Site icon Dr. Labib Mikhail

الإنسان المولود ثانية

The Man who is Born Again

طريق الخلاص مشروحًا بالقصص الإختبارية

بقلم

الدكتور القس لبيب ميخائيل

دكتوراه في الدراسات اللاهوتية من امريكا

Second Edition

January 1985

الطبعة الثانية

 1985

 

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف

.

 مقدمة الطبعة الأولى

ما هو إختبار الميلاد الثاني؟ كيف يمكن للفرد أن يناله؟ ما ضرورة نوال هذا الإختبار؟ هل يصح للفرد أن يدّعي أنه مسيحي وهو لم ينل بعد هذا الإختبار؟ هل يمكن أن ينال المرء هذا الإختبار بعمل تعمله له الكنيسة، أو أن يرثه عن أبيه أو أمه؟ كل هذه أسئلة تجول بذهن الفرد عندما يستيقظ ليواجه حقائق الأبد.

ولقد كتبت هذه الرسالة ورغبة قلبي أن أساعد الكثيرين على نوال الحياة المسيحية الحقة، حياة السلام والسعادة، والراحة الأبدية.

قال مُبشر جليل اسمه مودي «لم أسمع عن الميلاد الثاني إلا في سن العشرين، وكل ما كان يطلبه مني راعي كنيستنا هو أن أكون شابًا صالحًا، ولكن من أين لي وأنا الخاطيء بطبيعتي أن أكون صالحًا إلا بمعجزة سماوية» وهذا كلام حق، فاختبار الميلاد الثاني هو وحده الذي يجعل المرء مسيحيًا ويؤهله للميراث الأبدي. وما أصدق ما قاله أحدهم «إن من يولد مرة واحدة يموت مرتين ومن يولد مرتين يموت مرة واحدة فقط، وإذا جاء الرب في حياته فلن يذوق الموت أبدًا» فلا تعطي لنفسك راحة يا قارئي الكريم حتى تتمتع بهذا الإختبار السماوي المجيد.

شبرا مصر في يوليو 1951

القس لبيب ميخائيل

مقدمة الطبعة الثانية

هذا كتاب عن الإختبار الفريد الذي تتميز به المسيحية .. الإختبار الذي بدونه لا يقدر أحد أن يرى أو يدخل ملكوت الله. فبدون إختبار الميلاد الثاني لا يستطيع الإنسان أن يرى جمال ملكوت الله الذي يقول عنه بولس لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ (رو 14: 17). ولا يستطيع أن يدخل ملكوت الله بعد إنتقاله من هذه الحياة.

لقد صدق من قال «من يولد مرة واحدة يموت مرتين .. يموت موتًا جسديًا بانفصال روحه وجسده عن الله ..أما من يولد ثانية فإنه يموت موتًا جسديًا فقط، وقد لا يذوق الموت إذا جاء الرب يسوع في حياته.

إقرأ هذا الكتاب بإهتمام، فأنا أقدمه إليك وصلاة قلبي أن يستخدمه الرب لخلاص نفسك، لتولد ثانية وتنال الحياة الأبدية .. وإلهنا كل الحمد وكل المجد.

الدكتور القس لبيب ميخائيل

 

الفصل الأول

حقيقة إختبار الميلاد الثاني

سألتني آنسة كريمة من خريجات  كلية الأداب هذا السؤال «إنني أتعجب وأقف في حيرة بإزاء أعمال الله، فأنا عندما أكتب كتابًا ثم أجد أن به عيوبًا تجعله بلا قيمة، أحرقه، وأبدأ في كتابة نسخة أخرى خالية من العيوب والأخطاء. فلماذا لم يفعل الله ذلك يوم رأى آدم الأول – وهو النسخة الأولى التي خلقها من بني الإنسان – وقد شوهته الخطية، وسودته الآثام!؟

نعم … لماذا لم يحرق ذلك الإنسان الأول، ويخلق إنسانًا جديدًا خاليًا من جذور الشر وأصل الخطية؟».

كانت الآنسة المثقفة تتكلم في قوة، وكان يبدو أن هذا الفكر يقلقها ويقض مضجعها ويحرمها من التمتع بمحبة الله.

نظرت إليها في هدوء وقلت «إن الله لم يحرق النسخة الأولى من خليقته أيتها الآنسة، لأنه عرف أنه يقدر على أن يجعل من هذه النسخة التي شوهها الشيطان بالسقوط طبعة جديدة نظيفة كأنها لم تتشوه ولم تنحدر إلى أعماق الفساد، ومع أن إعادة هذا المخلوق الساقط إلى مخلوق جديد قد كلف الله ثمنًا كبيرًا، إلا أن هذا الطريق قد أعلن لذلك المخلوق أن الله يحبه من قلبه، فأدرك المخلوق البائس المسكين أن الله محبة، فإنجذب نحوه، وتعبد له في حرية وحب شديد».

سكتت الآنسة لحظة ثم قالت «وكيف يعيد الله طباعة المخلوق المشوه بحياة جديدة؟!»

قلت «إن الطريق إلى ذلك يا آنسة هو إختبار الميلاد الثاني، هذا الإختبار الفريد، الذي تتميز به المسيحية عن سائر الديانات».

إن كل ديانات الأرض، تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر، فاليهودية تقول «افعل الصلاح فتحيا» وكأنها تطلب الحركة من ميت فاقد الحياة، والبوذية تقول «إن الصلاح والخير هما الطريق إلى بوذا الإله الأكبر» وكأنها تقول للإنسان الساقط إنه يستحيل عليه الوصول إلى الإله الأكبر، لأنه أين نجد الإنسان الصالح الذي عاش على أرضنا «وليس من يعمل صلاحًا ولا واحد» (رومية 12:3).

والإسلامية تقول «الحسنات تُذهب السيئات»، فالخلاص في عُرف الإسلام (بالأعمال) وكيف يقدر الإنسان وهو شرير بطبيعته أن يقدم لله أعمالاً تسر قلبه، إنه يصرخ في عمق إحساسه بحقيقة حاله وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا (إش 64: 6).

لكن المسيحية تقف فريدة بين هذه الديانات فتقول «إنني آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر كما يعلم غيري وأكثر مما يعلم غيري، لكنني أحل للبشر عقدة العقد، فأريهم الطريق إلى الميلاد الثاني، ذلك الإختبار الذي يغير طبيعتهم ويجدد حياتهم، ويهبهم طبيعة نقية تكره الشر وتفعل البر إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ (يو 3: 3).

نقرأ في الكتاب المقدس قصة ذلك الرجل الفريسي المتدين المدقق (نيقوديموس) ونستطيع أن نتصوره وهو يجلس في يوم ما ليتباحث مع بعض زملائه في أمر المسيح، ثم ينتهي بحثهم بأن يقرروا إنابته للذهاب إلى يسوع لمعرفة حقيقة رسالته، ومغزى دعوته … وها هو المُعلم الفريسي العجوز يأتي للمسيح تحت جُنح الظلام حتى لا يراه الناس …ويبدأ نيقوديموس حديثه مع يسوع بهذه الكلمات اللطيفة «يا معلم، نعلم – أنا وزملائي – أنك قد أتيت من الله معلمًا لأن ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل إن لم يكن الله معه» (يو2:3).

ويتوقع الإنسان أن يسوع يرد على صاحب هذه التحية قائلاً «شكرًا لك ولزملائك لهذا الشرف الرفيع الذي أغدقتموه عليَّ» لكن المسيح يدخل إلى صميم رسالته في الحال فيرد على الفريسي الجليل بالقول الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ (يو 3: 3).

وأمام هذه الكلمات العجيبة يقف نيقوديموس حائرًا (إنه أحد شيوخ اليهود، وهو رجل مواظب على حضور المجمع، لكنه يذهب إلى المجمع ويخرج منه دون أن يحس بتأثير كبير … ولقد سئم التقاليد والطقوس والعبادة الميكانيكية، وها هو ذا قد أتى للمعلم الجديد الذي ظهر في اليهودية ليفحص عن حقيقة تعليمه، عله يجد فيه شبع نفسه، وري قلبه … لكن المعلم الجديد يقول له “إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ“.

يولد من فوق؟! وكيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ؟ ألعله يقدر ان يدخل بطن أمه ثانية ويولد؟!

وإذا بالمعلم الذي أتى من الله معلمًا يعود مؤكدًا وقائلاً  الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ (يو5:3).

يولد من الماء والروح؟ وما معنى الولادة من الماء والروح؟ وهنا يستطرد نبي الناصرة قائلاً  اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ (يو6:3).

ويقف نيقوديموس مفكرًا، إنه رجل متدين، فريسي مدقق في ديانته، معلم من معلمي الناموس، عضو من أعضاء السنهدريم، رجل طيب في معاملاته الإجتماعية، مؤدب غاية الأدب، لطيف في حياته العائلية، لكنه يحس في أعماق نفسه أنه (مولود من الجسد) وأن هذا الإختبار الجديد الذي ينادي به ذلك المعلم الصالح هو حاجته العظمى لرؤية ملكوت الله والدخول إلى ذلك الملكوت العظيم … فيلتفت في حيرته إلى السيد ويقول كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هذَا؟

فهل وصلت يا صديقي القاريء إلى هذا الحد من التفكير، فتأكدت أن علمك، وأدبك وثقافتك العالية، ولطفك الظاهري، ومشاعرك الرقيقة، كل هذه لم تعطك هذا الإختبار المجيد، إختبار الميلاد الثاني …؟؟؟ إذًا فدعني أسوق إليك هذه الرسالة التي أصلي أن يباركها الرب لنفسك وسأحصر موضوعي في ثلاث كلمات موجزة.

إصلاح الحياة ليس هو الميلاد الثاني

هل إصلاح الحياة هو الميلاد الثاني؟ كلا … تسأل أحدهم هذا السؤال – هل أنت مولود من الله؟ فيقول «يا سلام الحمد لله، لقد تحسنت حياتي كثيرًا، كنت سكيرًا عربيدًا نجسًا، أما الآن فقد ذهبت هذه الخطايا الكبيرة ولم تبق إلا الخطايا الصغيرة مثل الشتم والحلف، والتدخين، والزينة الخارجية، والقليل من الهزل، وأنت ترى أن هذه الخطايا بسيطة، فأنا أحسن من الأول لأني قد أصلحت حياتي».

لكن الحقيقة الكبرى هي أن إصلاح الحياة القديمة، ليس هو الميلاد الثاني، لأن الله (لا يرقع) الحياة القديمة برقعة جديدة، بل يخلق الإنسان خلقًا جديدًا فقد وعد بفمه الكريم قائلاً وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ. وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ (حز25:36-27).

لقد قال المسيح لنيقوديموس اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ ويقول بولس الرسول فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ (رو 8: 8). لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ (رو 8: 7). ولذلك أكد الرسول أيضًا أن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله فقال وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا (1 كو 2: 14). فإصلاح الحياة الطبيعية ليس هو الميلاد الثاني، ليس هو التجديد، وليس هو ما قصده الرب يسوع حينما قال يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ“.

أتعرف كيف أصف لك إصلاح الأخلاق والحياة القديمة؟ إصلاح الحياة هو طلاء طلمبة بدهان الدوكو اللامع الجميل لكي تخرج ماء عذبًا ولكنها ستستمر تخرج ماء مالحًا لا يصلح للشرب لأن هذا الطلاء الخارجي لم يغير قلبها.

إصلاح الحياة يشبه قبرًا مصنوعًا من الرخام الثمين، ولكنه ملآن بعظام الأموات وكل نجاسة.

في إنجيل متى الإصحاح الثاني عشر يصف لنا المسيح إنسانًا أصلح حياته، وأخرج منها الخطايا الكبيرة، لكنه لم يولد الميلاد الثاني ولم يمتليء بالمسيح، وشبهه برجل خرج منه الروح النجس، ولكنه بعد قليل عاد إليه ومعه سبعة أرواح أُخر أشر منه، لأن القلب لم يتجدد، ولم يمتليء بالرب يسوع المسيح، ولم يتغير فَتَصِيرُ أَوَاخِرُ ذلِكَ الإِنْسَانِ أَشَرَّ مِنْ أَوَائِلِهِ!” (لو 11: 26).

يحدثنا التاريخ عن مُرسل أمريكي ذهب إلى أفريقيا الوسطى ليبشر آكلي لحوم البشر ورأى هناك رئيس قبيلة له سبع زوجات، فعقد أواصر الصداقة مع هذا الزعيم، وبدأ يلقنه بعض التعاليم المسيحية عن مضار تعدد الزوجات، وكيف يجب أن يتخلص من زوجاته … وقال الزعيم للمُرسل «سوف أعمل بكل نصائحك» وسافر المُرسل إلى بلاده في إجازة وعاد بعد ثلاث سنوات وأخبره أهل المدينة بأن رئيس القبيلة قد أصلح حياته وأصبح زوجًا لزوجة واحدة، أسرع المُرسل بفرح إلى الرئيس وصافحه بحرارة وهو يقول «يا أخي كم أشكر الله لأجل طاعتك ومحبتك للرب» قال الرئيس يا حضرة المُرسل «لا داعي للشكر فقد كان الأمر سهلاً ولذيذًا» قال المُرسل «وهذا ما يدعو للشكر أكثر يا أخي أن تطيع الله بفرح، لكن كيف تخلصت من زوجاتك؟، وسكت الزعيم الأفريقي لحظة ثم قال «كان الأمر سهلاً ولذيذًا كما قلت لك، فقد أكلتهن جميعًا» وعندئذ نكس المُرسل رأسه على الأرض وقال «هذه خطيتي فقد كان ينبغي أن أعلمك أولاً عن الميلاد الجديد» فالميلاد الجديد يجب أن يسبق كل تعليم.

إصلاح الحياة إذًا، أو الإعتقاد بعقيدة جديدة، او الإنتقال من طائفة إلى طائفة … هذه كلها ليست هي الميلاد الثاني، فقد تبطل الخمر او التدخين نتيجة نصيحة طبيب، أو تقلع عن عادة خوفًا من عواقبها، أو تنتقل إلى طائفة أخرى لإقتناعك العقلي بتعاليمها … ومع ذلك فقد لا تكون مولودًا من الله.

فإذا كان إصلاح الحياة ليس هو الميلاد الثاني، فما هي حقيقة هذا الإختبار المجيد؟! لنذهب إلى مقادس الوحي مُصلين أن يعلن لنا إلهنا هذا الحق الثمين.

1) الميلاد الثاني هو الخليقة الجديدة:

يقول لنا بولس الرسول، وهو رجل إختبر حقيقة الميلاد الثاني إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا(2 كو 5: 17). هذا هو الميلاد الثاني بحسب تعريف الكتاب، الأشياء العتيقة – خطايا الغرائز المنحرفة، خطايا اللسان والعينين واليدين، والعادات المقيدة للإنسان، والزينة الخارجية والملابس التي لا تمجد الله، ومحبة المال، والبخل المخيف الرهيب، والأخلاق القاسية، والمعاملات الشديدة هذه كلها قد مضت “هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا“.

حدثنا القس هملتون في كتابه (قوانين ملكوت السموات) بهذه القصة قال «منذ بضع سنوات كنت أعظ في اسكتلندة عن بعض قوانين ملكوت السموات، وكنت أعقد إجتماعاتي في كنيسة إنجيلية، وقد حدثني راعي الكنيسة عن قصة تشرح لنا قوة الله، وترينا ما يعمله الله بنا أن نحن سلمناه القيادة، فقد كان هناك شيخان من شيوخ الكنيسة راجعين من الكنيسة، وكانا في أثناء سيرهما يتطارحان الحديث عن الموعظة التي سمعناها، فقال أحدهما للآخر «حقًا لقد كانت رسالة هذا الصباح غاية من الإبداع».

فأجابه الآخر على الفور «ضرب من ضروب المُحال؟؟ كلا يا عزيزي ليست هي كذلك، ولا يجوز أن تقول أن في عالم النعمة أمرًا مستحيلاً، فها أنا أقص على مسامعك الآن قصة حادثة شاهدتها بعيني رأسي، فعندما كنت في خدمة الجيش كان معي في الثكنة رجلان قويان، عليهما إمارات الصحة وعلامات القوة، وكانا معدودين من أكبر المشاغبين المشاكسين، وقد حدث أن أحد هذين الرجلين، وهو الأكثر مشاكسة، سمع رسالة الإنجيل فتغلغلت في أعماق قلبه، ونال الولادة الجديدة، ولما عاد إلى الثكنة اعترف جهرًا أمام رفاقه أنه قد أصبح أحد أتباع المسيح، وعندما سمع صديقه ذلك قال «هيهات أن يستمر ذلك طويلاً، ولسوف نرى ماذا تكون النتيجة».

وفي الصباح التالي وقف ذلك الجندي المشاغب يوزع القهوة الساخنة على الجنود، ومن بينهم ذلك الجندي الذي تجدد في الليلة السابقة، وكان هذا مُرتديًا (بنطلونًا) يعلوه (روب مفتوح) من فوق إلى أسفل وغير موثق العُري، وعندما كان الجندي المُشاغب يوزع القهوة نظر وإذا أمامه رفيقه المتجدد، فما كان منه إلا أن تناول فنجانًا مملوءًا بالقهوة وهي في درجة الغليان، ثم سكبه على صدر ذلك الرفيق العاري … وعند ذلك تمشت في جسم كل منا رعدة قوية من هامة رأسه إلى أخمص قدميه، وعلت بعضًا منا صفرة الوجل مما قد يكون لذلك من عاقبة وخيمة وشجار عنيف، ولكن لشد ما كانت دهشتنا عندما رأينا ذلك الرجل المتجدد ملازمًا الصمت برهة قصيرة، أخرج بعدها منديله ومسح القهوة الساخنة وقد سلخت جلده، ثم ألتفت إلى زميله المجرم وقال «من حسن حظك إني تجددت في الليلة الماضية وقبلت يسوع المسيح مخلصًا لي وربًا، ولولا ذلك لفتكت بك، ولو أدى ذلك إلى شنقي».

إن هذه الصورة الحية الواقعية تؤكد لنا حقيقة كلمات الرسول إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا(2 كو 5: 17).

2) الميلاد الثاني هو دافع المحبة للإخوة:

كان يوحنا الحبيب في حياته الأولى أشد تلاميذ المسيح غضبًا، حتى لقبه يسوع بابن الرعد، لكنه بعد أن اختبر إختبار الميلاد الثاني كتب يقول في تأكيد واضح كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا (1 يو 5: 1). نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ (1 يو 3: 14). من هذه الكلمات نتعلم أن المؤمن المولود من الله فيه روح الله، وروح الله، هو روح المحبة والوحدة، وعندما تولد من الله يدفعك الروح الذي يسكن فيك إلى محبة الإخوة … هذا إختبار حقيقي، فكم من مرة أقابل أخًا لم أره من قبل، ومن أول مقابلة أشعر نحوه بعاطفة المحبة المقدسة، وكأنه أخي منذ زمن بعيد، فالمسيحي الحقيقي مع أخيه كقطعتي حديد ملآنتين بالمغناطيس، كل واحدة تجذب الأخرى. وتنجذب إليها.

فهل تحب أخاك في الرب أيها القاريء أم تبغضه؟

إن القلب الذي يحتفظ بالإساءة ولا ينساها، هو في حقيقة الأمر قلب غبر متجدد، لم يدخله نور الحب السماوي بعد مَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي النُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، فَهُوَ إِلَى الآنَ فِي الظُّلْمَةِ. مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ. وَأَمَّا مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَفِي الظُّلْمَةِ يَسْلُكُ، وَلاَ يَعْلَمُ أَيْنَ يَمْضِي، لأَنَّ الظُّلْمَةَ أَعْمَتْ عَيْنَيْهِ (1يو9:2-11). كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ (1 يو 3: 15).

فهل أنت قاتل متدين أيها القاريء؟ هل تبغض أحدًا من إخوتك؟

هل في قلبك حقد متربع على إحساساتك ومشاعرك؟ إنك في حاجة إلى إختبار الميلاد الثاني الذي يدفعك إلى محبة الإخوة.

3) الميلاد الثاني هو الدافع المقدس لصنع البر:

يقول يوحنا الرسول في شرح هذه الحقيقة الجليلة إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ (1 يو 2: 29).

إن الإنسان الطبيعي قد يفعل البر، ولكنه بر مليء بالشر، لأن دافعه حب الذات وحب مجد الناس، فهو بر منجس بمحركاته وبواعثه ينطبق عليه قول أشعياء النبي وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا (إش 64: 6). لكن المولود من الله يصنع البر وهو مدفوع بحياة المسيح فيه والطبيعة الجديدة التي يتمتع بها لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا (أف 2: 10). وهكذا يترنم المؤمن الحقيقي بالقول َوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً (1 يو 5: 3).

فهو يحيا بسرور مُتممًا مشيئة الرب، فإن أعطى من أمواله، لا يعطي ليفتخر بعطائه وإنما يعطي ليبني ملكوت الله، وهو يحيا حياة القداسة لا ليشتهر بتقواه بل ليرضي إلهه، أنه خال من روح الفريسي، ولكنه ملآن بحياة الله التي تجعله ينتصر على روح الشر في العالم عن طريق صنع البر.

4) الميلاد الثاني هو سر النصرة على الخطية:

لنستمر  مع يوحنا الحبيب وهو يشرح لنا هذا الإختبار المجيد ولنسمعه وهو يردد كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ (1 يو 3: 9). ثم يعود فيقول في ختام رسالته نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ (1 يو 5: 18).

فالميلاد الثاني بحسب تفكير يوحنا الرسول، هو سر الإنتصار على الخطية … إن المولود من الله لا يقدر أن يستمر في خطية معروفة له، فالذي يفعل الخطية كل يوم هو خاطيء لم يتجدد بعد، ولكن المؤمن قد يزل – والزلل ليس كل يوم – وعندئذ لا بد له أن يذهب معترفًا لله بخطيته لينال الغفران، فالأمر الكتابي لأولاد الله هو هذا يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا (1يو1:2-2).

وقد يقول أحدهم معترضًا – ألم يخطيء داود وهو ابن من أبناء الله؟ والجواب – إن داود لم يستمر في خطيته طول حياته، بل كانت خطيته زلة قام منها باكيًا نادمًا طالبًا الغفران صارخًا لإلهه قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِيطَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ  (مز 51: 10، 7).

فالمؤمن المولود من الله يحيا حياة النصرة على الخطية، وإن زل في لحظة إهمال، فهو لا يستطيع الإستمرار في سقطته وخطاياه، لأجل ذلك يشير الكتاب عن هذه الحقيقة بالقول لأَنَّ دَاوُدَ عَمِلَ مَا هُوَ مُسْتَقِيمٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ وَلَمْ يَحِدْ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا أَوْصَاهُ بِهِ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ، إِلاَّ فِي قَضِيَّةِ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ(1 مل 15: 5).

وهكذا نرى أن داود عاش حياته مستقيمًا، ولم يزل إلا في قضية واحدة ثم قام من زلته نادمًا باكيًا معترفًا بخطاياه وعاد لخدمته لله.

إن كثيرون يفعلون الخطية كل يوم معتذرين بالضعف البشري، لكن السيد قد جاء لكي يعطي للخاطيء خلاصًا من سلطان خطاياه. ولذا فقد قال الكتاب فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ (مت 1: 21). ولم يقل يخلص شعبه ويتركهم ليستمروا في خطاياهم، وهكذا أكد الرب بفمه الكريم قائلاً إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. وَالْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ، أَمَّا الابْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ. فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا (يو34:8-36).

فالرب قد وعد الخاطيء الراجع إليه بحرية من عبودية الخطية القاسية، بل هو بذاته يعطي القدرة لهذه الحياة العالية، لذلك فليس بعجيب أن يقول لمريض بركة بيت حسدا هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ، فَلاَ تُخْطِئْ أَيْضًا، لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ (يو 5: 14).

فماذا قصد يسوع بقوله لذلك الرجل لا تخطيء أيضًا؟ هل كان يطلب منه أمرًا مستحيلاً؟ كلا. إذًا فالحياة المنتصرة على الخطية، حياة ممكنة بحسب منطوق هذه الآية … وهي ممكنة للذين ولدوا من الله. ونالوا منه القوة للغلبة والإنتصار، ولهذا قال يوحنا الرسول الحبيب أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ: مَنْ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ، كَمَا أَنَّ ذَاكَ بَارٌّ. مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ، لأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَدْءِ يُخْطِئُ. لأَجْلِ هذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ (1يو7:3، 8). كُلُّ مَنْ يَثْبُتُ فِيهِ لاَ يُخْطِئُ. كُلُّ مَنْ يُخْطِئُ لَمْ يُبْصِرْهُ وَلاَ عَرَفَهُ (1 يو 3: 6).

فهل اختبرت الحرية من الخطية أيها القاريء؟ هل الرب يسوع هو سر نصرتك وقوتك؟!

إن غرض خلاص الله هو أن ينطبق على أولاده الكلمات التي كتبها الرسول لأهل فليبي حين قال لهم لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا للهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ (في 2: 15).

5) الميلاد الثاني هو سر النصرة على العالم

فلندع يوحنا وهو أخصائي قدير في موضوع الميلاد الثاني، يوالي توضيح هذا الإختبار، ولنسمعه وهو يقول لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا. مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟ (1يو4:5-5).

هذا هو الحق الصريح، أن المولود من الله له سر النصرة على مثلث الشر في العالم شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ (1 يو 2: 16).

ويكفي أن نقف لحظة أمام يوسف وهو في أرض مصر، ونراه محاطًا بثالوث العالم الجهنمي في شخص سيدته، فقد كانت التجربة الرهيبة تحمل في طياتها شهوة الجسد، وشهوة العيون وتعظم المعيشة، لكنه رغم سطوة التجربة وشدة أغرائها، يصرخ في وجه امرأة سيده قائلاً  فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟ (تك 39: 9).

ومع يوسف، نستطيع أن نتأمل شخصية دانيال، ذلك العبد المسبي في بلاد بابل، وكل مغريات القصر الملكي تحيط به، وهو يعيش في وسط أرستقراطي خليع، لكنه ينتصر على كل المغريات. ويحطم كل قوى الشر التي حوله إذ نقرأ عنه أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ (دا 1: 8).

وهل يمكن أن نترك هذه النقطة قبل أن نعود بذاكرتنا إلى ختام رسالة فيلبي لنقرأ هذه العبارة التي تحمل كل معاني الإنتصار على عالم الشر يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ قَيْصَرَ (في 4: 22).

ففي بيت قيصر بيت الوثنية، والخلاعة، والقسوة الرومانية، والفجور الأكبر، عاش قديسون انتصروا على الوسط الذي أحاط بهم بقوة الرب الساكن فيهم.

لن ترى الأصباغ فيما بعد

تجددت في شهر يونيو 1951 إحدى السيدات، وكانت قبل تجديدها معتادة أن تضع المساحيق على وجهها وأن تلون أظافرها (بالأكلادور)، ولكنها بعد تجديدها جاءت لزيارتنا مع زوجها الفاضل، واقتربت إليها إبنتي الصغيرة وقالت وهي تشير إلى أظافرها التي كانت خالية من كل تلوين (أين الأحمر؟) وابتسمت السيدة في لطف وقالت «لن تري هذا الأحمر فيما بعد، لقد إنتهى» ثم مالت على زوجتي وقالت «لقد عزمت أن لا أعود لأصباغ الوجه أبدًا، وسأشتري ملابسي بأكمام طويلة من الآن فصاعدًا».

لم أكن قد كلمتها عن هذا الأمر، لكن التجديد الحقيقي قد غيرها، وجدد ذهنها، فعزمت على تغيير مظهرها الخارجي، ليتفق مع إختبارها الداخلي، وغلبت الزينة الخارجية العالمية وكل متعلقاتها، وانطبق عليها قول الرسول يوحنا وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا (1 يو 5: 4).

فهل أنت يا قارئي العزيز دائم الإحتجاج بالوسَط، أم لك نصرة دائمة على العالم؟؟

وأنتِ يا آنستي ويا سيدتي، ألك نصرة على مُودات العالم الخليعة، وعلى زينته وأصباغه وخطاياه …

هنيئًا لك إذًا إختبارك المجيد.

الفصل الثاني

 طريق نوال الميلاد الثاني

 

كيف يولد الإنسان ثانية؟ كيف يولد من الماء والروح؟ كيف؟

سأحاول بإرشاد الله أن أجيب عن هذا السؤال الخطير مستندًا على الحق الواضح المُعلن في ثنايا كلمة الله.

1) الميلاد الثاني هو إختبار من فوق:

لقد بدأ السيد حديثه مع نيقوديموس بالقول الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ (يو3:3). وهذه الكلمات تؤكد لنا تأكيدًا قاطعًا، أن إختبار الميلاد الثاني لا صلة له بالأرض والأرضيات.

 

أ- إنه ليس بالوراثة

إن إختبار الميلاد الثاني ليس بالوراثة، فالولادة من أبوين مسيحيين لا تعني قط هذا الإختبار، ولذا فقد قال الرب بفمه الكريم اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ (يو 3: 6).

أجل، إن المولود من الجسد لا يرث الميلاد الثاني، لأن الَّذِي مِنَ الأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ (يو31:3)، ولذا فقد صرخ داود وهو مثقل بميراث الخطية قائلاً هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي (مز 51: 5). فالولادة الطبيعية لا تورثك إلا الخطية والعصيان والعبودية … فآدم الذي امتلأ بالعصيان وَوَلَدَ وَلَدًا عَلَى شَبَهِهِ كَصُورَتِهِ (تك 5: 3).

سأل مودي مرة فتاة إنجليزية قائلاً «هل أنتِ مسيحية؟» قالت «بالطبع أنا مسيحية» قال «وكيف نلتِ الإختبار المسيحي الحي؟» أجابت «لأني ولدت من ابوين مسيحيين … أنا ولدت مسيحية» قال مودي «أنتِ يا فتاتي أول فتاة قابلتها من هذا النوع» قالت بدهشة «هذا غريب، إن هناك كثيرات وكثيرين مثلي» قال المبشر المُخلِص «لكن يا فتاتي أنا أعلم أن الولادة الجسدية تورثنا الخطية، هكذا قال السيد نفسه اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَوهكذا صرخ داود هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّيفأنتِ يا إبنتي لم تنالي الإختبار المسيحي».

فأحنت الفتاة رأسها وقالت في خجل «نعم يا سيدي إنني لم أتجدد بعد».

نعم يا صديقي القاريء، أنت ابن آدم الساقط، الذي عصى وصية الله، وفي قلبك الطبيعي بذرة العصيان ورثتها من أبويك وهذا الحق الواضح يتأكد لك من كلمات الرسول العظيم لأنه لا فرق إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ (رو 3: 23). بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ (رو12:5).

فهل بعد ذلك تؤمن بأن الميلاد من أبوين مسيحيين يعطي الإنسان إختبار الميلاد الثاني … أذكر دائمًا أن اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ(يو 3: 6).

في الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا يتحدث الرسول في صراحة فينفي التعليم القائل بأن الميلاد الثاني يُعطى بالوراثة، أو بالولادة من أبوين مسيحيين فيقول في سياق حديثه عن الرب يسوع المسيح  إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ (يو11:1-13).

وفي هذه الآية نفى الوحي الإلهي ما يأتي:

1) حصول الميلاد الثاني عن طريق الوراثة، فقد قال بصراحة ووضوح “لَيْسَ مِنْ دَمٍ” (يو13:1).

2) وكذلك نفى حصول هذا الإختبار عن طريق القدرة البشرية إذ قال “وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ” (يو13:1).

3) وكذلك نفى حصول هذا الإختبار من الإستناد على عمل يعمله لنا أي إنسان فقال “وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل” (يو13:1).

وهكذا يتضح لنا الحق، إن الميلاد الثاني هو (من الله)  (من فوق) هو عطية مجانية يعطيها ساكن السماء للذين يأتون إليه بتوبة صادقة كما يقول الرسول لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ ­ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ (تي 3: 5).

فهل نلت إختبار الميلاد الثاني أيها القاريء أم أنت مرتكن على مسيحية وراثية لا تغير القلب ولا تجدد الحياة؟

لقد قال المسيح لليهود مرة إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي، وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ(يو31:8-32). فأجابه اليهود في إعتزاز بأصلهم ووراثتهم قائلين إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّوهنا هدم المسيح الإعتقاد بالدين الوراثي بقولهأَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا(يو34:8، 44).

ويوحنا المعمدان يتحدث إلى اليهود الذين إعتمدوا منه قائلاً فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ (لو8:3).

ومن كل هذا يتبين لنا أن الوراثة لا صلة لها باختبار الميلاد الثاني، ففي وسع الوالد المسيحي والأم المسيحية أن يعلما أولادهما عن هذا الإختبار، أما الإختبار ذاته فهو هبة مجانية من الله توهب لطالبها بالإيمان، أنه إختبار سماوي من فوق كما يقول الرسول مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ (1 بط 1: 3).

بليس من الأعمال

كتب بولس الرسول إلى أهل أفسس قائلاً  لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ (أف8:2، 9).  وفي هاتين الآيتين وضح لنا الرسول أن الميلاد الثاني ليس من الأعمال، فالصوم، والصلاة وإعطاء الصدقات للفقراء كل هذه أشياء حسنة بعد نوال الإختبار لكنها لا تخلص أحدًا من سلطان الخطية أو من عقابها، ولو أمكن أن يدخل أي فرد في هذا الوجود إلى السماء بأعماله الطيبة لما كانت هناك أية ضرورة لموت المسيح على الصليب، لأجل ذلك تكلم الله في القديم بوضوح كامل مبينًا لإسرائيل أن الأعمال الطيبة لا تخلص أحدًا فقال  مَنْ يَذْبَحُ ثَوْرًا فَهُوَ قَاتِلُ إِنْسَانٍ. مَنْ يَذْبَحُ شَاةً فَهُوَ نَاحِرُ كَلْبٍ. مَنْ يُصْعِدُ تَقْدِمَةً يُصْعِدُ دَمَ خِنْزِيرٍ. مَنْ أَحْرَقَ لُبَانًا فَهُوَ مُبَارِكٌ وَثَنًا (إش 66: 3). وها هو إشعياء يصف البر الذاتي والأعمال الطيبة فيقول وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ أي ثوب مهلهل ممزق  كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا (إش 64: 6).

وأكثر من ذلك يتكلم الله في سفر إرمياء إلى جماعة المتكلين على الهيكل والدين الأسمى والعبادة الميتة فيقول  هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إِلهُ إِسْرَائِيلَهَا إِنَّكُمْ مُتَّكِلُونَ عَلَى كَلاَمِ الْكَذِبِ الَّذِي لاَ يَنْفَعُ.  أَتَسْرِقُونَ وَتَقْتُلُونَ وَتَزْنُونَ وَتَحْلِفُونَ كَذِبًا وَتُبَخِّرُونَ لِلْبَعْلِ، وَتَسِيرُونَ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا، ثُمَّ تَأْتُونَ وَتَقِفُونَ أَمَامِي فِي هذَا الْبَيْتِ الَّذِي دُعِيَ بِاسْمِي عَلَيْهِ وَتَقُولُونَ: قَدْ أُنْقِذْنَا (أر3:7-10).

ومن هذه الآيات نرى أن الأعمال الصالحة، البر الذاتي، والإتكال على الذهاب للأماكن المقدسة أو الصلاة فيها، كل هذه الأشياء لا تُعطي للإنسان إختبار الميلاد الثاني، لأنه إختبار يُعطى بالنعمة والإيمان بفاعلية دم المسيح، لأجل ذلك لن نرى في السماء فردًا واحدًا يتغنى بأعماله الصالحة، بل سوف نسمع ترنيمات المفديين في المجد الأسنى وهم يترنمون لفاديهم قائلين مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً (رؤ9:5، 10).

نعم سوف تردد أصداء الأبد هذه الكلمات من أفواه أناس تأكدوا أنهم ولدوا الميلاد الثاني بنعمة الله المجددة المُغيرة.

إختبار طبيب

نام طبيب شهير على فراش الإحتضار، وأرسل ليدعو راعي كنيسته ليحدثه عن الولادة الجديدة، لأنه أدرك وهو قريب من عالم الخلود أن الميلاد الثاني هو الطريق الوحيد للسماء، جاء الراعي وكان رجلاً عصريًا لا يفهم شيئًا في الروحيات، فنظر إلى الطبيب المسكين وقال له «هل تريد أن تولد من جديد؟ لا حاجة لك إلى هذا الإختبار، فأنت رجل طيب، فاضل، خدمت المرضى والمساكين، وأعطيت حسنات للفقراء، فلست في حاجة إلى هذا الإختبار القديم» أجاب الطبيب في هدوء «كلا يا حضرة الراعي العزيز، فأنا طبيب ومولد، وكم من أطفال ولدوا على هاتين اليدين، وكلما ولد طفل جديد على أرضنا، كنت أنظر إليه في حسد!!

هتف الراعي «وعلى أي شيء كنت تحسد الطفل حديث الولادة؟ قال الطبيب «كنت أحسده يا راعي العزيز، وأقول له يا لك من مخلوق سعيد لأنك بلا ماضي … فلا شيء ضدك أيها الطفل في سجلات السماء … ولا شيء ضدك في سجلات البوليس والمحاكم … نعم يا حضرة الراعي إن الطفل الوليد لا ماضي له، ولا شكوى ضده، ولا خطية في سجلات حياته، فأنا في حاجة إلى أن أولد من جديد ليمحو الله ماضي، ويغسل الأثم من سجلات حياتي، ويطهر قلبي وضميري، وهذا الإختبار هو معجزة لا بد أن أنالها من الله رب المعجزات، إذ لا يمكن الحصول عليه بالأعمال».

فهل تمتعت أيها القاريء بهذا الإختبار الحلو؟ هل طهر الله ماضيك بدم المسيح؟ هل تأكدت من أنك أصبحت خليقة جديدة؟!

جإنه ليس بالعشاء الرباني

ولا بالإنضمام لعضوية كنيسة

أسمع أحدهم يقول «ولكن أليس العشاء الرباني هو طريق نوال الميلاد الثاني؟» ألم يقل المسيح مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ؟

وأُجيب هذا السائل الكريم ببضعة أسئلة أرجو أن يجيب عليها بإخلاص، وهذه الأسئلة سوف تريه في تأكيد كامل أن الميلاد الثاني لا يُعطى بالتناول من عشاء الرب.

لو كان التناول من عشاء الرب هو طريق نوال الميلاد الثاني، فما ضرورة التبشير والوعظ والعمل الفردي، أفما كان الأجدر والأجدى أن نقنع الخطاة أن يتناولوا من عشاء الرب لينالوا الخلاص والحياة الأبدية؟!

لو كان عشاء الرب هو طريق نوال هذا الإختبار الحي فلماذا قال رسول الأمم “إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ” (1 كو 11: 27). وما علة الإجرام إن كان التناول من عشاء الرب هو طريق الخلاص والتجديد والغفران؟!

لو كان عشاء الرب هو طريق نوال هذا الإختبار فلماذا يقول الرسول “وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ” (1 كو 11: 28)، والإمتحان هو لمعرفة إن كنا قد قبلنا الإيمان المخلص أم لا ، كما يقول في موضع آخر “جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ فِيكُمْ، إِنْ لَمْ تَكُونُوا مَرْفُوضِينَ؟” (2 كو 13: 5).

هل تقدر أن تخرج من الإجابة على هذه الأسئلة بالقول إن العشاء الرباني هو طريق نوال الميلاد الثاني؟ … كلا

لماذا؟ لأن عشاء الرب هو الوليمة الثمينة لأولاده المولودين منه، وهو ذكرى الفداء لأشخاص أدركوا معنى الفداء وتمتعوا به في إختبارهم الشخصي، وهو وسيلة الأخبار بموت الرب إلى أن يجيء … فكيف يذكر الغير مولود من الله شيئًا لا علاقة له به؟ وكيف يخبر الخاطيء السائر في خطاياه عن موت الرب الذي ماته لأجل خلاص الخطاة؟ وكيف يشترك ابن إبليس على مائدة الرب قبل أن يصبح إبنًا لله؟!

إن الشخص الذي ينضم إلى كنيسة ما، ويتناول من مائدة الرب قبل أن يولد الميلاد الثاني، هو شخص مجرم في جسد الرب ودمه، وهو هالك ومسكين ..

في سفر الأعمال الثاني نجد كلمات توضح لنا هذا الحق الثمين، فنقرأ  “وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ … من؟!

هل قال الكتاب الذين يتناولون العشاء الرباني؟ كلا

يقول الكتاب المقدس في عبارة واضحة وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ (أع 2: 47). وبعد أن كان الخطاة يخلصون وينضمون إلى الكنيسة نقرأ عنهم وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ أي العشاء الرباني وَالصَّلَوَاتِ (أعمال42:2).

فالميلاد الثاني أو الخلاص يأتي أولاً، ثم تعقبه معمودية الماء، وبالميلاد الثاني يصبح الفرد عضواً في بيت الله، بعدئذ يواظب على كسر الخبز أو التناول من عشاء الرب.

فهل وثقت من هذا يا صديقي القاريء … أطلب هذا الإختبار من الله وأذكر كلمات السيد وهي ترن في أرجاء الأرض الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ“.

1) الميلاد الثاني هو إختبار من الماء والروح:

قال المسيح لنيقوديموس أَجَابَ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ (يو 3: 5). وكثيرون يفسرون هذه الآية بأنها تشير إلى معمودية الماء، ويقولون إن معمودية الماء هي طريق نوال إختبار الميلاد الثاني.

لكن هذا التفسير يناقض كلمات الكتاب المقدس الواضحة، فبولس يكتب إلى جماعة الكورنثيين قائلاً لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ (1 كو 4: 15). ومعنى هذه الكلمات أن الكورنثيون قد نالوا إختبار الميلاد الثاني.

فلو كانت المعمودية هي طريق نوال الميلاد الثاني لوجب أن يكون بولس قد عمدهم بالماء، ولكننا نقرأ كلماته في ذات الرسالة وهو يقول أَشْكُرُ اللهَ أَنِّي لَمْ أُعَمِّدْ أَحَدًا مِنْكُمْ لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُرْسِلْنِي لأُعَمِّدَ بَلْ لأُبَشِّرَ (1 كو 1: 14، 17).

وقد يقول قائل إذا كانت المعمودية بالماء ليست هي طريق نوال إختبار الميلاد الثاني، لأن الآية تتكلم عن ميلاد من الماء والروح وليس من عماد بالماء والروح … فما المعنى الذي قصده المسيح عندما قال “إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ“.

وهنا نعود إلى الكلمة المقدسة ونتركها تشرح لنا نفسها بنفسها قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ (1 كو 2: 13). وإذ نعود إلى الإصحاح الخامس والخمسين من سفر أشعياء نقرأ هذه الكلمات لأَنَّهُ كَمَا يَنْزِلُ الْمَطَرُ وَالثَّلْجُ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَرْجِعَانِ إِلَى هُنَاكَ، بَلْ يُرْوِيَانِ الأَرْضَ وَيَجْعَلاَنِهَا تَلِدُ وَتُنْبِتُ وَتُعْطِي زَرْعًا لِلزَّارِعِ وَخُبْزًا لِلآكِلِ،هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ (إش 55: 10، 11).

وفي هذه الآية تحدث أشعياء فأرانا أن كلمة الله هي طريق الميلاد الثاني، وأنها تشبه الماء الذي يجعل الأرض تلد وتنبت … وهذا الكلام يؤكده ما قاله الرسل، فبطرس يقول  مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ (1 بط 1: 23).

ويعقوب يقول شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لِكَيْ نَكُونَ بَاكُورَةً مِنْ خَلاَئِقِهِ (يع 1: 18)، وبولس يضع الماء والكلمة في آية واحدة فيقول أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ (أف 25:5، 26). ومن هذه الآيات الجلية يتبين لنا، أن الميلاد بالماء والروح يعني الميلاد بتأثير كلمة الله إذ يستخدمها روح الله في القلب، وهذا هو ذات ما قاله بولس للكورنثيين أَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ (1كو 15:4).

فهل ولدت من تأثير كلمة الله يا قارئي الكريم، هل عمل الروح القدس في قلبك بقوة الكلمة الحية الفعالة فجددك، أذكر كلمات المسيح الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِوثق أن هذه الكلمات لا تعني قط المعمودية بالماء، فاللص على الصليب لم يعتمد بالماء إذ لم يكن له فرصة للعماد فلو كان الميلاد الثاني هو المعمودية لوجب أن نقول إن اللص على الصليب لم يدخل السماء لأنه لم يولد الميلاد الثاني الذي هو الشرط الأساسي لدخول ملكوت الله، لكن اللص قد وُلد الميلاد الثاني بتأثير كلمة المسيح ورؤيا ذبيحته الكفارية ولذلك قال له المسيح بعد أن أعترف بألوهيته الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ (لو 23: 43).

فأقبل الآن كلمة الله والشهادة التي شهد بها عن إبنه، ودع روح الله يستخدم هذه الكلمة في قلبك لتنال هذا الإختبار الثمين.

2) الميلاد الثاني هو إختبار يحدثه الروح القدس:

أكد المسيح لنيقوديموس ضرورة نوال الميلاد الثاني بهذه الكلمات اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، َالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ. اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ  صوْتَهَا، لكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ (يو6:3، 7، 8).

الميلاد الثاني إذًا هو عمل الروح القدس رأسًا كما قال الرسول بولس لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ ­ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ (تي 3: 5).

وروح الله قد يستخدم أبسط الأشياء في تجديد الفرد، فقد يستخدم نبذة بسيطة، أو قصة مؤثرة، أو عظة ضعيفة، أو آية مطبوعة أو حادثة من الحوادث، وإليك قصة توضح هذه الحقيقة.

الفتاة والساعة

سرقت إحدى الفتيات تفاحة وأكلتها، وذهبت لتنام كعادتها في المساء وكانت ساعة الحائط تدق في أرجاء البيت (تك. تك)، ولكن روح الله بَكت الفتاة على خطيتها، فأحست أن رقاص الساعة ينادي في ذهابة ورجوعه ( لصة. لصة) ولم تستطع الفتاة أن تنام إلا بعد ان ذهبت إلى والدتها وإعترفت لها بخطيتها.

لقد قال المسيح عن الروح القدس وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ: أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. وَأَمَّا عَلَى بِرّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضًا. وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ (يو8:16-11).

وفي سفر الأعمال نرى عمل الروح القدس في تجديد الخطاة فبعد أن وعظ بطرس عظته المشهورة يوم الخمسين يقول كاتب سفر الأعمال فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا لِبُطْرُسَ وَلِسَائِرَ الرُّسُلِ: «مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟» فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ : «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. لأَنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ وَلِكُلِّ الَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ، كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ إِلهُنَا». وَبِأَقْوَال أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَشْهَدُ لَهُمْ وَيَعِظُهُمْ قَائِلًا: «اخْلُصُوا مِنْ هذَا الْجِيلِ الْمُلْتَوِي». فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ (أع37:2-41).

وكما عمل الروح في قلوب هؤلاء، عمل كذلك في قلب ليديا بائعة الأرجوان، وحافظ سجن فيلبي، وشعب السامرة، فاختبروا حياة الله، إذ ولدوا من روح الله.

2) الميلاد الثاني هو إختبار يتمتع به الفرد بالتوبة والإيمان بكفاءة المسيح:

لقد كانت رسالة المسيح واضحة غاية الوضوح وقد لخصها مرقس في الإصحاح الأول من أنجيله فقال وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ وَيَقُولُ: «قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ (مر14:1، 15).

فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ.. هذا هو طريق الميلاد الثاني – التوبة والإيمان بالإنجيل. فما هي التوية وما ضرورتها؟!

التوبة هي أن تعزم على ترك خطاياك كلها معترفًا بها أمام الله من يكتم خطاياه لا ينجح ومن يقربها ويتركها يرحم. قُلْتُ: «أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي» وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي (مز 32: 5). لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ (إش 55: 7). فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ (أع 3: 19). إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ (لو 13: 5).

هذه هي التوبة من الناحية السلبية، الإقلاع عن الخطية وتركها دفعة واحدة والإعتراف بها أمام الله، أما من الناحية الإيجابية فيجب أن تصلح ما أفسدته، وأن تعترف بخطئك لمن أسأت إليه، وأن ترد المغتصب لمن سلبته حقه إِنْ رَدَّ الشِّرِّيرُ الرَّهْنَ وَعَوَّضَ عَنِ الْمُغْتَصَبِ، وَسَلَكَ فِي فَرَائِضِ الْحَيَاةِ بِلاَ عَمَلِ إِثْمٍ، فَإِنَّهُ حَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ (حز 33: 15).

هكذا فعل زكا العشار بعد أن تقابل مع المسيح، فدعاه إلى بيته، ووقف في وسط أصدقائه يقول للرب هَا أَنَا يَا رَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ (لو 19: 8).

وهكذا فعل مؤمنوا الكنيسة الأولى إذ نقرأ عنهم في سفر الأعمال وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ، وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ السِّحْرَ يَجْمَعُونَ الْكُتُبَ وَيُحَرِّقُونَهَا أَمَامَ الْجَمِيعِ. وَحَسَبُوا أَثْمَانَهَا فَوَجَدُوهَا خَمْسِينَ أَلْفًا مِنَ الْفِضَّةِ(أع18:19، 19).

وسأوضح هذا الحق بثلاث حوادث من الحياة الواقعية:

عباس وبائع (الجيلاتي)

عاش في مدينة ملوي شخص إسمه عباس كان مسيحيًا بالإسم، ذهب مرة إلى إجتماع تبشيري لغرض غير شريف وقابله الرب هناك ونال إختبار الميلاد الثاني، وقد قابلت صديقًا له وجاء الحديث عن حياة عباس العالية وإخلاصه للمسيح فقال لي صديقه «سأقص عليك حادثة حدثت مع عباس بعد تجديده، فقد كنت أسكن معه في شقة واحدة، وفي يوم ما جاء إليّ ومعه إذن بريد بخمسين قرشًا وقال لي: اسمع، أتعرف لمن سأرسل هذا الإذن؟ إني سأرسله لبائع (جيلاتي) بأسيوط، كنت قد سرقت منه هذا المبلغ في أيام شري منذ سنوات، وقد تجددت بالنعمة، وسأرد المسروق إلى صاحبه، فهذه القروش الخمسين تلدغني في ضميري كالأفاعي …» قلت له «ولكن البائع قد يأخذ خطابك كمستند ويرسلك إلى السجن كلص» قال عباس «إن سمح الرب بذلك يكون السجن مع المسيح أفضل من الحرية مع الشيطان» وأرسل المسروق إلى صاحبه ولم يسبب البائع له ضررًا، فقد حفظه الرب.

الرجل الذي أحرق بيته

أما الحادثة الثانية، فقد قصها عليَّ المرسل المحترم القس لستر كروس قال «عاش في أمريكا قسيس طائفي إسمه القس همرك، كان هذا القسيس يملك بيتًا، وكان قد أمن على هذا البيت في إحدى شركات التأمين، وفي يوم ما أحتاج إلى مبلغ من المال، ولم يستطع أن يحصل عليه، فأحرق بيته بطريقة مخفية، ولم يكتشف أحد ما عمله فاستلم قيمة التأمين على البيت كاملة غير منقوصة، ومرت الأيام وأنفق القس همرك قيمة التأمين، وقد تكلم معه أحد خدام الرب وهو القس جون كروس والد القس لستر كروس فعرف حقيقة حالته الشريرة، ومع أنه قسيس فقد أدرك أنه لم يتجدد بعد، فطلب من الرب أن يجدده وهكذا نال إختبار الميلاد الثاني، وفي الصباح ذهب إلى القس جون كروس وقال له «أريدك أن ترافقني إلى شركة التأمين».

قال القس كروس – لماذا يا أخي؟!

وقص القس همرك عليه قصة حرقه لبيته وإغتصابه قيمة التأمين من الشركة. ثم استطرد «والآن أريدك أن ترافقني لأني سأعترف لمدير الشركة بكل ما حدث … إنني أريد أن أريح ضميري».

قال القس جون «ولكن هل تعرف معنى هذا الإعتراف، هل تعي ما تقول، إن هذا الإعتراف سوف يقودك إلى السجن».

قال القس همرك «أعرف هذا … ولكنني لن أهدأ إلا إذا فعلته». فذهبا معًا إلى دار شركة التأمين ودخلا معًا إلى غرفة مدير الشركة، وجلس القس همرك فقص كل القصة على مدير الشركة، وسكت قليلاً ثم قال «لقد صرفت قيمة التأمين منذ زمن طويل ولكنني تحت تصرفك يا سيدي لتعمل بي ما تريد ».

وساد الصمت لحظة طويلة، ثم رفع مدير الشركة رأسه وقال «ولكن ما الذي دفعك إلى أن تأتي إليَّ وتعترف لي هذا الإعتراف الخطير؟»

قال القس همرك «لقد سلمت قلبي للمسيح فكان لا بد أن أصلح ما أفسدته».

قال مدير الشركة «إن كان رب السماء والأرض قد غفر لك خطاياك فأنا أيضًا قد غفرت لك. إذهب في سلام».

فهل رددت المغتصب أيها القاريء العزيز؟! إن رد المغتصب هو أمر جوهري في التوبة الحقيقية.

سامحني يا أخي

ومع ذلك فالتوبة الحقيقية ينبغي أن تشتمل أيضًا على طلب الصفح من الذين اسأنا إليهم، هذا ما عناه الرسول يعقوب حين قال اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ (يع 5: 16).

كنت أعظ مرة عن قصة عاخان بن كرمي، وتكلمت عن الحقد والحسد والإحتفاظ بالإساءة في القلب. وقلت أن الإحتفاظ بالإساءة قد يكون هو عاخان الذي يهدم حياتك ويسبب لك الهزيمة، وبعد أن انتهيت من الخدمة رأيت أخًا يتقدم من آخر مقعد في الإجتماع إلى منتصف الإجتماع، وينحني فيقبل شخصًا آخر ويصافحه بيده ثم يقول له «سامحني يا أخي»، وبعد إنتهاء الخدمة جاءني الأخ الأول وقال لي «لقد طلبت من صديقي المسامحة والعفو لأني لا أريد أن أكون كعاخان في الكنيسة».

فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ (مت23:5).

فهل تُبت بهذا المعنى أيها القاريء؟ هل إعترفت بالإساءة لمن أسأت إليه وطلبت منه الصفح والغفران؟ هل رددت المغتصب؟ هذه هي التوبة الحقيقية التي تقود إلى الإيمان الصحيح.

بعد التوبة يأتي الإيمان الذي يقبل خلاص المسيح كما يقول يوحنا الرسول  وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ (يو12:1، 13).

فهل وثقت بالمسيح كمن غفر خطاياك وحمل أثامك على الصليب؟ إصغ إلى حديث المسيح مع نيقوديموس الفريسي المدقق وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ (يو14:3، 15).

وقصة الحية في البرية هي قصة الأموات الذين ولدوا ثانية بالإيمان البسيط، فقد تذمر إسرائيل في البرية على الله، فأرسل الله عليهم الحيات المحرقة تلدغهم بلدغاتها المميتة فتنتهي حياتهم في لحظات، عندئذ صرخ إسرائيل لله طالبًا الرحمة فأمر الله موسى أن يصنع حية نحاسية ويضعها على راية في وسط المحلة، وكل من لُدغ ونظر لهذه الحية النحاسية يُشفى ويحيا. كانت نظرة واحدة للحية النحاسية تخلص الملدوغ من الموت المُحتم، وهكذا أعلن المسيح لنيقوديموس أنه سُيرفع على الصليب لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ“.

لقد كان العبراني الذي تلدغه حية، يحسب في عداد الموتى، إلى أن ينظر إلى الحية النحاسية فيولد من جديد في أرض الأحياء، لأجل هذا نادى الرب بصوته الحنون قائلاً  اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ (إش 45: 22).

فهل التفت للمسيح وقبلت غفرانه بالإيمان البسيط؟ اسمع ماذا يقول واعظ البرية العظيم يوحنا المعمدان الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ بل هذا هو الذي اختبر يوحنا قوة خلاصه فهتف مرددًا  وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ (1 يو 1: 7).

مات واثقًا في المسيح

يحدثنا مستر مودي بقصة حدثت في أثناء الحرب الأمريكية يقول «ذهبت في إحدى الليالي إلى فراشي، بعد مجهودات التبشير وسط الجنود، وبعد أن نمت أحسست بشخص يلمس ذراعي ويقول لي «قم» قلت «ماذا تريد مني؟» قال بصوت آسف «أحد الجنود الجرحى يحتضر وأرجو أن تذهب لمساعدته قبل أن يموت».

ذهبت إلى الجندي، ووجدته في حالة يأس مُطبق، بدأت أحدثه عن المسيح الذي أحبه وكيف ترك السماء وجاء إلى الأرض لكي يطلب ويخلص ما قد هلك، لكن الجندي ظل في حالة اليأس والظلام … بدأت أذكر له وعدًا بعد الآخر ولكن مجهوداتي ذهبت مع الريح، وبدا لي أن ظلام الأبدية يكاد يبتلع هذه النفس العزيزة، رفعت قلبي إلى الله لأجل الإرشاد وفتحت الكتاب وإذا بالإصحاح الثالث من إنجيل يوحنا يظهر أمامي، قلت للجندي «اصغ إليً وسأقرأ لك حديثًا جرى بين رجل يهودي وبين المسيح، وفيه شرح المسيح طريق الخلاص لذلك اليهودي، وبدا على الجندي أنه مهتم بسماع ما أقول، فشرعت اقرأ الإصحاح إلى أن وصلت للآية القائلة وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ“.

وقصصت على الجندي قصة الحية في البرية وكيف أن نظرة الإيمان البسيط كانت تخلص الملدوغ من موت مُحقق، وأعدت له قراءة هذه الآية، عندئذ أبرقت عينا الجندي وهمس في صوت خافت «هل هذه الكلمات موجودة عندك؟» قلت «بلا شك» قال «كررها لي ..» كررتها له مرة وثانية وثالثة وعندئذ سمعته يقول «هذا ما أحتاج إليه، لقد لدغتني الخطية وها أنذا قد وجدت الفداء في المسيح» ثم أغمض عينيه وأطبق شفتيه، وسمعته يردد بصوته الخافت «مبارك الله … كما رفع موسى الحية في البرية هكذا لأجلي رُفع ابن الإنسان» وأشرقت ابتسامة حلوة على وجهه وانطلق براحة إلى المجد. فهل قبلت المسيح وكفارته بهذا الإيمان وهذه الثقة؟

إيمان فتاة

تجددت فتاة في الثانية عشرة وأرادت أن تنضم إلى عضوية كنيسة معينة، وخشى راعي الكنيسة أن يقبلها لصغر سنها، لكن الفتاة ألحت كثيرًا، فلم يجد الراعي مخرجًا إلا بأن يقول لها – سوف أحضر لزيارتك مع أحد شيوخ الكنيسة – وسوف نقدم لك امتحانًا فإن أجبت عليه قبلناك في عضوية الإجتماع وإلا فإعذرينا.

قبلت الفتاة الشرط، وجاء الراعي مع شيخ ذكي لزيارتها، وبعد أن سألها الشيخ بضعة أسئلة وهي تجيب إجابات صائبة، إلتفت إليها وقال «إفرضي يا فتاتي أن الشيطان جاء وقرع على باب قلبك يريد الدخول فماذا تفعلين؟» أجابت الفتاة في هدوء وثقة «أقول للرب يسوع الساكن في قلبي … إفتح يا رب الباب وانظر من الطارق، وإذا فتح المسيح الباب ورآه الشيطان فسوف يهرب من محضره المقدس ولا يجرؤ على الدخول».

وسكت الشيخ لحظة ثم قال «إنك يا بنتي أكثر إيمانًا من معظم الأعضاء ونحن نقبلك في عضوية إجتماعنا …».

فهل جاء اليوم الذي قبلت فيه المسيح بإيمان في قلبك، فأيقنت من وجوده في حياتك … إرفع اليوم إليه هذه الصلاة:

ادخل قلبي ادخل قلبي ادخل قلبي يا ربي

تعال اليوم بالحب واسكن قلبي يا ربي

هذا هو الإيمان الذي خلص المجدلية من شياطينها السبعة، شيطان الكبرياء، وشيطان حب المال. وشيطان حب الملذات، وشيطان الحياة الخليعة النجسة، وجعلها بشيرة البشيرين ورسولة الرسل … فكانت المرأة التي بقيت عند الصليب، والتي إستقبلت سيدها في فجر القيامة. هذا هو الإيمان الذي خلص بولس، وبطرس، ويوحنا، ومتى، وزكا العشار …هذا هو الإيمان الذي يغمرك سلامًا ويعطيك حرية من كل خطاياك إذ تقبل يسوع الذي يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ (مت 1: 21). وعندئذ تقدر أن تهتف بفرح وسرور فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ (رو 5: 1).

فهل نلت هذا الإختبار الحلو الذي يجعل للحياة معنى؟! آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ (أع 16: 31).

لمسة الإيمان الحقيقي

لنذكر ونحن نتحدث عن الإيمان المُخلص، أنه ليس مجرد الإيمان العقلي بالمسيح الذي مات على الصليب فالإيمان العقلي لا يخلص أحدًا، ولذا فقد قال عنه الرسول يعقوب هذه الكلمات أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ! وَلكِنْ هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَعْلَمَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الْبَاطِلُ أَنَّ الإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ؟ (يع19:2، 20). وهكذا نرى أن الإيمان العقلي لا يمكن أن يخلصنا أو يعطينا حرية من خطايانا.

وكما أن الإيمان العقلي لا يخلص. كذلك أيضًا الإيمان الوراثي، لا يمكن أن يجدد أحدًا، فانجيل المسيح هو إنجيل الإيمان الفردي الحي، هو إنجيل (كل من يؤمن)، هو إنجيل الشخص الذي يأتي لله بالتوبة والإيمان الحقيقي، لأجل ذلك، وقف المسيح عند أبواب أريحا ليتحدث إلى فرد واحد هو زكا، وجلس مع امرأة سامرية نجسة ليقودها للخلاص، وأوقف الجمهور المتفرج ليشفي الأعمى بارتيماوس، وأعلن في أكثر من موضع أن إنجيله هو إنجيل الفرد فقال أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ (لو 15: 7). هكَذَا، أَقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ (لو 15: 10). لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ (يو 3: 16). هأنذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي (رؤ 3: 20).

ولماذا أعلن رب المجد أن إنجيله هو إنجيل الفرد؟ اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ (حز 18: 20). لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَحْمِلُ حِمْلَ نَفْسِهِ (غل 6: 5).

وإذ نتأكد من هذا الحق الواضح، فنثق أن إنجيل المسيح هو إنجيل الفرد، نأتي للمسيح كأفراد ونطلب منه بإيمان حي أن يمتعنا بإختبار الميلاد الثاني. فالإيمان الحي هو وسيلة نوال هذا الإختبار.

في الإصحاح الثامن من إنجيل لوقا نقرأ عن امرأة كانت مريضة بنزف دم منذ اثنتي عشرة سنة، وقد أنفقت كل معيشتها للأطباء، ولم تقدر أن تُشفى بل صارت إلى حال أردأ، فلما فشلت المحاولات البشرية في خلاصها، سمعت عن السيد وصدقت أن له قوة للخلاص إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ (رو 10: 17). فجاءت بإيمانها الشخصي وهي تقول في قلبها إِنْ مَسَسْتُ وَلَوْ ثِيَابَهُ شُفِيتُ (مر 5: 28).

واخترقت المرأة المريضة طريقها بين الجموع، ومست ثوب المسيح ففي الحال جَفَّ يَنْبُوعُ دَمِهَا، وَعَلِمَتْ فِي جِسْمِهَا أَنَّهَا قَدْ بَرِئَتْ مِنَ الدَّاءِ (مر29:5). كانت هذه اللمسة هي لمسة الإيمان الحقيقي، اللمسة التي أوصلت حياة الله وقوته إلى نفس واثقة آتية بالإيمان البسيط … ووقف المسيح ليعطي للناس درسًا في الإيمان الحي، وسأل «من لمسني؟» وهنا قال التلاميذ في دهشة أَنْتَ تَنْظُرُ الْجَمْعَ يَزْحَمُكَ، وَتَقُولُ: مَنْ لَمَسَنِي؟وهنا وقف المسيح، فليس كل من يلمسه ينال منه بركة، بل أن الذي ينال البركة هو ذلك الذي يلمسه بلمسة الإيمان الحي، فتسري فيه كهرباء السماء وتغيره في لحظة في طرفة عين، فيولد من جديد في ملكوت الله، ولذلك قال السيد قَدْ لَمَسَنِي وَاحِدٌ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي (لو 8: 46).

نعم، فهذا الفرد الواحد هو الذي تمتع بقوتي، هذا الفرد الواحد هو الذي  نال الشفاء مني … هذا الفرد الواحد هو الذي أضاء بقوة الكهرباء التي فيَّ .. أنها لمسة الإيمان الحي الحقيقي … وجاءت المرأة الواحدة وسجدت قدام جميع الشعب وأخبرته لأي سبب لمسته وكيف برئت في الحال فقال لها ثِقِي يَا ابْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ (لو 8: 48).

فهل لمست السيد بإرادتها هذه اللمسة الحية، لمسة الثقة والإيمان واليقين؟ هذا هو الطريق لنوال إختبار الميلاد الثاني، الإختبار الذي يغيرك في لحظة، ويحررك من كل أمراض الخطية.

ما رأيك في هذا النشال؟

حضر نشال أمريكي أحد الإجتماعات التبشيرية، وتأثر من العظة تأثيرًا شديدًا، فتوجه بعد الخدمة إلى الخادم وقال له «دعني أعترف لك يا سيدي الخادم بما يجول في فكري، أنا رجل نشال، هذه هي حرفة الحياة التي اخترتها لنفسي، وأنا أنشل حوالي ثلاثين شخصًا في كل يوم، ولكني تأثرت من عظتك جدًا وعزمت على أن أخلص من خطاياي تدريجيًا. وقررت أن أكتفي بنشل عشرة أشخاص في اليوم بدلاً من ثلاثين. وبعد شهر سأنشل خمسة أشخاص فقط كل يوم، وبعد أربعة شهور سأنشل ثلاثة أشخاص في اليوم، وأتمنى أني بعد ستة شهور أو سنة أبطل النشل نهائيًا …

وسكت النشال قليلاً ثم قال «أفلا تعتقد يا سيدي الخادم أن هذه طريقة جيدة للخلاص من خطاياي؟» وهز الخادم رأسه وقال «إن الذي ينشل جيبًا واحدًا يا صاحبي كالذي ينشل ثلاثين بلا تفريق وخلاص الله ليس بالتدريج ولكنه يجدد الإنسان في لحظة …».

لقد كان لعازر ميتًا في قبره، وقد أنتن ولم يصبح هناك أمل في إعادته للحياة، ولكن المسيح أقامه في الحال من قبره بكلمته إذ ناداه «لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!» فقام الميت وهكذا يعطي المسيح الخلاص للذين يأتون إليه دفعة واحدة وفي طرفة عين، بلمسة الإيمان، لذلك هتف بولس الرسول أمام قوة إنجيل الخلاص قائلاً لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ (رو 1: 16).

فهل أمنت هذا الإيمان القلبي، هل لمست المسيح هذه اللمسة المحيية المخلصة؟! هذا هو طريق الخلاص الوحيد.

أمتلك الهبة الملكية

كنت أتحدث مرة مع صديق كريم عن الإيمان الخلاصي، وإلتفت إليً الصديق وقال «أتقول أن الإيمان هو طريق إختبار الميلاد الثاني؟ » قلت «نعم، بلا شك» قال «إن كل المسيحيين الأبرار منهم والأشرار يؤمنون بأن المسيح قد مات على الصليب لخلاص البشر من الخطية، فهل تعتبر أن كل المسيحيين بالإسم قد نالوا إختبار الميلاد الثاني؟» قلت «كلا» قال «ولماذا؟» أجبته قائلاً «سأقدم لك هذا المثل، إفترض أن صاحب الجلالة الملك قد أعلن في الجرائد أنه سيعطي لكل مصري يذهب إلى قصره العامر عشرة جنيهات، أفلا يعني هذا أن لك عشرة جنيهات موجودة تحت أمرك في خزينة السراي الملكية؟»

قال «نعم» قلت له «ولكن إعلان صاحب الجلالة تضمن أنه لن يعطي هذه الهبة إلا لكل مصري يذهب إلى قصره أليس معنى ذلك أنه من الضروري لك لكي تمتلك هبة الملك أن تذهب إلى القصر الملكي؟» قال «نعم. لا بد من ذهابي لإستلام الهبة الملكية» قلت «إفترض أنك أهملت الذهاب إلى القصر، وانتقلت إلى العالم الآخر قبل أن تمتلك هبة الملك، فهل تصبح هذه الهبة ملكك؟» قال «كلا» قلت «هكذا أيضًا في موضوع الخلاص الثمين، فصليب المسيح فيه كفاية لخلاص كل العالم، ولكن لا يمتلك هذا الخلاص إلا كل من يأتي إليه بتوبة صادقة، وإعتراف صريح، وإيمان قلبي، ولكن إن أهمل أحدهم الذهاب إلى رب المجد وإستمر عائشًا في عصيانه وخطاياه، فسيموت ويذهب إلى مصير الهالكين مع أنه كان من حقه أن يتمتع بالخلاص والغفران» والآيات الأتية توضح هذا الحق الجليل لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا (رو 6: 23).

وكما أن الهواء هو هبة الله، ومع ذلك ففي إمكانك أن تقفل أنفك وفمك وتموت مختنقًا إذ تمتنع عن إستنشاقه، وكما أن الشمس هي هبة الله، ومع ذلك في مقدورك الدخول في بدروم مظلم والإختفاء من نورها، كذلك الخلاص هو هبة الله، ومع ذلك ففي وسعك أن ترفض قبوله بإرادتك العاصية. ومع هذه الآية نقرأ هاتين الآيتين وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ (مت 11: 12). كَانَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ إِلَى يُوحَنَّا. وَمِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ يُبَشَّرُ بِمَلَكُوتِ اللهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَغْتَصِبُ نَفْسَهُ إِلَيْهِ (لو 16: 16).

وفي هذه الكلمات نرى أن من واجب كل فرد أن يسرع بإغتصاب حقه في ملكوت الله، وأن يغتصب نفسه الضالة وإرادته العاصية لتخضع للرب الحبيب، الذي قال تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ (مت 11: 28).

وإلا فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟ قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا، شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ (عب3:2، 4).

فهيا أيها القاريء، واذهب مسرعًا إلى جنب المسيح المطعون، واستلم حقك في الغفران والحياة الجديدة، والمجد العتيد، لئلا تموت وتهلك. أنك أهملت إمتلاك نصيبك المجيد.

كيف قبلت رفقة إسحق؟!

إن قصة زواج إسحق ورفقة، تشبه من عدة نواحي إلتصاق المؤمن بفاديه، فقد ذهب عبد إبراهيم لكي يبحث عن زوجة لإسحق من أهل إبراهيم وعشيرته، ووجد في طريقه رفقة، ولم تكن رفقة قد رأت إسحق ولكنها صدقت ما قاله العبد عنه، وآمنت نتيجة كلام ذلك العبد أنه الشخص الذي سيسعد حياتها، وقبلت إسحق زوجًا وهي لم تره … وصارت فيما بعد زوجته وتمتعت بكل خيرات بيته.

وهكذا يسمع الخاطيء حديث المؤمنين عن الرب يسوع المسيح ومع أنه لم يره، ينجذب قلبه نحوه؛ ويقبله بالإيمان البسيط فينال إختبار الميلاد الثاني، ويتمتع بكل بركات مخازن الله، وعندئذ ينطبق عليه قول بطرس الرسول الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ (1 بط 1: 8).

فهل فتحت قلبك للعريس السماوي أيها القاريء وقبلته فيه ربًا وملكًا وسيدًا؟

الدكتور توري والخادمة المستهترة

ذهب دكتور توري مرة لزيارة سيدة إشتهرت خادمتها بحياة الشر والاستهتار، فاشتكت له سيدة البيت من حياة خادمتها، وقالت له أنها حاولت كل المحاولات لإصلاحها ففشلت، وتوسلت إليه لأجل خاطر المسيح أن يكلمها، فدعاها دكتور توري، وبعد حديث قصير معها طلب إليها أن تعده بأن تصلي كل مساء بإخلاص هذه الصلاة «يا رب إكشف لي نفسي»، ووعدته الخادمة أن تفعل هذا.

ولأول مرة في حياتها ركعت ورفعت الصلاة أمام الله قائلة «يا رب إكشف لي نفسي» وكشف لها السيد آثامها وسواد قلبها ورداءة حياتها، فامتلأت نفسها بالأسى والحزن، وبعد أسبوع عاد دكتور توري لزيارة ذلك البيت فقالت له سيدة المنزل «ماذا فعلت يا دكتور توري؟ إنك منذ أن كلمت الفتاة، وقد اكتأب وجهها، وعافت نفسها الطعام، وظهر عليها الحزن الشديد».

قال لها توري «هذه أول خطوة نحو الخلاص، الحزن على الخطية» ثم دعا الخادمة وقال لها «صلي يا إبنتي إلى الله وقولي له، يا من كشفت لي نفسي اكشف لي نفسك» مضت الفتاة وصلت بقلب كسير أمام الله، فظهر لها الرب يسوع بصليبه، وأراها جراحات يديه، وقال لها «اقبليني يا ابنتي وأنا أخلصك من ثقل آثامك» قبلته الفتاة بخضوع وتجددت وأصبحت شخصية جديدة تحيا لمجد ذاك الذي فداها.

فهل رأيت نفسك على ضوء قداسة الله؟ لقد رأى اشعياء نفسه في نور القدوس الجالس على العرش فصرخ قائلاً وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ (إش 6: 5). وهنا طار إليه ملاك وبيده جمرة وطهره من إثمه وكفر عن خطيته.

فهيا يا قارئي الكريم، اطلب إلى الله أن يكشف لك حاجتك العظمى للخلاص، ثم أطلب إليه أن يعلن لك نور صليبه. وأن يطهرك بدم فدائه لأَنَّهُ يَقُولُ: «فِي وَقْتٍ مَقْبُول سَمِعْتُكَ، وَفِي يَوْمِ خَلاَصٍ أَعَنْتُكَ». هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ (2 كو 6: 2). فهلم إليه الآن وارتمي عند قدميه وهو يناديك يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ (مر 2: 5).

 

الفصل الثالث

أدلة نوال الميلاد الثاني

 

سألتني إحدى الأخوات مرة هذا السؤال «إذا نال شخص إختبار الميلاد الثاني فما هي الأدلة على نوالة هذا الإختبار؟» وتوجد بعض علامات واضحة تؤكد للفرد حقيقة موقفه بإزاء هذا الإختبار.

 

1) الدليل الأول هو الإستناد على كلمة الله الواضحة:

يقول يوحنا الحبيب في كلمات صريحة مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. مَنْ لاَ يُصَدِّقُ اللهَ، فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا اللهُ عَنِ ابْنِهِ (1 يو 5: 10).

فنحن قد خلُصنا بالإيمان في كلمة الله إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ(رو 10: 17). وعلى هذه الكلمة نحن نؤسس يقيننا بالخلاص فقد قال لنا السيد بفمه المبارك لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ (يو 3: 16).

فإذا صدقنا كلمات السيد نلنا ذات الإختبار. فقد شهد ربنا عن كلمته بالقول اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ، وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ (مر13 :31).

الكمبيالة الإلهية

حدثتنا مرسلة أمريكية عن شاب إسمه إدوارد روبنسون نبت في عائلة مسيحية، كان كل أفرادها يتمتعون بإختبار حي، ما عدا هو. وكانت أمه التقية تلح عليه أن يكرس نفسه للمسيح ليصير خادمًا له، ولكن الشاب كان يشعر في أعماق قلبه أنه لم ينل بعد إختبار الميلاد الثاني، رغم أدبه وأخلاقه وتدينه الظاهري وكان يتوق إلى نوال هذا الإختبار …

وتحت إلحاح والدته إلتحق بكلية اللاهوت ليصير قسيسًا، وفي يوم ما طلب منه أستاذ علم التفسير أن يقوم بتفسير الإصحاح الثالث من إنجيل يوحنا، وأخذ الشاب كتبه ومضى إلى البيت، ودخل غرفته وشرع في تفسير الإصحاح الثمين، واسترعت إنتباهه كلمات الرب لنيقوديموس وأثارت تفكيره، واستمر الشاب يكتب مذكراته عن الإصحاح إلى أن وصل إلى العدد السادس عشر وشرع في قراءته بتأمل لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَوكتب الشاب في مذكراته، إن هذه الكلمات ترينا أنه بهذا المقدار الهائل أحب الله العالم … العالم الأثيم … عالم البشر … العالم وكل واحد فيه …

وسار في دراسته حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، وكتب الشاب في مذكراته «يا للمحبة العظمى الباذلة المضحية التي بها وضع رب المجد نفسه على الصليب»، وألقى الشاب بالقلم وراح يتأمل في خشوع هذه الكلمات الله بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَوجاء إلى ذهنه هذا السؤال «لأجل من؟»لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ“. وفجأة خطر له خاطر فأمسك بقلمه وكتب الآية بهذا الوضع  لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِك إدوارد روبرتسون بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ“.

وأشرق النور على قلبه في الحال، فقفز من مقعده في فرح، ثم ركع على ركبتيه وهو يقول «يا لبساطة الخلاص يا سيدي، ومع ذلك فما كان أغباني، لقد وثقت في كلمتك وصدقت أنني أصبحت الآن إبنًا لك».

وقام من صلاته يقفز ويهتف بصوت عال «أنا الآن من أبناء الله وفي يدي الكمبيالة الإلهية» وسمعت والدته صوته في الغرفة فأسرعت إليه تسأله عن ما حدث، فنظر إليها وهو يقول «لقد أعطاني الله كمبيالة على نفسه يا أماه. وكتب لي فيها إني خلُصت بالإيمان» إسمعي يا أماه «لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِك إدوارد روبرتسون بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ» أنا قد تجددت يا أماه …

أكرر لك كلمات المسيح اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ، وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ … فهل تثق في الكمبيالة الإلهية؟ هذا هو الدليل الأول على نوالك الميلاد الثاني.

 

2) الدليل الثاني هو شهادة روح الله:

يكتب بولس الرسول صاحب اليقين الكامل قائلاً اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ (رو 8: 16). ويقول يوحنا رسول المحبة المتدفقة مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ (1 يو 5: 10). ومن هاتين الآيتين نرى أن الشخص المولود من الله عنده في نفسه شهادة روح الله، فالروح القدس يهمس في أُذنه بموسيقى المسرة والقيادة والإرشاد لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ»” (رو14:8، 15).

وشهادة روح الله حقيقة إختبارية لا يدركها إلا الذين نالوها واختبروها في حياتهم إختبارًا حيًا واضحًا، والروح القدس في المؤمن هو روح التبني الذي به يقدر أن يهتف لله العظيم قائلاً «يا أبا الآب» أو بعبارة أخرى «يا بابا الآب».

 

هذا أبي

في حفلة تنصيب «اللورد تشلمسفورد» محافظًا لمنطقة «برسبين» دخل اللورد تحيط به مظاهر الفخامة، وكان يرتدي ملابس «وندسور» الرسمية، وبعد إنتهاء الحفلة وأداء اليمين، وقف المحافظ العظيم يتحدث إلى الجمهور في قوة، وبينما كان يلقي خطابه إذا بصوت طفلة صغيرة يرتفع بالقول «آه هذا بابا»، وكان هذا الصوت، هو صوت أصغر أطفال «اللورد تشلمسفورد».

لم تكن الطفلة قد رأت أباها أبدًا في ملابسه الرسمية، فلما رأته فرحت جدًا، ولم تعبأ بأي مظهر، بل هتفت «هذا بابا»، وهذا هو ما يتمتع به الشخص المولود من الله، فهو لا يخاف من الإقتراب من الآب السماوي، ولا يرتعب من محضره، ولكنه يصرخ إليه بالروح القدس قائلاً «يا بابا الآب»، نعم إنه عندئذ فقط يقدر أن يصلي مع جمهور المفديين قائلاً «أبانا الذي في السموات» لأنه يتمتع بروح التبني المجيد.

فهل لك شهادة الروح القدس يا صديقي القاريء العزيز، هنيئًا لك إختبارك الحي.

 

3) الدليل الثالث التمتع بالرجاء الحي:

لنسمع حديث بطرس الرسول وهو يتحدث عن هذا الدليل الأكيد فيقول مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ،لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ»” (1بط3:1-4).

فقبل أن ينال الفرد هذا الإختبار الأكيد، يحيا بالرجاء الميت، فيكون حاله كحال ذلك الغني الغبي الذي أخصبت كورته فقال «ماذا أعمل؟ أهدم مخازني وأبني أعظم منها وأجمع هناك جميع أثماري وأقول لنفسي كلي واشربي وافرحي عندك خيرات كثيرة مخزونة لسنين عديدة» وإذا بصوت الله يناديه من الأعالي يَا غَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟ (لو 12: 20). كان رجاؤه في الأشياء الأرضية فتهدم هذا الرجاء، بنى آماله على الرمال فانهارت الرمال وكان سقوطه عظيمًا.

أما المؤمن المولود من الله فهو يتمتع برجاء حي لا يموت كما يقول يوحنا الرسول الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ. وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ (1يو2:3، 3).

هذا هو الرجاء الذي ملأ قلب إبراهيم فتغرب في خيام، وملأ قلب موسى أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلًا بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ، حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ (عب24:11-26).

وملأ قلب بولس فهتف لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ. لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا، بل هذا هو الرجاء الذي كتب عنه رسول العبرانيين قائلاً  حَتَّى بِأَمْرَيْنِ عَدِيمَيِ التَّغَيُّرِ، لاَ يُمْكِنُ أَنَّ اللهَ يَكْذِبُ فِيهِمَا، تَكُونُ لَنَا تَعْزِيَةٌ قَوِيَّةٌ، نَحْنُ الَّذِينَ الْتَجَأْنَا لِنُمْسِكَ بِالرَّجَاءِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا، الَّذِي هُوَ لَنَا كَمِرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ مُؤْتَمَنَةٍ وَثَابِتَةٍ، تَدْخُلُ إِلَى مَا دَاخِلَ الْحِجَابِ (عب18:6، 19).

فهل تتمتع بهذا الرجاء المبارك؟!

 

4) الدليل الرابع هو الطاعة الكاملة لله:

يكتب يوحنا الرسول في رسالته الأولى هذه الكلمات اللامعة بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَاهُ: إِنْ حَفِظْنَا وَصَايَاهُ. مَنْ قَالَ: «قَدْ عَرَفْتُهُ» وَهُوَ لاَ يَحْفَظُ وَصَايَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ وَلَيْسَ الْحَقُّ فِيهِ. وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ (1يو4:2، 5).

وهذه الكلمات ترينا أن الطاعة الكاملة للرب هي دليل معرفتنا به، بل هي دليل نوالنا هذا الإختبار الثمين إختبار الميلاد الثاني.

 

طاعة الملائكة وطاعة المسيحي المتجدد

وعظت إحدى المرسلات مرة عن الآية القائلة لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ (مت 6: 10). قالت «هل تعلمون كيف تنفذ مشيئة الله في السماء؟ إنه يقول لجبرائيل إذهب وكلم دانيال. فلا يسأل ولا يتلكأ وإنما يطير بأجنحته في الحال لتنفيذ مشيئة الله … ثم يقول لميخائيل ان يذهب في مهمة صعبة فلا يتردد ميخائيل بل يطير في سرعة وسرور منفذًا مشيئة الله … فإذا صلينا  لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِفلنخضع لمشيئة الله وننفذها بالسرعة التي ينفذها بها ملائكة السماء». وبهذا نعرف إننا قد عرفناه إن حفظنا وصاياه.

عندما تقابل الرب مع شاول في طريق دمشق ناداه قائلاً شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟عندئذ عرف شاول الرب فقال وهو مرتعد ومتحير يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟ وبعدئذ قام وذهب إلى حنانيا كما أمره الرب، ولما قابله حنانيا قال له  قَدْ أَرْسَلَنِي الرَّبُّ يَسُوعُ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَيْ تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ (أع 9: 17). وَالآنَ لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ دَاعِيًا بِاسْمِ الرَّبِّ (أع 22: 16). لم يبطيء شاول أو يتوانى في تنفيذ مشيئة الرب، ولكن الكتاب يقول “فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ(أع 9: 18). وتمم إرادة السيد الذي قال مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ (مر 16: 16).

فهل تطيع الرب في تنفيذ فريضة المعمودية بعد الإيمان؟ وفي الخضوع لمشيئته في رد المغتصب؟ والإعتراف للذين أسأت إليهم؟

إن الطاعة هي الدليل الأكبر على نوال الميلاد الثاني.

والطاعة للرب تستلزم دراسة دائمة للكلمة المقدسة، التي تعلن مشيئة الرب كما يقول السيد إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ اللهِ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي (يو 7: 17). وتعليم الله موجود في الكتاب المقدس كقول بولس كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ (2 تي 3: 16). وكما يقول صاحب المزامير سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي (مز 119: 105). وكما يقول بطرس الرسول وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ (2 بط 1: 19).

وقد وعد الله أن يهب الروح القدس لأولاده لإرشادهم إلى الحق الكامل في الكلمة المقدسة فيفتح أمامهم الكتاب المقدس الذي كان لغزًا مغلقًا ويرفضوا تعاليم وتقاليد الناس، ويومًا بعد الآخر يغمرهم النور ويشرق أمامهم السبيل أَمَّا سَبِيلُ الصِّدِّيقِينَ فَكَنُورٍ مُشْرِق، يَتَزَايَدُ وَيُنِيرُ إِلَى النَّهَارِ الْكَامِلِ (أم 4: 18).

وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ (1 يو 1: 7). فلنسلك في طاعة الرب، وفي نور الكلمة يومًا بعد الآخر، فبهذا نعرف أننا فيه.

 

5) الدليل الخامس هو العبادة الصحيحة للرب:

قال السيد له المجد في حديثه مع المرأة السامرية اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا (يو 4: 24).

فإذا كنت قد نلت هذا الإختبار المجيد، فإنك لن ترتاح لعبادة الله عبادة ميكانيكية، ولن تستمر في ديانة الطقوس والفرائض والتقاليد، ولا في الديانة الصورية التي لا حياة فيها، إنك سوف تطير بأجنحة النعمة في عالم جديد، وتتعبد لله (بالروح والحق) (لأن الله طالب مثل هؤلاء الساجدين).

فلنتأمل نعمان السرياني قبل أن يغطس في ماء الأردن، ولنراه بعد ان غطس في النهر وقد طلع من الماء بعد ان ولد من جديد روحيًا وجسديًا فَرَجَعَ لَحْمُهُ كَلَحْمِ صَبِيٍّ صَغِيرٍ وَطَهُرَ (2 مل 5: 14). ولكنه بعد أن خرج لم يذهب إلى بيته بل عاد إلى أليشع وقال له فَرَجَعَ إِلَى رَجُلِ اللهِ هُوَ وَكُلُّ جَيْشِهِ وَدَخَلَ وَوَقَفَ أَمَامَهُ وَقَالَ: «هُوَذَا قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلهٌ فِي كُلِّ الأَرْضِ إِلاَّ فِي إِسْرَائِيلَأَمَا يُعْطَى لِعَبْدِكَ حِمْلُ بَغْلَيْنِ مِنَ التُّرَابِ، لأَنَّهُ لاَ يُقَرِّبُ بَعْدُ عَبْدُكَ مُحْرَقَةً وَلاَ ذَبِيحَةً لآلِهَةٍ أُخْرَى بَلْ لِلرَّبِّ (2مل15:5، 17). لقد بدأت حياة نعمان تتغير، فترك عبادة الأوثان، والسجود في هيكل رمون، وبدأ في عبادة الرب بالروح والحق.

فهل أنت متجدد أيها القاريء؟! هل تعبد الرب عن طريق الطقوس والعبادة التي لا حياة فيها؟ أم تعبده بالروح والحق؟!

لقد سألت السامرية الرب قائلة آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا امْرَأَةُ، صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ، لاَ فِي هذَا الْجَبَلِ، وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ. أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ . لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ. وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ، وَهِيَ الآنَ، حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ، لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا (يو20:4-24).

وهكذا أراها الرب أن عصر الطقوس، وعبادات الأماكن قد إنتهى، وبدأ عصر جديد هو عصر العبادة بالروح والحق، لأجل هذا قال بولس لرجال أثينا وهو يحدثهم عن الله فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ. الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي، وَلاَ يُخْدَمُ بِأَيَادِي النَّاسِ (أع23:17-25).

وبهذا الكلام قادهم إلى الروح الأزلي الذي يطلب عبادة الأرواح، ولهذا أيضًا ينادي الرسول جماعة المؤمنين قائلاً لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ الْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ إِلَى السَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ الآنَ أَمَامَ وَجْهِ اللهِ لأَجْلِنَافَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى «الأَقْدَاسِ» بِدَمِ يَسُوعَ، طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا، بِالْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ، وَكَاهِنٌ عَظِيمٌ عَلَى بَيْتِ اللهِ، لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ. لِنَتَمَسَّكْ بِإِقْرَارِ الرَّجَاءِ رَاسِخًا، لأَنَّ الَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ (عب24:9، عب19:10-23).

هذه هي عبادة العهد الجديد، ليست في هياكل مصنوعة بأيادي، بل في السماء عينها، التي دخل إليها يسوع كسابق لأجلنا لأنه وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ (أف 2: 6).

 

6) الدليل السادس هو دليل الحياة المتغيرة:

والحياة المتغيرة هي خير دليل على نوال هذا الإختبار، فما من شخص نال هذا الإختبار إلا وتغيرت حياته تغييراً ظاهرًا واضحًا ملموسًا، فمجنون كورة الجدريين بعد أن كان مسكنه القبور، وبعد أن كان يصيح ويجرح نفسه بالحجارة. ولم يقدر احد أن يربطه ولا بسلاسل تغير تمامًا بعد مقابلته للرب ورآه الناس جَالِسًا وَلاَبِسًا وَعَاقِلًا (مر 5: 15).

وهذا ينطبق على كلمات الرسول الجليل إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا (2 كو 5: 17).

وكم من أناس ظهرت فيهم ثمار الميلاد الثاني في سرعة ملفتة للنظر، فكانوا سببًا في مجد الله القدوس.

تجدد في مدينة ملوي بضعة شبان، وفي الحال عزموا على أبطال التدخين وسلموني علب (سجائرهم)× وظهرت ثمار الحياة الجديدة فيهم.

ورأيت سيدة في القاهرة يتغير شكلها بصورة واضحة بعد نوالها هذا الإختبار الثمين …

فهل حياتك متغيرة؟ هل أبطلت التدخين، والخمر، والنجاسة والشتم والحلف، والعادات الرديئة وأزياء العالم الخليعة، والأصباغ التي تظهر الذات؟؟ والتجارة في السوق السوداء؟ والحقد وعدم الغفران؟ إن الحياة المتغيرة هي دليل نوال الإختبار.

شر تشانج مي

وهذه القصة واقعية ترينا صدق هذه الحقيقة، وقد نقلتها سيدة كريمة من اللغة الإنجليزية عاد المدعو (لي) إلى منزله وهو متعب من عناء العمل طول النهار، وكان يقول في نفسه وهو في طريقه إلى البيت «يا ليت زوجتي تعتني بالمنزل، وتجهز لي طعامًا شهيًا للعشاء … ولكن أين لي ذلك؟! إنها تقضي معظم وقتها في لعب الورق وشرب الخمر ..»  وانقطع الرجل عن تفكيره عندما اقترب إلى باب منزله، وعندما وصل هناك لاحظ شيئًا غير عادي.

فقد وجد زوجته تنتظره وهي مبتسمة الوجه، وعلى غير عادتها بادرت بتحيته، وخاطبته بلهجة جديدة، استرعت إنتباه الزوج المتعجب المشدوه ..

ودخل (لي) إلى المنزل فلاحظ فيه تغييرًا كبيرًا، رأى المنزل نظيفًا، ووجد إبريق ماء ساخن، فسأل زوجته «هل هذا الماء الساخن لغسل رجلي؟» أجابته الزوجة «نعم يا زوجي العزيز، وقد جهزت لك عشاء من السمك اللذيذ» تناول الرجل طعام العشاء ثم إلتفت إلى زوجته قائلاً «ماذا حدث لك؟ لقد تغيرت جدًا؟!» فابتسمت الزوجة ولم تعطه جوابًا.

استيقظ الرجل في صباح اليوم التالي، ولأول مرة في حياته وجد أنها قد أعدت له الشاي وطعام الإفطار، فسألها قائلاً «هل استيقظت مبكرة وعملتِ لي هذا الطعام اللذيذ؟ … إن هذا لم يحدث منذ يوم زواجنا».

ولكن (مي) لم تجبه .. وخرج (لي) إلى عمله وهو يفكر في نفسه قائلاً «إن زوجتي قد تغيرت تغيرًا مباركًا وليته يدوم طويلاً». وعندما عاد من عمله في المساء، قابلته زوجته للمرة الثانية ببشاشة وإخلاص، ودخل فوجد الماء الساخن والعشاء الفاخر والمعاملة التي لم تحدث قط من زوجته في الأيام القديمة.

سألها «ما هذا التغيير الذي أصاب حياتك؟» ولكن المرأة لم تجب …

راقبها (لي) ولاحظ أنها لا تدخن، ولا تسكر، ولا تلعب الورق، وبدأت تعتني ببيتها عناية فائقة.

ذهب (لي) إلى أصدقائه وأخبرهم عن التغيير العجيب الذي حدث في حياة زوجته، وكيف أنها قد أبطلت الشجار، فأصبح بيته هادئًا غاية الهدوء.

وظل الرجل يسأل زوجته عن سر تغييرها وهي لا تجيب إلا بالصمت والخدمة. وفي مساء يوم ما، قال لها «إنني لن أتناول عشائي إلا إذا قلت لي عن السر في هذا التغيير الذي أصابك … إنني أريد ان أعرف وأصدقائي أيضًا يريدون أن يعرفوا، حتى يستطيعوا أن يساعدوا زوجاتهم ليتغيرن أيضًا ويصرن مثلك …»

قالت تشانج مي «عدني أولاً أنك لا تضربني لأنك ربما تنزعج إذا أخبرتك عن السبب»

قال (لي) «أضربك؟ كيف أضربك وأنت تعاملينني هذه المعاملة الحسنة، كلا إنني لن أسيء إليكِ»

قالت«لقد ذهبت إلى الكنيسة التي في المدينة يوم الأحد، وقبلت الرب يسوع المسيح كمخلص لي، وانا أؤمن بيسوع الآن، وهو ربي ومخلصي، وقد غفر لي كل خطاياي، وأعطاني نصرة على التدخين والخمر ولعب الورق … وهكذا ترى أنه جعلني زوجة مباركة».

فلما سمع الزوج إعتراف زوجته تهيج جدًا، وذهب إلى الحديقة ليفكر في الأمر وقال في نفسه «إنني أكره المبشرين، وكذلك أصدقائي يكرهونهم، ولكن هؤلاء المبشرين هم السبب في تغيير حياة زوجتي، وأنا لا أريد أن تعود زوجتي إلى حياتها القديمة مرة ثانية … والآن كيف أتصرف وماذا أعمل؟!

في هذا الوقت كانت تشانج مي في البيت تصلي بحرارة للرب حتى يرشد زوجها إلى المُخلص، ويهبه إيمانًا به، ويحفظها من ضربه ومعاملته الشديدة. صلت لفترة طويلة، مع انها كانت حديثة في حياة الإيمان، ووثقت في ان الرب سوف يرتب كل شيء …

وعاد (لي) بعد مدة وقال لزوجته «اسمعي يا زوجتي العزيزة، إذا كان الرب يسوع الذي تقولين عنه قد غير حياتك، فأنا لن أؤذيكِ، ولن يهمني ما يقوله عني أصدقائي، ولن أعبأ بتهكمهم، ولن أبالي باستهزائهم … إن غدًا هو يوم الأحد، وسأذهب معكِ إلى الكنيسة لأسمع عن هذا المخلص العجيب».

وفي الصباح ذهب (لي) مع تشانج مي إلى الكنيسة، وقد ابتهج المرسلون برؤيتهما وسمع الرجل الرسالة، وبعد وقت قبل المسيح مخلصًا وبعد ستة أشهر إعتمد بالماء هو وزوجته وصارا بركة للكثيرين.

فهل نلت هذا التغيير العجيب؟ .. إن الحياة المتغيرة هي دليل الميلاد الثاني.

 

7) الدليل السابع هو حياة الخدمة المضحية:

إن الشخص الذي ينال إختبار الميلاد الثاني، تظهر في حياته ثمار هذا الإختبار، ونحن نجد أن أهم ما يظهر فيه، خدمته بالتضحية بالمال والجهد والوقت، وفي كل الكتاب نجد هذه العلامة واضحة كل الوضوح.

فنقرأ عن الذين تجددوا في الكنيسة الأولى هذه الكلمات وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. وَالأَمْلاَكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ  (أع44:2، 45).

ونقرأ عن ليدية بعد تجديدها هذه الكلمات فَلَمَّا اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا طَلَبَتْ قَائِلَةً: «إِنْ كُنْتُمْ قَدْ حَكَمْتُمْ أَنِّي مُؤْمِنَةٌ بِالرَّبِّ، فَادْخُلُوا بَيْتِي وَامْكُثُوا». فَأَلْزَمَتْنَا (أع 16: 15).

ونقرأ عن حافظ السجن بعد تجديده أنه أخذ بولس وسيلا وَلَمَّا أَصْعَدَهُمَا إِلَى بَيْتِهِ قَدَّمَ لَهُمَا مَائِدَةً، وَتَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ إِذْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاللهِ (أع 16: 34). وهكذا بدت التضحية بالمال لأجل خدام الله وملكوت الله واضحة في حياة أولئك الذين تجددوا.

ومع التضحية بالمال، ظهرت الحياة الشاهدة للمسيح، فنقرأ في سفر الأعمال فَتَشَتَّتَ الْجَمِيعُ فِي كُوَرِ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ، مَا عَدَا الرُّسُلَفَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا، جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ(أع1:8، 4).

وفي الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا نقرأ عن إندراوس هذه الكلمات هذَا وَجَدَ أَوَّلًا أَخَاهُ سِمْعَانَ، فَقَالَ لَهُ: «قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: الْمَسِيحُ (يو 1: 41).

ونقرأ  كذلك عن فيلبس أنه وجد نثنائيل وقال له وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِفَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: «أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «تَعَالَ وَانْظُرْ»” (يو 1: 45، 46). وهكذا جاء به أيضًا إلى يسوع.

فهل تشهد للرب في حياتك؟

هل أوصلت الرسالة لزوجتك وأولادك وأصدقائك؟ هل شعارك كشعار المرنم القديم «أتكلم بشهاداتك قدام ملوك ولا أخزى». هذا هو الدليل على نوالك إختبار الميلاد الثاني لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ. لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ (رو9:10، 10). كما يقول الكتاب آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ»، نَحْنُ أَيْضًا نُؤْمِنُ وَلِذلِكَ نَتَكَلَّمُ أَيْضًا (2 كو 4: 13). وكما يقول في موضع آخر فَإِذْ نَحْنُ عَالِمُونَ مَخَافَةَ الرَّبِّ نُقْنِعُ النَّاسَ (2 كو 5: 11).

 

خدمة مستر جلمور

حدثنا واعظ معروف عن رجل إسمه مستر جلمور يعيش في أمريكا ويملك مئات الألوف من الدولارات، وضع الرجل لافته في غرفة مكتبه وقد كُتب عليها هذه العبارة «ليس كم من مالي أعطي أنا للرب بل كم من مال الرب يسمح لي ان أستخدمه». وهذا الرجل التقي يعطي أكثر من تسعين في المائة من دخله لخدمة الله! وقد وضع ثلاث طيارات تحت تصرف الخدام، لتنقلهم مجانًا في رحلاتهم التبشيرية، وهو يقوم بالتبشير ستة شهور في السنة بنفسه تاركًا أعماله لوكلائه … هذا مثال حي لأولئك الذين ولدوا من الله، فظهرت في حياتهم الخدمة المضحية.

مستلزمات الخدمة

وإلى جوار هذه الصورة الحية، يجب أن نذكر خدمة بولس الرسول ذلك الرجل المجاهد الذي كان شعاره وَلكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ اللهِ (أع 20: 24).

وخدمة تلك التلميذة القديسة (طابيثا) التي كَانَتْ مُمْتَلِئَةً أَعْمَالًا صَالِحَةً وَإِحْسَانَاتٍ كَانَتْ تَعْمَلُهَا(أع 9: 36). وخدمة وليم كاري مُرسل الهند العظيم الذي جعل برنامج خدمته في ثلاث كلمات كبرى هي «فكر أفكار عظيمة لأجل الله، انتظر أشياء عظيمة من الله، أعمل أعمال عظيمة لمجد الله»، ومع وليم كاري نذكر هدسن تيلور مؤسس إرسالية الصين الداخلية، وتشارلس فني وجورج هويتفلد وبيتر كارتريت، ودانيال وارنر، وجون وسلي، فكل هؤلاء قد ظهرت الخدمة في حياتهم لمجد الله وكرامة اسمه. ويجب أن لا ننسى ونحن بصدد الحديث عن الخدمة، أن الخدمة لها مستلزمات كثيرة حتى تكون خدمة ناجحة مباركة ومؤثرة في ربح النفوس للفادي الكريم.

وأول مستلزمات الخدمة التكريس الكُلي للرب، فالرب لا يستخدم إناء غير مكرس، لذلك كتب الرسول لتلميذه تيموثاوس يقول فَإِنْ طَهَّرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ مِنْ هذِهِ، يَكُونُ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ، مُقَدَّسًا، نَافِعًا لِلسَّيِّدِ، مُسْتَعَدًّا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ(2 تي 2: 21). ومع التكريس يجب أن تكون هناك حياة الصلاة، فالصلاة هي الطريق السلطاني لربح النفوس، ومع الصلاة ينبغي أن تكون هناك دراسة دائمة للكتاب المقدس، فالفلاح الذي يخرج إلى الحقل بلا بذار. لا يمكن أن يزرع شيئًا أو أن يحصد شيئًا، والبذار هي كلمة الله، وإلى جوار دراسة الكتاب يجب أن يتحلى المؤمن بالوداعة والتواضع إن أراد أن ينجح في خدمة سيده الذي قال تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ (مت 11: 29).

وفوق هذا كله يجب أن يتحرر المؤمن من محبة المال كلية، لأنه لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ اللهَ وَالْمَالَ (مت 6: 24). كما أن المؤمن الخادم يحتاج إلى أن تضرم في قلبه المحبة للنفوس والرغبة الشديدة في ربحها للسيد، فيحس بالحزن والوجع والألم لأجل النفوس الهالكة. فيكون لسان حاله كلام إرمياء يَا لَيْتَ رَأْسِي مَاءٌ، وَعَيْنَيَّ يَنْبُوعُ دُمُوعٍ، فَأَبْكِيَ نَهَارًا وَلَيْلًا قَتْلَى بِنْتِ شَعْبِي (إر 9: 1). والصفة الأخيرة والضرورية جداً، هي ضرورة نوال مسحة الروح القدس، لأنها الوسيلة الفعالة في ربح النفوس للمسيح، وفي إعطاء المؤمن روح الشجاعة والجرأة في الشهادة، فيوبخ الخطية في محبة ولكن بلا خوف، ويشهد للسيد في قوة الروح القدس، والخدمة الناجحة هي الخدمة الممسوحة بروح الله كما يقول السيد ذاته لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ (زك 4: 6).

لقد كانت هذه الصفات مجتمعة في شخصية (دويت لايمان مودي) الرجل الذي ربح الألوف للمسيح، فإن أردنا خدمة ناجحة فلا بد أن نُطبق هذه الشروط على حياتنا، ولنذكر كلمات الرسول التي خاطب بها القديسين في كورنثوس قائلاً إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرَّبِّ (1 كو 15: 58)، بل لنذكر لحنه الأخير الذي وقعه على أوتار قيثارة حياته حين قال فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ. قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ (2تي6:4-8).

هذه هي حياة الخدمة، وهي دليل نوالك هذا الإختبار الثمين.

 

Exit mobile version