يسوع الوسيط والشفيع

 

 

Jesus the Mediator and Intercessor

دراسة تحليلية كتابية لموضوع وساطة المسيح وشفاعته

ومفهوم الكتاب المُقدس بخصوص شفاعة القديسين المُنتقلين

 

الطبعة الثانية
1999

 

جميع حقوق الطبع والنشر

محفوظة للمؤلف

 

الدكتور القس لبيب ميخائيل

 

 

يسُوع الوسيط والشفيع

سنذكر فيما يلي عدة آيات تُدخلنا إلى صميم موضوعنا بغير مقدمات:

1) “لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ” (1تي5:2 ،6).

2) “فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ! وَلأَجْلِ هذَا هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ، لِكَيْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّونَ ­ إِذْ صَارَ مَوْتٌ لِفِدَاءِ التَّعَدِّيَاتِ الَّتِي فِي الْعَهْدِ الأَوَّلِ يَنَالُونَ وَعْدَ الْمِيرَاثِ الأَبَدِيِّ” (عب14:9 ،15).

3) “لأَنَّكُمْ لَمْ تَأْتُوا إِلَى جَبَل مَلْمُوسٍ مُضْطَرِمٍ بِالنَّارِ، وَإِلَى ضَبَابٍ وَظَلاَمٍ وَزَوْبَعَةٍ، … بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ. أُورُشَلِيمَ … وَإِلَى وَسِيطِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، يَسُوعَ، وَإِلَى دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ” (عب18:12 ،22-24).

4) “يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا” (1يو1:2، 2).

5) “وَأَمَّا هذَا فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ. فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ” (عب24:7 ،25).

والآيات التي ذكرناها تؤكد في وضوح أن الرب يسوع المسيح هو الوسيط والشفيع الوحيد.

تحديد المعاني:

نجد لزامًا علينا في بداية هذه الدراسة الكتابية أن نحدد المعاني لتوضح أمامنا الفكرة بغير إبهام، وأول ما نريد توضيحه هو أن نُحدد معنى كلمة «وسيط» ومعنى كلمة «شفيع»، ففهمنا لمعنى هاتين الكلمتين يوضح لنا عمل المسيح المزدوج، فندرك تمامًا ما نعنيه حين نقول إن يسوع هو «الوسيط» و «الشفيع».

فماذا تعني كلمة «وسيط»؟ وماذا تعني كلمة «شفيع»؟

كلمة «وسيط» جاءت في قاموس المنجد بالمعنى التالي «الوسيط»: المتوسط بين المُتخاصمين ويقال «هو وسيط فيهم» أي «هو أرفعهم مقامًا واشرفهم نسبًا».

أما كلمة «شفيع» فتعني «من يتشفع» وفعلها «شفع» وكلمة شفع جاءت في قاموس المنجد كما يلي «شفع – شفاعة» لفلان أو في فلان إلى زيد: أي طلب من زيد أن يعاونه .. ويقال «فلان يعاديني وله شافع» «أي وله معين يعينه على عداوتي». وقد جاء في قاموس البستان «الشفاعة هي السؤال في التجاوز عن المؤاخذة من الذي وقعت الجريمة في حقه».

وعلى أساس هذا التحديد للمعاني يمكننا القول أن عمل المسيح «الوسيط» هو التوسط بين الإنسان الخاطيء الذي خاصم الله بسبب خطيته، وبين الله العادل الديان، وتسميته بالوسيط تعني أنه رفيع المقام قادر على الوساطة. وأن عمل المسيح «الشفيع» هو الطلب من الآب أن يعاون أولاده لكي لا يسقطوا في الخطية، وأن يعينهم على عدوهم إبليس، وكذلك أن يُكفر عن خطايا وآثام الساقطين منهم.

 

الفصل الأول

يسوع الوسيط

 

ليس في قدرة شخص غير الرب يسوع المسيح أن يكون وسيطًا بين الله والناس، ذلك لأن هناك شروطًا أساسية وجوهرية يجب أن تتوفر في شخصية الوسيط.

قديمًا صرخ أيوب وهو يتحدى أصحابه قائلاً “لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا” (أي32:9-34).

وكلمات أيوب ترينا عجز الإنسان عن مواجهة الله، وإحساسه بضآلته في محضره القدوس .. كما ترينا حاجة الإنسان الكُبرى إلى مُصالح يُصالحه مع الله .. ويتجسم إحساس أيوب بضألته في كلماته القائلة: “فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟ .. هُوَ حَكِيمُ الْقَلْبِ وَشَدِيدُ الْقُوَّةِ. مَنْ تَصَلَّبَ عَلَيْهِ فَسَلِمَ؟ الْمُزَحْزِحُ الْجِبَالَ وَلاَ تَعْلَمُ، الَّذِي يَقْلِبُهَا فِي غَضَبِهِ. الْمُزَعْزِعُ الأَرْضَ مِنْ مَقَرِّهَا، فَتَتَزَلْزَلُ أَعْمِدَتُهَا” (أي1:9-6).

والكلمات تصور لنا الله العظيم القادر على كل شيء “فَاعِلُ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ، وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ” (أي10:9).

والإنسان في إحساسه بصغره بالقياس إلى هذا الإله القدير .. وبهذا الإحساس يهتف أيوب قائلاً “لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا” (أي32:9-34).

وبهذه الكلمات يُعبر أيوب عن شوق قلبه أن يجد مُصالحًا يكون كفوًا لله، وللإنسان، ليضع يده على كليهما. وكلمات الكتاب المقدس تؤكد أن هناك شروطًا جوهرية وأساسية يجب أن تتوفر في الوسيط .. فما هي هذه الشروط؟

1) أول شرط يجب أن يتوفر في الوسيط أن يكون إلهًا وإنسانًا في وقت واحد:

فالوسيط يجب أن يكون إلهًا لكي يساوي الله ويضع يده عليه، ويجب أن يكون إنسانًا لكي يساوي الإنسان ويضع يده عليه أيضًا، وهذا الشرط واضح في كلمات أيوب “لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ … ليْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا” وهذا يعني أن هذا الوسيط المُصالح الذي طلبه أيوب يجب أن يكون مساويًا لله، ولذا فلا يمكن أن يكون متروكًا لأن المخلوق لا يمكن أن يساوي خالقه، والبشر جميعًا والملائكة مخلوقات لا تستطيع أن تصل إلى مركز المساواة مع الخالق الأزلي العظيم، وعلى هذا فليس في إستطاعة القديس أو الملاك أن يتوسط بين الله والإنسان، فالقديسون بشر، والبشر خطاة بطبيعتهم “اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (مز2:14 ،3).

والملائكة خدام الله “بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ” (مز 103: 20). “الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً” (مز 104: 4). “أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!” (عب 1: 14). وعلى أساس هذه الآيات الكتابية الواضحة أقول أنه ليس في مقدور إنسان من البشر أن يتوسط بين الله والناس بسبب خطيته التي فصلت بينه وبين الله كما قال اشعياء النبي “هَا إِنَّ يَدَ الرَّبِّ لَمْ تَقْصُرْ عَنْ أَنْ تُخَلِّصَ، وَلَمْ تَثْقَلْ أُذُنُهُ عَنْ أَنْ تَسْمَعَ. بَلْ آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلهِكُمْ، وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ” (اش1:59، 2).

كما أنه لا يستطيع ملاك أن يتوسط بين الله والناس فلا هو إله حتى يضع يده على الله، ولا هو إنسان حتى يضع يده على الإنسان، فلا بد من كائن يكون إلهًا وإنسانًا في وقت واحد، يكون إلهًا بطبيعته واحدًا مع الله في أزليته، ليستطيع أن يضع يده على الله، ويكون إنسانًا ليعرف طبيعة الإنسان ليس فقط بقدرة المعرفة العقلية بلاهوته، بل أيضًا بالمعرفة الإختبارية عن طريق «التجسد» الفعلي ليستطيع بهذا التجسد التوسط بين الله والإنسان، والشخص الوحيد الذي يتوفر فيه هذا الشرط هو «الإنسان يسوع المسيح».

2) الشرط الثاني الواجب توفره في الوسيط أن تكون لديه الرغبة في مصالحة الطرفين المتخاصمين:

هذا الشرط واضح في كلمات ايوب القائلة “لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا” (أي33:9)، فلقد إشتاق أيوب أن يجد «المُصالح الإلهي الإنساني»، والشخص الوحيد الذي جاء ورغبة قلبه أن يُصالح الإنسان مع الله هو المسيح يسوع الذي قال عنه بولس “وَلكِنَّ الْكُلَّ مِنَ اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ، أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ” (2كو18:5-20).

وقال عنه في موضع أخر “وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ. لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلًا بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا، وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلًا الْعَدَاوَةَ بِهِ” (أف13:2-16).

لقد جاء المسيح من السماء ورغبة قلبه مصالحة الإنسان وإعادته لله ولقد أعلن عن هذا الحق بكلماته الحلوة:

“لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو 19: 10).

 

3) الشرط الثالث الواجب توفره في الوسيط أن يكون قد بذل نفسه فدية لأجل الجميع:

وتطلب الفدية الكمال والخلو التام من الخطية إذ لا يمكن أن يقبل الله القدوس فدية حيوانية أو فدية بشرية كما قال كاتب الرسالة إلى العبرانيين “لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا” (عب 10: 4). وكما قال صاحب المزمور “الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ. وَكَرِيمَةٌ هِيَ فِدْيَةُ نُفُوسِهِمْ، فَغَلِقَتْ إِلَى الدَّهْرِ” (مز7:49 ،8).

وقد تجسد المسيح ليكون فدية لأجل الجميع كما قال بولس الرسول “أَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ” (1تي5:2، 6).

ويقول “G. Campbell Morgan” في كتابه The Answers of Jesus to Job (أن الكلمة (Antiulutron اليونانية المترجمة إلى «فدية» لا توجد في كل العهد الجديد إلا في هذه الآية، وفوق ذلك فإنها كلمة غير معروفة في اللغة اليونانية الكلاسيكية القديمة، ويبدو لي أحيانًا أن بولس صاغ كلمة جديدة باستخدامه لهذه الكلمة، ولو أنني أجد ما يشبه هذه الكلمة في كتابات متى ومرقس فكلاهما سجل عن المسيح أنه استخدم كلمة «Lutron» عندما قال “كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مت 20: 28)، (مر45:10).

وعند فحص الكلمة (فدية) نرى أنها تشير إلى عمل بواسطته رُفعت الخطية التي فصلت بين الله والإنسان بل إلى عمل أعاد الإنسان من منطقة الوجود العقلي إلى منطقة الوجود الروحي، وهكذا فتح الطريق إلى الله أمام الإنسان بواسطة الفداء الذي أتمه المسيح على الصليب.

إن المسيح قد أعاد بفدائه إمكانية الشركة المباشرة بين الله والإنسان. فعندما يُخضع الإنسان نفسه ليس نظريًا – بل فعليًا – للإنسان يسوع المسيح الذي هو الوسيط، يجد أن الشر الذي أعمى عينيه، وأفقده الإحساس بالله قد أُزيل وإن التعامل المباشر مع الله قد أصبح ليس ممكنًا فقط، ولكنه إختبار عملي، وكما قال بولس في موضع أخر “الَّذِي بِهِ لَنَا جَرَاءَةٌ وَقُدُومٌ بِإِيمَانِهِ عَنْ ثِقَةٍ” (أف 3: 12). هذا القدوم لا يعني معرفة الكثير عن الله، بل معرفة الله، لقد وجدت صرخة أيوب الإجابة الكافية في شخص المسيح الوسيط الذي وضع يده على الله لأنه واحد معه، ووضع يده على الإنسان إذ قد وُجِدَ في الهيئة كإنسان وهكذا أعاد الإنسان إلى الشركة الحقيقية مع الله، ولذا قال عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين “فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ! وَلأَجْلِ هذَا هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ” (عب14:9 ،15).

4) الشرط الرابع الواجب توفره في الوسيط هو الوجود في كل مكان وزمان:

الوجود في كل مكان .. في أسيا، وأفريقيا، وأوروبا، والأمريكاتين، واستراليا، ليستطيع أي إنسان في أي مكان في العالم أن يجده حين يريد الإلتجاء إليه، وليس في قدرة إنسان من البشر مهما سمى مركزه ولا في قدرة نبي من الأنبياء مهما أرتفع قدره ان يكون موجودًا في كل مكان وفي كل زمان، أما الرب يسوع المسيح فقد قال “لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ” (مت 18: 20). وقال أيضًا “وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ” (مت 28: 20). وسجل عنه يوحنا البشير الكلمات “وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ” (يو 3: 13). فهو وحده الوسيط الذي يتوفر فيه هذا الشرط الأساسي الهام.

وسيط واحد

وقد حدد الكتاب المقدس بلغة يفهمها أبسط الناس، أنه لا يوجد سوى «وسيط واحد» بين الله والناس هو الإنسان يسوع المسيح فقال بولس كلمته “لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (1 تي 2: 5). وأسماه «الإنسان» لكي يبطل حجة القائلين أنهم لا يقدرون أن يقتربوا منه مباشرة لكونه الله، فأكد أنه كذلك «الإنسان» الذي يمكن لأي إنسان يريد الذهاب إليه أن يتقابل معه، ويطلب وساطته ، فلا وسيط غير المسيح إذن، وكل وسيط أخر عَينه الناس هو وسيط مزيف لا قيمة لوساطته عند الله العادل الديان.

وقد يسأل أحدهم قائلاً: لماذا يكون الوسيط واحدًا ولماذا يكون هو المسيح ولا سواه؟

ونجيب على هذا السؤال المزدوج بالقول، أنه لا يمكن أن يكون هناك وسيط أخر غير المسيح، لأنه الكائن الوحيد الذي توفرت فيه جميع الشروط القانونية للوساطة، وقد قال بفمه المبارك “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي” (يو 14: 6).
إن المسيح وحده هو الإله والإنسان في آنً معًا، وهذا الحق مؤسس على إعلانات الكتاب المقدس عن الثالوث العظيم، وعقيدة الثالوث عقيدة كتابية تتفق مع المنطق السليم.

فالآب هو الله في ذاته: الله الذي لم يره أحد قط كما قال يوحنا البشير في إنجيله “اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ” (يو 1: 18).

والروح القدس هو الله في تأثيره: أو بمعنى أخر في عمله في البشر لتبكيتهم على خطيتهم، وإعلان الحق الإلهي لأذهانهم، وتجديد قلوبهم وهذا واضح من كلمات العهد الجديد “وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ” (يو 16: 8).

“بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ»، فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ” (1 كو 2: 9). “اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ” (يو 3: 6).

وعقيدة الثالوث لا تتعارض مع الوحدانية، فوحدانية الثالوث تعني وحدة الجوهر، وتحل كل الأسئلة العويصة التي تعترض العقل البشري. فالإنسان المُفكر يسأل: مع من كان الله يتكلم قبل أن يخلق الملائكة والناس إذا اعتقدنا بوحدانية بسيطة غير وحدانية الثالوث؟ ومن ذا الذي أحبه الله قبل أن يخلق مخلوقاته؟ هل أحب سبحانه وتعالى ذاته وبذلك يصبح حاشاه – جل شأنه كالمصابين بمرض النرجسية؟ وكيف قال تبارك أسمه “نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا” (تك 1: 26) وهو روح، والروح ليس هو الجسد الذي صُنع على صورته الإنسان؟ إن عقيدة الثالوث تجيب إجابات شافية على كل هذه الأسئلة، فترينا أن الله الآب كان يتكلم مع الله الابن فهما واحد في الأزلية، وأن الله الآب أحب الله الابن كما نقرأ كلماته “لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ” (يو 17: 24).

وأن الله الابن كان مزمعًا أن يأخذ صورة الإنسان وعلى هذه الصورة التي كان مزمعًا أن يأتي بها عمل الإنسان .. أمام هذا الحق المُعلن في كلمة الله نرى أن المسيح هو (الله الابن) الذي تجسد في هيئة الإنسان كما قال عنه يوحنا البشير “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ … وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا” (يو 1:1 ،14).

وكما قال عنه بولس الرسول “الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ” (كو15:1، 16). وكما قال عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ، الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي” (عب1:1-3).

المسيح إذن هو «الإله والإنسان» في وقت واحد، ولهذا سأل له المجد الفريسيين الذين أحاطوا به سؤالاً قصد به أن يكشف عن عيونهم الحجاب ليعرفوا حقيقة شخصه فقال “مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلًا: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟»” (مت42:22-45). ويقينًا أن إجابة سؤال المسيح هي: أن المسيح هو ابن داود من جهة الجسد وكما قال بولس الرسول “الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ” (رو 1: 3). وهو رب داود باعتباره «الله الابن» الأزلي الأبدي.

ولكون المسيح ابن الله، والله الابن الذي تحدث عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً “وَأَمَّا عَنْ الابْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ” (عب 1: 8). فهو يستطيع أن يضع يده على الله على أساس معادلته له .. ولكونه قد صار في الهيئة كإنسان، فهو يستطيع أن يضع يده على الإنسان وبهذا يكون هو الوسيط الوحيد الذي تمنى أيوب أن يجده في بلواه، والذي قال عنه بطرس الرسول “وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ” (أع 4: 12).

 

الفصل الثاني

يسوع الشفيع

نتحدث في هذا الفصل عن عمل المسيح (الشفيع) فالمسيح له المجد باعتباره الوسيط الواحد يصالح الخاطيء الذي يَقبلهُ مع الله على أساس أن دمه الثمين قد فدى ذلك الخاطيء الأثيم، أما باعتباره الشفيع الوحيد فهو يطلب من الآب لأنه رئيس كهنتنا أن يعاون المؤمنين به، وأن يعينهم على عداوة إبليس لهم، وأن يغفر لهم خطاياهم وسقطاتهم ولهذا قال عنه يوحنا الرسول “يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا” (1يو2،1:2).

وقال عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين “فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ” (عب 7: 25).

وكما حدد الكتاب المقدس شروطًا جوهرية وأساسية للوسيط كذلك حدد شروطًا جوهرية وأساسية للشفيع.

فما هي الشروط الواجب توفرها في الشفيع؟

يؤكد إشعياء النبي في سفره، أن الله لم يجد بين كل بني البشر شفيعًا يستطيع أن يشفع في المذنبين، وهذه كلمات إشعياء “فَرَأَى أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانٌ، وَتَحَيَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ شَفِيعٌ. فَخَلَّصَتْ ذِرَاعُهُ لِنَفْسِهِ، وَبِرُّهُ هُوَ عَضَدَهُ” (إش 59: 16).

والكلمات تؤكد أن الله لم يجد بين الناس أو الملائكة من يستطيع أن يشفع للخطاة عنده كما قال (ليس شفيع)، ذلك لأن هناك شروطًا أساسية يجب توفرها في الشفيع.

1) الشرط الأول الواجب توافره في الشفيع هو أن يكون بارًا بطبيعته الأصيلة:

هذا الشرط واضح في كلمات يوحنا الرسول القائلة “وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ (1يو1:2). وليس بين البشر من هو بار بطبيعته الأصيلة.

فداود النبي قال “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مز 51: 5).

واشعياء النبي قال “كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ” (إش 53: 6).

وبولس الرسول قال “فَمَاذَا إِذًا؟ أَنَحْنُ أَفْضَلُ؟ كَلاَ الْبَتَّةَ! لأَنَّنَا قَدْ شَكَوْنَا أَنَّ الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّينَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ…. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو9:3-12، 23،22).

وحتى القديسون الذين تبرروا مجانًا بالفداء الذي بيسوع المسيح أوصاهم الرب قائلاً “كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا” (لو 17: 10).

والقديسة مريم أم يسوع اعترفت أنها خاطئة خلصها الله بنعمته في كلماتها القائلة “تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي (لو47،46:1). وكلماتها تؤكد أنها لم تولد بلا خطية، وبالتالي إنها ليست بارة بطبيعتها الأصيلة التي وُلدت بها، أما الرب يسوع المسيح فهو وحده «البار» بطبيعته الأصيلة وهذا الحق واضح في إعلانات الكتاب المقدس.

فعندما سألت مريم العذراء الملاك جبرائيل ساعة أن بشرها بأنها ستلد يسوع قائلة “كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟ فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ” (لو35،34:1).

وقد قرر يوحنا الرسول خلو المسيح تمامًا من الخطية بالكلمات “وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ (1 يو 3: 5).

وأكد كاتب الرسالة إلى العبرانيين أن المسيح قدوس بلا شر ولا دنس بالكلمات “لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ” (عب 7: 26).

وعلى هذا فالمسيح الوحيد (البار) بطبيعته الأصيلة، وأي شخص ليس بارًا بطبيعته الأصيلة لا يصلح أن يكون شفيعًا.

2) الشرط الثاني الواجب توفره في الشفيع أن يكون عند الآب وأن تكون شفاعته مقبولة عنده:

نقول هذا على أساس كلمات يوحنا الرسول “فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ”، فالمسيح الآن عند الآب كما نقرأ:

“بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي” (عب 1: 3).

“وَأَمَّا رَأْسُ الْكَلاَمِ فَهُوَ: أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هذَا، قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ فِي السَّمَاوَاتِ” (عب 8: 1).

“وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ” (عب 10: 12).
وشفاعته مقبولة تمامًا عند أبيه كما قال بفمه المبارك

“لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي” (يو 14: 6).

وشفاعة المسيح هذه شفاعة دائمة، ولذا فنحن نؤمن أنه وحده الشفيع الوحيد المقبول عند الآب.

3) الشرط الثالث الواجب توفره في الشفيع أن يكون كفارة لخطايانا:

وكلمة (كفارة) كما جاءت في قواميس اللغة: معناها «الستر والتغطية» كفر الشيء: سَترُه وغطاه. يُقال: «كفر درعه بثوبه» أي غطاها به ولبسه فوقها. وكفر الله له الذنب: محاه.

وقد قال شاعر عربي: «في ليلة كفر الغمام نجومها» – أي سترها وغطاها، ويوحنا الرسول يؤكد أن الرب يسوع هو الشفيع الوحيد لأنه ستر ذنوبنا ومحاها وغطاها بدمه الذي سفكه حين مات على الصليب فمن حقه على أساس موته أن يطلب من الآب غفرانها “وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا” (1يو2،1:2).

وهذا ينطبق تمامًا على كلمات النبي إشعياء القائلة “مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ” (إش 53: 12). ومع كلمات بطرس الرسول القائلة “الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ” (1 بط 2: 24).

4) الشرط الرابع الواجب توفره في الشفيع أن يكون حيًا في كل حين:

يقارن كاتب الرسالة إلى العبرانيين بين الكهنوت اللاوي، وكهنوت الرب يسوع فيقول “لأَنَّ أُولئِكَ بِدُونِ قَسَمٍ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً، وَأَمَّا هذَا (أي المسيح) فَبِقَسَمٍ مِنَ الْقَائِلِ لَهُ: «أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ». عَلَى قَدْرِ ذلِكَ قَدْ صَارَ يَسُوعُ ضَامِنًا لِعَهْدٍ أَفْضَلَ. وَأُولئِكَ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً كَثِيرِينَ من أَجلِ مَنْعِهِمْ بِالْمَوْتِ عَنِ الْبَقَاءِ، وَأَمَّا هذَا فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ. فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ (عب21:7-25).

وعلى أساس هذا الكلام الواضح نفهم أنه يجب أن يكون الشفيع حيًا في كل حين، موجودًا في كل مكان، عالمًا بكل شيء ليستطيع أن يشفع في الساقطين الذين يتقدمون به إلى الله.

ونخلص من كل ما تقدم: إن المسيح (الوسيط) يقربنا إلى الله .. ولكن المسيح (الشفيع) يبقينا قريبين ومصالحين معه.

“لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ،

فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ!” (رو 5: 10).

 

الفصل الثالث

الخطأ الفظيع في طلب الشفاعة من القديسين الراحلين

رأينا أن الكتاب المقدس بكلا عهديه يؤكد أن المسيح هو الوسيط الوحيد الذي به يقترب الخاطيء التائب إلى الله، وهو الشفيع الوحيد الذي يحفظ المؤمن المتجدد قريبًا من الله ومصالحًا معه.

وهنا قد يسأل مؤمن: هل من خطأ أو خطر في طلبنا الشفاعة من القديسين الراحلين؟

ونجيب أن طلب الشفاعة من القديسين الراحلين هو خطأ فظيع، وتجديف رهيب، وجرح لمشاعر ربنا يسوع المسيح.

إن الباحث في الكتاب المقدس لا يمكنه أن يجد كلمة شفاعة مقترنة بشخص غير شخص الرب يسوع، وكذلك شخص الروح القدس، وشفاعة الروح القدس في المؤمن تعني أن الروح القدس يعين ضعفات المؤمن ويصحح أخطاء صلاته كما قال الرسول بولس “وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا. وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ” (رو27،26:8).

أما التعليم بشفاعة القديسين الراحلين فهو تعليم دخيل على المسيحية لا يتفق في أصوله وفروعه مع كلمات الكتاب المقدس.

والخطأ الفظيع في طلب الشفاعة من القديسين الراحلين يظهر فيما سنسرده من أدلة.

1) إن طلب الشفاعة من القديسين الراحلين هو تأليه لهؤلاء القديسين وبالتالي هو شرك بالله وإهانة لشخصه القدوس:

من البديهيات المعروفة أن الإنسان – كل إنسان – وأي إنسان – هو مخلوق محدود الوجود، محدود القدرة، محدود المعرفة، أو بمعنى أدق أن الإنسان لا يستطيع أن يكون موجودًا في كل مكان. قادرًا على كل شيء، عارفًا بكل شيء، ولكن الذين يمارسون طلب الشفاعة من القديسين المنتقلين يؤلهون هؤلاء القديسين، إذ هم يفترضون فيهم ما لا يمكن أن يكون من صفاتهم .. أجل يفترضون وجودهم في كل مكان، وعلمهم بكل شيء، وقدرتهم على كل شيء، وهذه هي الوثنية في أبشع صورها .. إذ كيف يمكن أن نتصور أن القديسة مريم يمكن أن توجد في السماء وفي الأرض في وقت واحد، ويمكن أن تستمع إلى الملايين الذين يطلبون منها أن تشفع فيهم في أنحاء الأرض، في أسيا، وافريقيا، وأوروبا، واستراليا، والأمريكتين؟!

إن الإنسان البشري محدود الوجود، محدود القدرة، محدود المعرفة، قبل الموت أو بعد الموت .. والروح البشرية تستمر بعد انفصالها عن الجسد روحًا بشرية محدودة الوجود، محدودة القدرة، محدودة المعرفة، ولذا فإن الاعتقاد بوجود أرواح القديسين المنتقلين في كل مكان، أو علمها بكل شيء، أو قدرتها على كل شيء يعني أننا نؤله أرواح هؤلاء القديسين .. يعني أننا نشرك مع الله آلهة أخرى .. يعني أننا نهين الله العلي المرتفع ساكن الأبد، الذي السماء كرسيه والأرض موطيء قدميه والذي قال عنه صاحب المزمور “أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ. إِنْ أَخَذْتُ جَنَاحَيِ الصُّبْحِ، وَسَكَنْتُ فِي أَقَاصِي الْبَحْرِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا تَهْدِينِي يَدُكَ وَتُمْسِكُنِي يَمِينُكَ” (مز7:129-10).

ونحن نؤكد بناء على إعلانات الكتاب المقدس أن الصلوات التي ترفع للقديسين أو بإسمهم، صلوات غير مسموعة، بل هي في الواقع صلوات مهينة لله الذي لم يرض بأقل من موت إبنه كفارة لخطية الإنسان، والذي أعلن أن الأساس الوحيد للشفاعة المقبولة هو أساس موت المسيح، وعلى هذا يكون المسيح هو الشفيع الوحيد لا سواه.

لقد أكد بولس الرسول للمؤمنين في فيلبي أنه حين يذهب ليكون مع المسيح فلن ينفعهم بشيء، وأن بقاءه في الجسد ألزم من أجلهم، ولو كان تعليم الشفاعة للقديسين الراحلين تعليمًا مؤسسًا على كلمة الله لقال بولس للمؤمنين في فيلبي أن ذهابه ليكون مع المسيح سينفعهم كثيرًا إذ أنه سيصلي من أجلهم هناك ويشفع فيهم، وأنه سيأتي بين الحين والحين لمعونتهم في جهادهم!! لكن بولس الرسول لم يقل هذا، فتعال معي لنسمع ما قال “وَلكِنْ إِنْ كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا. وَلكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ (في22:1-24).

إن الموت ينهي علاقة المؤمن بالأرض ومن عليها فلا يعلم عنها شيئًا وهذا واضح تمامًا في كلمة الله إذ يقول صاحب المزمور “الإِنْسَانُ مِثْلُ الْعُشْبِ أَيَّامُهُ. كَزَهَرِ الْحَقْلِ كَذلِكَ يُزْهِرُ. لأَنَّ رِيحًا تَعْبُرُ عَلَيْهِ فَلاَ يَكُونُ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مَوْضِعُهُ بَعْدُ (مز16،15:103).

“لاَ تَتَّكِلُوا عَلَى الرُّؤَسَاءِ، وَلاَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَيْثُ لاَ خَلاَصَ عِنْدَهُ. تَخْرُجُ رُوحُهُ فَيَعُودُ إِلَى تُرَابِهِ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَفْسِهِ تَهْلِكُ أَفْكَارُهُ” (مز4،3:146). ويقول أيوب “إِذَا مَضَتْ سِنُونَ قَلِيلَةٌ أَسْلُكُ فِي طَرِيق لاَ أَعُودُ مِنْهَا (أي 16: 22).

فلنحذر من طلب شفاعة القديسين الراحلين، فإنهم لا يسمعون طلباتنا التي نرفعها إليهم، فهم ما زالوا بشرًا، انقطعت صلتهم بأرضنا وليس في قدرتهم سماع أصواتنا.

2) إن طلب الشفاعة من القديسين الراحلين يجرح قلب المسيح:

يقول أصحاب الاعتقاد بالالتجاء إلى القديسين الراحلين: إنهم يلجأون لهؤلاء القديسين لأنهم لا يستطيعون الإلتجاء مباشرة إلى شخص المسيح الكريم، وكلام كهذا يجرح قلب المسيح ذلك لأنه – له المجد – نادى المتعبين والثقيلي الأحمال أن يأتوا إليه مباشرة إذ قال لهم بكلمات صريحة “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت 11: 28). وقال أيضًا “مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا” (يو 6: 37). فالالتجاء إلى القديسين الراحلين وُجد أنه وثنية رهيبة، هو كذلك جرح لمشاعر المسيح الحنون الذي لا يرفض من يأتي إليه.

إن الرب يسوع قد أثبت حبه لنا بموته على الصليب كما قال له المجد “لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ” (يو 15: 13). فأي قديس مات لأجلنا على الصليب حتى نثق فيه أكثر من ثقتنا في المسيح، أو نلجأ إليه ليشفع فينا عند المسيح؟

إصغ إلى كلمات الرب المبارك “لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي” (يو 15: 15). إن المؤمنين أحباء الرب “حَبِيبُ الرَّبِّ يَسْكُنُ لَدَيْهِ آمِنًا. يَسْتُرُهُ طُولَ النَّهَارِ، وَبَيْنَ مَنْكِبَيْهِ يَسْكُنُ” (تث 33: 12). فهل يليق بحبيب الرب الذي يسكن بين منكبيه أن يطلب من الآخرين أن يشفعوا فيه عنده؟! أفلا يجرح هذا قلب المسيح الكبير؟!

3) إن طلب الشفاعة من القديسين الراحلين يعلن عن جهل الطالبين بالمقام الحقيقي الذي للمؤمنين المتجددين:

إن المؤمنين في مقامهم الحقيقي الآن هم بمثابة «خطيبة للمسيح» كما قال بولس الرسول “فَإِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ اللهِ، لأَنِّي خَطَبْتُكُمْ لِرَجُل وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ” (2 كو 11: 2). وبعد قليل جدًا حين يأتي الرب لأخذ خاصته من العالم ستصير الخطيبة امرأة للمسيح، عروسًا له، كما نقرأ في سفر رؤيا يوحنا “لِنَفْرَحْ وَنَتَهَلَّلْ وَنُعْطِهِ الْمَجْدَ! لأَنَّ عُرْسَ الْخَرُوفِ قَدْ جَاءَ، وَامْرَأَتُهُ هَيَّأَتْ نَفْسَهَا. وَأُعْطِيَتْ أَنْ تَلْبَسَ بَزًّا نَقِيًّا بَهِيًّا، لأَنَّ الْبَزَّ هُوَ تَبَرُّرَاتُ الْقِدِّيسِينَ” (رؤ8،7:19).

فإذا كان هذا هو المقام الحقيقي للمفديين، فكيف يرضى مفدي أن يطلب الشفاعة لدى خطيبه وعريسه من الآخرين؟

لقد أرانا الرب أن علاقته بالمؤمنين الحقيقيين هي أقوى وأمتن علاقة بل إنها تفوق علاقة القرابة الجسدية. وهذا واضح مما سجله البشير مرقس بالكلمات “فَجَاءَتْ حِينَئِذٍ إِخْوَتُهُ وَأُمُّهُ وَوَقَفُوا خَارِجًا وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَدْعُونَهُ. وَكَانَ الْجَمْعُ جَالِسًا حَوْلَهُ، فَقَالُوا لَهُ: «هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ خَارِجًا يَطْلُبُونَكَ». فَأَجَابَهُمْ قِائِلًا: «مَنْ أُمِّي وَإِخْوَتِي؟» ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى الْجَالِسِينَ وَقَالَ: «هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي، لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي»” (مر31:3-35). فهل بعد كل هذا نمارس الإلتجاء إلى القديسين الراحلين ونطلب منهم أن يشفعوا فينا؟!

4) إن طلب الشفاعة من القديسين يضع هؤلاء القديسين في مرتبة أعلى من مرتبة المؤمنين مع أن جميع المؤمنين الحقيقيين قديسين:

يخطئ من يعتقد أن بولس، وبطرس، ويوحنا، واندراوس، ومتى، وتوما، وفيلبس، هم وحدهم القديسون، وأن بقية المؤمنين الحقيقيين ليسوا قديسين، فالكتاب المقدس يؤكد لنا أن جميع المؤمنين قديسين فبولس الرسول يكتب إلى أعضاء كنيسة كورنثوس قائلاً “بُولُسُ، الْمَدْعُوُّ رَسُولًا لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَسُوسْتَانِيسُ الأَخُ، إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ” (1كو2،1:1). ويكتب إلى المؤمنين في فيلبي قائلاً “بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي” (في 1: 1). ويكتب إلى المؤمنين في كولوسي قائلاً “بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَتِيمُوثَاوُسُ الأَخُ، إِلَى الْقِدِّيسِينَ فِي كُولُوسِّي” (كو2،1:1).

وهكذا يرينا الكتاب المقدس أن جميع المؤمنين قديسين لا فرق بين واحد والآخر، حتى لا يقع المؤمنون في تمجيد بعض القديسين.

وقديمًا أخفى الرب قبر موسى لكي لا يعظمه اليهود أو يلجأوا إلى قبره للتبرك به، وعن هذا نقرأ الكلمات “وَصَعِدَ مُوسَى مِنْ عَرَبَاتِ مُوآبَ إِلَى جَبَلِ نَبُو، إِلَى رَأْسِ الْفِسْجَةِ … فَمَاتَ هُنَاكَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ فِي أَرْضِ مُوآبَ حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ. وَدَفَنَهُ فِي الْجِوَاءِ فِي أَرْضِ مُوآبَ، … وَلَمْ يَعْرِفْ إِنْسَانٌ قَبْرَهُ إِلَى هذَا الْيَوْمِ” (تث5،1:34-6).

لقد أخفى الرب قبر موسى النبي العظيم، والرجل الحليم، لكي لا تتجه أنظار شعبه القديم إلى ذلك النبي فيتخذوه شفيعًا لهم، أو يقدموا له النذور، أو ينادوه ويلجأوا إليه في ضيقاتهم وأتعابهم، ليبقى الرب وحده ملجأ لهم، يرنمون له قائلين “اَللهُ لَنَا مَلْجَأٌ وَقُوَّةٌ. عَوْنًا فِي الضِّيْقَاتِ وُجِدَ شَدِيدًا” (مز 46: 1).

لقد عرف الرب قلب الإنسان، عرف أن “اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ؟” (إر 17: 9). عرف أنه سريع الإنحراف إلى سواه .. ولو عرف الإسرائيليون مكان قبر موسى لعملوا به كما عملوا بالحية النحاسية التي نقرأ عنها “فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اصْنَعْ لَكَ حَيَّةً مُحْرِقَةً وَضَعْهَا عَلَى رَايَةٍ، فَكُلُّ مَنْ لُدِغَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا يَحْيَا». فَصَنَعَ مُوسَى حَيَّةً مِنْ نُحَاسٍ وَوَضَعَهَا عَلَى الرَّايَةِ، فَكَانَ مَتَى لَدَغَتْ حَيَّةٌ إِنْسَانًا وَنَظَرَ إِلَى حَيَّةِ النُّحَاسِ يَحْيَا” (عد8:21 ،9).

فماذا عمل بنو اسرائيل بالحية النحاسية؟ لقد جعلوا منها إلهًا، وكانوا يقدمون لها الذبائح حتى جاء حزقيا ملك الإصلاح الذي نقرأ عنه “هُوَ أَزَالَ الْمُرْتَفَعَاتِ، وَكَسَّرَ التَّمَاثِيلَ، وَقَطَّعَ السَّوَارِيَ، وَسَحَقَ حَيَّةَ النُّحَاسِ الَّتِي عَمِلَهَا مُوسَى لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِلَى تِلْكَ الأَيَّامِ يُوقِدُونَ لَهَا وَدَعَوْهَا «نَحُشْتَانَ»” (2 مل 18: 4).

من أجل هذا أخفى الرب قبر موسى، ليختفي الإنسان البشري مهما كان مركزه وتقواه، ويظل الرب حصنًا لشعبه.

وبعد مئات السنين جاء موسى فوق جبل التجلي مع الرب، وأراد بطرس أن يبقى موسى مع الرب .. أراد أن يصنع له مظلة .. ولكن الآب السماوي رفض هذا .. رفض أن يوجد شخص أخر في مركز الابن الحبيب، او أن يشارك الابن الحبيب عظمته، وهذه كلمات متى البشير :

“وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ. وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ. وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: «يَا رَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا! فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةٌ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ». وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلًا: «هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا». وَلَمَّا سَمِعَ التَّلاَمِيذُ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَخَافُوا جِدًّا. فَجَاءَ يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ وَقَالَ: «قُومُوا، وَلاَ تَخَافُوا». فَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ وَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا إِلاَّ يَسُوعَ وَحْدَهُ” (مت1:17-8).

لقد أراد بطرس أن يضع إيليا وموسى مع الرب يسوع المسيح. تمامًا كما يريد الناس أن يشركوا القديسين الراحلين مع الرب في خدمة الشفاعة، ولكن الآب أعلن كلمته “هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا … فَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ وَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا إِلاَّ يَسُوعَ وَحْدَهُ”. يسوع وحده الذي علينا أن نسمع كلماته.

وماذا قال لنا الابن الحبيب لنسمعه؟ هذه كلماته:

أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى” (يو 10: 9).

“قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي (يو 14: 6).

“وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ” (يو 14: 13).

“وَفِي ذلِكَ الْيَوْمِ لاَ تَسْأَلُونَنِي شَيْئًا. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ مِنَ الآبِ بِاسْمِي يُعْطِيكُمْ” (يو 16: 23).

وإذاً فالرب يسوع هو الباب الوحيد للخلاص .. هو الطريق الوحيد للآب .. واسمه هو الاسم الوحيد الذي به نستطيع الحصول على طلباتنا.

أما الأسماء البشرية .. أسماء مئات القديسين – وكثيرون منهم اعطاهم البشر لقب القداسة بغير أساس كتابي – فليس لها أدنى فاعلية في الشفاعة أو استجابة الصلاة.

إن الكتاب المقدس يقول لنا إن “الصِّدِّيقُ يَكُونُ لِذِكْرٍ أَبَدِيٍّ” (مز 112: 6). وأن “ذِكْرُ الصِّدِّيقِ لِلْبَرَكَةِ” (أم 10: 7). ويطالبنا قائلاً “اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب 13: 7).

وليس في هذه الكلمات ما يؤيد تعليم شفاعة القديسين من بعيد أو قريب.

لقد أرانا الرب أن القديسين لا يمكن أن يخلصوًا أحدًا ببرهم وأن تقواهم هي لهم وحدهم، وهذا واضح من كلمات النبي حزقيال القائلة “وَكَانَتْ إِلَيَّ كَلِمَةُ الرَّبِّ قَائِلَةً: «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنْ أَخْطَأَتْ إِلَيَّ أَرْضٌ وَخَانَتْ خِيَانَةً، فَمَدَدْتُ يَدِي عَلَيْهَا وَكَسَرْتُ لَهَا قِوَامَ الْخُبْزِ، وَأَرْسَلْتُ عَلَيْهَا الْجُوعَ، وَقَطَعْتُ مِنْهَا الإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ، وَكَانَ فِيهَا هؤُلاَءِ الرِّجَالُ الثَّلاَثَةُ: نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ بِبِرِّهِمْ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. إِنْ عَبَّرْتُ فِي الأَرْضِ وُحُوشًا رَدِيئَةً َأَثْكَلُوهَا وَصَارَتْ خَرَابًا بِلاَ عَابِرٍ بِسَبَبِ الْوُحُوشِ، وَفِي وَسْطِهَا هؤُلاَءِ الرِّجَالُ الثَّلاَثَةُ، فَحَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنَّهُمْ لاَ يُخَلِّصُونَ بَنِينَ وَلاَ بَنَاتٍ. هُمْ وَحْدَهُمْ يَخْلُصُونَ وَالأَرْضُ تَصِيرُ خَرِبَةً. أَوْ إِنْ جَلَبْتُ سَيْفًا عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ وَقُلْتُ: يَا سَيْفُ اعْبُرْ فِي الأَرْضِ، وَقَطَعْتُ مِنْهَا الإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ، وَفِي وَسْطِهَا هؤُلاَءِ الرِّجَالُ الثَّلاَثَةُ، فَحَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنَّهُمْ لاَ يُخَلِّصُونَ بَنِينَ وَلاَ بَنَاتٍ، بَلْ هُمْ وَحْدَهُمْ يَخْلُصُونَ. أَوْ إِنْ أَرْسَلْتُ وَبَأً عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ، وَسَكَبْتُ غَضَبِي عَلَيْهَا بِالدَّمِ لأَقْطَعَ مِنْهَا الإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ، وَفِي وَسْطِهَا نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ، فَحَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنَّهُمْ لاَ يُخَلِّصُونَ ابْنًا وَلاَ ابْنَةً. إِنَّمَا يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ بِبِرِّهِمْ” (حز12:14-20).

فهل بعد هذا كله تطلب الشفاعة من القديسين المنتقلين، وتظن أنهم أعلى مرتبة من سائر القديسين؟! أذكر دائمًا أن كل المؤمنين الحقيقيين هم قديسون في مفهوم الكتاب المقدس، واحذر من التشفع بالقديسين الراحلين.

5) إن طلب الشفاعة من القديسين الراحلين هو تمرد واضح ضد مواعيد الرب:

يقول المعتقدون بطلب الشفاعة من القديسين الراحلين، إن هناك فرق بين الشفاعة الكفارية التي ينفرد بها المسيح، والشفاعة التوسلية التي هي من حق القديسين الراحلين، أي أنهم يعتقدون أن هناك شفاعة كُبرى وشفاعة صُغرى، ويغيب عن هؤلاء الحقيقة الواضحة أن المسيح هو وحده الذي يشفع فينا شفاعة كفارية وشفاعة توسلية.

فعن الشفاعة الكفارية قال يوحنا الرسول “وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا” (1يو1:2، 2).

وعن الشفاعة التوسلية التي يحتج بها المؤمنون بشفاعة القديسين قال الرب بفمه المبارك “وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ. إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ” (يو13:14، 14). وقال أيضًا “إِلَى الآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئًا بِاسْمِي. اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا، لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلًا” (24:16).

ومع هذا كله فإن المؤمنين بطلب الشفاعة من القديسين الراحلين بحجة أنها شفاعة توسلية يخالفون إدعاءهم هذا، ويطلبون من القديسة مريم شفاعة كفارية مع أنهم يقولون أن الشفاعة الكفارية من حق المسيح وحده، ففي القداس يقولون «ليس لنا دالة عند ربنا يسوع المسيح سوى طلباتك وشفاعتك يا سيدتنا كلنا والدة الإله»، ثم يقولون «بشفاعات والدة الإله القديسة مريم يا رب أنعم لنا بمغفرة خطايانا» وهم بطلباتهم هذه يتمردون ويعاندون كلمة الله التي تقول بوضوح أن الغفران لا يمكن الحصول عليه إلا بدم المسيح الكريم كما نقرأ “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أف 1: 7). “وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!” (عب 9: 22). ومن المؤكد تمامًا ان مريم أم يسوع لم تسفك دمها لأجلنا.

إن الدارس المدقق لكلمة الله لا يجد في كل الكتاب المقدس مؤمنًا طلب الشفاعة من قديس راحل، وكل ما نجده هو طلب الصلاة من المؤمنين الأحياء لأجل المؤمنين الأحياء كما قال يعقوب في رسالته: “وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا” (يع 5: 16).

وكما طلب بولس من المؤمنين في أفسس قائلاً “مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، وَلأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي، لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيلِ” (أف18:6 ،19). وهنا نجد رسولاً عظيمًا هو بولس يطلب الصلاة من المؤمنين، وكان هؤلاء المؤمنون أحياء يرزقون، وكان بولس حيًا يخدم الرب على هذه الأرض.

إن حجة الشفاعة التوسلية للقديسين الراحلين حجة واهية أساسها من الرمال المنهارة التي لا يثبت عليها بناء. يجهل أصحابها أن القديسين الراحلين ليسوا آلهة يسمعون صلوات سكان الأرض، ولذا فهي تتعارض تمامًا مع مواعيد الرب.

6) إن طلب الشفاعة من القديسين الراحلين يُروج ويسند المذهب الشرير، مذهب مناجاة الأرواح:

إن كل تعليم يُنادي بإمكانية اتصال الأرواح الإنسانية بعالم البشر هو تعليم شيطاني ضد كلمة الله، وهو ترويج للمذهب الشرير، مذهب مناجاة الأرواح. واعتقادنا بإمكانية اتصالنا بأرواح القديسين، أو اتصال أرواح القديسين بنا، ومجيئها إلينا إعتقاد ضال يحيد بنا عن الحق المُعلن في كلمة الله.

وفي سفر التثنية يحذر الله شعبه من الاتصال بأرواح الموتى بالكلمات: “مَتَى دَخَلْتَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، لاَ تَتَعَلَّمْ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ رِجْسِ أُولئِكَ الأُمَمِ. لاَ يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ، وَلاَ مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً، وَلاَ عَائِفٌ وَلاَ مُتَفَائِلٌ وَلاَ سَاحِرٌ، وَلاَ مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً، وَلاَ مَنْ يَسْأَلُ جَانًّا أَوْ تَابِعَةً، وَلاَ مَنْ يَسْتَشِيرُ الْمَوْتَى. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ. وَبِسَبَبِ هذِهِ الأَرْجَاسِ، الرَّبُّ إِلهُكَ طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ” (تث9:18-11).

وفي سفر إشعياء نجد أيضًا هذا التحذير ضد الاتصال بالموتى “وَإِذَا قَالُوا لَكُمُ: «اطْلُبُوا إِلَى أَصْحَابِ التَّوَابعِ وَالْعَرَّافِينَ الْمُشَقْشِقِينَ وَالْهَامِسِينَ». «أَلاَ يَسْأَلُ شَعْبٌ إِلهَهُ؟ أَيُسْأَلُ الْمَوْتَى لأَجْلِ الأَحْيَاءِ؟» إِلَى الشَّرِيعَةِ وَإِلَى الشَّهَادَةِ. إِنْ لَمْ يَقُولُوا مِثْلَ هذَا الْقَوْلِ فَلَيْسَ لَهُمْ فَجْرٌ!” (إش19:8 ،20).

وفي إنجيل لوقا أزاح الرب الستار عن ما بعد الموت في قصة الغني ولعازر وأرانا إستحالة إتصال أرواح القديسين أو الأشرار بعالم البشر، وهذه كلمات الرب المنيرة “كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ وَكَانَ يَلْبَسُ الأَرْجُوانَ وَالْبَزَّ وَهُوَ يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مُتَرَفِّهًا. وَكَانَ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لِعَازَرُ، الَّذِي طُرِحَ عِنْدَ بَابِهِ مَضْرُوبًا بِالْقُرُوحِ، وَيَشْتَهِي أَنْ يَشْبَعَ مِنَ الْفُتَاتِ السَّاقِطِ مِنْ مَائِدَةِ الْغَنِيِّ، بَلْ كَانَتِ الْكِلاَبُ تَأْتِي وَتَلْحَسُ قُرُوحَهُ. فَمَاتَ الْمِسْكِينُ وَحَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَمَاتَ الْغَنِيُّ أَيْضًا وَدُفِنَ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الجَحِيمِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ، فَنَادَى وَقَالَ: يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ، ارْحَمْنِي، وَأَرْسِلْ لِعَازَرَ لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبِعِهِ بِمَاءٍ وَيُبَرِّدَ لِسَانِي، لأَنِّي مُعَذَّبٌ فِي هذَا اللَّهِيبِ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا ابْنِي، اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ. وَفَوْقَ هذَا كُلِّهِ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ، حَتَّى إِنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْعُبُورَ مِنْ ههُنَا إِلَيْكُمْ لاَ يَقْدِرُونَ، وَلاَ الَّذِينَ مِنْ هُنَاكَ يَجْتَازُونَ إِلَيْنَا. فَقَالَ: أَسْأَلُكَ إِذًا، يَا أَبَتِ، أَنْ تُرْسِلَهُ إِلَى بَيْتِ أَبِي، لأَنَّ لِي خَمْسَةَ إِخْوَةٍ، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُمْ لِكَيْلاَ يَأْتُوا هُمْ أَيْضًا إِلَى مَوْضِعِ الْعَذَابِ هذَا. قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ. فَقَالَ: لاَ، يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ، بَلْ إِذَا مَضَى إِلَيْهِمْ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يَتُوبُونَ. فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ” (لو19:16-31).

وفي هذه القصة نجد عدة تعاليم نوجزها فيما يلي:

1) إن الأرواح لها وجود واع بعد الموت، وهي تحس وتشعر بالحالة التي هي فيها في عالم الأرواح: هذا واضح من كلمات الغني «لأَنِّي مُعَذَّبٌ» ومن كلمات إبراهيم «وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ».

2) إن طلب الرحمة من أعظم القديسين بعد الموت لا قيمة له ولا إستجابة: فلقد طلب الغني من إبراهيم قائلاً «ارْحَمْنِي» وناداه «يَا أَبِي إِبْرَاهِيمَ» معتمدًا على ديانة وراثية باطلة، ولم يستجب إبراهيم لندائه ولم يرحمه، ولم يكن في قدرته أن يرحمه، وكل ما فعله أنه ذكره بماضيه الذي لا شك أن لعازر قد أعلمه به باعتباره معاصرًا لذلك الغني.

3) إن هناك استحالة لانتقال روح إنسان بار إلى موضع أرواح الأشرار، أو انتقال روح إنسان شرير إلى موضع أرواح الأبرار وهذا واضح من كلمات إبراهيم «وَفَوْقَ هذَا كُلِّهِ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ، حَتَّى إِنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْعُبُورَ مِنْ ههُنَا إِلَيْكُمْ لاَ يَقْدِرُونَ، وَلاَ الَّذِينَ مِنْ هُنَاكَ يَجْتَازُونَ إِلَيْنَا».

4) إن الشخص الشرير الذي يذوق العذاب في عالم الأرواح الشريرة يتمنى من فرط عذابه أن لا يأتي أقاربه وأخوته إلى موضع العذاب الذي هو فيه ويظهر هذا في طلب الغني من إبراهيم «أَسْأَلُكَ إِذًا، يَا أَبَتِ، أَنْ تُرْسِلَهُ إِلَى بَيْتِ أَبِي، لأَنَّ لِي خَمْسَةَ إِخْوَةٍ، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُمْ لِكَيْلاَ يَأْتُوا هُمْ أَيْضًا إِلَى مَوْضِعِ الْعَذَابِ هذَا».

5) إن المصدر الوحيد لمعرفة طريق الخلاص من العذاب الأبدي هو الكتاب المقدس كما قال إبراهيم للغني «عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ» أي عندهم أسفار موسى والأنبياء ليسمعوا منهم. فلما طلب منه الغني أن يرسل لهم لعازر عاد فأكد له أن كلمة الله وحدها هي الوسيلة لمعرفة طريق الخلاص بالكلمات “إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ” (لو31:16).

6) إن اتصال الروح البشرية المنتقلة إلى عالم الأرواح بعالم البشر لا يمكن أن يتم إلا بالقيامة من الأموات أي يلبسها الجسد لتستطيع أن تتصل بواسطته بعالم الناس الذين على الأرض وهذا واضح من كلمات إبراهيم للغني «وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ».

7) إن الوقت الوحيد للتوبة والإيمان هو الآن كما قال بولس الرسول “هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ” (2 كو 6: 2). فلا تؤجل أمر خلاصك.

نخلص من كل ما تقدم بأن هناك إستحالة تامة لإمكانية إتصالنا بأرواح القديسين المنتقلين وإلا لأرسل إبراهيم روح لعازر لتتصل بإخوة الغني وتبشرهم .. وعلى هذا الأساس فكل تعليم يُنادى بإمكانية ندائنا للقديسين لطلب معونتهم والتشفع بهم، هو تعليم غير كتابي .. وكل صلوات مؤسسة على شفاعة القديسين، هي بلا شك صلوات وهمية لن تصل إلى أعلى من رأس الناطق بها.

إن المسيح له المجد هو وحده الوسيط الذي به يستطيع الخاطيء أن يتصالح مع الله. وهو الشفيع الذي به يستعيد المؤمن شركته المقطوعة مع إلهه، ولذا حق لنا أن نرنم من قلوبنا

ليس لنا موسى إذًا ولا إيليا معه
لسنا نريد أن نرى إلا يسوع وحده

 

فهو وحده الذي قال عنه الآب من السماء “هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا»” (مت 17: 5).

أما ما يقال من معجزات تتم باسم القديسين الراحلين فقد حذرنا الرب من الاعتقاد بمثل هذه المعجزات قائلاً : “إِذَا قَامَ فِي وَسَطِكَ نَبِيٌّ أَوْ حَالِمٌ حُلْمًا، وَأَعْطَاكَ آيَةً أَوْ أُعْجُوبَةً، وَلَوْ حَدَثَتِ الآيَةُ أَوِ الأُعْجُوبَةُ الَّتِي كَلَّمَكَ عَنْهَا قَائِلًا: لِنَذْهَبْ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفْهَا وَنَعْبُدْهَا، فَلاَ تَسْمَعْ لِكَلاَمِ ذلِكَ النَّبِيِّ أَوِ الْحَالِمِ ذلِكَ الْحُلْمَ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ يَمْتَحِنُكُمْ لِكَيْ يَعْلَمَ هَلْ تُحِبُّونَ الرَّبَّ إِلهَكُمْ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ. وَرَاءَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ تَسِيرُونَ، وَإِيَّاهُ تَتَّقُونَ، وَوَصَايَاهُ تَحْفَظُونَ، وَصَوْتَهُ تَسْمَعُونَ، وَإِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، وَبِهِ تَلْتَصِقُونَ” (تث1:13-4).

فالرب يحذرنا من كل آية او أعجوبة تتم بغير مطابقة كلمته، فلنرفض كل تعليم بشري ونتمسك بذاك الذي هو الرأس المسيح.