها ذهب إلى الهند، وتعلم حكمة الهنود، وأتقن قدرات كهنتهم ومشعوذيهم، ثم عاد إلى فلسطين ليمارس بين بني وطنه ما تعلمه منهم، وصنع معجزاته بقوة هذا السحر الهندي القديم.

وقالوا عنه: إنه مجرد إنسان عبقري عظيم سبق عصره بمثله وتفكيره، وجاء إلى هذا العالم الفسيح كما جاء سائر العباقرة الأفذاذ مثله مثل سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وكونفوشيوس، على السواء.

وقالوا عنه: إنه تميز بشخصية مغناطيسية جبارة، هي سر تأثيره القوي على الذين اتصلوا به، وتحدثوا إليه.

وقالوا عنه: إنه كان يشفي المرضى الذين أتوا إليه بقوة الإيحاء مستخدمًا نظارات عينيه، والتأثير السحري لكلماته.

وقالوا عنه: إنه لم يكن إنسانًا حقيقيًا، وأن جسده البشري لم يكن مثل أجسادنا بل كان مجرد ظهور. والقائلون بهذا الرأي جماعة ظهرت في فجر التاريخ المسيحي باسم «جماعة دوكيون». [وكلمة «دوكيون» من كلمة «دوكي» اليونانية ومعناها «يظهر أو ظهور»]. ومثل هذا الاعتقاد ينفي عن المسيح تحمله لألام الصلب، ويجعل منه مجرد شبح وهمي ظهر على الأرض ثم عاد إلى السماء.

وقالوا عنه: إنه اكثر من إنسان وأقل من إله، وهذا هو قول «أريوس» الذي أنكر في القرون الأولى للمسيحية لاهوت المسيح وأشاع ضلالته الكُبرى قائلاً: إن المسيح هو أول شخص خلقه الله.

وقالوا عنه: إنه نبي عظيم، ورسول كريم، جاء في الناس مبشرًا ونذيرًا ولكنه لم يوجد قط قبل ميلاده، وأن مثله كمثل آدم خلقه الله وقال له كن فكان، وأنه ورث الخطية من أمه العذراء.

وأما الذين تجاهلوه فقالوا عنه: «إن العلم قرر منذ عهد طويل أن يسوع المسيح لم يُوجد على الإطلاق، وأن الصورة التي رُسمت لمؤسس المسيحية المزعوم ليست سوى أسطورة خرافية، وانعدام شخصية المسيح التاريخية تؤكده حقيقة أولية، وهي أن المؤرخين والكُتاب الذين عاشوا في الوقت الذي قيل أن المسيح قد عاش فيه ودعا لشريعته، لم يذكروا أي شيء عنه بالمرة .. إن يسوع المسيح لم يكن له وجود إطلاقًا وأنه ليس سوى شخصية خرافية، وأن ما كتبه الرسُل في الأناجيل مليء بالأقوال المتعارضة وليس جديرًا بأي إعتبار».

وفي وسط ضوضاء هذه الافتراءات، والإدعاءات، والأقاويل يرتفع صوت المسيحيين الحقيقيين قائلاً: إن المسيح هو «الله الابن» وهو «ابن الله» الكائن منذ الأزل مع الآب والروح القدس، وأنه في ملء الزمان أخذ صورة عبد وصار في شبه الناس، “وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ” (في 2: 8). ليقوم بعمل الفداء العظيم.

 

القول الحق في شخص المسيح
والآن ما هو القول الحق في شخص المسيح الكريم؟
هل هو أسطورة خرافية لم يكن لها وجود في التاريخ؟

هل هو مجرد إنسان عبقري، ومعلم عظيم، ونبي مقتدر ظهر على أرضنا. مثله مثل سائر العباقرة والأنبياء على السواء؟
أم أن «يسوع المسيح» هو «الله» الذي تجسد في صورة إنسان؟!.

إن غرضنا هو فحص هذه القضية الخطيرة بدقة وإخلاص، لنتيقن على أساس سليم حقيقة شخص المسيح، حتى نجيب على كل من يسألنا عن سبب رجائنا فيه، وإيماننا به كما قال بطرس الرسول: “بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ” (1 بط 3: 15).

لكي يكون فحصنا أمينًا، لا بد لنا أن نوقف «مسيح الكتاب المقدس»، أمامنا، وندرس شخصيته في أقواله، وأعماله، وسجاياه.
فإذا تبين لنا أن المسيح مجرد إنسان قبلناه كإنسان.

وإذا تبين لنا أن المسيح معلم عبقري عظيم، قبلناه كمعلم عبقري عظيم.

وإذا تبين لنا أن المسيح مجرد نبي مقتدر، قبلناه كنبي.

أما إذا تحدانا المسيح بأقواله، وسجاياه، ومعجزاته، فلمسنا لاهوته من خلال إنسانيته، وتأكدنا يقينًا أنه «الله» الذي تجسد في صورة الإنسان، عندئذ ليسجد كل واحد منا في حضرته القدسية قائلاً له مع توما الرسول “رَبِّي وَإِلهِي!” (يو 20: 28).

 

المسيح شخصية تاريخية

وقبل أن نتعمق في دراسة قضية لاهوت المسيح، نرى لزامًا علينا أن نُفند إدعاء القائلين بأن شخصية المسيح شخصية خُرافية، والواقع أن أدعاء من هذا الطراز يُعلن عن جهالة قائله. ليس فقط من الناحية الدينية، بل من الناحية العلمية التاريخية كذلك.

ونقول أولاً إن المسيح الذي وُلد في بيت لحم من مريم العذراء، لم يظهر هناك بغير مُقدمات، وإنما سبق ظهوره الكثير من النبوات التي ملآت صفحات العهد القديم من سفر التكوين إلى سفر ملاخي، وقد أشاعت هذه النبوات بصراحة ألفاظها، والتحديد الكامل لمعالم الشخصية التي تحدثت عنها، روح انتظار هذه الشخصية الفريدة التي حددت النبوات أنها ستولد من عذراء، وستولد في «بيت لحم» بالذات.

والمسيح حين وُلد في العالم وُلد في «مِلْءُ الزَّمَانِ» كما قال بولس الرسول في رسالته إلى أهل غلاطية: “وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ” (غل4:4 ،5).

وتعني الكلمة «مِلْءُ الزَّمَانِ» الوقت الذي تهيأ فيه العالم لإستقبال المسيح، ويؤيد التاريخ أنه في وقت ولادة المسيح كان في العالم شعوب ثلاثة هي صاحبة النفوذ في ذلك العصر: الرومان، واليونان، واليهود.

وقبيل ميلاد المسيح هيأ الرومان عالمًا متشابكًا، فبدلاً من وجود شعوب منفصلة متباعدة تتبادل الريب والشكوك وجدَ المسيح عالمًا ممهدًا خاليًا من الحواجز والعقبات، إذ كانت روما قد أدمجت الدول المتنافسة في إمبراطورية واحدة، وشقت الطرق الرومانية كل بِقاع العالم المتمدين، وصانت قوة القياصرة السلام العالمي، وهكذا تهيأ الطريق لمجيء الملك السماوي، وتهيأت الطرق لرسله ليحملوا رسالة حُبه للعالم الفسيح.

أما اليونان فعند اقتراب اليوم الذي جاء فيه المسيح فقد قاموا وهم لا يدرون بنصيبهم في إعداد الطريق أمام الملك الآتي، وذلك لأن اللغة اليونانية الجميلة اللينة كانت قد أصبحت اللغة الرئيسية في الإمبراطورية فتعلمت كل الشعوب المحيطة بحوض البحر الأبيض المتوسط اللغة اليونانية، وصارت اليونانية هي اللغة الرسمية في كل العالم المتمدين فتهيأت الأداة لنقل إنجيل المسيح الجليل.

أما اليهود فقد كان عملهم هو الاحتفاظ بأقوال الله والنبوات التي تتحدث عن مجيء المُخلص الموعود كما قال بولس الرسول في رسالته إلى اهل رومية: “إِذًا مَا هُوَ فَضْلُ الْيَهُودِيِّ، أَوْ مَا هُوَ نَفْعُ الْخِتَانِ؟ كَثِيرٌ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ! أَمَّا أَوَّلًا فَلأَنَّهُمُ اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ” (رو1:3، 2)، ولقد كان سبي اليهود إلى بلاد العالم هو الطريق لنقل هذه النبوات إلى سائر الشعوب، وهكذا تهيأ العالم لمجيء المسيح الكريم.

وإنه لما يدعو إلى التفكير أن نرى هذه الشعوب الثلاثة وقد إتحدت وهي لا تدري لإعداد الطريق قبيل مجيء المسيح، وفي هذا أقوى دليل على وجود يد إلهية تسيطر على احداث التاريخ لتصيغ منها ما يتفق مع البرنامج الإلهي للعالم.

وهناك اكثر من دليل يرضى عنه العقل، ويصادق عليه المنطق السليم، لتأكيد أن المسيح شخصية حقيقية عاشت على مسرح التاريخ.

فالمسيح شخصية تاريخية حقيقية لأن كتاب العهد القديم وهو الكتاب المقدس عند اليهود الذين رفضوا المسيح في مجيئه الأول، يعلن بوضوح عن ميلاده ويرسم معالم شخصيته التي نراها في جلالها في كتابات العهد الجديد: عشرات النبوات جاءت عن المسيح في العهد القديم متحدثة بدقة متناهية عن ميلاده، ورسالته، وطريقة موته، وقيامته، وصعوده إلى السماء، ومجيئه الثاني ليملك على هذه الأرض .. وكانت معاني هذه النبوات واضحة تمامًا في صيغتها ومفهومها للدارسين لها، لنأخذ على سبيل المثال نبوة منها وهي الخاصة بمكان ميلاد المسيح .. فتعال معي لنقرأ ما ذكره انجيل متى: “وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ». فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ: «أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟» فَقَالُوا لَهُ: «فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ” (مت1:2- 6).

والنبي الذي ذكر أسم المدينة التي سيولد فيها المسيح هو ميخا النبي الذي عاش قبل ميلاد المسيح بسبعمائة سنة، وهذه بالحرف كلمات نبوته: “أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ” (مي 5: 2).

هذه واحدة من النبوات التي تمت بحرفيتها في المسيح، وليس يُعقل كما أنه ليس من المستطاع أن يرسم كُتاب العهد الجديد، وهم في غالبيتهم شرذمة من غير العلماء أو المثقفين، صورة تنطبق على الصورة التي تنبأ بها العهد القديم، لو لم يكن المسيح شخصية حقيقية رأوها، وعاشروها، ولمسوها، ولهذا تحدثوا عنها بيقين كما قال يوحنا الرسول تلميذ المسيح الحبيب: “اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ … الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ” (1يو1:1، 3).

ومع هذا كله فإننا نجد ظاهرة جديرة بالعناية والتفكير في الكتاب المقدس هي ظاهرة الكلمات الصريحة التي تتحدث عن اختيار الله لإسرائيل وتفضيلهم على الشعوب الأخرى التي عاصرتهم، ثم الحديث عن اللعنات والغضب الإلهي الذي أدركهم، فلماذا إهتم الكتاب المقدس بالتاريخ اليهودي، والديانة اليهودية، والشعب اليهودي. وما علة اختيار الله لهم، ثم تشتيتهم وصب اللعنات عليهم بسبب عصيانهم؟ [تثنية15:28- 68]. والجواب الوحيد الذي نجده في الكتاب المقدس ويرضى عنه العقل بارتياح: هو أن الله قد اختار هذا الشعب في القديم، وكرمهم هذا التكريم، لأن المسيح مُخلص العالم كان مُزمعًا أن يأتي منهم كما كتب بولس الرسول قائلاً “إِنَّ لِي حُزْنًا عَظِيمًا وَوَجَعًا فِي قَلْبِي لاَ يَنْقَطِعُ. فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ، الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ، وَلَهُمُ الآبَاءُ، وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ، الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ” (رو2:9- 5).

فلكي يتمم الله ما قاله بخصوص المسيح، إختار هذا الشعب، وتحفظ عليه، وأحاطه بالعناية حتى جاء منه المسيح مُخلص العالم، وفي هذا أصدق دليل على أن المسيح شخصية حقيقية.

والمسيح شخصية تاريخية حقيقية بدليل وجود المسيحية:

لا جدال في أن المسيحية ديانة شائعة يدين بها أكثر من ثُلث سكان الكرة الأرضية .. فمن ذا الذي أوجد هذا الدين المؤثر المنتشر العجيب؟

لقد أوجد «بوذا» البوذية، وأوجد «كونفوشيوس» الكنفوشية، وأوجد «زاردشت Zoroaster» الزاردشتية، وإذا تابعنا التفكير المنطقي السليم الذي يُحتم أن يكون لكل دين مؤسس أو نبي أو زعيم، وجب أن نؤمن بوجود مؤسس للمسيحية هو بلا شك شخص المسيح الكريم.

وقد قال «العقاد» في هذا الصدد ما يلي: «متى حدث في تاريخ الأديان أن أشتاتًا مبعثرة من الشعائر والمراسم تُلفق نفسها وتخرج في صورة مذهب مُستقل دون أن يعرف أحد كيف تلفقت، وكيف انفصلت كل منها عن عبادتها الأولى، ومن هو صاحب الرغبة وصاحب المصلحة في هذه الدعوة، وكيف برز هذا العامل التاريخي الديني على حين فجأة قبل أن ينقضي جيل واحد، ولماذا كان يخفي مصادر الشعائر والمراسم الأولى ولا يعلنها إلا منسوبة إلى شخص المسيح؟ .. إن الدعوة المسيحية فيها وجهة نظر متناسقة وقوام شخصي مرسوم .. وقد جاءت في أوانها وفاقًا لمطالب زمانها بحيث تكون الغرابة ان يخلو الزمن من رسول يقوم بالدعوة ويصلح لأمانتها، لا أن يوجد الرسول ونستغرب أن يكون، ولو أن مؤلفًا بعد ذلك العصر أراد ان يخلق رسولاً يوافق رسالته المنشودة، لوقف به الخيال دون ذلك التوفيق المطبوع».

فالمسيحية بوجودها القوي، وكيانها الرائع، وتأثيرها البالغ، الذي أحدثته في العالم إذ أخرجته من بربريته وحبه للدماء، وأشرقت عليه بأنوار المحبة النازلة من السماء دليل عملي على حقيقة شخصية المسيح.

أجل لقد صار العالم بعد المسيحية غير العالم الذي كان قبلها، فقد رفعت المسيحية قدر المرأة، فبعد أن كانت سلعة من سقط المتاع تُشترى وتباع، صار لها إعتبارها وكرامتها .. وألغت المسيحية تعدد الزوجات. فأعطت بذلك للأسرة استقرارًا وأمنًا، كذلك جعلت الفرد يشعر بقيمته فلم يعد وجهًا ضائعًا بين الوجوه في زحام الحياة، بل عرف أنه كيان مستقل يهتم به الله ويرعاه، “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3: 16).

ووجود المسيحية بهذا التأثير الفعال دليل واضح على حقيقة وجود المسيح، أما إذا اردنا أن ننكر شخصية المسيح التاريخية فهذا يوجب علينا أن ننكر كذلك بوذا، وكنفوشيوس، وزاردشت، وغيرهم من مؤسسي الديانات الموجودة في أرضنا، بل يوجب علينا أن نجد علة ترضي عنها عقولنا لوجود المسيحية، وأن نفسر كيف انتصرت المسيحية، (وقد لاقى أتباعها الكثير من صنوف الإضطهاد والعذاب والإستشهاد، وكانوا في غالبيتهم شرذمة من الجهلاء والضعفاء)، على الوثنية التي كانت تحميها الدولة الرومانية بقوتها العسكرية، مع أن المسيحية في انتصارها وانتشارها لم يقم أتباعها بغزوة من الغزوات، ولم يشهروا سيفًا، ولم يستخدموا ضغطًا ماديًا لإرغام الناس على اعتناقها والإيمان بمسيحها

ويقينًا أننا لن نستطيع أن نجد تعليلاً لكل ما أحدثته المسيحية من تغيير في عالمنا إلا بإعترافنا أنه حدث بتأثير شخص حقيقي عاش فعلاً على الأرض، وأن هذا الشخص هو المسيح الكريم.

وهناك دليل آخر يؤكد ان المسيح شخصية تاريخية هو دليل المباديء السامية التي نطق بها:

ولقد تعلمنا من نظرية «الأواني المستطرقة» أن السائل لا يرتفع إلى أعلى من المستوى الذي انحدر منه .. وعلى هذا القياس نسأل: أين هو الإنسان البشري الذي يقدر أن يقول ما قاله المسيح في كلماته “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ” (مت27:5، 28). أو أن يقول “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا” (مت38:5، 39). أو أن يرفع من قدر الفقير حتى وأنت تتصدق عليه فيقول “اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ، لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً” (مت1:6-4).

أو أن يجعل الصلاة صلة خفية بين الإنسان وخالقه، ليست لمجرد التظاهر، بل للتعبد بنقاء وطهر فيقول “وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلًا كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ. فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ” (مت5:6-8).

إن المباديء السامية التي نطق بها المسيح، وسجلتها الأناجيل هي أصدق دليل على أن شخصية المسيح شخصية تاريخية حقيقية، إذ ليس في وسع إنسان بشري مهما كانت عبقريته، أو سمت أخلاقياته أن ينطق بمثل هذه المباديء، وأن يسلط علينا نوره الفاحص ليرينا شر قلوبنا، ونجاسة تصرفاتنا.

بقى علينا أن نرد على الذين يقولون بأن المؤرخون والكُتاب الذين عاشوا في الوقت الذي عاش فيه المسيح ودعا لشريعته لم يذكروا أي شيء عنه بالمرة، فنقول أن أصحاب هذا الإدعاء ينسون أو يتناسون أن المسيحية عاشت في القرون الثلاثة الأولى للميلاد في وسط إضطهاد لا مثيل له، و كان المسيحيون يُعتبرون طائفة مغضوبًا عليها من حكام الدولة  الرومانية، و من كهنة الديانة اليهودية ..

فأى مؤرخ كان يجرؤ فى مثل هذه الظروف أن يكتب بإفاضة عن المسيحية لا سيما وأن أتباعها كانوا فى غالبيتهم من الفقراء المشردين الذين عاشوا فى سراديب القبور Catacombs  و لم يكن لهم تأثيرًا يذكر فى أمور هذا العالم الشرير.

و مع ذلك فإننا نجد لمحات فى كتب التاريخ القديم، جاءت فى صيغ لا تعرض أصحابها للاضطهاد و التعذيب، نذكرها للشَكاك لا لاعتقادنا بأهميتها، فان عندنا العهد الجديد من الكتاب المقدس و فيه كل الصدق و كل اليقين بخصوص حقيقة المسيح، و إنما نذكرها لنُسكت بها اعتراض المعترضين.

فقد جاء فى تاريخ «فلافيوس يوسيفوس» المؤرخ اليهودي الذي عاش بين سنة 37 – 70  ميلادية هذه الكلمات «إنه فى ذلك العهد عاش يسوع، و هو إنسان قديس حكيم – إن جاز أن نسميه إنسانًا، لأنه كان يصنع معجزات كثيرة، و لما حكم عليه بيلاطس بالصلب، بناء على طلب الرؤساء بيننا، لم يتركه الذين أحبوه أولاً، لأنه ظهر لهم حيًا بعد ثلاثة أيام، كما سبق الأنبياء فأنبأوا عن هذه الأمور بوحي إلهى، وهناك عشرة آلاف أمور أخري عنه. وجماعة المسيحيين الذين سُموا بإسمهِ ما زالت باقية حتي هذا اليوم».

وقد ذكر الأستاذ محمد أبو زهرة في كتابه محاضرات في النصرانية [الطبعة الثانية 1949] مايلي: «جاء في كتاب تاريخ الحضارة .. قد كتب بلين، وكان واليًا في أسيا إلى الإمبراطور تراجان [الذي دام حكمه من سنة 98 – 117 ميلادية] كتابًا يدل على الطريقة التي كان يعامل بها المسيحيين قال: جريت مع من أُتهموا بأنهم نصارى على الطريقة الآتية، وهو أني أسألهم إذا كانوا مسيحيين فإذا أقروا أعيد عليهم السؤال ثانية وثالثة مهددًا بالقتل، فإن أصروا أُنفذ عقوبة الإعدام فيهم مقتنعًا بأن غلطهم الشنيع، وعنادهم الشديد، يستحقان هذه العقوبة، وقد وجهت التهمة إلى كثيرين بكُتب لم تذيّل بأسماء أصحابها فأنكروا أنهم مسيحيين، وكرروا الصلاة للأرباب الذين ذكرت أسمائهم أمامهم، وقدموا الخمور والبخور لتمثال أتيت به عمدًا مع تماثيل الأرباب، بل أنهم شتموا المسيح، ويقال إن من الصعب إكراه المسيحيين الحقيقيين، ومنهم من اعترفوا بمسيحيتهم، ولكنهم كانوا يثبتون بأن جريمتهم في أنهم اجتمعوا في بعض الأيام قبل طلوع الشمس على عبادة المسيح على إنه رب، وعلى إنشاد الترانيم إكرامًا له، وتعاهدوا فيما بينهم لا على إرتكاب جُرم، بل على ألا يسرقوا، ولا يقتلوا، ولا يزنوا، وأن يوفوا بعهودهم».

وذكر أيضًا «ديل وإيلين روتين» في كتابهما «هل نستطيع أن نعرف؟» المطبوع سنة 1968 ما سجله المؤرخ «تاسيتوس Tacitus» وهو من أعظم المؤرخين اللاتينيين وقد عاش في النصف الأول من القرن الثاني، وكتب عن الشائعات التي حامت عن أن نيرون نفسه كان المسؤول عن الحريق الهائل الذي إلتهم روما سنة 64 ميلادية فقال:

«لكن لم يكن باستطاعة كل العزاء الذي يمكن أن يأتي من إنسان، ولا كل الهدايا التي يمكن أن يمنحها الأمير، ولا كل التكفير الذي يمكن أن يُقدم للآلهة، أن يساعد نيرون على نفي الإعتقاد الشائع بأنه هو الذي أمر بهذا الحريق. لذلك رغبة منه في طمس الإشاعة، أتهم كذبًا وعاقب بأقسى أنواع العذاب أولئك الأشخاص الذين كانوا يدّعون المسيحية، والذين أُبغضوا بسبب تكاثُرهم الهائل، وقد حُكمَ بالموت على المسيح مؤسس هذا الاسم، ومات كمجرم بيد بيلاطس البنطي والي اليهودية، فانتشرت مرة أخرى البدعة الوبيلة، ليس في اليهودية وحدها حيث بدأت، بل في مدينة رومية كلها أيضًا».

ومع كل ما تقدم من وثائق تاريخية صحيحة المصدر، فإنه يمكن لمن يريد الرجوع إلى كتب التاريخ أن يقرأ ما سجله «ثالوس» حوالي سنة 52 ميلادية، وسيتونيوس، ولوسيان، فكلهم أكدوا حقيقة وجود المسيح والمسيحية.

وكل شهادات التاريخ تؤكد أن المسيح شخصية حقيقية، وأن المسيحيين الذين عاشوا في القرن الأول للميلاد كانوا يجتمعون لعبادته على أنه رب، وعلى إنشاد الترانيم لحمده، مما يؤكد أن المسيحيين في القرن الأول للميلاد أمنوا بالمسيح على أنه «الله الابن» الذي تجسد لفدائهم، وفي هذا ما يهدم إدعاء المُدعين بأن عقيدة ألوهية المسيح دخيلة على المسيحية، وقد لاقى المسيحيون في القرون الثلاثة الأولى للميلاد بسبب عبادتهم للمسيح، واعترافهم به إلهًا مباركًا كائنًا على الكل أفظع أنواع العذاب، حتى لقد كانوا يضعون بعضهم في جلود الحيوانات ويطرحونهم للكلاب فتنهشهم، وصلبوا بعضهم، وألبسوا بعضهم ثيابًا مطلية بالقار، وجعلوهم مشاعل يُستضاء بها. وكان الإمبراطور نيرون نفسه يسير في ضوء تلك المشاعل الإنسانية.

لقد كان المسيح شخصية حقيقية فرض نفسه على الزمن، وانتشر تأثيره إلى ما وراء حدود فلسطين، فوصل إلى أوروبا وآسيا، وبعض أجزاء أفريقيا، ووصلت أخباره إلى بلاد العرب وذاعت في القرن السادس للميلاد، واحتلت جزءًا غير قليل من القرآن الذي يؤمن به المسلمون، نكتفي هنا بذكر ما جاء منها في سورة مريم بهذه الكلمات: « وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا بَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ».

والآن لنعد إلى الكتاب المقدس، ونقلب صفحاته في تدقيق، لنواجه بأنفسنا شخص المسيح الجليل.

التلاميذ يتساءلون

ذات مرة كان المسيح مع تلاميذه في سفينة، وذهب إلى مؤخرة السفينة ونام على وسادة، وحدث نوء ريح عظيم فكانت الأمواج تضرب السفينة حتى صارت تمتليء … وهنا أسرع التلاميذ إليه وقد ملأهم الخوف والفزع وأيقظوه قائلين “يَا مُعَلِّمُ، أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟» فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: «اسْكُتْ! اِبْكَمْ!». فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ: «مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ هكَذَا؟ كَيْفَ لاَ إِيمَانَ لَكُمْ؟» فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ! (مر38:4-40).

 المسيح يسأل

تظهر على صفحات الأناجيل حقيقة جديرة بالانتباه هي أن المسيح كان يدفع المحيطين به للتفكير الجاد في حقيقة شخصه، وأنه بدلاً من أن يكشف لهم النقاب عن شخصيته بكلمات مباشرة تنساب من بين شفتيه، كان يسألهم عن اعتقادهم فيه ليدفعهم لإكتشاف حقيقته بأنفسهم، والاعتراف بما آمنوا به بخصوصه بشفاههم، بعد أن يلاحظوا بدقة قدسية حياته، وصلاح تصرفاته، وانطباق نبوات العهد القديم على شخصيته، وبعد أن يتفكروا بتأمل عميق في كلماته وخارق معجزاته.

ذات مرة جاء «يسوع» إلى نواحي قيصرية فيلبس وهناك سأل تلاميذه قائلاً: “مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟» فَقَالُوا: «قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ». قَالَ لَهُمْ: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!». فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا” (مت13:16-18).

ونرى في هذه الكلمات أولاً أن بطرس قد اعترف ليسوع «ابن الإنسان» – و«يسوع» هو الاسم الإنساني للمسيح – بأنه وهو «ابن الإنسان» في تجسده، هو أيضًا «المسيح ابن الله الحي» في حقيقة شخصه، وكلمة «المسيح» تعني الممسوح أو المُقام من الله بالمسحة، وكأن بطرس يعلن صراحة بأن «يسوع ابن الإنسان» هو في ذات الوقت «المسيح ابن الله الحي» الذي تنبأ عنه المزمور الثاني بالكلمات “لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ، وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ فِي الْبَاطِلِ؟ قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ، قَائِلِينَ: «لِنَقْطَعْ قُيُودَهُمَا، وَلْنَطْرَحْ عَنَّا رُبُطَهُمَا»” (مز1:2-3). وتنبأ عنه دانيال بالكلمات “وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ” (دا26:9).

ونرى في ذات الوقت بأن المسيح لم يكتف بأن يسمع ما يقوله البعيدون عنه بخصوص شخصه، بل سأله تلاميذه المقربين إليه، ليعطيهم فرصة للإفصاح العلني عن ما يعتقدونه فيه، فلما أجابه بطرس قائلاً: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!» باركه على هذا الإعلان العظيم، وأكد له أن هذا الإعلان لم يأته من مصدر بشري بل من الآب الذي في السموات، وهو بهذا قد صادق على اعتراف بطرس مؤكدًا لتلاميذه أنه حقًا ويقينًا « الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!».

وذات مرة اجتمع الفريسيون حوله فسألهم قائلاً: “مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلًا: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟» فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ” (مت41:22-45).

ومن هذا النص الصريح نرى أن المسيح سأل الفريسيين عن اعتقادهم فيه، ليدفعهم بالتفكير والبحث في نبوات العهد القديم بأن يعرفوا حقيقة شخصه الكريم .. سألهم: كيف يكون المسيح رب داود وابن داود في ذات الوقت؟ ولو فحص الفريسيون العهد القديم بتدقيق، لرأوا المسيح هو «رب داود» باعتباره «الله الابن» الذي خلق داود ، وأنه «ابن داود» من جهة الجسد كما قرر بولس الرسول ذلك فيما بعد بالكلمات “بُولُسُ، عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، .. الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ” (رو1:1، 3).

 

دراسة نسب المسيح

وهنا يجدر بنا أن نقف قليلاً لدراسة سلسلة نسب المسيح في إنجيلي متى ولوقا، لكي نشرح ما قد يبدو من تناقض في السلسلتين لغير العلماء وغير الدارسين. ففي إنجيل «متى» نجد أن «متى» قد عاد بالمسيح إلى إبراهيم الذي يعتبر أبًا للشعب اليهودي، وهو نفسه الذي أعطاه الرب مواعيده قائلاً “وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ” (تك 22: 18). وعاد به في ذات الوقت إلى «داود الملك» ليعلن لنا أنه الوريث الشرعي لعرشه. كما قال الملاك جبرائيل للعذراء مريم وهو يبشرها بأنها ستلد المسيح قائلاً: “وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ” (لو31:1، 32).

أما في لوقا فقد عاد البشير هناك بالمسيح إلى آدم متخذًا سلسلة نسبه من «مريم أمه»، ليرينا أن «الإنسان الأول من الأرض ترابي» وأن المسيح هو «الإنسان الثاني الرب من السماء» “الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ” (1 كو 15: 47).

وهناك عدة ملاحظات جديرة بالعناية في دراسة سلسلة نسب المسيح في بِشارتيه متى ولوقا نذكرها فيما يلي مستعينين بما كتبه في ذلك بنيامين بنكرتن، وهـ. س. هفرن.

1) إنه بينما يذكر متى إن إبراهيم ولد إسحق وإسحق ولد يعقوب ويعقوب ولد يهوذا … حتى يصل إلى يوسف رجل مريم فإنه هناك يقول “وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ” (مت 1: 16). وهنا نلاحظ أن متى لم يقل «ويوسف ولد يسوع» على غرار ما سبق من نسب، بل قال «وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ» مؤكدًا بهذا بأن يسوع ليس أبنًا طبيعيًا ليوسف بل أنه وليد مريم العذراء التي ولدته بالروح القدس.

2) لم يذكر متى من أولاد يعقوب الإثنى عشر إلا يهوذا لأن منه جاء المسيح “لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ” (تك10:49).

3) لم يذكر متى أسماء النساء اللواتي أفتخر بهن اليهود كسارة ورفقة ولكنه ذكر أسماء نساء لم يقدر اليهود أن يفتخروا بهن، الأولى «ثامار» التي ذُكرت لتُرينا أن خلاص الله هو للخطاة “أَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ” (مت13:9)، والثانية «راحاب» التي تُرينا أن الخلاص بالإيمان “بِالإِيمَانِ رَاحَابُ الزَّانِيَةُ لَمْ تَهْلِكْ مَعَ الْعُصَاةِ، إِذْ قَبِلَتِ الْجَاسُوسَيْنِ بِسَلاَمٍ” (عب31:11)، والثالثة «راعوث» وهي تُرينا أن الخلاص لكل من يأتي للإحتماء بالرب “لأَنَّهُ حَيْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ وَحَيْثُمَا بِتِّ أَبِيتُ. شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلهُكِ إِلهِي” (را16:1)، والرابعة «بثشبع» التي تُرينا ان الخلاص هو بالنعمة وأبدي (2صم11، 12) و (مز3:23) ، (عب38:10، 39).

4) نجد في سلسلة نسب المسيح في إنجيل متى أشخاصًا من مختلف الطبقات الإجتماعية، ففيها نجد راحاب الزانية، وإسحق الشاب الطاهر مُحب السلام، وقد رتب الله ذلك حتى يكون المسيح بحق «ابن الإنسان»، أي «ابن الإنسانية» سواء أكانت الإنسانية الرفيعة، أو الإنسانية الوضيعة لأن المسيح جاء مشاركًا البشرية بكافة طبقاتها «كابن الإنسان» ومخلصًا وفاديًا لها باعتباره «ابن الله».

5) في متى 8:1 نقرأ «يورام ولد عُزيا» ولا يقصد بذلك أن يورام هو أبو عُزيا، ولكن المقصود أن عُزيا سليل يورام، لأن ما بين يورام وعُزيا لا يُذكر ثلاث ملوك وردت أسمائهم في السلسلة الواردة في (1أخ11:3، 12). وهم أخزيا ويوشيا وأمصيا، وحَزف أسماء هؤلاء الملوك كان قضاءً إلهيًا عليهم حسب الوعد الإلهي القائل “وَيَمْحُو الرَّبُّ اسْمَهُ مِنْ تَحْتِ السَمَاءِ” (تث 29: 20). “وَمَعَ الصِّدِّيقِينَ لاَ يُكْتَبُوا” (مز 69: 28). من ثم لم يعترف الشعب بملكهم عليه إذ ثار عليهم وقتلهم (2أخ8:22، 9)، (2أخ25:24)، (2أخ27:25، 28)، وأسقطهم من جدول النسب الملكي. وقد قاد الروح القدس متى إلى هذا الأمر حين كتب إنجيله. لأنه كان يكتب هذا الإنجيل لليهود، وحذف بعض الأسماء من جداول الأنساب لبعض الأسباب كان أمرًا مألوفًا لدى اليهود كما هو واضح من مقابلة ما جاء في سفر (عز1:7-5) و (1أخ3:6-15).

ونلاحظ كذلك إن «عُزيا» هو نفسه الملك «عزريا»، وهذا واضح من مقارنة (2مل1:15، 2) “فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ لِيَرُبْعَامَ مَلِكِ إِسْرَائِيلَ، مَلَكَ عَزَرْيَا بْنُ أَمَصْيَا مَلِكِ يَهُوذَا. 2 كَانَ ابْنَ سِتَّ عَشَرَةَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ، وَمَلَكَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً فِي أُورُشَلِيمَ، وَاسْمُ أُمِّهِ يَكُلْيَا مِنْ أُورُشَلِيمَ”، مع ما جاء في (2أخ1:26-3) “وَأَخَذَ كُلُّ شَعْبِ يَهُوذَا عُزِّيَّا وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشَرَةَ سَنَةً وَمَلَّكُوهُ عِوَضًا عَنْ أَبِيهِ أَمَصْيَا. هُوَ بَنَى أَيْلَةَ وَرَدَّهَا لِيَهُوذَا بَعْدَ اضْطِجَاعِ الْمَلِكِ مَعَ آبَائِهِ. كَانَ عُزِّيَّا ابْنَ سِتَّ عَشَرَةَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ، وَمَلَكَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً فِي أُورُشَلِيمَ، وَاسْمُ أُمِّهِ يَكُلْيَا مِنْ أُورُشَلِيمَ”.

ومن المألوف في الكتاب المقدس أن يكون للشخص أسمان كما كان أسم ابن داود الثاني وهو ابن أبيجايل امرأة نابال الكرملي «كيلآب» (2صم3:3) و «دانيئيل» (1أخ1:3) في ذات الوقت وكما كان لدانيال أسم اخر وهو «بلطشاصر» (دا6:1).

6) في (مت11:1) نقرأ «يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ”» والمقصود بإخوته هنا أعمامه الذين منهم «متنيا، أو «صدقيا» الذي جلس على العرش بعده، ويدعى في (2أخ10:26) أخاه.

7) في (مت12:1) نقرأ «يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ» وهذا لا يتعارض مع ما قيل في (إر30:22) « اكْتُبُوا هذَا الرَّجُلَ عَقِيمًا» لأن هذا العقم هو من جهة الجلوس على العرش لا من جهة النسل كما قيل في الآية “هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: اكْتُبُوا هذَا الرَّجُلَ عَقِيمًا، رَجُلًا لاَ يَنْجَحُ فِي أَيَّامِهِ، لأَنَّهُ لاَ يَنْجَحُ مِنْ نَسْلِهِ أَحَدٌ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَحَاكِمًا بَعْدُ فِي يَهُوذَا” (إر 22: 30). ولم يأخذ شَأَلْتِئِيلَ ولا أحد من نسله العرش إلى أن جاء المسيح.

8) في (مت12:1) نقرأ «شَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ» والواضح من (1أخ19:3) أن زربابل هو بن فدايا بن شَأَلْتِئِيلُ وقد حذف أسم «فدايا» من الجدول بحسب عادة اليهود لسبب ما كما ذكرنا آنفًا.

9) في (مت13:1) نقرأ «زَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ» وفي (لو27:3) «يُوحَنَّا، بْنِ رِيسَا، بْنِ زَرُبَّابِلَ» وبالرجوع إلى (1أخ19:3) نجد أن زربابل كان له ابنان «مَشُلاَّمُ وَحَنَنْيَا» وعلى ذلك يكون «مَشُلاَّمُ» هو الاسم الثاني لأبيهود جد يوسف أو لعله حُذف لقصد إلهي من سفر أخبــار الأيام كما يقول «قاموس وستمنسترWestminster Dictionary»، و«حَنَنْيَا» هو الاسم الثاني «ليوحنا» جد مريم العذراء ومعنى الاسمين واحد وهو «الرب رؤوف».

أما «رِيسَا» فمحذوف حسب عادة اليهود في جداولهم، ومن هنا يتبين لنا أن زربابل هو الجد المتوسط لعائلتي يوسف ومريم، كما أن داود هو الجد الأول لهما.

10) الأسماء المذكورة في (مت13:1-5) غير موجودة في أسفار العهد القديم، لأن أصحابها وُجدوا بعد إختتام أسفار العهد القديم في فترة توقف الوحي بين ملاخي ويوحنا المعمدان، ومما لا شك فيه أن هذه الأسماء تُطابق ما جاء في السجلات العائلية التي كان اليهود يعتنون عناية تامة بها لحفظ أنسابهم، وكان الذين يهملون هذه السجلات يُرذلون كما نقرأ في سفر عزرا “هؤُلاَءِ فَتَّشُوا عَلَى كِتَابَةِ أَنْسَابِهِمْ فَلَمْ تُوجَدْ، فَرُذِلُوا مِنَ الْكَهَنُوتِ” (عز 2: 62).

وبغير شك أن الله قد رتب أن تُحفظ سلسلة أنساب المسيح سليمة من آدم إلى أن وصلت إليه، وكان الأشخاص الذين تتكون منهم هذه السلسلة يمتازون بصفة واحدة لجميعهم هي صفة «الإيمان» سواء كان الشخص هو «راحاب الزانية» التي قبلت الجاسوسين بسلام، أو «داود» مرنم إسرائيل الحلو، وهذا السجل المتقن الذي يحوي انساب هذه الأجيال ويربطها معًا يؤكد لنا وحي الكتاب المقدس.

11) أُعيد أسم داود الملك في فاتحة المجموعة الثانية من مجموعة الأسماء لأنه الموروث الأصلي والأول للعرش، ورأس العائلة المالكة، وبذلك تكون هذه المجموعة اربعة عشر إسمًا كسابقتها، وأصبحت المجموعة الثالثة أيضًا كسابقتيها بإضافة أسم ربنا يسوع المسيح في ختامها كالوارث الحقيقي والأخير للعرش، كما نقرأ “يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ” (مت1:1) وكما قيل أيضًا “وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ” (لو32:1).

12) كلمة جيل التي وردت مرارًا في الإصحاح الأول من إنجيل متى معناها دور من حياة العائلة بمعدل حياة الشخص أو مدة حكم الملك، وتأتي بمعان أخرى منها: جملة الناس العائشين معًا في وقت واحد (تك1:7). أو مدة من الزمن تساوي مائة سنة (تك13:15-16)، أو صنف من الناس (تث5:32) أو وقت من الأوقات (لو50:1).

13) لا يجب أن يفوتنا الفرق بين سلسلة نسب المسيح الواردة في (مت1:1-17)، وتلك الواردة في (لو23:3-38).

أ‌) فالأولى هي سلسلة نسب يوسف بن سليمان بن داود، والثانية سلسلة نسب مريم العذراء بنت ناثان بن داود، وقد ذكر متى سلسلة النسب متصلة بيوسف رجل مريم، لا على إعتبار أنه والده الجسدي بل على إعتبار أنه رجل مريم التي وُلد منها يسوع، وبالتالي على إعتبار أن يسوع منتسب إليه قانونًا ولذا يصبح الوارث الشرعي لعرش داود أبيه وهذا يوضحه ما جاء في إنجيل لوقا بالكلمات “وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ” (لو23:3). وما قالته مريم أمه له حين ذهبت مع زوجها يوسف تفتش عنه في الكلمات “وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَيَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!” (لو48:2).

ب‌) متى كتب إنجيله لليهود عن «مسيا» الذي ينتظرونه ابن داود فبدأ بإبراهيم ابي اليهود، أما لوقا فكتب إنجيله لليونان عن المسيح «ابن الإنسان» فوصل به إلى آدم أبي الجنس البشري كله.

ت‌) في إنجيل متى نقرأ أن “وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ” ولكننا نقرأ في إنجيل لوقا أن “ابْنَ يُوسُفَ، بْنِ هَالِي”. فكيف نوفق بين هذين النصين؟ وكيف يكون يوسف بن يعقوب وبن هالي في آن واحد؟! والحل البسيط هو أن يوسف كان بن يعقوب بالتناسل الطبيعي، لكنه كان ابن هالي شرعًا لأنه تزوج ابنته مريم العذراء ولذا وضع إسمه بدلاً عن أسمها كعادة اليهود، ومن هنا نتبين أن «يوسف ومريم» كانا من سبط يهوذا ومن العائلة المالكة.

ث‌) جاء في (مت12:1) أن «يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ» بينما نقرأ في (لو27:3) أن «شَأَلْتِيئِيلَ، بْنِ نِيرِي» ولا تعارض في القولين فإن شَأَلْتِئِيلَ هو ابن يَكُنْيَا فعلاً، وابن نيري شرعًا لأنه أخذ ابنته زوجة فوضع إسمه مكان أسمها كعادة اليهود.

وهكذا يظهر لنا أن المسيح قد جاء من نسل «داود» وتمت في شخصه المبارك النبوات الواردة بهذا الخصوص.

والآن لنعد من جديد إلى أسئلة التلاميذ والمسيح .. فالتلاميذ يتسائلون وهم يرون سلطان المسيح الفائق على الطبيعة قائلين «من هو هذا؟» والمسيح يسألهم «من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟» «وأنتم تقولون إني انا؟»، ويسأل الفريسيين قائلاً: «ماذا تظنون في المسيح؟» وكل هذا ليثير تفكير تلاميذه والمحيطين به ليتأكدوا بأنفسهم من حقيقة شخصه.

فمن واجبنا إذًا ان نلم بكل المعلومات عن شخصية المسيح الفريدة، لنعرف حقيقتها الأكيدة.

ويستطيع المرء إذا تجرد عن الهوى، وبذل الجهد الضروري، وطرح جانبًا التعصب الأعمى، وما توارثه من أراء خاطئة، ودرس الكتاب المقدس بذهن مفتوح، أن يتبين في وضوح حقيقة شخص المسيح.

حتمية العودة إلى الكتاب المقدس

ونؤكد من البداية حتمية العودة إلى الكتاب المقدس، ذلك لأننا بعيدًا عن الكتاب المقدس لا نستطيع بحال ما أن نعرف حقيقة المسيح، فالعقل وحده لا يستطيع أن يدرك حقيقته إذ لا بد من إعلان سماوي يُعين العقل على الوصول إلى الحق الصريح، لأنه “أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟ لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ. لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ” (1كو20:1-24).

ولقد ظهر في ألمانيا فيما بين سنة (1743 – 1819) فيلسوف إسمه «جاكوبي» وكانت كتاباته ردًا على فلسفة «اسبينوزا» الذي نادى بأن العقل وحده هو باب المعرفة الوحيد، وقد قال «جاكوبي»: «إن العقل غير المُعان بالوحي الإلهي لا بد أن يقود الإنسان إلى الإلحاد، وذلك لأن بطبيعته الخاصة، لا يستطيع أن يعالج سوى الأشياء ذات الحدود، وأجزاء الأشياء، وهو يضع هذه الأجزاء معًا ليكشف ما بينها من روابط، ولكنه يعجز عن الحصول على مادة الحقيقة الخام، لا سيما الحقيقة التي تشمل الأشياء جميعًا مضموما بعضها إلى بعض في وحدة كاملة متكاملة».

وعند «جاكوبي» أن الله الذي يمكن إثباته بالمنطق وحده لا يمكن أن يكون الله، لأن الحصول عليه بالمعرفة عن طريق العقل يتضمن معنى سيطرة العقل. والخالق الأعظم لا يمكن أن يسيطر عليه او يحتويه عقل. إن حقيقة الله ليس سبيلها الفكرة المنطقية تتلوها أخرى، إن الله قد تنازل سبحانه وتعالى فأعلن عن ذاته بالوحي الذي سجله الكتاب المقدس.

ونقول بيقين إنه بدون الرجوع إلى الكتاب المقدس بأسفاره الستة والستين من سفر التكوين إلى سفر رؤيا يوحنا، يُصبح الحديث عن المسيح مجرد لغو وهُراء.

ولا عبرة بأن الكتاب المقدس الذي بين أيدينا قد أصابه التحريف .. إذ أننا نسأل أمام هذا الإدعاء قائلين:

لمصلحة من هذا التحريف؟ ومن الذي قام به وأحدثه في الكتاب الكريم؟ وفي أي تاريخ حرفه المحرفون؟

فإذا قولنا إن اليهود هم الذين حرفوه .. رد علينا العقل المتزن والمنطق السليم قائلاً: كيف يمكن لليهود أن يحرفوا الكتاب المقدس. ويبقوا فيه اللعنات الرهيبة التي تنصب على رؤوسهم كشعب متمرد ضال؟ أفما كان بالأولى جدًا أن يحذف المحرفون من الكتاب المقدس هذه اللعنات، وأن يحولوها بتحريفهم إلى بركات؟! إن المرء يكفيه أن يقرأ ما جاء في الإصحاح السادس والعشرون من سفر اللاويين ليرى بنفسه فظاعة اللعنات التي يصُبها الله على هذا الشعب حين يسلك معه بالخلاف.

تعالى معي لنقرأ بعض ما جاء في هذا الإصحاح: “وَإِنْ كُنْتُمْ بِذلِكَ لاَ تَسْمَعُونَ لِي بَلْ سَلَكْتُمْ مَعِي بِالْخِلاَفِ، فَأَنَا أَسْلُكُ مَعَكُمْ بِالْخِلاَفِ سَاخِطًا، وَأُؤَدِّبُكُمْ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ حَسَبَ خَطَايَاكُمْ، فَتَأْكُلُونَ لَحْمَ بَنِيكُمْ، وَلَحْمَ بَنَاتِكُمْ تَأْكُلُونَ. وَأُخْرِبُ مُرْتَفَعَاتِكُمْ، وَأَقْطَعُ شَمْسَاتِكُمْ، وَأُلْقِي جُثَثَكُمْ عَلَى جُثَثِ أَصْنَامِكُمْ، وَتَرْذُلُكُمْ نَفْسِي. وَأُصَيِّرُ مُدُنَكُمْ خَرِبَةً، وَمَقَادِسَكُمْ مُوحِشَةً، وَلاَ أَشْتَمُّ رَائِحَةَ سَرُورِكُمْ” (لا27:26-31)

ويسأل العقل المتزن أيضًا: كيف يمكن لليهود أن يحرفوا الكتاب المقدس ولا ينزعوا من صفحاته كذب إبراهيم أبيهم، وزنى داود ملكهم وقتله لأحد قادتهم، وتدهور سليمان حكيمهم؟

إن وجود الحوادث التي تؤكد كذب إبراهيم، وزنى داود وإنحراف سليمان، أصدق دليل على أن الكتاب المقدس هو كتاب الله الذي لا يخشى وجه إنسان مهما عظُمَ ذلك الإنسان.

وإذا قُلنا: إن المسيحيين حرفوا الكتاب المقدس؟ سأل العقل المفكر: أي جزء من الكتاب حرفه المسيحيين؟

يقينًا إنه لم يكن في وسعهم أن يحرفوا العهد القديم لوجود هذا الكتاب أصلاً بين ايدي اليهود، فهو كتابهم قبل أن يكون كتاب المسيحيين، وثابت من التاريخ إن العهد القديم قد تُرجم إلى اللغة اليونانية نحو سنة 285 قبل الميلاد بواسطة 70 عالمًا من علماء اليهود بأمر من «بطليموس فيلادلفوس» وصارت هذه الترجمة معروفة بإسم «الترجمة السبعينية». وقد انتشرت هذه الترجمة قبل ميلاد المسيح، فمن المستحيل إذًا أن يحرف المسيحيون كتاب العهد القديم. كذلك من المستحيل الاعتقاد بأن اليهود قد حرفوا العهد الجديد، ذلك لأن العهد الجديد يؤكد أنهم هم الذين صلبوا المسيح ويصُب الويلات على الكتبة والفريسيين منهم، فلو أن اليهود حرفوه لحذفوا منه كل هذه الأجزاء. أما إذا أدعى مُدعي بأن المسيحيين قد حرفوا العهد الجديد فإن هذا الإدعاء ينهار أمام عدة حقائق.

الحقيقة الأولى: هي بقاء التوافق العجيب بين العهد القديم والعهد الجديد،وفي هذا أقوى الدليل على إن يدًا بشرية لم تمتد بالتحريف لكتاب الله الكريم، فمن المعروف أن العهد الجديد مستتر في نبوات العهد القديم، وإلا فضح العهد القديم أي تحريف في العهد الجديد.

الحقيقة الثانية: هي أن المسيحيين قد لاقوا بسبب إيمانهم بحقائق العهد الجديد أفظع أنواع العذاب، فقد جرّ عليهم إيمانهم بالمسيح، وفدائه، وسلطانه على القلب والفكر .. الألم والتشريد، والاضطهاد، والموت. ومن الممكن للإنسان البشري ان يكذب لمصلحة خاصة أو للنجاة من مأزق خطير، لكن ليس من الممكن أو المقبول أن يستمر الإنسان في كذبه حتى يقوده الكذب إلى الموت، ولقد مات ملايين المسيحيين بسبب إيمانهم بما جاء في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد .. فهل يعقل أن يقوم المسيحيون الذين أشتهروا في القرون الأولى للمسيحية بأخلاقهم الفاضلة، وقداسة حياتهم، ورضاهم بالتضحية بحياتهم من أجل المسيح بسرور ورضى، بتحريف الكتاب المقدس وهو الكتاب الذي ينتهي أسفاره بالكلمات “لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذِهِ النُّبُوَّةِ، يَحْذِفُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمِنَ الْمَكْتُوبِ فِي هذَا الْكِتَابِ” (رؤ18:22، 19).

والحقيقة الثالثة: أنه رغم الاختلافات العقائدية التي انتشرت في الكنائس المسيحية منذ عصر الرسل، إلا أنها اتفقت جميعًا في مجمع قرطاجنة الذي عُقد سنة 397 على قانونية أسفار العهد الجديد كما هي بين أيدينا.

والحقيقة الرابعة: أنه لا يعقل أن يعطي الله الناس كتابًا من وحيه ثم لا يحفظ هذا الكتاب بقدرته من التحريف على طول الزمان.

نقرأ في سفر إشعياء الكلمات “صَوْتُ قَائِل: «نَادِ». فَقَالَ: «بِمَاذَا أُنَادِي؟» «كُلُّ جَسَدٍ عُشْبٌ، وَكُلُّ جَمَالِهِ كَزَهْرِ الْحَقْلِ. يَبِسَ الْعُشْبُ، ذَبُلَ الزَّهْرُ، لأَنَّ نَفْخَةَ الرَّبِّ هَبَّتْ عَلَيْهِ. حَقًّا الشَّعْبُ عُشْبٌ! يَبِسَ الْعُشْبُ، ذَبُلَ الزَّهْرُ. وَأَمَّا كَلِمَةُ إِلهِنَا فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ” (إش6:40-8). كذلك نقرأ في إنجيل متى الكلمات “اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ” (مت35:24). ونقرأ في إنجيل يوحنا الكلمات “قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَقٌ (يو 17: 17). فالله إذاً قد ضمن بقاء كلمته بلا تحريف إلى مدى الأدهار، وأوصى شعبه القديم قائلاً: “كُلُّ الْكَلاَمِ الَّذِي أُوصِيكُمْ بِهِ احْرِصُوا لِتَعْمَلُوهُ. لاَ تَزِدْ عَلَيْهِ وَلاَ تُنَقِّصْ مِنْهُ” (تث 12: 32).

وهنا يجدر بنا أن نذكر أن نُسخ الكتاب المقدس اليونانية الموجودة بين أيدينا حتى اليوم هي:

1) النسخة الفاتيكانية: خطت في أوائل القرن الرابع وهي الآن في مكتبة الفاتيكان في روما.

2) النسخة السينائية: خطت في أواخر القرن الرابع للمسيح على رقوق مرهفة في أربعة أعمدة على الصفحة، وقد وجدها العالم الألماني «تشندروف» في دير سانت كاترين عند سفح جبل سيناء، وأهديت هذه النسخة إلى القيصر نيقولا الثاني إمبراطور روسيا فأمر بطبعها ونشرها، وظلت النسخة الأصلية في لينجراد إلى أن بيعت مؤخرًا للمتحف البريطاني بمئة ألف جنيه استرليني.

3) النسخة الاسكندرية: خطت في القرن الخامس للميلاد وبقيت في حوزة بطاركة الاسكندرية حتى سنة 1628 حين أهديت إلى «شارلس الأول» ملك بريطانيا، وهي الآن محفوظة في المتحف البريطاني.

وفي مطلع عام 1947 عثر العلماء في وادي القمران من شرق الأردن على مخطوطات من العهد القديم على جانب عظيم من الأهمية، فقد عثروا على سفر إشعياء بكامله باللغة العبرية، ويرجع هذا المخطوط في تقدير العلماء إلى القرن الأول أو الثاني قبل الميلاد وقد ظهر أن هذا السفر يتفق تمامًا مع سفر إشعياء الذي بين أيدينا، ومنذ ذلك التاريخ والباحثون يعثرون على الكثير من أسفار الكتاب المقدس مما يعود إلى سنة 110 و 170 بعد الميلاد وكل اكتشافاتهم تؤكد صدق الكتاب الكريم وخلوه من التحريف.

فإذا تأكدنا من وجود نُسخ قديمة للكتاب المقدس كله تعود إلى ما قبل القرن الرابع الميلادي وما زالت بين أيدينا إلى اليوم، وعرفنا أن الإسلام ظهر في القرن السادس الميلادي، ورأينا بوضوح أن القرآن يؤكد سلامة الكتب المقدسة بعهديه القديم والجديد، كان في وسعنا ان نقول بيقين إنه حتى القرن السادس للميلاد لم يحرف الكتاب المقدس ولم يأته الشك من بين يديه ولا من خلفه إذ لا يقبل إنسان عاقل القول بأن نبي الإسلام يحُض المسلمين على قبول كتاب أمتدت إليه يد التحريف.

فتعالى معي لنقرأ ما جاء في القرآن:

ففي سورة المائدة نقرأ:

«قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ..»
«وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ»
«إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ»
«وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ»
«وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ»

وفي سورة الجاثية نقرأ:

«وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ».
وفي سورة الإسراء نقرأ:
«وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّۦنَ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۖ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا»

وفي سورة النساء نقرأ: « وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا».

هذا كله يؤكد لنا أن الكتاب المقدس بكلا عهديه لم يحرف حتى ظهور الإسلام وإلا ما حث الإسلام المسلمين أن يقيموا التوراة والإنجيل قائلاً لهم:

«لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ».

متى إذن حدث التحريف في الكتاب المقدس؟

بغير شك أن العقل والمنطق السليم يدعوان إلى نبذ دعوة التحريف، إذ لا يعقل أن يُحرف كتاب قد تداولته الأيدي، وانتشرت نُسخه في أرجاء الأرض، وصار العهد القديم كتابًا مقدسًا عند اليهود والعهدان معًا كتابًا مقدسًا لدى جميع المسيحيين، أقول لا يعقل أن يحرف الكتاب المقدس بعد هذه القرون، إنه لو حدث التحريف لظهرت النسخ المتضاربة بين أيدي اليهود والمسيحيين، ولكن ما نراه هو إنه رغم اختلاف المسيحيين في إعتقداتهم فإنهم جميعًا يدينون بكتاب واحد لا تختلف نسخه باختلاف طوائف المسيحيين .. كما أنه لو حدث التحريف في العهد القديم لدافع عنه المؤمنون به من اليهود وأظهروا الفرق بين النسخة السليمة والنسخة المحرفة، ولو حدث التحريف في العهد الجديد لدافع عنه المؤمنون به من المسيحيين، وأوضحوا الفرق بين النسخة السليمة والنسخة المحرفة، وعلى هذا يمكننا أن نقول بيقين أن الكتاب المقدس لم تمتد إليه يد التحريف، وأنه في اللغات الأصلية التي كتب بها كلمة الله المعصومة تمامًا من كل خطأ.

وهنا قد ينبري أحدهم قائلاً: وما قولك في الإنجيل المُسمى «إنجيل برنابا»؟

ونترك الإجابة على هذا السؤال للأستاذ عباس محمود العقاد، وننقُلها بأمانة علمية كما نشرها في صحيفة الأخبار بعددها الصادر في 26 أكتوبر 1959 وقال فيها بالحرف الواحد ما يلي:

«حقيقة واحدة يمكن الجزم بها وهي أن إنجيل برنابا لم يكن موافقًا كل الموافقة للأناجيل الأخرى في جوهره وأصوله، لأنه لم يُعتمد مع تلك الأناجيل عند إقرارها .. أما فيما عدا هذه الحقيقة فالواضح لدينا إن الإنجيل المترجم إلى اللغة الإنجليزية قد أُضيفت إليه زيادات غير قليلة، وقد لوحظ في كثير من عباراته أنها كُتبت بصيغة لم تكن معروفة قبل شيوع اللغة العربية في الأندلس وما جاورها، وإن وصف الجحيم فيه يستند إلى معلومات متأخرة لم تكن شائعة بين اليهود والمسيحيين في عصر الميلاد، ولسنا نعني بذلك ما قيل من أن وصف الجحيم في إنجيل برنابا منقول من قصة دانتي الشاعر الإيطالي عن الكوميدية الإلهية، فإن الوصفين لا يتفقان عند المقابلة بينهم، وأن الشاعر دانتي نفسه قد نقل صورة الجحيم في قصته من مصادر معروفة له ولغيره، ومنها ما يرجع إلى أشعار هوميروس وقصائد شعراء الرومان وأساطير التلمود. فليست المشابهة بين وصف برنابا ووصف دانتي هي علة الشك في بعض عبارات الإنجيل المختلف عليه، وإنما نشك في كتابة برنابا لتلك العبارات لأنها من المعلومات التي تسربت إلى القارة الأوروبية نقلاً عن المصادر العربية، وليس من المألوف أن يكون السيد المسيح قد أعلن البشارة أمام الألوف بأسم «محمد رسول الله» ولا يسجل هذا الإعلان في صفحات هذا الإنجيل.

كذلك تتكرر في الإنجيل بعض أخطاء لا يجهلها اليهودي المُطلع على كتاب قومه ولا يرددها المسيحي المؤمن بالأناجيل المعتمدة في الكنيسة الغربية، ولا يتورط فيها المسلم الذي يفهم ما في إنجيل برنابا من المناقضة بينه وبين نصوص القرآن.

ولهذا يخطر لنا أن الزيادات قد أُضيفت بقلم كاتب لم يقصد ترويج هذا الإنجيل بين اليهود أو المسيحيين أو المسلمين، ولكنها زيدت لإلقاء الشبهة عليه ووقف سريانه بين طائفة من الطوائف، حذرًا من ظهور نسخة أخرى تقلل أسباب الشك فيها فيسهل قبولها والإستناد إليها.

ولا نقول إن هذا الظن هو الظن الوحيد الذي يخطر على البال، فإن الزيادة قد تكون بقلم يهودي أو مسيحي أسلم فأحب أن يعدل الكتاب بما يوافق معتقده، ولم يشمله كله بالتعديل لصعوبة تعديل كتاب كامل على نسق واحد، فبقيت فيه مواضع التناقض والاختلاف». أ.هـ.

فإنجيل برنابا إذاً إنجيل دخيل لا يتفق مع سائر الأناجيل، ولم يقبله المسيحيون، كما أنه يناقض كما يقول الأستاذ العقاد قرآن المسلمين، ولذا فنحن نستبعده على أساس من العقل والمنطق والقانون.

أما إذا أصر مكابر على إدعائه بتحريف الكتاب المقدس، فإننا نرد عليه ببساطة قائلين: هات لنا نسخة الكتاب المقدس غير المحرفة، ونحن نُلقي بالنسخة المحرفة بعيدًا، فالبينة على من أدعى كما يقول رجال القانون.

لا بد إذًا من إعتمادنا الكُلي على الكتاب المقدس، ويقيننا التام بأنه مُوحى به من الله، لنعرف في كلماته الوضاءة حقيقة المسيح.

 

قضية مصيرية

إن السؤال الذي طالما ردده الكثيرون عبر السنين هو: هل كان المسيح حقًا هو «الله، ظاهرًا في صورة إنسان؟

ولو أن إجابة هذا السؤال اتصلت بمجرد المعرفة العقلية فقط، ولم يكن لها علاقة بالمصير الأبدي للإنسان، إذاً لما كان هناك داع للكتابة عن حقيقة المسيح .. أما وأن علاقة الفرد بالمسيح ومعرفته بحقيقته، وقبوله لشخصه، هي في مفهوم الكتاب المقدس الطريق الوحيد لتحديد المصير الأبدي للإنسان، وتغيير إتجاهه الطبيعي، ومنحه الإتزان النفسي، فهذا كله يعطي أهمية كبرى لا تعلوها أهمية أخرى في الحياة البشرية لمعرفة حقيقة المسيح.

ذلك لأن الكتاب المقدس يؤكد بوضوح لا إبهام فيه، أن الذي لا يؤمن بالمسيح بإعتباره «ابن الله» والله الظاهر في الجسد لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله.

فتعال معي لنقرأ كلمات الكتاب المقدس الكريم:

“الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ” (يو 3: 36).

“وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ” (يو30:20، 31).

“يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي صَلَبْتُمُوه. لَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ” (أع10:4،12).

“إِنْ كُنَّا نَقْبَلُ شَهَادَةَ النَّاسِ، فَشَهَادَةُ اللهِ أَعْظَمُ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ شَهَادَةُ اللهِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا عَنِ ابْنِهِ. مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. مَنْ لاَ يُصَدِّقُ اللهَ، فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا اللهُ عَنِ ابْنِهِ. وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ. مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ” (يو9:5-12).

من كل هذه الكلمات الإلهية الواضحة يتبين لنا خطورة القضية التي نحن بصددها .. فهي ليست قضية عقائدية، أو عقلية، ولكنها قضية مصيرية، فالإنسان يستطيع أن يحيا حياته كلها دون أن يعرف شيئًا عن بوذا، أو كنفوشيوس، او زرادشت، أو غيرهم من زعماء الأديان، ولا يؤثر جهله هذا في مصيره بعد الموت، أما إذا تجاهل المسيح، ولم يتعرف به. ويقبله مخلصًا شخصيًا لنفسه فإنه سوف يهلك إلى الأبد في الجحيم كما يؤكد ذلك يوحنا الرسول في إنجيله بالكلمات “لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ” (يو17:3، 18).

وبغير شك إن شخصًا يقرر قبوله أو رفضه المصير الأبدي للإنسان يتحتم أن يكون هو الله، لأن الله وحده هو الذي في يده تقرير مصير الإنسان.

والآن ما هي الأسباب التي تقودنا في يقين إلى «حتمية الإيمان بأن المسيح هو الله؟»

1) السبب الأول هو الإيمان بالله كما أعلن ذاته في الكتاب المقدس:

من الأمور التي يؤكدها الكتاب المقدس أن “اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ” (يو 1: 18)، وأنه “الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ” (1 تي 6: 16). وفي القديم إشتاق موسى أن يرى الله “فَقَالَ: «أَرِنِي مَجْدَكَ»” (خر 33: 18). وأجابه الله وقال “لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ” (خر 33: 20).

وعلى هذا فليس بين البشر من نقبل إدعاءه لو قال إنه رأى الله، وبالتالي ليس في مقدور أحد ان يخبرنا عن: من هو الله؟ وماذا يشبه الله؟ وما هي سجاياه؟ إلا الله ذاته.

وقد تنازل جل شأنه فأعلن ذاته على صفحات الكتاب المقدس، وأرانا أنه «إله واحد» في «ثالوث عظيم»، وأن وحدانيته ليست وحدانية مجردة، أي لا تتصف بصفة من الصفات، بل هي «وحدانية جامعة» فيها كل ما يلزم لكماله واستغنائه بذاته عن كل شيء في الوجود.

ووحدانية الله ظاهرة في الكتاب المقدس في وضوح لا غموض فيه، فتعال معي لنقرأ كلمات الكتاب الكريم:

“اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ” (تث 6: 4).
“هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ … أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ، وَلاَ إِلهَ غَيْرِي” (إش 44: 6).
“أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لاَ إِلهَ سِوَايَ” (إش 45: 5).
“لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” (مت 4: 10).
“أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ” (يع 2: 19).

كل هذه الآيات تؤكد «وحدانية الله»، أما الإعلان عن «وحدانية الله في ثالوث عظيم» فقد جاء تدريجيًا في ثنايا العهد القديم، وجاء بألفاظ صريحة لا إبهام فيها على صفحات العهد الجديد.

وهنا قد يخطر ببالنا هذا السؤال: لماذا لم يعلن الله بألفاظ صريحة في العهد القديم عن وحدانيته في ثالوث عظيم؟

ونجيب: إن الله لم يعلن صراحة عن وحدانيته في ثالوث في العهد القديم لأن الشعب الإسرائيلي الذي اعطاه الله العهد القديم كان قد خرج من مصر الوثنية، وكان في مصر الوثنية أكثر من ثالوث .. كانت هناك مجموعات من الآلهة تتكون كل مجموعة منها من ثلاث آلهة .. المجموعة الأولى كانت مكونة من: آمون، وخنسو، وموت. والمجموعة الثانية كانت مكونة من: إيزيس، وأوزوريس، وهورس. والمجموعة الثالثة كانت مكونة من: خنوم، وساتيت، وعنقت، فلو أن الله الحكيم أعلن للإسرائيليين الخارجين من مصر عن ذاته في ثالوثه العظيم، لغلبت الأفكار المتوازنة والمنقولة من مصر الوثنية حقيقة الأعلانات الإلهية، ولاعتقد الإسرائيليين بوجود ثلاثة آلهة، ولهذا أقتضت حكمة الله أن يعلن عن وحدانيته في ثالوثه العظيم تدريجيًا بقدر ما رأى في حكمته من استعداد الشعب القديم لتقبل الإعلان الكامل عن شخصه الكريم.

ورغم ما عمله الله لإبعاد كل صور التعدد من اذهان الشعب القديم، فإن الشعب الإسرائيلي الخارج من مصر صنعوا عجلاً مسبوكًا وسجدوا له .. وقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من ارض مصر، كما نقرأ في سفر الخروج “فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اذْهَبِ انْزِلْ. لأَنَّهُ قَدْ فَسَدَ شَعْبُكَ الَّذِي أَصْعَدْتَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. زَاغُوا سَرِيعًا عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَوْصَيْتُهُمْ بِهِ. صَنَعُوا لَهُمْ عِجْلًا مَسْبُوكًا، وَسَجَدُوا لَهُ وَذَبَحُوا لَهُ وَقَالُوا: هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ” (خر7:32، 8).

وبغير شك أن وجود عقيدة «ثالوث» في ديانات الهنود، والمصريين، والفينيقيين، والصينيين، يؤكد أن مصدر الاعتقاد واحد هو إعلان الله ذاته منذ البدء للإنسان، لكن البشر شوهوا ما وصل إليهم من حق عن الله، واستبدلوه بثالوث من ابتكار عقولهم التي انحرفت عن إعلانات الله، وهذا ما يؤكده بولس الرسول في كلماته: “أَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ، وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَاتِ. لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ”.

ومن هذه الكلمات المنيرة نرى أن الناس قد عرفوا الله في ثالوثه العظيم، ولكنهم في ظلام عقولهم الغبية الحمقاء أبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بثالوث من ابتكار مُخيلاتهم المريضة، وهكذا حل التقليد الزائف الرذيل مكان الجوهر الأزلي الأصيل في عقول البشر الذين طمس قلوبهم الظلام.

لكن حقيقة وحدانية الله الجامعة تبقى واضحة لكل ذي عينين، وها هو الله جل شأنه يعلن على صفحات الكتاب المقدس عن وحدانيته في ثالوث عظيم، متدرجًا في إعلانه بحسب ما رأى من استعداد في البشر لتقبل هذا الحق الثمين.

– وأول إعلان عن وحدانية الله في ثالوث عظيم جاء في غرة سفر التكوين:

فهناك نقرأ الكلمات “فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ” (تك 1: 1). وفي الأصل العبري جاءت كلمة «خلق» بالمفرد بينما ورد أسم «الله» بالجمع، إذ تقول الآية في الأصل العبري في البدء خلق إلوهيم السموات والأرض وكلمة «إلوهيم» هي جمع للأسم العبري «إلوه» أي إله. وتؤكد الصيغة اللفظية للآية (وحدانية الله في ثالوث عظيم هذا واضح من كلمة «خلق» التي تؤكد «الوحدانية» و «إلوهيم» التي تؤكد وجود الثالوث في هذه الوحدانية).

– الإعلان الثاني عن وحدانية الله في ثالوث عظيم جاء يوم خلق الله الإنسان:

بعد أن أعد الله الأرض للسُكنى. فأنبت فيها النبات، وخلق الحيوان، حان وقت خلقه للإنسان فقال جل شأنه: “نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا” (تك26:1). وأمام ألفاظ هذه الصيغة يدور في الذهن أكثر من سؤال:

وهل هناك من يعادله حتى يستشيره فيما يعمل، وهو المكتوب عنه “مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟” (رو 11: 34).

وكيف يمكن أن يكون الإنسان على صورة الله وشبهه، والله لا شبيه له كما قال إشعياء النبي “فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَ اللهَ، وَأَيَّ شَبَهٍ تُعَادِلُونَ بِهِ؟” (إش 40: 18).

وما دلالة «النون» في «نعمل» و «النا» في «صورتنا» وفي «كشبهنا»؟

وكيف يمكن أن يكون الإنسان جسدًا، ويكون في ذات الوقت على صورة الله مع أننا نقرأ أن “اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا” (يو 4: 24)؟

ولا يمكننا أن نجد إجابة شافية عن هذه الأسئلة إلا إذا وضحت أمامنا حقيقة «وحدانية الله الجامعة، ففيها نرى الآب والابن والروح القدس في حديث واحد يبدو في كلمة «نعمل» ونرى الثالوث العظيم يقرر الصورة التي سيخلق عليها الإنسان، وهي ذات الصورة التي كان المسيح سيأتي بها متجسدًا، ولقد قيل عن المسيح “الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ” (كو 1: 15). وعلى هذا يكون الإنسان قد خُلق على صورة الله باعتبار أن المسيح هو صورة الله غير المنظور، وهو في ذات الوقت «الله ابن» الذي تجسد في ملء الزمان.

وقد يقول قائل: إن ألفاظ هذه الصيغة لا تعني أكثر من أن الله استخدم «لغة التعظيم» فتكلم كما يتكلم الملك فيقول «نحن … ملك» لكن القائل بهذا القول يعلن عن جهله بالتاريخ القديم، فالتاريخ القديم يؤكد لنا أنه لم يكن للملوك عادة أن يتكلموا بلغة الجمع أي بلغة التعظيم. ففرعون ملك مصر إذ تحدث إلى يوسف قال له “قَدْ جَعَلْتُكَ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ” (تك 41: 41). ولم يقل «قد جعلناك على كل أرض مصر»، وفي سفر دانيال نقرأ حديث الملك نبوخذ نصر، وقد كان ملكًا جبارًا يتمتع بكل جبروت الحكم الآوتوقراطي، ومع ذلك فهو لم يستعمل لغة التعظيم عندما تكلم عن نفسه بل تحدث إلى الكلدانيين قائلاً “قَدْ خَرَجَ مِنِّي الْقَوْلُ: إِنْ لَمْ تُنْبِئُونِي بِالْحُلْمِ وَبِتَعْبِيرِهِ، تُصَيَّرُونَ إِرْبًا إِرْبًا” (دا 2: 5). ولم يقل الملك العظيم «قد خرج منا القول» لغة التعظيم ليست هي لغة الكتاب المقدس، ولا كانت لغة تعظيم الملوك في القديم، فالقول بأن الله استخدم في هذه الآية أو غيرها لغة التعظيم مردود من واقع الكتاب المقدس والتاريخ القديم.

– الإعلان الثالث عن وحدانية الله في ثالوث عظيم جاء يوم سقوط الإنسان:

بعد أن سقط آدم وحواء بعصيانهما الله بالأكل من شجرة معرفة الخير والشر نقرأ الكلمات: “وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ” (تك 3: 22). وهنا تظهر الوحدانية في ثالوث إذ تؤكد الكلمات «وقال الرب الإله» وحدانية الله، وتعلن الكلمات «قد صار كواحد منا» الثالوث في الوحدانية» وإلا فما معنى قول الله “هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا”؟ ومع من كان الله يتحدث بهذا الحديث؟

– الإعلان الرابع عن وحدانية الله في ثالوث عظيم جاء يوم بدأ الناس في بناء برج بابل:

يرينا سفر التكوين صورة للبشرية بعد الطوفان تتحدث بلسان واحد ولغة واحدة، وتفكر في الاستقلال عن إله السماء، وعن هذا نقرأ الكلمات: وَقَالُوا: “هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا لِئَلاَّ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ». فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ الْمَدِينَةَ وَالْبُرْجَ اللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو آدَمَ يَبْنُونَهُمَا. وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ” (تك4:7-7).

هنا أيضًا نجد «الوحدانية في ثالوث» فالوحدانية تظهر في الكلمات «وقال الرب، والثالوث يظهر في الكلمات «هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم، إذًا مع من كان الله يتكلم بهذا الكلام؟

– الإعلان الخامس عن وحدانية الله في ثالوث عظيم جاء قصة بلعام وبالاق:

فبعد أن بنى «بالاق» «لبلعام» سبعة مذابح وهيأ له سبعة ثيران وسبعة كباش نقرأ الكلمات “فَقَالَ بَلْعَامُ لِبَالاَقَ: «قِفْ عِنْدَ مُحْرَقَتِكَ، فَأَنْطَلِقَ أَنَا لَعَلَّ الرَّبَّ يُوافِي لِلِقَائِي، فَمَهْمَا أَرَانِي أُخْبِرْكَ بِهِ». ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى رَابِيَةٍ. فَوَافَى اللهُ بَلْعَامَ” (عد3:23، 4).

ولم يلعن بلعام شعب الله القديم كما اراد بالاق بل باركه، وهنا نقرأ الكلمات “فَقَالَ بَالاَقُ لِبَلْعَامَ: «مَاذَا فَعَلْتَ بِي؟ لِتَشْتِمَ أَعْدَائِي أَخَذْتُكَ، وَهُوَذَا أَنْتَ قَدْ بَارَكْتَهُمْ». فَأَجَابَ وَقَالَ: «أَمَا الَّذِي يَضَعُهُ الرَّبُّ فِي فَمِي أَحْتَرِصُ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ؟». فَقَالَ لَهُ بَالاَقُ: «هَلُمَّ مَعِي إِلَى مَكَانٍ آخَرَ تَرَاهُ مِنْهُ. إِنَّمَا تَرَى أَقْصَاءَهُ فَقَطْ، وَكُلَّهُ لاَ تَرَى. فَالْعَنْهُ لِي مِنْ هُنَاكَ». فَأَخَذَهُ إِلَى حَقْلِ صُوفِيمَ إِلَى رَأْسِ الْفِسْجَةِ، وَبَنَى سَبْعَةَ مَذَابحَ، وَأَصْعَدَ ثَوْرًا وَكَبْشًا عَلَى كُلِّ مَذْبَحٍ. فَقَالَ لِبَالاَقَ: «قِفْ هُنَا عِنْدَ مُحْرَقَتِكَ وَأَنَا أُوافِي هُنَاكَ». فَوَافَى الرَّبُّ بَلْعَامَ وَوَضَعَ كَلاَمًا فِي فَمِهِ وَقَالَ: «ارْجعْ إِلَى بَالاَقَ وَتَكَلَّمْ هكَذَا»” (عد11:23-16).

وفي هذه المرة الثانية لم يلعن بلعام الشعب وتضايق بالاق “فَقَالَ بَالاَقُ لِبَلْعَامَ: «لاَ تَلْعَنْهُ لَعْنَةً وَلاَ تُبَارِكْهُ بَرَكَةً … فَقَالَ بَلْعَامُ لِبَالاَقَ: «ابْنِ لِي ههُنَا سَبْعَةَ مَذَابحَ، وَهَيِّئْ لِي ههُنَا سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ». فَفَعَلَ بَالاَقُ كَمَا قَالَ بَلْعَامُ، وَأَصْعَدَ ثَوْرًا وَكَبْشًا عَلَى كُلِّ مَذْبَحٍ … وَرَفَعَ بَلْعَامُ عَيْنَيْهِ … فَكَانَ عَلَيْهِ رُوحُ اللهِ” (عد25:23-30) و(1:24 ،2).

ويثبت النص الإلهي ثلاث تسميات للإله الواحد جاءت في هذه العبارات:

“فَوَافَى اللهُ بَلْعَامَ” (عد4:23).
“فَوَافَى الرَّبُّ بَلْعَامَ” (عد16:23).
“فَكَانَ عَلَيْهِ رُوحُ اللهِ” (عد2:24).

ويسأل المرء أمام هذا الوضوح: ما معنى هذه التسميات الثلاث للإله الواحد؟ أليس الله هو الرب وهو روح الله؟

ونجيب أن النص يظهر الثالوث بصورة أكيدة، ونحن نرى فيه – نور العهد الجديد – أن «الله» هو «الآب»، وأن «الرب» هو «المسيح»، وأن «روح الله» هو «الروح القدس»، وهكذا يظهر الله في وحدانيته الجامعة في هذه القصة من سفر العدد.

– الإعلان السادس عن وحدانية الله في ثالوث عظيم جاء في سفر إشعياء:

وأول إعلان جاء في هذا السفر نراه في رؤيا إشعياء المجيدة، التي رأى فيها السيد جالسًا على كرسي عال ومرتفع واعترف امام قداسة الله بنجاسة شفتيه، ونرى واحدًا من السرافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقط من على المذبح، قد جاء ومس بها فم إشعياء وقال «إن هذه قد مست شفتيك فانتزع إثمك وكفر عن خطيتك»، وبعد ان تطهر إشعياء من خطيته، وأصبح إناء للكرامة مقدسًا نافعًا للسيد سجل هذه الكلمات المنيرة: “ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتَ السَّيِّدِ قَائِلًا: «مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟» فَقُلْتُ: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي” (إش 6: 8).

ويرى القاريء أن «وحدانية الله» تظهر في كلماته التي جاءت بصيغة المفرد «من أرسل» وأن ثالوثه العظيم يظهر في صيغة الجمع «من يذهب من اجلنا»؟

ونأتي إلى إعلان آخر في سفر إشعياء جاء فيه هذه العبارات:

“اِسْمَعْ لِي يَا يَعْقُوبُ”
“أَنَا هُوَ”
“أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ”
“وَيَدِي أَسَّسَتِ الأَرْضَ، وَيَمِينِي نَشَرَتِ السَّمَاوَاتِ”
“أَنَا أَدْعُوهُنَّ فَيَقِفْنَ مَعًا”
“اِجْتَمِعُوا كُلُّكُمْ وَاسْمَعُوا. مَنْ مِنْهُمْ أَخْبَرَ بِهذِهِ؟”
“قَدْ أَحَبَّهُ الرَّبُّ”
“يَصْنَعُ مَسَرَّتَهُ بِبَابِلَ، وَيَكُونُ ذِرَاعُهُ عَلَى الْكَلْدَانِيِّينَ”
“أَنَا أَنَا تَكَلَّمْتُ وَدَعَوْتُهُ”
“أَتَيْتُ بِهِ فَيَنْجَحُ طَرِيقُهُ”
“تَقَدَّمُوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا هذَا”
“لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنَ الْبَدْءِ فِي الْخَفَاءِ”
“مُنْذُ وُجُودِهِ أَنَا هُنَاكَ”
“وَالآنَ السَّيِّدُ الرَّبُّ أَرْسَلَنِي”
“وَرُوحُهُ” (إش12:48-16).

عجيب هذا الإعلان الإلهي عن «وحدانية الثالوث العظيم ففيه نجد الخالق يتكلم قائلاً: “أَنَا هُوَ. أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ. وَيَدِي أَسَّسَتِ الأَرْضَ، وَيَمِينِي نَشَرَتِ السَّمَاوَاتِ”.

وهذه الكلمات تنطبق تمامًا على الرب يسوع المسيح الذي قال عنه يوحنا الرسول “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ” (يو 1: 3). وقال عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين “وَأَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ” (عب 1: 10).

فالمسيح هو الخالق الذي يده أسست الأرض، ويمينه نشرت السموات.

ثم يقول هذا الخالق «أنا هو» وهي ذات الكلمات التي قالها المسيح لليهود “فَقُلْتُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ، لأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ … مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي. وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ”. (يو24:8، 28، 29).

ويتابع هذا الخالق العظيم حديثه قائلاً: “أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ” وهي ذات الكلمات التي قالها الرب ليوحنا الرسول في جزيرة بطمس “أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ” (رؤ11:1).

ثم يقول منذ وجوده: «أنا هناك» وهذا دليل ساطع على ازلية المسيح، الذي عندما سأله اليهود “فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ، أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟» قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ»” (يو57:8، 58). وعبارة «أنا كائن» تؤكد أزليته.

وأخيرًا يتكلم هذا الخالق الأزلي قائلاً «والآن السيد الرب أرسلني وروحه» ومن يكون السيد الرب الذي أرسله؟

إنه يتحدث عن الله الآب كما قال في أنجيل يوحنا “لأَنِّي لَسْتُ وَحْدِي، بَلْ أَنَا وَالآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي” (يو 8: 16).

وعن من يقول «وَرُوحُهُ» إنه يقينًا يتحدث عن الروح القدس الذي اشترك في إرسالية المسيح كما نقرأ في سفر إشعياء “رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ … لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ” (إش1:61، 2). وقد أكد الرب أن هذه الكلمات تمت في شخصه حين جاء إلى العالم ولذا نقرأ في إنجيل لوقا “وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ، فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ. وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا فِيهِ: «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ … فَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ: «إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ»” (لو16:4-21).

في هذا النص يظهر الثالوث العظيم في وضوح وجلاء فنرى:

– الآب مرسلاً للابن لإتمام مقاصده.
– الابن متكلمًا عن إرسال الآب والروح القدس له.
– الروح القدس مشتركًا في هذه الإرسالية العظمى.

– الإعلان السابع عن وحدانية الله في ثالوث عظيم جاء على صفحات العهد الجديد:

فتعال معي لنقرأ هذه الكلمات:

“فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلًا: «هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ»” (مت16:3، 17).

والكلمات ترينا الآب متكلمًا من السماء، متحدثًا عن الابن الصاعد من الماء والروح القدس في هيئة جسمية مثل حمامة.

ونأتي الآن إلى إعلان ثان جاء في أمر المسيح الكريم بالكلمات:

“فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت 28: 19).

وفي هذا الأمر ملاحظة جديرة بالاعتبار هي أن المسيح لم يقل في أمره «وعمدوهم بأسماء الآب والابن والروح القدس» بل «باسم»، فالله واحد، لكننا نجد في وحدانيته الجامعة الثالوث العظيم.

وأخيرًا نكتفي بإعلان ثالث جاء في كلمات بولس الرسول في ختام رسالته الثانية إلى القديسين في كورنثوس إذ قال: “نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ” (2 كو 13: 14).

وهكذا نرى الله في «وحدانيته الجامعة» معلنًا عن ذاته في ثنايا كتابه الكريم.

وإذا وضعنا في أذهاننا أن “اَللهُ رُوحٌ” (يو35:4) وأنه لا شبيه له كما قال إشعياء النبي في سفره: “فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَ اللهَ، وَأَيَّ شَبَهٍ تُعَادِلُونَ بِهِ؟” (إش 40: 18). وكما قال داود النبي في المزمور “لاَ مِثْلَ لَكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ، وَلاَ مِثْلَ أَعْمَالِكَ” (مز 86: 8). استطعنا ان نقبل كيف أن «الآب» هو «الله» وأن «الابن» هو «الله»، وأن الروح القدس هو «الله»، وأن الثالوث إله واحد.

فنحن نقرأ في الكتاب المقدس عن «الآب» أنه الله “وَاللهُ نَفْسُهُ أَبُونَا” (1 تس 3: 11)، ونقرأ عن «الابن»، أنه الله “وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا اللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ” (عب 1: 8). ونقرأ عن «الروح القدس» أنه الله “فَقَالَ بُطْرُسُ: «يَا حَنَانِيَّا، لِمَاذَا مَلأَ الشَّيْطَانُ قَلْبَكَ لِتَكْذِبَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ … أَنْتَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّاسِ بَلْ عَلَى اللهِ” (أع3:5، 4).

والكتاب المقدس يؤكد لنا أن كل واحد في الثالوث متميز عن الآخر، دون إنفصال لآحدهم عن الآخر، وهو أمر يتميز به الله الواحد الذي لا مثيل ولا شبيه له.

 

العقل ووحدانية الثالوث

وهنا قد يسأل أحدهم قائلاً: هل يوافق العقل البشري على هذه الوحدانية الجامعة في الله الواحد؟

ونجيب أن وحدانية الله في ثالوث ليست شيئًا ضد العقل، فإن العقل يسلم بالوحدانية الجامعة في كثير من الأشياء المحيطة به دون أن يبدي على ذلك احتجاجًا أو تمردًا.

فاليوم المكون من 24 ساعة هو يوم واحد، ولكن هذا اليوم الواحد يجمع بين المساء والصباح “وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا” (تك5:1)، والعقل يقبل هذه الوحدانية الجامعة للمساء والصباح بلا إعتراض.

– ولكي يستطيع الإنسان أن يحصل على حجم مكعب واحد، فلا بد له أن يعرف طوله، وعرضه، وارتفاعه، مع إن الطول قياس قائم بذاته، والعرض قياس قائم بذاته، والأرتفاع قياس قائم بذاته ولكن هذه الأبعاد تكون الحجم الكلي للمكعب الواحد، ولا يمكن معرفة حجم المكعب بغير معرفتها، والعقل يقبل هذه الوحدانية الجامعة في المكعب الواحد بلا إعتراض.

ويدهش المرء إذ يجد أن الرقم [1]، وهو الرقم الذي يرمز إلى الله في الكتاب المقدس “الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ” (تث 6: 4). يتميز بخاصية لا يتميز بها غيره من الأرقام، فبينما نجد أن حاصل ضرب 10×10×10 = 1000 نجد أن حاصل ضرب 1×1×1= 1، فأي رقم آخر غير الواحد يُضرب في رقم آخر يتزايد بكيفية واضحة إلا رقم [1]، فإنه يستمر واحدًا مهما ضربته في نفسه، مع إنه يتزايد في الجمع بصورة أكيدة، والعقل يقبل هذه العملية الحسابية بلا إعتراض.

– والزمن كما يقول «دكتور ناثان وود» في كتابه «أسرار العالم الطبيعي» هو واحد في الثالوث، لإنه يتكون من «الماضي، والحاضر، والمستقبل»، والمستقبل هو شيء مجهول لا يقدر البشر على رسم صورة حقيقية له، فكيف يعلن المستقبل عن ذاته، إنه يعلن عن ذاته بالحاضر، والحاضر يمر، فيصبح في التاريخ ماضيًا، وهكذا ندرك الحاضر بالماضي، وندرك المستقبل بالحاضر، ومع ذلك فقد كانت هناك لحظة كان فيها الماضي والحاضر والمستقبل في قياس واحد بالنسبة للزمن .. فالثلاثة أيام القادمة هي الآن في قياس واحد بالنسبة للواحد، غدًا يصبح «الغد» حاضرًا، وبعد غد يصبح «أمسًا»، ويصبح اليوم الذي يليه «حاضرًا» واليوم الذي يليه «مستقبلاً» والعقل يقبل هذه الوحدانية الجامعة في الزمن بغير إعتراض.

– وفي عالم المحسوسات يقبل العقل دون إعتراض أن يفهم أن هناك ثلاث مصابيح كهربائية في قوة واحدة، تُشع نورًا واحدًا وتضيء حُجرة واحدة، وتستمد قوة إشعاعها من «مصدر» واحد.

يقول «ديفيد كوبر» أن نظرة مدققة للخليقة التي تحيط بنا، تؤكد لنا أن الله الواحد في ثالوث عظيم، قد ترك طابعه على كل أجزاء هذا الكون الفسيح.

– ففي عالم الحساب نجد ان المقاييس تتم بثلاثة أبعاد: الطول، والعرض، والارتفاع.

– وفي عالم الكلام نجد إن أقسام الكلام ثلاثة: الأسم، والفعل، والحرف. وأنه يلزمنا لتكوين جملة مفيدة ثلاثة: الفعل، والفاعل، والمفعول به.

– ويتآلف الزمن من ثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.

– وفي الطبيعة نجد هذه الممالك الثلاثة: المملكة الحيوانية، والمملكة النباتية، والمملكة المعدنية.

– وتتميز المادة بخواصها الثلاثة: الصلب، والسائل، والغازي. وإذا كان لنا إلمام بعلم تكوين الجنين Embryology لعرفنا أن الجنين يتكون من ثلاث طبقات الإكتودرم Ectoderm أي الطبقة الخارجية، والميزودرم Mesoderm أي الطبقة الوسطى، والإندودرم Endoderm أي الطبقة الداخلية.

– والعقل البشري واحد لكنه مثلث التركيب، فهو يتآلف مع الفهم، والشعور، والإرادة .. فالفهم هو القوة المفكرة، والشعور هو القوة المتأثرة، والإرادة هي القوة المقررة، والقوى الثلاثة في العقل الواحد.

– والكون المحيط بنا يتكون من ثلاثة: “الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَمَا فِيهَا وَالأَرْضَ وَمَا فِيهَا وَالْبَحْرَ وَمَا فِيهِ” (رؤ6:10).

إن العقل يقبل الوحدانية الجامعة في كل هذه الأشياء بلا إعتراض، ويسلم بها كل التسليم، ومع ذلك يجب أن نقرر في وضوح أن اللاهوت ليس شيئًا ماديًا يقع تحت حسنا، فنضعه في المخابير المدرجة لنعرف كميته، ونوعيته، وكيفيته، بل هو فوق متناول مقاييسنا الماضية، وهذه حقيقة قررها بولس الرسول وهو يخاطب الأثينيين في آريوس باغوس فقال “الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي، وَلاَ يُخْدَمُ بِأَيَادِي النَّاسِ كَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى شَيْءٍ، إِذْ هُوَ يُعْطِي الْجَمِيعَ حَيَاةً وَنَفْسًا وَكُلَّ شَيْءٍ.وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيدًا. لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّتُهُ. فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ اللهِ، لاَ يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ اللاَّهُوتَ شَبِيهٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَجَرِ نَقْشِ صِنَاعَةِ وَاخْتِرَاعِ إِنْسَانٍ (أع24:17-29).

إذن فاللاهوت لا يمكن أن يكون شيئًا ماديًا مما يقع تحت حِسنا، وما ينطبق على الماديات من التغيُر لا ينطبق عليه، فقد تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ومع أنه من المستحيل علينا إدراك حقيقة اللاهوت بعقولنا، فقد رأى الله في حكمته أن يعلن لنا عن شخصه في تشبيهات تتفق مع قصور أذهاننا، فشبه نفسه بالشمس، والنور، والنار.

ففي (مز11:84) نقرأ “لأَنَّ الرَّبَّ، اللهَ، شَمْسٌ وَمِجَنٌّ”.
وفي (1يو5:1) نقرأ “إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ”.
وفي (عب29:12) نقرأ “لأَنَّ «إِلهَنَا نَارٌ آكِلَة”.

وفي هذه التشبيهات الثلاثة نرى وحدانية الثالوث بصورة واضحة. وسنكتفي هنا بالحديث عن الشمس كتشبيه يقرر للعقل البشري الله المتعالي عن كل تشبيه.

يقول القس «كلارنس لاركن» في كتابه «عالم الروح»: إننا إذا تأملنا الشمس وجدناها تظهر في ثلاثة أشياء «الحرارة» و «النور» و «التأثير الكيميائي»، وهذه الثلاثة تكون الشمس، والحرارة وحدها ليست الشمس، ولا النور وحده هو الشمس، ولا التأثير الكيميائي وحده هو الشمس، ولكن الشمس هي الثلاثة معًا.

ونحن لا نرى حرارة الشمس لكننا نشعر بها، ونحن نستطيع رؤية نور الشمس. وهذا النور هو الذي يجعل الشمس ظاهرة للعيان، ونحن لا نستطيع أن نرى التأثير الكيميائي للشمس ولكن قوة هذا التأثير تظهر في نمو النباتات. وتحويل بعض المواد في جسم الإنسان إلى فيتامين «د» الضروري لنمو العظام. كما تظهر على اللوحة الفوتوغرافية التي تنطبع عليها صور الأشخاص والأشياء.

ولكن يبدو التشبيه واضحًا بالنسبة لإنطباقه على الثالوث العظيم، يمكننا القول أن «الحرارة تشير إلى «الله الآب» فنحن لا نقدر أن نراه ولكننا نشعر به “اَللهُ مَحَبَّةٌ” (1يو16:4)، (يو16:3)، والمحبة يمكننا ان نشعر بها لكننا لا نراها. و«النور» يشير إلى «الله الابن» فابن الله هو الذي أظهر لنا من هو الله “لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: «أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ” (2كو6:4). “اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو 1: 18). “وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ” (1 تي 3: 16). فبدون الابن ما كان في مقدورنا معرفة من هو الله وما هي سجاياه، ولكن ابن الله جاء ليعلن لنا من هو الله “اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يو9:14). و «التأثير الكيميائي» للشمس يشير إلى «الله الروح القدس» فالروح القدس هو الذي يعطي الحياة والقوة، ويطبع صورة الله على اللوحة الحساسة لقلب الإنسان.

وكما أن حرارة الشمس وحدها ليست هي الشمس، ونور الشمس وحده ليس هو الشمس، والتأثير الكيميائي للشمس وحده ليس هو الشمس، ولكن لا بد من الثلاثة لوجود الشمس، مع إن كل واحد من هذه العوامل له عمله الخاص به، هكذا يمكننا تطبيق ذلك بخشوع على الآب والابن والروح القدس الإله الواحد في ثالوث عظيم، لكي ندرك كيف يقوم كل واحد في الثالوث الإلهي بعمله الخاص به في برنامج الخلق والفداء وسيادة هذا الكون العظيم.

وكما تظهر حرارة الشمس، أو نورها، أو تأثيرها الكيميائي بقوة خاصة بحسب فصول السنة، فحرارة الشمس تظهر في قوتها في الصيف أكثر منها في الشتاء. هكذا كل واحد في الثالوث الإلهي يظهر بقوة خاصة بالنسبة إلى كل تدبير من التدابير الإلهية.

– فالآب ظهر في تدبير العهد القديم.
– والابن ظهر إبان خدمته على الأرض بالجسد.
– والروح القدس يظهر في تأثيره المبارك في هذا التدبير.

وإذا عرفنا أن قرص الشمس يصدر منه النور والتأثير الكيميائي بلا تقدم أو تتابع في الوجود الزمني، بمعنى أنه حيثُما يوجد قرص الشمس يوجد أيضًا نور الشمس، ويوجد تأثيرها الكيميائي، ولا يمكن ان توجد الشمس منفصلة عن نورها أو تأثيرها الكيميائي، لخرجنا بنتيجة واضحة، إن النور والتأثير الكيميائي صادران من الشمس، وموجودان فيها بلا تقدم أو تتابع في هذا الوجود.

وعلى هذا القياس نقول أن «الثالوث الإلهي» أزلي، كما قال موسى في صلاته “يَا رَبُّ، مَلْجَأً كُنْتَ لَنَا فِي دَوْرٍ فَدَوْرٍ. مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ الْجِبَالُ، أَوْ أَبْدَأْتَ الأَرْضَ وَالْمَسْكُونَةَ، مُنْذُ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ أَنْتَ اللهُ” (مز1:90، 2). ويقينًا أن الإيمان بالوحدانية الجامعة في الثالوث الإلهي الكريم، يحل كل الأسئلة العويصة التي تعترض العقل البشري عندما يفكر في الله.

فبغير شك أن الله يتصف بصفات تظهر في أسماءه الحسنى فهو: «الْملك، القدوس، السَّلَام، الْمُؤمن، الْمُهَيْمِن، الْعَزِيز، الْجَبَّار، المتكبر، الْخَالِق، البارئ، المصور، الْغفار، القهار، الْوَهَّاب، الرَّزَّاق، الفتاح الْعَلِيم، الْقَابِض الباسط، الْخَافِض الرافع، الْمعز المذل، السَّمِيع الْبَصِير، الحكم الْعدْل، اللَّطِيف الْخَبِير، الْحَلِيم الْعَظِيم، الغفور، الشكُور، الْعلي الْكَبِير الحفيظ المقيت الحسيب، الْجَلِيل الْكَرِيم الرَّقِيب الْمُجيب، الْوَاسِع الْحَكِيم الْوَدُود الْمجِيد، الْبَاعِث الشَّهِيد الْحق الْوَكِيل، الْقوي المتين، الْوَلِيّ الحميد، المحصي المبدئ المعيد المحي المميت، الْحَيّ القيوم، الْوَاجِد الْمَاجِد الْوَاحِد الصَّمد الْقَادِر، المقتدر الْمُقدم الْمُؤخر، الأول الآخر الظَّاهِر الْبَاطِن، الْوَالِي المتعالي، الْبر التواب، المنتقم الْعَفو، الرؤوف، مَالك الْملك، ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام، المقسط الْجَامِع، الْغَنِيّ الْمُغنِي، الْمَانِع الضار النافع، النُّور الْهَادِي، البديع الْبَاقِي الْوَارِث، الرشيد الصبور».

وهو جامع في ذاته لكل ما هو لازم لكماله وإستغنائه بذاته عن كل شيء في الوجود.

والإنسان المفكر يسأل: إن الله هو «السَّمِيع، الْبَصِير، الْوَدُود، المُحب، المتميز بالعلم والكلام» لإنه ذات عاقلة لا بد أن يتميز بهذه الصفات، وقد علم بالقلم، عَلم الإنسان ما لم يَعلم، وقد قال سبحانه “نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا” (تك 1: 26).

والآن: من ذا الذي كان يسمعه الله ويبصره، ويحبه، ويتودد إليه، ويتكلم معه قبل أن يخلق الملائكة والناس. وكيف عمل الله الإنسان على صورته، وهو جل شأنه روح سرمدي، والإنسان قد خُلق على صورة جسده؟

وعقيدة الإله الواحد في ثالوث عظيم تعطينا الجواب الشافي على كل سؤال يخطر بأذهاننا من جهة الله، وترينا أن الله الآب كان يسمع ويبصر الله الابن والله الروح القدس، وأن كل واحد في الثالوث كان يتكلم مع الآخر في الثالوث الأزلي، وهذا واضح من الكلمات “نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا”. ومن الكلمات “هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا” (تك22:3). وإن الآب والابن والروح القدس كانوا يتشاورون معًا [اقرأ (أع23:2)، (أع28:4)]، أليس بين مخلوقات الله من هو كفؤ لمن يستشيره الله “«لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟” (رو 11: 34). كذلك ترينا أن الآب أحب الابن وكان موضوع «وده» قبل خلقه للملائكة والناس، كما قال المسيح بكلمات صريحة “لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ” (يو 17: 24). ثم تظهر لنا كما قُلنا فيما سبق من حديث معنى خلق الإنسان على صورة الله فترينا أن الله الابن كان مزمعًا أن يأخذ صورة الإنسان، وعلى الصورة التي كان مزمعًا أن يأتي بها إلى العالم عمل الإنسان، وأصبحنا نستطيع فهم الكلمات القائلة “فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ” (تك27:1). فالمسيح هو «الله الابن» الذي تجسد في هيئة الإنسان كما قال عنه يوحنا البشير “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. … وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا” (يو1:1، 14). وكما قال عنه بولس الرسول “الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ” (كو15:1، 16).

وهكذا صار الله، «الباطن» هو الله «الظاهر» عندما تجسد في المسيح كما قال بولس الرسول “عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ” (1 تي 3: 16).

وهنا لا بد لنا أن نجيب على سؤال قد يخطر ببالنا هو: ألا يحمل أسم «الآب» في صيغته ما نفهم منه أنه كان موجودًا قبل الابن؟ وهذا يعني أن «الابن» ليس أزليًا كأبيه؟

ويمكن أن يكون هذا الكلام صحيحًا لو أن العلاقة بين الآب والابن في اللاهوت كانت علاقة جسدية، مرتبطة بالتوالد الجسدي، وحاشا لأذهاننا أن تصل إلى هذا الدرك من التفكير، فالله جل شأنه لم تكن له صاحبة، حتى ينجب منها ولدًا، لكن أسم «الآب» يعني الأبوة الروحية التي تتفق مع ذات الله لأن «الله روح».

يعني المحبة الفائقة الأزلية التي تبادلها الآب والابن كما قال المسيح بفمه المبارك مخاطبًا الآب “لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ” (يو 17: 24).

ومن الواضح أن «الآب» أزلي، ولذا فلا بد أن يكون «الابن» أزليًا، وإلا كانت أبوة الله حادثة في الزمان، وصفة اكتسبها بعد ولادة الابن، تعالى الله عن كل نقص علوًا كبيرًا.

يقول الدكتور «M.R De Haan» في قصة ذكرها في كتاباته: «إن أحد خدام الإنجيل، حضر إجتماعه مرة رجل كان يقاطعه ويقول له بصوت عال «إنه لا يستطيع أن يثبت له ان المسيح هو ابن الله الأزلي». وقال ذلك الرجل أن يسوع هو بكر كل خليقة ولذا فلا يمكن أن يكون الله، لأن الآب الأزلي وهو أقدم في الوجود من ابنه، وعلى هذا لا يكون الابن أزليًا كأبيه، وإذ لم يكن المسيح أزليًا، فليس هو الله.

ولاحظ خادم الإنجيل كلمات الرجل «الآب الأزلي وهو أقدم في الوجود من ابنه، ثم أعطاه الإجابة فقال: «هذا هو موضع خطئك يا صديقي، وسأثبت لك أن المسيح هو الله من كلماتك. لقد اسميت الله «الآب الأزلي»، وكيف يمكن أن يكون الله «الآب الأزلي»، دون أن يكون معه «الابن الأزلي»؟ أن أزلية الأبوة في الآب تحتم أزلية البنوة في الابن. لقد قلت إن الابن لا يمكن أن يكون أزليًا كأبيه، لكن دعني اسألك متى أصبح والدك أبًا لك .. في نفس اللحظة التي أصبحت فيها ابنًا له، وليس قبل، إذًا فلا بد أن يكون للآب الأزلي، ابنًا أزليًا وإلا ما كان الآب هو الآب الأزلي .. وسكت ذلك الرجل المعترض».

لقد قال المسيح له المجد “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يو 10: 30). وقال أيضًا “اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يو 14: 9).

هنا نجد أنفسنا ملزمين أن نجيب على سؤال آخر قد يخطر بأذهاننا وهو: ألا يمكن أن تكون بنوة المسيح لله كبنوة الملائكة والمؤمنين؟ ونقول إن الكتاب يذكر أن الملائكة هم بنو الله كما نقرأ في سفر أيوب “عِنْدَمَا تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ الصُّبْحِ مَعًا، وَهَتَفَ جَمِيعُ بَنِي اللهِ؟” (أي 38: 7). كذلك يذكر أن المؤمنين قد صاروا أبناء لله (غل26:3).

وبنوة الملائكة لله جاءت على أساس أنه خالقهم “وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: «الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ»” (عب 1: 7) و (مز4:104).

وبنوة المؤمنين لله جاءت على أساس إيمانهم بالمسيح يسوع “لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غل 3: 26)، فبنوة الملائكة والمؤمنين ليست بنوة أصيلة بل مكتسبة، أما المسيح له المجد فقد سُميَّ «ابن الله الوحيد» كما نقرأ عنه “اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو 1: 18). “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3: 16). “بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ” (1 يو 4: 9).

وتسمية المسيح باسم «الابن الوحيد» تبعد أي وجه للمقارنة بين بنوته لله وبنوة الملائكة والناس.

وقد سُميَّ المسيح «ابن الله» ليس على أساس تناسله من الله، فالتناسل عمل من أعمال الجسد، وحاشا لله أن يتناسل، فهو لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وهو «روح» يملآ السموات والأرض ولا يحد، لكن المسيح سُميَّ «ابن الله» باعتبار أنه هو الذي أظهر لنا الله “اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو 1: 18)، وباعتبار انه معادل لله، وهذا ما فهمه اليهود من كلمات المسيح التي قال فيها “فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ»” (يو 5: 17). فقد فهموا أن أبوة الله له وبنوته لله تعني معادلته لله كما نقرأ “فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلًا نَفْسَهُ بِاللهِ” (يو 5: 18). وهذا يرينا أن بنوة المسيح فريدة لا يمكن أن يرقى إليها الملائكة أو البشر، الأمر الذي يؤكده كاتب الرسالة إلى العبرانيين وهو يقارن بين المسيح والملائكة في الكلمات “لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟ وَأَيْضًا: «أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا»؟ وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ». وَعَنِ الْمَلاَئِكَةِ يَقُولُ: «الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ». وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ” (عب5:1-8).

والكلمات ترينا الحقائق التالية:

1) إن أحدًا من الملائكة مهما سمت رتبته لا يمكن أن يرقى إلى عظمة «ابن الله».
2) إن الملائكة يسجدون للمسيح ابن الله الأمر الذي يؤكد لاهوته.
3) إن المسيح قد سُميَّ «الله» بكلمات لا لبس فيها كما نقرأ «وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ» وكل هذه الحقائق تؤكد لنا بنوية المسيح الفريدة التي لا يدانيه فيها الملائكة أو الناس.

كتب بوردمان وهو يشرح تعليم الكتاب المقدس عن «الثالوث الإلهي العظيم»، قال: إن «الآب» هو ملء اللاهوت غير المنظور “اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ” (يو 1: 18)، و«الابن» هو ملء اللاهوت متجسدًا “الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا” (يو 1: 14) “فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا” (كو 2: 9)، و«الروح القدس» هو ملء اللاهوت عاملاً في حياة البشر “بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ». فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ” (1كو9:6، 10).

إننا نعود مؤكدين أن الإيمان بالوحدانية الجامعة يتفق مع أصول المنطق السليم. فمن مباحث المنطق الرئيسية، دراسة مشكلة «التصورات، والأحكام» فهناك مثلاً تصورات «مشخصة» وأخرى «مجردة» كما أن هناك أحكامًا «كلية» وأخرى «جزئية».

والتصورات «المشخصة» هي تصورات ترتبط بالواقع، مثل تصورنا مثلاً لأشياء مادية وواقعية، حين نتصور «تمثال رمسيس» في مدينة القاهرة، أو «تمثال الحرية» على شواطيء أمريكا. ولكن التصورات «المجردة» هي تصورات لا ترتبط بالواقع المحسوس، مثل تصورنا «للحرية» أو «الإنسانية» أو «المسئولية» وكلها تصورات مجردة عن الواقع.

ويقينًا أنه ليس في قدرة العقل البشري المحدود أن يتصور الله غير المحدود، ولذا رأى الله في حكمته أن يعلن عن ذاته للإنسان في الكتاب المقدس، وقد أكد الكتاب المقدس وحدانية الله في ثالوث عظيم، فصار هذا الإعلان أصلاً موضوعًا يتقبله المؤمن بوحي الكتاب المقدس دون حاجة إلى برهان.

وإذ تبين لنا أن الإيمان بالله الواحد في «ثالوث عظيم» ينبع من الكتاب المقدس، نقول إذًا بأن الإدعاء بأن هذه العقيدة ليست من المسيحية بل من الفلسفة الإغريقية، إنما هو إدعاء باطل، وأن القائلين بأن عقيدة «الثالوث» قد تأسست على الفلسفة الأفلاطونية الحديثة قد ابتعدوا تمامًا عن الصواب، ذلك لأن الأفلاطونية الحديثة لا تُعلم بالمساواة بين الآب والابن والروح القدس في الجوهر والرتبة، بينما يُعلم الكتاب المقدس بصورة أكيدة بهذه المساواة، وكذلك فإن الأفلاطونية الحديثة لم تظهر إلا في أواخر القرن الثالث، والتعليم بالله الواحد في ثالوث عظيم قد جاء على لسان المسيح قبل هذا التاريخ بوقت طويل حين قال لتلاميذه: “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت 28: 19).

هذا كله يأتي بنا إلى نتيجة حتمية هي: أنه إذا كان الكتاب المقدس يؤكد أن الله واحد في ثالوث عظيم، وأن كل واحد في هذا الثالوث هو الله، وأن المسيح واحد في هذا الثالوث، فيتحتم علينا إذًا أن نؤمن بأن المسيح هو الله.

2. السبب الثاني هو الإيمان بحتمية فداء الله للإنسان:

إننا نعتقد بحتمية الإيمان بأن المسيح هو الله على أساس إيماننا بحتمية فداء الله للإنسان، ونؤمن بحتمية الفداء على أساس إيماننا بعدل الله ورحمة الله.

فالله إله عادل كما يقول داود النبي “لأَنَّ الرَّبَّ عَادِلٌ وَيُحِبُّ الْعَدْلَ. الْمُسْتَقِيمُ يُبْصِرُ وَجْهَهُ” (مز 11: 7)، وهو في ذات الوقت إله رحيم كما نقرأ “الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ. وَلكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إِبْرَاءً” (خر5:34-7).

ومع أنه جل شأنه قادر على كل شيء، إلا أنه ملتزم بالعمل في حدود صفاته، ولا يمكن أن يكون سبحانه غير هذا إلا إذا تصورنا إلهًا فوضويًا يتصرف بغير مباديء أو قوانين، وهو تصور خاطيء تعالى الله عنه علوًا كبيرًا.

فالغفران الإلهي للإنسان الخاطيء يحتم أن يوفق الله بين عدله ورحمته، وهذا هو أساس إيماننا بحتمية الفداء.

ذلك لأنه إذا غفر الله خطية الإنسان على أساس رحمته وحدها، لاستهان الإنسان بعدالة الله ووصاياه، وأصبح فعل الخطية سهلاً لديه، إذ يرى أن الله لم يتكلف شيئًا لمنحه غفرانًا لخطاياه.

وإذا نفذ الله في الإنسان حكمه ضد خطاياه على أساس عدله وحده، لرأى الإنسان «الله» إلهًا جبارًا منتقمًا، ولأصبح بتأثير إحساسه بقسوة الله عنيدًا، قاسيًا، بليد الشعور ولاستمر في عناده ومعاصيه حتى الهلاك.

وإذن فلا بد من الفادي ولا بد من الفداء.

وأين يمكن أن يوجد الفادي الذي يُرضي عدل الله، ويُعلن رحمته؟

إنه لا يمكن أن يكون مجرد إنسان!

لأن الإنسان خاطيء بطبيعته وتصرفاته كما يقرر ذلك داود في المزمور بالكلمات “اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (مز2:14، 3)، وكما يقول في موضع أخر “إِنَّمَا بَاطِلٌ بَنُو آدَمَ. كَذِبٌ بَنُو الْبَشَرِ. فِي الْمَوَازِينِ هُمْ إِلَى فَوْقُ. هُمْ مِنْ بَاطِل أَجْمَعُونَ” (مز 62: 9). وكما يقول ميخا النبي عن شعب الله القديم “أَحْسَنُهُمْ مِثْلُ الْعَوْسَجِ، وَأَعْدَلُهُمْ مِنْ سِيَاجِ الشَّوْكِ” (مي 7: 4). وكما قال بولس الرسول “لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو22:3، 23).

ليس بين البشر إذًا من هو كفؤ لفداء البشرية …

فلا إبراهيم الخليل، ولا موسى الكليم، ولا إشعياء النبي، ولا إيليا، ولا إرميا، ولا أي واحد من الأنبياء كان باستطاعته فداء الإنسان، لأنهم جميعًا بشر «في الموازين هم إلى فوق».
ولنبدأ قضية الفداء من أولها حتى نقف على كل دقائقها …

عندما خلق الله آدم وحواء ميزهما بميزة «حرية الإرادة» وأمرهما جل شأنه بعدم الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، وكان هذا الأمر الإلهي لإمتحان حرية إرادة الإنسان، وسقط الإنسان في الإمتحان بإغراء الشيطان الذي تكلم في الحية وأغرى حواء بالأكل من الشجرة المحرمة “فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ” (تك 3: 6).

ومع أننا لا نعلم شيئًا عن طبيعة ثمر شجرة «معرفة الخير والشر» إلا أننا نعلم أن تغييرًا كيميائيًا قد حدث في دم آدم وحواء نتيجة الأكل من هذا الثمر، فلوث هذا الدم بجراثيم الخطية والأثم “فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ” (تك7:3). وبغير شك أن ما حدث في دم آدم وحواء من تغيير كان بمثابة تسمم لهذا الدم نتج عنه الموت كما قال الله لآدم “وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ” (تك17:2)، وبالتناسل إنتقل هذا الدم الملوث بالخطية إلى جميع ذرية آدم، وهذا هو التعليل الكتابي لوجود الميل الطبيعي لعمل الشر في كل إنسان، إذ قد لوث ثمر شجرة معرفة الخير والشر دم الإنسان بجراثيم الخطية، وانتقلت هذه الجراثيم بالتناسل إلى ذرية آدم، فأصبح كل إنسان يولد بطبيعة ساقطة يسميها الكتاب المقدس «الإنسان العتيق» (أف22:4) نسبة إلى آدم «الإنسان القديم» و«الأب الأول» للبشرية ويسميها كذلك «الخطية الساكنة في الجسد» (رو16:7). باعتبار أن الخطية الموروثة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من طبيعة الإنسان وأخضعت جسده للموت.

وهذا ما قرره بولس الرسول في كلماته “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” (رو 5: 12). وما أكده داود في كلماته “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مز 51: 5).

هكذا سقط الإنسان الذي خلقه الله على احسن تقويم، لكن الخطية نزلت به إلى أسفل سافلين، فانحدرت البشرية إلى مهاوي الشر والرذيلة، التي نراها في الحروب، والخيانات، والنجاسة، والتفرقة العنصرية، والكراهية، إلى نهاية قائمة الخطايا السوداء.

والآن ماذا يفعل الله بذلك الإنسان الشرير الأثيم، الذي أصبحت نفسه امارة بالسوء؟!

كيف يوفق جل شأنه بين عدله الذي يطالبه بتوقيع القصاص على الإنسان وهو قصاص رهيب أبدي عظيم، يتناسب مع عدله وقداسته، نراه في كلماته “هَا كُلُّ النُّفُوسِ هِيَ لِي. نَفْسُ الأَبِ كَنَفْسِ الابْنِ، كِلاَهُمَا لِي. اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ” (حز 18: 4). “لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ” (رو 6: 23). والموت في مفهوم الكتاب المقدس لا يعني مجرد خروج الروح من الجسد، بل يعني الوجود الأبدي بعيدًا عن الله، كما قيل عن المرأة المتنعمة “وَأَمَّا الْمُتَنَعِّمَةُ فَقَدْ مَاتَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ” (1 تي 5: 6). وكما وصف بولس حالة الخطاة قائلاً “وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا” (أف 2: 1). وكذلك كما وصفهم بالكلمات “إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ” (أف 4: 18).

أجل كيف يوفق الله بين عدله الذي يطالبه بتوقيع القصاص وبين رحمته التي تطالبه بأن يصفح عن خطية الإنسان؟

وحين نسأل كيف يوفق الله بين عدله ورحمته، فيكون «بارًا» و«يبرر» الإنسان الأثيم، نحن لا ننتقص من قدرته جل شأنه، ولا نضعه سبحانه وتعالى في موقف الإنسان الضعيف الذي وجد نفسه فجأة في مأزق دقيق، فأخذ يضرب يمينًا وشمالاً لعله يجد مخرجًا، حاشا.

فالواقع ان الله لم يفاجأ بسقوط الإنسان في الخطية وعصيانه لأمره، لأنه كان يعلم مقدمًا بهذا السقوط كما قال يعقوب “مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ” (أع 15: 18)، وكان قد رتب مقدمًا فداء الإنسان كما يقرر بطرس الرسول قائلاً “عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ” (1بط18:1-20).

ففي الوثنية فداء إنحرف به الإنسان حتى صار يقدم أولاده فداء عن نفسه، وقد حرم الله الذبائح البشرية إذ كلم شعبه القديم قائلاً “مَتَى دَخَلْتَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، لاَ تَتَعَلَّمْ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ رِجْسِ أُولئِكَ الأُمَمِ. لاَ يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ” (تث9:18، 10).

وفي اليهودية فداء يظهر في كلمات موسى للعبرانيين في القديم “وَيَكُونُ مَتَى أَدْخَلَكَ الرَّبُّ أَرْضَ الْكَنْعَانِيِّينَ كَمَا حَلَفَ لَكَ وَلآبَائِكَ، وَأَعْطَاكَ إِيَّاهَا، أَنَّكَ تُقَدِّمُ لِلرَّبِّ كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ، وَكُلَّ بِكْرٍ مِنْ نِتَاجِ الْبَهَائِمِ الَّتِي تَكُونُ لَكَ. الذُّكُورُ لِلرَّبِّ. وَلكِنَّ كُلَّ بِكْرِ حِمَارٍ تَفْدِيهِ بِشَاةٍ. وَإِنْ لَمْ تَفْدِهِ فَتَكْسِرُ عُنُقَهُ. وَكُلُّ بِكْرِ إِنْسَانٍ مِنْ أَوْلاَدِكَ تَفْدِيهِ” (خر11:13-13).

وفي الإسلام فداء كما يسجل الدكتور أحمد الشرباصي في كتابه «الفداء في الإسلام» فيقول: «القرآن هو أساس الإسلام ودستوره .. يلفت أبصارنا وبصائرنا إلى وجود التضحية والفداء منذ مطلع الخليقة. فهو يحدثنا في سورة المائدة فيقول: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَر، وفي القربان هنا معنى التضحية والفداء، لأن القربان هو ما يتقرب به الإنسان إلى الله، وصار في التعارف إسمًا للنسيكة، أي الذبيحة، وجمعه قرابين»

– ومادة الفداء في لغة العرب تدل على جعل شيء مكان شيء حِمى له، تقول: فديته، أفديه كأنك تحميه بنفسك، أو بشيء يعوض عنه، فيقال فديته بمالي، وفديته بأبي وأمي، كأنه اشتراه بما قدم، ومن هنا جاءت كلمة «الفدية» وهي ما يقي الإنسان به نفسه من مال يبذله في عبادة قصر فيها، ككفارة اليمين، أو كفارة الصوم أوغيرها.

– والفداء أيضًا فكاك الأسير، والمفاداة هي أن تفتكّ الأسير بأسير مثله.

– وهناك كلمات تُستعمل بمعنى كلمة الفداء، مثل كلمة «البذل»، وإن كانت كلمة «البذل» تدل في اصلها على «ترك صيانة الشيء»، ولعل السر في هذا الاستعمال أن الإنسان حين يفدي عقيدته أو أُمته بنفسه، يكون كأنه ترك صيانة نفسه فقدمها رخيصة من أجل ما يؤمن به.

– وكذلك تستعمل كلمة «التضحية» بمعنى الفداء، والضحية أو الأضحية في الشرع هي الذبيحة التي يقدمها الإنسان لمقصد ديني، ولعل استعمال كلمة «التضحية» بمعنى الفداء كان على تشبيه الإنسان الذي يقدم روحه فداء لعقيدته، بمن يذبح هذه الروح ويجعلها ضحية وفداء، وعلى هذا جاء في شأن الذبيح إسماعيل: «وفديناه بذبح عظيم» أي جعلنا هذا المذبوح فداء له، وخلصناه به من الذبح. أ. هـ.

فالفداء كما شرحه الدكتور الشرباصي يتمثل في تقديم القربان الذي يتقرب به الإنسان إلى الله، ففي القربان معنى التضحية والفداء، وهو يعني «جعل شيء مكان شيء حِمى له» وهو «شراء شيء بما تقدمه عوضًا عنه» وهو «فكاك الأسير بمثله» وهو «خلاص من كان سيذبح بواسطة ذبيح سواه».

ومن طبيعة الإنسان أن يعظم الفداء إذ تتجلى فيه أعلى مراتب التضحية.

منذ سنوات ذكرت صحيفة الأهرام خبرًا تحت عنوان «الأم التي ماتت من البرد لتنقذ طفلها» قالت: «ضحت الأم بحياتها لتنقذ طفلها البالغ من العمر عشرة أشهر من الموت بردًا».

وقعت هذه القصة المؤثرة في مدينة «بوسنيا» التي تحيط بها الجبال. في يوجوسلافيا كانت «اليجابيسيك» في طريقها إلى زوجها ومعها طفلها الصغير وابنتها «إيفيتا» التي تبلغ الثالثة عشر من عمرها، عندما هاجمتهم عاصفة ثلجية شديدة، فسارعت الأم بخلع ثوبها الوحيد ولفت الطفل به واحتضنته في صدرها العاري، بينما جرت «إيفيتا» تصرخ طالبة النجدة دون جدوى، وعندما عادت الفتاة وجدت أمها ميتة قد تحجرت أصابعها فوق الطفل وهي تضمه في قوة إلى صدرها.

ويقف الإنسان مُعجبًا بتضحية هذه الأم، مع أنها تضحية إنسان لأجل إنسان تتضائل تمامًا أمام «الذبح العظيم» الذي فدى به الله الإنسان، عندما سلم ابنه الوحيد للموت على الصليب.

ومنذ وقت ليس ببعيد كتب أحدهم كتابًا عنوانه «كيف .. ولماذا؟» ذكر فيه عدة أسئلة تتعلق بقضية الفداء فقال: «لنا أن نسأل كيف يحاسب المسيح على خطيئة لم يرتكبها؟ وأي شريعة ترضى بذلك؟ .. ثم إذا كان الصلب والقتل هو للتكفير عن خطيئة آدم وذريته .. فلنا أن نسأل ما موقف البشر منذ آدم إلى عهد المسيح؟ .. هل كانوا في عذاب إلى أن افتداهم بنفسه؟ ثم يا ترى ما موقف البشر بعد المسيح؟ .. وإلى الآن .. وإلى أن تقوم الساعة؟ هل يشملهم فداءه أم يكون الفداء فقط لمن سبقوه؟ فإذا كان يشملهم فكل من أخطأ لن يحاسب، فيستوي القاتل والمقتول .. والسارق والمسروق .. وهذا أمر يتنافى مع ما جاء به الدين .. أي دين .. ويجافي ما في الأناجيل نفسها .. وإذا كان لا يشملهم فهل يأتي فداء آخر؟ أم لا يأتي .. فإذا لم يأت .. لا تتحقق بذلك العدالة بين البشر قبل المسيح وبعده .. وإذا كان سيأتي الفداء .. فلماذا يظل بعض الناس في ظل عذابهم مما فعلوا بعد الموت مددًا أطول من غيرهم تتناسب وبعد مدة موتهم عن قيام الفداء؟ ثم كيف يقدم الله سبحانه وتعالى الفداء ليكون سببًا للمغفرة .. أليس هو الذي يملك المغفرة وحده؟ فإن شاء غفر وإن شاء لا يغفر .. أرأيت إنسانًا أخطأ ابنه او تابعه .. فبدلاً من أن يعتذر المخطيء .. أو يفرض صاحب الحق عليه الجزاء نجده يختار غيره من الصالحين الطاهرين المستقيمين فيوقع عليه أقسى العقاب .. الصلب والقتل جزاء جُرم ارتكبه من لا يعرفه ولا دخل له في ذنبه. والقياس مع الفارق .. الفارق الكبير جدًا ولهذا فإن عقيدة الكفارة والفداء أصبحت موضع بحث وجدل بين المسيحيين أنفسهم، وظهرت بعض الآراء التي تعارض هذه العقيدة منها ما يقوله «روي ديسكون سميث» في كتابه «ضوء جديد على البعث» ونصه: «لا يوجد متدين مهما كان مذهبه أو فرقته يعتقد أن الله العظيم قد أرسل ابنه الوحيد إلى هذه البشرية التي لا توازي في مجموعها منذ بدء الخلق إلى نهايته كوكبًا من الكواكب المتناهية في الصغر لكي يعاني موتًا وحشيًا فوق الصليب لترضية النقمة الإلهية، ولكي يساعد جلالته على أن يغفر للبشرية على شرط أن تعلن البشرية اعترافها بهذا العمل الهمجي الذي لا يستسيغه عقل ألا وهو الفداء» أ.هـ.

ونجيب على أسئلة الكاتب فيما يلي من سطور فنقول:

كيف يحاسب المسيح على خطيئة لم يرتكبها؟ وأي شريعة ترضى بذلك؟ فنقول لو كان المسيح مجرد إنسان بريء قد احتمل العقوبة عن الإنسان الأثيم لكانت قصة الصلب أفظع مأساة همجية سجلها التاريخ، ولِما رأينا في صلب المسيح أية معاني تبين حُب الله الذي أراد أن يحل مشكلة الخطية ويوفق بين عدله ورحمته وإذ به يصنع مشكلة أكثر تعقيدًا هي مشكلة صلب إنسان بريء بدل الإنسان المذنب الأثيم.

لكننا نرى في الكتاب المقدس أن المسيح ليس مجرد إنسان بل إنه ابن الله الأزلي خالق الإنسان، ومع كونه «ابن الله» و«الله الابن» أرتضى طوعًا واختيارًا أن يموت عوضًا عن الإنسان الذي هو خالقه لكي يفدي بموته الإنسان، وقد تمثلت في موته على الصليب كل معاني الفداء.

– فبواسطة ذبيحة المسيح على الصليب إستطاع الإنسان أن يقترب إلى الله كما قال بولس الرسول “وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ” (أف 2: 13).

– وبواسطة ذبيحة المسيح على الصليب وجد الإنسان الحِمى الذي يحتمي به من عدل الله كما نقرأ في الكلمات “إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ” (رو 8: 1).

– وبواسطة ذبيحة المسيح على الصليب اشترى المسيح الإنسان كما نقرأ في ترنيمة سفر رؤيا يوحنا الموجهة إلى شخص المسيح الكريم “مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ” (رؤ 5: 9).

– وبواسطة ذبيحة المسيح على الصليب تحرر الأسير كما قال بفمه المبارك “رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ” (لو 4: 18).

– وبواسطة ذبيحة المسيح على الصليب نجا الإنسان من الموت الأبدي إذ حمل المسيح الموت عنه كما قال بولس الرسول “لأَنَّ الْمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ” (رو 5: 6).

وقد تمثل البذل في قمته الشامخة في فداء المسيح للبشر، فقد ترك المسيح صيانة نفسه فقدم ذاته فدية عن كثيرين كما قال بفمه المبارك “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مر 10: 45). وهو قد فعل ذلك ليس رغمًا عنه بل طواعية واختيارًا كما قال في كلماته الوضاءة “لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا” (يو17:10، 18).

أما الشريعة التي رضيت بموت المسيح، فهي شريعة حب الله للناس الخطاة، وشريعة الحب فوق كل قانون بشري “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3: 16). “فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضًا أَنْ يَمُوتَ. وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (رو7:5، 8).

ونصل الآن إلى الجزء الثاني من أسئلة مؤلف كتاب «كيف ولماذا؟»، وفيه يقول: ما موقف البشر منذ أيام آدم إلى عهد المسيح؟ هل كانوا في عذاب إلى أن افتداهم بنفسه؟ وما موقف البشر بعد المسيح؟ .. وإلى أن تقوم الساعة .. هل يشملهم فداءه؟

ونُجيب قائلين: إن جميع الذين غفر الله خطاياهم منذ آدم إلى عهد المسيح، نالوا هذا الغفران بدم المسيح الكريم، تمامًا كالذين نالوا الغفران بعد موت المسيح، والذين سوف ينالونه حتى تقوم الساعة. ذلك أنه من البديهيات الأولية أنه لا يوجد عند الله ماضي، وحاضر، ومستقبل في حساب الزمن، فالمستقبل كاللوح المفتوح معروف، ومكشوف لعيني الله العارف بكل شيء كما قال كاتب الرسالة إلى العبرانيين “وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا” (عب 4: 13). وكما قال داود النبي “يَا رَبُّ، قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي. أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ .. أَنَّهُ لَيْسَ كَلِمَةٌ فِي لِسَانِي، إِلاَّ وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَهَا كُلَّهَا .. لأَنَّكَ أَنْتَ اقْتَنَيْتَ كُلْيَتَيَّ. نَسَجْتَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي. أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ امْتَزْتُ عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذلِكَ يَقِينًا. لَمْ تَخْتَفِ عَنْكَ عِظَامِي حِينَمَا صُنِعْتُ فِي الْخَفَاءِ، وَرُقِمْتُ فِي أَعْمَاقِ الأَرْضِ. رَأَتْ عَيْنَاكَ أَعْضَائِي، وَفِي سِفْرِكَ كُلُّهَا كُتِبَتْ يَوْمَ تَصَوَّرَتْ، إِذْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهَا” (مز1:139، 2، 4،3-16)، وتؤكد هذه الكلمات ان الله يعرف تفاصيل حياة كل إنسان قبل أن يولد ذلك الإنسان كما قال لإرميا النبي “قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ” (إر 1: 5).

وبهذه المعرفة السابقة وضع الله خطايا البشر على يسوع المسيح لكي يتمتع بفدائه الذين يؤمنون بهذا الفداء كما قال إشعياء النبي “كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا” (إش 53: 6).

ذكر الدكتور «توم مالون» راعي كنيسة عمانوئيل المعمدانية ببونتياك – بأمريكا هذه القصة قال: «حضرت سيدة إلى غرفة الصلاة ذات ليلة، وكانت مشكلتها بخصوص نوال الغفران .. إنها لم تكن متيقنة من نوالها الخلاص. قالت: دكتور مالون .. هذا ما يزعجني .. إنني أستطيع ان أرى كيف يمكن أن يغفر لي الرب خطاياي التي فعلتها في الماضي، وقد تقدمت الليلة لقبول المسيح ونوال الخلاص. ولكنني أعلم أنني ما زلت أعيش في عالم الخطية، وأعيش مع زوج غير مخلّص، وأشتغل في عالم مع اناس غير مخلّصين، فما الذي سأفعله بخطاياي التي سأعملها مستقبلاً؟» هكذا عبرت عن المشكلة التي تقلق الكثيرين .. ماذا عن الخطايا التي لم ارتكبها بعد؟ كيف أحصل على غفران هذه الخطايا؟ قلت لها: «عندما مات المسيح منذ حوالي ألفي سنة كانت كل خطاياكِ مستقبلة، أعني خطاياك التي سقطت فيها في الماضي كانت مستقبلة، ولم تكوني قد سقطتِ فيها بعد لأنك لم تكوني قد أتيتِ إلى العالم بعد. وعندما مات المسيح على صليب الجلجثة مات لأجل خطايا القائمتين «خطايا الماضي» و «خطايا المستقبل» وهكذا فإن غفران الله «كامل وتام».

إن المؤمن المتجدد الذي يفعل خطية عليه أن يبادر بالاعتراف بها أمام الله، وإلا فقد شركته معه “إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ” (1 يو 1: 9).

والآن لماذا تقول هذه الآية: إن الله «أَمِينٌ وَعَادِلٌ» بدلاً من أن تقول «إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ رحيم ورؤوف، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا؟!» إن السبب هو أن المسيح عندما مات على الصليب، حمل كل خطاياي الحاضرة والمستقبلة ذلك لأن خطاياي كلها كانت مستقبلة حين مات المسيح .. وعندما اعترف لله بخطاياي، فلكي يكون الآب أمينًا مع ابنه الذي سدد مطاليب العدل الإلهي بموته على الصليب لا بد أن يغفر لي كل ما اعترف به من خطايا. إن هذه الآية خاصة بالمؤمن الذي أخطأ ضد الله بعد ان نال الخلاص.

الآن لكي نؤكد أن جميع الذين نالوا الغفران وخلصوا منذ آدم إلى عهد المسيح، نالوه بدم المسيح الكريم، يجب أن نعود إلى القصة من البداية، فعندما سقط آدم وحواء كساهما الله بجلد حيوان بريء ذبحه ليأخذ جلده لسترهما كما تقول الكلمات “وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا” (تك 3: 21)، وبهذه الكيفية أعلن الله للإنسان منذ سقوطه أن الوسيلة الوحيدة لخلاصه وستر عريه هي «دم البديل» وبهذا عرف «آدم» أن الدم وحده هو الطريق الوحيد للستر، وأنه “بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!” (عب 9: 22).

وقبل أن يطرد الله آدم وامرأته من جنة عدن أسمعهما حديثه إلى الحية وكان يحمل في كلماته الوعد بمجيء المخلص المجيد، فقال للحية: “وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ” (تك 3: 15). وهكذا خرج آدم وامرأته من الجنة بعد ان تأكدا أن الفداء والخلاص «بالدم» وأن ذلك الدم هو «دم المُخلص الموعود» الذي سيولد بطريقة معجزية لا كما يولد سائر البشر بل يولد من عذراء لم يمسها بشر، ولذا يسمى «نسل المرأة»، وقد تم وعد الله في شخص المسيح كما قال بولس الرسول “وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ” (غل 4: 4، 5).

ويعلن لنا الكتاب المقدس أن «آدم» قد لقن مبدأ «الفداء بالدم» لذريته، وأكد لهم «مجيء الفادي الكريم»، معلنًا لهم أن «أجرة الخطية هي موت»، وأنه لا يمكن لإنسان أن يخلُص من هذا الموت بالصوم، أو الصلاة، أو تعذيب النفس بالحرمان، أو الإحسان إلى إنسان مسكين، لأن طريق الخلاص الوحيد هو «الفداء بالدم»، دم طاهر كريم يفدي دم الإنسان الملوث بجراثيم الخطية والإثم.

ويرينا العهد القديم أن مبدأ الفداء «بالبديل» هو مبدأ إلهي، فبعد أن ولد إسحق لإبراهيم بطريقة معجزية، إذ ولدته أمه بعد أن انتهى كل رجاء بشري في أن تلد كما نقرأ في الكلمات “بِالإِيمَانِ سَارَةُ نَفْسُهَا أَيْضًا أَخَذَتْ قُدْرَةً عَلَى إِنْشَاءِ نَسْل، وَبَعْدَ وَقْتِ السِّنِّ وَلَدَتْ، إِذْ حَسِبَتِ الَّذِي وَعَدَ صَادِقًا” (عب 11: 11). طلب الله من إبراهيم أن يقدم إسحق ابنه محرقة له، معتبرًا إياه الابن الوحيد لإبراهيم باعتباره الابن الذي كان في قصد الله أن يعطيه له من سارة إمرأته حسب إرادته الصالحة، فقال له “خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ” (تك 22: 2). وكان هذا الطلب الإلهي لإمتحان إبراهيم .. وقد نجح إبراهيم في الإمتحان عن طريق «الإيمان» كما نقرأ “بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ، الَّذِي قِيلَ لَهُ: «إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ” (عب 17:11، 18).

ولما وضع إبراهيم إسحق على المذبح، وأخذ السكين ليذبحه، ناداه ملاك الرب من السماء وقال «لا تمد يدك إلى الغلام .. لأني الآن علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني» وهنا تسترعي انتباهنا في المشهد هذه الكلمات “فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ” (تك 22: 13).

ونرى في هذه الكلمات أن «الكبش» جاء بتدبير إلهي، وأنه مات «عوضًا» أو «بديلاً» عن «إسحق» ففداء المسيح للبشرية على الصليب هو تدبير الله العزيز الحكيم، إذ فوق الصليب مات المسيح بدافع حبه «عوضًا» عن الإنسان الخاطيء كما قال بولس الرسول “ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2: 20)، وفي المسيح يمكننا أن نرى «الذبح العظيم» لأن أي حيوان يقدم فدية عن البشر لا يمكن أن يكون ذبحًا عظيمًا.

لقد قدم الله مواعيده الصادقة بمجيء الفادي، وبالإيمان في مواعيد الله المؤكدة لمجيء الفادي خلص المؤمنون قبل عهد المسيح. أجل بهذا الإيمان خلص «هابيل» الابن الثاني لآدم، وتقبل الله قربانه الذي تقرب به إليه كما نقرأ في الرسالة إلى العبرانيين “بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ للهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ. فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ” (عب 11: 4). وهكذا نقرأ في سفر التكوين “فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ” (تك 4: 4).

لكن منذ مطلع الخليقة وقد حاول الإنسان أن يبتدع لنفسه دينًا من قلبه الأثيم، ومن وحي غروره، فظن أنه يستطيع أن يخلُص من خطاياه بحسناته وأعمال يديه، وكان الرائد الأول للديانة الإنسانية هو «قايين»، الذي لم يتقبل الله قربانه، وذلك لثلاثة أسباب:

أولها: أن طريقه لم يكن طريق الإيمان، فهو لم يصدق ولم يؤمن بمواعيده بمجيء المُخلص.
ثانيها: أنه اراد أن يرضي الله ويخلص من خطاياه بأعمال يديه، فقدم «من أثمار الأرض قربانًا للرب» (تك3:4)، ولكن الله رفض قربانه لأنه كان من عمل إنسان لوثته الخطية من باطن قدمه إلى هامته.
ثالثها: أنه قدم قربانه من ثمار أرض لعنها الله بسبب خطية الإنسان (تك17:3).

ويسجل سفر التكوين هذا الرفض الإلهي لقربان قايين بالكلمات “وَلكِنْ إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ. فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدًّا وَسَقَطَ وَجْهُهُ” (تك 4: 5).

لقد كانت ديانة «قايين» ديانة شيطانية، ورغم غطاء الأعمال الصالحة الذي أراد «قايين»أن يستر به نفسه العارية، فقد انكشف الغطاء عن نفس مجرمة، إذ قام على أخيه هابيل وذبحه، وعن هذا يقول يوحنا الرسول “لَيْسَ كَمَا كَانَ قَايِينُ مِنَ الشِّرِّيرِ وَذَبَحَ أَخَاهُ. وَلِمَاذَا ذَبَحَهُ؟ لأَنَّ أَعْمَالَهُ كَانَتْ شِرِّيرَةً، وَأَعْمَالَ أَخِيهِ بَارَّةٌ” (1 يو 3: 12).

وهكذا يتبين لنا في وضوح وجلاء أنه منذ عهد آدم كان الخلاص بالدم، وإذ نسير مع تدرج التاريخ نرى الله يُرسل أنبياءه لشعبه العظيم لكي يُذكروا هذا الشعب بمجيء الفادي الكريم، بل نراه يأمر شعبه القديم بتقديم مختلف الذبائح والقرابين، وكل ذبيحة ترمز إلى ناحية من نواحي عمل المسيح الذي أتمه بموته على الصليب [اقرأ الإصحاحات الأولى من سفر اللاويين].

وقد كان مقدم «القربان» أو «الذبيحة» يضع يده على رأس المحرقة، كأنه يعلن أن خطاياه قد انتقلت إليها، وكان الكاهن يذبح الذبيحة ليؤكد لمُقدمها أن «أجرة الخطية هي موت»، ثم يضع الذبيحة بعد ذبحها فوق الحطب الذي على نار المذبح ليؤكد لمقدمها أن الخطية أنتجت الموت الجسدي، والطرح في جهنم النار في ذات الوقت كما نقرأ في سفر رؤيا يوحنا “وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ” (رؤ 20: 15) [اقرأ لاويين 4:1-9].

وهكذا أعلن الله في كتابه الكريم أن المسيح سيولد من عذراء (إش14:7)، وأنه سيولد في مدينة بيت لحم (مي2:5)، وأنه سيموت مثقوب اليدين والرجلين على الصليب (مز16:22)، وأنه سيدفن في قبر رجل غني (إش 9:53)، وأن موته سيكون لحمل خطية كثيرين (إش5:53،6، 11، 12)، وأنه سيقوم من بين الأموات بعد ثلاثة أيام (مت40:12، 16، 21).

وبهذه النبوات رسم الكتاب المقدس منذ القديم صورة مضيئة للمسيح صانع الفداء العظيم .. هذا المسيح الذي به دخل المؤمنون إلى مكان راحتهم فلم يذهبوا إلى العذاب كما ظن مؤلف ذلك الكتاب. هذا المسيح الذي جعله الله «آية» إذ وُلد من عذراء لم يمسسها بشر، و «رحمة منه» إذ بموته رحم الله البشر الآثمين، وإلا فأي رحمة جاء بها المسيح لو لم يكن قد مات من أجل خطايانا على الصليب؟

هذا يأتي بنا إلى أخر أسئلة مؤلف كتاب: «كيف ولماذا؟» وهو يقول في هذا السؤال: ثم كيف يقدم الله سبحانه وتعالى الفداء ليكون سببًا للمغفرة؟ أليس هو الذي يملك المغفرة وحده؟ فإن شاء غفر وإن شاء لا يغفر؟

ونجيب قائلين: إنه كان لا بد من الفداء للغفران، ليكون الله «بارًا» و«يبرر» الذين يؤمنون! يقول دكتور توم مالون «كيف يمكن لله أن يغفر خطايا الإنسان؟» لا بد أن يكون هناك أساسًا للغفران .. إذا ارتكب صبي خطأ ما وأحضروه لأبيه، فإن الوالد الشرير الضعيف هو الذي يقول لابنه على غير أساس وبدون توقيع عقوبة عليه «حسنًا يا ولدي، لا تفكر في هذا الأمر مرة ثانية، لقد سامحتك».

إن غفرانًا من هذا الطراز لا بد أن يخرج للعالم جيلاً مستهترًا بكل مباديء الأخلاق والقوانين .. لكننا الآن نقف أمام إله قدوس، قال عنه الكتاب المقدس “عَيْنَاكَ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ” (حب 1: 13).

هنا الله القدوس .. إله النور .. إله العدل .. الإله الكُلي الطهارة وأمامه الإنسان الخاطيء، الفاسد، النجس، الضعيف، فكيف يمكن أن يتلاقى الله القدوس مع الإنسان النجس؟

أين الأساس الذي بموجبه يقول الله للإنسان «مغفورة لك خطاياك»؟ كيف يكون الله «بارًا» و«يبرر» في ذات الوقت الإنسان الشرير؟

دعني أصور لك الأمر، لنفرض أننا في قاعة المحكمة، وها هو مُجرم جريمته القتل يقف في قفص الاتهام، وها هي هيئة المحكمة تدخل فيسود هدوء عجيب .. لكن أنظر ها هو القاضي يقول للمجرم الأثيم «إننا نعلم أنك ارتكبت الجريمة، ولكننا سنغفر لك، هذه مشيئتنا ورغبتنا على غير أساس من القانون، فلا تعد تفكر في جريمتك على الإطلاق».

إن الحاضرين في المحكمة سيصرخون: أي قاضي مستهتر هذا القاضي الذي يغفر للقاتل على غير أساس للغفران؟ وأي مجتمع هذا الذي يفقد سطوة القانون؟

والآن ما هو الأساس الذي بموجبه يغفر الله خطايا الناس وكلها أكبر من جريمة القتل لأنها موجهة ضد الله القدوس الخالق العظيم؟!

هنا يشرح بولس الرسول بالروح القدس حكمة الله فيقول “وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ” (رو21:3-26).

أجل لقد غفر الله للإنسان على أساس موت المسيح على الصليب، حسب غنى نعمته “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أف 1: 7). وأمام عظمة هذا العمل الفدائي الإلهي هتف بولس الرسول قائلاً “يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!” (رو 11: 33).

“فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ». أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ. لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ” (1كو18:1-24).

أجل لقد ظهرت في فداء المسيح «قوة الله» المنتصرة على الشيطان (كولوسي14:2، 15) كما ظهرت «حكمة الله» التي على أساسها أعطى للإنسان الغفران.

فالذبائح الدموية في العهد القديم لم تكن سوى رمز للذبيح الأعظم، لكنها في ذاتها لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية كما قال كاتب الرسالة إلى العبرانيين «وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مرارًا كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية وأما هذا [أي المسيح] فبعدما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله (عب11:10، 12).

وقديمًا قال داود وهو يترجى رحمة الله “لأَنَّكَ لاَ تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلاَّ فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لاَ تَرْضَى” (مز 51: 16). وكذلك قال المزمور التاسع والأربعون “الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ، وَكَرِيمَةٌ هِيَ فِدْيَةُ نُفُوسِهِمْ، فَغَلِقَتْ إِلَى الدَّهْرِ” (مز 49: 7، 8)، وقال ميخا النبي أيضًا “بِمَ أَتَقَدَّمُ إِلَى الرَّبِّ وَأَنْحَنِي لِلإِلهِ الْعَلِيِّ؟ هَلْ أَتَقَدَّمُ بِمُحْرَقَاتٍ، بِعُجُول أَبْنَاءِ سَنَةٍ؟ هَلْ يُسَرُّ الرَّبُّ بِأُلُوفِ الْكِبَاشِ، بِرِبَوَاتِ أَنْهَارِ زَيْتٍ؟ هَلْ أُعْطِي بِكْرِي عَنْ مَعْصِيَتِي، ثَمَرَةَ جَسَدِي عَنْ خَطِيَّةِ نَفْسِي؟” (مي6:6، 7).

ومن كل هذه الكلمات نرى أن الإنسان منذ القديم قد أدرك عجز الذبائح الحيوانية، وعجزه عن فداء نفسه إذ أن الحيوان مهما كانت فصيلته لا يمكن أن يعادل في قيمته الإنسان، كما أن الإنسان الخاطيء لا يقدر أن يفدي نفسه أو أن يفديه سواه من البشر الخطاة، ولذا تمنى الإنسان منذ القديم أن يجد المُصالح الذي يصالحه مع الله، كما عبر أيوب وهو في عمق آلامه وبلواه قائلاً “لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا” (أي32:9، 33).

لقد تمنى أيوب أن يجد مُصالحًا يضع يده على يده كإنسان، ويضع يده على يد الله كإله، أو في تعبير أدق تمنى أن يتجسد «الله» في صورة إنسان، لكي يصالحه مع نفسه.

وفي تجسد المسيح وموته على الصليب تمت المُصالحة التي تمناها أيوب وهو يتكلم بلسان الإنسان الباحث عن الطريق إلى الله، كما قال بولس الرسول “وَلكِنَّ الْكُلَّ مِنَ اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ، أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ. لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ” (2كو18:5-21).

وكما قرر في رسالته إلى تيموثاوس قائلاً “لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ” (1تي5:2، 6).

ويقول دكتور كامبل مورجان أستاذ الكتاب المقدس: إن الكلمة اليونانية (Antiulutron) المترجمة إلى «فدية» لا توجد في كل العهد الجديد إلى في هذه الآية، وفوق ذلك فإنها كلمة غير معروفة في اللغة اليونانية الكلاسيكية، ويبدو لي أحيانًا أن الروح القدس قد قاد بولس لصياغة كلمة جديدة باستخدامه لهذه الكلمة.

وعند فحص الكلمة «فدية» نرى أنها تُشير إلى عمل بواسطته رُفعت الخطية التي فصلت بين الله والإنسان بل إلى عمل رفع الإنسان من منطقة الوجود العقلي إلى منطقة الوجود الروحي، وهذا يعني أن المسيح قد أعاد بفدائه إمكانية الشركة المباشرة بين الله والإنسان فعندما يخضع الإنسان نفسه قلبيًا وفعليًا – وليس نظريًا – للإنسان يسوع المسيح الذي هو الوسيط الوحيد بين الله والناس، يجد أن الشر الذي أعمى عينيه، وأفقده الإحساس السليم بالله، قد أُزيل، وأن التعامل المباشر بينه وبين الله أصبح اختبارًا عمليًا في حياته، فنوال بركات الفداء مشروط بالتوبة الحقيقية عن الخطية، والإيمان القلبي الشخصي بيسوع المسيح “تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع 2: 38).

وهذا الإيمان القلبي يحدث تغييرًا حقيقيًا في الحياة والإتجاهات كما قال بولس الرسول “إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا” (2 كو 5: 17).

ففداء المسيح لا يشجع الخاطيء على الاستمرار في خطاياه، بل على العكس يغير حياته، ويعطيه قلبًا جديدًا يتجه إلى الله.

وإذا قال مؤلف كتاب كيف ولماذا؟ إن الصلب كان عملاً همجيًا ووحشيًا، أجبناه: أجل لقد كان كذلك من جانب الإنسان، الإنسان الذي ظهر في قمة شره يوم إختار باراباس اللص للحرية، وطلب من بيلاطس أن يصلب يسوع المسيح القدوس، ولقد كان المسيح له المجد قادرًا على حماية نفسه والتنحي عن الصليب، لكنه أرتضى أن يموت طوعًا نيابة عن البشر، ولأنه خالق البشر بل خالق كل الأشياء ففي قدرته إذًا أن يفدي خليقته لأنه يزيد عنها قيمة لو وضعت أمامه في كفة الميزان، لذا كان في دمه الكفاية للتكفير عن خطايا العالم كله كما قال عنه يوحنا الرسول “وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا” (1 يو 2: 2).

أجل كان هو «الذبح العظيم» الذي فدى بدمه الإنسان.

ولقد عرف الله مقدمًا وحشية الإنسان وهمجيته، عرف “أَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ” (تك 6: 5). ولكنه حوّل بحكمته شر الإنسان وهمجيته لخير البشرية الرازحة تحت أثقال أوزارها كما قرر بطرس في كلماته القائلة “هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ” (أع 2: 23)، وهذه هي الحكمة الإلهية التي أوضحها بولس بالكلمات “وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ” (1كو23:1، 24).

لقد سمح الله القادر على كل شيء للناس الضعفاء أن يكونوا المحكمة، والقاضي، والمحلفين، والنيابة، ومنفذي القانون، حتى ينفذوا في ابنه حكم الموت الذي كان لا بد أن ينفذ فيهم، وحتى يروا مدى فظاعة ما فعلته الخطية بهم إذ جعلتهم يصلبون ابن الله الذي أحسن إليهم، وذلك عندما يتأكدون من حقيقة الشخص الذي مات لأجلهم.

وفي القديم عامل أبناء يعقوب أخاهم يوسف بالشر فباعوه عبدًا للتجار الإسماعيليين، الذين باعوه بدورهم إلى «فوطيفار» في مصر، ولكن الله حوّل شرهم لخير يوسف وخير الناس وخيرهم.

ولما أتوا إليه بعد موت أبيه قائلين “أَبُوكَ أَوْصَى قَبْلَ مَوْتِهِ قَائِلًا: هكَذَا تَقُولُونَ لِيُوسُفَ: آهِ! اصْفَحْ عَنْ ذَنْبِ إِخْوَتِكَ وَخَطِيَّتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ صَنَعُوا بِكَ شَرًّا. فَالآنَ اصْفَحْ عَنْ ذَنْبِ عَبِيدِ إِلهِ أَبِيكَ»… فَقَالَ لَهُمْ يُوسُفُ: «لاَ تَخَافُوا. لأَنَّهُ هَلْ أَنَا مَكَانَ اللهِ؟ أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا” (تك16:50-20).

هكذا كان أيضًا في «صلب المسيح» قصد به صالبوه شرًا، وقصد به الله فداء أبديًا، ولأن الفادي لا بد أن يكون إلهًا وإنسانًا في وقت واحد لكي يتمم بحق عملية الفداء، إذ لا يعقل ولا يُستساغ أن يكون الحيوان أيًا كان نوعه أو فصيلته فداء للإنسان، ولأن الفداء أمر حتمي لينال الإنسان الغفران.

فلهذا السبب يتحتم الإيمان بأن المسيح هو الله.

4) السبب الثالث لحتمية الإيمان بأن المسيح هو الله، هو حتمية إعلان الله عن ذاته للإنسان:

من أول مباديء علم اللاهوت، إن فكرة الإنسان عن الإله الذي يعبده تطبع أثرها العميق في حياته العملية، لأن الناس يتمثلون في حياتهم اليومية بالإله الذي يعبدونه كما قال كاتب المزمور في الكلمات: “لِمَاذَا يَقُولُ الأُمَمُ: «أَيْنَ هُوَ إِلهُهُمْ؟». إِنَّ إِلهَنَا فِي السَّمَاءِ. كُلَّمَا شَاءَ صَنَعَ. أَصْنَامُهُمْ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ، عَمَلُ أَيْدِي النَّاسِ. لَهَا أَفْوَاهٌ وَلاَ تَتَكَلَّمُ. لَهَا أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُ. لَهَا آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُ. لَهَا مَنَاخِرُ وَلاَ تَشُمُّ. لَهَا أَيْدٍ وَلاَ تَلْمِسُ. لَهَا أَرْجُلٌ وَلاَ تَمْشِي، وَلاَ تَنْطِقُ بِحَنَاجِرِهَا. مِثْلَهَا يَكُونُ صَانِعُوهَا، بَلْ كُلُّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَيْهَا” (مز2:115-8).

لذا فمنذ البدء إشتاق الإنسان أن يرى الله وتجسد شوقه في كلمات قديسي القدم، فقال أيوب “مَنْ يُعْطِينِي أَنْ أَجِدَهُ، فَآتِيَ إِلَى كُرْسِيِّهِ” (أي 23: 3)، وقال موسى “أَرِنِي مَجْدَكَ” (خر 33: 18)، وقال إشعياء “لَيْتَكَ تَشُقُّ السَّمَاوَاتِ وَتَنْزِلُ” (إش 64: 1)، وقال فيلبس “أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا” (يو 14: 8).

وشوق الإنسان لرؤية الله ليس أمرًا غريبًا، فلقد خلق الله الإنسان على صورته، وقبل أن يسقط الإنسان في الخطية كانت له علاقة مباشرة مع الله، فلقد كان الله يأتي إليه في الجنة، ويبدو أن الإنسان في برارته قد رأى الله، فلما سقط أثرت الخطية في ذهنه، وتشوهت الصورة الحقيقية التي كانت في فكره عن الله، فكان لا بد أن يعمل الله شيئًا ليعيد صورته الصحيحة إلى ذهن الإنسان، وقديمًا عبر المرنم العبري عن شوقه إلى الله بالكلمات: “كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ” (مز 42: 1).

وقد يقول قائل: إننا نستطيع أن نرى الله في الطبيعة التي خلقها ويقينًا أن “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ” (مز 19: 1). لكن قدرة الله الظاهرة في الطبيعة تُشعر الإنسان بتفاهته، بل تشعره ببعد الله عنه وعدم إهتمامه به كما عبر داود عن ذلك بالكلمات “إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، الْقَمَرَ وَالنُّجُومَ الَّتِي كَوَّنْتَهَا، فَمَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ؟ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟” (مز3:8، 4).

إذاً فقد كان من المحتم أن يتجسد الله ليعلن للإنسان أنه قريب منه، ويظهر له عنايته به، ويؤكد له إهتمامه بدقائق حياته، ويشبع في ذات الوقت أشواق قلبه.

وتجسُد الله كان دائمًا هو رجاء الإنسان، فالوثنيون آمنوا بإمكان تجسُد الله فقالوا عن بولس وبرنابا “إِنَّ الآلِهَةَ تَشَبَّهُوا بِالنَّاسِ وَنَزَلُوا إِلَيْنَا»” (أع 14: 11).

واليهود آمنوا بإمكانية ظهور الله في الجسد فنحن نقرأ في سفر التكوين عن ظهور الرب لإبراهيم في الكلمات “وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ” (تك 18: 1).

وكذلك نقرأ عن ظهور الله لمنوح وامرأته في صورة رجل في الكلمات “فَأَسْرَعَتِ الْمَرْأَةُ وَرَكَضَتْ وَأَخْبَرَتْ رَجُلَهَا وَقَالَتْ لَهُ: «هُوَذَا قَدْ تَرَاءَى لِيَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ إِلَيَّ ذلِكَ الْيَوْمَ … فَقَالَ مَنُوحُ لامْرَأَتِهِ: «نَمُوتُ مَوْتًا لأَنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا اللهَ” (قض 10:13، 22).

وقد كتب الدكتور «أحمد ذكي» في عدد ديسمبر سنة 1956 من مجلة الهلال في مقال بعنوان «الله والناس» هذه الكلمات: «إن العامة تستجيب للأشياء بمقدار ما تحسها، وغير المحسوس أقل في وعيهم درجة، ولو ملأ السماء والأرض. وفي سبيل إيضاح المبهم، وتجسيد ما لا يتجسد، نسبت الأديان جميعًا إلى الله ما يأتلف والتجسيد، تقريبًا لمعنى الله من أفهام العامة، والعامة بعدهم جمهور الناس في كل زمان، وإلى زماننا هذا.

وأعطى القرآن لله يدًا: «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ».
وأعطى القرآن لله وجهًا: «وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ».
وأعطى القرآن لله عينًا: « قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى، وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى، إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي».

وما كان لله يد تأخذ وتعطي.
وما كان لله وجه يبقى وقد فنيت الوجوه.
وما كان لله عين ترى، ثم لا ترى.
إنه التجسيد الذي لا بد منه» أ. هـ.

كانت الأم تعلم طفلها أن الله موجود في السماء، وذات يوم تطلع الصغير إلى السماء وبكى، فلما سألته أمه عن سر بكائه قال: «أريد يا ماما أن يفتح الله السماء وينزل لكي أراه».

ولقد تجسد «الله» في المسيح لكي يعلن عن ذاته وصفاته للناس كما قال بولس “وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ” (1 تي 3: 16).

في كتاب ظهر سنة 1966 تهجم أحدهم على عقيدة التجسد فقال: «لو كان المسيح إلهًا حقًا لكان ظهور الله في تلك الصورة البشرية داعية إلى التشويش على التفكير الإنساني في سبيل التعرف على الله إذ أن الله بظهوره في تلك الصورة المجسدة قد أعلن ذاته، وكشف للناس عن وجهه، وصار قريبًا مُدانيًا لهم، بعد أن ظل دهورًا طويلة، مُحجبًا عنهم، في بهائه وجلاله، لا تناله الأبصار، ولا تحتويه العقول!

فهذا الإعلان – في الواقع فوق أنه داعية لشرود العقل، وتشتت الفكر في ذات الله – هو إعلان يقلل من شأن الله، ونقص قدره ويذهب بالكثير من جلاله وعظمته، وما تتلقى النفوس من مشاعر الولاء والخضوع لله الكبير المتعال .. حين تنظر إليه من وراء الحجاب!

فالنفس البشرية تتوقد أشواقها إلى المجهول، وتتحرك نزعاتها إلى عالم الغيب، فإذا انكشف لها المجهول، أو ظهر لها الغيب، سكنت نزعاتها، وبردت أشواقها نحو هذا الشيء، الذي كانت تسعى إليه وتجد في البحث عنه!

ولو ظهر الله للناس عيانًا – على يقين إستحالته – لسقطت هيبته من النفوس بعد حين، ولجاء اليوم الذي يصبح «الله» وهو يغدو ويروح بين الناس، كواحد من الناس!» أ.هـ.

وكلمات من هذا الطراز تُصدق على البشر لكنها لا تُصدق على الله، لأن البشر تزداد هيبتهم حين يختفون وراء حجاب، وتسقط هيبتهم حين يندمجون بالناس فتظهر عيوبهم وخطاياهم، أما الله جل وعلا فإن هيبته تزداد في أي صورة يظهر بها للناس ولذا فعندما جاء يهوذا التلميذ الخائن، والجند، والخدام من عند رؤساء الكهنة والفريسيين بمشاعل ومصابيح وسلاح للقبض على المسيح نقرأ حينئذ الكلمات “فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ». وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضًا وَاقِفًا مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ»، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ” (يو4:18-6).

فهل رأيت متهمًا يذهب الجنود للقبض عليه، فيتراجعون أمام بهاء مجده، ويسقطون أما جلاله على الأرض؟

لقد حدثنا التاريخ عن القبض على نابليون، وعن موت الدكتاتور الإيطالي «موسوليني» الذي داسه شعبه بالأقدام … فلم نرى جنودًا في مركز القوة يسقطون أمام واحد منهما على الأرض … لكن المسيح له المجد، أسقط ببهائه ومجد لاهوته الجنود الذين جاءوا للقبض عليه، لكي يعلن لنا أنه سلم ذاته للموت ليس عجزًا منه بل طوعًا واختيارًا لفدائنا.

وحجة القائل أن تجسد الله يسقط هيبته، حجة باطلة، فالناس سوف يقضون أبديتهم مع الله وفي رحابه، يرونه ويتحدثون إليه ويزدادون خشوعًا قدامه وإجلالاً لشخصه تبارك إسمه.

إن الطبيعة نفسها تعلمنا أنه من الممكن للأعلى أن ينزل إلى الأدنى، بينما يستحيل على الأدنى أن يرتقي من ذاته إلى الأعلى يقول «م.هـ. فنلي» في كتابه «منطق الإيمان»: «إننا نقسم العالم حولنا إلى ممالك ثلاث: المملكة المعدنية، والمملكة النباتية، والمملكة الحيوانية، والمعدني لن يرتقي ليدخل المملكة النباتية، لكن النباتي ينحدر إلى المعدني ليستمد منه غذاءه كنبات .. والنباتي بدوره أيضًا لن يتعدى حدود مملكته إلى المملكة الحيوانية، ولكن الحيواني يتنازل فيجعل مما دونه طعامًا له فيصبح النباتي عندئذ جزءًا من نظام أعلى منه، هكذا الإنسان يقف متحيرًا عاجزًا عن اكتشاف أسرار عالم الروح، إلا إذا نزل «الروحاني فأظهر نفسه للإنسان» وهذا تمامًا ما فعله الله حينما تنازل وأظهر نفسه في شخص يسوع المسيح».

وهذا هو ما قاله الكتاب المقدس عن حقيقة تجسد الله في شخص المسيح الكريم.

ففي إنجيل يوحنا نقرأ “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ .. وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا .. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو1:1، 14، 17).

وفي ذات الإنجيل يقول فيلبس للمسيح “يَا سَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا” فيرد عليه قائلاً “أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟ أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟” (يو8:14، 9، 10).

ويكتب بولس الرسول إلى القديسين في كورنثوس قائلاً “فَإِنَّنَا لَسْنَا نَكْرِزُ بِأَنْفُسِنَا، بَلْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبًّا، وَلكِنْ بِأَنْفُسِنَا عَبِيدًا لَكُمْ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ. لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: «أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ»، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (2كو5:4، 6).

إننا لا نستطيع أن نرى الله في وجه الملاك ميخائيل أو الملاك جبرائيل، ولا نستطيع أن نرى الله في وجه موسى أو إشعياء. لكننا نستطيع أن نرى الله في «وجه يسوع المسيح» كما قال بفمه المبارك “اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يو9:14).
منذ القديم سأل البشر: من هو الله؟

سألوا: هو هو إله قدوس؟

وجاء المسيح إلى أرضنا فرأينا في شخصه القدوس أن الله «قدوس» كما قال عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين “لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ” (عب 7: 26).

سألوا: هل الله قادر على كل شيء؟ هل يمكنه أن ينتصر على الطبيعة؟ والمرض؟ وأن يهزم الموت؟ وأن يحطم قوات الظلام؟

ورأينا المسيح يسكت البحر، ويشفي الأبرص، ويقيم لعازر من القبر، ويحرر الناس من سلطان الشيطان.

سألوا: هل يحب الله بني الإنسان؟

وجاء المسيح ليُعلن لنا حب الله لبني الإنسان قائلاً “لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ” (يو17:3، 18).

وهكذا رأينا الله في كل صفاته وسجاياه معلنًا ذاته في شخص إبنه يسوع المسيح كما قال كاتب الرسالة إلى العبرانيين “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ” (عب1:1، 2).

وهنا لا بد أن نقول أن هناك فرقًا كبيرًا بين الإيمان بأن المسيح هو «الله» والإيمان بأن المسيح «شخص إلهي»، فالفرق بين « لاهوت المسيح Deity، وبين «إلهية المسيح Divinity، فرق كبير، فقد يكون المرء إلهيًا دون أن يكون إلهًا. وسنوضح هذا حين نشرح الآيات الخاصة بلاهوت المسيح، لكننا هنا نكتفي بضرورة العناية بإختيار ألفاظنا في الحديث عن المسيح، في عالم امتلأ بالأفكار العصرية عن شخصه الكريم فالعصريون يؤمنون «بإلهية المسيح» بمعنى أنه «شخص إلهي» ولكنهم لا يؤمنون بلاهوت المسيح بمعنى أنه «الله الابن» الذي ظهر في الجسد.

لقد سُميَّ المسيح باسم «الكلمةLogos » والحديث عن هذا الاسم يحتاج إلى مجلدات نكتفي هنا بالقول بأن هذا الاسم «الكلمة»، يعني:

1. القوة الخالقة “بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ” (مز 33: 6). “وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ” (تك 1: 3).
2. الفكر أو العقل الإلهي
3. القوة الحافظة والحاملة لهذا الوجود (عب3:1).
4. التعبير المفهوم عن الله لذهن الإنسان.

سأل شاب مستر جرينفيلد هذا السؤال: هل تقدر أن تفسر لي: لماذا سُميَّ يسوع المسيح «الكلمة»؟

أجاب مستر جرينفيلد: «أعتقد ان الكلام هو واسطة التفاهم بين الله والناس» (1تي5:3).

هنا قد يعترض أحدهم بالقول: كيف تتصور أن يرضى الله بأن يتجسد في صورة الإنسان، وأن يسمح للناس أن يلطموه على وجهه، ويبصقوا عليه، ويجلدوه، ويصلبوه على الصليب؟

وأقول: «إن الله قد سمح للناس أن يفعلوا به كل هذا، ليظهر لهم مدى عمق الشر في قلوبهم .. هل يمكنك أن تتصور إنسانًا يجول محسنًا على الفقراء، شافيًا للمرضى، ماسحًا للدموع من عيون الحزانى، فاعلاً كل ما هو جليل وجميل. ثم يجتمع عليه الناس فيضربونه ويقتلونه .. بأي حكم تحكم على هؤلاء الناس، وأي تصور تراه للشر الأسود الجاثم في قلوبهم؟!!

هكذا جاء المسيح يُطعم الجياع، ويشفي المرضى، ويُقيم الموتى، فإختار الناس الحرية والحياة للص اسمه «باراباس» وقادوا المسيح إلى الموت على الصليب، وهكذا أظهر الله مدى ما فعلته الخطية بالناس إذ عضوا اليد التي أطعمتهم، وضربوا الفم الذي حدثهم بالخير والحق والجمال، وقتلوا ذاك الذي وهبهم الصحة والبركة والحياة.

لكن أحدهم قد يصيح قائلاً: كلا ما قتلوه!! لقد قتلوا شخصًا شبيهًا به .. قتلوا يهوذا تلميذه الخائن الذي ألقى عليه الله شبه المسيح أما المسيح فقد نجا من موت الصليب.

ونرد على هذا الإدعاء مستعينين بأفكار «م.هـ. فنلي» مع ما كتبناه في مجلة الأخبار السارة سنة 1959 في هذا الموضوع فنقول:

1. إنه من التجديف الصريح على الله أن نظن بأنه وهو الأمين المنزه عن الكذب قد خدع الناس، فغير شكل «يهوذا» إلى شكل المسيح، وبذلك غرر بملايين البشر على مدى القرون، الأمر الذي يقود الناس إلى الاعتقاد أن الله لن يعاقب الناس أيضًا على ما اقترفوه من خداع فقد سبقهم – حاشا جل شأنه – في عمل أكبر خدعة في التاريخ هي خدعة تغيير شكل يهوذا إلى شكل المسيح.

2. لا يستسيغ العقل أن يقبل بأن أتباع المسيح وحوارييه قد رضوا بالموت في سبيله من أجل خدعة لا أصل لها في حقيقة الإيمان المسيحي، إذ أنهم كانوا يموتون بالملايين ورجائهم الوحيد هو إعلانهم الجهري بأن المسيح مات لأجلهم على الصليب.

3. من المستحيل أن يكون الشخص الذي صُلب على الصليب شخصًا غير المسيح، فالأقوال السبعة التي نطق بها المصلوب تؤكد حقيقة شخصيته، ولا يعقل أن ينادي يهوذا الخائن الأثيم الله القدوس العظيم قائلاً: “يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ” (لو 23: 34). فالتاريخ يسجل عن الذين ماتوا موت الصليب أنهم سمموا الهواء النقي بشتائمهم القذرة، وتجديفهم الشنيع، أما ذاك المصلوب فقد رددت الأرجاء صدى انتصاره الساحق في معركة الصليب حين قال “قَدْ أُكْمِلَ” (يو30:19).

وفي اللغة اليونانية الأصلية تتألف هذه العبارة من كلمة واحدة هي «تتلستي» وكانت كلمة شائعة الاستعمال في الحياة التجارية فعند تسديد «كمبيالة» لإستحقاق دفعها كان المستفيد يكتب على وجهها كلمة «تتلستي»، التي تعني «سُددت»، انتهت، كمُلَت، أُلغيت، إذن فلم تكن صرخة المسيح وهو يصارع الموت إستغاثة يائس تثير الشجن. استسلم بعدها إلى «إغماء طويل» كما يدعي بعض العصريون، بل بالحري كانت هتاف منتصر سدد مطاليب عدل الله ومحى صك الخطايا عن كل من يقبلوه، وإذن فلم يكن المصلوب يهوذا بل كان المسيح الفادي الكريم.

4. إن العهد القديم سبق فأنبأ عن تسليم يهوذا للمسيح وعن مصيره الأبدي فقال: “فَأَقِمْ أَنْتَ عَلَيْهِ شِرِّيرًا، وَلْيَقِفْ شَيْطَانٌ عَنْ يَمِينِهِ … وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ .. أَحَبَّ اللَّعْنَةَ فَأَتَتْهُ، وَلَمْ يُسَرَّ بِالْبَرَكَةِ فَتَبَاعَدَتْ عَنْهُ” (مز6:109، 17). (اقرأ أعمال 16:1-20). وقال في موضع آخر “أَيْضًا رَجُلُ سَلاَمَتِي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!” (مز 41: 9)، وقد تحدث المسيح عن يهوذا قبل أن يسلمه بقليل فقال: “إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ!” (مت 26: 24).

5. حضرت «مريم أم يسوع» ساعة الصلب وجاز في نفسها سيف الألم كما أنبأها «سمعان الشيخ» (لو35:2) فلو كان «يهوذا» هو الذي صُلب وشُبه لليهود أنه المسيح إذن لأحس «قلب الأم» بهذه الحقيقة ولذهبت لتوها تخبر التلاميذ أن الذي على الصليب ليس هو ابنها يسوع المسيح.

6. كان صلب المسيح موضوع النبوات، وقد تمت النبوات فيه فمن المستحيل أن يكون الذي صُلب هو يهوذا، فيهوذا لم يمت مصلوبًا لكننا نقرأ عنه الكلمات “حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ .. ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ “ (مت 27: 3، 5). فكيف يكون يهوذا قد مات مصلوبًا، ومات مخنوقًا في ذات الوقت!؟

7. تؤكد الظواهر التي حدثت في الطبيعة وقت صلب المسيح، بأن المصلوب لا يمكن أن يكون يهوذا، بل لم يكن مجرد إنسان لأنها ظواهر خارقة لم تحدث قط عند صلب إنسان، وقد سجلها متى بالكلمات: “وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ فَقَوْمٌ مِنَ الْوَاقِفِينَ هُنَاكَ لَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: «إِنَّهُ يُنَادِي إِيلِيَّا». وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَلًا وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ. وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَقَالُوا: «اتْرُكْ. لِنَرَى هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا يُخَلِّصُهُ!». فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ. وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ، وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ. وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوْا الزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ، خَافُوا جِدًّا وَقَالُوا: «حَقًّا كَانَ هذَا ابْنَ اللهِ!” (مت45:27-54).

فهذه الظواهر الخارقة .. زلزلة الأرض .. تشقق الصخور .. تشقق حجاب الهيكل .. لا يمكن أن تكون قد حدثت مصادفة، ولا يمكن أن تحدث عند موت إنسان مجرم أثيم كيهوذا .. وعلى هذا نؤكد بيقين بأن المصلوب كان المسيح «ابن الله».

8. تؤكد ظهورات المسيح بعد القيامة أنه هو الذي صُلب إذ عندما شك توما في قيامته وقال للتلاميذ رفقائه “إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ” (يو 20: 25).

جاء يسوع “ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا». أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ: «رَبِّي وَإِلهِي!». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا” (يو27:20-29).

ومع ظهور المسيح لتوما ولآخرين، ظهر كذلك “لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ” (1 كو 15: 6). مما يؤكد بما لا يعطي مجالاً للشك قيامته المجيدة.

هكذا يظهر لنا بيقين أن الذي صُلب على الصليب لم يكن يهوذا الإسخريوطي التلميذ الخائن، الذي خنق نفسه على غصن شجرة فثقل جسمه عليه وسقط فانسكبت أحشاؤه كلها (أع18:1)، ولم يكن أي شخص آخر ألقى الله عليه شبه المسيح بل أن الذي صُلب حقًا ويقينًا كان هو المسيح، «ابن الله» الإعلان الكامل الذي أعلن فيه ذاته وحبه وقدرته للإنسان. وهكذا يتحتم علينا الإيمان بأن المسيح هو الله

الفصل الثاني

أسُـــــــس الإيــــــــــمان
بأن
المسيــــح هــــــو الله

 

نرى لزامًا علينا بعد أن تحدثنا عن «حتمية الإيمان بأن المسيح هو الله» أن نفرد هذا الفصل للحديث عن الأسس التي بنينا عليها هذا الإيمان، والتي تضيف إلى ما تقدم أدلة جديدة لا يأتيها الشك من بين يديها ولا من خلفها.

فنحن لا نؤمن بأن المسيح هو الله على أسس وراثية تناقلها الأبناء عن الأباء، لكننا نؤمن قلبيًا بهذا الحق على أسس قوية مبنية أصلاً على إعلانات كلمة الله.

فإذا سألني واحد: لماذا نؤمن بأن المسيح هو الله؟ فإنني أُجيبه على أُسس من الحق الواضح المُعلن في الكتاب المقدس .. وإليك هذه الأُسس في وضوح صريح:

1) إنني أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس ميلاده المعجزي من عذراء:

لقد خلق الله آدم خلقًا مباشرًا من تراب ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسًا حية، ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه وبناها إمرأة وأحضرها إلى آدم، وكان السبب وراء خلقه المرأة من الرجل هو تأكيد «وحدة الجنس البشري» فالرجل والمرأة كلاهما من تراب لا فضل لأحدهما على الآخر من حيث المادة التي خلقهما منها الله، فلم يكن خلق المرأة من الرجل لمجرد إثبات قدرة الله «فقد ثبتت هذه القدرة بخلق آدم من العدم والتراب بل كان هذا الخلق لإثبات وحدة الإنسانية جمعاء.

أما ولادة «يسوع المسيح» من عذراء لم يمسسها بشر، فكانت معجزة فريدة قصد الله في حكمته أن تتم، لكي يولد المسيح إنسانًا دون أن يرث خطية الإنسان.

وواضح ان كل البشر قد ورثوا الخطية لأنهم توارثوا دم آدم الذي افسدته الخطية كما نقرأ في الكلمات “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” (رو 5: 12). فالبشر جميعًا يحملون في عروقهم دم آدم الآثيم كما يقرر بولس الرسول في كلماته “وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ” (أع 17: 26).

لقد كان آدم هو نبع النهر الذي جاء منه البشر. وما دام النبع قد تلوث بالخطية، فكل قطرة ماء تجري في النهر حملت جراثيم الخطية.

يقول «الدكتور M.R. Dehaan»: إن من الحقائق العلمية الثابتة أن الدم الذي ينتج في جسد الجنين ينتج عن طريق الأب، فالبويضة غير المخصبة لا يمكن أن تكون دمًا لأن البويضة نفسها ليس بها العناصر الضرورية ما يعدها لإنتاج الدم، بدليل بيضة الدجاجة غير المخصبة لا تخرج كتكوتًا. فالجنين لا يأخذ نقطة واحدة من دم الأم، فالأم تمد الجنين بالعناصر الغذائية لبناء الجسم الصغير الذي تضُمه أحشاؤها ولكن الدم الذي فيه قد نتج عن طريق الأب، فمنذ لحظة الحمل إلى لحظة الولادة لا تمر نقطة دم واحدة من الأم إلى الجنين، إذ أن كل عمل الأم هو إمداد الجنين بالمواد اللازمة لبناء جسمه مثل البروتينات، والكربوهيدرات، والأملاح، والمعادن، وهذه تمر بسهولة من الأم للجنين، دون أن تعطي الأم للجنين نقطة دم واحدة. والدم الموجود في الجنين ينتج داخله أصلاً من الأب كبذرة حية، وكلما نما جسمه عن طريق الغذاء الذي تقدمه الأم إزداد الدم اللازم لذلك الجسم.

ولما كان المسيح له المجد قد تجسد في أحشاء عذراء لم تعرف رجلاً، فجسده البشري لم تجر في عروقه نقطة دم ملوثة بالأثم، لأنه لم يرث خطية آدم الساقط كما قرر يوحنا الرسول في الكلمات “وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ (1 يو 3: 5). وكما قال بطرس الرسول وهو يؤكد نقاوة وطهارة دم المسيح في كلماته “عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ” (1بط18:1-20). ولهذا فإن دم المسيح الزكي الكريم يطهر الذين يؤمنون به من كل خطية. إن ولادة يسوع المسيح من عذراء كان غرضها الأساسي فداء الإنسان، ولأن الفداء لا يمكن أن يتممه سوى الله، فالمسيح إذًا هو «الله الابن» الذي اخذ صورة إنسان.

ولو كان المسيح مجرد إنسان فلماذا لم يولد كما يولد سائر البشر؟ لماذا لم يولد بالتناسل الطبيعي كما وُلد إبراهيم وموسى وإيليا وإشعياء وسائر الرسل والأنبياء؟

لقد رنت أجراس النبوة منذ لحظة سقوط الإنسان مؤكدة ميلاد المسيح من عذراء، ففي سفر التكوين تحدث الله إلى الحية قائلاً “وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ” (تك 3: 15). وفي سفر إشعياء أوضحت النبوة بما لا يعطي مجالاً للشك بأن المسيح سيولد من عذراء بالكلمات “وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ»” (إش 7: 14).

والآن تعال معي لنقلب صفحات العهد الجديد ونقرأ القصة البسيطة الرائعة التي تحدثنا عن كيف تجسد «ابن الله» من فتاة عذراء. إن القصة مذكورة في إنجيل متى في هذه العبارات “أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارًّا، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرًّا. وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: «يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ». وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا” (مت18:1-23).

والقصة تحمل لنا أجمل الحقائق وأسماها، فملاك الرب قد أخبر يوسف أن الذي حُبِلَ به في مريم العذراء هو من الروح القدس، فلَمْ يَمْسَسْها بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، ويخبره بأن هذا الوليد سيدعى «يسوع» «لأنه يخلص شعبه من خطاياهم»، ويسجل متى فكر الروح القدس عن ولادة المسيح المعجزية من مريم العذراء إنها إتمامًا لنبوة سابقة هي نبوة إشعياء التي ذكرناها في بداية حديثنا، والتي سجلها إشعياء قبل ميلاد المسيح بحوالي سبعمئة سنة .. فالمسيح له المجد هو «عمانوئيل» الذي تفسيره «الله معنا» ولذا قال عنه بولس الرسول “وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ” (1 تي 3: 16). وقال مشيرًا إلى عمله الفدائي وهو يخاطب قسوس كنيسة أفسس “اِحْتَرِزُوا إِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ” (أع 20: 28).

ويكشف «لوقا» النقاب عن بشارة جبرائيل الملاك لمريم العذراء بالكلمات “وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ، إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُل مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ. فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ». فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ، وَفَكَّرَتْ: «مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ!» فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ». فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: «كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟» فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا، لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ». فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ». فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلاَكُ” (لو26:1-38).

هذه هي القصة كاملة لولادة المسيح المعجزية، فلكي يحمي الله مريم العذراء من الموت رجمًا كزانية حملت سفاحًا كما أمر الرب موسى بالكلمات “إِذَا كَانَتْ فَتَاةٌ عَذْرَاءُ مَخْطُوبَةً لِرَجُل، فَوَجَدَهَا رَجُلٌ فِي الْمَدِينَةِ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، فَأَخْرِجُوهُمَا كِلَيْهِمَا إِلَى بَابِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَارْجُمُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَا” (تث23:22، 24).

أعطى إعلانًا خاصًا في حلم لخطيبها يوسف ليأخذها زوجة، فتلد هذا الوليد العجيب في كنفه، وتحت أسمه، ولكنه من الجهة الأخرى أكد أن هذا الوليد ليس كسائر البشر، فهو، «يسوع المخلص» وهو في ذات الوقت «ابن الله»، وأكد الكتاب في كلمات صريحة بأن يوسف لم يمس مريم قبل أن تلد المسيح بالكلمات “فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ، وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ. وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ. وَدَعَا اسْمَهُ يَسُوعَ” (مت 1: 24، 25).

فأنا أؤمن بأن المسيح هو الله، على أساس ولادته المعجزية من عذراء، فهو لم يولد كما يولد سائر البشر بل هيأ الله له جسدًا خاصًا كما قال كاتب الرسالة إلى العبرانيين “لِذلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا” (عب 10: 5)، ولم تكن ولادته بالجسد هي بداية حياته، فقد كان موجودًا منذ الأزل كما قال بفمه المبارك “قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ” (يو 8: 58). وكما تحدث عنه أجور ابن متقية مسا في سفر الأمثال قائلاً “مَنْ صَعِدَ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ؟ مَنْ جَمَعَ الرِّيحَ في حَفْنَتَيْهِ؟ مَنْ صَرَّ الْمِيَاهَ في ثَوْبٍ؟ مَنْ ثَبَّتَ جَمِيعَ أَطْرَافِ الأَرْضِ؟ مَا اسْمُهُ؟ وَمَا اسْمُ ابْنِهِ إِنْ عَرَفْتَ؟” (أم 30: 4). فهو «الله الابن» الأزلي الأبدي، الأول والآخر، البداية والنهاية.

2) إنني أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس إعلانات الفلك والنجوم عن مجيئه:

نقرأ في سفر التكوين الكلمات “وَقَالَ اللهُ: «لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَتَكُونَ لآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ وَأَيَّامٍ وَسِنِينٍ. وَتَكُونَ أَنْوَارًا فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ». وَكَانَ كَذلِكَ. فَعَمِلَ اللهُ النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ: النُّورَ الأَكْبَرَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، وَالنُّورَ الأَصْغَرَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، وَالنُّجُومَ. وَجَعَلَهَا اللهُ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ، وَلِتَحْكُمَ عَلَى النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَلِتَفْصِلَ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ” (تك14:1-18).

ويقول دكتور «Charles S. Bauer» إن الكلمة «آيات» المذكورة في النص جاءت في العبرية «othoth» التي معناها «الآتي» ولو أنك درست الأصل العبري للكلمة لرأيت أنها ترينا أن نجوم السماء عُملت لكي تتحدث عن شخص آت. والكلمة «أوقات» تعني في العبرية «أوقات معينة» فهي تتحدث عن شخص سيأتي في وقت معين كما قال بولس الرسول “وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ” (غل 4: 4). “لأَنَّ الْمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ” (رو 5: 6).

ولذا فليس بعجيب أن نقرأ عن مجيء المجوس من المشرق للسجود للمسيح الوليد كما سجل متى في إنجيله بالكلمات “وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ” (مت1:2، 2).

لقد رنم داود قديمًا في مزموره قائلاً “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. يَوْمٌ إِلَى يَوْمٍ يُذِيعُ كَلاَمًا، وَلَيْلٌ إِلَى لَيْل يُبْدِي عِلْمًا” (مز1:19، 2). ومجد الله الذي تتحدث به السموات والفلك، ليس هو مجده في الخليقة فقط، بل مجده في الفداء أيضًا.

هناك إثنتي عشرة مجموعة من النجوم الثابتة في السماء تدور في منطقة البروج سأذكرها بحسب ترتيبها الزمني:

1) برج العذراء                           7) برج الحوت
2) برج الميزان                          8) برج الحمل
3) برج العقرب                          9) برج الثور
4) برج القوس                          10) برج الجوزاء
5) برج الجدي                          11) برج السرطان
6) برج الدلو                             12) برج الأسد

فماذا تقول هذه البروج:

إن هذه البروج تتحدث عن «قصة الفداء» فبرج العذراء يتحدث عن ميلاد المسيح من عذراء، وبرج الميزان يرينا أن البشر قد وزنوا بالموازين فوجدوا ناقصين، وبرج العقرب وقد ترجم في الإنجليزية Serpant أي الحية، يرينا الحية القديمة التي سممت حياة الإنسان بالخطية، وبرج القوس يرينا المسيح الظافر المنتصر الذي سحق رأس الحية بموته على الصليب كما نقرأ في (لا3:9)، وبرج الدلو يتحدث عن المسيح ينبوع الماء الحي كما نقرأ في (يو14:4، 37:7-39، رؤ17:22)، وبرج الحوت يرينا المسيح المدفون المقام من الأموات “لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال” (مت 12: 40)، وبرج الحمل يرينا المسيح “حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!” (يو 1: 29)، وبرج الثور يرينا المسيح ذبيحة الخطية كما نقرأ في (لا13:4-15)، وبرج الجوزاء يرينا المسيح في يوم عرسه (رؤ7:19-9)، كما يرينا إياه وقد صالح العبرانيين والأمم مع الله بالصليب (أف16:2)، وبرج السرطان يرينا الإنسان العتيق سرطان الجنس البشري الذي سيمحو الله ذكره من تحت السماء، وأخيرًا برج الأسد الذي يرينا النصرة النهائية للمسيح كما نقرأ في الكلمات “هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، أَصْلُ دَاوُدَ، لِيَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ السَّبْعَةَ” (رؤ 5: 5)، وسيأتي اليوم القريب الذي نسمع فيه الهتاف الجميل “قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ” (رؤ 11: 15).

فإذا كانت النجوم في بروجها تتحدث عن المسيح، وداود يقول في المزمور “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ” فالمسيح إذًا ليس مجرد إنسان، إنه الله الابن المسيطر على الكون “حَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ” (عب3:1) وعلى أساس إعلانات الفلك والنجوم عن المسيح فأنا أؤمن بأنه الله، فالفلك لم يتحدث قط بهذه الصورة الرائعة عن كائن من بني الإنسان.

3) إنني أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس حياته المنزهة عن الخطأ والمعصومة عن الزلل:

يصف يوحنا الرسول المسيح بالكلمات “وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ (1 يو 3: 5). ويصفه بطرس الرسول بالكلمات “فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالًا لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ. «الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ” (1بط21:2، 22)، ويصفه بولس الرسول بالكلمات الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً” (2كو21:5).

فالمسيح ليس فيه خطية، ولم يفعل خطية، ولم يعرف خطية، لقد تسامى فوق البشر بخلو حياته من الخطأ – أي خطأ – واتصف بالصلاح المطلق، وليس أحدًا صالحًا إلا واحد وهو الله.

ذات يوم جاء شاب غني إليه وقال له: “أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟» فَقَالَ لَهُ: «لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ” (مت16:19، 17).

وكأن المسيح له المجد يقول لذلك الشاب: أتدعوني صالحًا بمقياس الصلاح البشري؟ أم تدعوني صالحًا بمقياس الصلاح الإلهي؟

وإذا كنت تقصد إنني صالح بمقياس الصلاح الإلهي فهذا يعني إنني الله، لأنه ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله، فإذا اعترفت بحق بصلاحي بالمقياس الإلهي وجب عليك أن تعترف بأنني الله.

أجل، كان المسيح صالحًا، منزهًا عن الخطأ، لأنه كان الله الابن المتجسد في صورة إنسان.

يقال إن الفضل ما شهد به الأعداء، ولقد تحدى المسيح أعداءه علانية قائلاً “مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟” (يو 8: 46). ولم يستطع أعداؤه أن يمسكوا عليه زلة، أو يجدوا في حياته شبه خطأ أو شر.

ودراسة دقيقة للإصحاح الثامن من إنجيل يوحنا ترينا القيمة العظمى لهذا التحدي من جانب المسيح، ففي بداية الإصحاح نقرأ “ثُمَّ حَضَرَ أَيْضًا إِلَى الْهَيْكَلِ فِي الصُّبْحِ، وَجَاءَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الشَّعْبِ فَجَلَسَ يُعَلِّمُهُمْ” (يو 8: 2).كان المسيح مشغولاً بإنارة قلوب شعب نشر الظلام رداءه الأسود عليه. وهناك “قَدَّمَ إِلَيْهِ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ امْرَأَةً أُمْسِكَتْ فِي زِنًا. وَلَمَّا أَقَامُوهَا فِي الْوَسْطِ قَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، هذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ، وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟» قَالُوا هذَا لِيُجَرِّبُوهُ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ” (يو2:8-6).

كان المسيح مشغولاً بإشاعة النور، وكان الكتبة والفريسيون يقومون بتدبير المؤامرات في الظلام.

رجال دين .. ومتآمرون .. يا للتناقض.

أتوا إليه بامرأة أمسكوها وهي تزني في ذات الفعل، ومن عجب أنهم لم يحضروا شريكها في الجريمة مع أن الناموس يقول “إِذَا وُجِدَ رَجُلٌ مُضْطَجِعًا مَعَ امْرَأَةٍ زَوْجَةِ بَعْل، يُقْتَلُ الاثْنَانِ: الرَّجُلُ الْمُضْطَجِعُ مَعَ الْمَرْأَةِ” (تث 22: 22). ولكن هؤلاء الفريسيين لم يحضروا الرجل الشريك في الجريمة وهذا يؤكد أن قصدهم لم يكن الدفاع عن الناموس، بل الإيقاع بالمسيح “قَالُوا هذَا لِيُجَرِّبُوهُ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ” (يو 8: 6) وكان الموقف دقيقًا فإذا قال المسيح إرجموها ظهر واضحًا أن لا فرق بينه وبين موسى. فبأي جديد أتى إليهم؟! وإذا قال لا ترجموها إتهموه بالحض على عصيان الناموس واشتكوا عليه .. ولكن المسيح “الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ” (كو 2: 3). “انْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ. وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!» ثُمَّ انْحَنَى أَيْضًا إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ” (يو 8: 7، 8).

هل إنحنى في ذلك الوقت ليكتب خطاياهم ويصفها أمام عيونهم؟

ربما .. ولكن الأمر المؤكد نقرأه في الكلمات “وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ، خَرَجُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا، مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسْطِ” (يو 8: 9).

لقد إنسحب الكتبة والفريسيون الذين أحضروا المرأة الزانية، انسحبوا بعد أن أيقظ المسيح ضمائرهم بكلماته، وأظهر لهم خباياهم وخطاياهم، فهرب الفريسيون أمام نور عينيه – كدت أقول – أمام نار عينيه لأنهم كلهم في الموازين إلى فوق .. كلهم خطاة وأثمة.

« وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ»
أجل بقى وحده لأنه القدوس المنزه عن الخطأ.
بقى وحده لأنه وحده له حق الدينونة والقضاء.
وغفر للمرأة الساقطة، واهبًا إياها قوة لحياة الطهر والنقاء.

هذه هي بداية الإصحاح، ونرى هناك كيف أعلن المسيح للكتبة والفريسيين شر قلوبهم، وإذ نستمر إلى قلب الإصحاح نسمع كلمات المسيح لليهود “أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ” (يو44:8). ثم يتحداهم بعد ذلك بالكلمات: “مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟” (يو46:8)، وكأن الروح القدس وهو يضع هذه الآية في هذا المكان أراد أن يقارن بين المخلوقات الساقطة والإله القدوس، بين الذين لوثتهم الخطية، وذاك الذي قال عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين إنه “قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ” (عب 7: 26). بين المسيح .. وبين خلائقه.

وكأن المسيح يقول في هذه المقارنة: ها أنا قد كشفت لأفضل من فيكم من المتدينين، للكتبة والفريسيين شر حياتهم فهربوا أمام نور عينيَّ .. لكن «مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟» .. من يستطيع أن يذكر لي زلة؟ او هفوة؟ أو كلمة نابية؟ أو نظرة دنسة؟ أو موقفًا ضعيفًا؟ .. «مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟».

وأمام طهارة حياة المسيح في جملتها وتفصيلها .. في ظاهرها وباطنها .. أمام عصمة المسيح عن الزلل .. أمام نقاوة المسيح في ذاته وتصرفاته، يرى أعظم الأنبياء والقديسين نفسه بأنه قزم أمام عملاق .. فليس بين الأنبياء من خلت حياته من الخطأ والزلل، وليس بين القديسين من لم تزل قدمه ذات يوم كما قرر إشعياء النبي بكلماته “كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا” (إش 53: 6).

أما المسيح فهو يقف فريدًا في نقاوة حياته ولذا فقد شهد عنه بيلاطس الوالي الروماني قائلاً: “لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً” (يو 18: 38).

وقال عنه قائد المائة الذي أشرف على صلبه “بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هذَا الإِنْسَانُ بَارًّا!” (لو 23: 47).

وعلى أساس حياته الخالية من الخطأ والمعصومة من الزلل نقرر في يقين أنه «ابن الله» أنه «الله ظهر في الجسد».

4) إنني أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس علمه بكل شيء:

يتميز الله عن سائر مخلوقاته بثلاث صفات هي: «العلم بكل شيء» .. «القدرة على كل شيء» .. «الحضور في كل مكان» .. ولذا فنحن نراه يتحدى الناس في سفر إشعياء بالكلمات “مَا هِيَ الأَوَّلِيَّاتُ؟ أَخْبِرُوا فَنَجْعَلَ عَلَيْهَا قُلُوبَنَا وَنَعْرِفَ آخِرَتَهَا، أَوْ أَعْلِمُونَا الْمُسْتَقْبِلاَتِ. أَخْبِرُوا بِالآتِيَاتِ فِيمَا بَعْدُ فَنَعْرِفَ أَنَّكُمْ آلِهَةٌ” (إش22:41، 23).

وكأن الله جل شأنه يقول: إن دليل الألوهية هو العلم بكل شيء، بالأوليات والمستقبلات، والعهد الجديد يرينا أن المسيح له المجد عالم بكل شيء.

فقد علم كل شيء عن الإنسان: وهذا واضح في الكلمات “وَلَمَّا كَانَ فِي أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ، آمَنَ كَثِيرُونَ بِاسْمِهِ، إِذْ رَأَوْا الآيَاتِ الَّتِي صَنَعَ. لكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ. وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ” (يو23:2-25).

وقد علم كل شيء عن نثنائيل: والقصة مذكورة في إنجيل يوحنا الإصحاح الأول بالكلمات “فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ: «وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ». فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: «أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «تَعَالَ وَانْظُرْ». وَرَأَى يَسُوعُ نَثَنَائِيلَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، فَقَالَ عَنْهُ: «هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقًّا لاَ غِشَّ فِيهِ». قَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: «مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُنِي؟» أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ، رَأَيْتُكَ». أَجَابَ نَثَنَائِيلُ وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ابْنُ اللهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!” (يو45:1-49).

هل كان نثنائيل تحت التينة يصلي بعيدًا عن عيون الناس فأدهشه أن عرف المسيح سره؟ أو هل كانت هناك ذكريات خاصة بطفولة نثنائيل كان مكانها تحت التينة، فلما أعلن المسيح معرفته بها صاح نثنائيل «يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ابْنُ اللهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ»؟

إن ما يهمنا هو أن المسيح قد رأى نثنائيل تحت التينة، وأن هذه المعرفة العجيبة دفعت نثنائيل للإعتراف بأن المسيح هو «ابن الله».

وقد علم كل شيء عن المرأة السامرية: قابل المسيح هذه المرأة عند بئر يعقوب وبدأ معها الحديث قائلاً “أَعْطِينِي لأَشْرَبَ” (يو7:4). “فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ: «كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي لِتَشْرَبَ، وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا امْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟”. وفجأة أصبح طالب الماء هو نفسه معطي الماء الحي إذ قال المسيح للمرأة: “لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا». قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: «يَا سَيِّدُ، لاَ دَلْوَ لَكَ وَالْبِئْرُ عَمِيقَةٌ. فَمِنْ أَيْنَ لَكَ الْمَاءُ الْحَيُّ؟ أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ، الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ، وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ؟”

أجل أن يسوع أعظم من يعقوب .. لأن يعقوب أعطاهم بئر ماء عادي ككل الآبار، لكن يسوع له المجد يعطي من يأتي إليه ماء حيًا لا يستطيع نبع أرضي أن يخرج مثله، ولذا فقد أجابها قائلاً “كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا. وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ”.

ودفعت كلماته المرأة إلى طلب هذا الماء العجيب، ولكنها بعقلها المادي المغلف بضباب الجهل ظنت أنه مجرد نوع جديد من المياة فقالت “يَا سَيِّدُ أَعْطِنِي هذَا الْمَاءَ، لِكَيْ لاَ أَعْطَشَ وَلاَ آتِيَ إِلَى هُنَا لأَسْتَقِيَ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى ههُنَا”.

ورأت المرأة نفسها في موقف حرج، فهي امرأة ذات ماض، وهذا اليهودي الغريب الذي يتحدث إليها يقترب من كشف النقاب عن ماضيها الأسود الآثيم الأليم .. وأرادت أن تهرب من نظرات عينيه الفاحصتين، وأن تنهي حديثها معه فقالت له “لَيْسَ لِي زَوْجٌ” (يو16:4).

وعندئذ أعلن لها المسيح علمه بكل شيء، وفي أسلوب رقيق كشف لها عن ماضيها دون أن يحرجها فقال لها “حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ، لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ” (يو17:4، 18).

وأحنت المرأة رأسها فلا سبيل للإنكار أمام عيني فاحص القلوب والكُلى، وأجدى من الإنكار الاعتراف الصادق في هذا المقام ولذا قالت المرأة “يَا سَيِّدُ، أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ!” وكأنها تقول له: «إنك تعلم كل شيء عني .. أنت تعرف آثامي وآلامي .. أنت نبي» لقد ظنت في جهلها أنه مجرد نبي، ولكن المسيح أعلن لها أنه «المسيا» وهو الاسم اليوناني للمسيح الذي ينتظره العبرانيون لأن «المسيح» هو الاسم العبراني «للمسيا»، ولقد ذهبت المرأة بعد هذه المقابلة تنادي لأهل مدينتها “هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟” (يو29:4)، ولما أثارت فضولهم وأتوا إليه واستمعوا إلى حديثه “آمَنَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ كَثِيرُونَ .. وَقَالُوا لِلْمَرْأَةِ: «إِنَّنَا لَسْنَا بَعْدُ بِسَبَبِ كَلاَمِكِ نُؤْمِنُ، لأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا وَنَعْلَمُ أَنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ” (يو39:4، 42).

وقد علم المسيح بموت لعاذر وهو بعيد عنه: أرسلت الأختان مرثا ومريم رسالة عاجلة إلى المسيح قالتا فيها “يَا سَيِّدُ، هُوَذَا الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ” (يو3:11)، “لَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ، قَالَ: «هذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ، بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللهِ، لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللهِ بِهِ». وَكَانَ يَسُوعُ يُحِبُّ مَرْثَا وَأُخْتَهَا وَلِعَازَرَ. فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ مَرِيضٌ مَكَثَ حِينَئِذٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ يَوْمَيْنِ”.

هل مررت في اختبار كهذا؟ هل وقعت في ضيقة أردت منها مخرجًا سريعًا فأرسلت إلى الرب صلاة تلغرافية تخبره فيها بمحنتك وحاجتك للمعونة، وإذ بالرب يتأنى عليك ويتأخر – في تقديرك – في المجيء لمعونتك؟ إن محنتك في هذه الحالة ليست الدمار إنها لمجد الله، ليتمجد ابن الله بها .. أجل فالمجد الذي يعود إلى الله يشاركه فيه ابنه الوحيد، فهو واحد مع الآب.

بعد ذلك قال المسيح لتلاميذه “لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ. لكِنِّي أَذْهَبُ لأُوقِظَهُ». فَقَالَ تَلاَمِيذُهُ: «يَا سَيِّدُ، إِنْ كَانَ قَدْ نَامَ فَهُوَ يُشْفَى». وَكَانَ يَسُوعُ يَقُولُ عَنْ مَوْتِهِ، وَهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَقُولُ عَنْ رُقَادِ النَّوْمِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ حِينَئِذٍ عَلاَنِيَةً: «لِعَازَرُ مَاتَ” (يو1:11-14). مات .. وكيف عرفت يا سيد؟

وكأنني أسمع الرب يجيب تلاميذه بالكلمات «أنا موجود هناك، كما أنا موجود معكم، أنا مع الأختين الحزينتين الباكيتين كما أنا معكم يا تلاميذي .. “لِعَازَرُ مَاتَ. وَأَنَا أَفْرَحُ لأَجْلِكُمْ إِنِّي لَمْ أَكُنْ هُنَاكَ، لِتُؤْمِنُوا” قال هذا لأنه علم مسبقًا أنه سيقيم لعازر من قبره. لقد عرف المسيح بموت لعازر دون أن يخبره أحد، لأنه الله الموجود في كل مكان، العالم بكل شيء.

وقد علم المسيح بكل ما سيحدث له من آلام وأعلن كذلك قيامته: نقرأ في إنجيل يوحنا هذه الكلمات “أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ” (يو1:13). ونقرأ أيضًا “فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ” (يو4:18).

لم يأخذه احد على غرة.

– لقد عرف أن يهوذا التلميذ الخائن سيسلمه، لذلك قال لتلاميذه “وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ». لأَنَّهُ عَرَفَ مُسَلِّمَهُ، لِذلِكَ قَالَ: «لَسْتُمْ كُلُّكُمْ طَاهِرِينَ” (يو10:13، 11).

– وعرف أنه سيذهب إلى أورشليم ويتألم كثيرًا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم، وقد جاء إعلانه عن علمه بما سيأتي عليه من آلام بعد أن اعترف بطرس بلاهوتــــــه بكلماته الصريحـــــة “أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!”، وهنا نقرأ الكلمات “فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ .. من ذلك الوقت [أي بعد أن أعلن الآب لاهوت ابنه لبطرس] “ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ” (مت 16: 13-21). أجل علم المسيح بكل ما سيأتي عليه من آلام وأخبر تلاميذه بما سيحدث له قبل حدوثه، كما أعلن معرفته بقيامته.

وقد علم المسيح أن التلميذ بطرس سينكره: وهذا ما نقرأه في إنجيل متى بالكلمات “حِينَئِذٍ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ. وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ». فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: «وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ” (مت31:26-35).

ولقد صدقت النبوة وأنكر بطرس المسيح، وها نحن نقرأ عن إنكاره هذه الكلمات “وَبَعْدَ قَلِيل جَاءَ الْقِيَامُ وَقَالُوا لِبُطْرُسَ: «حَقًّا أَنْتَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ!» فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: «إِنِّي لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!» وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ. فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ يَسُوعَ الَّذِي قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا” (مت73:26-75).

وقد علم المسيح بكل حوادث الضيقة العظيمة التي تسبق مجيئه مع قديسيه إلى هذه الأرض: وقد شرحها في إنجيل متى الإصحاح الرابع والعشرين، كما تحدث عنها لعبده يوحنا في سفر الرؤيا بتفصيل يُذهل العقل.

ويكفي هنا أن نذكُر كلمات قليلة من حديثه تاركين لمن يريد التوسع العودة إلى الكتاب المقدس لدراسة هذه التفاصيل لنفسه. فقد قال بفمه المبارك “وَلِلْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأَيَّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَالنُّجُومُ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ، وَقُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ” (مت29:24، 30).

أجل إن المسيح هو الله الذي ظهر في الجسد، لأنه عالم بكل شيء، وأمام علمه نقول مع داود “عَجِيبَةٌ هذِهِ الْمَعْرِفَةُ، فَوْقِي ارْتَفَعَتْ، لاَ أَسْتَطِيعُهَا” (مز 139: 6)، وقد اعترف بطرس بعلم المسيح بكل شيء في هذه الكلمات “فَبَعْدَ مَا تَغَدَّوْا قَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ بُطْرُسَ: «يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هؤُلاَءِ؟» قَالَ لَهُ: «نَعَمْ يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ». قَالَ لَهُ: «ارْعَ خِرَافِي». قَالَ لَهُ أَيْضًا ثَانِيَةً: «يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟» قَالَ لَهُ: «نَعَمْ يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ». قَالَ لَهُ: «ارْعَ غَنَمِي». قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: «يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟» فَحَزِنَ بُطْرُسُ لأَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: أَتُحِبُّنِي؟ فَقَالَ لَهُ: يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ” (يو15:21-17). وكأننا نسمع بطرس يقول بهذا الاعتراف الواضح: أيمكن أن تُخفى عليك عواطف قلبي؟ أنت تعلم كل شيء .. أنت تعرف كل شيء .. انت «الله» فاحص القلوب والكُلى.

وهذا ما نقرأه في سفر رؤيا يوحنا في الكلمات “وَأَوْلاَدُهَا أَقْتُلُهُمْ بِالْمَوْتِ. فَسَتَعْرِفُ جَمِيعُ الْكَنَائِسِ أَنِّي أَنَا هُوَ الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ، وَسَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ” (رؤ 2: 23).

وأمام علم المسيح بكل شيء أؤمن بأن المسيح هو «الله».

5) إنني أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس حضوره في كل مكان:

يترنم داود لله في المزمور قائلاً: “أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ” (مز7:139-10).

فمن صفات الله «الوجود في كل مكان»، والمسيح قد أعلن بكلمات صريحة عن وجوده في كل مكان ولذا فأنا أؤمن أنه الله. بعد أن خاطب بولس قسوس كنيسة أفسس قائلاً “الرُّوحَ الْقُدُسَ يَشْهَدُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ قَائِلًا: إِنَّ وُثُقًا وَشَدَائِدَ تَنْتَظِرُنِي. وَلكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ اللهِ. وَالآنَ هَا أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَ وَجْهِي أَيْضًا، أَنْتُمْ جَمِيعًا الَّذِينَ مَرَرْتُ بَيْنَكُمْ كَارِزًا بِمَلَكُوتِ اللهِ .. وَلَمَّا قَالَ هذَا جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ مَعَ جَمِيعِهِمْ وَصَلَّى. وَكَانَ بُكَاءٌ عَظِيمٌ مِنَ الْجَمِيعِ، وَوَقَعُوا عَلَى عُنُقِ بُولُسَ يُقَبِّلُونَهُ مُتَوَجِّعِينَ، وَلاَ سِيَّمَا مِنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا: إِنَّهُمْ لَنْ يَرَوْا وَجْهَهُ أَيْضًا” (أع23:20-38).

لقد عرف قسوس كنيسة أفسس أنهم لن يحظوا بحضور بولس معهم مرة أخرى .. لن يستمعوا إلى تعاليمه الثمينة .. لن يأخذوا منه هبة روحية لثباتهم .. فبكوا .. عرفوا أن الموت سينهي خدمة هذا الرسول العظيم.

وفي الرسالة إلى القديسين في فيلبي، وهي الرسالة التي كتبها بولس في أخريات أيامه نقرأ كلماته: “أَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. وَلكِنْ إِنْ كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا. وَلكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ” (في21:1-24).

وكأن بولس يقول بكلماته هذه: أنا لا يمكنني أن أكون في السماء وفي الأرض، لا أستطيع أن أخدمكم بعد أن أذهب لأكون مع الرب .. لن يكون في مقدوري أن أكون واسطة تقدمكم وفرحكم في الإيمان وأنا موجود مع المسيح في المجد “لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا. وَلكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ”. وها هو بطرس الرسول يعلن ذات الموقف بكلماته: “وَلكِنِّي أَحْسِبُهُ حَقًّا ­ مَا دُمْتُ فِي هذَا الْمَسْكَنِ­ أَنْ أُنْهِضَكُمْ بِالتَّذْكِرَةِ، عَالِمًا أَنَّ خَلْعَ مَسْكَنِي قَرِيبٌ، كَمَا أَعْلَنَ لِي رَبُّنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ أَيْضًا. فَأَجْتَهِدُ أَيْضًا أَنْ تَكُونُوا بَعْدَ خُرُوجِي، تَتَذَكَّرُونَ كُلَّ حِينٍ بِهذِهِ الأُمُورِ” (2بط13:1-15).

فبطرس أعلن انه طالما كان موجودًا في الجسد على الأرض فواجبه أن ينهض القديسين بالتذكرة .. وأعلن أن خلع جسده صار قريبًا، وأوصاهم أن يتذكروا كلماته، فلن يكون في مقدوره الاتصال بهم بعد أن يخلع مسكنه.

فالأنبياء والرسل والقديسون كلهم مضوا .. وأنهى الموت خدمتهم وعلاقتهم بالأرض وسكانها.

أما الرب يسوع المسيح فهو الموجود في كل مكان.

– إنه قد وعد تلاميذه قائلاً: “لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ” (مت 18: 20).

– وقال لتلاميذه القديسين: “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (مت19:28، 20).

– وقال لنيقوديموس: “وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ” (يو 3: 13).

ولقد أكدت كل الحوادث أن مواعيد الرب يسوع المسيح أمينة وصادقة. ففي إنجيل يوحنا نرى الرب وهو يؤكد لتلاميذه حقيقة حضوره الدائم معهم في الكلمات: “وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: «سَلاَمٌ لَكُمْ!»” (يو 20: 19).

لقد كان التلاميذ في خوف من اليهود ولذلك أغلقوا الأبواب والنوافذ .. فمن أين إذن دخل المسيح؟

لقد دخل ورفع يديه وآثار الجروح فيهما وقال: “سَلاَمٌ لَكُمْ!» وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: «سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا». وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: «اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ»” (يو19:20-23).

“أَمَّا تُومَا، أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ .. فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ جَاءَ يَسُوعُ. فَقَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ!”.

ويمكنني أن أتصور توما وهو يقول متعجبًا: رأيتم الرب؟ وكيف دخل الرب إلى هنا؟ .. الأبواب مغلقة .. ولا فتحة واحدة في المكان يمكنه الدخول منها؟!

ويرد التلاميذ قائلين: «دخل ورأيناه .. أرانا يديه وجنبه وسمعنا صوته .. قال لنا: سلام لكم .. وأرسلنا لتبشير العالم الهالك الأثيم .. توما ليتك كنت معنا”.

ويرد توما وهو يهز رأسه قائلاً: كلا إن عقلي ليس على غرار عقولكم .. أنتم أصحاب عقليات تتأثر بسرعة .. أكاد أقول أنها عقليات ضعيفة .. أنتم غلبتم العاطفة فتصورتم في أوهامكم أنكم رأيتم الرب .. اما أنا فإنني رجل واقعي مثقف “إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ” (يو 20: 25). وكان المسيح موجودًا عندما تحدث توما بكلماته إلى رفاقه، وسمع كل ما قاله توما، ولو أن توما لم يره بعينيه.

“وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلاَمِيذُهُ أَيْضًا دَاخِلًا وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ، وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكُمْ!». ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا” (يو26:20 ،27).

وامتلأ توما وباقي التلاميذ عجبًا. هل كان الرب معهم حين نطق توما بكلماته؟ كيف سمع كلماته بالحرف الواحد .. وكيف جاء ليلبي مطاليب عقله؟

وأشرق النور على قلب توما وهتف قائلاً «رَبِّي وَإِلهِي!». “قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا” (يو29:20).

أجل إن الرب يسوع المسيح موجود في كل مكان. وهو رفيق رحلة الحياة لكل مؤمن، ولقد كان الإحساس بحضوره الدائم هو سر سلام القديسين ونصرتهم .. إصغ إلى كلمات بولس وهو يكتب لتلميذه الحبيب تيموثاوس قائلاً “فِي احْتِجَاجِي الأَوَّلِ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مَعِي، بَلِ الْجَمِيعُ تَرَكُونِي. لاَ يُحْسَبْ عَلَيْهِمْ. وَلكِنَّ الرَّبَّ وَقَفَ مَعِي وَقَوَّانِي، لِكَيْ تُتَمَّ بِي الْكِرَازَةُ، وَيَسْمَعَ جَمِيعُ الأُمَمِ، فَأُنْقِذْتُ مِنْ فَمِ الأَسَدِ. وَسَيُنْقِذُنِي الرَّبُّ مِنْ كُلِّ عَمَل رَدِيءٍ وَيُخَلِّصُنِي لِمَلَكُوتِهِ السَّمَاوِيِّ. الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ” (2تي16:4-18).

أجل إنني أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس حضوره في كل مكان، وهذه الصفة لا تتوفر لأحد من البشر .. إنها صفة من صفات الله.

6) إنني أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس قدرته الشخصية لعمل المعجزات:

المعجزة ضرورة لإثبات النبوة ، وهذا واضح من الكلمات “فَأَجَابَ مُوسَى وَقَالَ: «وَلكِنْ هَا هُمْ لاَ يُصَدِّقُونَنِي وَلاَ يَسْمَعُونَ لِقَوْلِي، بَلْ يَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ لَكَ الرَّبُّ». فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «مَا هذِهِ فِي يَدِكَ؟» فَقَالَ: «عَصًا». فَقَالَ: «اطْرَحْهَا إِلَى الأَرْضِ». فَطَرَحَهَا إِلَى الأَرْضِ فَصَارَتْ حَيَّةً، فَهَرَبَ مُوسَى مِنْهَا. ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «مُدَّ يَدَكَ وَأَمْسِكْ بِذَنَبِهَا». فَمَدَّ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ، فَصَارَتْ عَصًا فِي يَدِهِ. «لِكَيْ يُصَدِّقُوا أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لَكَ الرَّبُّ إِلهُ آبَائِهِمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ». ثُمَّ قَالَ لَهُ الرَّبُّ أَيْضًا: «أَدْخِلْ يَدَكَ فِي عُبِّكَ». فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي عُبِّهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا، وَإِذَا يَدُهُ بَرْصَاءُ مِثْلَ الثَّلْجِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: «رُدَّ يَدَكَ إِلَى عُبِّكَ». فَرَدَّ يَدَهُ إِلَى عُبِّهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا مِنْ عُبِّهِ، وَإِذَا هِيَ قَدْ عَادَتْ مِثْلَ جَسَدِهِ. «فَيَكُونُ إِذَا لَمْ يُصَدِّقُوكَ وَلَمْ يَسْمَعُوا لِصَوْتِ الآيَةِ الأُولَى، أَنَّهُمْ يُصَدِّقُونَ صَوْتَ الآيَةِ الأَخِيرَةِ” (خر1:4-8).

والكلمات ترينا أن موسى خشى ان لا يصدقه شعبه حين يدعي النبوة، فأيده الله بالمعجزات لتكون دليلاً حيًا على صدق نبوته.
وكل نبي أرسله الله إلى هذه الأرض أجرى معجزات، لكنه لم يفعلها بقوته الشخصية بل بقوة الله، أما المسيح له المجد فقد أجرى المعجزات بقوة لاهوته لأنه ابن الله والله الابن.

– لقد أظهر سلطانه الإلهي على الطبيعة:

يحتفظ لنا التاريخ بقصة عن الملكة فيكتوريا التي اشتهرت بتقواها ومحبتها لكلمة الله، وقد كانت تُلقب بإسم «ملكة انجلترا وإمبراطورة ما وراء البحار» إنها كانت ذات يوم واقفة على شاطيء البحر وإذ بموجة شديدة تبلل ثيابها بالماء، وهنا نظرت الإمبراطورة إلى البحر الهائج وقالت: أُسكُت أِبكم .. ولكن البحر زاد هياجًا وجاءت موجة شديدة أخرى وبللتها بكيفية أشد. وهنا ابتسمت الملكة وقالت: «يسمونني إمبراطورة ما وراء البحار وها أنذا آمر البحر فلا يطيعني .. شخص واحد فقط هو ملك الملوك ورب الأرباب هو الرب يسوع المسيح الذي أمر البحر فأطاعه».

ذات يوم قال المسيح لتلاميذه “لِنَجْتَزْ إِلَى الْعَبْرِ». فَصَرَفُوا الْجَمْعَ وَأَخَذُوهُ كَمَا كَانَ فِي السَّفِينَةِ. فَحَدَثَ نَوْءُ رِيحٍ عَظِيمٌ، فَكَانَتِ الأَمْوَاجُ تَضْرِبُ إِلَى السَّفِينَةِ حَتَّى صَارَتْ تَمْتَلِئُ. وَكَانَ هُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا” (مر35:4-38).

لماذا لم يوقظ التلاميذ المسيح قبل أن تمتليء السفينة بالماء؟

لعلهم ظنوا أنهم يستطيعون بمجهودهم أن يقوموا بعمل يجعل السفينة في أمان، ويتركوه نائمًا في هدوء! ولكن عبثًا تحاول أن تحل مشاكلك بدون المسيح. إنك حينئذ تزيدها تعقيدًا.

وتحت ضغط الريح العاصفة، والأمواج التي تضرب إلى السفينة اضطر التلاميذ أن يلجأوا إلى المسيح “فَأَيْقَظُوهُ وَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟”

فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: «اسْكُتْ! اِبْكَمْ!». فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ.

وفي عتاب لطيف قال المسيح لتلاميذه “مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ هكَذَا؟ كَيْفَ لاَ إِيمَانَ لَكُمْ؟» فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!”

إن ذاك الذي أسكت البحر، هو نفسه الرب الذي سأل أيوب قديمًا قائلاً “مَنْ حَجَزَ الْبَحْرَ بِمَصَارِيعَ حِينَ انْدَفَقَ فَخَرَجَ مِنَ الرَّحِمِ. إِذْ جَعَلْتُ السَّحَابَ لِبَاسَهُ، وَالضَّبَابَ قِمَاطَهُ، وَجَزَمْتُ عَلَيْهِ حَدِّي، وَأَقَمْتُ لَهُ مَغَالِيقَ وَمَصَارِيعَ، وَقُلْتُ: إِلَى هُنَا تَأْتِي وَلاَ تَتَعَدَّى، وَهُنَا تُتْخَمُ كِبْرِيَاءُ لُجَجِكَ؟” (أي8:38-11).

ولما نتابع معجزات المسيح في إنجيل يوحنا، نجدها معجزات لا يرقى الشك إليها. لقد أزعجنا العصريون الذين يشكون في صدق الكتاب المقدس، بإدعائهم القائل: إن المسيح كان شخصًا عبقريًا، وكان يتميز بشخصية مغناطيسية، وأنه بالقوة المغناطيسية التي أمتلكها أثر في المفلوجين المرضى بالشلل النفسي، فأعاد إليهم الثقة بأنفسهم، وهكذا أعطاهم القدرة على العودة لممارسة حياتهم الطبيعية من جديد.

ولكن المعجزات التي سجلها إنجيل يوحنا كانت فوق العبقرية، كانت فوق القوة المغناطيسية كانت فوق القدرة العقلية. كانت فوق الإيحاء وكل أساليب علم النفس في العلاج. كانت معجزات إلهية في كل ما أحاط بها، وفي كل تفاصيلها.

– فقد أظهر المسيح فيها قدرته على شفاء المرضى حتى دون أن يرى المريض:

ذات يوم جاء يسوع إلى قانا الجليل “وَكَانَ خَادِمٌ لِلْمَلِكِ ابْنُهُ مَرِيضٌ فِي كَفْرِنَاحُومَ. هذَا إِذْ سَمِعَ أَنَّ يَسُوعَ قَدْ جَاءَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجَلِيلِ، انْطَلَقَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَنْزِلَ وَيَشْفِيَ ابْنَهُ لأَنَّهُ كَانَ مُشْرِفًا عَلَى الْمَوْتِ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لاَ تُؤْمِنُونَ إِنْ لَمْ تَرَوْا آيَاتٍ وَعَجَائِبَ” (يو46:4-48).

ويتوسل الرجل إلى المسيح قائلاً: “يَا سَيِّدُ، انْزِلْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ابْنِي” وعندئذ ينطق المسيح بعبارة قصيرة تعلن عن لاهوته وقدرته فيقول لخادم الملك «إذْهَبْ. اِبْنُكَ حَيٌّ».

“فَآمَنَ الرَّجُلُ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا لَهُ يَسُوعُ، وَذَهَبَ”

ويبدو أن إيمانه كان عظيمًا لدرجة أنه لم يسرع إلى بيته في ذلك اليوم، إذ تيقن ان ابنه قد دبت فيه الصحة من جديد، وأنه لا داعي للإسراع لرؤيته، ولذا قضى يومًا في قانا الجليل لعله قضاه في زيارة أصدقائه.

“وَفِيمَا هُوَ نَازِلٌ اسْتَقْبَلَهُ عَبِيدُهُ وَأَخْبَرُوهُ قَائِلِينَ: «إِنَّ ابْنَكَ حَيٌّ». فَاسْتَخْبَرَهُمْ عَنِ السَّاعَةِ الَّتِي فِيهَا أَخَذَ يَتَعَافَى، فَقَالُوا لَهُ: «أَمْسِ فِي السَّاعَةِ السَّابِعَةِ تَرَكَتْهُ الْحُمَّى».فَفَهِمَ الأَبُ أَنَّهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي قَالَ لَهُ فِيهَا يَسُوعُ: «إِنَّ ابْنَكَ حَيٌّ». فَآمَنَ هُوَ وَبَيْتُهُ كُلُّهُ” (يو50:4-53).

لقد شفى المسيح ابن خادم الملك بكلمة من فمه، ودون ان يراه فلم يكن هناك أي مجال لممارسة قواه المغناطيسية كما يدعي العصريون، بل كانت المعجزة دليلاً ناطقًا على قدرته الإلهية، ولذا آمن خادم الملك وبيته كله.

– وأظهر قدرته على الشفاء من الأمراض المستعصية:

فهناك “فِي أُورُشَلِيمَ عِنْدَ بَابِ الضَّأْنِ بِرْكَةٌ يُقَالُ لَهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ «بَيْتُ حِسْدَا» لَهَا خَمْسَةُ أَرْوِقَةٍ. فِي هذِهِ كَانَ مُضْطَجِعًا جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنْ مَرْضَى وَعُمْيٍ وَعُرْجٍ وَعُسْمٍ، يَتَوَقَّعُونَ تَحْرِيكَ الْمَاءِ. لأَنَّ مَلاَكًا كَانَ يَنْزِلُ أَحْيَانًا فِي الْبِرْكَةِ وَيُحَرِّكُ الْمَاءَ. فَمَنْ نَزَلَ أَوَّلًا بَعْدَ تَحْرِيكِ الْمَاءِ كَانَ يَبْرَأُ مِنْ أَيِّ مَرَضٍ اعْتَرَاهُ”.

“وَكَانَ هُنَاكَ إِنْسَانٌ بِهِ مَرَضٌ مُنْذُ ثَمَانٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً” (يو5:5).

هذا عمر طويل قضاه الرجل في مرض إستعصى على الطب أن يجد له علاج.

“هذَا رَآهُ يَسُوعُ مُضْطَجِعًا، وَعَلِمَ أَنَّ لَهُ زَمَانًا كَثِيرًا، فَقَالَ لَهُ: «أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟” وقد يبدو السؤال غريبًا، لكن الغرابة تزول لو علمت أن هناك مرضى لا يريدون أن يبرأوا، لأنهم يجدون متعة في مرضهم .. متعة عطف الناس عليهم .. متعة عناية الناس بهم .. أو متعة لفت الأنظار إليهم.

لكن هذا الرجل كان يرغب في الشفاء. غير أنه لم يجد من يلقيه في البركة متى تحرك الماء ولذا قال للمسيح “يَا سَيِّدُ، لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ الْمَاءُ. بَلْ بَيْنَمَا أَنَا آتٍ، يَنْزِلُ قُدَّامِي آخَرُ”

وهنا قال له الرب القادر على كل شيء “قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ». فَحَالًا بَرِئَ الإِنْسَانُ وَحَمَلَ سَرِيرَهُ وَمَشَى”.

كان في قدرة المسيح أن يشفي رجلاً مصابًا بالشلل بعد ثمان وثلاثين سنة قضاها في العجز والمرض.

– وأطعم الجماهير الغفيرة من خمسة أرغفة وسمكتين:

وهذه كلمات إنجيل يوحنا “بَعْدَ هذَا مَضَى يَسُوعُ إِلَى عَبْرِ بَحْرِ الْجَلِيلِ، وَهُوَ بَحْرُ طَبَرِيَّةَ. وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ لأَنَّهُمْ أَبْصَرُوا آيَاتِهِ الَّتِي كَانَ يَصْنَعُهَا فِي الْمَرْضَى” (يو1:6، 2).

لقد خرجت الجماهير وراء المسيح .. وحيثما يوجد فهو يجذب الجماهير إليه .. إن في المسيح جاذبية عجيبة لا يستطيع إنسان أن يتجاهلها .. الملحدون يعرفون جاذبيته، والمؤمنون يختبرون هذه الجاذبية. إنه لا مفر من مواجهة المسيح.

“فَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ أَنَّ جَمْعًا كَثِيرًا مُقْبِلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِفِيلُبُّسَ: «مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأْكُلَ هؤُلاَءِ؟» وَإِنَّمَا قَالَ هذَا لِيَمْتَحِنَهُ، لأَنَّهُ هُوَ عَلِمَ مَا هُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَفْعَلَ”.

وجلس فيلبس يعمل عملية حسابية ليقدر تكاليف إطعام هذا الجمع الغفير، ثم أجاب “لاَ يَكْفِيهِمْ خُبْزٌ بِمِئَتَيْ دِينَارٍ لِيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا يَسِيرًا” وهنا تقدم واحد من تلاميذ وهو إندراوس وقال “هُنَا غُلاَمٌ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ، وَلكِنْ مَا هذَا لِمِثْلِ هؤُلاَءِ؟”

وقد كتب القس «هنري هوايتمان» الإنجليزي تعليقًا على هذه المعجزة فقال: «إن رجل القرن العشرين يستطيع أن يطوف بالكرة الأرضية .. ويقتل الناس الذين يعيشون على بعد أميال منه، ويزن الكواكب ويحدد أماكنها، ويخرج بترول من باطن الأرض، ويطبع ملايين النسخ من الصُحف اليومية، ويجعل الدجاجة تبيض 365 بيضة في السنة، ويجعل الكلاب تدخن «البيبة» وكلب البحر يلعب بكرة الماء. وهذا الرجل العجيب إذا رأى خمسة أرغفة وسمكتين، وخمسة جياع وطفلين فقيرين، فإنه يعقد مؤتمرًا ويشكل لجنة كُبرى وبعض اللجان الصغيرة، ويدعو إلى عملية انتخابات حرة .. ثم يصرخ بأعلى صوته أن هناك أزمة شديدة تواجهه، وهو يضع تعليمات لا حصر لها ثم يبتعد تاركًا الأشخاص الخمسة والطفلين جياعًا كما كانوا قبل تأليف المؤتمر واللجان».

هذا هو رجل القرن العشرين بكل قدراته، وعلمه واكتشافاته واختراعاته، أعجز من أن يقابل أزمة الجوع في عالم اليوم ويصرخ بأعلى صوته من مشكلة «الانفجار السكاني».

أما الرب يسوع فقد قال لتلاميذه “اجْعَلُوا النَّاسَ يَتَّكِئُونَ». وَكَانَ فِي الْمَكَانِ عُشْبٌ كَثِيرٌ، فَاتَّكَأَ الرِّجَالُ وَعَدَدُهُمْ نَحْوُ خَمْسَةِ آلاَفٍ. وَأَخَذَ يَسُوعُ الأَرْغِفَةَ وَشَكَرَ، وَوَزَّعَ عَلَى التَّلاَمِيذِ، وَالتَّلاَمِيذُ أَعْطَوُا الْمُتَّكِئِينَ. وَكَذلِكَ مِنَ السَّمَكَتَيْنِ بِقَدْرِ مَا شَاءُوا. فَلَمَّا شَبِعُوا، قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «اجْمَعُوا الْكِسَرَ الْفَاضِلَةَ لِكَيْ لاَ يَضِيعَ شَيْءٌ». فَجَمَعُوا وَمَلأُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مِنَ الْكِسَرِ، مِنْ خَمْسَةِ أَرْغِفَةِ الشَّعِيرِ، الَّتِي فَضَلَتْ عَنِ الآكِلِينَ” (يو10:6-13).

لقد كانت القُفف المملؤة من الكسر الفاضلة، دليلاً ملموسًا على شبع الجماهير، وعلى قدرة المسيح الإلهية لإشباعها.

فليقل لنا العصريون .. اي دخل للعبقرية في هذه المعجزة؟ وأي دخل للقوة المغناطيسية؟ وأي دخل للقدرة الإيحائية؟ وليكفوا عن ترهاتهم، ويعترفوا أن المسيح هو الله القادر على كل شيء.

– وفتح المسيح عينيّ إنسان مولود أعمى:

وهذه المعجزة تتحدى العلم، وتخرس العصريون المتبجحين، فهي معجزة خلق ليس في مقدور إنسان بشري أن يأتي بمثلها يسجلها يوحنا بالكلمات: ” وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ، فَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟”

ويمكننا القول بأن سؤال التلاميذ كان مبنيًا على عدة أفكار:

أولاً: فكرة تناسخ الأرواح، ويبدو أنها وصلت إلى فلسطين في ذلك الوقت.

ثانيًا: الفكرة القائلة بأن أرواح البشر كانت موجودة قبل حلولها في أجساد أصحابها، وأنها ارتكبت حينئذ بعض الأخطاء وهي فكرة تغلغلت في كتابات الرابيين.

ثالثًا: هي ما فهموه من أن الله يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء (خر5:20).

رابعًا: الاعتقاد السائد عند الكثيرين بأن المرض والخطية صنوان لا يفترقان.

لكن المسيح أجاب إجابة تنفي كل هذه الأفكار فقال: “لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ” (يو 9: 3). وتعني كلماته أن خطية هذا الإنسان أو أبويه لا تزيد عن خطايا الآخرين، وأنه ولد أعمى لتظهر اعمال الله فيه.

نعم ففي أقسى التجارب نستطيع أن نرى يد الله العاملة لخير البشر وبركة نفوسهم.

وكلمات المسيح التي قال فيها: «لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ» تؤكد لنا لاهوته إذ الواقع أنه قد أظهر «أعمال الله» في ذلك الأعمى بإعادة البصر إليه، بل بأن خلق له من الطين عينين جديدتين.

وتابع يوحنا سرد تفاصيل المعجزة بالكلمات: “قَالَ هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى”. ولو أن هناك إنسانًابصيرًا طليت عينيه بالطين لكان معرضًا أن يُصاب بالعمى، ولكن المسيح طلى بالطين عينيً الأعمى، ومن ذلك الطين عمل الأعمى عينين جديدتين، أليس هو الذي خلق آدم من تراب ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار نفسًا حية؟

“كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ” (يو 1: 3).

ولقد أمر المسيح ذلك الأعمى قائلاً: “اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ” ليرينا قيمة الطاعة كدليل على صدق الإيمان “فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا” (يو7:9).

ولما حاول الفريسيين أن يسلبوا من هذا الرجل إيمانه بمن أعاد له نور بصره قالوا له: “أَعْطِ مَجْدًا للهِ. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هذَا الإِنْسَانَ خَاطِئٌ. فَأَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: أَخَاطِئٌ هُوَ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ .. فَأَخْرَجُوهُ خَارِجًا.

ولما أخرجوه خارجًا .. لم يتركه يسوع وحده “فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا، فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ: «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟» أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!” (يو35:9-37).

وهكذا أعلن الرب حقيقة شخصه لذلك الرجل، الذي أعاد له بقدرة لاهوته نور عينيه.

– وأقام المسيح ميتًا بعد ان أنتن:

وهذه المعجزة تتحدى بصورة قاطعة كل مُنكر للاهوت المسيح، فالإنسان مع ما بلغه من تقدم في العلم في هذا القرن العشرين ما زال عاجزًا عن أن يقيم ميت بعد أربع ساعات من وفاته، فكم بالحري بعد أربعة أيام .. وبعد أن دبت في جسده عناصر العفونة والفناء!!

لكن المسيح أقام ميتًا بعد أن أنتن فهناك في قرية بيت عنيا عاشت أسرة أحبها المسيح “وَكَانَ يَسُوعُ يُحِبُّ مَرْثَا وَأُخْتَهَا وَلِعَازَرَ” (يو5:11). وكان بيت هذه الأسرة في تلك القرية الوادعة محطة الراحة التي يذهب إليها المسيح حين يتعب، وحين يريد أن يجلس جلسة هادئة مع أناس قريبين من قلبه.

ومع هذا الحب القوي من جانب المسيح لهذه الأسرة، فقد سمح في محبته أن تجتاز تجربة مريرة، هي تجربة مرض لعازر وموته. والواقع أن محبة الله لنا ليست ضمانًا يبعد عنا آلام الحياة، وإلا صارت علاقتنا به على أساس المصالح المادية، والأمان في الحياة الدنيا، ومع ذلك فهناك حقيقة يجب أن لا تغرب عن بالنا وهي أن الآلام التي تمر بحياة من يحبهم الرب، تهدف إلى خيرهم وبركة وتنقية نفوسهم.

مرض لعازر .. ويبدو أن مرضه كان قاسيًا وخطيرًا .. فأرسلت الأختان إلى المسيح رسالة برقية قائلتين “يَا سَيِّدُ، هُوَذَا الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ” “فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ مَرِيضٌ مَكَثَ حِينَئِذٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ يَوْمَيْنِ”.

ما أغرب تصرفات المسيح المحب!!

أحيانًا تكون في قلب تجربة مُحرقة، وتُرسل رسالة برقية للسماء لتنقذك، وبدلاً من أن تأتيك الإجابة فورًا .. تجد نفسك وحيدًا في دوامة .. السماء لا تسمع وكأنها خلت من الله .. وأنت ترفع صوتك في عتاب قائلاً «حتى متى يا رب أصرخ ولا تستجيب؟»

وهنا ما أحوجنا أن نسمع كلمات النبي صفنيا: “الرَّبُّ إِلهُكِ فِي وَسَطِكِ جَبَّارٌ. يُخَلِّصُ. يَبْتَهِجُ بِكِ فَرَحًا. يَسْكُتُ فِي مَحَبَّتِهِ. يَبْتَهِجُ بِكِ بِتَرَنُّمٍ»” (صف 3: 17). وكلمات صاحب المزمور القائل “انْتَظِرِ الرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ” (مز 27: 14).

إن الله من وراء صمته الجبار خيرك. يقصد بركة لنفسك. يقصد أن يعلن لك عن شخصه بكيفية أبهى وأكمل. فانتظر الرب.

ويستمر يوحنا في تسجيل تفاصيل المعجزة بالكلمات “فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ، قَالَ: «هذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ، بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللهِ، لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللهِ بِهِ» .. وَبَعْدَ ذلِكَ قَالَ لَهُمْ: «لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ. لكِنِّي أَذْهَبُ لأُوقِظَهُ». فَقَالَ تَلاَمِيذُهُ: «يَا سَيِّدُ، إِنْ كَانَ قَدْ نَامَ فَهُوَ يُشْفَى». وَكَانَ يَسُوعُ يَقُولُ عَنْ مَوْتِهِ، وَهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَقُولُ عَنْ رُقَادِ النَّوْمِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ حِينَئِذٍ عَلاَنِيَةً: «لِعَازَرُ مَاتَ. وَأَنَا أَفْرَحُ لأَجْلِكُمْ إِنِّي لَمْ أَكُنْ هُنَاكَ، لِتُؤْمِنُوا. وَلكِنْ لِنَذْهَبْ إِلَيْهِ!»” (يو11:4-15).

لعازر مات .. وأنا أفرح لأجلكم!!

كيف يفرح الرب لموت حبيب كلعازر؟! إن السبب هو أن هذا الموت سيُعطي للتلاميذ فرصة يتحققون فيها صدق كلماته القائلة “لاَ تَتَعَجَّبُوا مِنْ هذَا، فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ” (يو28:5، 29).

وجاء المسيح وتلاميذه إلى بيت عنيا.

“فَلَمَّا أَتَى يَسُوعُ وَجَدَ أَنَّهُ قَدْ صَارَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ فِي الْقَبْرِ”

“فَلَمَّا سَمِعَتْ مَرْثَا أَنَّ يَسُوعَ آتٍ لاَقَتْهُ، وَأَمَّا مَرْيَمُ فَاسْتَمَرَّتْ جَالِسَةً فِي الْبَيْتِ. فَقَالَتْ مَرْثَا لِيَسُوعَ: «يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!” ونحن نلمح عتابًا رقيقًا في كلمات مرثا، وكأنها تقول: أنت صديق اسرتنا .. بيتنا مكان راحتك. تتركنا وحدنا في محنتنا وأحزاننا؟ ويجيب المسيح مرثا قائلاً «سَيَقُومُ أَخُوكِ».

قالت مرثا: «أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْقِيَامَةِ، فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ» وينطق المسيح بأسمى إعلاناته عن نفسه قائلاً “أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ” (يو25:11، 26).

وكلمات المسيح هذه تنطبق على لحظة الإختطاف “وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا” (1 تس 4: 16). وهذا يقابل الكلمات “مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا”.

“ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ” (1 تس 4: 17). وهذا يقابل الكلمات “وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ”

قال المسيح لمرثا: «أَتُؤْمِنِينَ بِهذَا؟»

قالت مرثا: “نَعَمْ يَا سَيِّدُ. أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، الآتِي إِلَى الْعَالَمِ” (يو27:11).

“وَلَمَّا قَالَتْ هذَا مَضَتْ وَدَعَتْ مَرْيَمَ أُخْتَهَا سِرًّا، قَائِلَةً: «الْمُعَلِّمُ قَدْ حَضَرَ، وَهُوَ يَدْعُوكِ». أَمَّا تِلْكَ فَلَمَّا سَمِعَتْ قَامَتْ سَرِيعًا وَجَاءَتْ إِلَيْهِ .. ثُمَّ إِنَّ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهَا فِي الْبَيْتِ يُعَزُّونَهَا، لَمَّا رَأَوْا مَرْيَمَ قَامَتْ عَاجِلًا وَخَرَجَتْ، تَبِعُوهَا قَائِلِينَ: «إِنَّهَا تَذْهَبُ إِلَى الْقَبْرِ لِتَبْكِيَ هُنَاكَ». فَمَرْيَمُ لَمَّا أَتَتْ إِلَى حَيْثُ كَانَ يَسُوعُ وَرَأَتْهُ، خَرَّتْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَائِلَةً لَهُ: «يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!». فَلَمَّا رَآهَا يَسُوعُ تَبْكِي، وَالْيَهُودُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهَا يَبْكُونَ، انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ، وَقَالَ: «أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ؟» قَالُوا لَهُ: «يَا سَيِّدُ، تَعَالَ وَانْظُرْ»”

وهنا يسجل يوحنا الرسول أصغر آيات الكتاب المقدس، وأعمقها، وأصدقها تعبيرًا عن مشاعر المسيح في كلمتين “بَكَى يَسُوعُ” (يو35:11). إن هاتين الكلمتين أعمق من المحيط، وأرحب من العالم الفسيح، إننا نرى فيهما حنان، وشفقة، ومشاركة قلب المسيح للحزانى والمتألمين.

ولما رأى اليهود دموع المسيح قالوا: «انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ يُحِبُّهُ!» وَقَالَ بَعْضٌ مِنْهُمْ: «أَلَمْ يَقْدِرْ هذَا الَّذِي فَتَحَ عَيْنَيِ الأَعْمَى أَنْ يَجْعَلَ هذَا أَيْضًا لاَ يَمُوتُ؟».

إنه يقدر أن يقيمه من الموت.

جاء يسوع إلى القبر، وكان مغارة وقد وُضع عليها حجر وقال: «ارْفَعُوا الْحَجَرَ!». وهنا تقدمت مرثا إليه قائلة: «يَا سَيِّدُ، قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ في القبر»

أجل تعفنت الجثة .. فاحت الرائحة النتنة من الجسد المائت. مسكين الإنسان .. إنه تراب وإلى التراب يعود .. وأجمل امرأة تخطر في مشيتها على الأرض تتعفن وتفوح منها رائحة تزكم الأنوف عندما يتلقفها القبر كفريسة من فرائس الموت.

ومرثا وهي تردد كلماتها «يَا سَيِّدُ، قَدْ أَنْتَنَ» كانت كأنها تقول: «يا سيد أنا لا أريد أن أرى لعازر ميتًا منتنًا. إن في ذهني صورة لعازر الحي الممتليء حيوية. وأريد أن تستمر صورته الجميلة أمام عيني. لا أريد أن أشم بأنفي عفونة الموت.

ويرد عليها المسيح بكلماته «أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللهِ؟». “فَرَفَعُوا الْحَجَرَ حَيْثُ كَانَ الْمَيْتُ مَوْضُوعًا”. وشم الناس الرائحة النتنة «رائحة الموت»

وصرخ يسوع بصوت عظيم «لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!».

“فَخَرَجَ الْمَيْتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ، وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيل” نعم انتزع المسيح لعازر من بين انياب الموت وأقامه بعد أن انتن ولا يستطيع أحد أن يحيي العظام وهي رميم سوى الله.

يقول دوايت لايمان مودي: «لو أن الرب يسوع لم يدعُ لعازر باسمه لقام جميع من في القبور من قوة صوت الرب القادر على كل شيء. فإن صوت المسيح قادر على إقامة جميع من في القبور من تراب الموت». [اقرأ يو28:5، 29].

وهنا لا بد من ملاحظة جديرة بالاعتبار وهي أن المسيح لم يقم بعمل معجزة واحدة في حياته لمصلحته الخاصة أو لإنقاذ نفسه من ألم تعرض له، فقد أبى أن يسمع لصوت إبليس ويصنع الحجارة خبزًا ليشبع جوع جسده [اقرأ مت1:4-4]، وأبى أن ينزل عن الصليب ليخلص نفسه من عذابه [اقرأ مت39:27-43]، فمعجزاته كلها كانت لتطهير أبرص، أو شفاء مريض، أو إغاثة ملهوف، أو إعادة البصر إلى أعمى، أو إقامة ميت من قبره. كانت كلها لخير غيره. كانت لإظهار حب الله وحنانه وقدرته التي تستطيع أن تنقذ كل من يلجأ إليه.

ويختتم يوحنا إنجيله بالكلمات “وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ” (يو30:20، 31). فأنا أؤمن أن المسيح هو الله على أساس قدرته على عمل المعجزات.

7) إنني أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس سلطانه المطلق لغفران الخطايا:

لا يستطيع إنسان على الأرض أن يغفر خطايا الناس لأن الله وحده عنده المغفرة، كما تقول كلمات المزمور “لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ” (مز 130: 4). وكما يقول دانيال “لِلرَّبِّ إِلهِنَا الْمَرَاحِمُ وَالْمَغْفِرَةُ، لأَنَّنَا تَمَرَّدْنَا عَلَيْهِ” (دا 9: 9). وكما نقرأ في سفر ميخا “مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ وَصَافِحٌ عَنِ الذَّنْبِ لِبَقِيَّةِ مِيرَاثِهِ! لاَ يَحْفَظُ إِلَى الأَبَدِ غَضَبَهُ، فَإِنَّهُ يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ” (مي 7: 18). ويعلن العهد الجديد أن المسيح له السلطان المطلق لغفران خطايا الراجعين إليه، ولهذا فأنا أؤمن أنه الله.

ذات يوم كان المسيح في كفرناحوم، وسمع الناس أنه في بيت “وَلِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ الْبَابِ. فَكَانَ يُخَاطِبُهُمْ بِالْكَلِمَةِ” (مر 2: 2). وحيثما وجد المسيح نفوسًا تجتمع حوله فإنه يخاطبهم بالكلمة لأنه “بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ” (مت 4: 4).

وهناك “َجَاءُوا إِلَيْهِ مُقَدِّمِينَ مَفْلُوجًا يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ. وَإِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْجَمْعِ، كَشَفُوا السَّقْفَ حَيْثُ كَانَ. وَبَعْدَ مَا نَقَبُوهُ دَلَّوُا السَّرِيرَ الَّذِي كَانَ الْمَفْلُوجُ مُضْطَجِعًا عَلَيْهِ” والذين زاروا فلسطين يدركون أن عملية كشف السقف ونقبه في كثير من بيوتها ليست صعبة، فالسقوف في المباني العادية مبنية من جذوع الشجر المغطاة بطبقة من الخشب الرقيق، عليها طبقة من القطع الخزفية، يمكن رفعها بسهولة، وإنزال ما يريدون إنزاله من بين العروق بالحبال.

“فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ، قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ»” (مر5:2) وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ هُنَاكَ جَالِسِينَ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ: «لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا هكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟».

ولو كان المسيح مجرد إنسان لاعتبرناه وهو يغفر خطايا ذلك المفلوج مجدفًا، إذ أن أي إنسان من البشر يدعي أن في قدرته أن يغفر الخطايا يجدف. أجل، أي إنسان مهما كان مركزه الديني يدعي أنه يستطيع أن يحل إنسانًا من خطاياه. يجدف.

لقد دُهشت وأنا أقرأ في الفصل الثاني من كتاب «إغتيال» الذي كتبه الكاتب الأمريكي المؤرخ «جون كوتلر» عند مصرع كيندي هذه العبارات: وقبل الساعة الواحدة بدقائق قليلة جاء قسيسان من الكنيسة الرومانية الكاثوليكية هما الأب أوسكار هيوبر والأب جيمس طومسون ليكونا إلى جوار كيندي وسحب الأب هيوبر الغطاء عن وجه الرئيس، ثم رفع يده اليمنى وقال باللاتينية .. «إذا كنت حيًا فإنني أحلك من كل لوم وخطايا». يا للتجديف .. “مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟»”. “لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ”.

ولأن المسيح هو الله فله سلطان الغفران، وقد شعر بروحه أنهم يفكرون في أنفسهم هكذا فقال لهم: “لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ لِلْمَفْلُوجِ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ؟” (مر8:2، 9).

إن غفران الخطايا أصعب جدًا من شفاء المرض، لأن الغفران إقتضى أن يموت المسيح على الصليب “لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ” بينما شفاء هذا الرجل من مرضه المستعصي تم بكلمة من بين شفتيه المباركتين.

“وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا». قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «لَكَ أَقُولُ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!». فَقَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ السَّرِيرَ وَخَرَجَ قُدَّامَ الْكُلِّ، حَتَّى بُهِتَ الْجَمِيعُ وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ: «مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هذَا قَطُّ!»”.

لقد شفى يسوع ذلك المفلوج ليؤكد سلطانه لغفران الخطايا، ولا يقدر أحد أن يغفر خطايا إلا الله وحده.

ومرة ثانية يمارس المسيح سلطانه للغفران فقد “سَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ الْفَرِّيسِيِّ وَاتَّكَأَ. وَإِذَا امْرَأَةٌ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً، إِذْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِ الْفَرِّيسِيِّ، جَاءَتْ بِقَارُورَةِ طِيبٍ وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيَةً، وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِالطِّيبِ” (لو36:7-38).

وتضايق سمعان الفريسي – مضيف المسيح – أن تدخل بيته امرأة خاطئة فتلوثه بنجاسة حياتها، وسمعتها الرديئة، وتضايق بالأكثر أن يسمح لها المسيح أن تلمسه بيديها وأن تمسح قدميه بشعرها، وتكلم في نفسه قائلاً: «لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ».

وعرف فاحص القلوب أفكار قلب سمعان، وأراد ان يظهر له شرّ برّه الذاتي فقال له: «يَا سِمْعَانُ، عِنْدِي شَيْءٌ أَقُولُهُ لَكَ». فَقَالَ: «قُلْ، يَا مُعَلِّمُ». «كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ؟» فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ: «أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالأَكْثَرِ».

وهنا قام الرب بمقارنة بين سمعان الفريسي المتكل على بره الذاتي ، وبين المرأة الخاطئة التي عزمت أن تتوب توبة حقيقية. فقال لسمعان «أَتَنْظُرُ هذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ.

ثُمَّ قَالَ للمرأة: «مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ».
“فَابْتَدَأَ الْمُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: «مَنْ هذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضًا؟».
ولم يعتذر المسيح، ولم يتراجع، إنه «الله الابن» الذي له سلطان الغفران.
“لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ” (يو 5: 22).
ولذا تابع حديثه للمرأة قائلاً : “إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ” (لو50:7).

لقد أكد المسيح سلطانه المطلق لغفران الخطايا، وعلى أساس هذا السلطان أنا اؤمن أن المسيح هو الله.

8) أنا أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس طلبه الولاء المطلق من الذين يريدون أن يتبعوه:

لم يجروء نبي أن يطلب الولاء المطلق من أتباعه لشخصه.

لم يطلب موسى النبي الولاء لنفسه من شعب إسرائيل، لكنه قال لهم: “يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ. حَسَبَ كُلِّ مَا طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي حُورِيبَ يَوْمَ الاجْتِمَاعِ قَائِلًا: لاَ أَعُودُ أَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِي وَلاَ أَرَى هذِهِ النَّارَ الْعَظِيمَةَ أَيْضًا لِئَلاَّ أَمُوتَ. قَالَ لِيَ الرَّبُّ: قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لاَ يَسْمَعُ لِكَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ” (تث15:18-19).

وقد أكد استفانوس في خطابه لليهود أن موسى كان يشير بهذه النبوة إلى شخص المسيح [اقرأ أع37:7] فموسى لم يطلب لنفسه الولاء لأنه إنسان، لكنه أشار إلى ذاك النبي الآتي .. إلى شخص المسيح الذي يستحق كل ولاء لأنه ابن الله الذي قال عنه كاتب رسالة العبرانيين “الله كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ” (عب 1: 2).

وإيليا النبي حين تحدى أنبياء البعل وصلى فوق جبل الكرمل لم يطلب الولاء لنفسه بل قال “أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ، لِيُعْلَمِ الْيَوْمَ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ فِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنِّي أَنَا عَبْدُكَ، وَبِأَمْرِكَ قَدْ فَعَلْتُ كُلَّ هذِهِ الأُمُورِ. اسْتَجِبْنِي يَا رَبُّ اسْتَجِبْنِي، لِيَعْلَمَ هذَا الشَّعْبُ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ الإِلهُ” (مل36:18، 37).

ولكننا نرى أن المسيح يطالب تابعيه بالولاء المطلق لشخصه، ولو لم يكن هو «الله الابن» لكان طلبه تعديًا صريحًا على حقوق الله.

اصغ إليه وهو يطالب بتكريس كل الحب لشخصه قائلاً “مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُني فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا” (مت37:10-39).

إنه يطالب في كلماته هذه بأن نحبه أكثر من الأب والأم، والابن والابنة، وأن نتبعه حتى الموت حاملين الصليب، وأن نضيع حياتنا من أجله وفي خدمته.

أيمكن أن تكون هذه المطاليب من مجرد إنسان؟

يقينًا لا.

ثم اصغ إليه وهو يطالب من يريد أن يأتي وراءه بإنكار ذاته وحمل الصليب والسير وراءه فيقول “إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي. فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا” (مت24:16، 25). وقد جاءت هذه الكلمات بعد إعتراف بطرس للمسيح بأنه «ابن الله الحي».

أجل لقد طلب إنكار الذات، وحمل الصليب، وإهلاك النفس من أجله .. فلو لم يكن هو الله المتجسد فبأي حق يطلب كل هذه التضحيات وهذا الولاء؟!

وأخيرًا اصغ إليه وهو يطالب ببغضة كل من له علاقة قوية بنا من أجله. إنه يطالب بتركنا لكل أموالنا في سبيله: “وَكَانَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ سَائِرِينَ مَعَهُ، فَالْتَفَتَ وَقَالَ لَهُمْ: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا. وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا. فَكَذلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَتْرُكُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا” (لو25:14-27، 33).

إن المسيح يطالبنا بأن نحبه أكثر من محبتنا لأي شخص آخر في هذا الوجود، مهما كانت علاقة القربى التي تربطنا به .. يطالبنا بأن نتألم لأجله حتى الموت .. يطالبنا بالتضحية بكل أموالنا من أجله. بأن نبغض حتى أنفسنا في سبيله.

إنه يقينًا ليس مجرد إنسان. إنه ابن الله والله الابن. إنه المستحق كل ولاء، وهو لم يقبل قط أن يتبعه الناس بسبب مصالحهم الشخصية، أو أهدافهم المادية.

ذات يوم أطعم الجماهير الجائعة من خمسة أرغفة وسمكتين، فقال الناس بعد أن أكلوا: «إِنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ النَّبِيُّ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ».

وعلم المسيح “أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ. وبحث الناس عنه حتى وجدوه، ولما وجدوه قالوا له: «يَا مُعَلِّمُ، مَتَى صِرْتَ هُنَا؟» وعرف هو أغراضهم، عرف أنهم يطلبونه لمصالحهم الشخصية، ولأهدافهم المادية، فقال لهم “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: أَنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي لَيْسَ لأَنَّكُمْ رَأَيْتُمْ آيَاتٍ، بَلْ لأَنَّكُمْ أَكَلْتُمْ مِنَ الْخُبْزِ فَشَبِعْتُمْ. اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ، لأَنَّ هذَا اللهُ الآبُ قَدْ خَتَمَهُ” (يو26:6، 27).

لقد طالب المسيح أتباعه بالولاء المطلق له، وعلى أساس قانونية مطاليبه فأنا أؤمن أن المسيح هو الله.

9) إنني أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس قبوله السجود والعبادة من البشر والملائكة:

ينادي الله شعبه القديم في مزمور لآساف قائلاً: “اِسْمَعْ يَا شَعْبِي فَأُحَذِّرَكَ. يَا إِسْرَائِيلُ، إِنْ سَمِعْتَ لِي! لاَ يَكُنْ فِيكَ إِلهٌ غَرِيبٌ، وَلاَ تَسْجُدْ لإِلهٍ أَجْنَبِيٍّ” (مز8:81، 9)، فلو كان المسيح مجرد إنسان وقَبِل السجود لكان أعظم مضل ظهر على وجه الأرض .. لكان إلهًا أجنبيًا. لكن إذا كان هو ابن الله، والله الابن المساوي للآب فهو يستحق السجود والعبادة.

ولقد قبل المسيح السجود والعبادة، بينما رفض رُسله القديسون كما رفض الملائكة أي سجود.

– فبطرس الرسول عندما دخل قيصرية استقبله كرنيليوس، “وَسَجَدَ وَاقِعًا عَلَى قَدَمَيْهِ” فلم يقبل بطرس هذا السجود كما نقرأ في الكلمات “فَأَقَامَهُ بُطْرُسُ قَائِلًا: «قُمْ، أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ»” (أع25:10، 26).

– وبولس وبرنابا رفضا عبادة الناس لهما، وتعرض بولس من جراء رفضه هذا للرجم، وقد ذكر القصة بالكلمات “وَكَانَ يَجْلِسُ فِي لِسْتْرَةَ رَجُلٌ عَاجِزُ الرِّجْلَيْنِ مُقْعَدٌ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَلَمْ يَمْشِ قَطُّ. هذَا كَانَ يَسْمَعُ بُولُسَ يَتَكَلَّمُ، فَشَخَصَ إِلَيْهِ، وَإِذْ رَأَى أَنَّ لَهُ إِيمَانًا لِيُشْفَى، قَالَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «قُمْ عَلَى رِجْلَيْكَ مُنْتَصِبًا!». فَوَثَبَ وَصَارَ يَمْشِي. فَالْجُمُوعُ لَمَّا رَأَوْا مَا فَعَلَ بُولُسُ، رَفَعُوا صَوْتَهُمْ بِلُغَةِ لِيكَأُونِيَّةَ قَائِلِينَ: «إِنَّ الآلِهَةَ تَشَبَّهُوا بِالنَّاسِ وَنَزَلُوا إِلَيْنَا». فَكَانُوا يَدْعُونَ بَرْنَابَا «زَفْسَ» وَبُولُسَ «هَرْمَسَ» إِذْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْكَلاَمِ. فَأَتَى كَاهِنُ زَفْسَ، الَّذِي كَانَ قُدَّامَ الْمَدِينَةِ، بِثِيرَانٍ وَأَكَالِيلَ عِنْدَ الأَبْوَابِ مَعَ الْجُمُوعِ، وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَ. فَلَمَّا سَمِعَ الرَّسُولاَنِ، بَرْنَابَا وَبُولُسُ، مَزَّقَا ثِيَابَهُمَا، وَانْدَفَعَا إِلَى الْجَمْعِ صَارِخَيْنِ وَقَائِلِينَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ، لِمَاذَا تَفْعَلُونَ هذَا؟ نَحْنُ أَيْضًا بَشَرٌ تَحْتَ آلاَمٍ مِثْلُكُمْ، نُبَشِّرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا مِنْ هذِهِ الأَبَاطِيلِ إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَبِقَوْلِهِمَا هذَا كَفَّا الْجُمُوعَ بِالْجَهْدِ عَنْ أَنْ يَذْبَحُوا لَهُمَا. ثُمَّ أَتَى يَهُودٌ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ وَإِيقُونِيَةَ وَأَقْنَعُوا الْجُمُوعَ، فَرَجَمُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، ظَانِّينَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ” (أع8:14-19).

لقد رفض بولس وبرنابا عبادة البشر، ومن عجب أن الناس الذين كانوا على وشك تقديم الذبائح لبولس باعتباره إلهًا متجسدًا رجموه حتى ظنوه مات.

والملائكة أيضًا رفضوا سجود الناس: ففي الإصحاح الأخير من سفر رؤيا يوحنا نقرأ “وَأَنَا يُوحَنَّا الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ وَيَسْمَعُ هذَا. وَحِينَ سَمِعْتُ وَنَظَرْتُ، خَرَرْتُ لأَسْجُدَ أَمَامَ رِجْلَيِ الْمَلاَكِ الَّذِي كَانَ يُرِينِي هذَا. فَقَالَ لِيَ: «انْظُرْ لاَ تَفْعَلْ! لأَنِّي عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الأَنْبِيَاءِ، وَالَّذِينَ يَحْفَظُونَ أَقْوَالَ هذَا الْكِتَابِ. اسْجُدْ للهِ!»” (رؤ8:22، 9).

أما المسيح له المجد فقد قبل السجود، لأنه ابن الله الذي تسجد له الملائكة والبشر

– فعندما أعاد البصر للمولود أعمى وطرده اليهود من مجمعهم بسبب إعترافه بقوة المسيح “فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا، فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ: «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟» أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!». فَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ!». وَسَجَدَ لَهُ” (يو35:9-38).

وقبل المسيح السجود منه.

– وفي إنجيل متى نرى المسيح ماشيًا على الماء في قلب العاصفة الهوجاء، ونسمعه يأمر بطرس بالمجيء إليه، ثم ينقذه من الغرق حين يدخل الشك قلبه. ثم نقرأ الكلمات “وَلَمَّا دَخَلاَ السَّفِينَةَ سَكَنَتِ الرِّيحُ. وَالَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: «بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ!»” (مت32:14، 23).

وقبل المسيح السجود من تلاميذه.

– وفي إنجيل لوقا نقرأ “وَأَخْرَجَهُمْ خَارِجًا إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَارَكَهُمْ. وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ، انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ” (لو50:24-52).

وقبل المسيح السجود من الملائكة.

– ويسجل كاتب الرسالة إلى العبرانيين عن سجود الملائكة للمسيح الكلمات “وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ»” (عب 1: 6).

– وأخيرًا يسجل يوحنا صورة رائعة لسجود سكان السماء للمسيح وعبادتهم له بالكلمات: “وَلَمَّا أَخَذَ السِّفْرَ خَرَّتِ الأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا أَمَامَ الْخَروفِ [الذي يشير إلى المسيح الذبيح]، وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ.وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: «مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ». وَنَظَرْتُ وَسَمِعْتُ صَوْتَ مَلاَئِكَةٍ كَثِيرِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ رَبَوَاتِ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفَ أُلُوفٍ، قَائِلِينَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «مُسْتَحِقٌ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ!». وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَمَا عَلَى الْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً: «لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ». وَكَانَتِ الْحَيَوَانَاتُ الأَرْبَعَةُ تَقُولُ: «آمِينَ». وَالشُّيُوخُ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ خَرُّوا وَسَجَدُوا لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ” (رؤ8:5-14).

ومن هو الحي إلى أبد الأبدين الذي يعبده ويسجد له سكان السماء؟ إنه الرب يسوع المسيح الذي قال عن نفسه “وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ” (رؤ 1: 18).

لقد قبل المسيح السجود والعبادة من البشر والملائكة وسكان السماء، وعلى هذا الأساس أنا اؤمن أنه الله الابن “لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” (مت 4: 10).

10) أنا أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس تصريحاته الصادقة عن نفسه:

يحتفظ لنا التاريخ بقصة عن رجل من رجال الله زار شخصًا من العصريين الذين ينكرون لاهوت الرب يسوع المسيح، وكان الرجل على فراش المرض، وأراد رجل الله أن يقدم لذلك الشخص المسكين المسيح ابن الله المخلص من الخطية، ودارت بينهما المناقشة الآتية:

رجل الله: ماذا تظن في المسيح؟

الرجل العصري: في اعتقادي أن المسيح كان إنسانًا ، أمينًا ومُعلمًا صادقًا .. لكنه ليس أكثر من ذلك.

رجل الله: إذا كان المسيح مُعلمًا صادقًا كما تعتقد، فهل تظن أن مثل هذا المُعلم يكذب؟

الرجل العصري: المعلم الصادق لا يكذب .. وأعتقد أن المسيح لم يكذب قط.

رجل الله: إذن دعني أقرأ لك بعض ما قاله المسيح عن نفسه.

وفتح رجل الله الكتاب المقدس وشرع يقرأ هذه الآيات:

“فَقُلْتُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ، لأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ»” (يو 8: 24). وتعود بنا عبارة «أنا هو» إلى سفر إشعياء حيث نقرأ “اِسْمَعْ لِي يَا يَعْقُوبُ، وَإِسْرَائِيلُ الَّذِي دَعَوْتُهُ: أَنَا هُوَ. أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ، وَيَدِي أَسَّسَتِ الأَرْضَ، وَيَمِينِي نَشَرَتِ السَّمَاوَاتِ” (إش12:48، 13).

“خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يو27:10-30).

“لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي .. لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ». قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «يَا سَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟ أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ، وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا” (يو1:14، 7-11).

وكأن الرب يسوع يقول بكلماته الصريحة. إن كلامي هو كلام الآب .. إن أعمالي هي اعمال الآب .. وأعمالي خير دليل على لاهوتي.

 ثم يصرح المسيح عن نفسه بهذه التصريحات:

“أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا” (يو 6: 35).
“أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ” (يو 8: 12).
“أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى” (يو 10: 9).
“أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ” (يو 10: 11).
“قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ” (يو 11: 25، 26).
“أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي” (يو 14: 6).
“أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يو 10: 30).

ولا يمكن لواحد من البشر ان يُدعى لنفسه هذه الأوصاف الفائقة، إلا إذا كان مجدفًا من طراز فريد، أو مضلاً من طراز فريد .. أو إذا كان هو «ابن الله» بالحق والمحبة.

وتابع رجل الله حديثه للرجل العصري قائلاً: وبحسب إعتقادك أن المسيح معلم صادق. فتصريحاته الصادقة تؤكد لاهوته.

فلما سمع الرجل العصري شهادة كلمة الله قَبِل المسيح مُخلصًا وتجدد ونال غفرانًا لخطاياه.

أجل مَن مِن البشر يستطيع أن يقف وسط هذا العالم المظلم قائلاً: «أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ»؟! لا أحد! لأن الكتاب يقول “إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو 3: 23) .. الله وحده هو نور السموات والأرض، فإذا قال المسيح عن نفسه أنا هو نور العالم فهذا يعني يقينًا أنه الله.

ولقد قال المسيح ما هو أكثر من ذلك إذ فتح ذراعيه للمتعبين بأوزار الإثم، وأثقال الحياة قائلاً “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت 11: 28).

في سفر دانيال نقرأ عن مؤامرة قام بها الوزراء في مملكة «داريوس»، ضد «دانيال» بسبب تفوقه عليهم، فقد رأوا أن دانيال متمسك بشريعة إلهه، فأرادوا أن يقضوا عليه عن طريق أمانته وطاعته لهذا الإله.

والآن تعال معي لنقرأ تفاصيل القصة في الكلمات:

“حِينَئِذٍ اجْتَمَعَ هؤُلاَءِ الْوُزَرَاءُ وَالْمَرَازِبَةُ عِنْدَ الْمَلِكِ وَقَالُوا لَهُ هكَذَا: «أَيُّهَا الْمَلِكُ دَارِيُوسُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ! إِنَّ جَمِيعَ وُزَرَاءِ الْمَمْلَكَةِ وَالشِّحَنِ وَالْمَرَازِبَةِ وَالْمُشِيرِينَ وَالْوُلاَةِ قَدْ تَشَاوَرُوا عَلَى أَنْ يَضَعُوا أَمْرًا مَلَكِيًّا وَيُشَدِّدُوا نَهْيًا، بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَطْلُبُ طِلْبَةً حَتَّى ثَلاَثِينَ يَوْمًا مِنْ إِلهٍ أَوْ إِنْسَانٍ إِلاَّ مِنْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، يُطْرَحُ فِي جُبِّ الأُسُودِ. فَثَبِّتِ الآنَ النَّهْيَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَأَمْضِ الْكِتَابَةَ لِكَيْ لاَ تَتَغَيَّرَ كَشَرِيعَةِ مَادِي وَفَارِسَ الَّتِي لاَ تُنْسَخُ». لأَجْلِ ذلِكَ أَمْضَى الْمَلِكُ دَارِيُوسُ الْكِتَابَةَ وَالنَّهْيَ” (دا6:6-9).

مسكين هذا الملك .. خدعه مشيروه .. فأوقف نفسه في موقف أكبر من قدرته .. أرادوا أن يجعلوا منه إلهًا لمدة ثلاثين يومًا، فأظهرت هذه المدة القصيرة أنه إنسان عاجز ضعيف.

لكن هل يستطيع ملك – مهما بلغت عظمته – أن يكون إلهًا لمدة ثلاثين يومًا يستمع فيها إلى آنات المرضى .. وصرخات المظلومين .. وتوسلات المتضايقين؟

كلا. إن الملك «داريوس» لن يستطيع .. ومَن ذا الذي يستطيع ذلك إلا الله القادر على كل شيء؟

ولم يعبأ «دانيال» الشاب الأمين لله، بأمر الملك .. أدرك أن الملك وقع فريسة في أيدي وزرائه ومشيريه .. ورفض أن يرفع طلباته إلى الملك خلال ثلاثين يومًا .. رفض أن يصلي إليه.

ولا شك أن أسئلة كثيرة ملأت رأس دانيال: هل يستطيع الملك إذا طلبت منه أن يريحني من آلامي الجسدية؟ .. أن يريحني في أزماتي النفسية؟ .. أن يشبع إحتياجاتي الروحية؟ وهل يستطيع أن يستمع إلى طلبات الملايين من شعبه في وقت واحد؟ يقينًا أنه ملك مخدوع .. واحد فقط أرفع إليه الصلاة، هو الله الذي قال عنه داود “يَا سَامِعَ الصَّلاَةِ، إِلَيْكَ يَأْتِي كُلُّ بَشَرٍ” (مز 65: 2).

وأعلن دانيال تحديه العلني لأمر الملك.

“فَلَمَّا عَلِمَ دَانِيآلُ بِإِمْضَاءِ الْكِتَابَةِ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِهِ، وَكُواهُ مَفْتُوحَةٌ فِي عُلِّيَّتِهِ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَصَلَّى وَحَمَدَ قُدَّامَ إِلهِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَ ذلِكَ” (دا 6: 10).

وهنا كشف المتآمرون عن نواياهم.

“فَاجْتَمَعَ حِينَئِذٍ هؤُلاَءِ الرِّجَالُ فَوَجَدُوا دَانِيآلَ يَطْلُبُ وَيَتَضَرَّعُ قُدَّامَ إِلهِهِ. فَتَقَدَّمُوا وَتَكَلَّمُوا قُدَّامَ الْمَلِكِ فِي نَهْيِ الْمَلِكِ: «أَلَمْ تُمْضِ أَيُّهَا الْمَلِكُ نَهْيًا بِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَطْلُبُ مِنْ إِلهٍ أَوْ إِنْسَانٍ حَتَّى ثَلاَثِينَ يَوْمًا إِلاَّ مِنْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ يُطْرَحُ فِي جُبِّ الأُسُودِ؟» فَأَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ: «الأَمْرُ صَحِيحٌ كَشَرِيعَةِ مَادِي وَفَارِسَ الَّتِي لاَ تُنْسَخُ». حِينَئِذٍ أَجَابُوا وَقَالُوا قُدَّامَ الْمَلِكِ: «إِنَّ دَانِيآلَ الَّذِي مِنْ بَنِي سَبْيِ يَهُوذَا لَمْ يَجْعَلْ لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ اعْتِبَارًا وَلاَ لِلنَّهْيِ الَّذِي أَمْضَيْتَهُ، بَلْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ يَطْلُبُ طِلْبَتَهُ”.

وأدرك الملك غفلته.

“فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ هذَا الْكَلاَمَ اغْتَاظَ عَلَى نَفْسِهِ جِدًّا، وَجَعَلَ قَلْبَهُ عَلَى دَانِيآلَ لِيُنَجِّيَهُ، وَاجْتَهَدَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لِيُنْقِذَهُ”.

إيه أيها الملك .. ها أنت قد وقعت في الفخ الذي نصبه لك وزراؤك، واكتشفت الخدعة الكبرى التي خدعك بها مشيروك .. وها هو دانيال أحد أفراد دولتك العظمى في خطر الموت .. وها أنت عاجز عن إنقاذه .. فكيف تصورت أن تجيب طلبات المحتاجين والمتضايقين والمتألمين في إمبراطوريتك المترامية الأطراف؟

وأوقف الوزراء الملك الذي «ألهّوه» موقفًا محرجًا. “فَاجْتَمَعَ أُولئِكَ الرِّجَالُ إِلَى الْمَلِكِ وَقَالُوا لِلْمَلِكُ: «اعْلَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّ شَرِيعَةَ مَادِي وَفَارِسَ هِيَ أَنَّ كُلَّ نَهْيٍ أَوْ أَمْرٍ يَضَعُهُ الْمَلِكُ لاَ يَتَغَيَّرُ”.

وعجز «الملك الإله» عن إنقاذ دانيال من براثن أعدائه.

“حِينَئِذٍ أَمَرَ الْمَلِكُ فَأَحْضَرُوا دَانِيآلَ وَطَرَحُوهُ فِي جُبِّ الأُسُودِ. أَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ لِدَانِيآلَ: «إِنَّ إِلهَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا هُوَ يُنَجِّيكَ». وَأُتِيَ بِحَجَرٍ وَوُضِعَ عَلَى فَمِ الْجُبِّ وَخَتَمَهُ الْمَلِكُ بِخَاتِمِهِ وَخَاتِمِ عُظَمَائِهِ، لِئَلاَّ يَتَغَيَّرَ الْقَصْدُ فِي دَانِيآلَ”.

وتعالى معي لترى «الملك الإله» وترثي له.

“حِينَئِذٍ مَضَى الْمَلِكُ إِلَى قَصْرِهِ وَبَاتَ صَائِمًا، وَلَمْ يُؤْتَ قُدَّامَهُ بِسَرَارِيهِ وَطَارَ عَنْهُ نَوْمُهُ. ثُمَّ قَامَ الْمَلِكُ بَاكِرًا عِنْدَ الْفَجْرِ وَذَهَبَ مُسْرِعًا إِلَى جُبِّ الأُسُودِ. فَلَمَّا اقْتَرَبَ إِلَى الْجُبِّ نَادَى دَانِيآلَ بِصَوْتٍ أَسِيفٍ. أَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ لِدَانِيآلَ: «يَا دَانِيآلُ عَبْدَ اللهِ الْحَيِّ، هَلْ إِلهُكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا قَدِرَ عَلَى أَنْ يُنَجِّيَكَ مِنَ الأُسُودِ؟» فَتَكَلَّمَ دَانِيآلُ مَعَ الْمَلِكِ: «يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ! إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي، لأَنِّي وُجِدْتُ بَرِيئًا قُدَّامَهُ، وَقُدَّامَكَ أَيْضًا أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَمْ أَفْعَلْ ذَنْبًا»” (دا18:6-22).

لقد ثبت عجز البشر عجزًا تامًا .. حتى ولو كانوا ملوكًا .. في إراحة المتعبين.

أما الرب يسوع المسيح فيقف في قدرة لاهوته قائلاً “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ”

ويقينًا

لو أن الاسكندر في أيام أُبهته نطق بهذه الكلمات لأصبح أضحوكة.
ولو قالها نابليون في أيام جبروته لأضحى سخرية.
ولو قالها هتلر في أيام مجده لصار هزءًا.
ذلك لأن أحدًا من البشر لا يقدر ان يريح المتعبين والثقيلي الأحمال.
أما المسيح فهو ينادي كل متعب بكلماته الرقيقة قائلاً:

تعال ضع يا أيها المتعب ضع رأسك
ضعه على صدري وفي قربي أرح نفسك

إنه يقول: أيها المتعب بالهموم والأحزان. أيها المثقل بالأوزار والآثام .. تعال إليّ وأنا أريحك.
وكل الذين ذهبوا إليه بأتعابهم وأثقالهم .. أراحهم.

أجل .. فقد أراح السامرية من ثقل ماضيها الأسود الأثيم، وأراح زكا رئيس جباة الضرائب من ثقل ظُلمه الأثيم، وأراح نازفة الدم من مرضها المُستعصي، وأراح توما من الشك الذي أقض مضجعه ومازال إلى اليوم يُريح المتعبين.

كما قال عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين “يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ” (عب 13: 8).

ومع كل ما تقدم فقد صرح المسيح عن نفسه بعد صعوده إلى السماء لعبده يوحنا قائلاً:

“أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ” (رؤ 1: 11).

“أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ” (رؤ17:1، 18).

“أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ” (رؤ13:22).

وعلى أساس تصريحات المسيح الصادقة عن نفسه فأنا اؤمن أنه «الله».

11) أنا أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس قيامته الفريدة من بين الأموات:

لقد أقام الرب يسوع المسيح أثناء وجوده بالجسد على الأرض ثلاثة أشخاص.

– أقام إبنة «يايرس» أحد رؤساء المجمع، ذلك الرجل الذي جاء “وَلَمَّا رَآهُ خَرَّ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ كَثِيرًا قَائِلًا: «ابْنَتِي الصَّغِيرَةُ عَلَى آخِرِ نَسَمَةٍ. لَيْتَكَ تَأْتِي وَتَضَعُ يَدَكَ عَلَيْهَا لِتُشْفَى فَتَحْيَا!»” (مر22:5، 23). ولما وصل المسيح إلى بيت يايرس كانت الفتاة قد فارقت الحياة لكن الرب “أَمْسَكَ بِيَدِ الصَّبِيَّةِ وَقَالَ لَهَا: «طَلِيثَا، قُومِي!». الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا صَبِيَّةُ، لَكِ أَقُولُ: قُومِي! وَلِلْوَقْتِ قَامَتِ الصَّبِيَّةُ وَمَشَتْ، لأَنَّهَا كَانَتِ ابْنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. فَبُهِتُوا بَهَتًا عَظِيمًا” (مر41:5، 42).

– وأقام شابًا وحيدًا لأمه الأرملة في مدينة نايين نقرأ عنه الكلمات:
“وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي ذَهَبَ إِلَى مَدِينَةٍ تُدْعَى نَايِينَ، وَذَهَبَ مَعَهُ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ. فَلَمَّا اقْتَرَبَ إِلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، إِذَا مَيْتٌ مَحْمُولٌ، ابْنٌ وَحِيدٌ لأُمِّهِ، وَهِيَ أَرْمَلَةٌ وَمَعَهَا جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا رَآهَا الرَّبُّ تَحَنَّنَ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: «لاَ تَبْكِي». ثُمَّ تَقَدَّمَ وَلَمَسَ النَّعْشَ، فَوَقَفَ الْحَامِلُونَ. فَقَالَ: «أَيُّهَا الشَّابُّ، لَكَ أَقُولُ: قُمْ!». فَجَلَسَ الْمَيْتُ وَابْتَدَأَ يَتَكَلَّمُ، فَدَفَعَهُ إِلَى أُمِّهِ. فَأَخَذَ الْجَمِيعَ خَوْفٌ، وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ: «قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ، وَافْتَقَدَ اللهُ شَعْبَهُ»” (لو11:7-16).

– وأقام لعازر من بيت عنيا بعد أن أنتن [يوحنا 11].

وفي هذه الصور الثلاث نتلقى أثمن الدروس، فالصبية إبنة يايرس أقامها الرب بعد موتها مباشرة، والشاب ابن الأرملة كان قد مات منذ وقت وكانوا في طريقهم لدفنه، والرجل لعازر كان قد دُفن مُنذ اربعة أيام ودب الفساد في جسده.

ثلاث صور للموت: فتاة صغيرة .. وشاب .. ورجل كامل الرجولة .. والموت هو صورة مجسمة للخطية، وهؤلاء الموتى هم نماذج للخطاة

– فالفتاة كانت قد ماتت في تلك اللحظة ولم تظهر عليها بعد أية علامة من علامات التعفن والفساد .. كان جسدها ما زال حارًا، ولم تجف بعد قطرات العرق من فوق جبينها .. إنها ترينا صورة للخاطيء المؤدب المتدين .. فهذا الشخص لا تظهر عليه أية أثار خارجية للموت الذي يكمن داخله .. وإذا أخذنا بالمظهر الخارجي وحده خُيل إلينا أن هذا الخاطيء ليس ميتًا، لأن حياته الأدبية والدينية تبدو في صورة حسنة، تمامًا كصورة الذين يعترفون بأنهم أحياء في المسيح وأحيانًا أفضل .. ولكن الفتاة كانت ميتة رغم كل مظهر .. وكانت تحتاج إلى المسيح ليقيمها من الموت.

– وشاب نايين يصور لنا درجة مختلفة لمظاهر الموت الخارجية فهذا الشاب مات ربما منذ يوم أو يومين، لقد تقلص جلده، وغارت عيناه، وسرت البرودة في جسده .. إن كل علامات الموت قد ظهرت عليه، بعكس صورة الفتاة الصغيرة التي ماتت قبل أن يصل المسيح بدقائق .. ولكن الحقيقة: أن هذه الفتاة الصغيرة كانت ميتة تمامًا كذلك الشاب، مع أن مظهرها لم يكن يدل على ذلك .. فهل لاحظت الدرس هنا .. إن الشاب يرينا صورة للخاطيء الذي لفظه المجتمع وبدأ في إخراجه بعيدًا عنه كشخص غير جدير بالحياة فيه.

– ولكن الميت الثالث هو لعازر، لقد دُفن، وأنتن. صارت رائحته كريهة، وها هو في قلب الأرض ينهشه الدود، وهذه صورة للخاطيء الذي حطم كل القيود والقوانين والمُثل العليا، وتدهور حتى وصل إلى الجريمة والإنحلال الخلقي الظاهر، حتى إضطر المجتمع إلى عزله وسجنه، وتقييد حريته لأنه خطر عليه.

ولكن إلتفت إلى هذه الحقيقة، فمع أن هناك اختلافًا كبيرًا في مظهر الموت في هذه الحالات الثلاث، ولكننا لا نجد فرقًا في درجة الموت فيها. فالفرق موجود في المظهر فقط، ولكن الثلاثة كانوا أمواتًا كل واحد كالآخر، وبعد شهور قليلة لن يكون بإمكانك التفريق بينهم من حيث المظهر كذلك.

وهذا ما قاله الله عن البشر “لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو22:3، 23). والناس قد يختلفون في درجات مظاهر الخطية والشر من الخارج، ولكن الناس جميعًا بدون المسيح أموات على مستوى واحد، المؤدب والمتدين .. كالخليع والخائن .. كما يقول بولس الرسول “وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا” (أف 2: 1). الكل يحتاجون أن يعودوا إلى الحياة بالمسيح.

وفي كل حالة من حالات الموت هذه ، لم يكن هناك سوى واحد فقط هو الذي في قدرته الإنقاذ من الموت هو المسيح الرب.

وفي كل حالة قام الميت من الموت بكلمة الرب.

فقد قال الرب للفتاة الصغيرة: “يَا صَبِيَّةُ، قُومِي” (لو54:8).
وقال للشاب في نايين: “أَيُّهَا الشَّابُّ، لَكَ أَقُولُ: قُمْ!” (لو 7: 14).
وقال للعازر: “لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!” (يو 11: 43).

وفي كل حالة حدثت القيامة بكلمة الله، لأن الذي تكلم هو «ابن الله» و«الله الابن». لقد قام هؤلاء الثلاثة بقوة رب الحياة، ومعطي الحياة، ولكنهم ماتوا ثانية بحكم فساد طبيعتهم وابتلعهم القبر من جديد.

تمامًا كما عاد إلى الموت ابن الأرملة الذي أقامه إيليا بالصراخ للرب، وابن المرأة الشونمية الذي أقامه أليشع بالصلاة للرب.

أما الرب يسوع المسيح فقد قام من الأموات بصورة فريدة لم يسبقه إليها غيره، وهو لن يموت أيضًا ولن يسود عليه الموت بعد كما قال بولس الرسول “عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ” (رو 6: 9).

وهناك عدة حقائق تتعلق بقيامة المسيح الفريدة:

وأول حقيقة هي أن جسد المسيح لم يتعفن بعد موته: وهذه الحقيقة يقررها بطرس الرسول في كلماته “أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ. هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضًا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ. لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ: كُنْتُ أَرَى الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، أَنَّهُ عَنْ يَمِينِي، لِكَيْ لاَ أَتَزَعْزَعَ. لِذلِكَ سُرَّ قَلْبِي وَتَهَلَّلَ لِسَانِي. حَتَّى جَسَدِي أَيْضًا سَيَسْكُنُ عَلَى رَجَاءٍ. لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا. عَرَّفْتَنِي سُبُلَ الْحَيَاةِ وَسَتَمْلأُنِي سُرُورًا مَعَ وَجْهِكَ” (أع22:2-28).

ويتابع بطرس الرسول كلماته مقررًا أن هذه النبوة ليست عن داود شخصيًا، وإنما عن المسيح الذي جاء من نسل داود فيقول: ” أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ جِهَارًا عَنْ رَئِيسِ الآبَاءِ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفِنَ، وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا حَتَّى هذَا الْيَوْمِ. فَإِذْ كَانَ نَبِيًّا، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَادًا. فَيَسُوعُ هذَا أَقَامَهُ اللهُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا شُهُودٌ لِذلِكَ. وَإِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ، سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ. لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاوَاتِ. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا” (أع29:2-36).

إن هذه العبارات تؤكد في وضوح لا غموض فيه أن جسد المسيح لم ير فسادًا، لم يتعفن كما تتعفن أجساد البشر أجمعين. لقد بقى في كل بهائه، وجماله. لأنه خلا من كل عناصر الخطية.

الحقيقة الثانية هي أن الثالوث الأقدس قد اشترك في قيامة المسيح.

– فالآب قد أقام المسيح كما قال بطرس الرسول “فَيَسُوعُ هذَا أَقَامَهُ اللهُ” (أع 2: 32).

– والمسيح قد أقام نفسه، وهذا الحق واضح في كلماته “فَأَجَابَ الْيَهُودُ وَقَالوُا لَهُ: «أَيَّةَ آيَةٍ تُرِينَا حَتَّى تَفْعَلَ هذَا؟» أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ». فَقَالَ الْيَهُودُ: «فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ، أَفَأَنْتَ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ تُقِيمُهُ؟» وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ. فَلَمَّا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، تَذَكَّرَ تَلاَمِيذُهُ أَنَّهُ قَالَ هذَا، فَآمَنُوا بِالْكِتَابِ وَالْكَلاَمِ الَّذِي قَالَهُ يَسُوعُ” (يو18:2-22).

– لقد أعلن المسيح عن قدرته في إقامة جسده من بين الأموات، وأكد هذا بكلماته “لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا” (يو17:10، 18).

– والروح القدس قد أقام المسيح كما قال بولس الرسول “بُولُسُ، عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْمَدْعُوُّ رَسُولًا، الْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ اللهِ، الَّذِي سَبَقَ فَوَعَدَ بِهِ بِأَنْبِيَائِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، عَنِ ابْنِهِ. الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ، وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ، بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ” (رو1:1-4) وكلمة «تعيّن» معناها «ظهر بالدليل الواضح» دليل القيامة من الأموات أنه «ابن الله» كما ظهر أن روح القداسة أو الروح القدوس قد اشترك في قيامته.

فالثالوث الأقدس «الآب والابن والروح القدس» قد اشترك في قيامة المسيح من بين الأموات.

الحقيقة الثالثة أن المسيح عندما قام خرج من قبره وهو مغلق:

إن كثيرين يتصورون أن ملاك السماء جاء ودحرج الحجر عن باب القبر ليساعد المسيح على الخروج منه، وهذا تصور خاطيء، لقد قام المسيح وخرج من القبر وهو مغلق، ثم جاء الملاك ودحرج الحجر وقال للمرأتين – مريم المجدلية ومريم الأخرى “لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ! هَلُمَّا انْظُرَا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعًا فِيهِ” (مت 28: 6). لقد خرج الرب من القبر وهو مغلق. خرج متحديًا أختام الإمبراطورية الرومانية وقوتها العسكرية. تمامًا كما دخل إلى العلية التي في أورشليم والأبواب مغلقة [يوحنا 19:20-29]. ولقد كانت قيامة المسيح هي الدليل الساطع على نصرة الحق على الباطل، والنور على الظلام، وإله السلام على إله هذا العالم الأثيم.

الحقيقة الرابعة أن قيامة المسيح هي الدليل المؤكد لقيامة المؤمنين به:

وهذه حقيقة يؤكدها بولس الرسول في كلماته “لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ” (1 تس 4: 14).

وهنا يخطر على الذهن سؤال لا بد أن نجيب عنه في هذا المقام وهو: كيف يقام الأموات وبأي جسم يأتون؟ كيف يمكن أن يعيد الله إلى الوجود أجساد الذين أكلتهم الأسماك في البحار، وأحرقتهم النار، وتحللوا وصاروا جزءًا من أديم الأرض؟

ولو أدركنا أن الله يحتفظ في سجلات السماء بصورة فوتوغرافية لكل واحد من سكان الأرض، وبصورة بالأشعة للعظام والأحشاء، لعرفنا كيف سيعود كل واحد بنفس ملامحه إلى الوجود.

وليس هذا الكلام خيال كاتب، وإنما هو حقيقة كتابية صريحة تؤكدها كلمات داود القائلة “لأَنَّكَ أَنْتَ اقْتَنَيْتَ كُلْيَتَيَّ. نَسَجْتَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي. أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ امْتَزْتُ عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذلِكَ يَقِينًا. لَمْ تَخْتَفِ عَنْكَ عِظَامِي حِينَمَا صُنِعْتُ فِي الْخَفَاءِ، وَرُقِمْتُ فِي أَعْمَاقِ الأَرْضِ. رَأَتْ عَيْنَاكَ أَعْضَائِي، وَفِي سِفْرِكَ كُلُّهَا كُتِبَتْ يَوْمَ تَصَوَّرَتْ، إِذْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهَا” (مز13:139-16). فصورتنا وملامحنا، وتفاصيل عظامنا وأحشائنا موجودة في سجلات السماء، ومن السهل أن نستخرج صورة طبق الأصل عند أي مصور إذا كانت لديك الصورة الأصلية.

وعلى هذا فإن قيامة المسيح تؤكد قيامة المفديين في القيامة الأولى، ثم قيامة الأشرار للدينونة بعد مُلك الألف السنة كل واحد بذات الملامح والقامة والصورة التي عاش بها.

وعلى أساس قيامة المسيح الفريدة أنا اؤمن بأن المسيح هو الله.

12) أنا أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس سلطانه وعمله المعجزي وتأثير اسمه في الأرواح والأجساد بعد صعوده إلى السماء:

كل نبي عاش على هذه الأرض، انتهت معجزاته بموته، فموسى الكليم صنع في حياته معجزات كثيرة بقوة الله الذي أمره بصنعها، لكنه مات “وَلَمْ يَعْرِفْ إِنْسَانٌ قَبْرَهُ إِلَى هذَا الْيَوْمِ” (تث 34: 6). وانتهت معجزاته بموته تمامًا كما انتهت معجزات سائر الرسل والأنبياء.

أما الرب يسوع فقد ظل إسمه وما زال يعمل بقوة في الأرواح والأجساد.

لقد وعد تلاميذه في حديثه الأخير معهم قائلاً “لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ: أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. وَأَمَّا عَلَى بِرّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضًا. وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ” (يو7:16-10).

وما وعد به الرب يسوع أكمله، وهذا يؤكده سفر اعمال الرُسل بالكلمات “وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا. وَكَانَ يَهُودٌ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ سَاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ. فَلَمَّا صَارَ هذَا الصَّوْتُ، اجْتَمَعَ الْجُمْهُورُ وَتَحَيَّرُوا، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ يَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ” (أع1:2-6).

ولما اجتمع هذا الجمهور وقف بطرس مع الأحد عشر، وكلمهم عن حقيقة هذا الصوت، مؤكدًا أنه «الروح القدس» الذي سكبه يسوع الذي صعد إلى السماء، بعد أن صلبوه وقتلوه، إذ أنه قام من الأموات “وَإِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ، سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ” (أع33:2).

فالمعزي الذي تحدث عنه المسيح لتلاميذه، لم يكن نبيًا آتيًا بعده، وإنما كان الروح القدس كما أوضح له المجد بفمه المبارك قائلاً “وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” (يو 14: 26).

فالمسيحيون لم ينتظروا نبيًا آخر يأتي بعد المسيح، بل كان رجاؤهم وما زال في عودة المسيح ثانية بعد صعوده إلى السماء كما وعدهم “وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ” (رؤ 22: 12)، ولذا فإن صلاة المسيحيين الحقيقيين في كل العصور تركزت في الكلمات “آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ” (رؤ20:22)، وهي أخر كلمات إختتم بها سفر الرؤيا، أخر أسفار الكتاب المقدس.

ولقد استمر تأثير المسيح قويًا وفعالاً بعد صعوده إلى السماء، وسفر أعمال الرسل يحمل أصدق الأدلة على ما نقول.

– ففي يوم الخمسين أي بعد صعود المسيح إلى السماء بعشرة أيام، عمل المسيح بروحه وبكلمته في قلوب نحو ثلاثة آلاف نفس فتجددوا واعتمدوا، وانضموا إلى الكنيسة التي أسسها المسيح في أورشليم، فبعد أن وعظهم بطرس بكلمة الرب.

نقرأ الكلمات “فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا لِبُطْرُسَ وَلِسَائِرَ الرُّسُلِ: «مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟» فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ : «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ … فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ” (أع37:2، 38، 41).

فمن ذا الذي أعطى القوة لبطرس الجبان الذي أنكر المسيح ثلاث مرات لتؤثر كلماته في القلوب هذا التأثير الفعال؟

ومن الذي نخس قلوب هؤلاء سوى الروح القدس الذي أرسله المسيح بعد صعوده إلى السماء!

إن تجديد هذا العدد الضخم دفعة واحدة دليل على فاعلية عمل المسيح في القلوب بعد صعوده إلى السماء.- ولقد شفى إسم المسيح رجلاً أعرج من بطن أمه: أجل بعد أن صعد المسيح إلى السماء ظل إسمه قويًا فعالاً يشفي الأمراض، ويجري المعجزات، لأنه الله الموجود في كل مكان، القادر على كل شيء ..

وهذه كلمات سفر أعمال الرسل عن شفاء ذلك الإنسان “وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعًا إِلَى الْهَيْكَلِ فِي سَاعَةِ الصَّلاَةِ التَّاسِعَةِ. وَكَانَ رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يُحْمَلُ، كَانُوا يَضَعُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ بَابِ الْهَيْكَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «الْجَمِيلُ» لِيَسْأَلَ صَدَقَةً مِنَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْهَيْكَلَ. فَهذَا لَمَّا رَأَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا مُزْمِعَيْنِ أَنْ يَدْخُلاَ الْهَيْكَلَ، سَأَلَ لِيَأْخُذَ صَدَقَةً. فَتَفَرَّسَ فِيهِ بُطْرُسُ مَعَ يُوحَنَّا، وَقَالَ: «انْظُرْ إِلَيْنَا!» فَلاَحَظَهُمَا مُنْتَظِرًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا. فَقَالَ بُطْرُسُ: «لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ، وَلكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!». وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ، فَفِي الْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلاَهُ وَكَعْبَاهُ، فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي، وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ اللهَ” (أع1:3-8).

ولما اجتمع الجمهور الذي رأى هذه المعجزة حول بطرس ويوحنا، أعلن لهم بطرس أن شفاء الرجل قد تم باسم يسوع المسيح فقال: “أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هذَا؟ وَلِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا، كَأَنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هذَا يَمْشِي؟ إِنَّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إِلهَ آبَائِنَا، مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ، الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلاَطُسَ، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلاَقِهِ. وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ. وَبِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هذَا الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هذِهِ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ” (أع13:3-16).

فالمسيح هو الله الحي الموجود بقوته في كل مكان. ولذا فإن إسمه المبارك العجيب فيه القدرة لإعطاء الصحة والحياة.

– ولقد شفى إسم المسيح رجلاً أعرج من بطن أمه: أجل بعد أن صعد المسيح إلى السماء ظل إسمه قويًا فعالاً يشفي الأمراض، ويجري المعجزات، لأنه الله الموجود في كل مكان، القادر على كل شيء ..

وهذه كلمات سفر أعمال الرسل عن شفاء ذلك الإنسان “وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعًا إِلَى الْهَيْكَلِ فِي سَاعَةِ الصَّلاَةِ التَّاسِعَةِ. وَكَانَ رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يُحْمَلُ، كَانُوا يَضَعُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ بَابِ الْهَيْكَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «الْجَمِيلُ» لِيَسْأَلَ صَدَقَةً مِنَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْهَيْكَلَ. فَهذَا لَمَّا رَأَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا مُزْمِعَيْنِ أَنْ يَدْخُلاَ الْهَيْكَلَ، سَأَلَ لِيَأْخُذَ صَدَقَةً. فَتَفَرَّسَ فِيهِ بُطْرُسُ مَعَ يُوحَنَّا، وَقَالَ: «انْظُرْ إِلَيْنَا!» فَلاَحَظَهُمَا مُنْتَظِرًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا. فَقَالَ بُطْرُسُ: «لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ، وَلكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ!». وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ، فَفِي الْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلاَهُ وَكَعْبَاهُ، فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي، وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ اللهَ” (أع1:3-8).

ولما اجتمع الجمهور الذي رأى هذه المعجزة حول بطرس ويوحنا، أعلن لهم بطرس أن شفاء الرجل قد تم باسم يسوع المسيح فقال: “أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هذَا؟ وَلِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا، كَأَنَّنَا بِقُوَّتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هذَا يَمْشِي؟ إِنَّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إِلهَ آبَائِنَا، مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ، الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلاَطُسَ، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلاَقِهِ. وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ. وَبِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هذَا الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هذِهِ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ” (أع13:3-16).

فالمسيح هو الله الحي الموجود بقوته في كل مكان. ولذا فإن إسمه المبارك العجيب فيه القدرة لإعطاء الصحة والحياة.

– وقد جدد المسيح بعد صعوده إلى السماء شاول الطرسوسي: يشهد شاول الطرسوسي – الذي صار بعد تجديده بولس الرسول – عن نفسه قائلاً: “أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلًا مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا” (1 تي 1: 13).

وقد اضطهد شاول كنيسة أورشليم، والمسيحيون الذين عاشوا في تلك الجهات، وعن هذا نقرأ الكلمات: “أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّدًا وَقَتْلًا عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ، إِلَى الْجَمَاعَاتِ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاسًا مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالًا أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ” (أع1:9، 2).

هذه هي الصورة الكتابية لإضطهاد شاول للمسيحيين، والكتاب المقدس يرينا أن المسيحيين الحقيقيين الأتقياء يجب أن يتوقعوا الإضطهاد في كل مكان كما يكتب بولس الرسول لتيموثاوس قائلاً:

وَأَمَّا أَنْتَ فَقَدْ تَبِعْتَ تَعْلِيمِي، وَسِيرَتِي، وَقَصْدِي، وَإِيمَانِي، وَأَنَاتِي، وَمَحَبَّتِي، وَصَبْرِي، وَاضْطِهَادَاتِي، وَآلاَمِي، مِثْلَ مَا أَصَابَنِي فِي أَنْطَاكِيَةَ وَإِيقُونِيَّةَ وَلِسْتِرَةَ. أَيَّةَ اضْطِهَادَاتٍ احْتَمَلْتُ! وَمِنَ الْجَمِيعِ أَنْقَذَنِي الرَّبُّ. وَجَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ يُضْطَهَدُونَ” (2تي10:3-12).

“لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ” (في 1: 29).

إن المسيحيين الأمناء يضطهدون في كل بقعة من بقاع الأرض، لأن حياتهم المنيرة تؤلم عيون الناس، توبخ خطاياهم، فيحاولون القضاء عليهم .. ولكن هيهات!! لأن المسيح رأس الكنيسة حي في السماء يحس بآلام شعبه على الأرض ويتقدم لإنقاذهم وحمايتهم.

لقد كان «شاول» يظن أنه يقدم خدمة لله، وأنه يقضي على شرذمة ضالة تؤمن بأن المسيح هو «ابن الله»، وكان المسيح في إعتقاد شاول مضلاً ظهر على أرض اليهودية.

وبينما شاول يقترب إلى دمشق، وقد أعمى التعصب عينيه، تستمر القصة قائلة: “وَفِي ذَهَابِهِ حَدَثَ أَنَّهُ اقْتَرَبَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتًا قَائِلًا لَهُ: «شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟» فَقَالَ: «مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟» فَقَالَ الرَّبُّ: «أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ». فَقَاَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ: «يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟» فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «قُمْ وَادْخُلِ الْمَدِينَةَ فَيُقَالَ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ». وَأَمَّا الرِّجَالُ الْمُسَافِرُونَ مَعَهُ فَوَقَفُوا صَامِتِينَ، يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلاَ يَنْظُرُونَ أَحَدًا. فَنَهَضَ شَاوُلُ عَنِ الأَرْضِ، وَكَانَ وَهُوَ مَفْتُوحُ الْعَيْنَيْنِ لاَ يُبْصِرُ أَحَدًا. فَاقْتَادُوهُ بِيَدِهِ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى دِمَشْقَ. وَكَانَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ يُبْصِرُ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ” (أع3:9-9).

وتفاصيل القصة تؤكد أن المسيح حي في السماء، فقد ظهر بنوره الوضاح لشاول، وناداه باسمه وأراه أنه صعب عليه أن يحاربه.

ويقينًا أن من يحارب المسيح يجرح نفسه. إنه تمامًا كمن يرفس مناخس الخيل، يمتليء جسمه بالجراح ولا تتأثر المناخس. وأمام نور المسيح، وتحت تأثير صوته قال شاول الطرسوسي «يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟»

عجيب أن يقول شاول للمسيح «يا رب» فشاول رجل يهودي، فريسي، يعرف كتابه المقدس جيدًا ويذكر كلمات سفر الخروج “أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي” (خر2:20، 3). ما الذي حدث لك يا شاول حتى تنادي المسيح قائلاً «يا رب»؟ ويرد علينا شاول بالكلمات “لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ، وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ. لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ” (في7:3-10).

لقد تيقنت أن تلاميذ المسيح لم يسرقوا جسده، لقد قام وقبره خالي من جسده، ولذا أشرق علىّ بنوره من السماء، لقد آمنت أنه «ابن الله الحي» “فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2: 20).

دخل شاول المدينة كما أوصاه الرب، وكما كلم الرب يسوع شاول من السماء، كلم حنانيا في رؤيا لمقابلة شاول. فلما جاء حنانيا إليه قال له “أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، قَدْ أَرْسَلَنِي الرَّبُّ يَسُوعُ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَيْ تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ». فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ” (أع17:9، 18).

وهكذا تجدد شاول، وصار إناء مختارًا ليحمل أسم المسيح أمام أمم وملوك وبني إسرائيل.

وتجديد شاول اليهودي المتعصب، المجدف والمضطهد والمفتري، وحديث المسيح معه من السماء، وإعترافه بلاهوت المسيح، هذا كله يحمل أصدق الدليل على أن المسيح هو «ابن الله» و«الله الابن».

ونستمر في سفر أعمال الرسل لنرى الرب يسوع المسيح:

– عاملاً بروحه في مدينة السامرة [أع8].
– وفي قلب الوزير الحبشي [أع8].
– وفي قلب كرنيليوس ومن حضروا في بيته [أع10].
– ونراه يشفي إينياس [أع32:9-35].
– ويقيم التلميذة الخادمة طابيثا [أع36:9-42].
– ويزعزع أساسات سجن فيلبي ويجدد حافظ السجن [أع19:16-34].
– وينقذ بولس في قلب العاصفة [أع14:27-44].

ومازال إلى اليوم يغير قلوب الذين يقبلونه مخلصًا في أنحاء الأرض، وينير بروحه قلوب وعقول المؤمنين به، ويرشدهم إلى أنفع الإكتشافات والإختراعات العلمية لخير البشرية، فقد أرشد «أديسون» لإكتشاف الكهرباء، وأرشد «فلمنج» لإكتشاف البنسلين الذي أنقذ حياة الملايين. وأرشد العلماء المسيحيين لإبتكار كل ما هو لخير الإنسان. فعلى أساس سلطان المسيح وتأثير إسمه على الأرواح والأجساد بعد صعوده إلى السماء أنا اؤمن أنه «الله».

13) أنا أؤمن بأن المسيح هو الله على أساس أنه ديّان البشر أجمعين:

يقول داود في المزمور “وَتُخْبِرُ السَّمَاوَاتُ بِعَدْلِهِ، لأَنَّ اللهَ هُوَ الدَّيَّانُ” (مز 50: 6). وإذ نُقلب صفحات الكتاب نجد أن الديان هو المسيح، ونصل إلى نتيجة حتمية هي أن المسيح هو الله لأنه هو الديان.

استمع إلى كلماته التي قالها لليهود “لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ، لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ” (يو22:5، 23).

واصغ إلى كلمات بولس للقديسين في رومية “مَنْ هُوَ الَّذِي يَدِينُ؟ اَلْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي مَاتَ، بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضًا، الَّذِي هُوَ أَيْضًا عَنْ يَمِينِ اللهِ، الَّذِي أَيْضًا يَشْفَعُ فِينَا” (رو 8: 34).

وامل أذنك إلى حديثه للأثينيين في «أريوس باغوس» وهو يقول “فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ. لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّمًا لِلْجَمِيعِ إِيمَانًا إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ” (أع30:17، 31).

وأخيرًا اسمعه يكتب لتيموثاوس في أخريات أيامه “فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ. قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا” (2تي6:4-8).

ويعرف دارس الكتاب المقدس أن المسيح هو الذي سيحاسب المفديين أمام كرسيه “لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا” (2 كو 5: 10).

وإنه سيحاسب الشعوب الحية عند مجيئه أمام كرسي مجده “وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ” (مت31:25، 32).

وهو الذي سيدين الأموات أمام العرش الأبيض العظيم “ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشًا عَظِيمًا أَبْيَضَ، وَالْجَالِسَ عَلَيْهِ، الَّذِي مِنْ وَجْهِهِ هَرَبَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمَا مَوْضِعٌ! وَرَأَيْتُ الأَمْوَاتَ صِغَارًا وَكِبَارًا وَاقِفِينَ أَمَامَ اللهِ، وَانْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ، وَانْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ الْحَيَاةِ، وَدِينَ الأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ” (رؤ11:20، 12).

وإذا قارنا بين كلمات المسيح “لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ،” وبين الكلمات القائلة “وَرَأَيْتُ الأَمْوَاتَ صِغَارًا وَكِبَارًا وَاقِفِينَ أَمَامَ اللهِ .. وَدِينَ الأَمْوَاتُ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ.” تأكدنا أن المسيح هو الله الديان، الذي وقف أمامه إبراهيم وناداه بأنه “َدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ” (تك 18: 25).

والذي قال عن نفسه “كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ” (مت22:7، 23). فعلى أساس أن المسيح هو ديان كل الأرض فأنا أؤمن أنه «الله».

14) أنا أؤمن بأن المسيح هو الله لأنه مفتاح الكتاب المقدس كله وموضوعه المركزي:

 وهو في سفر التكوين نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية (تك15:3)، وهو في الخروج حمل الفصح (خر1:12-14)، وهو في اللاويين في مختلف صور الذبائح والقرابين (لا4:1)، وهو في العدد الحية المرفوعة في البرية (عد8:21)، مع (يو14:3)، وهو في إشعياء البديل الحامل لخطايانا (اش6:53)، وهكذا حتى نراه في ملاخي شمس البر (مل2:4).

 وكل شخصيات الكتاب المقدس ترمز إليه، فهابيل يرينا إياه البار المذبوح، وإسحق يرينا إياه الحامل للصليب والمُطيع لإرادة الآب، وموسى يرينا إياه في حِلمه وحكمته، وإيليا يرينا إياه في قوته وصرامته.

 والعهد الجديد كله مُكرس له، فمتى يبدأ إنجيله بالكلمات “كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (مت1:1)، ومرقس يبدأ إنجيله بالكلمات “بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ،” (مر1:1)، ولوقا ينهي إنجيله بالكلمات “فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ” (لو 24: 52)، ويوحنا يبدأ إنجيله بالكلمات “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ” (يو 1: 1).

 ورسائل الرسل متمركزة في الحديث عنه وسفر رؤيا يوحنا هو إعلان مجده ومُلكه.

 وكاتب الرسالة إلى العبرانيين يرينا أن المسيح أعظم من الملائكة (عب4:1)، وأن الملائكة تسجد له (عب26:1)، وأنه أعظم من موسى (عب3:3)، وأن الفرق بينه وبين موسى كالفرق بين الخادم وإبن البيت فموسى «خادم» أما المسيح «فإبن على بيته» (عب5:3، 6)، وأنه أعظم من هارون (عب11:7) لأنه رئيس كهنة إلى الأبد على رتبة ملكي صادق.

كما يؤكد الرب بكلماته الصادقة إنه اعظم من يونان (مت41:12)، وأعظم من سليمان (مت42:12)، وأعظم من الهيكل (مت6:12)، وليس هناك من هو أعظم من الهيكل إلا رب الهيكل نفسه.

وكذلك يعلن الرسل عبوديتهم للمسيح: فمع أن بولس يوصي المؤمنين قائلاً “قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ، فَلاَ تَصِيرُوا عَبِيدًا لِلنَّاسِ” (1كو23:7). فهو يعلن عبوديته للمسيح بالكلمات “بُولُسُ، عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو 1: 1).

وإعلانه هذا يؤكد بوضوح بأن المسيح هو الله، وكذلك يعلن بطرس عن عبوديته للمسيح بالكلمات “سِمْعَانُ بُطْرُسُ عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَرَسُولُهُ” (2 بط 1: 1)، وكذلك يقول يعقوب “يَعْقُوبُ، عَبْدُ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (يع1:1)، فيعلن بكلماته عبوديته للآب والابن، وفي ذات الوقت مساواة الابن بالآب.

هذه هي الأسُس التي نبني عليها إيماننا بأن المسيح هو الله، فالمسيح هو رب التاريخ وهو مركز النبوات، فمن أجله تنبأ الأنبياء وجاء المرسلون يعدون الطريق لمجيئه، وكُتِب الكتاب المقدس من سفر التكوين إلى سفر رؤيا يوحنا.

يحتفظ لنا التاريخ بقصة رجل أمريكي سافر إلى فرنسا ومن هناك أشترى خريطة مُفككة للأمريكتين، قال له بائعها: إن أذكى الناس لا يستطيع تركيب هذه الخريطة في أقل من ساعتين. وحمل الأب الخريطة لولديه، وتحداهما إن استطاعا تركيبها في نصف ساعة فإنه يعطي لكل منهما خمسين دولارًا .. وكم كانت دهشة الرجل عظيمة حين عاد الولدان بالخريطة كاملة بعد عشر دقائق.

قال الأب لولديه: أخبراني عن السر!!

قال الولدان: لقد رأينا في ظهر الخريطة صورة لرأس إبراهام لنكولن، فجمعنا الصورة فتكونت الخريطة في الحال.

والكتاب المقدس يظل كتابًا مغلقًا، يصعب على قارئه فهم محتوياته، حتى نرى على صفحاته «وجه المسيح المنير» الذي رآه يوحنا وكتب عنه قائلاً:

“ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ. وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تِيجَانٌ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ اسْمٌ مَكْتُوبٌ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ إِّلاَ هُوَ. وَهُوَ مُتَسَرْبِلٌ بِثَوْبٍ مَغْمُوسٍ بِدَمٍ، وَيُدْعَى اسْمُهُ «كَلِمَةَ اللهِ». وَالأَجْنَادُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ كَانُوا يَتْبَعُونَهُ عَلَى خَيْل بِيضٍ، لاَبِسِينَ بَزًّا أَبْيَضَ وَنَقِيًّا. وَمِنْ فَمِهِ يَخْرُجُ سَيْفٌ مَاضٍ لِكَيْ يَضْرِبَ بِهِ الأُمَمَ. وَهُوَ سَيَرْعَاهُمْ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ، وَهُوَ يَدُوسُ مَعْصَرَةَ خَمْرِ سَخَطِ وَغَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: «مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ»” (رؤ11:19-16).

بحق قال عنه شيلنج «المسيح ليس هو المعلم فقط كما يقول البعض، ولا هو المؤسس بل هو المسيحية ذاتها»، وقال عنه واحد من كبار المفكرين وهو يتحدث إلى مجموعه من أصدقائه: «لو دخل نابليون إلى هنا لوقفنا أمامه إجلالاً باعتباره قائد عسكري عبقري، ولو دخل شيكسبير لإنحنينا أمامه إحترامًا لتحليله الرائع لنفسية الإنسان البشري … لكن لو دخل المسيح لركعنا في حضرته سجدًا أمام مجد لاهوته البهي».

أجل لقد ظهر في تجسد «ابن الله» وموته على الصليب ما يؤكد عظمة قيمة الإنسان .. أو كما قال قديس جليل.

«يموت النبات ليحيا الحيوان، ويموت الحيوان ليحيا الإنسان، فلا بد من موت «البديل» لنوال الحياة».

ولذا فلما رأى الله الإنسان وقد مات روحيًا بالخطية، أرسل إبنه في شبه جسد الخطية، ودان الخطية في الجسد، ليعطي حياة أبدية للإنسان الذي يؤمن بهذا العمل العظيم، ويؤكد في ذات الوقت قيمة الإنسان العظمى، هذه القيمة التي كاد الإنسان أن يفقد إحساسه بها، من فرط تفاهة نفسه أمام الموت، وأمام كوارث الطبيعة، وأمام هذا الكون العظيم.

 

الفصل الثالث

تفسير
الآيات التي تبدو
مناقضة للإيمان

بأن

المسيح هو الله

يجب أن نعترف في بداية هذا الفصل أن في الكتاب المقدس آيات متناثرة تبدو للقاريء السطحي أنها مناقضة للإيمان بأن المسيح هو الله، ولكننا نقول في ذات الوقت أن وجود مثل هذه الآيات هو دليل قاطع على وحي كلمة الله .. فلو الكتاب المقدس من تأليف بشر لما وجدنا فيه آيات مثل هذه الآيات، لكن لأنه كلمة الله فقد جاءت فيه هذه الآيات لتدفع القاريء إلى البحث، والدراسة، والمعرفة.

ولقد أكد بطرس الرسول أن في الكتاب المقدس آيات عسرة الفهم يحرفها غير العلماء وغير الثابتين لهلاك أنفسهم فقال “لِذلِكَ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ .. احْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصًا، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضًا بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ” (2بط14:3-16). ولذا أوصى بولس الرسول تيموثاوس قائلاً: “اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى، عَامِلًا لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلًا كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَةِ” (2 تي 2: 15).

ولكي نفهم الآيات العسرة الفهم، فهمًا يتفق مع كل الكتاب المقدس علينا أن نتبع نصيحة الرسول فنُفصل كلمة الحق بالإستقامة، ويقينًا أننا لن نستطيع أن نُفسر آية من الآيات المشار إليها، إلا على ضوء قوانين ثابتة وصحيحة للتفسير. فما هي قوانين التفسير الصحيح؟

إن أول قوانين التفسير الصحيح للآيات العسرة الفهم: هو أن نفسر هذه الآيات بالآيات الموضحة لها من الكتاب المقدس، أي أن نفسر الكتاب المقدس بالكتاب المقدس. كما قال بولس الرسول : “وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ، الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ” (1كو12:2، 13).

– القانون الثاني: أن يكون التفسير موافقًا لكلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة كما قال بولس لتيموثاوس: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا آخَرَ، وَلاَ يُوافِقُ كَلِمَاتِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الصَّحِيحَةَ، وَالتَّعْلِيمَ الَّذِي هُوَ حَسَبَ التَّقْوَى، فَقَدْ تَصَلَّفَ، وَهُوَ لاَ يَفْهَمُ شَيْئًا، بَلْ هُوَ مُتَعَلِّلٌ بِمُبَاحَثَاتٍ وَمُمَاحَكَاتِ الْكَلاَمِ، الَّتِي مِنْهَا يَحْصُلُ الْحَسَدُ وَالْخِصَامُ وَالافْتِرَاءُ وَالظُّنُونُ الرَّدِيَّةُ، وَمُنَازَعَاتُ أُنَاسٍ فَاسِدِي الذِّهْنِ وَعَادِمِي الْحَقِّ، يَظُنُّونَ أَنَّ التَّقْوَى تِجَارَةٌ. تَجَنَّبْ مِثْلَ هؤُلاَءِ” (1تي3:6-5).

– القانون الثالث: هو أن نربط الآية التي نريد تفسيرها بالآيات السابقة لها واللاحقة بها، وهو ما يسميه علماء التفسير بربط «الText أي الآية»، «بال Context أي القرينة». إن سبب الخطأ في تفسير الكتاب المقدس هو إنتزاع الآيات من موضعها، ومحاولة تفسيرها بالعقل البشري بعيدًا عن قرينتها، والمناسبة التي قيلت فيها، وهذه الطريقة الخاطئة هي الطريقة التي لجأ إليها الشيطان حين إقتبس كلمات من سفر المزامير محاولاً أن يجرب بها المسيح إذ قال له: “وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ»” (مت 4: 6)، وقد أخذ إبليس الكلمات الأخيرة من المزمور الحادي والتسعين عدد 11، 12 ، وأبعدها عن قرينتها فأفسد بذلك معناها ومدلولها.

– القانون الرابع: هو تفسير الآيات العسرة الفهم على ضوء الآيات السهلة الفهم.

– القانون الخامس: هو دراسة لغة الآية ذاتها. هل هي مجازية أو حرفية؟ .. هل هي كلمات نطق بها الرب، او كلمات نطق بها الشيطان أو الإنسان وسجلت في سياق حديث الكتاب؟ أنه على أساس فهمنا الدقيق للغة الآية، وقائلها، نستطيع أن نفهم فهمًا صحيحًا الآيات العسرة الفهم.

– القانون السادس: هو دراسة الظروف التاريخية لكتابة الآية .. أين كان الكاتب؟ .. لمن كتب؟ .. ما هي العادات التي سادت عصره؟ إلى غير هذا من دراسة الظروف التاريخية لكتابة السفر الذي كُتبت فيه الآية.

– القانون السابع: هو إنه إن أمكن تفسير حرفي، فالبعد عن الحرفي رديء للغاية .. هذه هي القوانين السبعة للتفسير الصحيح للكتاب المقدس، وعلى أساسها سنتقدم لتفسير الآيات التي تبدو مناقضة في ظاهرها للإيمان بأن المسيح هو الله. واضعين هذه الآيات بحسب ترتيب ورودها في الكتاب المقدس.

1) الرب قناني أول طريقه

وأول مجموعة من الآيات التي تقابلنا في الكتاب المقدس، والتي تبدو في ظاهرها مناقضة للإيمان بأن المسيح هو الله هي الآيات الموجودة في سفر أمثال، وهذه هي: “«أَنَا الْحِكْمَةُ أَسْكُنُ الذَّكَاءَ، وَأَجِدُ مَعْرِفَةَ التَّدَابِيرِ .. لِي الْمَشُورَةُ وَالرَّأْيُ .. بِي تَمْلِكُ الْمُلُوكُ .. أَنَا أُحِبُّ الَّذِينَ يُحِبُّونَنِي، وَالَّذِينَ يُبَكِّرُونَ إِلَيَّ يَجِدُونَنِي .. عِنْدِي الْغِنَى وَالْكَرَامَةُ. قِنْيَةٌ فَاخِرَةٌ وَحَظٌّ .. «اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ الْقِدَمِ. مُنْذُ الأَزَلِ مُسِحْتُ، مُنْذُ الْبَدْءِ، مُنْذُ أَوَائِلِ الأَرْضِ. إِذْ لَمْ يَكُنْ غَمْرٌ أُبْدِئْتُ. إِذْ لَمْ تَكُنْ يَنَابِيعُ كَثِيرَةُ الْمِيَاهِ. مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقَرَّرَتِ الْجِبَالُ، قَبْلَ التِّلاَلِ أُبْدِئْتُ. إِذْ لَمْ يَكُنْ قَدْ صَنَعَ الأَرْضَ بَعْدُ وَلاَ الْبَرَارِيَّ وَلاَ أَوَّلَ أَعْفَارِ الْمَسْكُونَةِ. لَمَّا ثَبَّتَ السَّمَاوَاتِ كُنْتُ هُنَاكَ أَنَا. لَمَّا رَسَمَ دَائِرَةً عَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ. لَمَّا أَثْبَتَ السُّحُبَ مِنْ فَوْقُ. لَمَّا تَشَدَّدَتْ يَنَابِيعُ الْغَمْرِ. لَمَّا وَضَعَ لِلْبَحْرِ حَدَّهُ فَلاَ تَتَعَدَّى الْمِيَاهُ تُخْمَهُ، لَمَّا رَسَمَ أُسُسَ الأَرْضِ، كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعًا، وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ، فَرِحَةً دَائِمًا قُدَّامَهُ. فَرِحَةً فِي مَسْكُونَةِ أَرْضِهِ، وَلَذَّاتِي مَعَ بَنِي آدَمَ” (أم12:8-31).

ما معنى ما يقوله المسيح عن نفسه باعتباره «الحكمة». «اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ؟»، وما معنى كلماته إِذْ لَمْ يَكُنْ غَمْرٌ أُبْدِئْتُ؟ فهل لم يكن المسيح موجودًا ثم ابتدأه الرب وألا يعني هذا أن المسيح ليس أزليًا مع الآب وعلى هذا لا يكون هو ابن الله؟

ولكي نُجيب عن هذه الأسئلة يجب أن نستخدم قوانين التفسير الصحيح، فنقرأ الإصحاح كله بل نقرأ سفر أمثال جميعه لنعرف معنى هذه الآيات. فالمتكلم الذي يقول « اَلرَّبُّ قَنَانِي أو اقتناني أول طريقه» بدأ حديثه بالكلمات “أَنَا الْحِكْمَةُ .. لِي الْمَشُورَةُ وَالرَّأْيُ .. بِي تَمْلِكُ الْمُلُوكُ .. أَنَا أُحِبُّ الَّذِينَ يُحِبُّونَنِي.. عِنْدِي الْغِنَى وَالْكَرَامَةُ”.

وفي الإصحاح الأول نقرأ عنه الكلمات: “اَلْحِكْمَةُ تُنَادِي فِي الْخَارِجِ .. اِرْجِعُوا عِنْدَ تَوْبِيخِي. هأَنَذَا أُفِيضُ لَكُمْ رُوحِي. أُعَلِّمُكُمْ كَلِمَاتِي. «لأَنِّي دَعَوْتُ فَأَبَيْتُمْ، وَمَدَدْتُ يَدِي وَلَيْسَ مَنْ يُبَالِي، بَلْ رَفَضْتُمْ كُلَّ مَشُورَتِي، وَلَمْ تَرْضَوْا تَوْبِيخِي. فَأَنَا أَيْضًا أَضْحَكُ عِنْدَ بَلِيَّتِكُمْ. أَشْمَتُ عِنْدَ مَجِيءِ خَوْفِكُمْ” (أم20:1-26).

فمن ذا الذي له المشورة والرأي؟ إلا ذاك الذي تنبأ عنه إشعياء بالكلمات: “لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ” (إش 9: 6).

ومن هو ذاك الذي يفيض روحه على الراجعين إليه؟ إلا ذاك الذي تكلم عنه بطرس قائلاً: “يَقُولُ اللهُ: وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ” (أع 2: 17).

فالمتكلم في هذه الآيات يسمي نفسه «الحكمة»، ولكنه لا يظهر «كصفة» بل «كشخص » لإنه يعلن عن ذاته بالكلمات “أَنَا أُحِبُّ الَّذِينَ يُحِبُّونَنِي” والصفة تحَب ولا تحِب، فالمتكلم إذن هو المسيح الرب «المشير» ، والذي يسكب من روحه على الراجعين إليه، و “الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ” (كو 2: 3).

والواقع إن التأمل في هذا الجزء من كلمة الله يُرينا الثالوث العظيم بكيفية واضحة.

– فالآب يظهر في الكلمة «الرب».

– والابن يتحدث عن نفسه قائلاً : “مُنْذُ الأَزَلِ مُسِحْتُ”.

– والروح القدس هو المسحة كما قال بطرس الرسول “يَسُوعُ .. كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع38:10).

– فالآيات تُرينا في وضوح «المسيح ابن الله» مساويًا للآب، وموجودًا معه منذ الأزل، لأن الحكمة تلازم الله ملازمة أزلية، فأزلية الله وأزلية الحكمة صنوان لا يفترقان.

– كما تُرينا وحدانية الآب والابن في اللاهوت، ومعية الابن مع الآب منذ الأزل كما قال يوحنا الرسول: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ” (يو 1: 1).

أما الكلمات التي نحن بصدد تفسيرها والتي تقول : “اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ .. مُنْذُ الأَزَلِ مُسِحْتُ، مُنْذُ الْبَدْءِ، مُنْذُ أَوَائِلِ الأَرْضِ. إِذْ لَمْ يَكُنْ غَمْرٌ أُبْدِئْتُ” فإنها تشير بوضوح إلى عمل المسيح الكفاري، وعلاقة هذا العمل «ببني آدم» أي ان النص يعلن عمل المسيح في الزمان وفرحه في مسكونة أرضه ولذته ببني آدم الذين فداهم، فقبل أن تقررت الجبال، وقبل أن تصنع الأرض أو أول أتربة المسكونة كان الثالوث الواحد الحكيم قد رتب عمل الفداء العظيم، عن طريق تجسد «الله الابن» في ملء الزمان كما قرر بطرس الرسول بكلماته “عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ .. بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ” (1بط18:1-20).

وعلى هذا فإن «الحكمة» الذي هو «الله الابن» يقول: “اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ .. مُنْذُ الأَزَلِ مُسِحْتُ، مُنْذُ الْبَدْءِ، مُنْذُ أَوَائِلِ الأَرْضِ. إِذْ لَمْ يَكُنْ غَمْرٌ أُبْدِئْتُ” مُعلنًا بهذه الكلمات أنه الممسوح من الآب، أو المُعين منذ الأزل للقيام بعمل الفداء فوق الصليب، ولذا فهو يختتم كلماته بالقول “لَذَّاتِي مَعَ بَنِي آدَمَ” بل يرفع صوته بالكلمات “فَالآنَ أَيُّهَا الْبَنُونَ اسْمَعُوا لِي .. لأَنَّهُ مَنْ يَجِدُنِي يَجِدُ الْحَيَاةَ، وَيَنَالُ رِضًى مِنَ الرَّبِّ، وَمَنْ يُخْطِئُ عَنِّي يَضُرُّ نَفْسَهُ. كُلُّ مُبْغِضِيَّ يُحِبُّونَ الْمَوْتَ” (أم32:8-36).

وهذه الكلمات تعلن عن علاقة المسيح بالبشر ودعوته لهم لقبوله مُخلصًا، وتحذيرهم من رفضه، وهي تتفق تمامًا مع كلماته في العهد الجديد “أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ” (يو 10: 10). “أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي” (لو 19: 27).

إن الكلمات “اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ” تُرينا أن الرب يسوع – باعتباره الحكمة – كان مع الآب منذ الأزل، وأنه صانع كل الأشياء كقوله: “كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعًا” (أم30:8)، وأن الله لم يبدأ عملاً من أعماله إلا به كما نقرأ في الكلمات: “الْحِكْمَةُ هِيَ الرَّأْسُ” (أم7:4). “مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ يَا رَبُّ! كُلَّهَا بِحِكْمَةٍ صَنَعْتَ. مَلآنةٌ الأَرْضُ مِنْ غِنَاكَ” (مز 104: 24). “الرَّبُّ بِالْحِكْمَةِ أَسَّسَ الأَرْضَ” (أم19:3). “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ .. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ” (يو1:1-3). “فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ” (كو 1: 16). “الله .. كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ” (عب 1:1، 2).

فالمسيح هو «الحكمة» هو «الله الابن» الذي عنده الغنى والكرامة، والذي من يجده يجد الحياة كما قال يوحنا الرسول “مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ” (1 يو 5: 12). والذي من يخطيء عنه يضر نفسه، وكل مُبغضيه يحبون الموت، وإذا لم يكن هو «ابن الله» الذي فيه كانت الحياة، فأي ضرر يصيب الإنسان الذي يخطيء عنه والذي يبغضه؟

إن الآيات التي أوضحنا معناها في هذا المقام تؤكد لاهوت المسيح ولا تناقضه بحال من الأحوال، أما كلمة «ابدئت» التي وردت في النص فسنتركها حتى نأتي إلى تفسير الآية الموجودة في سفر رؤيا يوحنا والتي تقول كلماتها “هذَا يَقُولُهُ الآمِينُ، الشَّاهِدُ .. بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ” (رؤ 3: 14). فليعُد القاريء إلى تفسيرها في موضعها من هذا الكتاب.

2) ابن الإنسان والروح القدس

نقرأ في إنجيل متى الكلمات “وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هذَا الْعَالَمِ وَلاَ فِي الآتِي” (مت 12: 32).

وتُظهر هذه الكلمات أمام القراءة السطحية أن لا مساواة بين المسيح والروح القدس، وأن المسيح هو «إنسان» كسائر الناس لأنه يسمي نفسه «ابن الإنسان» ولأنه طالما كرر هذا اللقب في حديثه عن نفسه، بينما لم يقل إنه ابن الله صراحة إلا في موضعين [(يو35:9)، (36:10)].

وكلمات النص لا تلقى أية شبهة على لاهوت المسيح، لكنها تؤكد لاهوت الروح القدس، وترينا أن «الله» وليس مجرد تأثير كما يقول شهود يهوة، وأن الذي يجدف عليه فلا غفران له إلى الأبد.

والسبب الذي من أجله يُغفر لمن يقول كلمة على ابن الإنسان، ولا يغفر لمن يجدف على الروح القدس، ليس هو عدم المساواة بين المسيح والروح القدس، بل هو أن المسيح جاء لخلاص الناس “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو 19: 10)، و“لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ” (يو 3: 17)، لذلك طلب المسيح وهو على الصليب الغفران لصالبيه والمجدفين عليه قائلاً “يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ” (لو 23: 34).

ولكن لأن الروح القدس هو الذي يعلن المسيح المُخلص للنفس الهالكة كما يقول بولس الرسول “لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ” (1كو3:12)، وهو الذي يبكت الخطاة على خطاياهم ويقودهم إلى التوبة الحقيقية كما قال الرب: “وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ” (يو 16: 8)، لذلك فإن من يجدف عليه فلا غفران له إلى الأبد، ويعني التجديف على الروح القدس أن ينسب الإنسان العمل المبارك الذي يعمله الروح القدس إلى الشيطان، ويرفض بعناد توسلات الروح القدس وتبكيته لإرجاعه إلى الرب، وهذا يصل بالإنسان إلى القساوة القلبية تمامًا كما حدث مع الفريسيين الذين أسندوا معجزات المسيح إلى «بعلزبول». ورفضوا نداءه لهم بالتوبة والرجوع إلى الله.

فأعلن لهم المسيح أنهم أولاد الأفاعي، في حين أن قلوبهم ملآنة بالشر، ولأن الروح القدس هو العامل في التجديد، وإعلان المسيح المخلص للنفس، فرفض توسلاته عن عناد وإصرار ومعرفة يحرم الإنسان من نتائج عمله، وبالتالي يحرم من الغفران إلى الأبد، كما قال الله في أيام نوح “لاَ يَدِينُ رُوحِي فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَدِ” (تك 6: 3).

وأما تسمية المسيح نفسه بأنه «ابن الإنسان» فهو تأكيد لكمال ناسوته، وأنه جاء ليموت بدلاً عن الناس ونائبًا عنهم باعتباره «الإنسان الثاني» الذي هو في ذات الوقت «الرب من السماء» (1كو47:15)، ولأنه «الرب من السماء» وفي ذات الوقت هو «الإنسان الثاني»، فهو غير محدود، وهو خالق كل البشر وكل الوجود، ولذا فإن في موته الكفاية للتكفير عن خطايا العالم كله كما قال يوحنا الرسول “وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا” (1 يو 2: 2).

وعلى هذا فإن آلامه فوق الصليب، لا تقاس بمقياس الزمن الذي قاسى فيه الألم، بل بمقياس شخصه الفريد المجيد، ذلك لأن الإساءة التي توجه إلى شخص حقير تصبح عملاً فظيعًا لو وُجِهَت بذاتها إلى ملك أو رئيس كبير!!

ولو أننا تتبعنا الآيات التي أعلن المسيح فيها عن نفسه أنه «ابن الإنسان» لرأينا فيها إعلانات رائعة عن سر تجسد المسيح، فهو لم يأت إلى العالم بحثًا عن راحة لنفسه “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ” (مت 8: 20). ولكنه جاء ليُرفع على الصليب فداء عن الخطاة “وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو14:3، 15). وجاء “يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو 19: 10). وسوف يأتي بقوة ومجد كثير “وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابٍ بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجْدٍ، فَيُرْسِلُ حِينَئِذٍ مَلاَئِكَتَهُ وَيَجْمَعُ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَاءِ السَّمَاءِ” (مر26:13، 27).

ولقب «ابن الإنسان» الذي أطلقه المسيح على نفسه مرارًا يؤكد لنا لاهوته مع ناسوته. ويعود بنا إلى ما جاء في سفر دانيال “كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ” (دا13:7، 14). فإبن الإنسان هو موضوع عبادة الشعوب وهو صاحب السلطان الأبدي.

وإيماننا بقدرة الله على كل شيء يدفعنا إلى الإيمان بقدرته على التجسد، دون حدوث تغيير في لاهوته، تمامًا كما نؤمن أن الكهرباء تتجسد في الأسلاك، والمغناطيسية في الحديد دون أن تتغير طبيعة الأسلاك، أو طبيعة الحديد، أو طبيعة الكهرباء.

ولذا فقد أعلن المسيح عن نفسه لنيقوديموس بالكلمات “إِنْ كُنْتُ قُلْتُ لَكُمُ الأَرْضِيَّاتِ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ إِنْ قُلْتُ لَكُمُ السَّمَاوِيَّاتِ؟ وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ” (يو12:3، 13)، فابن الإنسان الذي كان يتكلم مع نيقوديموس في الأرض، كان يملآ السماء بلاهوته. فاللقب «ابن الإنسان» الذي نجده في الآية التي نحن بصددها لا يظهر فرقًا بين المسيح والروح القدس في اللاهوت ولا يلقي شبهة على لاهوت ربنا المبارك، بل تؤكد الأجزاء التالية له حقيقة لاهوته فهو أعظم من يونان وسليمان وهو في ذات الوقت «ابن الإنسانية» كلها.

3)إلهي إلهي لماذا تركتني؟

جاء في إنجيل متى “وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟” (مت 27: 46).

ويقول غير المؤمنين بلاهوت المسيح من جماعة شهود يهوة وغيرهم من الطوائف العصرية، إذا كان المسيح هو «ابن الله» و«الله الابن» وهو معادل للآب والروح القدس، فكيف ينادي «الله» وهو على الصليب قائلاً: “إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟”.

وإجابة هذا السؤال سهلة إذا وضعنا في أذهاننا الحقائق الكتابية الأتية:

إن المسيح مع كونه ابن الله الأزلي كما قال عنه يوحنا: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ .. وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ” (يو 1: 1). وكما قال هو عن نفسه “قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ” (يو 8: 58). إلا أنه في ملء الزمان جاء إلى الأرض إنسانًا مولودًا من امرأة ليفتدي الإنسان كما قال بولس الرسول “الْمَسِيحِ يَسُوعَ .. الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ” (في5:2-8).

وفي هذه الكلمات نجد أن المسيح نزل بتجسده هذه الدرجات:

أ‌) أخلى نفسه

ب) أخذ صورة عبد

جـ) صار في شبه الناس

د) وجد في الهيئة كإنسان

هـ) وضع نفسه

و) أطاع حتى الموت

ز) موت الصليب. أي موت اللعنة كما قال بولس الرسول: “اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ»” (غل 3: 13).

كل هذا يرينا أن المسيح عندما مات على الصليب مات كإنسان، مات بديلاً عن الإنسان “فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ” (1 بط 3: 18).

والمسيح «كإنسان» .. «ليس فيه خطية» (1يو35:3)، «ولم يعرف خطية» (2كو21:5)، و «لم يفعل خطية» (1بط22:2). فهو «البار» بطبيعته الأصيلة «يسوع المسيح البار» (1يو1:2).

ولذا فهو يسأل الله قائلاً: “لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟”، وهو سؤال لا يجسر إنسان مذنب خاطيء أن يوجهه لله، لأنه يعلم أنه يعاقب بسبب خطاياه، أما المسيح فله الحق أن يسأل: : “إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟”

وسؤاله هنا هو سؤال «الإنسان البار» النائب عن «الأثمة الفجار»، ولذا فهو لا يخاطب الله بالقول «يا أبتاه» (لو34:23) كما هي عادته، وكما هي نسبته وعلاقته، بل يخاطبه بالقول «إلهي إلهي» مُعلنًا أنه وإن كان يحتمل أجرة الخطية كإنسان نائبًا عن الإنسانية، إلا أن إتكاله باعتباره الإنسان الكامل، وهو في أحلك اللحظات ما زال على الله (مز8:22)، وقد إقتبس المسيح صرخته من المزمور الثاني والعشرين، وهو المزمور الذي سبق أن تنبأ عن تفاصيل الصلب، وكل الحوادث المذكورة فيه قد تمت وقت الصلب بالحرف الواحد مما يؤكد أن المصلوب هو موضوع نبوات الأنبياء، وهو الذي تنبأ داود عن صلبه.

لقد أعلنت الصرخة التي اطلقها المسيح وهو يجتاز أحلك ساعات ألامه «إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟» إنه البار القدوس الطاهر .. وقد وجهها إلى الله ليلفت بها نظر البشرية الساقطة في مختلف العصور أنه بسبب خطاياها حجب الآب العادل وجهه عن ابنه الحبيب، الذي أرتضى طوعًا ان يصير «عبدًا» من أجل «عبيد الخطية» وكأننا نسمع صوت الآب يجيب المسيح الإنسان، الذي اصبح نائبًا عن الإنسان «لقد تركتك لإنك تحمل خطايا البشرية .. لأن هذا الترك هو العقاب المفروض على كل خاطيء أثيم، وأنت صرت بديلاً عن البشر فحملت خطاياهم في جسدك .. فكان لا بد ان أحجب وجهي عنك بعد أن صرت ذبيحة خطية» [اقرأ (إش13:52-15) ،(1:53-6)، (2كو21:5)، (رو21:3-26)، (1بط22:2-24)].

إذًا لا يجب أن يغيب عن ذهننا أن المسيح مع كونه «ابن الله» هو أيضًا «ابن الإنسان» وأنه عندما مات على الصليب مات بديلاً عنه “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مر 10: 45).

وبهذا الاعتبار يصرخ المسيح ابن الإنسان والإنسان الكامل إلى الله الآب العادل قائلاً: “إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟” مُعلنًا بصرخته إتمام النبوات فيه، فلا غرابة إذاً أن يخاطب «ابن الله» الذي صار إنسانًا وأخذ مكان الإنسان .. «الله الآب» الذي أوقع عليه عقاب خطية الإنسان، ويصرخ إليه قائلاً: “إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟” إذ ليس في هذه الصرخة أية شبهة تناقض الإيمان بأن المسيح هو «الله الابن» بل على العكس نرى أن كل الملابسات التي أحاطت بالمسيح وهو فوق الصليب تعلن عن شخصيته الفريدة ولاهوته المجيد.

4)ذلك اليوم وتلك الساعة .. فلا يعلم بهما .. ولا الابن

نقرأ في إنجيل مرقس هذه الكلمات: “وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ” (مر 13: 32).

وأمام هذه الآية يبدو أمامنا هذا الإعتراض: إذا كان المسيح هو «ابن الله والله الابن» وهو العالم بكل شيء، أفلا ترينا كلماته هذه عدم معرفته ليوم أو ساعة مجيئه، وهذا يعني أنه ليس عالمًا بكل شيء، وبالتالي فليس هو «الله»؟

والآن ما هو التفسير الصحيح لهذه الآية الصريحة؟

أقول أولاً إن الآية في صيغتها الواضحة تضع المسيح في مركز فريد بين خلائقه، فهو يقول: “وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ”.

وهنا نجد الآية تتحدث عن ما يلي:

أ‌) البشر عمومًا: «وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ» أي أحد من البشر.
ب‌) الملائكة الذين في السماء: «فلا يعلم بهما وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ».
ت‌) الابن: «فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا .. وَلاَ الابْنُ».

وهنا يقف الابن وحده في مركزه الفريد، فلو كان مجرد إنسان فلماذا لم يضع نفسه مع البشر؟ ولماذا أوقف نفسه مع الآب؟

إننا إذ نعود إلى قرينة هذه الآية نجد المسيح يقول “وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابٍ بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجْدٍ، فَيُرْسِلُ حِينَئِذٍ مَلاَئِكَتَهُ وَيَجْمَعُ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَاءِ السَّمَاءِ” (مر26:13، 27). وتعلن الكلمات أن «الملائكة» «ملائكة المسيح» وأنه هو «الآتي بالقوة والمجد».

كيف إذًا لا يعلم المسيح باليوم والساعة؟

هنا لا بد لنا أن نُفصل كلمة الحق بالإستقامة (2تي15:2)، وعندما نقوم بتفصيل العهد الجديد نجد به اربعة أناجيل:

– الإنجيل الأول – هو إنجيل متى وهو يتحدث عن «المسيح الملك» ومفتاحه “أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟” (مت 2: 2).

– الإنجيل الثاني – هو إنجيل مرقس وهو يتحدث عن «المسيح العبد» ومفتاحه “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مر 10: 45).

– الإنجيل الثالث – هو إنجيل لوقا وهو يتحدث عن «المسيح الإنسان الكامل» ومفتاحه “إِنِّي لاَ أَجِدُ عِلَّةً فِي هذَا الإِنْسَانِ” (لو 23: 4). “بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هذَا الإِنْسَانُ بَارًّا!” (لو47:23).

– الإنجيل الرابع – هو إنجيل يوحنا وهو يتحدث عن «المسيح ابن الله» ومفتاحه “وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ” (يو30:20، 31).

والعهد القديم قد تنبأ عن مجيء المسيح في هذه الصور الأربع في رموزه ونبواته.

ففي الرموز نرى في سفر التكوين «نهر قيشون» وهو يرمز إلى «المسيح الملك» كما نقرأ عنه “اِسْمُ الْوَاحِدِ فِيشُونُ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ الْحَوِيلَةِ حَيْثُ الذَّهَبُ. وَذَهَبُ تِلْكَ الأَرْضِ جَيِّدٌ” (تك11:2، 12) فالذهب يشير إلى الملك.

و«نهر جيجون» وهو يرمز إلى «المسيح العبد» كما نقرأ عنه “وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّانِي جِيحُونُ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ كُوشٍ” [أي العبيد] (تك13:2).

و«نهر حداقل» وهو يرمز إلى «المسيح الإنسان الكامل» كما نقرأ عنه “وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّالِثِ حِدَّاقِلُ، وَهُوَ الْجَارِي شَرْقِيَّ أَشُّورَ” [أي الحكمة] (تك14:2).

و«نهر الفرات» وهو يرمز إلى «المسيح ابن الله» كما نقرأ عنه “وَالنَّهْرُ الرَّابعُ الْفُرَاتُ” (تك14:2).

وقد شاء الوحي أن يخفي عنا وصفه، تمامًا كما قال الرب لمنوح “لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي وَهُوَ عَجِيبٌ؟” (قض 13: 18).

وإنه لمن المُلذ أن نرى أن هذه الأنهار الأربعة هي «رؤوس» لنهر واحد كما نقرأ “وَكَانَ نَهْرٌ يَخْرُجُ مِنْ عَدْنٍ لِيَسْقِيَ الْجَنَّةَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَنْقَسِمُ فَيَصِيرُ أَرْبَعَةَ رُؤُوسٍ” (تك10:2). فمع ان النهر واحد، إلا أنه صار أربعة رؤوس، ومع أن المسيح واحد لكنه يظهر في الكتاب المقدس .. «الملك» و«العبد» و«الإنسان الكامل» و «ابن الله».

وحين نعود إلى نبوات العهد القديم نجدها تقدم لنا المسيح في هذه الصور الأربع كذلك.

– فزكريا يتنبأ عن المسيح قائلاً “اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ” (زك 9: 9).

– وإشعياء يتنبأ عن المسيح العبد قائلاً هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ، يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا” (إش 52: 13). ويشاركه زكريا في النبوة قائلاً “أَنِّي هأَنَذَا آتِي بِعَبْدِي «الْغُصْنِ” (زك 3: 8).

– وزكريا يتنبأ عن المسيح الإنسان الكامل قائلاً هُوَذَا الرَّجُلُ «الْغُصْنُ» اسْمُهُ” (زك12:6).

– وإشعياء يتنبأ عن المسيح ابن الله قائلاً “لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ” (إش6:9). ثم يعود قائلاً هُوَذَا إِلهُكِ. هُوَذَا السَّيِّدُ الرَّبُّ بِقُوَّةٍ يَأْتِي وَذِرَاعُهُ تَحْكُمُ لَهُ. هُوَذَا أُجْرَتُهُ مَعَهُ وَعُمْلَتُهُ قُدَّامَهُ” (إش9:40، 10).

فإذا وضعنا في أذهاننا أن المسيح هو «الملك» و «العبد» و «الإنسان الكامل» و «ابن الله».

وإذا عرفنا أن إنجيل مرقس يتحدث عن المسيح العبد الذي قال عنه سفر إشعياء “هُوَذَا عَبْدِي” (إش13:52)، وأن المسيح قال بفمه المبارك “لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ” (يو 15: 15). وأنه إذ أخذ «صورة عبد» صار عبدًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، فارتضى بخدمة العبيد، وجهل العبيد بما يعمله سيدهم، واحتقار الناس للعبيد، ولذا فهو في إنجيل مرقس الذي يقدم المسيح العبد يعلن جهله باليوم والساعة قائلاً “وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا .. وَلاَ الابْنُ” .. يعلن جهله هذا بإعتباره «عبدًا»، مع أنه في نفس الوقت يؤكد أنه «الابن» الذي أخلى نفسه لفداء الإنسان بموته على الصليب.

5) الآب أعطى الابن

نقرأ في إنجيل يوحنا الكلمات: “لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ” (يو26:5).

وهنا يقول أحد المعترضين: أنظر .. إن الآب هو الذي أعطى الابن أن تكون له حياة في ذاته، وبما أن المُعطي هو الآب والمعطَى هو الابن، لذا لا بد أن يكون الآب خالقًا للابن، وواهبًا إياه الحياة، وعلى هذا فلا مساواة بين الآب والابن.

ويبدو هذا الإعتراض وجيهًا أمام النظرة السطحية، ولكنه يدل على جهل بالكتاب المقدس وقوانين تفسيره. ففي الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا نقرأ عن المسيح “فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ” (يو 1: 4).

وهذه الكلمات بارتباطها بما سبقها تعلن أن الحياة كانت في المسيح منذ الأزل.

إذا ما معنى الكلمات “كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ”.

هنا لا بد أن نعود لقوانين التفسير الصحيح فنربط الآية بالقرينة، ثم بالإصحاح كله، والسفر كله.

وأول ما نراه في الآية ذاتها أن هناك مساواة بين الآب والابن فالآب له “حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ”. والابن له “حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ” ثم إذ نبدأ في قراءة الإصحاح نرى أن المسيح يقول لليهود “أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ” (يو 5: 17).

وقد فهم اليهود من هذا القول أن المسيح يعادل نفسه بالله “فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلًا نَفْسَهُ بِاللهِ” (يو 5: 18). وإذ نستمر في قراءة الإصحاح نرى فيه:

أ- أن المسيح له نفس قدرة الآب في إحياء من يشاء (يو21:5).
ب- أن المسيح له نفس الكرامة التي للآب (يو22:5).
جـ- أن المسيح له القدرة على إقامة الأموات بالخطايا (يو25:5).
د- أن المسيح سيقيم الأموات من قبورهم (يو28:25، 29).

ولكننا نرى فيه أيضًا أن الآب قد «أعطى كل الدينونة للابن» و «أعطى الابن أن تكون له حياة في ذاته».

ونسأل بأي إعتبار أعطى الآب «كل الدينونة للابن» و «أعطى الابن أن تكون له حياة في ذاته؟».فنجد الجواب في كلمات المسيح “وَأَعْطَاهُ سُلْطَانًا أَنْ يَدِينَ أَيْضًا، لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ” (يو 5: 27).

فعطايا الآب للابن ليست في إعتباره «الأزلي» بل في إعتباره الزمني حين «أخذ صورة عبد وصار في شبه الناس ووجد في الهيئة كإنسان» فالمسيح في إعتباره الأزلي هو «إبن الله» ولكنه في إعتباره الزمني «إبن الإنسان»، وفي هذا الإعتبار ميزه الآب عن البشر جميعًا بأن أعطاه حياة في ذاته ، مُعلنًا لنا بهذه الكلمات أن «إبن الإنسان» هو ذاته «إبن الله» وأنه في إنسانيته «له حياة في ذاته»، وهذا ما أوضحه المسيح بكلماته “لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي” (يو17:10، 18). وما أوضحه أيضًا حين قال لليهود “انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ .. فَقَالَ الْيَهُودُ: «فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ .. فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ” (يو18:2-20)، ولو لم يكن له حياة في ذاته ما إستطاع أن يقول هذه الكلمات .. فالإعطاء المذكور في آيتنا، يعني إظهار حياة الله الذاتية في الإنسان يسوع المسيح عندما تجسد في الزمان.

6) أنا قلت إنكم آلهة

قال المسيح في إنجيل يوحنا “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ». فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَعْمَالًا كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي. بِسَبَبِ أَيِّ عَمَل مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟» أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: «لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا» أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟” (يو30:10-36).

ويقول غير المؤمنين بلاهوت المسيح إن هذا النص يرينا أن المسيح شخص إلهي بنفس المركز الذي يقال فيه عن البشر إنهم «آلهة» وذلك بناء على ما قاله بنفسه.

ولكن التأمل في النص يدحض الإدعاء، فالنص يبدأ بالكلمات «أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ» وهنا تظهر وحدانية الآب والابن، الأمر الذي فهمه اليهود وتناولوا بسببه الحجارة ليرجموا المسيح، فلما سألهم لماذا يريدون رجمه قالوا: «لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا».

وقد دفع المسيح تهمة التجديف بكلماته “أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟”.

وكلمات المسيح مأخوذة من (مز6:82)، وهناك نرى أن الله يتحدث بها إلى القضاة قائلاً لهم «اِقْضُوا لِلذَّلِيلِ وَلِلْيَتِيمِ»، والقضاة آلهة باعتبار أنهم يحكمون بين الناس بحسب ناموس الله، ولكن مع مركزهم العظيم فالله يقول لهم “مِثْلَ النَّاسِ تَمُوتُونَ” (مز7:82).

وقديمًا قال الرب لموسى “أَلَيْسَ هَارُونُ اللاَّوِيُّ أَخَاكَ؟ .. فَتُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ، وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَمَعَ فَمِهِ .. وَهُوَ يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ. وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا، وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلهًا” (خر14:4-16). فإلهية موسى هنا بالنسبة لهارون، هي بإعتبار أنه مصدر كلمة الله إلى هارون، فموسى هنا كان يتلقى من الله القوة، والكلام، وكان بالنسبة لهارون «إلهًا» يعطيه الكلام الذي ينطق به «هُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا، وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلهًا».

هذه هي «الإلهية» التي يمكن أن يصل إليها الإنسان.

أما المسيح فهو «الله الابن» ولذا فهو يقول لليهود إذا كان كتابكم المقدس قد قال عن قضاتكم، وهم بشر يموتون ويسقطون، أنهم آلهة، وهذا كلام الله الثابت المتين، وأنتم لم تتهموا كاتب هذا الكلام بالتجديف «فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟» وكأن المسيح يقول: «تقولون لي أنا المسيح، الذي كرسني الآب ومسحني لعمل الفداء إنني أجدف لأني قلت إني ابن الله».

وإذا جاز أن يقال عن قضاتكم وهم خطاة، يناديهم الله قائلاً “حَتَّى مَتَى تَقْضُونَ جَوْرًا وَتَرْفَعُونَ وُجُوهَ الأَشْرَارِ” (مز2:82) «أنهم آلهة»، فالإبن الوحيد المعصوم من الخطأ، الذي مسحه الآب من الأزل، أتقولون له إنك تجدف لأني قلت أنا «ابن الله»؟؟

وأخيرًا يأتي بهم المسيح إلى فصل الخطاب قائلاً “إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلاَ تُؤْمِنُوا بِي. وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ” (يو37:10، 38). وهو بهذه الكلمات يفرق بين إلهية القضاة، وألوهيته هو، فالقضاة، وموسى «آلهة» من جانب واحد، أما المسيح فهو «ابن الله الوحيد» الذي قال عنه بولس الرسول “فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا” (كو 2: 9).

هنا الفرق بين الإلهية والألوهية «Divinity and Deity» بين البشر مهما سما مراكزهم سواء كانوا قضاة أو أنبياء. وبين المسيح «ابن الله» فكلمات النص إذًا تؤكد لاهوت المسيح ولا تلقي الشبهة عليه.

7) أبي أعظم مني

نقرأ في إنجيل يوحنا الكلمات “سَمِعْتُمْ أَنِّي قُلْتُ لَكُمْ: أَنَا أَذْهَبُ ثُمَّ آتِي إِلَيْكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ، لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي” (يو 14: 28). و«شهود يهوة» يقولون: كيف يمكن أن تنادوا بمساواة الابن بالآب وها هو الابن يقول بلسانه «لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي»؟

وهنا نعود إلى قرينة الكلام مستخدمين قوانين التفسير الصحيح، وسنرى أننا لا يمكن أن نفهم آية من الكتاب المقدس فهمًا سليمًا بعيدًا عن قرينتها، ومقارنتها بالآيات المشابهة لها.

والآن ماذا قال المسيح في حديثه قبل أن يذكر الآية التي نحن بصددها؟ إنه قال “الْكَلاَمُ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي” (يو24:14). والعبارة التي يجب أن ننتبه إليها هي «اِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي» لأننا نتبين منها أن الصلة الموجودة هنا بين «الآب والابن» هي صلة «المرسِل والمرسَل منه» أي أننا نرى الآب مُرسلاً الابن، فمركز الابن هنا هو مركز «الرسول» بالنسبة لمن أرسله، وقد قال المسيح بفمه المبارك “إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ” (يو16:13)، فالعظمة المنسوبة إلى الآب هنا بالنسبة للابن، هي عظمة «المرسِل» بالنسبة «للمرسَل»، فالآب هنا يوصف بأنه أعظم من الابن، لأنه هو الذي أرسل الابن (يو17:3)، والآب لم يتجسد، لكن الابن تجسد، وفي تجسده صار ليس فقط أقل من الآب بل أقل من الملائكة كما قال كاتب الرسالة إلى العبرانيين “وَلكِنَّ الَّذِي وُضِعَ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلًا بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ” (عب 2: 9).

فالمسيح بتجسده أصبح أقل من الآب، بل أقل من الملائكة، وبإعتباره «مُرسَلاً» والآب هو الذي أرسله، وبإعتباره قد صار إنسانًا وأصبح أقل من الملائكة قال «لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي».

وهذا لا يمكن أن يمس لاهوته إطلاقًا، ولا يمس مساواته بالآب لأنه في ذات الإصحاح يقول “اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يو9:14). ويؤكد وحدانية الثالوث بكلماته “إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا” (يو23:14). وفي سفر رؤيا يوحنا نرى أن “وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَمَا عَلَى الْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً: «لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ»” (رؤ 5: 13)، ومن هذه الكلمات نتأكد مساواة الآب بالابن في الكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين.

وهكذا إذ نعود إلى إنجيل يوحنا نسمع كلمات المسيح “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ” (يو30:10) ونراه يقدم نفسه عن الآب، دون أن يكون في هذا إختلاسًا أو غضاضة، فهما واحد في الجوهر، واحد منذ الأزل وإلى الأبد.

8) الإله الحقيقي ويسوع المسيح

نجد في إنجيل يوحنا الكلمات “وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ” (يو 17: 3).

ويقول شهود يهوة إن هذه الآية تدل على أن الله هو الإله الحقيقي وحده وأن يسوع المسيح مُرسل منه ولذا فليس هو «الله الابن».

وإذ نعود إلى الإصحاح التي وردت فيه هذه الآية نجد أن المسيح يخاطب الله بقوله «أَيُّهَا الآبُ» ويؤكد في نفس الإصحاح أنه كان موجودًا مع الآب قبل كون العالم “وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ” (يو5:17)، ويؤكد أيضًا وحدانيته مع الآب “لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ” (يو11:17)، “لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ” (يو21:17)، بل ويؤكد أن الآب أحبه قبل إنشاء العالم “لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ” (يو24:17).

كل هذه الآيات تؤكد لنا أزلية المسيح ووحدانيته مع الآب، وفي الآية التي نحن بصددها يعلن لنا المسيح بكلماته أن الحياة الأبدية تتوقف على «معرفة الإله الحقيقي الذي أظهر محبته بإرسال إبنه يسوع المسيح لعمل الفداء العظيم»، وكون الحياة الأبدية شرطها معرفة الإله الحقيقي ويسوع المسيح فهذا برهان على لاهوت المسيح، لأن معرفة المسيح مساوية لمعرفة الإله الحقيقي، فالمسيح هنا موضوع المعرفة بنفس الدرجة التي فيها الآب موضوع هذه المعرفة مما يؤكد لاهوت المسيح بكيفية قاطعة.

وبغير شك أن أحدًا لا يمكنه أن يعرف الآب «الإله الحقيقي» إلا عن طريق معرفته لإبنه يسوع المسيح “اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو 1: 18).

وتُترجم هذه الآية في اللغة الإنجليزية في الترجمة المعروفة باسم:

«The Amplified New Testament»، هكذا:

«No man has ever seen God at any time, the only unique Son, Who is in the bosom of the father He has revealed Him, brought Him out where He can be seen».

وتعني كلمة «خبّر» في هذه الترجمة «أظهر، أعلن، أحضره إلى حيث يمكن أن يُرى» فالمسيح هو «الطريق» لمعرفة «الإله الحقيقي» كما قال لليهود بفمه المبارك “لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا” (يو19:8). وكما قال لتوما “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي. لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ .. اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يو6:14-9).

فنوال الحياة الأبدية يتوقف على معرفة الله الحقيقي الذي أعلن ذاته في إبنه يسوع المسيح كما قال يوحنا الرسول “وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ. مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ” (1يو11:5، 12).

وهذه المعرفة لا يمكن الوصول إليها بدون المسيح.

فالآية إذًا لا تتعارض مع مساواة الابن بالآب. وبالتالي لا تمس لاهوت المسيح.

9) رأس المسيح هو الله

كتب بولس في رسالته إلى كورنثوس قائلاً “وَلكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ، وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ” (1 كو 11: 3).

ويقول شهود يهوة وهم يستخدمون هذه الآية: لو كان الله والمسيح واحدًا فكيف يكون رأس المسيح هو الله؟

وهنا أنبه إلى ضرورة إستخدام قوانين التفسير الصحيح، فنعود إلى القرينة، ونقارن الروحيات بالروحيات.

وبولس الرسول يقول هنا «أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ» وهو يعني يقينًا أن الرجل الذي قبل المسيح مُخلصًا أصبح المسيح رأسه – أما الرجل المُلحد، الشرير، الفاسد، النجس، فالمسيح ليس رأسًا له.

ويتابع بولس كلماته قائلاً «وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ» وليس معنى هذا أن كل رجل هو رأس لكل مرأة، ولكن الرجل هو رأس امرأته .. رأس زوجته .. بمعنى أن علاقة الزواج هي التي جعلت الرجل رأسًا لزوجته، وهذا واضح من كلمات بولس القائلة “أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ، لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ” (أف22:5، 23).

وهذا يعني أن المرأة التي قبلت رجلاً ما زوجًا لها، ورضيت به في ذات الوقت رأسًا لها، وقبلت الخضوع له.

ويستطرد الرسول بولس قائلاً «وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ»، وهذا معناه أن المسيح بقبوله الاختياري أن يكون نائبًا عن الإنسان، وأن يخضع لإرادة الله الهادفة إلى موته على الصليب بديلاً عن الإنسان، أصبح الله هو رأسه كإنسان.

كما ترينا الكلمات “فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَقْدِرُ الابْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ” (يو 5: 19). وكما نرى في خضوع المسيح لإرادة الآب في كلماته “يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ” (لو 22: 42).

ولكن كون الله «هو» رأس المسيح المتجسد، لا يعني أن المسيح ليس واحدًا معه، فالعلاقة التي تجعل الرجل رأسًا للمرأة هي علاقة الزواج، ويقول الرب عن علاقة الزوجين “وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ” (مت5:19، 6).

فمع أن الرجل هو رأس المرأة، لكنهما واحد وليسا بعد اثنين بشهادة الرب نفسه «إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ». ومع أن الله هو رأس المسيح، لكنهما واحد كذلك بنفس القياس، قياس قبول المسيح الخضوع لإرادة الآب بالتجسد والطاعة حتى الموت موت الصليب، والقياس هنا مع الفارق العظيم بين الجسديات والإلهيات.

إذًا الآية موضوع التفسير صارت واضحة، لأنها ترينا أن العلاقة التي بين الرجل والمرأة في الزواج تجعل الرجل رأسًا للمرأة لكنها لا تنفي وحدتهما، العلاقة بين المسيح المتجسد والله الآب، تجعل الآب رأسًا للمسيح ولا تنفي الوحدانية الأزلية بينهما.

إن الوحدة في الزواج لا تنفي رئاسة الزوج لزوجته، ورآسة الزوج لزوجته لا تنفي وحدتهما لأن علاقتهما مزدوجة التركيب، فيها وحدة وفيها رئاسة، وهكذا عندما تجسد المسيح صارت بينه وبين الآب علاقة مزدوجة فبإعتباره «الابن الأزلي» هو واحد مع الآب وبإعتباره «إبن الإنسان» صار الله رأسه، وليس في هذه العلاقة ما يلقي شبهة على لاهوت المسيح.

10) الابن نفسه أيضًا سيخضع

كتب بولس الرسول هذه الكلمات “وَبَعْدَ ذلِكَ النِّهَايَةُ، مَتَى سَلَّمَ الْمُلْكَ للهِ الآبِ، مَتَى أَبْطَلَ كُلَّ رِيَاسَةٍ وَكُلَّ سُلْطَانٍ وَكُلَّ قُوَّةٍ. لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ الأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ. لأَنَّهُ أَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. وَلكِنْ حِينَمَا يَقُولُ : «إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُخْضِعَ» فَوَاضِحٌ أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ” (1كو24:15-28).

والعصريون من أضداد المسيح يقولون: أنظروا «الابن نفسه أيضًا سيخضع للذي أُخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل».
وهذا يرينا عدم مساواة الابن بالآب، وبالتالي يرينا أن المسيح ليس هو «الله الابن».

ولكي نفهم هذه الآيات يجب أن نطبق قانون التفسير الصحيح «قارنين الروحيات بالروحيات». فمن أين جاءت هذه الآيات؟

إننا نجدها في المزمور الثامن، ولا بد أن نعود إليه لنفهم معناها، فالكتاب المقدس يفسر بالكتاب المقدس، فمن يجهل الكتاب ككل يجهل تفسير آياته، ومن يعرفه في وحدته يستطيع فهم صعوباته.

فتعال معي لنقرأ كلمات المزمور الثامن “إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، الْقَمَرَ وَالنُّجُومَ الَّتِي كَوَّنْتَهَا، فَمَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ؟ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟ وَتَنْقُصَهُ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، وَبِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ. تُسَلِّطُهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ” (مز3:8-6).

هنا نجد داود يتأمل عظمة السموات، ويتسائل أمام روعة تكوينها «من هو الإنسان حتى تذكره وابن أدم حتى تفتقده، وتنقصه قليلاً عن الملائكة وبمجد وبهاء تكلله. جعلت كل شيء تحت قدميه».

لكن هل حقًا نجد كل شيء تحت قدمي الإنسان؟

لقد كان هذا هو غرض الله حين خلق الإنسان كما نقرأ “فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ” (تك27:1، 28).

لكن الإنسان فشل في إتمام غرض الله .. ولم يستطع أن يُخضع كل ما في الأرض، لقد سلبته الخطية الكثير من سلطاته، ولذا نجده يهرب من الأسد، والحية، والثعبان .. ويصرخ من الفزع حين يرى عقربًا .. بل إن المرأة تصرخ حين ترى فأرًا.

لقد فشل الإنسان بسقوطه في إخضاع كل ما على الأرض.

وجاء الرب يسوع .. وأخذ صورة الإنسان .. ليس فقط ليفدي الإنسان، بل لكي يتمم قصد الله في الإنسان، وهو إخضاع كل شيء تحت قدمي الإنسان.

ولنعد الآن إلى الإصحاح الذي أخذنا منه الآيات موضوع تفسيرنا، فهناك نقرأ “فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ” (1كو21:15).

وهذه الكلمات تتحدث عن «إنسانية» المسيح .. إذ الموت بإنسان هو آدم الأول .. بإنسان أيضًا – وهو آدم الأخير – قيامة الأموات، ثم قرب ختام الإصحاح نقرأ “الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ” (1كو47:15).

فالإصحاح كله يتحدث عن «ناسوت» الرب يسوع، وفي ذات الوقت يؤكد «لاهوته» فهو «الإنسان الثاني» وهو «الرب من السماء».
الإنسان البشري فقد سيادته بسقوطه، ولكننا نرى داود في المزمور الثامن يؤكد سيادة الإنسان، وهو بهذا التأكيد يشير إلى «ابن الله» الذي سيأخذ صورة الإنسان، ليتمم غرض الله الذي أراده من البداية للإنسان كما نرى ذلك واضحًا في الرسالة إلى العبرانيين (عب5:2-9).

فالحديث في آيات موضوعنا هو عن «الرب يسوع المسيح، بإعتباره ممثلاً للإنسان وبهذا الإعتبار سيخضع الله الآب كل شيء تحت قدميه.

وتقول الكلمات .. ومتى أخضع له الكل .. من الذي سيُخضع له الكل؟ .. الله الآب سيُخضع للمسيح الإنسان كل شيء .. حتى الموت نفسه لأن «أخر عدو يبطُل هو الموت» ومتى أخضع الله الآب كل شيء للمسيح بإعتباره رأسًا وممثلاً للإنسانية، يأتي المسيح بهذا الإعتبار فيسلم المُلك لله الآب، ويخضع له معترفًا بأن القوة التي فيه لم تكن قوة إنسانية بل كانت قوة الله القادر على كل شيء، وكأنه يقول «الآن قد انتهت مهمتي تمامًا كإنسان».

فأنا أخذت صورة الإنسان لأفدي الإنسان، وفوق الجلجثة فديت الإنسان.

وأنا أخذت صورة الإنسان لكي تُخضع لي كل شيء على الأرض حتى الوحوش والشيطان، وفي المُلك الألفي أخضعت كل شيء تحت قدميَّ.

وأنا أخذت صورة الإنسان لأبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس، وأنهي سيادة الموت على الإنسان، وقد أنهيت سيادة الموت.

والآن لا ضرورة لبقاء السلطان المُعطى لي كإنسان .. لذا فأنا أُسلم لك الملك الذي أخضعته تحت قدميّ حتى يرى المفديون الثالوث العظيم الآب والابن والروح القدس، الله الأزلي في مُلكه الأبدي، ودون توسط المسيح الإنسان.

وهذا التفسير يصبح أكثر وضوحًا حين نعود إلى الرسالة إلى العبرانيين ونقرأ هناك الكلمات “فَإِنَّهُ لِمَلاَئِكَةٍ لَمْ يُخْضِعِ الْعَالَمَ الْعَتِيدَ الَّذِي نَتَكَلَّمُ عَنْهُ.لكِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعٍ قَائِلًا: «مَا هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ؟ أَوِ ابْنُ الإِنْسَانِ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟ وَضَعْتَهُ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ. بِمَجْدٍ وَكَرَامَةٍ كَلَّلْتَهُ، وَأَقَمْتَهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ.أَخْضَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ». لأَنَّهُ إِذْ أَخْضَعَ الْكُلَّ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ” (عب5:2-8).

لكن كاتب الرسالة إلى العبرانيين يستمر قائلاً “عَلَى أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَه” (عب8:2).

أجل، فهناك أشياء كثيرة لم تخضع بعد للمسيح الإنسان.

فالوحوش ما زالت في طبيعتها المفترسة، والموت ما زال يختطف البشر، والخطية ما زالت سائدة في عالم اليوم. فأين خضوع كل شيء إذًا؟ «لسنا نرى الكل بعد مخضعًا له».

ويستمر كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً “وَلكِنَّ الَّذِي وُضِعَ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلًا بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ” (عب9:2).

فالرب يسوع بإعتباره نائبًا عن الإنسانية، سيُخضع الله تحت قدميه كل ما في الأرض، ليتمم غرض الله في الإنسان “فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعًا، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا. وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعًا، وَالأَسَدُ كَالْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْنًا. وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ. لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ” (إش6:11-9).

وبعد أن يُخضع «الله الآب» «للمسيح الإنسان» كل شيء، يسلم المسيح الإنسان لله الآب كل انتصاراته، معترفًا بأن القوة العاملة فيه هي قوة الله الآب وكأنه يقول “الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ” (يو 14: 10). وهكذا يسود الآب والابن والروح القدس الثالوث العظيم سيادة مطلقة في الأبدية السعيدة دون حاجة لتوسط الإنسان.

فالآيات لا تلقي شبهة على لاهوت المسيح، بل ترينا كمال عمله بإعتباره «ابن الإنسان» الذي هو في ذات الوقت «ابن الله».

11) إله ربنا يسوع المسيح

نقرأ في الرسالة إلى أهل أفسس الكلمات “كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ” (أف 1: 17).

ويبدو من ظاهر الكلمات أن الله هو «إله المسيح» وهنا يقول شهود يهوة إنه لا يمكن أن يكون المسيح هو الله الابن.

والقاريء الفطن يرى أن رسالة أفسس تتحدث عن «تدبير ملء الأزمنة» وفي هذا التدبير يجمع الله كل شيء في المسيح ما في السموات وما على الأرض (أف10:1).

والمسيح في هذا التدبير يمثل «الإنسان»، الذي أخضع الله تحت قدميه كل شيء (أف22:1)، وبإعتباره «المسيح الإنسان» فالله إلهه كما قال على الصليب «إلهي إلهي لماذا تركتني؟» وكما قال لمريم المجدلية “اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ” (يو 20: 17). وكلمات المسيح هنا تعلن بوضوح أن هناك فرقًا بين أبوة الله له، وأبوته للمؤمنين، ولذا قال «أَبِي» و«وَأَبِيكُمْ» ولم يقل إني أصعد إلى «أبينا» فالمسيح هو إبن الآب منذ الأزل بالحق والمحبة، أما المؤمنون فهم أبناء الله بالتبني.

أما قوله «َإِلهِي وَإِلهِكُمْ» فنستطيع فهمه لو أدركنا أن المسيح يربط نفسه بتلاميذه بقوله لمريم المجدلية «اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي».

ما دام قد ربط نفسه بهم وأصبح نائبًا عنهم، فالله في هذا الإعتبار هو «إلهه»، كما هو «إلههم» غير أنه «إلهه» بإعتباره الإنسان الكامل الذي سدد كل مطاليب عدالة الله، وأشبع رحمته، و«إلههم» بإعتبارهم «مكملين فيه» فهو بالنسبة إليهم «إله كل نعمة».

وعلى هذا فإن كلمات بولس «إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» لا تلقي شبهة على لاهوت المسيح. بل تؤكده معلنة أن المسيح هو «ربنا» وهكذا تؤكد رسالة افسس في كل اجزائها هذا الحق فتُعلن أن المسيح هو «الرب» (أف2:1)، وأنه «إبن الله» (أف3:1)، (أف13:4)، وأنه الذي يحل بالإيمان في القلب (أف17:3)، ولكنها تقدمه هنا كمن سيجمع الله في شخصه كل شيء، ولا شك أن دارس الكتاب المقدس يجب أن يميز بين عمل «الآب» وعمل «الابن» و «عمل الروح القدس» في كل تدبير، وخاصة في تدبير النعمة، وبهذا يستطيع أن يفهم كلمات بولس القائلة “لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ” (1 كو 8: 6).

بل ويقدر أن يفهم كذلك معنى كلماته “فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ الرُّوحَ وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ الرَّبَّ وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ أَعْمَال مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ، الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ” (1كو4:12-6). وهي كلمات تعلن في وضوح عن عمل الثالوث العظيم.

12) لم يحسب خلسة

نقرأ في الرسالة إلى أهل فيلبي الكلمات “المسيح .. الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ” (في 2: 6).

ويقول جماعة شهود يهوة إن المسيح «لم يحسب نفسه معادلاً لله»، ولذا فهو ليس إبن الله.

وقرينة الآية تكذب مزاعمهم، وتؤكد لاهوت المسيح. فالمسيح منذ الآزل كان «في صورة الله»، ولذا فلم يحسب أنه إختلس مجد الله حين قال إنه إبن الله معادلاً نفسه بالله [اقرأ يو18:5]. أي أن إعلان المسيح عن نفسه بأنه معادل لله ليس إختلاسًا ولا إعتداء على مجد الله، وتؤكد الكلمات اللاحقة بأن المسيح “أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ. لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ” (في5:2-11). فالآيات تعلن أن المسيح الذي تجسد في الزمان هو نفسه إبن الله منذ الأزل.

13) مسحك الله إلهك

نقرأ في الرسالة إلى العبرانيين الكلمات “أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِزَيْتِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ” (عب 1: 9).

والمضادون للإيمان بأن المسيح هو الله الإبن يقولون انظر:

إن الله هو إله المسيح الذي مسحه بزيت الإبتهاج.

وإذ نعود إلى القرينة نرى أن النص يؤكد بيقين لاهوت المسيح وبنوته الأزلية للآب، إذ هناك نقرأ: “وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِزَيْتِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ». وَ «أَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ، وَالسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ” (عب8:1-10).

وكلمات الرسالة إلى العبرانيين مأخوذة من المزمور الخامس والأربعين، وهو مزمور «المسيح الملك» الذي يخاطبه كاتب المزمور بالكلمات “أَنْتَ أَبْرَعُ جَمَالًا مِنْ بَنِي الْبَشَرِ. انْسَكَبَتِ النِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيْكَ، لِذلِكَ بَارَكَكَ اللهُ إِلَى الأَبَدِ” ويستطرد مُخاطبًا إياه بالكلمات “كُرْسِيُّكَ يَا اَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ” (مز2:45، 6، 7).

فالحديث إذن عن المسيح «إبن الله» و «الملك الممسوح من الله» فبإعتباره إبن الله يُخاطبه الآب بالقول «كُرْسِيُّكَ يَا اَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ»، و«أَنْتَ يَا رَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الأَرْضَ»، وبإعتباره «الملك الممسوح من الله» في الزمان يخاطبه بالقول: «أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِزَيْتِ الابْتِهَاجِ».

وهنا يجب أن لا يغيب عن بالنا إن المسيح قد مُسح بالروح القدس بعدما إعتمد من يوحنا المعمدان في نهر الأردن (لوقا21:3، 22).

وإنه هناك أعلم الآب من السماء بنوته له بالكلمات “أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (مر11:1)، [اقرأ أع37:10، 38]. فالمسحة أمرًا يتصل بعمل المسيح في الزمان، سواء كان هذا العمل يتصل بالفداء، أو بالملك وإخضاع كل شيء، وعلى هذا يكون المسيح قد مُسح كإنسان ليتمم المشورات الأزلية وبهذا الإعتبار فالله إلهه، مع إنه في ذات الوقت إبنه الأزلي كما نقرأ في بداية الإصحاح: “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ” (عب1:1، 2). فالمسيح هو إبن الله الذي سيرث الأرض ومن عليها، وهو وحده الذي يعلن لنا من هو الآب والذي يعلنه لنا الآب [اقرأ (لو22:10)، (مت27:11)].

14) بكر كل خليقة

في رسالة بولس الرسول إلى كولوسي نقرأ عن المسيح الكلمات “الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ” (كو 1: 15).

ويقول المعترضون: إن الآية تقول إن المسيح هو بكر كل خليقة، والبكر هو الأول، فالمسيح إذن هو أول مخلوقات الله، وعلى هذا لا يكون هو الله الإبن وهذا الفهم الخاطيء يتعارض مع سياق الحديث في هذا الإصحاح، فالقرينة تؤكد أن المسيح هو الخالق “فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ” (كو16:1)، فكيف يكون المسيح هو الخالق وهو أول المخلوقات في ذات الوقت؟! وما الذي تعنيه عبارة «بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ»؟

إن كلمة البكر في الكتاب المقدس لا تعني دائمًا «الأول» فقد قال الله عن الشعب القديم “ابْنِي الْبِكْرُ” (خر22:4)، ويقينًا إن هذا لا يعني أن هذا الشعب هو أول الشعوب، بل يعني أنه «الشعب المحبوب»، فالشعب القديم كان محبوبًا من الله في ذلك الوقت وقال له الله في سفر ملاخي “أَحْبَبْتُكُمْ، قَالَ الرَّبُّ” (مل2:1).

– فالبكر إذًا يعني «المحبوب» والمسيح هو «المحبوب» من الآب كما قال بفمه المبارك “لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ” (يو 17: 24).

– والبكر يعني القوة والقدرة كما قال يعقوب لإبنه رأوبين “رَأُوبَيْنُ، أَنْتَ بِكْرِي، قُوَّتِي وَأَوَّلُ قُدْرَتِي” (تك 49: 3). والمسيح هو قوة الله كما قال بولس الرسول “فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ” (1 كو 1: 24).

– والبكر هو الشخص الذي له نصيب إثنين في الميراث كما نقرأ “إِذَا كَانَ لِرَجُل امْرَأَتَانِ، إِحْدَاهُمَا مَحْبُوبَةٌ وَالأُخْرَى مَكْرُوهَةٌ، فَوَلَدَتَا لَهُ بَنِينَ، الْمَحْبُوبَةُ وَالْمَكْرُوهَةُ. فَإِنْ كَانَ الابْنُ الْبِكْرُ لِلْمَكْرُوهَةِ فَيَوْمَ يَقْسِمُ لِبَنِيهِ مَا كَانَ لَهُ، لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ ابْنَ الْمَحْبُوبَةِ بِكْرًا عَلَى ابْنِ الْمَكْرُوهَةِ الْبِكْرِ، بَلْ يَعْرِفُ ابْنَ الْمَكْرُوهَةِ بِكْرًا لِيُعْطِيَهُ نَصِيبَ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يُوجَدُ عِنْدَهُ، لأَنَّهُ هُوَ أَوَّلُ قُدْرَتِهِ. لَهُ حَقُّ الْبَكُورِيَّةِ” (تث15:21-17). والمسيح هو الذي له حق ووراثة كل شيء كما نقرأ “كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ” (عب 1: 2).

– والبكر هو أعلى شخص كما قيل “أَنَا أَيْضًا أَجْعَلُهُ بِكْرًا، أَعْلَى مِنْ مُلُوكِ الأَرْضِ” (مز 89: 27)، والمسيح هو أعلى شخص في الوجود “لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ” (في 2: 9).

ولقد قيل عن المسيح إنه بكر بين إخوة كثيرين “لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ” (رو 8: 29).

وقيل عنه إنه بكر من الأموات “الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ” (كو18:1)، “وَمِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ” (رؤ 1: 5).

فعبارة «بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ» تُرينا أن المسيح هو المحبوب من الآب، وأنه قوة الله، وأنه الوارث الأرض ومن عليها، وأنه أعلى من ملوك الأرض، وأنه البكر من الأموات، أي أول من قام من الأموات ولن يمُت أيضًا، وأنه المقدم في كل شيء، وقرينة الآية تؤكد أنه «صورة الله غير المنظور» وأنه الخالق الذي «الكل به وله قد خُلق» وفي هذا ما يعلن عن لاهوته بثقة ويقين.

15) بداءة خليقة الله

هذه هي الآية الأخيرة من الآيات التي تبدو مناقضة للإيمان بأن المسيح هو الله، وفيها نقرأ كلمات المسيح “وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ: هذَا يَقُولُهُ الآمِينُ، الشَّاهِدُ الأَمِينُ الصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ” (رؤ14:3).

وأعترف إنها أصعب الآيات في كل العهد الجديد، ولكني تذللت أمام الرب وصليت إليه قائلاً “اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ” (مز18:119)، وتنازل الرب بروحه فأرشدني وكشف عن عيني لتفسير هذه الآية كما أرشدني لتفسير ما سبقها من آيات.

والآن ماذا تعني العبارة «بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ؟»، هل تعني أن المسيح هو أول مخلوق خلقه الله؟

يقينًا: لا . فالمسيح هو الخالق الأزلي الأبدي.

إذن ما الذي تعنيه هذه الكلمات؟

هنا لا بد لنا من العودة إلى سفر التكوين وهناك نقرأ الكلمات “وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا” (تك26:1).

ولنا أن نسأل: هل الله صورة وشبه حتى يعمل الإنسان على مثالهما؟ وكيف يمكن أن يكون الإنسان جسدًا ويكون في ذات الوقت على صورة الله؟والله روح كما قال المسيح للسامرية “اَللهُ رُوحٌ” (يو 4: 24).

فهل للروح وجه وعينان ويدان؟

كيف عمل الله الإنسان على صورته وشبهه وهو روح لا صورة له ولاشبيه؟

هنا نستمع إلى صوت بولس الرسول يقول “فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ وَمَجْدَهُ” (1 كو 11: 7). الرجل صورة الله ومجده. كيف يمكن أن يكون هذا؟ والله لا صورة له ولا شبيه؟

وكيف نوفق بين هذه الآيات؟

لقد كشف الله عن عينيّ فرأيت هذا الحق الواضح الجميل.

إن الله ليس له صورة مادية، فهو روح .. ولكنه عمل الإنسان على الصورة التي كان إبنه مُزمعًا أن يتجسد فيها في ملء الزمان وعلى هذا يكون المسيح في صورته الإنسانية هو بداءة خليقة الله.

بمعنى أنه كان في فكر الله قبل أن يخلق الإنسان، بل قبل تأسيس العالم، أن يتجسد المسيح في الصورة التي عمل الله على شبهها الإنسان. وهكذا خلق الله الإنسان على الصورة التي كان سيتجسد المسيح بها، فأصبح المسيح الإنسان بهذا الإعتبار هو «بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ»، و يوضح بطرس الرسول هذا الحق في كلماته “عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ” (1بط18:1-20). فالصورة الإنسانية التي كانت في فكر الثالوث العظيم عن المسيح حين يتجسد، هي الصورة التي خلق عليها الإنسان البشري، وعلى هذا يكون شكل جسد المسيح هو «بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ»، ويساعدنا هذا التفسير أن نفهم معنى الكلمات “وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا” (تك26:1)، ففيها نرى «وحدانية الثالوث منذ الأزل» وتجسد «إبن الله» في «ملء الزمان» .

فالذي قال «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» هو الله، والذي خلق الإنسان هو المسيح، خلقه على الصورة التي كان سيتجسد بها في ملء الزمان من مريم العذراء، فالمسيح إذاً هو الله والإنسان في آنٍ معًا، هو الخالق لكل ما في السماء وما على الأرض، بل لكل ما يحويه العالم الواسع العريض.

أخطر سؤال

والآن بعد أن ظهر لك شخص المسيح الكريم بمجده وبهائه، وبعد أن رأيته في كمال لاهوته.

فما الذي ستفعله؟ إنه لا مفر لك من إعلان موقف واضح بإزائه.

قديمًا سأل بيلاطس الوالي الروماني هذا السؤال “فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟” (مت 27: 22).

ولا بد أن تسأل نفسك هذا السؤال، فقضية المسيح هي قضية كل إنسان، وعلى أساس جوابك وموقفك بإزاء المسيح المصلوب يتحدد مصيرك الأبدي.

“لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ” (يو17:3، 18).

“لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ” (رو 10: 9).

فليتك تقبل المسيح اليوم مخلصًا شخصيًا لنفسك.
وتعترف به أمام الآخرين ربًا وفاديًا لحياتك.
فتنجو من الغضب الآتي.
ففي هذا الإيمان الوطيد.
مفتاح الرجاء السعيد.

 

محتويات الكتاب

كلمة الناشر عن الكاتب والكتاب
مقدمة الطبعة الأولى
مقدمة الطبعة الثانية
مقدمة الطبعة الرابعة

الفصل الأول

حتمية الإيمان بأن المسيح هو الله
1) الإيمان بالله كما أعلن ذاته في الكتاب المقدس
2) الإيمان بحتمية فداء الله للإنسان
3) حتمية إعلان الله عن ذاته

الفصل الثاني

أسس الإيمان بأن المسيح هو الله
ميلاده المعجزي – إعلانات الفلك عن مجيئه
حياته المنزهه عن الخطأ – علمه بكل شيء
حضوره في كل مكان
قدرته الشخصية لعمل المعجزات
سلطانه المطلق لمغفرة الخطايا
طلبه الولاء المطلق – قبوله السجود والعبادة
تصريحاته الصادقة عن نفسه – قيامته الفريدة
عمله المعجزي وتأثير أسمه في الأرواح والأجساد
إنه ديان البشر أجمعين
إنه مفتاح الكتاب المقدس كله

الفصل الثالث

تفسير الآيات التي تبدو مناقضة للإيمان بأن المسيح هو الله

Exit mobile version