Great is your Faith
الكتاب الذي يحدثك عن عظمة الإيمان المسيحي ويعالج أسباب الشك والقلق والإضطراب في نفسك ويدفعك إلى أن تثق بالله بكل قلبك وتمسك به بكلتا يديك
تأليف
القس لبيب ميخائيل
صاحب ومحرر مجلة الأخبار السارة
مؤلف (مشكلة الألم) و (مفاجآت المجىء الثاني)
و (صوت الإختبار) و (قضية الصليب) إلخ
الطبعة الأولى
1957
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
تقديم الكتاب
عندما أمسكت القلم لأكتب هذا الكتاب أحسست بشعور غامر من السعادة، هو شعور المرء حين يسمع بأذنيه موسيقى الإيمان تعزف ألحان اليقين فيمتلىء قلبه بالهدوء والإطمئنان، ويسري في كيانه إحساس بالسلام العظيم.
والواقع أن كتاب (عظيم إيمانك) الذي بين يدي القارىء الكريم هو حديث فريد عن عظمة الإيمان المسيحي، وهو رحلة ممتعة في جو الإيمان البهيج .
وفي خلال هذه الرحلة السعيدة سنصافح يد ابراهيم المؤمن الأمين، ونرى وجه موسى المضحي الباسم، ونجلس في حضرة داود الملك الكريم، ونتحدث قليلاً إلى دانيال ورفاقه الأكرمين، ونعيش لحظات مع يشوع، وكالب، وشمشون، وإيليا، والأنبياء، ونتأمل في سلسلة تضحيات بولس رسول الأمم، ونستمع إلى خفقات قلب يوحنا التلميذ الحبيب ونحيا في جو الإيمان العطر الجميل.
وبعد أن نمر على رجال الإيمان في العهدين القديم والجديد، سنقف قليلاً مع المؤمنين في العصر الحديث، سنجلس مع جورج مولر، ونصغي إلى اختبارات ليليان تراشر، ونتكلم مع أبيجايل لوف ونرى صورة مجسمة للإيمان في حياة تشارلس ستيد وآخرين .
وفي إعتقادي أن القارىء الكريم لن ينتهي من قراءة هذا الكتاب حتى يذوب كل شك في عقله، ويزول كل إحساس بالقلق والإضطراب من نفسه، ويحس في أعماقه بالهدوء والإطمئنان والسلام، إذ يغمر قلبه الإيمان العظيم فيردد هاتفاً مع بولس الرسول ” فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو 5 : 1) ويدفعه الإيمان إلى الإلتجاء إلى شخص المسيح الحنون، فيسكب عند قدميه متاعبه، وشكوكه، وأحزانه، وآلامه، ولا يترك محضره القدوس حتى يسمع صوته وهو يردد في أذنيه كما ردد قديماً في أذني المرأة الفينيقية “يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ” (مت 15 :28) ويأخذ من فيض نعمته كل أماني قلبه المحتاج الكسير فيلهج لسانه بآيات الشكر لذلك الإله القدير .
وإني إذ أرجو مُخلصاً أن يكون هذا الكتاب المتواضع مصدر عزاء، وثقة، ورجاء للكثيرين أضعه في ذات الوقت عند قدمي رئيس الإيمان، مُصلياً أن يضع فيه من قوته، وبركته، ونعمته، ما
يجعله أهلاً لأن يتقبله بمحبته كذبيحة مكرسة لمجده الأعلى، فهو وحده الذي يليق به كل حمد، وتعبد، وتكريس، وسجود .
القس لبيب ميخائيل
شبرا مصر في 17 سبتمبر 1957
الفصل الأول
أساس الإيمان العظيم
على أي أساس يبني المرء إيمانه؟ هل يبنيه على أساس المذاهب الفلسفية؟ أو على أساس النظريات العلمية؟ أو على أساس القصص والخرافات العجائزية ؟ أم يضع إيمانه في شخصية بشرية ؟
يقيناً إن كل هذه الأسس قد ثبت ضعفها وإنهيارها وعدم كفايتها ….
فالمذاهب الفلسفية قد تشبع جوع العقل إلى حين لكنها تتخلى عن الإنسان في ساعة الحزن فيردد مع بليني الفيلسوف كلماته التي سجلها عندما ماتت إبنته قائلاً فيها « هبني راحة جديدة لم أسمع بها من قبل، ولم تقرأها عيني قط لأن كل ما قرأت وكل ما سمعت يعود إليّ الآن مجرد فلسفة فارغة، وسفسطة لا تعزي قلبي لأن حزني أعمق من كل ما أعرف» .
والنظريات العلمية قد تقود البشرية في طريق حضارة مادية لكنها لا تستطيع أن تُشبع جوع القلب، أو أن تروي ظمأ النفس المحرق الشديد، إذ لم يكتشف أحد العلماء إلى اليوم حبوباً تُزيل الأحزان، أو دواء يغسل الأدران، أو أشعة تملأ كيان المرء بالهدوء والإطمئنان.
والقصص والخرافات العجائزية قد تهدىء نفوس الجهال لكنها لا تُرضي عقول المفكرين .
والشخصيات البشرية فيها من النقص والضعف والفساد ما يجعلها أساساً واهن الأركان، وليس أدل على ذلك من الحديث الذي دار بين أحد كبار الصحفيين وأحد رجال حاشية أغاخان الزعيم الديني الذي مات منذ وقت ليس ببعيد، فقد كان ذلك الكاتب الكبير مقيماً في فندق (رويال) بمدينة (ايفيان) وهي المدينة الفرنسية المشهورة بمياهها المعدنية، وكان أغاخان يقيم في هذا الفندق في نفس الوقت، ورأى الصحفي الكبير كيف كانت تصل إلى أغاخان في كل يوم بضع مئات من الخطابات من كافة أنحاء العالم، وفي معظمها (شيكات) أو (حوالات بريدية) بمبالغ تتراوح ما بين ألف فرنك – أي جنيه واحد – أو مائة جنيه أو أكثر وكلها من أتباعه عربون حبهم وولائهم لزعيمهم الديني الكبير ….. ودهش الصحفي المعروف، كيف يرسل أتباع أغاخان هذه المبالغ الكبيرة إليه وتصرفات الزعيم الديني لا تتفق مع روح الدين؟!
وتبسط ذات مرة في الحديث مع أحد أفراد حاشية أغاخان وسأله قائلاً : «كيف يجوز لزعيم ديني كبير مثل سمو أغاخان أن يأتي أعمالاً ينهي عنها الدين !! مثل احتساء الخمر …. ثم زواجه الذي تكرر من راقصات أو عارضات أزياء أجنبيات …. ثم غرامه بالقمار وتردده على أندية الميسر في دوفيل وكان وفيشي ومونت كارلو إلى آخره من هذه التصرفات؟؟»
ولم يغضب الرجل من هذا السؤال الدقيق بل ابتسم بهدوء عجيب وقال ما معناه :« نحن نعرف هذا كله ونقره، وسمو (الإمام ) إنما يجرب هذه الآثام لكي يكون على علم وبينة بها حتى إذا نصحنا بتجنبها كانت نصيحته وليدة الخبرة والتجربة !!
فأنظر كيف يبني بعض الناس إيمانهم في البشر ؟! وهو قطعاً إيمان مؤسس على أساس واهن ضعيف، لا يقبله عقل إنسان مثقف يحترم نفسه، ويحترم التفكير السليم، إذ لا يمكن أن يضع الإنسان إيمانه في زعيم ديني أياً كان هذا الزعيم إذا كانت حياته وتصرفاته لا تتفق مع المثل العليا، وروح الدين المستقيم .
ويأتينا السؤال الآن : على أي أساس إذن يبني المرء إيمانه ليكون إيماناً متيناً يتحمل نزول الأمطار، وفيضان الأنهار، وهبوب الرياح والأعاصير ؟!
إن الأساس الوحيد للإيمان الحق هو (الحق وحده) والحق الأوحد في هذا الوجود هو (كلمة الله) …. فأين نجد كلمة الله ؟!
إن المؤمنين بالكتاب المقدس يدّعون أن هذا الكتاب هو كلمة الله، لكن عشرات النقاد ومن يسمون أنفسهم بالكتاب الأحرار قد هاجموا صدق هذا الكتاب في أسلوب عنيف، فكيف السبيل إلى معرفة حقيقة الكتاب المقدس الكريم ؟!
كتب بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية قائلاً : “إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ” (رو 10 : 17) وهذا يعني أن الإيمان السليم هو الذي يؤسس على كلمة الله : فهل من أدلة تؤكد لنا أن الكتاب المقدس الذي بين أيدينا هو كلمة الله؟
يقيناً إننا إذا وجدنا الأدلة القاطعة الجامعة المانعة على صدق هذا الكتاب لكان لدينا الأساس الثابت المتين للإيمان العظيم .
ويجدر بنا ونحن ندرس موضوعاً هاماً كهذا الموضوع أن نستخدم الطريق العلمي لمعرفة حقيقة الكتاب المقدس، ومعنى ذلك أن نتجرد من كل تحيز أو تعصب وأن نسير وراء الدليل المنطقي المعقول.
ذكر دكتور (أوجين ستوك) هذا الحديث :
«لما كنت غلاماً قرأت قصة أرتني الطرق المختلفة التي بها نتيقن من أن المكتبة المقدسة الضخمة التي نسميها (الكتاب المقدس) هي في الواقع (كلمة الله وإعلانه للبشر)، وقد شرح كاتب القصة ثلاثة أنواع من الأدلة هي :
الدليل التاريخي، والدليل الداخلي، والدليل الإختباري، وآرانا بعد ذلك كيف أرسل أحد الأولاد ليُحضر له كمية من (الفسفور)، وعاد الولد ومعه (كيساً ) صغيراً ! فهل كان الكيس يحوي مادة الفسفور ؟
لقد قال الولد إنه ذهب إلى الكيميائي، وأن الكيميائي تناول كمية من مادة موضوعة في قنينة ووضعها في الكيس وسلمها له، وأنه أحضرها في الحال إلى أستاذه …. هذا هو الدليل التاريخي …. بعدئذ فتح الأستاذ الكيس ونظر إلى المادة التي بداخله فرآها تشبه الفسفور، فشمها وإذا برائحتها رائحة الفسفور وهذا هو الدليل الداخلي …. وعندئذ قرّب النار إليها فإشتعلت بوهج عظيم …. وصار من المؤكد إذن أن المادة هي (الفسفور ) وهذا هو الدليل الإختباري» .
وسنستخدم هذا الطريق السوي في فحصنا لقضية (صدق الكتاب المقدس)، وما أجمل أن نسجل هنا دراسة رجل الله الجليل دكتور توري رئيس معهد التوراة بلوس أنجيلس بأمريكا في كتابه ( لماذا اؤمن أن الكتاب المقدس هو كلمة الله؟ ) وأن نزيد عليها بعض دراساتنا في كتاب أستاذ التفسير الدكتور جراهام سكروجي الذي عنوانه : ( هل الكتاب المقدس هو كلمة الله؟)، ومعها بعض ما وقفنا عليه في الكتب الأخرى التي تصدت لدراسة هذا الموضوع الخطير.
قال دكتور توري « نشأت في عائلة تؤمن بالكتاب المقدس فآمنت به، وظللت على هذا الإيمان حتى بلغت طور الشباب، وعندئذ تزعزع إيماني بصدق الكتاب نتيجة قراءاتي لبعض الكتب التي كتبها من يطلقون على أنفسهم إسم ( الكتاب الأحرار) وتساءلت بيني وبين نفسي لماذا أؤمن أن الكتاب المقدس هو كلمة الله؟
وقررت أن أدرس بنفسي الأسباب حتى أقف موقفاً صريحاً من الكتاب، فإما أن أقبله ككلمة الله وأجعله أساساً لإيماني أو أن أرفضه وأستريح من الصراع القائم في رأسي، ولم أطلب من أحد أن يساعدني بل ظللت أدرس وحدي مدة طويلة وخلال دراساتي رأيت بكل يقين أن الكتاب المقدس هو كلمة الله ».
وإليك الأدلة الواضحة التي بنيت عليها هذا اليقين :
1- الدليل الأول على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله هو أن الرب يسوع المسيح قد شهد له :
يقبل الكثيرون سلطان السيد المسيح له المجد، ولكنهم يرفضون سلطان الكتاب المقدس، ويقيناً أنه من واجبنا أن نقبل سلطان السيد المسيح، فهو الشخص الإلهي الذي أثبت لاهوته بخمس شهادات :
بشهادة حياته الطاهرة الإلهية، وبشهادة الكلمات الإلهية التي نطق بها، وبشهادة المعجزات الإلهية التي أجراها، وبشهادة قيامته الإلهية من بين الأموات، وبشهادة تأثيره الإلهي العجيب على النفوس.
وهذا الشخص الإلهي الصادق الأمين قد شهد للكتاب المقدس وشهد لصدق الأحداث التاريخية التي سجلها هذا الكتاب – وهي الأحداث التي يقول بعض المعلمين العصريين أنها مجرد أساطير، أجل !
إنه شهد لحقيقة الطوفان :
“وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ. لأَنَّهُ كَمَا كَانُوا فِي الأَيَّامِ الَّتِي قَبْلَ الطُّوفَانِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ وَيُزَوِّجُونَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ نُوحٌ الْفُلْكَ، وَلَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى جَاءَ الطُّوفَانُ وَأَخَذَ الْجَمِيعَ، كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ” (مت 24 : 37 – 39).
ولمعجزات إيليا وأليشع :
“وَبِالْحَقِّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرَامِلَ كَثِيرَةً كُنَّ فِي إِسْرَائِيلَ فِي أَيَّامِ إِيلِيَّا حِينَ أُغْلِقَتِ السَّمَاءُ مُدَّةَ ثَلاَثِ سِنِينَ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَمَّا كَانَ جُوعٌ عَظِيمٌ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُرْسَلْ إِيلِيَّا إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا، إِلاَّ إِلَى امْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ، إِلَى صَرْفَةِ صَيْدَاءَ. وَبُرْصٌ كَثِيرُونَ كَانُوا فِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَانِ أَلِيشَعَ النَّبِيِّ، وَلَمْ يُطَهَّرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ نُعْمَانُ السُّرْيَانِيُّ “ (لو 4 : 25 -27).
وكذلك أكد أن نوحاً قد عاش على أرضنا، وتكلم عن :
لوط وزوجته :
” وَكَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ نُوحٍ كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضًا فِي أَيَّامِ ابْنِ الإِنْسَانِ: كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَيُزَوِّجُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ دَخَلَ نُوحٌ الْفُلْكَ، وَجَاءَ الطُّوفَانُ وَأَهْلَكَ الْجَمِيعَ. كَذلِكَ أَيْضًا كَمَا كَانَ فِي أَيَّامِ لُوطٍ: كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَيَشْتَرُونَ وَيَبِيعُونَ، وَيَغْرِسُونَ وَيَبْنُونَ. وَلكِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي فِيهِ خَرَجَ لُوطٌ مِنْ سَدُومَ، أَمْطَرَ نَارًا وَكِبْرِيتًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَ الْجَمِيعَ. هكَذَا يَكُونُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُظْهَرُ ابْنُ الإِنْسَانِ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مَنْ كَانَ عَلَى السَّطْحِ وَأَمْتِعَتُهُ فِي الْبَيْتِ فَلاَ يَنْزِلْ لِيَأْخُذَهَا، وَالَّذِي فِي الْحَقْلِ كَذلِكَ لاَ يَرْجعْ إِلَى الْوَرَاءِ. اُذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ “ (لو 17 : 26 -32).
وعن سدوم وعمورة :
“وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا، لَتَابَتَا قَدِيمًا فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ تَكُونُ لَهُمَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالًا يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكُمَا. وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالًا يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكِ” (مت 11 : 21 -24).
وقرر أن يونان كان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال :
” لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال” (مت 12 : 40).والذين ينكرون هذه الحوادث المعجزية لا يتحدّون المكتوب في الكتاب المقدس، وإنما يتحدّون عمل الله الذي قرر السيد المسيح بكل يقين أنه أجراه.
ومع هذا كله فقد إستخدم السيد له المجد الكتاب المقدس ككلمة الله في صراعه مع إبليس في البرية إذ قال له ثلاث مرات (مكتوب) ، (مكتوب )، (مكتوب أيضاً ):
“فَأَجَابَ وَقَالَ: مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ …. قَالَ لَهُ يَسُوعُ: مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ …. حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ “ (مت 4 :4 ، 7، 10).
ومعنى هذا أن السيد يقرر أن المكتوب موحى به من الله ولذا فهو يستخدمه كسلاح ضد إبليس في هذا الظرف الخطير، وتبدو الكلمات الإلهية في قوة نصرتها على إبليس إذ نقرأ “ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ” (مت 4 : 11).
وفوق ذلك فقد أكد الرب أيضاً صدق جميع كتب العهد القديم فنقرأ في إنجيل لوقا هذه الكلمات ” ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو 24 : 27).
وفي عدد44 من ذات الأصحاح قال “وَقَالَ لَهُمْ: هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ، حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” (لو 24 : 44 – 45)
وقد اعتاد اليهود أن يقسموا العهد القديم إلى ثلاثة أقسام : الناموس، والأنبياء، والمزامير.
وقد أثبت السيد بكلماته صدق الكتاب المقدس في مجموعه مستشهداً بالنبوات التي جاءت عنه فيه، والتي تمت بجلاء في شخصه الكريم المبارك .
هذا من جهة العهد القديم، أما من جهة العهد الجديد فقد قال السيد له المجد لتلاميذه :
“وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” (يو 14 : 26)
فالروح القدس قد علم الرسل ماذا يكتبون وذكرهم بكل ما قاله لهم السيد فسجلوه في البشائر التي بين أيدينا، وهذا الدليل يؤكد صدق العهد الجديد الذي هو السجل المقدس لقصة حياة السيد المسيح، والذي يُرينا حقيقة إتمام نبوات العهد القديم ورموزه المتعددة في شخصه المبارك الكريم .
2– الدليل الثاني على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله هو أنه مع إختلاف شخصيات كتابه، وتعدد موضوعاته فهو يتميز بوحدة عجيبة ظاهرة :
هذا الكتاب هو (ملك الكتب ) بغير منازع، فهو يحتوي على ستة وستين سفراً كتبها أكثر من ثلاثين كاتباً من مختلف الأمزجة والعقليات، والبيئات، فيهم الملك، والراعي، ورجل الدين … وكذلك حوى مختلف الموضوعات ففيه التاريخ كما في أسفار الملوك وأخبار الأيام، والحكمة كما في سفر الأمثال، والمأساة كما في سفر أيوب، والشعر المعبر كما في سفر المزامير، والنبوات كما في الأسفار النبوية وسفر الرؤيا، والأخلاق كما في رسالة يعقوب الرسول، ولو أن هذه الموضوعات المتباينة كُتبت بيد البشر وبوحي تفكيرهم لكان الكتاب المقدس كتاباً مشوشاً، تختلط أفكاره، وتتشابك قضاياه، وتتناقض موضوعاته وأسفاره، ولكننا نجد الوحدة العجيبة التي يمتاز بها هذا الكتاب الكريم، فهو بحق كتاب إلهي لأنه صوت الله للإنسان، مع أنه كذلك كتاب إنساني لأنه كُتب بأصابع آدمية، وقد كانت هذه الأصابع بالنسبة لله هي الأداة التي جسدت كلمته لعيون البشر، رغم أن كل كاتب قد احتفظ بأسلوبه الخاص وطابع شخصيته المتميزة.
وتبدو وحدة الكتاب المقدس واضحة في أنه يفسر نفسه بنفسه وهذا هو القانون الإلهي لتفسيره ” الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ” (1 كو 2 :13).
وأنت تراه من التكوين إلى الرؤيا كتاباً متسقاً في أفكاره، ففي التكوين ترى البدايات وفي الرؤيا ترى النهايات، في التكوين ترى بداية الخطية وفي الرؤيا ترى نهايتها، في التكوين ترى كيف غرر الشيطان بالإنسان، وفي الرؤيا ترى نهاية الشيطان، في التكوين ترى الرموز وفي الرؤيا ترى الحقائق المجسمة، وكل هذا يؤكد أن وراء الأيدي التي كتبت هذا الكتاب عقلاً واحداً يوحي وروحاً واحداً يقود … هو عقل الله وروح الله.
خذ مثلاً البشائر الأربع في العهد الجديد، فكثيراً ما يخطر ببالنا هذا السؤال: ما الداعي لوجود أربع بشائر ؟! وعندما تسمع الجواب سترى العجب في جمال وحدة الكتاب، فهذه الوحدة تظهر بجلاء في هذه البشائر لأنها ترسم مجتمعة صورة واضحة المعالم لشخص الرب يسوع المسيح، وتتجه إلى كل شعوب الأرض، وتتحدث بكل لسان .
فبشارة متى كُتبت لليهود، وهي تُرينا المسيح الملك المشترع ابن داود، وتسجل لنا كلماته الخالدة وخاصة في عظة الجبل فهي بشارة كلمات المسيح.
وبشارة مرقس كُتبت للرومان وهي تُرينا المسيح صانع المعجزات والمسرع في خدمة البشرية، وتسجل لنا الحوادث التاريخية فهي بحق بشارة معجزات المسيح .
بشارة لوقا كُتبت لليونان وهي ترسم صورة صادقة للمسيح ( ابن الإنسان) بل الإنسان الكامل …. صديق البشرية على إختلاف ألوانها وأجناسها فهي بشارة شخص المسيح .
أما بشارة يوحنا فقد كُتبت للعالم أجمع، لتعلن أن المسيح هو ابن الله، وأنه كلمة الله المتجسد لخلاص البشر، فهي بشارة لاهوت المسيح .
فالبشائر الأربع ترسم صورة واحدة لشخص الرب المجيد وتؤكد وحدة هذا الكتاب العجيب.
وفوق الوحدة التاريخية هناك أيضاً وحدة التعليم، فالموضوع الواحد الذي يلمع من تكوين الكتاب إلى رؤياه هو ( الفداء بدم المسيح ) وكذلك نجد إتفاقاً تاماً في كل أجزاء الكتاب المقدس في تعليمه عن الله، والحياة، والنفس، والخطية، ومصير الإنسان وغيرها من المواضيع، وإذا وجدنا إختلافاً في عقائد المذاهب المسيحية فالخطأ في تفسير البشر وليس في الكتاب الكريم الجليل .
أجل، إن بولس يتفق مع يعقوب فكلاهما قد كتب عن ناحية من نواحي عمل الإيمان، ويوحنا يتفق مع بطرس، وإشعياء يتفق مع عاموس، ودانيال يتفق مع الرؤيا رغم إختلاف الكتاب والزمان والمكان.
وهكذا تظهر وحدة الكتاب في شكل بهي منير ووضوح جلي يبعث على التأمل والتفكير، ويؤكد أن وراء هذا الكتاب روح الله المرشد الحكيم، ويذكرنا بكلمات بولس الرسول التي كتبها لتلميذه تيموثاوس قائلاً :
” كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلًا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ” ( 2 تي 3 : 16 -17).
3– الدليل الثالث على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله هو أن نبواته العديدة قد تمت بشكل لا يمكن إنكاره :
إن صدق نبوات الكتاب المقدس برهان قاطع على أن هذا الكتاب هو كلمة الله، لأن هذه النبوات هي الدليل الأكيد على قدرة الكتاب على إعلان ما لم يزل في طيات المستقبل، وقد جاءت هذه النبوات عن مختلف الأمم والشعوب فإذا تمت في دقة ووضوح فهذا يعني أن الكتاب المقدس هو كتاب الله الذي يعجز البشر عن أن يأتوا بمثله، ويكون الله قد أقام خرائب الأمم، وإطلال الممالك شهوداً لصدق كلامه، وأكد في ذات الوقت أنه هو الذي أوحى لأنبيائه ورسله بهذا الكتاب الكريم.
ويسجل سفر إشعياء تحدياً إلهياً للبشر في هذه الكلمات “قَدِّمُوا دَعْوَاكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. أَحْضِرُوا حُجَجَكُمْ، يَقُولُ مَلِكُ يَعْقُوبَ. لِيُقَدِّمُوهَا وَيُخْبِرُونَا بِمَا سَيَعْرِضُ. مَا هِيَ الأَوَّلِيَّاتُ؟ أَخْبِرُوا فَنَجْعَلَ عَلَيْهَا قُلُوبَنَا وَنَعْرِفَ آخِرَتَهَا، أَوْ أَعْلِمُونَا الْمُسْتَقْبِلاَتِ. أَخْبِرُوا بِالآتِيَاتِ فِيمَا بَعْدُ فَنَعْرِفَ أَنَّكُمْ آلِهَةٌ، وَافْعَلُوا خَيْرًا أَوْ شَرًّا فَنَلْتَفِتَ وَنَنْظُرَ مَعًا” (إش 41 : 21 -23).
وكأن الرب أراد بهذا التحدي أن يُرينا أن الإخبار بالآتيات ليس في مقدور أحد غيره فهو وحده العليم بالمستقبل، ولذا فهو يعود قائلاً ” أَخْبِرُوا. قَدِّمُوا. وَلْيَتَشَاوَرُوا مَعًا. مَنْ أَعْلَمَ بِهذِهِ مُنْذُ الْقَدِيمِ، أَخْبَرَ بِهَا مُنْذُ زَمَانٍ؟ أَلَيْسَ أَنَا الرَّبُّ وَلاَ إِلهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ. لَيْسَ سِوَايَ. اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ” (إش 45 : 21 -22).
وعلى هذا فإن النبوات التي تنبىء بحدوث حوادث تتم في غضون أجيال آتية، وتخص أمماً شتى، وهي حوادث لا علاقة لها البتة بما كان جارياً في أيام النطق بحدوثها، تؤكد بإتمامها صدق وحي الكتاب المقدس .
والآن لنفحص بعض هذه النبوات التي أكد التاريخ صدقها الكامل الدقيق .
خذ مثلاً هذه النبوة التي قيلت عن شعب إسرائيل، وهي نبوة يعجب المرء كيف تسجل في (التوراة) كتاب اليهود المقدس، لأنها تحمل كلاماً قاسياً ضد هذا الشعب، ولو كان الكتاب المقدس من تأليف البشر لما كتب اليهود عن أنفسهم هذه الكلمات، أنظر ماذا تقول هذه النبوة “وَأُصَيِّرُ مُدُنَكُمْ خَرِبَةً، وَمَقَادِسَكُمْ مُوحِشَةً، وَلاَ أَشْتَمُّ رَائِحَةَ سَرُورِكُمْ. وَأُوحِشُ الأَرْضَ فَيَسْتَوْحِشُ مِنْهَا أَعْدَاؤُكُمُ السَّاكِنُونَ فِيهَا” (لا 26 : 31 -32) .
فهذه النبوة هي بكل يقين كلمة الله، لأنها قيلت قبل أن يدخل الشعب الإسرائيلي أرض كنعان، ولكنها تمت بحذافيرها في هذا الشعب بعد ذلك بمئات السنين، وتمت بوضوح لا يمكن أن ينكره إنسان في هذا الوجود.
ولنأخذ نبوة أخرى قيلت عن مملكة صور وهذه كلماتها :
“لِذلِكَ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا عَلَيْكِ يَا صُورُ فَأُصْعِدُ عَلَيْكِ أُمَمًا كَثِيرَةً كَمَا يُعَلِّي الْبَحْرُ أَمْوَاجَهُ. فَيَخْرِبُونَ أَسْوَارَ صُورَ وَيَهْدِمُونَ أَبْرَاجَهَا. وَأَسْحِي تُرَابَهَا عَنْهَا وَأُصَيِّرُهَا ضِحَّ الصَّخْرِ، فَتَصِيرُ مَبْسَطًا لِلشِّبَاكِ فِي وَسْطِ الْبَحْرِ، لأَنِّي أَنَا تَكَلَّمْتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَتَكُونُ غَنِيمَةً لِلأُمَمِ” (حز 26 : 3 -5).
فمتى قيلت هذه النبوة؟ ومتى تمت ؟ وهل تمت كما جاءت بالكتاب المقدس تماماً ؟ لقد سجل حزقيال هذه النبوة في سنة 586 وهذا ما تؤكده دائرة المعارف البريطانية الطبعة الرابعة عشرة المجلد التاسع، في الصفحتين 13 ، 14 تحت مادة (حزقيال) إذ نقرأ هناك «إن سفر حزقيال قد كتب ما بين سنة 586 ق . م وسنة 450 ق . م وهذا هو رأي غلاة النقاد».
وفي الوقت الذي قيلت فيه هذه النبوة كانت مملكة صور سيدة البحار، كاملة الجمال، ملتقى الشعوب، بل كانت سوقاً تجارياً ضخماً للذهب، والفضة، والنحاس، واللؤلؤ، والأحجار الكريمة، وكانت كل الدلائل تؤكد بقاءها إلى الأبد، ولكن بعد هذه النبوة حاصر نبوخذ نصر مدينة صور وبعد ثلاث عشرة سنة من الحصار دخل المدينة وأهلكها منتقماً من سكانها، مشيعاً الخراب في مبانيها، تاركاً إياها إطلالاً خربة بلا ساكن …. ولكن النبوة تقول ” فَيَخْرِبُونَ أَسْوَارَ صُورَ وَيَهْدِمُونَ أَبْرَاجَهَا. وَأَسْحِي تُرَابَهَا عَنْهَا وَأُصَيِّرُهَا ضِحَّ الصَّخْرِ، فَتَصِيرُ مَبْسَطًا لِلشِّبَاكِ فِي وَسْطِ الْبَحْرِ، لأَنِّي أَنَا تَكَلَّمْتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَتَكُونُ غَنِيمَةً لِلأُمَمِ” (حز 26 : 4 -5).
ونبوخذ نصر مع أنه خرب المدينة إلا أنه لم يتمم هذه الكلمات وبقيت خرائب صور مئتين وخمسين سنة كأنها تكذب هذه النبوة ! ولكن هل كذبت هذه النبوة ؟ كلا ! فقد جاء الأسكندر يغزو دول الشرق بقوته العسكرية الرهيبة، فزحف على صور سنة 332 ق . م، وإذا بلغ الساحل ورأى أن بينه وبين المدينة الجديدة التي أراد محاربتها مياه بحر عرضه نحو 800 متر لأن المدينة كانت مبنية على جزيرة، وضع خطته في الحال وشرع في تنفيذها فأخذ أسوار صور القديمة وأبراجها وأخشابها وحجارة قصورها وبيوتها ليكوّن منها معبراً من البر إلى الجزيرة وسحا أيضاً ترابها وألقاه في البحر، وهكذا تمت النبوة بالحرف الواحد، تمت بعد النطق بها بمئة وتسع عشرة سنة لتؤكد للأجيال صدق كلمة الله.
ومن عجب أن النبوة التي قيلت عن صور تؤكد أن المدينة لن تبنى إلى الأبد إذ يقول الرب “هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ لِصُورَ… أَمَا تَتَزَلْزَلُ الْجَزَائِرُ عِنْدَ صَوْتِ سُقُوطِكِ، عِنْدَ صُرَاخِ الْجَرْحَى، عِنْدَ وُقُوعِ الْقَتْلِ فِي وَسْطِكِ؟…. أُصَيِّرُكِ أَهْوَالًا، وَلاَ تَكُونِينَ، وَتُطْلَبِينَ فَلاَ تُوجَدِينَ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ” (حز 26 : 15 و 21). وهكذا زالت صور من الوجود وظلت كذلك إلى اليوم دليلاً قاطعاً على صدق الكتاب المقدس.
والآن لنستمر في سيرنا مع ( موكب النبوات ) فستقابلنا نبوة دانيال عن الممالك العالمية، وهذه النبوة تُثير التفكير العميق في ذهن قارئها، فمن المعروف أن دانيال كتب سفره ما بين سنة 606 وسنة 534 قبل الميلاد، وسجل في هذا السفر النبوة العظمى عن الممالك الأربع العالمية (بابل) و (مادي وفارس) و ( اليونان) و ( الدولة الرومانية).
“أَنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَلِكُ مُلُوكٍ، لأَنَّ إِلهَ السَّمَاوَاتِ أَعْطَاكَ مَمْلَكَةً وَاقْتِدَارًا وَسُلْطَانًا وَفَخْرًا. وَحَيْثُمَا يَسْكُنُ بَنُو الْبَشَرِ وَوُحُوشُ الْبَرِّ وَطُيُورُ السَّمَاءِ دَفَعَهَا لِيَدِكَ وَسَلَّطَكَ عَلَيْهَا جَمِيعِهَا. فَأَنْتَ هذَا الرَّأْسُ مِنْ ذَهَبٍ. وَبَعْدَكَ تَقُومُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى أَصْغَرُ مِنْكَ وَمَمْلَكَةٌ ثَالِثَةٌ أُخْرَى مِنْ نُحَاسٍ فَتَتَسَلَّطُ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ. وَتَكُونُ مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ صَلْبَةٌ كَالْحَدِيدِ، لأَنَّ الْحَدِيدَ يَدُقُّ وَيَسْحَقُ كُلَّ شَيْءٍ. وَكَالْحَدِيدِ الَّذِي يُكَسِّرُ تَسْحَقُ وَتُكَسِّرُ كُلَّ هؤُلاَءِ. وَبِمَا رَأَيْتَ الْقَدَمَيْنِ وَالأَصَابِعَ بَعْضُهَا مِنْ خَزَفٍ وَالْبَعْضُ مِنْ حَدِيدٍ، فَالْمَمْلَكَةُ تَكُونُ مُنْقَسِمَةً، وَيَكُونُ فِيهَا قُوَّةُ الْحَدِيدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّكَ رَأَيْتَ الْحَدِيدَ مُخْتَلِطًا بِخَزَفِ الطِّينِ. وَأَصَابِعُ الْقَدَمَيْنِ بَعْضُهَا مِنْ حَدِيدٍ وَالْبَعْضُ مِنْ خَزَفٍ، فَبَعْضُ الْمَمْلَكَةِ يَكُونُ قَوِيًّا وَالْبَعْضُ قَصِمًا. وَبِمَا رَأَيْتَ الْحَدِيدَ مُخْتَلِطًا بِخَزَفِ الطِّينِ، فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِطُونَ بِنَسْلِ النَّاسِ، وَلكِنْ لاَ يَتَلاَصَقُ هذَا بِذَاكَ، كَمَا أَنَّ الْحَدِيدَ لاَ يَخْتَلِطُ بِالْخَزَفِ. وَفِي أَيَّامِ هؤُلاَءِ الْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلهُ السَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لاَ يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هذِهِ الْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ. لأَنَّكَ رَأَيْتَ أَنَّهُ قَدْ قُطِعَ حَجَرٌ مِنْ جَبَل لاَ بِيَدَيْنِ، فَسَحَقَ الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ وَالْخَزَفَ وَالْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ. اَللهُ الْعَظِيمُ قَدْ عَرَّفَ الْمَلِكَ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ هذَا. اَلْحُلْمُ حَقٌّ وَتَعْبِيرُهُ يَقِينٌ” ( دا 2 : 37 – 45).
ولكن أعجب ما في هذه النبوة أنها تنبأت بأن الدولة الرومانية سوف تنقسم إلى دول، وتكون هي آخر امبراطورية تسوس العالم أجمع ! ومع أن طبيعة التاريخ أن تذهب دولة لتحل محلها أخرى، كما زالت دولة بابل وجاءت بعدها مادي وفارس ثم زالت هذه الدولة وجاءت بعدها الدولة اليونانية، ثم ذهبت الدولة اليونانية وجاءت بعدها الدولة الرومانية، فكان من الطبيعي أن تذهب ( الإمبراطورية الرومانية) لتأتي بعدها دولة أعظم تحكم العالم أجمع، لكن هذا لم يحدث، وقد أكدت نبوة دانيال عدم حدوثه، وأعلنت إنقسام الدولة الرومانية إلى دول صغيرة، وعدم قيام مملكة عالمية أخرى إلى أن يأتي المسيح ثانية أو كما قالت النبوة بالحرف الواحد “وَبِمَا رَأَيْتَ الْقَدَمَيْنِ وَالأَصَابِعَ بَعْضُهَا مِنْ خَزَفٍ وَالْبَعْضُ مِنْ حَدِيدٍ، فَالْمَمْلَكَةُ تَكُونُ مُنْقَسِمَةً، وَيَكُونُ فِيهَا قُوَّةُ الْحَدِيدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّكَ رَأَيْتَ الْحَدِيدَ مُخْتَلِطًا بِخَزَفِ الطِّينِ” (دا 2 : 41) .
ويرى من يتتبع التاريخ أن كل محاولات لتوحيد الإمبراطورية الرومانية القديمة، أو إقامة إمبراطورية عالمية قد باءت بالفشل الذريع، فشارلمان، ولويس الرابع عشر، وشارل الثاني عشر السويدي، وشارل الخامس، ونابليون بونابرت، وقيصر، وغليوم الثاني، والدكتاتور الألماني هتلر، والدكتاتور الإيطالي موسوليني أرادوا جميعاً أن يعيدوا مجد القياصرة لكنهم اختفوا من الوجود كما تختفي أنوار النجوم الباهتة عند ظهور شمس الصباح، لأن كلمة الله تثبت إلى الأبد !
وهنا يتساءل الشخص المخلص من أين جاء لدانيال العلم بأن آخر مملكة تحكم العالم أجمع هي المملكة الرومانية ؟! ويجد الجواب الدقيق السليم : بأن دانيال قد كتب نبوته بوحي من الله العالم بكل شىء، وفي هذا أعظم دليل على صدق الكتاب المقدس .
هنا نتقدم للحديث عن نبوة أخرى هي النبوة التي سجلها إشعياء وإرميا بخصوص مملكة بابل العظيمة.
انظر ماذا تقول هذه النبوة وإسمع ما سجله إشعياء “وَتَصِيرُ بَابِلُ، بَهَاءُ الْمَمَالِكِ وَزِينَةُ فَخْرِ الْكِلْدَانِيِّينَ، كَتَقْلِيبِ اللهِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ. لاَ تُعْمَرُ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ تُسْكَنُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ، وَلاَ يُخَيِّمُ هُنَاكَ أَعْرَابِيٌّ، وَلاَ يُرْبِضُ هُنَاكَ رُعَاةٌ، بَلْ تَرْبُضُ هُنَاكَ وُحُوشُ الْقَفْرِ، وَيَمْلأُ الْبُومُ بُيُوتَهُمْ، وَتَسْكُنُ هُنَاكَ بَنَاتُ النَّعَامِ، وَتَرْقُصُ هُنَاكَ مَعْزُ الْوَحْشِ. وَتَصِيحُ بَنَاتُ آوَى فِي قُصُورِهِمْ، وَالذِّئَابُ فِي هَيَاكِلِ التَّنَعُّمِ، وَوَقْتُهَا قَرِيبُ الْمَجِيءِ وَأَيَّامُهَا لاَ تَطُولُ” (إش 13: 19 -22).
ثم إسمع ماذا يقول إرميا “وَيَكُونُ عِنْدَ تَمَامِ السَّبْعِينَ سَنَةً أَنِّي أُعَاقِبُ مَلِكَ بَابِلَ، وَتِلْكَ الأُمَّةَ، يَقُولُ الرَّبُّ، عَلَى إِثْمِهِمْ وَأَرْضَ الْكَلْدَانِيِّينَ، وَأَجْعَلُهَا خِرَبًا أَبَدِيَّةً” ( إر 25 : 12).
“هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنَّ أَسْوَارَ بَابِلَ الْعَرِيضَةَ تُدَمَّرُ تَدْمِيرًا، وَأَبْوَابُهَا الشَّامِخَةَ تُحْرَقُ بِالنَّارِ، فَتَتْعَبُ الشُّعُوبُ لِلْبَاطِلِ، وَالْقَبَائِلُ لِلنَّارِ حَتَّى تَعْيَا” (إر 51 : 58).
وأذكر أن هذه النبوة قد سجلها إشعياء حوالي سنة 758 ق . م، ثم عاد إرميا فأكدها حوالي 627 ق . م، فهل تمت هذه النبوة بالوصف المذكور ؟ هل صارت بابل كتقليب الله سدوم وعمورة؟ هل قضى عليها أن لا تعمر إلى الأبد ولا تسكن إلى دور فدور رغم موقعها الجغرافي الممتاز؟ هل حقاً لا يخيم هناك أعرابي؟ وهل دمرت أسوار بابل العريضة التي كانت تكفي لسير عدة عربات متجاورة تدميراً ؟!
أجل لقد تمت النبوة بشكل لا يمكن إنكاره، وتقف خرائب بابل المملكة العظيمة القديمة دليلاً صامتاً على صدق كلمة الله !
إن بابل تبعد عن بغداد عاصمة العراق حوالي 105 كيلو متراً، ولقد رتب الرب لي أن أزورها في مايو سنة 1955 وهذا ما كتبته يومئذ في مذكراتي :
«وقفت أتامل خرائب بابل خاشعاً، هنا تمثال لأسد يفترس إنساناً وهو الرمز المعروف لهذه المملكة الجبارة، وها هي بقايا قصر نبوخذ نصر العظيم ملك بابل الذي قيل عنه أياً شاء قتل وأياً شاء استحيا …. وها هي الحدائق المعلقة التي بناها نبوخذ نصر الملك لزوجته التي أحبها، وعلى مسافة تقف أطلال هيكل (عشتاروث) وقد رسمت على جدارنه صورة عجيبة لها أرجل أسد من الأمام، وأرجل نسر من الخلف، وذيل حصان، وجسم سمكة، ورأس ثعبان، وبين هذه الخرائب كان أتون النار المتقدة الذي كان نبوخذ نصر يحرق فيه من يقاومه، ويُحيط السور المدمر المغطى بالتراب بكل هذا الخراب.
لكن أين ذهب مجد هذه المملكة ؟ لقد مضى إلى غير رجعة، لأن الله قد قضى عليها بهذا القضاء الرهيب، حتى أنه لا يخيم هناك إعرابي إلى هذا اليوم. خشعت وأنا واقف بين هذه الخرائب، وسألت نفسي : لماذا لم تُبن بابل من جديد ؟ لماذا خُربت خراباً أبدياً بهذه الصورة ؟
لماذا لم تفكر حكومة العراق في تعميرها رغم جمال موقعها وروعة جوها ؟ وهنا تذكرت كلمات النبي إشعياء ” وَتَصِيرُ بَابِلُ، بَهَاءُ الْمَمَالِكِ وَزِينَةُ فَخْرِ الْكِلْدَانِيِّينَ، كَتَقْلِيبِ اللهِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ. لاَ تُعْمَرُ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ تُسْكَنُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ، وَلاَ يُخَيِّمُ هُنَاكَ أَعْرَابِيٌّ، وَلاَ يُرْبِضُ هُنَاكَ رُعَاةٌ” (إش 13 : 19 -20).
وأحنيت رأسي أمام القادر على كل شيء، العالم بالآتيات، وأنا أردد كلمات بطرس الرسول ” لأَنَّ كُلَّ جَسَدٍ كَعُشْبٍ، وَكُلَّ مَجْدِ إِنْسَانٍ كَزَهْرِ عُشْبٍ. الْعُشْبُ يَبِسَ وَزَهْرُهُ سَقَطَ، وَأَمَّا كَلِمَةُ الرَّبِّ فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ. وَهذِهِ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي بُشِّرْتُمْ بِهَا” (1 بط 1 : 24) أجل ! إن أطلال بابل تؤكد في صمتها الخالد صدق الكتاب المقدس» .
بقي أن نذكر في ختام هذا الحديث النبوات التي ذكرها الأنبياء وتمت في شخص المسيح الكريم، فقد تنبأ أنبياء القدم عن كل ما يتعلق بالسيد له المجد قبل أن يولد من القديسة العذراء بمئات السنين .
فتنبأ ميخا النبي عن ميلاده في بيت لحم حوالي سنة 740 ق . م، وتنبأ إشعياء عن آلامه الكفارية ودفنه في قبر رجل غني حوالي سنة 758 ق . م، وتنبأ داود قبل صلبه بمئات السنين عن ثقب يديه ورجليه، وتنبأ هوشع عن قيامته من بين الأموات حوالي سنة 782 ق .م، وقد تمت كل هذه النبوات في شخص المسيح المبارك الكريم ….
هذه كلها نبوات نطق بها أنبياء العهد القديم وتمت بشكل واضح دقيق، ومعها نذكر نبوة المسيح له المجد عن خراب أورشليم أنظر كيف سجل لوقا هذه النبوة ” وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا قَائِلًا: إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ. فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ” ( لو 19 : 41 – 44).
ولقد فاه السيد له المجد بهذه النبوة قبل أربعين سنة من حدوثها، وسجلها لوقا في إنجيله حوالي سنة 63 ميلادية أي قبل إتمامها ببضع سنين، ثم تمت بعد ذلك بحذافيرها، لأن تيطس القائد الروماني أحاط أورشليم بمترسة وحاصر أهلها، ويقول يوسيفوس المؤرخ في مؤلفه عن (الحرب) الجزء الخامس والفصل الثاني عشر، أن الجيش الروماني هدم سور أورشليم الذي يبلغ طوله لا أقل من ثماني كيلو مترات في ظرف ثلاثة أيام، وبهذا أغلق على ثلاثة ملايين نسمة من سكان المدينة فمات كثيرون منهم جوعاً ….. وبعد أن نقض تيطس حجارتها أكمل خرابها (بارُ خّبا ) حتى سجل يوسيفوس في تاريخه هذه الكلمات «إن معالم أورشليم اندثرت بعد خرابها حتى أن أبناءها كانوا يتساءلون هل هذه هي ؟»
وصدقت النبوة في دقة ووضوح وجلاء لتؤكد من جديد صدق كلمة الله، ولتلفت أنظار الناس إلى أنه من المحتم أن تتم كل النبوات التي وردت عن المستقبل في العهد الجديد وكل هذا يذكرنا بكلمات بطرس الرسول الذي بعد أن رأى عظمة السيد له المجد وقوته فوق جبل التجلي، وسمع صوت الآب منادياً إياه من المجد الأسنى ” لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ” ( 2بط 1 : 17)
كتب قائلاً “وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ، عَالِمِينَ هذَا أَوَّلًا: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” ( 2بط 1 : 19 – 21).
يقيناً إن إتمام النبوات دليل داخلي قاطع على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله.
4– الدليل الرابع على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله هو سمو تعاليمه عن أية تعاليم أخرى في الكتب الأخرى :
يقيناً أن بوذا، وكونفوشيوس، وسقراط، وأفلاطون قد كتبوا كتابات جليلة، ولكن الفرق بين الكتاب المقدس وبين ما كتبه هؤلاء وغيرهم
هو أولاً :
إن الكتاب المقدس لا يحوي سوى الحق المجرد بينما إمتزجت تعاليم هؤلاء جميعاً بالأغلاط والأخطاء خاصة عندما تحدثوا عن : الله، والنفس، والخلود.
وثانياً :
أن الكتاب المقدس حوى كل الحق فقد عالج كل ما يختص بالحياة الأدبية، والروحية، والأبدية للإنسان بكيفية لا توجد في كتاب آخر .
وثالثاً :
أن الكتاب المقدس يحوي حقاً أكثر من كتب جميع الفلاسفة والعلماء ورجال الأديان الأرضية مجتمعة، وهو يقدم سمواً في تعاليمه فوق كل سمو بشري .
ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر المبادىء الواردة في عظة السيد له المجد على الجبل، وهي العظة التي سجلها لنا متى البشير، ففيها نجد :
(1) مبدأ إحترام الغير ظاهراً في الآيات :
“وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ” ( مت 5 : 22).
(2) مبدأ الحياة الطاهرة العفيفة ويبدو في الآية القائلة :
“وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ” ( مت 5 : 28).
(3)مبدأ الثقة التي يجب أن تقوم بين الناس ونراه في العبارات :
“وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ، وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ. وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ” (مت 5 : 34 – 37).
(4) مبدأ التضحية والفداء ويظهر في الكلمات :
” وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ. مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ” ( مت 5 : 39 – 42).
وهل يمكن أن تجد فداء أجمل من أن تفتدي أنت بخدك خد الضارب الأثيم ؟! وهل يمكن أن تجد تضحية أفضل من تضحية العطاء لكل من يسألك والسير حتى الميل الثاني مع من يسخرك ؟!!
(5) مبدأ المحبة حتى للأعداء، ويلمع هذا المبدأ بأنواره المتلألئة في الكلمات :
“وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ” (مت 5 : 44).
(6) مبدأ العبادة لإرضاء الله لا سواه ويظهر هذا المبدأ الروحي السامي في حديث السيد له المجد عن الصدقة إذ قال :
“وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ، لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً” (مت 6 : 3).
وفي حديثه عن الصلاة إذ قال :
” وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً” ( مت 6 :6).
وفي حديثه عن الصوم إذ قال :
” وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً” (مت 6 : 17 -18).
(7) مبدأ الإيمان بالله، ونحن نجده في هذه الكلمات اللامعة :
“لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟ وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ” (مت 6 : 25 -30).
فهل قرأت مبادىء سامية مثل هذه في أي كتاب آخر ؟ إن سمو تعاليم الكتاب المقدس على غيرها من التعاليم يعطيني اليقين أن الكتاب المقدس هو كلمة الله .
5– الدليل الخامس على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله هو تاريخه وانتشاره المنقطع النظير ونصرته على كل هجوم :
عجيب حقاً هذا الكتاب المقدس فقد استغرقت كتابته ألفاً وخمسمائه من السنين، والرجل الذي كتب الصفحات الختامية منه عاش في عصر يختلف كل الإختلاف عن العصر الذي كتبت فيه الصفحات الإفتتاحية !! فكيف إستمر هذا الكتاب جديداً يتحدث إلى كل عصر وإلى كل جيل متمشياً مع أرقى الثقافات، ومع أرفع ما وصل إليه جبابرة الفكر، إذا لم يكن كتاباً إلهياً ؟
ثم هذا الإنتشار المنقطع النظير لهذا الكتاب الجليل ما معناه ؟
لقد تأسست جمعية التوراة البريطانية والأجنبية سنة 1804 ومنذ ذلك التاريخ باعت هذه الجمعية حوالي 295 مليوناً من النسخ منها أكثر من 98 مليوناً في اللغة الإنجليزية وحدها، عدا ما وزعته جمعيات الكتاب المقدس الأخرى في اسكوتلندا وما وزع بواسطة إرسالية إهداء الإنجيل وغيرها من المؤسسات، وفوق هذا فقد تُرجم الكتاب المقدس حتى يومنا هذا إلى حوالي ألف لغة من لغات الأرض.
أفلا يعني هذا أن الكتاب المقدس يتميز بقوة جاذبة للجماهير ؟! ولعلك تُدهش عندما تعلم أن أول كتاب كامل طبعه مخترع الطباعة هو الكتاب المقدس وكان ذلك حوالي سنة 1445
ثم أنظر أي أنواع من الهجوم شُنت على هذا الكتاب الإلهي ؟ لقد هاجمه الكثيرون بفلسفتهم، وهاجمه آخرون بالقوة العسكرية، وهاجمه مئات من النقاد والمعلمين العصريين، لكنهم فشلوا جميعاً وبقي الكتاب المقدس ( كأساس ثابت متين لإيمان الملايين ) حاول الطغاة أن يمحوه من الوجود فأصدروا أوامرهم بحرقه، وبإعدام كل من يقتنيه، فزالت دولهم، ولكن الكتاب الثمين ثبت لأنه محروس بقوة الله وليس في حاجة إلى من يحافظ عليه.
يحدثنا هيستنجس في رسالة له نشرها تحت عنوان ( هل الكتاب المقدس موحى به ؟) عن حديث دار بينه وبين أحد الوزراء في مدينة بوستون.
قال الوزير : إن الكتاب المقدس ليس صادقاً لأن فيه تلك القصة التي رواها موسى عن السلوى، والتي تُرينا كيف إشتهى بنو إسرائيل أن يأكلوا لحماً فارسل إليهم الرب السلوى التي سقطت حوالي المحلة مسيرة يوم من كل جهة أي في محيط يزيد عن الأربعين ميلاً وكانت السلوى على إرتفاع ذراعين فوق الأرض. وقد أكل الإسرائيليون هذه السلوى في مدى شهر كامل.
وفي مكتبي مقالة طويلة نشرها أحد الملحدين مدعمة بالأدلة والأرقام بخصوص ( قصة السلوى) هذه ويتبين منها إحصاء عدد تلك الطيور على الأساس الذي ذكرته، وأنه إذا قسم ذلك العدد على كل الشعب يخص الفرد 2888643 طائراً ليأكلها في مدة شهر أي أن كل إسرائيلي كان عليه أن يأكل 69620 طائراً في كل أكلة خلال هذا الشهر وبناء عليه لا يمكن أن يكون الكتاب المقدس صادقاً .
هذا نوع من الهجوم الأحمق الذي يُهاجم به الملحدون والوجوديون، والماديون هذا الكتاب العظيم! فهل ما يقوله هؤلاء ضد الكتاب هو الحق والصدق أو هو مجرد هجوم غبي على كتاب لم يدرسوه ؟!
لنتتبع حديث الأخ هيستنجس مع الوزير الكبير :
هيستنجس : إن الكتاب المقدس لا يقول الكلام الذي ذكرته إطلاقاً يا سيدي الوزير.
الوزير : إنه يقوله بكل يقين .
هيستنجس : حسناً أرني هذا الكلام .
الوزير : (يحاول البحث عن موضع قصة السلوى في الكتاب ولكنه يعجز عن أن يجدها وهذا دائماً موقف الملحدين في كل مكان ) .
هيستنجس : أن القصة موجودة في سفر العدد الإصحاح الحادي عشر وإسمع ماذا تقول :
“فَخَرَجَتْ رِيحٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ وَسَاقَتْ سَلْوَى مِنَ الْبَحْرِ وَأَلْقَتْهَا عَلَى الْمَحَلَّةِ، نَحْوَ مَسِيرَةِ يَوْمٍ مِنْ هُنَا وَمَسِيرَةِ يَوْمٍ مِنْ هُنَاكَ، حَوَالَيِ الْمَحَلَّةِ، وَنَحْوَ ذِرَاعَيْنِ فَوْقَ وَجْهِ الأَرْضِ. فَقَامَ الشَّعْبُ كُلَّ ذلِكَ النَّهَارِ، وَكُلَّ اللَّيْلِ وَكُلَّ يَوْمِ الْغَدِ وَجَمَعُوا السَّلْوَى. الَّذِي قَلَّلَ جَمَعَ عَشَرَةَ حَوَامِرَ. وَسَطَّحُوهَا لَهُمْ مَسَاطِحَ حَوَالَيِ الْمَحَلَّةِ” ( عد 11 : 31 – 32).
ومعنى هذه الكلمات أن تلك الطيور لم تكن مرصوصة فوق الأرض إلى إرتفاع ثلاثة أقدام كقطع من الخشب بل تقول القصة أن الرب ساق تلك الطيور من ناحية البحر وجعلها تسقط حوالي المحلة على إرتفاع ذراعين من الأرض أي أنها كانت مرتفعة عن سطح الأرض نحو ثلاثة أقدام أو بمعنى أدق أنها عوضاً عن أن تطير عالياً فوق متناول اليد جعلها الرب تنخفض إلى أقل من قامة الرجل حتى يستطيع كل واحد أن يأخذ منها بقدر ما يريد .
فهل رأيت يا سيدي الوزير مدى خطأ تصور ذلك الكاتب الملحد الذي إعتقد أن الطيور قد صُفت جامدة فوق الأرض إلى إرتفاع ثلاثة أقدام !!
هذه عينة من الهجمات الظالمة التي توجه إلى الكتاب، وإلى بعض أسفاره وآياته من أناس لم يعطوا لأنفسهم وقتاً لدراسة هذا الكتاب الثمين .
وكم من أناس إدعوا أن الكتاب المقدس قد دخله التبديل والتحريف، وقد نسى هؤلاء أنه الكتاب الذي يحمل في آخر أسفاره تحذيراً خطيراً لكل من يفكر في إزادة حرف واحد عليه، أو حذف حرف واحد منه إذ نقرأ في سفر الرؤيا هذه الكلمات “لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذِهِ النُّبُوَّةِ، يَحْذِفُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمِنَ الْمَكْتُوبِ فِي هذَا الْكِتَابِ” (رؤ 22 : 18 -19) .
ولو أن تحريفاً حدث في الكتاب لكانت أول كلمات يجب أن يحذفها المحرفون هي هذه الكلمات … إن الكتاب المقدس ينتصر بقوة على كل هجوم وفي هذا أصدق دليل على أنه كتاب الله .
6– الدليل السادس على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله هو الصفات الخلقية الرفيعة التي يتميز بها الذين يقبلونه :
إنني لا أعني بكلامي هذا، أن الذين يدعون الإيمان بالكتاب أفضل من الذين لا يدعون هذا الإدعاء. كلا !
لكن أرني إنساناً يعيش حياة طاهرة، مُضحية، مُكرسة، أرني إنساناً يعمل مشيئة الله بلا تردد، أرني إنساناً مُلتهب بمحبة النفوس، وأنا أريك أن السر الكامن وراء حياة هذا الإنسان هو إيمانه القلبي بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله
ومن الناحية الأخرى، أرني إنساناً لا يؤمن بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله، وأنا أريك إنساناً يعيش لشهواته، ونجاساته ونزواته، ويحيا في الطمع، والكبرياء الروحي، والأنانية التي لا تعمل إلا بدوافع مصلحتها، والإرادة الذاتية العاصية لمشيئة الله، إن الإنسان يؤمن بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله عندما يعزم على ترك خطاياه، ويرفض وحي الكتاب طالما كان سادراً في غيه غارقاً في معاصيه .
إن الكتاب المقدس هو نور البيت المسيحي المثالي، النظيف، السعيد، لكن البيوت التي تقيم حفلات الكوكتيل، والرقص وتلعب القمار، وتتردد في أرجائها كلمات الأغاني المبتذلة، هي قطعاً بيوت خالية من الإيمان بالكتاب المقدس .
منذ زمن بعيد، كان أحد الشبان الملحدين مسافراً مع عمه وكان معهما مبلغاً من المال ليس بقليل، وأقبل عليهما المساء أمام كوخ على جانب الطريق اضطرا أن يقضيا فيه ليلتهما، ولكن الخوف ملأهما فإتفقا على أن يسهر الشاب في الغرفة التي باتا فيها وفي يده ( مسدسه) لحراسة عمه إلى منتصف الليل، ثم يوقظ الشاب عمه ليتولى حراسته إلى الصباح، لكن الشاب ترك غرفته لقضاء حاجة وإذ به يرى مُضيفهما وهو رجل خشن المظهر وقد إنكب على الكتاب المقدس يقرأه في خشوع ووقار.
وعاد الشاب إلى الغرفة وخلع ثيابه وأخفى ( مسدسه) وتهيأ للنوم …. وسأله عمه : أما إتفقنا على أن تسهر لحراستي ؟
فإبتسم الشاب وأجاب : لا داعي للخوف يا عمي العزيز لأن صاحب هذا الكوخ رجل يؤمن بالكتاب المقدس ويسهر على قراءته، والرجل الذي يقرأ الكتاب المقدس بهذا الخشوع لا خطر من إعتدائه علينا على الإطلاق .
فهل كان يمكن لأكوام من كتب الوجودية، أو الفلسفة المادية، أو النظريات العلمية أن تضع في قلب ذلك الشاب المُلحد هذا الهدوء والإطمئنان ؟!
يقيناً أن الصفات الخلقية للذين يؤمنون إيماناً قلبياً بصدق الكتاب المقدس تدفعني دفعاً إلى الإيمان بأن هذا الكتاب هو كلمة الله .
7– الدليل السابع على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله هو تأثيره العجيب في حياة الأشرار وتغييره للآثمين :
إن هذا الكتاب فيه قوة جبارة لخلاص الإنسان من سلطان الخطية، ولملء قلبه بالسلام الذي يبحث عنه، ومن المعروف علمياً أن الماء لا يمكن أن يعلو عن مصدره فإذا كان الكتاب المقدس يرفع الإنسان إلى الله فلا شك أن مصدره هو الله وليس الإنسان .
كم من سكيرين، ومُدخنين، وكذابين، ومُرتشين، غيّر الكتاب المقدس حياتهم لأنه قوة الله للخلاص كما قال فيه بولس الرسول ” لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ” (رو 1 : 16).
يُحدثنا دكتور توري عن شخص مثقف، كان ذكياً جداً، وكان مُلحداً …. وقد قاده الإلحاد إلى إرتكاب مختلف الشرور بغير ضمير، فوقع تحت تأثير ( القمار) و ( الخمر) وغاص إلى عمق الأوحال، لكن أحدهم أهداه نسخة من الكتاب المقدس، بدأ قراءتها باستهتار في أول الأمر، لكن الكتاب الإلهي إنتصر على الرجل، وغيّر حياته، فصار إنساناً جديداً وقديساً جليلاً.
بحق قال ريتشارد باكستر « يوجد أعظم رجاء لأعظم خاطىء يقرأ الكتاب المقدس، ويوجد أعظم خطر على أعظم قديس يهمل قراءة الكتاب » إن تأثير الكتاب العجيب يؤكد أنه كلمة الله.
8– الدليل الثامن على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله هو صدقه الكامل وعمقه الذي لا يسبر غوره :
أرأيت كتاباً من كتب التاريخ يسجل أخطاء الأسرة المالكة بغير خوف، والأسرة ما زالت في الحكم؟! لقد إعتاد المؤرخون أن يُظهروا نقط القوة في حكامهم، وأن يتغاضوا عن سقطاتهم وهفواتهم، أما الكتاب المقدس فهو يتحدث عن أخطاء القديسين بلا رياء، فيحدثك بغير مواربة عن كذب إبراهيم، وعن سكر نوح، وعن نجاسة لوط، وعن سقوط داود، وعن تدهور شمشون الجبار، وعن إنحراف الملك سليمان الحكيم في تيار النساء الأجنبيات، وعن إنكار بطرس الرسول لسيده!
فهل يوجد كتاب آخر يصور ضعفات البشر ويذكر تاريخهم الصادق بلا تملق كهذا الكتاب ؟
إن الكتاب المقدس يكشف الستار عن الشخصية الإنسانية، ويرسمها عارية عن كل رداء، وصدق صموئيل تيلور كوليردج حين قال « إن أهم سبب يدفعني للإيمان بصدق الكتاب المقدس هو أن هذا الكتاب قد كشف أعماق نفسي، ودخل إلى مخادع قلبي، وميز أفكاري ونياتي بصورة لم أجدها في أي كتاب آخر ».
أنظر إلى عمق هذا الكتاب الكريم ! إن أحداً لم يزد عليه كلمة منذ أكثر من ثمانية عشر قرناً ومع ذلك فإن رجلاً (كبنسن Bunsen) أو (نياندر ) لم يستطيعا أن يسبرا غوره بعد دراسة العمر كله.
وجورج مولر قرأه أكثر من مئة مرة ولكنه قال : « لقد كنت أشعر بجدة الكتاب المقدس في كل مرة قرأته فيها، وكنت أحس أمام أغواره إنني كطفل يلعب على شاطىء البحر » فهل يمكن أن يُصدق هذا على أي كتاب آخر ؟
إن أجيالاً متعاقبة من البشر وضعت التفاسير العديدة لهذا الكتاب لكنها لم تصل إلى عمقه، ومن عجب أن هذا الكتاب يُعطي أسراره للمؤمنين البسطاء، ولا يُعطيها للعلماء الأدعياء، ولو كان هذا الكتاب من وضع إنسان لأدرك الإنسان عمقه، وحلل كل كلمة فيه فيما مضى من أجيال، لكن هذا الكتاب بكل يقين يحوي كنوز الحكمة العليا، ومعرفة القدير لأنه كتاب الله.
9– الدليل التاسع على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله هو أننا كلما نمونا في المعرفة والقداسة نمونا في إداركه، وفوق ذلك فهو يُعلن من تكوينه إلى رؤياه شخصية السيد المسيح :
إن كل إنسان مُفكر يجد صعوبات لا يفهمها في بداية دراسته للكتاب المقدس، ولكنه كلما إستمر في دراسته، وكلما زاد في إختباراته الروحية، وكلما نما في معرفة الله تُشرق عليه أنوار الفهم للكتاب، وتحل أمامه صعوباته، ويختبر الكلمات القائلة :
“أَمَّا سَبِيلُ الصِّدِّيقِينَ فَكَنُورٍ مُشْرِق، يَتَزَايَدُ وَيُنِيرُ إِلَى النَّهَارِ الْكَامِلِ” ( أم 4 : 18).
ولكن ما معنى هذا في معادلة حسابية؟ معناه إننا كلما إقتربنا من وجهة نظر الله كلما زالت الصعوبات والإعتراضات التي تخطر ببالنا ضد الكتاب. أو بعبارة أخرى أن الكتاب هو تعبير صريح عن وجهة نظر الله، وهو فوق ذلك إعلان واضح عن شخص إبن الله المبارك الكريم .
قص علينا أحد رجال الله قصة عن رجل أمريكي اشترى لإبنه خريطة الأمريكتين ( مفككة ) وطلب منه أن يعيد جمعها، ووعده إن هو أعاد تركيبها في ساعة فسيعطيه عشرين دولاراً …. وكان المفهوم أن أذكى غلام لا يستطيع أن يجمع هذه الخريطة المعقدة في أقل من ساعتين !
ولكن من عجب أن هذا الإبن جمعها في عشر دقائق، ولما عاد بها إلى أبيه، هتف الأب من الدهشة: كيف تمكنت من جمعها بهذه السرعة ؟ وأجاب الإبن : كان الأمر بسيطاً جداً يا أبي …. فأنا لم أجمع الخريطة … انظر ! إن في ظهرها صورة لرأس إبراهام لنكولن، وكل ما فعلته إنني جمعت هذه الصورة، وبهذا جمعت الخريطة المعقدة !!
والكتاب المقدس يظل كتاباً معقداً إلى أن نرى فيه صورة المسيح له المجد، وعندئذ تنحل عقده، ويصير كتاباً لذيذاً من تكوينه إلى رؤياه .
وسنقدم للقارىء الكريم فيما يلي صورة واضحة للمسيح في جميع أسفار الكتاب، وليته بعد أن يدرسها، ينقلها إلى كتابه المقدس الخاص به على هامش الصفحة الأولى من كل سفر :
فكيف تظهر صورة المسيح في أسفار الكتاب ؟
في التكوين هو نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية :
“وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ” ( تك 3 : 15).
في الخروج هو حمل الله الذي يحمي دمه المفديين :
“وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ حِينَ أَضْرِبُ أَرْضَ مِصْرَ” ( خر12 : 13).
في اللاويين هو رئيس الكهنة العظيم :
“ثُمَّ يَذْبَحُ تَيْسَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لِلشَّعْبِ، وَيَدْخُلُ بِدَمِهِ إِلَى دَاخِلِ الْحِجَابِ. وَيَفْعَلُ بِدَمِهِ كَمَا فَعَلَ بِدَمِ الثَّوْرِ: يَنْضِحُهُ عَلَى الْغِطَاءِ وَقُدَّامَ الْغِطَاءِ” ( لا 16 : 15) .
في العدد هو الكوكب الخارج من يعقوب :
” أَرَاهُ وَلكِنْ لَيْسَ الآنَ. أُبْصِرُهُ وَلكِنْ لَيْسَ قَرِيبًا. يَبْرُزُ كَوْكَبٌ مِنْ يَعْقُوبَ، وَيَقُومُ قَضِيبٌ مِنْ إِسْرَائِيلَ، فَيُحَطِّمُ طَرَفَيْ مُوآبَ، وَيُهْلِكُ كُلَّ بَنِي الْوَغَى” (عد 24 : 17).
في التثنية هو النبي الذي مثل موسى :
“يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ” ( تث 18 : 15).
في يشوع هو رئيس جند الرب :
“فَقَالَ: كَلاَّ، بَلْ أَنَا رَئِيسُ جُنْدِ الرَّبِّ. الآنَ أَتَيْتُ». فَسَقَطَ يَشُوعُ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ وَسَجَدَ، وَقَالَ لَهُ: بِمَاذَا يُكَلِّمُ سَيِّدِي عَبْدَهُ” (يش 5 : 14).
في القضاة هو صاحب الإسم العجيب :
” فَقَالَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ: لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي وَهُوَ عَجِيبٌ “ (قض 13 : 18).
في راعوث هو الولي والفادي :
“فَقَالَ بُوعَزُ لِلشُّيُوخِ وَلِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنْتُمْ شُهُودٌ الْيَوْمَ أَنِّي قَدِ اشْتَرَيْتُ كُلَّ مَا لأَلِيمَالِكَ وَكُلَّ مَا لِكِلْيُونَ وَمَحْلُونَ مِنْ يَدِ نُعْمِي” ( را 4 : 9).
في سفري صموئيل هو رب وذرية داود :
” وَتُنْقِذُنِي مِنْ مُخَاصَمَاتِ شَعْبِي، وَتَحْفَظُنِي رَأْسًا لِلأُمَمِ. شَعْبٌ لَمْ أَعْرِفْهُ يَتَعَبَّدُ لِي” ( 2 صم 22 : 44).
في أسفار الملوك والأخبار هو ملك الملوك :
“وَلَمْ أُصَدِّقْ كَلاَمَهُمْ حَتَّى جِئْتُ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ، فَهُوَذَا لَمْ أُخْبَرْ بِنِصْفِ كَثْرَةِ حِكْمَتِكَ. زِدْتَ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي سَمِعْتُهُ” (2 أخ 9 : 6).
في عزرا ونحميا هو رب السماء والأرض :
” كُلُّ مَا أَمَرَ بِهِ إِلهُ السَّمَاءِ فَلْيُعْمَلْ بِاجْتِهَادٍ لِبَيْتِ إِلهِ السَّمَاءِ، لأَنَّهُ لِمَاذَا يَكُونُ غَضَبٌ عَلَى مُلْكِ الْمَلِكِ وَبَنِيهِ” (عز 7 : 23)
“وَقُلْتُ: أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ السَّمَاءِ، الإِلهُ الْعَظِيمُ الْمَخُوفُ، الْحَافِظُ الْعَهْدَ وَالرَّحْمَةَ لِمُحِبِّيهِ وَحَافِظِي وَصَايَاهُ” (نح 1 :5)
في إستير هو الشفيع الوحيد :
” ثُمَّ عَادَتْ أَسْتِيرُ وَتَكَلَّمَتْ أَمَامَ الْمَلِكِ وَسَقَطَتْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَبَكَتْ وَتَضَرَّعَتْ إِلَيْهِ أَنْ يُزِيلَ شَرَّ هَامَانَ الأَجَاجِيِّ وَتَدْبِيرَهُ الَّذِي دَبَّرَهُ عَلَى الْيَهُودِ. فَمَدَّ الْمَلِكُ لأَسْتِيرَ قَضِيبَ الذَّهَبِ، فَقَامَتْ أَسْتِيرُ وَوَقَفَتْ أَمَامَ الْمَلِكِ” (إس 8 : 3 – 4).
في أيوب هو الفادي الحي :
” أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ، وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ” (أي 19 : 25).
في المزامير هو ابن الله :
“إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ. تُحَطِّمُهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ. مِثْلَ إِنَاءِ خَزَّافٍ تُكَسِّرُهُمْ” ( مز 2 : 7 -9).
في الأمثال هو حكمة الله :
“اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ الْقِدَمِ “ (أم 8 : 22).
في الجامعة هو فوق الشمس :
“فَلْنَسْمَعْ خِتَامَ الأَمْرِ كُلِّهِ اتَّقِ اللهَ وَاحْفَظْ وَصَايَاهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ الإِنْسَانُ كُلُّهُ” (جا 12 : 13).
في نشيد الأنشاد هو الذي حلقه حلاوة وكله مشتهيات :
“حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ. هذَا حَبِيبِي، وَهذَا خَلِيلِي، يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ “ (نش 5 : 16).
في إشعياء هو المسيح المتألم لأجل الخطية :
“وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا” (إش 53 :5).
في إرمياء هو الرب برنا :
“فِي أَيَّامِهِ يُخَلَّصُ يَهُوذَا، وَيَسْكُنُ إِسْرَائِيلُ آمِنًا، وَهذَا هُوَ اسْمُهُ الَّذِي يَدْعُونَهُ بِهِ الرَّبُّ بِرُّنَا” (إر 23 : 6).
في مراثي إرمياء هو رجل الأحزان :
“أَمَا إِلَيْكُمْ يَا جَمِيعَ عَابِرِي الطَّرِيقِ؟ تَطَلَّعُوا وَانْظُرُوا إِنْ كَانَ حُزْنٌ مِثْلُ حُزْنِي الَّذِي صُنِعَ بِي، الَّذِي أَذَلَّنِي بِهِ الرَّبُّ يَوْمَ حُمُوِّ غَضَبِهِ” (مرا 1 : 12).
في حزقيال هو الرب هناك :
” الْمُحِيطُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَاسْمُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ: يَهْوَهْ شَمَّهْ” (حز 48 : 35).
في دانيال هو المسيح المقطوع لأجل خطايا البشرية :
“وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا” ( دا 9 : 26).
في هوشع هو مخلص المرتدين :
“أَنَا أَشْفِي ارْتِدَادَهُمْ. أُحِبُّهُمْ فَضْلًا، لأَنَّ غَضَبِي قَدِ ارْتَدَّ عَنْهُ” ( هو 14 :4).
في يوئيل هو الذي صوته يرجف السماء والأرض :
“وَالرَّبُّ مِنْ صِهْيَوْنَ يُزَمْجِرُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ يُعْطِي صَوْتَهُ، فَتَرْجُفُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ. وَلكِنَّ الرَّبَّ مَلْجَأٌ لِشَعْبِهِ، وَحِصْنٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ” (يؤ 3 : 16).
في عاموس هو الذي يؤدب ويرجع شعبه :
“فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أُقِيمُ مِظَلَّةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ، وَأُحَصِّنُ شُقُوقَهَا، وَأُقِيمُ رَدْمَهَا، وَأَبْنِيهَا كَأَيَّامِ الدَّهْرِ” (عا 9 : 11).
في عوبديا هو الملك في مملكته :
“وَيَصْعَدُ مُخَلِّصُونَ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ لِيَدِينُوا جَبَلَ عِيسُو، وَيَكُونُ الْمُلْكُ لِلرَّبِّ” (عو عدد 21).
في يونان هو الفادي المقام :
“وَأَمَرَ الرَّبُّ الْحُوتَ فَقَذَفَ يُونَانَ إِلَى الْبَرِّ” (يونا 2 : 10).
في ميخا هو الرئيس الخارج من بيت لحم:
“أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ” (مي 5 :2).
في ناحوم هو حامل الأخبار السارة :
“هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: إِنْ كَانُوا سَالِمِينَ وَكَثِيرِينَ هكَذَا، فَهكَذَا يُجَزُّونَ فَيَعْبُرُ. أَذْلَلْتُكِ. لاَ أُذِلُّكِ ثَانِيَةً” (نا 1 : 12).
في حبقوق هو القدوس صاحب الجلال :
“اَللهُ جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ. سِلاَهْ. جَلاَلُهُ غَطَّى السَّمَاوَاتِ، وَالأَرْضُ امْتَلأَتْ مِنْ تَسْبِيحِهِ” (حب 3 : 3).
في صفنيا هو الرب المخلص وسط شعبه :
“الرَّبُّ إِلهُكِ فِي وَسَطِكِ جَبَّارٌ. يُخَلِّصُ. يَبْتَهِجُ بِكِ فَرَحًا. يَسْكُتُ فِي مَحَبَّتِهِ. يَبْتَهِجُ بِكِ بِتَرَنُّمٍ” (صف 3 : 17).
في حجي هو مشتهى كل الأمم :
“وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الأُمَمِ. وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ، فَأَمْلأُ هذَا الْبَيْتَ مَجْدًا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ” (حج 2 : 7).
في زكريا هو الملك الوديع المنصور :
” اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ” (زك 9 :9).
في ملاخي هو شمس البر :
“وَلَكُمْ أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ اسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا، فَتَخْرُجُونَ وَتَنْشَأُونَ كَعُجُولِ الصِّيرَةِ” (ملا 4 : 2).
في متى هو عمانوئيل الله معنا :
“هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا” (مت 1 : 23).
في مرقس هو الحجر الذي رفضه البناؤوون :
“أَمَا قَرَأْتُمْ هذَا الْمَكْتُوبَ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ، هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ” (مر 12 : 10).
في لوقا هو الدائن المسامح :
“كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ” ( لو 7 : 41 -42).
في يوحنا هو الخالق، والفادي، والملك الآتي :
“كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ” (يو 1 :3).
في أعمال الرسل هو الرب المرتفع :
“وَلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ” (أع 1 :9).
في رومية هو الذي يبرر الفاجر :
“أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ” (رو 4 : 4).
في كورنثوس الأولى هو رجاء القيامة :
“وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ” (1 كو 15 :20).
في كورنثوس الثانية هو المحبة الحاصرة :
” لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هذَا أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا” (2 كو 5 : 14).
في غلاطية هو النعمة الفادية :
“لَسْتُ أُبْطِلُ نِعْمَةَ اللهِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِالنَّامُوسِ بِرٌّ، فَالْمَسِيحُ إِذًا مَاتَ بِلاَ سَبَبٍ” (غلا 2 : 21).
في أفسس هو رأس الكنيسة :
“لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ” (أف 5 : 23).
في فيلبي هو قوة حياة القيامة :
“لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ” ( في 3 : 10).
في كولوسي هو الذي يحل فيه كل ملء اللاهوت :
“فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا” (كو 2 :9).
في تسالونيكي الأولى هو الذي صوته يقيم الراقدين :
” لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا” ( 1تس 4 : 16).
في تسالونيكي الثانية هو واهب الراحة للمؤمنين والمنتقم من العصاة :
“وَإِيَّاكُمُ الَّذِينَ تَتَضَايَقُونَ رَاحَةً مَعَنَا، عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” ( 2 تس 1 : 7 -8 ).
في تيموثاوس الأولى هو الوسيط الوحيد :
” لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (1 تي 2 :5).
في تيموثاوس الثانية هو الذي سيتوج منتظريه :
” وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا” (2 تي 4 :8).
في تيطس هو الرجاء المبارك :
“مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (تي 2 : 13).
في فليمون هو مسدد دين الخطية :
“ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاحْسِبْ ذلِكَ عَلَيَّ” (في عدد 18).
في عبرانيين هو رئيس الكهنة العظيم :
“فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ” (عب 4 :14).
في يعقوب هو الرب الذي اقترب مجيئه :
“فَتَأَنَّوْا أَنْتُمْ وَثَبِّتُوا قُلُوبَكُمْ، لأَنَّ مَجِيءَ الرَّبِّ قَدِ اقْتَرَبَ” (يع 5 :8).
في بطرس الأولى هو الحمل الذي بلا عيب :
“بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ” (1بط 1 :19).
في بطرس الثانية هو كوكب الصبح لقلوب المؤمنين :
” وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ” (2 بط 1 : 19).
في رسائل يوحنا هو الحياة الأبدية :
” فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا” (1يو 1 :2).
في يهوذا هو الديان العادل :
” وَتَنَبَّأَ عَنْ هؤُلاَءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابعُ مِنْ آدَمَ قَائِلًا: هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ، لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ، وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمِ الَّتِي فَجَرُوا بِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ الصَّعْبَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا عَلَيْهِ خُطَاةٌ فُجَّارٌ” (يه عدد 14 – 15).
في الرؤيا هو ملك الملوك ورب الأرباب :
” وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ” (رؤ 19 : 16).
ويقيناً إن هذه الصورة اللامعة البهية تؤكد أن الكتاب المقدس هو كلمة الله .
10– الدليل العاشر على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله هو شهادة الروح القدس الواضحة لهذا الكتاب :
لقد بدأنا مع الله وسننتهي مع الله، بدأنا بشهادة الرب يسوع المسيح، وسننتهي بشهادة الروح القدس، إن روح الله يضع ختمه على كل مؤمن بالحق، ويؤكد له أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، وقد قال ربنا “خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي” (يو 10 :27).
وأنت قد تجد امرأة قديسة تؤكد لك أن الكتاب المقدس هو كلمة الله بغير أن تقدم لك دليلاً غير صوت الروح القدس في قلبها، وقد لا تقبل أنت هذا الدليل لكنه حق، إنها من خراف المسيح ولذا فهي (تعرف صوته).
حدثنا دكتور توري قال « جاءني مرة شاب جامعي، كان الشك يملأ عقله من جهة الكتاب، فقدمت له ورقة عليها هذه الكلمات : «إنني أؤمن إنه يوجد فرق هائل بين الخطأ والصواب، وأنا هنا أتعهد بالوقوف إلى جوار الصواب، وأسير مع الصواب إلى حيثما قادني، وإنني سأسعى جاهداً لمعرفة الحق وإذا وجدت أن يسوع المسيح هو ابن الله فإنني سأقبله كمخلص شخصي لي» وقد وقع الشاب بإمضائه على هذه الورقة، وأخذ نسخة من بشارة يوحنا وشرع في قراءتها على أيام، وكان يطلب من الله الإرشاد …. وفي يوم ما أشرق نور القدير على نفسه وصار ميثودستياً مباركاً، وقد قال لي إنه يتعجب كيف كان يرفض هذا الكتاب العظيم فأريته أن “وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا” (1 كو 2 : 14) فقال وهو يهز رأسه :ما أشد غباء الإنسان الطبيعي!! »
فهل تخضع لتأثير روح الله في قلبك ؟ وهل تبدأ في دراسة هذا الكتاب بإخلاص مسلماً ينابيع حياتك لله بعد أن ثبت لك بالدليل التاريخي والدليل الداخلي والدليل الإختباري إنه كتاب الله؟ إنك لن تجد كتاباً آخر في الوجود، يحدثك عن الله، والخطية، والسقوط، والفداء، وجهنم، والسماء، ويُريك المثل العليا للحياة الحقيقية كهذا الكتاب الثمين إنه بغير شك كلمة الله للبشرية وهو ( الأساس المتين لإيمان الملايين) فليتك تضعه اليوم كأساس لإيمانك .
الفصل الثاني
الإيمان والخلاص
ما دمنا قد قبلنا الكتاب المقدس كأساس ثابت لإيماننا، فلا بد أن نقر أن كلمته هي الفيصل في كل مشكلة تعترضنا …. والمشكلة الكبرى التي تقابل كل شخص يستيقظ ضميره ويفكر في حياته الأبدية هي : ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص ؟
فماذا يقول الكتاب المقدس عن هذا الموضوع الخطير ؟ إنه يعلن في صراحة أن الخلاص هو بالنعمة بالإيمان ….
فأقرأ معي هذه الآيات :
“لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ” (أف 2 : 8).
“وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ” (يو 1 : 12).
“فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنَّهُ بِهذَا يُنَادَى لَكُمْ بِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، وَبِهذَا يَتَبَرَّرُ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تَتَبَرَّرُوا مِنْهُ بِنَامُوسِ مُوسَى” (أع 13 : 38 -39).
” وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ، وَلكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا” (رو 4 : 5).
” فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو 5 : 1).
ماذا تعلمنا هذه الآيات؟ هل تقول لنا إننا خلصنا بالإيمان ؟ كلا !
إنها تقول إننا خلصنا بالنعمة بواسطة الإيمان، فالخلاص بالنعمة !!
والإيمان هو المجرى الذي بواسطته تصل إلينا نعمة الله، وهو اليد التي تمتد وتقبل عطية محبته.
فهل كل من يدعي الإيمان ينال الخلاص؟ إسمع كلمات يعقوب الرسول :
“أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ” ( يع 2 : 19) ولكن هل هذا الإيمان يُخلص الشياطين ؟
يقيناً لا ! لأن إيمانهم لم يغير حياتهم، إنه إيمان بإله واحد قادر موجود، ولكنه لا يتعدى هذه المعرفة المجردة.
وفي سفر الأعمال نرى صورة لهذا الإيمان الزائف هي صورة سيمون الساحر الذي كان يدهش شعب السامرة بسحره قائلاً إنه شيء عظيم، ولكن هذا الرجل اندهش من الآيات والمعجزات التي أجراها فيلبس بإسم يسوع، ويقول كاتب سفر الأعمال “وَسِيمُونُ أَيْضًا نَفْسُهُ آمَنَ. وَلَمَّا اعْتَمَدَ كَانَ يُلاَزِمُ فِيلُبُّسَ، وَإِذْ رَأَى آيَاتٍ وَقُوَّاتٍ عَظِيمَةً تُجْرَى انْدَهَشَ” (أع 8 : 13).
بل أكثر من ذلك إنه إعتمد بالماء …. فهل كان إيمانه من النوع السليم الذي يغير الحياة ويجدد القلب ؟!
أنظر ماذا حدث ! سمع الرسل الذين في أورشليم أن السامرة قد قبلت كلمة الله فأرسلوا بطرس ويوحنا اللذين لما نزلا صليا لأجل المؤمنين هناك لكي يقبلوا الروح القدس، لأنه لم يكن قد حل بعد على أحد منهم. غير أنهم كانوا معتمدين بإسم الرب يسوع، حينئذ وضعا الأيادي عليهم فقبلوا الروح القدس .
لكن ما الذي حدث لسيمون ؟ اسمع ماذا يقول الكتاب :
“وَلَمَّا رَأَى سِيمُونُ أَنَّهُ بِوَضْعِ أَيْدِي الرُّسُلِ يُعْطَى الرُّوحُ الْقُدُسُ قَدَّمَ لَهُمَا دَرَاهِمَ. قَائِلًا: أَعْطِيَانِي أَنَا أَيْضًا هذَا السُّلْطَانَ، حَتَّى أَيُّ مَنْ وَضَعْتُ عَلَيْهِ يَدَيَّ يَقْبَلُ الرُّوحَ الْقُدُسَ” (أع 8 : 18 -19).
وإصغ إلى كلمات بطرس الرسول وهي ترفع الستار عن حقيقة قلب هذا الرجل وتُريك أن إيمانه كان من نوع إيمان الشياطين الذي لا يغير ولا يجدد القلب ولذا فهو لم يقبل الروح القدس كباقي مؤمني السامرة !!
” فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: لِتَكُنْ فِضَّتُكَ مَعَكَ لِلْهَلاَكِ، لأَنَّكَ ظَنَنْتَ أَنْ تَقْتَنِيَ مَوْهِبَةَ اللهِ بِدَرَاهِمَ! لَيْسَ لَكَ نَصِيبٌ وَلاَ قُرْعَةٌ فِي هذَا الأَمْرِ، لأَنَّ قَلْبَكَ لَيْسَ مُسْتَقِيمًا أَمَامَ اللهِ. فَتُبْ مِنْ شَرِّكَ هذَا، وَاطْلُبْ إِلَى اللهِ عَسَى أَنْ يُغْفَرَ لَكَ فِكْرُ قَلْبِكَ، لأَنِّي أَرَاكَ فِي مَرَارَةِ الْمُرِّ وَرِبَاطِ الظُّلْمِ” (أع 8 : 20 – 23).
هذه هي حقيقة قلب سيمون، فمع أنه آمن واعتمد، لكن إيمانه كان مجرد إدعاء كاذب لا تأثير له في حياته. فلا يكفي للشخص أن يعرف أن المسيح ولد في بيت لحم، وتربى في الناصرة، وصُلب خارج أسوار اورشليم، ودفن، وقام، وصعد إلى عرشه المجيد، بل يجب أن يولد من جديد، وأن يدفن بالإيمان مع المسيح، وأن يقوم معه ليسلك في جدة الحياة، وأن يعطيه في قلبه المكان الأول والأخير وأن يوحد قلبه لخوف إسمه والثقة الكاملة في شخصه الكريم المبارك.
هل قلت : أن يوحد قلبه لخوف إسمه والثقة الكاملة في شخصه الكريم؟ فما معنى هذه الكلمات؟! معناها : (وحدة الشخصية ) و (وحدة الغرض) و ( وحدة القلب) وقد أوضح كاتب جليل معنى (وحدة الشخصية) في مقال له قال فيه :
« ما هذه اللحظات التي ترتفع فيها قلوبنا إلى سماوات رائعة من الرؤى الصادقة العظيمة …؟ والتي تتحول أنفسنا خلالها إلى (بلور) يتلألأ نقاء وصفاء، وشفافية …؟ والتي يغمرنا فيها تهلل عذب، وإشراق ودود ؟ … إنها تلك التي يفعمها الإشراق الإلهي … تلك التي نحس فيها كأن الأشياء مطويات بإيماننا …. لا ينقصنا مما نريد شيء، ولا تغيب عنا أمنية، ونشعر كأننا قادرون على كل شيء ….. محبون لكل شيء، محبوبون من كل شيء …. ويشع من بصيرتنا ذكاء ثاقب يكاد يرى ما وراء الحجب والغيوب، وتذهب عنا أثقالنا كلها، من مخاوف، ومتاعب، وأضغان، ونهم بالطيران كأننا فراشات مرحة … ونود لو نستطيع أن نعانق الكون كله !! …
إن هذه اللحظات هي دليل على وجود شيء في داخلنا، شيء من معدنها، ومن طبيعتها … شيء يستطيع لو أحسنا إستثماره أن يجعل من حياتنا واحة تهتز بهجة وقطافاً …. وهذه الومضات لا تجىء إلا حين نكون مع أنفسنا على وفاق … فأنت حين لا تنقسم على ذاتك … حين لا تتحول إلى حرب أهلية تدور داخل نفسك، حين تكون شخصاً واحداً لا شخصين، ويستقيم فيك هذا الواحد على نهج من الخير وديع، تجد طمأنينة النفس هذه تنادي إليك كل مباهج الروح، وكل مباهج العقل، وكل مباهج الحياة.
فلنذكر جيداً : أنه بقدر ما نجمع من شتات ذواتنا، ونرأب من صدع أنفسنا، يكون حظنا من السلام والطمأنينة.
أجل ! إن (وحدة الشخصية) و ( وحدة الغرض) و (وحدة القلب) هي سبيلنا إلى الهدوء والإطمئنان والسلام !
لكن كيف نحظى بهذه الوحدة المباركة؟! إنها لا يمكن أن تأتي إلا بالإيمان الحي الثمين الذي يُخلصنا من صراعنا مع ذواتنا، ومع خطايانا، وما أعظم الفرق بين إيمان القلب وإيمان الشفاه!!
إن إيمان الشفاه يشبه تماماً إيمان ذلك الرجل الذي حدثنا عنه الواعظ المعاصر (بلي جراهام ) في كتابه (سلام مع الله) قال :
«منذ عدة سنوات وقف رجل قوي الجسم متين العضلات على (كوبري نهر نياجرا) وشرع يعرض على الجمهور ألعاباً مدهشة فوق حافة الكوبري … وكان يدحرج عربة يد ربطها بحبل متين ووضع عليها كيساً ضخماً من التراب، ويتلقفها في خفة فوق الماء والجمهور يصفق له في إعجاب … وفجاة توقف الرجل عن عرض ألعابه ثم التفت إلى الجمهور المتحمس وقال : «من منكم يؤمن بقدرتي على اللعب برجل فوق الماء، وحمله على هذه العضلات ؟» وهتف الجمهور في غمرة الحماس (كلنا نؤمن بهذا ) واختار اللاعب رجلاً كان أكثر الواقفين حماسة له وتصفيقاً وقال له : تعال لأحملك فوق الماء … ولكن الرجل المتحمس إصفر وجهه وهمس قائلاً : «كلا أشكرك … ثم انسل مختفياً بين الصفوف».
لقد آمن هذا الرجل الهارب بقدرة اللاعب على أن يلعب بالأثقال فوق الماء، لكنه خاف أن يسلمه حياته، وأن يثق فيه».
وكثيرون يفعلون هكذا مع الرب يسوع، فيقولون بشفاههم إنهم يؤمنون به، ويدعون إنهم يتبعونه، ولكنهم في واقع الأمر لم يسلموا نفوسهم له، ولم يجعلوه هدف القلب، والغرض، والحياة. ولهذا فهم لم يختبروا خلاصه البهيج لأن واسطة الخلاص هو الإيمان الحي الحقيقي الذي يسلم بثقة للمسيح.
فما معنى الإيمان الحي ؟ وماهي العناصر التي يتركب منها؟ وهل في الكتاب المقدس والتاريخ أمثلة لأشخاص نالوا الخلاص بالإيمان ؟
معنى الإيمان الحي
تجد في قاموس وستمنستر للكتاب المقدس تحت كلمة الإيمان ما يلي :
« يوجد فرق كبير بين ( الإيمان ) و (العقيدة) فالعقيدة تتوقف على الشهادة، أما الإيمان فهو وليد الشهادة والثقة، وهو عمل الإدراك والإرادة …. والفرق بين ( العقيدة) و ( الإيمان) كالفرق بين العبارتين ( صدقني ) و (ثق فيّ )».
وفي الكتاب المقدس الإيمان هو الثقة في كل عبارة تكلم بها الله، أي أن الإيمان هو الإعتماد على شهادة الله بخصوص إرسالية، ومسحة، وموت ابنه يسوع المسيح “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ” (يو 5 : 24).
وكذلك على شهادة الرب يسوع المسيح لنفسه “اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ” (يو 3 : 18).
“وَبِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هذَا الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هذِهِ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ” (أع 3 : 16).
والإيمان الذي يستريح به الخاطىء على عمل المسيح الكامل وحده، ويثق به لا سواه هو الإيمان الضروري لنوال الخلاص، وهذا الإيمان يختلف عن الإيمان التاريخي الذي يمكن أن نصدقه بالدليل، إذ هو عطية الله “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ” (أف 2 :8).
وهذا الشرح الإضافي الذي جاء بالقاموس المشهور يذكرنا بإختبار جليل في حياة رجل الله (جون باتون) الذي كان مرسلاً في جزائر (هبريدة الجديدة ) فقد كان الرجل العظيم يترجم الكتاب المقدس إلى لغة (هبريدة) ولكنه لم يجد كلمة أو عبارة في هذه اللغة يترجم إليها ( كلمة الإيمان) وصلى الرجل إلى الله حتى يرشده إلى الكلمة المطلوبة، واستجاب سامع الصلاة، إذ جاء يوم دخل مكتبه فيه أحد الخدام الوطنيين العاملين معه، وكان آتياً من سفر بعيد منهك، وما كاد الخادم يدخل غرفة جون باتون حتى ألقى بنفسه على مقعد وثير وهو يردد « ما أجمل أن يرتمي المرء هكذا ليستريح من تعبه الشديد» !! وقفز ( باتون) وهو يردد من فرط الفرح : وجدتها … وجدتها، ولما سأله زميله عن هذه التي وجدها قال : وجدت العبارة الصحيحة التي أترجم إليها كلمة الإيمان في الكتاب …. فالإيمان هو أن يلقي المرء بنفسه على الرب ليتمتع بالراحة الكاملة من حمل خطاياه الثقيلة وهمومه التي تقلق باله .
لكن هل هذا هو المعنى الوحيد للإيمان الحي ؟ كلا ! ففي الرسالة إلى العبرانيين يسجل الوحي هذه الكلمات لتوضيح معنى الإيمان فيقول “وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى. فَإِنَّهُ فِي هذَا شُهِدَ لِلْقُدَمَاءِ. بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ” (عب 11 : 1 -3).
وفي ترجمة Wey mouth الإنجليزية نجد الآية الأولى قد تُرجمت بهذا التعبير الواضح « وأما الإيمان فهو اليقين الواثق فيما نرجوه والإقتناع بحقيقة الأمور التي لا نراها ».
فالإيمان بحسب هذه الترجمة هو يقين واثق، وإقتناع بحقيقة وجود الأمور التي لا نراها … إنه يتجسم بصورة حية في هذه القصة التي ذكرها والد طبيب للواعظ الأمريكي الأشهر مستر مودي قال « غبت عن منزلي مدة من الزمن ليست بقصيرة، وفي طريق عودتي خطر ببالي هذا الخاطر: هل ابنتي الصغيرة (ماجيا ) التي تركتها في دور الطفولة ما زالت تذكرني؟ وصممت على أن أعمل شيئاً لإختبار ذاكرتها، فلما وصلت إلى المنزل انسللت في هدوء، ووقفت في مكان أستطيع رؤيتها منه، ولا تستطيع رؤيتي، ثم ناديتها (ماجيا) … وما كاد صوتي يصل إلى أذني الطفلة العزيزة حتى ألقت بلعبها، وأدارت بصرها في أرجاء الغرفة تبحث عن مصدر النداء … ولما لم تجد أحداً عادت إلى لعبها من جديد … سكت لحظة ثم كررت ندائي لها (ماجيا)، وأدارت الطفلة رأسها في إهتمام غريب، ولما لم تر وجهي ظهر على وجهها الأسف والألم ولم تعد إلى لعبها هذه المرة إلا بعد وقت ملحوظ … وللمرة الثالثة ناديتها (ماجيا) وحينئذ رأيت عجباً : ألقت الطفلة بلعبها، وانفجرت باكية وهي تمد يديها إلى الناحية التي يأتي منها صوتي …. لقد تأكدت الطفلة إنها وإن كانت لا تراني، فلا شك إنني موجود بالقرب منها لأنها تسمع صوتي وتعرفه» .
وقد ذكرتني (ماجيا) بالصبي صموئيل في العهد القديم، فمع إنه سمع مجرد صوت يناديه «صموئيل … صموئيل » إلا أنه في إيمان بسيط تيقن أن الرب هو الذي يكلمه وأجابه قائلاً “فَجَاءَ الرَّبُّ وَوَقَفَ وَدَعَا كَالْمَرَّاتِ الأُوَلِ: صَمُوئِيلُ، صَمُوئِيلُ. فَقَالَ صَمُوئِيلُ: تَكَلَّمْ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ” ( 1 صم 3 : 10).
وهنا يتجلى الإيمان الحي في الأمور التي لا ترى، إنه الإيمان بالله الذي لم يره أحد قط، إنه الإيمان بوجود الملائكة، وإنه الإيمان بالعالم غير المنظور، وبهذا الإيمان “بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ”، وهذا هو الإيمان الذي يريح القلب ويدفع الإطمئنان في كيان الإنسان المؤمن ويوحد الشخصية التي تفككت من طول الصراع.
عناصر الإيمان الحي
إذ عرفنا معنى الإيمان الحي، يجدر بنا أن ندرس قليلاً العناصر التي يتركب منها هذا الإيمان.
(1) وأول عنصر من عناصر الإيمان الحي هو عنصر المعرفة :
ولكن أية معرفة ؟
أولاً : معرفة عمومية الخطية.
وثانيا: معرفة الرب المخلص .
فإقرأ معي ماذا يقول الكتاب عن عمومية الخطية ” اَللهُ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ كُلُّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (مز 53 : 2 -3).
“بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو 3 : 22 -23).
فكيف لوثت الخطية البشر أجمعين؟ لقد لوثتها عن طريق آدم رأس العائلة الأول، وإمرأته حواء أم الإنسانية جمعاء والإثنان في الواقع جسد واحد “وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا” (مت 19 : 5).
وهذا ما يقرره الرسول بولس قائلاً “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” (رو 5 : 12).
لقد كان آدم هو نبع النهر البشري، وعندماخلقه الله خلقه طاهراً، صافياً كالبللور، وكان في وسعه لو نجح في إختبار الحرية أن يكون نبعاً لنهر بشري جميل طاهر نقي ؟؟
لقد كان بمثابة البحيرات التي ترسل الماء من هضبة الحبشة إلى النيل الجميل، ولكن هذا النبع تلوث بالعصيان … إختار بملء حريته أن يصدق الشيطان وأن يكذب الله، وهكذا دخلته جراثيم الخطية الفتاكة، ولما تلوث (النبع) لم يكن هناك مفر من تلوث مياه النهر في كل مجراه.
وهكذا إذ تلوث رأس العائلة البشرية ( آدم) وأمها ( حواء) جاء كل إنسان وهو يحمل في كيانه بذرة الخطية ليضم صوته إلى صوت داود القائل “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مز 51 : 5) وصار النبع والنهر حتى المصب، نبعاً ملوثاً، فاسداً، مريضاً، لا يستطيع أن يبعث الحياة في أرض جدباء، أو أن يخرج زهرة في صحراء.
أجل ! إن الخطية شر مميت، إنها أفظع وأبشع مما يتصور أي إنسان …. إن الله وحده هو الذي يعرفها ولذا فهو يمقتها لأنه قدوس، ولأنها جلبت العار، والمرض، والموت على خليقته الإنسانية، وأفسدت الأرض المزهرة، وحولت الجنة الفيحاء، إلى صحراء جرداء.
ومن عجب أن الكثيرين يحاولون تسمية الخطية بأسماء مخففة، ولكن هؤلاء لا يدركون أي خطر داهم يوقعون فيه النفوس الغالية بهذا التخفيف .
وكثيرون لا يحبون أن يسمعوا الحقيقة الكبرى وهي أنهم خطاة من نسل خطاة.
حدثنا (بلي جراهام) الواعظ المعاصر في كتاب له بقصة رجل كبير كان راعي كنيسته يعظ كثيراً عن الخطية، وينبه الناس إلى ضرورة نوال الخلاص، ويؤكد لهم أنهم خطاة كآبائهم وأجدادهم “بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو 3 :22 -23).
وذات يوم ذهب الرجل الكبير إلى راعيه وقال له : «سيدي الراعي … إننا أعضاء الكنيسة نرجو أن لا تتكلم بهذه الصراحة، وبهذه الكثرة عن موضوع الخطية، لأننا نشعر أنه إذا سمع أولادنا وبناتنا الصغار هذا الموضوع يتكرر فستؤثر فيهم الخطية ويصيرون خطاة آثمين !!
لماذا لا تسمي الخطية يا سيدي الراعي ( خطأ غير مقصود ) أو (غلطاً بسيطاً ) أو ( سوء فهم) ولم يتكلم الراعي، بل قام من مقعده وإتجه إلى رفٍ عالٍ قد صُفت عليه مجموعة زجاجات، وتناول من بينها زجاجة (سم) قد لُصقت عليها ورقة كُتب عليها (سم مميت، حذار أن تلمسه) ونظر الراعي إلى العضو الكبير وقال : بماذا تُشير عليّ ؟ هل تُشير عليّ بأن أنزع هذه الورقة المخيفة المحذرة، وأكتب بدلاً عنها العبارة (روح نعناع ) حتى لا يتأذى شعور أحد منها …؟ وآلا يعني هذا أنني بإستخدامي هذا الإسم اللطيف قد أتسبب في موت عدد من الناس بهذا السم القاتل ؟!!
إن الخطية خاطئة جداً …. إنها أسقطت آدم رأس البشرية … وهي التي جلبت على الأرض كل ما فيها من دموع ودماء وشقاء ومن يعرف حقيقة الخطية، يعرف أيضاً أن أخطر عمل يعمله هو أن يتلاعب معها بأي سبيل».
فهل أدركت شناعة الخطية؟ وهل عرفت أنك خاطىء أثيم تحتاج إلى خلاص الله ؟
إسمع ماذا يقول الرب في سفر إرمياء عن ضرورة هذه المعرفة ” اِعْرِفِي فَقَطْ إِثْمَكِ أَنَّكِ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكِ أَذْنَبْتِ، وَفَرَّقْتِ طُرُقَكِ لِلْغُرَبَاءِ تَحْتَ كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، وَلِصَوْتِي لَمْ تَسْمَعُوا، يَقُولُ الرَّبُّ” (إر 3 : 13).
بعد معرفة عمومية الخطية تأتي معرفة الرب المخلص :
وعن هذا يقول رسول الأمم “فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ” (رو 10 : 14).
ويقول السيد له المجد في صلاته الشفاعية ” وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ” (يو 17 : 3).
لقد عرفنا أن آدم هو الرأس الساقط للعائلة البشرية، وعلينا أن نعرف أن الرب يسوع هو الرأس الثاني والمخلص الوحيد للإنسانية. وكما أخطأ آدم بإختياره وعصى الله، علينا أن نقبل بملء حريتنا الخلاص الذي أعده الله بالمسيح وإلا فإننا سنهلك على مسئوليتنا لأننا إخترنا سبيل العصيان والهلاك.
وفي رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية الإصحاح الخامس مقارنة هامة بين آدم النائب والرأس الأول، والمسيح النائب والرأس الثاني منها نعرف الآثار التي ترتبت عن سقوط آدم، والبركات التي جاءت نتيجة ما عمله الرب يسوع المسيح لأجل خلاصنا.
+ فآدم النائب والرأس الأول للبشرية أدخل إلى العالم الخطية “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” (رو 5 : 12).
+ أما المسيح النائب والرأس الثاني للبشرية فقد جاء بنعمة الله ليعطينا بهذه النعمة هبة الخلاص كما يقول الرسول “وَلكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيَّةِ هكَذَا أَيْضًا الْهِبَةُ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ اللهِ، وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ” (رو 5 : 15).
+ وآدم النائب والرأس الأول للبشرية وضع البشرية تحت حكم الدينونة “وَلَيْسَ كَمَا بِوَاحِدٍ قَدْ أَخْطَأَ هكَذَا الْعَطِيَّةُ. لأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ لِلدَّيْنُونَةِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ” (رو 5 : 16).
+ أما المسيح النائب والرأس الثاني للبشرية فقد جاء ليعطينا هبة التبرير “وَلَيْسَ كَمَا بِوَاحِدٍ قَدْ أَخْطَأَ هكَذَا الْعَطِيَّةُ. لأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ لِلدَّيْنُونَةِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ” (رو 5 : 16).
+ وآدم النائب والرأس الأول للبشرية قد جعل الموت يملك على البشرية ” لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو 5 : 17).
+ أما المسيح النائب والرأس الثاني للبشرية فإنه يهب الذين ينالون بالإيمان به فيض النعمة، أن يملكوا في الحياة “لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو 5 : 17).
وقد لخص الرسول كل ما قيل في هاتين الآيتين ” فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هكَذَا بِبِرّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا” (رو 5 : 18 -19).
فهل وضح لديك ما عمله الرب يسوع المسيح إنه قد فتح باب الرجاء أمام البشرية المسكينة الساقطة، وبالنعمة المجانية ينادي كل فرد بأن يُقبل إليه لينال خلاص الله، فكما ولدت من آدم وأنت تحمل بذرة الخطية، يمكنك أن تقبل المسيح مخلصاً وتولد من الله وتنال من فيض نعمته عطية البر، وتملك في الحياة بالواحد يسوع المسيح، وهكذا تتمتع بهبة تبرير الحياة بالإيمان الواثق البسيط .
(2) العنصر الثاني من عناصر الإيمان الحي هو عنصر التصديق :
في سفر إشعياء نقرأ هذه الآية “مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ” (إش 53 : 1).
والمعرفة بلا تصديق لا قيمة لها، إذ أن الإيمان الحي يعني تحويل المعرفة إلى (تصديق) وعن هذا يقول يوحنا الرسول الحبيب “إِنْ كُنَّا نَقْبَلُ شَهَادَةَ النَّاسِ، فَشَهَادَةُ اللهِ أَعْظَمُ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ شَهَادَةُ اللهِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا عَنِ ابْنِهِ. مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. مَنْ لاَ يُصَدِّقُ اللهَ، فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا اللهُ عَنِ ابْنِهِ. وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ. مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ” (1يو 5 : 9 -12).
وجدير بنا أن نلاحظ أن يوحنا يستخدم في كتابته حجة مقنعة للعقل المتزن فيقول “إِنْ كُنَّا نَقْبَلُ شَهَادَةَ النَّاسِ، فَشَهَادَةُ اللهِ أَعْظَمُ” ونحن نقبل شهادة الناس ونصدق هذه الشهادة.
نحن نقبل شهادة البنك الأهلي مثلاً ونودع هناك جميع أموالنا، ونقبل شهادة شركة الأدوية ونصدق المكتوب على زجاجة الدواء ثم نتناول الدواء بإطمئنان.
ونقبل شهادة مصلحة السكك الحديدية ونصدق ما كتبته على التذكرة، ونثق أن القطار سيوصلنا إلى المكان الذي نقصده .
ولو إنعدمت هذه ( الثقة ) بين الناس لإنهار الميزان الإقتصادي، والأدبي، والإجتماعي في أرضنا في ساعات معدودات. فإن كنا نصدق شهادة الناس فشهادة الله أعظم. لكن أين هي شهادة الله؟
إنها الكتاب المقدس الذي بين يديك، وعليك إن أردت أن تخلص أن تصدق كل ما جاء به، لأنه لو نجح الشيطان في أن يدخل الشك إلى قلبك من جهة الكتاب، فيقيناً أنه سيأخذك فريسة سهلة هينة بين فكيه، لأنه سيتركك بلا أساس تستند عليه.
وتمعن طويلاً في هذه الكلمات : إن الإيمان ليس وثبة في الظلام لكنه تصديق لما قاله الله في كتابه! وفي إمكانك أن تسأل شخصاً أن يرى بدون عينين، وأن يسمع بدون أذنين، وأن يمشي بدون أرجل …. فإذا فعلت تكون كمن يقول لشخص آمن دون أن تعطيه الكتاب المقدس كأساس لإيمانه.
حدثنا مستر مودي قال « لما قمت برحلتي إلى كاليفورنيا اشتريت دليلاً للسفر، وعرفت منه أنني بعد أن أترك ولاية (ايلينويس) سأعبر (المسيسبي)، وبعد ذلك أمر على (ميسوري) ثم أصل إلى (نبراسكا)، وبعدها أرتقى الجبال الصخرية التي ستوصلني إلى (مدينة بحيرات الملح)، ومن هناك أجد طريقي إلى (سان فرانسسكو)، وقد وجدت أن هذا الدليل صادق في كل أجزاء رحلتي !!!
ولو أنه كان صادقاً إلى نصف الرحلة فقط لكنت أتعس جميع المسافرين. لكن الدليل كان صادقاً من أول الرحلة إلى آخرها …
والكتاب المقدس هو (دليلنا في رحلة الأبدية) وقد ثبت قطعاً أنه كتاب صادق، وهذا الكتاب يؤكد لي إنني أستطيع الحصول بالإيمان على حياة جديدة، ورجاء، وسلام، أستطيع أن أتمتع بسكينة، وفرح، وهدوء، وراحة لنفسي لم أحصل عليها من قبل وقد سافر كثيرون في (رحلة الأبدية) بواسطة هذا الدليل السماوي، وتيقنوا صدق هذا الكلام العذب، ومعنى هذا أن كل فرد يستطيع أن يختبر هذه البركات بالإيمان الحي، حتى يصل إلى نهاية الرحلة إلى ( المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله ) “أَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ” (عب 11 : 10).
فهل صدقت عن يقين كل ما جاء بالكتاب المقدس ؟ هذا هو العنصر الثاني للإيمان الحي
“وَلكِنْ لَمَّا صَدَّقُوا فِيلُبُّسَ وَهُوَ يُبَشِّرُ بِالأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ وَبِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، اعْتَمَدُوا رِجَالًا وَنِسَاءً” (أع 8 : 12).
(3) العنصر الثالث من عناصر الإيمان الحي هو عنصر القبول الشخصي :
هل تعلم أن الكتاب المقدس هو كتاب الفرد، لأنه يهتم كثيراً بالفرد، بل أكاد أقول أن كل إهتمامه منصب على (الفرد) ؟
إقرأ معي هذه الآيات :
“أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ” (لو 15 :7).
“هكَذَا، أَقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ” (لو 15 :10).
” لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 : 16).
“اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ” (يو 5 : 24).
” كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا” (يو 6 : 37).
“هأنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي” (رؤ 3 : 20).
هل لاحظت (الصورة الفردية) التي تنادي بها هذه الآيات ؟
إن السماء تفرح بخاطىء واحد يتوب، والملائكة تفرح بهذا الواحد، وكل واحد يُقبل إلى المسيح الفادي ويؤمن به إيماناً قلبياً ينال خلاص الله، والرب يسوع يقف على باب قلب (الواحد) ويقرع هذا الباب عساه يفتح ويتمتع ببركات الفداء .
وأنظر !! إن هناك خمس حقائق في إنجيل يوحنا
“اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ” (يو5 : 24).
الحقيقة الأولى : (السماع )
“اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي”
الحقيقة الثانية : ( الإيمان)
“وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي”
الحقيقة الثالثة : ( نوال الحياة الأبدية )
“فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ”
الحقيقة الرابعة : (النجاة من الدينونة )
“وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ”
الحقيقة الخامسة : (الإنتقال من الموت إلى الحياة )
“بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ”
والحقائق الثلاث الأخيرة تستند على : (السماع والإيمان الشخصي)، أي تخصيص المسيح لنفسك، والثقة بما عمله على الصليب لأجلك ثقة قلبية مطلقة.
وأذكر جيداً : أن القبول الشخصي أمر هام في كل شيء، فأنت تظل مريضاً، ما لم تتناول الدواء الذي وصفه الطبيب لشفائك، وتظل جائعاً إذا لم تأكل الطعام المقدم إليك ….. وتناول الدواء، وأكل الطعام يعني تخصيص الدواء والطعام لشخصك لا سواك.
إن الإيمان هو (عطية الله)، وكذلك الماء، والنور، والهواء، وعليك أن تشرب الماء لترتوي، وأن تفتح عينيك لتتمتع بالنور البهيج، وأن تستنشق بأنفك الهواء العليل.
هب أن رئيس الجمهورية أمر بصرف عشرة جنيهات لكل مصري يذهب إلى خزينة المحافظة، هذا يعني أن لكل مصري عشرة جنيهات في الخزينة !! لكن من يستطيع الحصول على هذا المبلغ وشراء ما يريد به ؟ إنه الشخص الذي تمم شرط الرئيس وهذا الشرط هو : الذهاب إلى خزينة المحافظة وإستلام المبلغ بنفسه، فالذهاب إلى الخزينة أمر ضروري جداً، وبدونه تضيع هذه الهبة المجانية على من لا يذهب. وهكذا أيضاً خلاص الله، ففي صليب المسيح كفاية لخلاص العالم “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 : 16).
إسمع ماذا يقول الرسول “وَلكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ” (عب 11 : 6).
فصاحب الإيمان الحي هو الذي يخصص عمل المسيح على الصليب لنفسه، ويهتف وهو يتلذذ بحلاوة الخلاص قائلاً مع بولس “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غلا 2 : 20).
وهذا الإيمان الشخصي أو في عبارة أدق هذا (القبول الشخصي للمسيح) يولد في النفس سكينة عظمى، وسلاماً فياضاً، إذ أن صاحبه لا يخشى الموت، ولا الوقوف أمام العرش الأبيض يوم الدينونة العظيم بل يقول مع الرسول “فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ “ (رو 5 : 1).
لقد كان (القبول الشخصي) هو الوسيلة الوحيدة لنجاة العبراني من الموت بعد لدغ الحيات المحرقة …. إذ قال الرب لموسى “فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى اصْنَعْ لَكَ حَيَّةً مُحْرِقَةً وَضَعْهَا عَلَى رَايَةٍ، فَكُلُّ مَنْ لُدِغَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا يَحْيَا “ (عد 21 : 8).
وتأمل في كلمة (نظر إليها)، إنها تعني القبول الشخصي، إنها عمل فردي بحت، فلو أن العبرانيين قد صدقوا أن الحية قد (رُفعت) ولكنهم لم ينظروا إليها للشفاء من لدغات الحيات، لماتوا عن بكرة أبيهم. لكن النظرة الشخصية كانت سر شفاء كل فرد فيهم.
وماذا قال السيد له المجد عن هذا ؟ “وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 : 14 – 15).
لقد كان العبراني الذي تلدغه حية محرقة يُحسب في عداد الأموات، ولكن بمجرد (نظرة شخصية) كان (يوهب الحياة ) أو كان بعبارة أخرى (يولد من جديد) فهل نظرت إلى المسيح المصلوب للخلاص ؟ هل خصصت عمل المسيح على الصليب لنفسك الهالكة بسم الخطية؟ هل قبلت الرب يسوع مُخلصاً شخصياً لنفسك ؟
لا تنس هذه الكلمات : أن القبول الشخصي للرب يسوع المسيح كمخلص مات على الصليب لأجلك هو طريقك لنوال الخلاص، أما الوراثة، أما التدين الظاهري، أما العقائد الكنسية فكل هذه لا يمكن أن تنجي نفسك العزيزة الغالية من الهلاك المحقق .
ودعني أذكرك بشيء آخر :
إن الإيمان هو الثقة، إنه ليس الشعور أنه ( الإعتماد الكلي على كلمة الله )، وصحيح أن الفرح السماوي سيغمر قلبك، وصحيح إنك ستبتهج بفرح لا ينطق به ، لكن ليس الفرح هو دليل الخلاص إنه ( الإيمان البسيط في كلمة الله) وتخصيص المواعيد الصادقة لنفسك المحتاجة، وهذا يملأ قلبك بالإطمئنان الكامل من جهة أبديتك.
يحتفظ لنا التاريخ بقصة رجل كانت الحكومة الإنجليزية تطارده لتنفذ فيه حكم الإعدام بسبب جريمة إرتكبها، لكن أصدقاء الرجل، وكانوا من رجال الدولة الكبار، إستطاعوا أن يحصلوا له سراً على عفو ملكي، ولم يعلنوا عن هذا العفو بسبب ثورة الرأي العام، وتسلم المجرم العفو.
وفي ذات اليوم قبض عليه البوليس وقاده إلى قاضي التحقيق !! ولما مثل الرجل أمام قاضيه نظر إليه بغير مبالاة حتى أحس القاضي بالخوف منه، فلما كتب القاضي أمره بإرسال المجرم إلى الجلاد مد (المجرم ) يده في هدوء إلى جيبه وأخرج العفو الملكي وأراه لقاضيه وخرج يتنسم هواء الحرية ….
ما الذي أوقفه في هدوء الواثق ؟! لقد كان العفو في جيبه ؟! فهل حصلت شخصياً على الغفران؟! هل إغتسلت من أوزارك وخطاياك بدم المسيح الكريم ؟! هل حياتك مستترة مع المسيح في الله ؟
إنني أفضل ألف مرة أن تكون حياتي مستترة مع المسيح في الله، على أن أحيا في جنة عدن آلاف السنين، لأن آدم كان عرضة للسقوط في الخطية وفقدان الجنة في أية لحظة، أما من يولد الميلاد الثاني بالإيمان بالرب يسوع فإنه يردد هاتفاً مع بطرس الرسول “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ” (1بط 1 : 3 -5)
فما أعظم الإيمان الحي !! إنه ضد الشك، إنه العلاج الوحيد للقلق والإضطراب .
في كتاب حديث طُبع في أمريكا قرأت هذه المقارنة بين الشك والإيمان :
+ الإيمان يشفي المريض
الشك لا يمكن أن يجعل الضعيف قوياً .
+ الإيمان يملأ القلب بالفرح السماوي
الشك يملأ القلب بالهموم والأحزان .
+ الإيمان يجعل الرب قريباً من النفس وعزيزاً عليها
الشك يجعلنا نفتكر أن الله قد نسينا ولا يهتم بنا .
+ الإيمان لا يؤمن بالمستحيلات
الشك يجسم العقبات
+ الإيمان خلص نوح وعائلته
الشك أهلك الملايين .
+ الإيمان يُمتعنا ببركات القدير .
الشك يدفعنا إلى الخطية والشرور .
+ الإيمان هو اليد التي بها ننال خلاص الله .
الشك هو السبيل الموصل إلى غضب الله .
+ الإيمان هو واسطة نوالنا لكل شيء
الشك هو وسيلة حرماننا من كل شيء
أجل ! لقد عذب الشك توما لمدة أسبوع كامل، بينما ملأ الإيمان قلوب التلاميذ الباقين بالفرح الشامل، كان توما يتلظى على نيران الشك الرهيب، وكان التلاميذ يهللون من فرط السرور الذي غمر نفوسهم …… كان توما يتأمل وجوه التلاميذ الباسمة وهو كالمذهول، وكان التلاميذ يرنمون ترانيم النصرة على الموت والقبر بعد أن تيقنوا قيامة فاديهم.
يقيناً ! أن الإيمان يحمل في طياته الهدوء والسلام، والشك يحمل في ثناياه العذاب المحرق. فضع في قلبك هذه الكلمات “فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ : لِيَكُنْ لَكُمْ إِيمَانٌ بِاللهِ” (مر 11 : 22).
أمثلة من الكتاب المقدس والتاريخ
لمن نالوا الخلاص بالإيمان
لنسير معاً في موكب الإيمان، ولنقلب صفحات الكتاب المقدس والتاريخ لنرى أولئك الذين نالوا بالإيمان الواثق البسيط خلاص الله.
المرأة ذات الماضي الإسود (لوقا 7 : 36 – 50)
” وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ الْفَرِّيسِيِّ وَاتَّكَأَ. وَإِذَا امْرَأَةٌ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً، إِذْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِ الْفَرِّيسِيِّ، جَاءَتْ بِقَارُورَةِ طِيبٍ. وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيَةً، وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِالطِّيبِ. فَلَمَّا رَأَى الْفَرِّيسِيُّ الَّذِي دَعَاهُ ذلِكَ، تَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ قِائِلًا: لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: يَا سِمْعَانُ، عِنْدِي شَيْءٌ أَقُولُهُ لَكَ. فَقَالَ: قُلْ، يَا مُعَلِّمُ. كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ: أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالأَكْثَرِ. فَقَالَ لَهُ: بِالصَّوَابِ حَكَمْتَ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ وَقَالَ لِسِمْعَانَ: أَتَنْظُرُ هذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ. بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلًا. ثُمَّ قَالَ لَهَا: مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ. فَابْتَدَأَ الْمُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: مَنْ هذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضًا؟. فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ “
وأول مثال نراه هو إمرأة كانت شهرتها في مدينتها (أنها خاطئة) لكنها سمعت أن المسيح متكيء في بيت الفريسي (والإيمان بالخبر) فجاءت بقارورة طيب ووقفت عند قدميه من ورائه باكية وإبتدأت تبل قدميه بالدموع وكانت تمسحهما بشعر رأسها وتقبل قدميه وتدهنهما بالطيب … لقد جاءت هذه المرأة وفي قلبها إحساس أكيد بخطاياها، وحزن واضح على ماضيها البغيض، وكان هذا الحزن هو حزن التوبة كما قال بولس الرسول ” اَلآنَ أَنَا أَفْرَحُ، لاَ لأَنَّكُمْ حَزِنْتُمْ، بَلْ لأَنَّكُمْ حَزِنْتُمْ لِلتَّوْبَةِ. لأَنَّكُمْ حَزِنْتُمْ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ لِكَيْ لاَ تَتَخَسَّرُوا مِنَّا فِي شَيْءٍ. لأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ، وَأَمَّا حُزْنُ الْعَالَمِ فَيُنْشِئُ مَوْتًا” (2 كو 7 : 9 -10).
وقد التفت الرب إليها وقال لها ” ثُمَّ قَالَ لَهَا: مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ. فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ” (لو 7 : 48 ، 50).
نظرة إلى هذه المرأة أثناء دخولها : إنها تمثل النفس البشرية حين تستيقظ لترى خطاياها، حين تنقلب الملذات في نظرها إلى لسعات عقارب، حين تستشعر عظم جرمها في محضر الله القدوس، فلا تجد سوى دموعها تعبر بها تعبيراً صامتاً عن حقيقة حالتها.
ونظرة أخرى إليها عندما غادرت محضر مخلصها : إن إبتسامة الرضى ترتسم على شفتيها، ونظرة الإطمئنان تشع من عينيها، والهدوء الضاحك السعيد يغمر نفسها، إنها قد خلصت مرة وإلى الأبد من حمل خطاياها .
في كم من الزمن نالت هذا الخلاص ؟ في لحظة في طرفة عين …. وهذا هو الطريق لنوال الخلاص بالإيمان .
الرجل الذي أوشك على الإنتحار (أعمال 16 : 25 – 34):
” وَنَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ كَانَ بُولُسُ وَسِيلاَ يُصَلِّيَانِ وَيُسَبِّحَانِ اللهَ، وَالْمَسْجُونُونَ يَسْمَعُونَهُمَا. فَحَدَثَ بَغْتَةً زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَتَّى تَزَعْزَعَتْ أَسَاسَاتُ السِّجْنِ، فَانْفَتَحَتْ فِي الْحَالِ الأَبْوَابُ كُلُّهَا، وَانْفَكَّتْ قُيُودُ الْجَمِيعِ. وَلَمَّا اسْتَيْقَظَ حَافِظُ السِّجْنِ، وَرَأَى أَبْوَابَ السِّجْنِ مَفْتُوحَةً، اسْتَلَّ سَيْفَهُ وَكَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، ظَانًّا أَنَّ الْمَسْجُونِينَ قَدْ هَرَبُوا. فَنَادَى بُولُسُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: لاَ تَفْعَلْ بِنَفْسِكَ شَيْئًا رَدِيًّا! لأَنَّ جَمِيعَنَا ههُنَا!. فَطَلَبَ ضَوْءًا وَانْدَفَعَ إِلَى دَاخِل، وَخَرَّ لِبُولُسَ وَسِيلاَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا وَقَالَ: يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟ فَقَالاَ: آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ. وَكَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ. فَأَخَذَهُمَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَغَسَّلَهُمَا مِنَ الْجِرَاحَاتِ، وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ. وَلَمَّا أَصْعَدَهُمَا إِلَى بَيْتِهِ قَدَّمَ لَهُمَا مَائِدَةً، وَتَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ إِذْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاللهِ”
وهذا هو المثال الثاني الذي نعرضه في هذا الحديث، كان الرجل حافظاً لسجن فيلبي، وكان رومانياً، وفي هذه الكلمة تتجسم كل معاني (القسوة، والخشونة، والقلب الذي لا يرحم، ولا يشفق) لكن هذا الرجل العسكري الخشن تقابل مع رجلين من رجال الله ممتلئين من الروح القدس، سمع صلاتهما، وترنيماتهما في نصف الليل ورأى تأثير الصلاة في زعزعة أساسات السجن، وإستيقظ فجأة في ظلام الليل البهيم ليواجه قوة الله … ورأى أن قوة الدولة الرومانية هي لاشيء بالنسبة للقوة الإلهية، لأنها لم تقدر أن تحميه من هذه القوة.
وعندما رأى أن السجن قد إنفتحت أبوابه، وأن قيود المساجين تحطمت بقوة الله، لم يجد هناك وسيلة لعلاج حالته سوى الإنتحار …. “اسْتَلَّ سَيْفَهُ وَكَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، ظَانًّا أَنَّ الْمَسْجُونِينَ قَدْ هَرَبُوا”.
فهل من رجاء لرجل يوشك على الإنتحار ؟ هل من نور يشرق في سبيل إنسان أحاطه اليأس القاتل من كل جهة ؟ أجل وبكل يقين !!
يوجد في شخص الرب يسوع نجاة لليائسين …. هنا سمع حافظ السجن الذي أوشك أن يقتل نفسه صوتاً رقيقاً حلواً مهذباً يبعث على الرجاء، وكان هذا الصوت صوت بولس الرسول وكان بولس وقتئذ سجيناً مع زميله سيلا بسبب مناداتهما بإنجيل المسيح، فما الذي قاله بولس لذلك اليائس ؟ ” لاَ تَفْعَلْ بِنَفْسِكَ شَيْئًا رَدِيًّا! لأَنَّ جَمِيعَنَا ههُنَا”
أجل أيها اليائس، يا من استيقظت فجأة وأحسست بحمل خطاياك، وببشاعة ماضيك، وبالظروف السوداء التي تحيط بك وواجهت قوة الله …. ” لاَ تَفْعَلْ بِنَفْسِكَ شَيْئًا رَدِيًّا”
إن قلب الله يُحبك، إن صوته الحنون يُناديك، إن السماء تفكر في نفسك الغالية، إن الظلام الدامس الذي يغمر سبيلك سينقلب إلى نور وضاح.
وقد أسرع حافظ السجن إلى الرجلين المباركين وقال “ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا وَقَالَ: يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ” (أع 16 : 30).
أتدري ماذا كانت إجابة الرجلين : إنها إجابة واضحة يجب أن تكتب بحروف من نور :
“فَقَالاَ: آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ” ( أع 16 : 31)
آمن أن يسوع المسيح هو الرب القادر على كل شيء
آمن أن إسم يسوع يعني المخلص من الخطية “فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ” (مت 1 : 21).
آمن أن يسوع هو المسيح الممسوح من الله لخلاص البشر، هو الذي تمت فيه النبوة القائلة “رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ. لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ، وَبِيَوْمِ انْتِقَامٍ لإِلَهِنَا. لأُعَزِّيَ كُلَّ النَّائِحِينَ. لأَجْعَلَ لِنَائِحِي صِهْيَوْنَ، لأُعْطِيَهُمْ جَمَالًا عِوَضًا عَنِ الرَّمَادِ، وَدُهْنَ فَرَحٍ عِوَضًا عَنِ النَّوْحِ، وَرِدَاءَ تَسْبِيحٍ عِوَضًا عَنِ الرُّوحِ الْيَائِسَةِ، فَيُدْعَوْنَ أَشْجَارَ الْبِرِّ، غَرْسَ الرَّبِّ لِلتَّمْجِيدِ” (إش 61 : 1 -3). آمن بهذا كله فتخلص.
وقد آمن الرجل بالرب يسوع المسيح، وأخذ الرسولين لمنزله ” وَكَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ” وآمن كل أفراد البيت، وظهرت في الحال ثمار الإيمان في حياة الرجل ” فَأَخَذَهُمَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَغَسَّلَهُمَا مِنَ الْجِرَاحَاتِ” زالت القسوة والخشونة، والفظاظة، وحل محلها القلب المُشفق الرقيق.
ثم قام الرجل بعمل ثانِ إذ “وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ” ثم ظهرت ثمرة ثالثة فقد فتح بيته للقديسين” وَلَمَّا أَصْعَدَهُمَا إِلَى بَيْتِهِ قَدَّمَ لَهُمَا مَائِدَةً”.
وهنا ملأ الفرح والتهليل البيت إذ قيل “وَلَمَّا أَصْعَدَهُمَا إِلَى بَيْتِهِ قَدَّمَ لَهُمَا مَائِدَةً، وَتَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ إِذْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاللهِ” (أع 16 :34) والبيت الذي يدخله المسيح لا بد أن يدخله الفرح المجيد .
فهل نلت إختباراً حياً كهذا الإختبار؟ إسمع كلمات الرسول ” لكِنْ مَاذَا يَقُولُ؟ اَلْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ أَيْ كَلِمَةُ الإِيمَانِ الَّتِي نَكْرِزُ بِهَا: لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ. لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ” (رو 10 : 8 -10).
وجدير بالملاحظة أن الخلاص هنا قريب جداً في قلب الإنسان وفي فمه. فإن قَبِل الشخص الرب يسوع في قلبه بالإيمان البسيط وإعترف به كمخلصه أمام الغير حصل على الخلاص في الحال، أما الخلاص الذي لا يمس القلب والفم فهو خداع، وغش، ورياء.
الرجل الذي كان على شفا الهلاك الأبدي (لو 23 : 39 – 43)
“وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلًا: إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا! فَأجَابَ الآخَرُ وَانْتَهَرَهُ قَائِلًا: أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ. ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ”
هذا هو المثال الثالث الذي نذكره في هذا المقام، إنه ( اللص على الصليب ) هذا الرجل الذي كان بينه وبين الموت ساعات معدودات، كان قد عاش حياته كلها في الشر، والجريمة …. كان لصاً …. وحتى بعد أن عُلق على الصليب جرفه تيار الهاتفين ضد المسيح، فردد كلماتهم وهو معلق على الصليب، حتى ذكر ذلك متى البشير بالقول “وَبِذلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ” (مت 27 : 44).
فما الذي دفعه إلى اليقظة الروحية وطلب خلاص الله ؟! هل تأثر من صلاة المسيح لأجل قاتليه والمجدفين عليه “فَقَالَ يَسُوعُ: يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ. وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا” (لو 23 : 34). أو أحس بنجاسته وإجرامه وقساوة قلبه إزاء هذا المصلوب القدوس الطيب الرقيق ؟!
لا شك أن شيئاً قد أثر فيه فدفعه إلى أن يتوقف عن تعيير السيد له المجد بل دفعه إلى إنتهار زميله الذي إستمر في شره وتجديفه حتى وهو مصلوب إذ قال لهذا الزميل البائس التعس “فَأجَابَ الآخَرُ وَانْتَهَرَهُ قَائِلًا: أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ” (لو 23 : 41).
لكن هل إكتفى ذلك اللص التائب المستيقظ الضمير بهذا ؟
كلا ! لقد أشرق عليه نور الإيمان، فآمن بالمسيح المصلوب رباً وتوجه إليه بصلاته قائلاً “ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ” (لو 23 : 42).
أي إيمان عظيم كهذا الإيمان ؟ أي إيمان مثل هذا الذي يعترف بالمسيح رباً وهو يراه في ضعف البشرية، وقد أحاط به الغوغاء والرعاع، وصلبوه على الصليب ؟!
يقيناً إنه ذات الإيمان الذي أشرق على قلب سمعان بطرس حين قال للسيد في موقف آخر “فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ” (مت 16 : 16)
وعندئذ قال له المسيح ” فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 16 : 17).
أجل، إنه إيمان واحد ذاك الذي ملأ قلب اللص، وقلب بطرس على السواء …
وماذا كانت نتيجة هذا الإيمان الواثق البسيط في قلب اللص المسكين وهو يواجه لحظات الأبد ويقترب إلى الهلاك المخيف ؟!
لقد كافأ الرب هذا الإيمان وقال لذلك اللص “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو 23 : 43) وهكذا إنتقل الرجل من الموت إلى الحياة، ونجا إلى الأبد من دينونة الله.
في كم من الزمن نال هذا الخلاص؟ في لحظة في طرفة عين، وفي وسعك أن تتمتع بذات الإختبار.
إثنان من أبطال التاريخ المسيحي
هنا ننتقل من الكتاب المقدس إلى التاريخ، وسنرى أن الإيمان الذي بواسطته خلص من ذكر الكتاب قصص خلاصهم، هو ذاته الذي بواسطته يخلص البشر في مختلف العصور.
وسنأخذ على سبيل المثال رجلين :
عاش الأول ما بين سنة 354 إلى 430 ميلادية وهو القديس أورليوس أوغسطينوس، وعاش الثاني ما بين سنة 1834 إلى 1892 ميلادية وهو أمير الواعظين تشارلس هادون سبرجن … إن المسافة الزمنية بين الأول والثاني تبلغ حوالي 1400 سنة، خدم الأول في ( هبو على حدود أفريقيا الشمالية) وخدم الثاني في ( لندن عاصمة المملكة البريطانية ) ترك الأول تأثيراً لاهوتياً عميقاً في بلاد الغرب يكاد يصل إلى التأثير الذي تركه الرسل، وترك الثاني ثروة وعظية ضخمة لم يتركها سواه.
فكيف تجدّد هذان الرجلان ؟! إنهما تجددا بالإيمان البسيط في الرب يسوع المسيح.
فإسمع قصة خلاص أوغسطينوس :
كانت أمه سيدة تقية تعرف الرب، وقد طالما صلت هذه المرأة لأجل تجديد ولدها … فقد كان أوغسطينوس في صباه شاباً متوحشاً، شريراً، نزل بحياته إلى أعماق الشرور والنجاسات …
وجاء اليوم الذي استيقظت فيه نفسه لتواجه (لحظة الأبد) وشرع الشاب الماجن يبحث عن سلام لنفسه بغير طائل، إلى أن جاء يوم حضر فيه إجتماعاً في مدينة ميلان تضايق جداً من وجوده فيه، وما كاد يخرج إلى حديقة المكان حتى سمع صوتاً … أكان صوت ولد أو فتاة ؟ لا ندري ! وردد الصوت هذه العبارة «خذ وإقرأ .. خذ وإقرأ » والتفت أورليوس أوغسطينوس فوجد الكتاب المقدس تحت شجرة مفتوحاً، ولما تناول الكتاب وقعت عيناه على هذه الآيات “هذَا وَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ الْوَقْتَ، أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا. قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ. لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ: لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ، لاَ بِالْمَضَاجعِ وَالْعَهَرِ، لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ. بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ” (رو 13 : 11 -14).
وركع أوغسطينوس بقلبه الأثيم، ركع وأفرغ كل ما في نفسه أمام الله، ووثق في عمل المسيح الكامل الذي أجراه على الصليب، وقام وقد إمتلأ بالسلام الفياض ونال خلاص الله..
وإسمع الآن قصة خلاص سبرجن :
ولد هذا الرجل في عائلة مسيحية وعاش مع أبوين تقيين، وكان ولداً صالحاً طيباً، تغمره أحاسيس دينية رفيعة … ولكنه لم يكن قد نال الخلاص، أو تمتع بالسلام مع الله … ثم جاءته (لحظة الأبد ) حين استيقظت نفسه وشرع يبحث عن طريق الخلاص، دخل عشرات الكنائس، قرأ عشرات الكتب، وأخيراً لجأ في ليلة ممطرة إلى إجتماع صغير في كولشستر Colchester وهناك سمع واعظاً عامياً من الميثودست يعظ عن الآية القائلة “اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ” ( إش 45 : 22).
ويقول سبرجن « ثبت الواعظ عينيه عليّ، وكأنه يعرف سرائر قلبي، ثم قال : أيها الشاب أنت مُتعب ومُعذب، ولن تخلص من أتعابك وعذابك إلا إذا نظرت إلى المسيح … ثم رفع يديه إلى فوق وهو يردد هذه الكلمة ( أنظر …. أنظر … أنظر ) وعندئذ أشرق علىّ النور، فقد نظرت ورأيت سيدي المصلوب لأجلي … وغمرني السلام الفياض العجيب وظلت صورة الصليب مرتسمة أمام عيني وستظل كذلك إلى أن أردد في ظلال المجد الأسنى الترنيمة الجديدة مع جمهور المفديين القائلين “وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ” (رؤ 5 : 9 -10)».
وهكذا نال سبرجن بالإيمان البسيط خلاص الله !
فيا أيها المعذب من حمل خطاياك !!
و يا من إستيقظت نفسك فأقضت مضجعك !!
ويا من تعيش الآن في ( لحظة الأبد)
“آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ” (أع 16 : 31) …. تخلص من عذاب ضميرك وتخلص من ثقل خطيتك، وتخلص من هموم حياتك، وتخلص من عقدة النقص التي جزأت شخصيتك، وتردد مع المرنم الجليل ترنيمة السرور :
ما أبهج اليوم الذي آمنت فيه بالمسيح
أضحى سروري كاملاً ورن صوتي بالمديح
حبي لفادي المجيد يوماً فيوماً سيزيد
عمر مجيد يوم سعيد يوم إختصاصي بالوحيد
الفصل الثالث
الإيمان المنتصر
لا بد لنا في بداية هذا الفصل أن نقف قليلاً أمام هذا السؤال :
أيهما يعطي النصرة للإنسان الإلحاد أم الإيمان ؟
ولكي نجيب إجابة خالية من التحيز علينا أن نستعرض موكب كبار الملحدين في العالم وأن نتتبع تاريخ حياتهم، وسنرى بوضوح كامل أن ( الإلحاد والفساد) صنوان لا يفترقان وتتأكد صدق كلمات صاحب المزمور القائل “قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: لَيْسَ إِلهٌ. فَسَدُوا وَرَجِسُوا رَجَاسَةً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا” (مز 53 : 1).
ثم علينا بعدئذ أن نقارن بين هذا ( الموكب الرجس ) وبين ( موكب المؤمنين ) الذين أشاعوا في العالم كل معاني الرحمة، والحق، والفضيلة، والإنتصار .
والآن لندرس إلى أي مدى وصل الجهل بالملحدين ؟! وسنرى أن الملحد جاهل بالنظام الطبيعي، وجاهل بكيانه الجسدي، وجاهل بإحساسه الروحي، وهذا الجهل يقوده إلى الإلحاد، ومن طبيعة الإلحاد أن يقود الإنسان إلى الفساد !!
أنظر كيف يجهل الملحد النظام الطبيعي، إنه لو أعطى لنفسه لحظة هدوء ورفع عينيه إلى العلاء لرأى أن “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ” (مز 19 :1).
فالنظام الفلكي البديع يؤكد أن الله موجود، وأنه مسيطر على الكون، وأنه يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته .
أمامي وأنا أكتب هذه الكلمات في (10 أكتوبر 1957 ) الصحف التي ظهرت هذه الأيام، وكل عناوينها تتحدث عن ( القمر الروسي الصناعي) الذي إنطلق خلال هذا الإسبوع، فإقرأ معي بعض هذه العناوين الضخمة (في دقيقة و 54 ثانية قطع القمر الروسي المسافة بين القاهرة وأسوان) (80 مرة حول الأرض القمر الروسي يقطعها في إسبوع واحد ) (5000 مليون جنيه نفقات أبحاث القمر الروسي ).
هذا القمر الواحد هز الدنيا من شرقها إلى غربها ! لكن هل جلست تفكر كم من العقول الكبيرة إشتغلت في صنع هذا القمر ؟ وكم من ملايين الجنيهات أنفقت لإخراج هذا القمر إلى حيز الوجود ؟ ثم هل سيبقى هذا القمر معلقاً في الفضاء ؟ وهل يقدر أن ينير لنا أرجاء الأرض إلى يوم تطوى الأرض وما عليها ؟!
إن تفكيرك في هذه الأسئلة سينفعك، إنه سيجعلك تسجد في حضرة الخالق الحكيم، المبدع العليم، القادر على كل شيء، لأنك ستتأكد أن وراء كل عمل عظيم عقل أعظم، وأن بقاء العمل العظيم إلى أن تطوى الأرض وما عليها يحتاج إلى قوة حاكمة، وقدرة عالمة …. فهذا القمر الروسي الذي تكلف هذه الملايين الضخمة لن يبقى طويلاً إذ يقرر الدكتور هانز كارل باتيزولد الألماني مدير معهد (ما كس بلانسك) للعلوم الطبيعية أنه يحتمل أن ينفجر القمر الروسي ويحترق في الفضاء …. إذن من الذي يحفظ قمرنا الطبيعي من الإحتراق ؟ من الذي يحفظ نظامنا الفلكي من الإنحلال والخطأ ؟ من الذي يجعل دورة الفلك بهذه الدقة المضبوطة العجيبة ؟!
من الجهالة أن تقول إنها الصدفة المحضة ! فالقمر الصناعي الروسي لم توجده الصدفة بل فكرت فيه عقول أكبر العلماء!!
وأنظر ! إنه لم يحدث قط في تاريخ البشرية أن أصبح الصيف شتاء، ولا الشتاء ربيعاً، بل إن دورة الفلك تستمر في طريقها كساعة دقيقة وعلى أساس دقتها يزرع الفلاح حقله، وتسير السفن في المحيطات والبحار معتمدة على ( بوصلتها) التي يتجه قطبها دائماً ناحية الشمال، وتطير الطائرات على متن الهواء، ويرتب الناس حياتهم في الحل والترحال .
مَن إذن الذي يحفظ دقة هذا النظام ؟ يقيناً إنه ( الله ) الذي قال عنه إشعياء النبي :
“أَلاَ تَعْلَمُونَ؟ أَلاَ تَسْمَعُونَ؟ أَلَمْ تُخْبَرُوا مِنَ الْبَدَاءَةِ؟ أَلَمْ تَفْهَمُوا مِنْ أَسَاسَاتِ الأَرْضِ؟ الْجَالِسُ عَلَى كُرَةِ الأَرْضِ وَسُكَّانُهَا كَالْجُنْدُبِ. الَّذِي يَنْشُرُ السَّمَاوَاتِ كَسَرَادِقَ، وَيَبْسُطُهَا كَخَيْمَةٍ لِلسَّكَنِ. الَّذِي يَجْعَلُ الْعُظَمَاءَ لاَ شَيْئًا، وَيُصَيِّرُ قُضَاةَ الأَرْضِ كَالْبَاطِلِ. لَمْ يُغْرَسُوا بَلْ لَمْ يُزْرَعُوا وَلَمْ يَتَأَصَّلْ فِي الأَرْضِ سَاقُهُمْ. فَنَفَخَ أَيْضًا عَلَيْهِمْ فَجَفُّوا، وَالْعَاصِفُ كَالْعَصْفِ يَحْمِلُهُمْ. فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي فَأُسَاوِيهِ؟ يَقُولُ الْقُدُّوسُ. ارْفَعُوا إِلَى الْعَلاَءِ عُيُونَكُمْ وَانْظُرُوا، مَنْ خَلَقَ هذِهِ؟ مَنِ الَّذِي يُخْرِجُ بِعَدَدٍ جُنْدَهَا، يَدْعُو كُلَّهَا بِأَسْمَاءٍ؟ لِكَثْرَةِ الْقُوَّةِ وَكَوْنِهِ شَدِيدَ الْقُدْرَةِ لاَ يُفْقَدُ أَحَدٌ. لِمَاذَا تَقُولُ يَا يَعْقُوبُ وَتَتَكَلَّمُ يَا إِسْرَائِيلُ: قَدِ اخْتَفَتْ طَرِيقِي عَنِ الرَّبِّ وَفَاتَ حَقِّي إِلهِي؟ أَمَا عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَسْمَعْ؟ إِلهُ الدَّهْرِ الرَّبُّ خَالِقُ أَطْرَافِ الأَرْضِ لاَ يَكِلُّ وَلاَ يَعْيَا. لَيْسَ عَنْ فَهْمِهِ فَحْصٌ” ( إش 40 : 21 – 28).
إن الطابع الإلهي موجود على كل خليقة الله …. بل على أصغر عنصر في خليقة الله على ( الذرة) فهي تتحدث بأجلى بيان عن الله الواحد المثلث الأقانيم .
فإقرأ معي ما كتبه الدكتور ( أحمد زكي ) مدير جامعة القاهرة السابق في كتابه ( مع الله … في السماء ) وهو يتحدث عن ( الذرة ) التي تتكون منها عناصر هذه الأرض إنه يقول « أذكرك بحجم هذه الذرات التي تتحدث عنها … أو بأقطارها … إن المسافات في هذه العوالم الدقيقة الخافية أكبر الخفاء لا تقاس بالملليمتر، ولا يجزء من الألف من المللي … وإنما تقاس بجزء من مليون من الملليمتر مقسوماً على عشرة … إنها تقاس بجزء من عشرة ملايين جزء من الملليمتر … وتسمى وحدة القياس هذه بإسم مبتدعها العالم السويدي ( انجشتروم ) ثم أذكرك بالأوزان … ووحدة الوزن هنا غاية في الصغر كذلك … إنها ليست الجرام … ولا جزءاً من مليون من الجرام …. ولكنها جزء من مليون مليون مليون مليون جزء من الجرام …. هل صدقت ؟ »
هلم بنا إلى اللبنات الثلاث التي بنيت منها الذرات :
أولها الإلكترون :
وهو وحدة الكهرباء … فالشحنة الكهربائية تتألف من الإلكترونات … والتيار الكهربائي يتألف من أعداد هائلة من الإلكترونات تجري في الأسلاك … وأنت مع الإلكترونات كل مساء فهي التي تكون في فتائل مصابيح الكهرباء، فترقص … تتذبذب، فتعطي لك النور … والإلكترونات أغلفة الذرات تلف من حولها كما تدور الكواكب السيارة حول الشمس …. ولكن حول أي شيء تدور؟ هنا ننتقل إلى الحديث عن :
اللبنة الثانية وإسمها البروتون :
إن الإلكترونات تدور حول نواة هي شمس هذه الكواكب والنواة هي البروتون، وشحنة هذا البروتون هي شحنة كهربائية موجبة، وهي بقدر شحنة الإلكترون الواحد الذي بذرة الأدروجين … وهي سالبة …. من أجل هذا تعادلت الذرة … وأنت تمس ذرات الأدروجين فلا تحس كهرباء بسبب هذا التعادل، والبروتو لفظ أغريقي معناه الشيء الأولي .
ونأتي الآن إلى اللبنة الثالثة وإسمها النيوترون :
وهي متعادلة فلا هي بموجبه الشحنة الكهربائية، ولا هي بسالبتها … واشتقوا إسمها Neutron من لفظ Neuter وهو الشيء الذي لا إلى هذا، ولا إلى هذا، إنه الشيء المتعادل، المحايد أ . هـ
فهل في معاني الوحدة أبلغ من هذا المعنى ؟ إننا نقول إن الذرة تتكون من ثلاث لبنات … وهل هي حقاً ثلاث ؟ أم أنها ذرة واحدة طبعها الله بطابعه الإلهي ليدفعنا نحن البشر إلى فهم معنى ( التوحيد والتثليث ) لننحني أمامه في خضوع الإيمان الواثق العظيم .
هنا نتقدم إلى الناحية الثانية من نواحي جهل الملحدين، فالملحد جاهل بكيانه الجسدي، فالجسد الإنساني آلة عجيبة الصنع تدفعك دفعاً إلى التفكير في أجزائها، لتسجد في هيكل القادر على كل شيء .
فهل فكرت في أجزاء هذا الجسد المخلوق من التراب ؟ وهل رأيت كيف تتكون في خلايا من اللحم والدم أجمل الأفكار ؟ وكيف يمكن لهذه الخلايا أن تتصور أقذر الصور ؟ وكيف تسري في كيان هذا الجسد عواطف الرحمة، والحنان، والحب، والغفران ؟
وكيف تندفع إليه كذلك عواطف الضغينة، والحسد، والبغضاء ؟ هل تأملت كيف يدق القلب دقاته فإذا به مضخة ماصة كابسة ؟! وإذا به يأخذ من الجسم ليعطيه ؟ هل تأملت دقة قرنية العين ؟ وعمل الكليتين، وتحرك الرئتين، ونشاط المعدة والأمعاء لتموين الجسم بالوقود ؟ هل فكرت كيف تعمل الغدة الأدرينالية الموجودة فوق الكلى، وكيف تفرز إفرازاتها وقت الحاجة لتمد الإنسان لمواجهة الأحوال !
ثم هذا الدم العجيب التركيب، إنه يتكون من ضباط وجنود مشاة فما يكاد الجسم يُجرح حتى يسرع الضباط إلى الجبهة التي فتحت والتي يمكن أن يدخل منها العدو لكي يكونوا جبهة دفاعية ضد أي هجوم، ووراء الضباط يسرع الجنود لحماية الجسد من أي عدو دخيل، فإذا إستطاع العدو أن يدخل عن طريق الفم في ميكروب من الميكروبات أعلنت كريات الدم البيضاء حرباً شعواء، يشتد أوزارها حتى تلتهب حرارة الجسد ويكون هذا الإرتفاع في الحرارة نداء يبعثه الجنود والضباط للإنسان لكي يستريح في سريره، ويرعى صحته، ويرسل مدداً إلى فرق الجيش المدافع عنه … أمام هذا الجسد الدقيق التركيب لا يسع العاقل إلا أن يؤمن بوجود الله وهو يردد مع داود كلماته “أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ امْتَزْتُ عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذلِكَ يَقِينًا” (مز 139 : 14)
أو كما جاءت في اللغة الإنجليزية :
“I will praise thee for I am fearfully and wonderfully made”
وترجمتها الحرفية : ( أحمدك لأنك خلقتني خليقة عجيبة ورهيبة ) أما الجاهل المسكين فإنه يُلحد ويقول في قلبه رغم هذا كله ( ليس إله ) .
بقي أن نتحدث عن جهل الملحد بإحساسه الروحي، فهذا الجوع الروحي الذي لا يشبع، وهذا الإحساس الدائم بالنقص، وهذا الضمير الذي يحاكم المرء.
هذا كله يؤكد أن الله موجود، وإلا لما أحسسنا بهذا الجوع الذي لا تشبعه الأموال، ولا الملذات، ولهذا ردد ملك قديم وهو يشعر في قصره الجميل بهذا الإحساس الدافق كلماته:
” كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ” (مز 42 : 1).
“يَا اَللهُ، إِلهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي، يَشْتَاقُ إِلَيْكَ جَسَدِي فِي أَرْضٍ نَاشِفَةٍ وَيَابِسَةٍ بِلاَ مَاءٍ” (مز 63 : 1).
أما الملحد فإنه يتجاهل هذا الإحساس أو يجهله، فيقول « في قلبه من فرط خوفه من الشعور العام المحيط به (ليس إله)» وعندئذ تظهر حياته الفاسدة حقيقة نواياه … وهذا (موكب الملحدين) أصدق دليل على ما أقول، وأول شخص في هذا الموكب هو فولتير الملحد الفرنسي الذ ي عاش سليط اللسان، فلم يره أحد إلا سليطاً ساخراً، لكنه قضى أيامه الأخيرة في عذاب رهيب دفع الممرضة التي سهرت على تمريضه بأن تهجر مهنتها الجليلة بعد ما رأت من عذاب.
وهذا جورج برناردشو الفيلسوف الإرلندي الساخر وهو معروف بعدائه للدين السليم يقول عنه سلامة موسى في كتابه ( برناردشو ) « أن علاقات برناردشو … كانت فاضحة … ومما يذكر عنه أنه إشتهى إحدى الممثلات وتعقبها في رواحها وغدوها حتى فرت من الفندق في أحد المصايف، وتركت المصيف كله هروباً منه، هذه كانت حياته، وأنظر كيف تصرف في سنواته الأخيرة، إنه لم يجد ملجأ يلجأ إليه أيام شيخوخته فلجأ إلى الخمر وهذا ما يقوله سلامة موسى بالحرف الواحد » ولا نعرف أن برناردشو ذاق الخمور إلا في السنوات الأخيرة من عمره حين تجاوز التسعين أو قاربها. فإنه وجد في هذه السن أن زوجته وأصدقاءه بل أن أبناء جيله الذين كان يعرفهم قد ماتوا جميعهم . فكان إذا إنفرد في الليل وأحس الوحدة والوحشة تناول شيئاً من الويسكي للتخفيف من توترات الشيخوخة، مسكين لم يجد الله الذي قال عنه إشعياء :
“اِسْمَعُوا لِي يَا بَيْتَ يَعْقُوبَ وَكُلَّ بَقِيَّةِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، الْمُحَمَّلِينَ عَلَيَّ مِنَ الْبَطْنِ، الْمَحْمُولِينَ مِنَ الرَّحِمِ. وَإِلَى الشَّيْخُوخَةِ أَنَا هُوَ، وَإِلَى الشَّيْبَةِ أَنَا أَحْمِلُ. قَدْ فَعَلْتُ، وَأَنَا أَرْفَعُ، وَأَنَا أَحْمِلُ وَأُنَجِّي” ( إش 46 : 3 -4) .
وهذا جورج جوردن بايرون ألحد في صباه، فعاش شريداً بائساً مسكيناً، وتلوثت حياته بالأوحال لدرجة يتوقف القلم عن ذكرها لئلا يتأذى شعور القراء، ويكفي أن أقول أنه إرتكب أبشع النجاسات مع أخته، وجعل من حياة زوجته جحيماً لا يطاق، وأنهى ساعاته الأخيرة وهو يجهش بالبكاء .
ويعوزني الوقت والورق لكي أذكر للقارىء كيف عاش الملحدون الذين أساءوا إلى كل ما هو حق وكل ما هو عادل وكل ما هو طاهر، وكان السر الكامن وراء فسادهم هو عدم إيمانهم بالله، وبوحي الكتاب المقدس الثمين.
والآن دعنا نسير لحظة مع (موكب أبطال الإيمان المنتصرين) لنرى في كل واحد من أفراد هذا الموكب الجليل صورة من صور الإيمان الظافر المنتصر :
1- الإيمان المنتصر في ميدان العواطف الإنسانية :
وأول شخص يقابلنا في موكب المؤمنين، هو (إبراهيم) المؤمن الأمين، فقد بدأ هذا الرجل العظيم حياته بالإيمان حين سمع صوت الله يناديه “وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ” (تك 12 : 1)
وخرج إبراهيم من أرضه …. ترك الوطن الغالي، وترك الأصدقاء الأعزاء …. وترك الأهل والأنسباء …. وخرج !! لكن إلى أين ؟! إلى المجهول الذي يقوده إليه الله، وهنا عظمة الإيمان.
فالإيمان العظيم يضع يده في يد الله، ويسير تحت القيادة الإلهية دون سؤال، وعن هذا يقول كاتب العبرانيين “بِالإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي” (عب 11 :8).
فهل كان إبراهيم طامعاً في أشياء أرضية وهو يطيع هذه الطاعة العمياء ؟ يجيب عن السؤال كاتب العبرانيين قائلاً :
“بِالإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ الْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهذَا الْمَوْعِدِ عَيْنِهِ. لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ” (عب 11 : 9 -10)
إذن فقد كانت أطماعه تصل إلى ما وراء الطبيعة …. إلى العالم غير المنظور …. إلى مدينة الله!
وليست هذه قمة العظمة في إيمان إبراهيم، فقد وصل إلى هذه القمة فعلاً يوم قدّم اسحق ابنه الوحيد، فإقرأ كلمات الكتاب عن هذا الإمتحان الرهيب “وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ!. فَقَالَ: هأَنَذَا. فَقَالَ: خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ” (تك 22 : 1 -2).
لقد سبق لإبراهيم أن قام بعدة تضحيات، خرج من أرضه، وإنفصل عن لوط ابن أخيه، وأخرج إسماعيل من بيته، ولكنه الآن في ( نقطة الإحتراق) إذ عليه أن يقدم ابنه الوحيد المحبوب (محرقة لله).
فهل ينتصر إبراهيم في ميدان العواطف الإنسانية؟ هل يقدر أن يطيع الله على حساب عاطفة الإبوة ؟
كانت أمامه عدة اعتراضات على هذا الطلب الإلهي، كان في وسعه أن يقول لله :
«حاشاي يارب أن أذبح ابني لئلا أجعلك كآلهة الوثنيين الذين يذبحون أبناءهم لآلهتهم»
وكان في وسعه أن يقول : « كيف يارب أذبح ولدي وأعصي كلمتك»
” سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ. لأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ الإِنْسَانَ” (تك 9 :6).
وكان في وسعه أن يقول :« كيف يارب أذبح ابني وأنت بذاتك قلت لي … »
“فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ” (تك 21 : 12).
وكان في وسعه أن يعترض قائلاً : « فهمني لماذا تأمرني بذبح ولدي، كما أفهمتني لماذا أطرد إسماعيل من بيتي ؟»
وكان في وسعه أن يقول له « إن سارة ستثور عندما تعلم بهذا الطلب الغريب وأنا لا أقدر أن أقدم على هذا العمل الخطير دون علمها»
وكان في وسعه أن يعتذر بقوة شباب اسحق، وأن يقول « إنني رجل شيخ ولا قدرة لي على ربطه وذبحه».
وأخيراً كان في إمكانه أن يقول « دع يارب أليعازر الدمشقي يقوم بهذا العمل، فإن عواطف قلبي تخونني … فأعذرني …»
كل هذه الإعتراضات كان من الممكن أن تقف أمام إبراهيم وتمنعه من إطاعة أمر الله، لكن إبراهيم لم يعترض بل أطاع في تسليم كامل عجيب سجله الكتاب في الكلمات :
“فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ اثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ابْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطَبًا لِمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ….. فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ. ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ” (تك 22 : 3 ، 9 -10).
الأب يذبح الإبن الحبيب ؟! من أين جاءته القدرة على الإنتصار على عاطفة الإبوة ؟ يكشف لنا كاتب العبرانيين سر نصرته في هذه الآيات :
“بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ. قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ. الَّذِي قِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضًا فِي مِثَال” (عب 11 : 17 -19).
إذن فقد كان الإيمان العظيم وراء هذه الطاعة، هذا الإيمان الذي قاده في كل مراحل حياته، والذي عمق إختباراته مع الله.
والذي أكد له قدرته على الإقامة من الأموات، وصدقه الكامل في كل وعد ينطق به للإنسان المؤمن، بل هذا الإيمان الذي دفعه إلى أن يحب الله أكثر من محبته لولده، أو بعبارة أدق أن يحب المعطي أكثر مما يحب عطاياه، وهكذا أطاع الله وقدم له الإبن الذي أعطاه .
فهل كافأ الله هذا الإيمان المنتصر العظيم؟ أجل فقد سمع إبراهيم صوت ملاك الرب من السماء قائلاً ” فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!. فَقَالَ: هأَنَذَا . فَقَالَ: لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي … وَقَالَ: بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي” (تك 22 : 11 – 12 و 16 -18).
وهكذا يبارك الله كل مؤمن ينتصر في ميدان العواطف الإنسانية .
فإذكر جيداً كلمات ربنا ” مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُني فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي” (مت 10 : 37 – 38).
وسلم عواطفك الإنسانية لله، ليخلصك من كل حب أكثر من حبه، ومن كل عاطفة تطغي على عاطفة التسليم لإرادته.
2-الإيمان المنتصر في ميدان الآلام الشخصية :
يسأل الكثيرون هذا السؤال : هل الإيمان حماية من الآلام ؟
والجواب الصادق على سؤالهم :
أن الإيمان ليس حماية من الآلام، فالإيمان لا يحمينا من الإستشهاد وإلا لحمى رأس يوحنا من سيف هيرودس، ورأس بولس من سيف نيرون، ولأنقذ بطرس الرسول من الموت وهو منكس الرأس على صليب .
والإيمان لا يحمينا من المرض فقد قيل عن تيموثاوس الإبن الصريح في الإيمان إنه كان ضعيف المعدة كثير الأسقام “ لاَ تَكُنْ فِي مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ، بَلِ اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلًا مِنْ أَجْلِ مَعِدَتِكَ وَأَسْقَامِكَ الْكَثِيرَةِ” (1 تي 5 : 23) .
وقيل عن أبفرودتس الأخ، والعامل، والمتجند، والخادم إنه مرض قريباً من الموت “لأَنَّهُ مِنْ أَجْلِ عَمَلِ الْمَسِيحِ قَارَبَ الْمَوْتَ، مُخَاطِرًا بِنَفْسِهِ، لِكَيْ يَجْبُرَ نُقْصَانَ خِدْمَتِكُمْ لِي” (في 2 : 30).
والإيمان لا يحمينا من الفقر فقد قيل عن أبطال الإيمان أنهم “رُجِمُوا، نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا قَتْلًا بِالسَّيْفِ، طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مِعْزَى، مُعْتَازِينَ مَكْرُوبِينَ مُذَلِّينَ” (عب 11 : 37).
وبالإجماع فإن الإيمان لا يحمينا من الآلام بكافة أنواعها “لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ” (في 1 : 29).
“قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلاَمٌ. فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ” (يو 16 : 33).
لكن هل ينتصر الإيمان في ميدان الآلام ؟ هل يخرج المؤمن من أتون الألم ظافراً منتصراً محتفظاً بلمعان إيمانه؟ هنا يظهر ( أيوب) كمثال للإنسان الصابر المنتصر في ميدان الآلام الشخصية.
ويقيناً أن آلام أيوب ليس لها نظير في الحياة العادية، أنظر ماذا خسر الرجل في يوم واحد وأنت تستصغر آلامك التي تصادفك مدى الحياة .
كانت ممتلكات الرجل واسعة، وكانت حياته هانئة هادئة، وإسمع مذا يقول الكتاب عنه “كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. وَوُلِدَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَل، وَخَمْسَ مِئَةِ فَدَّانِ بَقَرٍ، (وفدان البقر ثوران ويعرف عند العامة بالمحراث أو بزوج من البقر أي أن أيوب كان يمتلك 1000 بقرة )وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ، وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدًّا. فَكَانَ هذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ” (أي 1 : 1 -3).
وجاء يوم أسود فقد فيه الرجل كل شيء …. أجل كل شيء … وأنظر كيف تلقى الرجل الضربات في ذلك اليوم “وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَبْنَاؤُهُ وَبَنَاتُهُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، أَنَّ رَسُولًا جَاءَ إِلَى أَيُّوبَ وَقَالَ: الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ، وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا، فَسَقَطَ عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ. وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: نَارُ اللهِ سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ. وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: الْكَلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق، فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ. وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ، وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَعَ، فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ” (أي 1 : 13 – 19).
هذه تجربة جاءت من الطبيعة الثائرة . ماذا يمكن أن يرى الإنسان في هذه التجارب المتلاحقة التي يأخذ بعضها برقاب بعض ؟ لقد إجتمع على الرجل في يومه الأسود السبئيون، ونار السماء، والكلدانيون، والرياح الطبيعية الهائجة !! فقد كل ما عنده وكل ما له.
فأي إحساس كان يمكن أن يطغي عليه؟ لا شك أنه لو كان شخصاً بلا إيمان لشعر بالضياع وأحس باليأس القاتل المميت .
حدثنا رجل من رجال الله في بلاد الغرب عن مأساة شاب، ترك خدمة الإنجيل وشق طريقه في عمل صحفي ناجح، حتى إستطاع بالجهد والعرق والدم أن يقتصد خمسة آلاف دولار في بضع سنوات، ولما بدأت الدنيا تضحك له مرضت زوجته التي كان يحبها من قلبه، وقرر الأطباء أن مرضها هو (السرطان)، وقَبِل الشاب راضياً أن يصرف على علاج زوجته الحبيبة بسخاء حتى تنال الشفاء، وإستمر ينفق على العلاج لمدة سنتين حتى نفذ كل ما إقتصده من مال …
كان يحب زوجته حباً ملك عليه مشاعره، فأهمل عمله من أجلها ولازمها طيلة أيام مرضها، حتى ذهب ماله، وفقد مع هذا وظيفته، ولكن الأطباء هنأوه لأن زوجته برأت تماماً من الداء.
أفتدري ماذا حدث في اليوم الذي أعادها فيه إلى بيته ؟ …. أخبرته في جمود بارد أنها أحبت رجلاً سواه …. كانت الصدمة أقوى مما يحتمل ذلك الشاب فأنهى حياته ومأساته بالإنتحار .
فهل فعل ( أيوب ) كما فعل ذلك الشاب ؟ كلا إنه لم يفعل، لأن ( الإيمان العظيم ) كان هناك في أعماق قلبه، وقد حفظه من اليأس والإنهيار، وأراه أن الحياة التي تنتهي بالهزيمة في الأرض لا يمكن أن تبدأ في العالم الآتي بالإنتصار، فقال وما زالت أصوات الرجال الأربعة ترن في أذنيه ” عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا” (أي 1: 21).
ولم تتوقف آلام أيوب على خسارة ماله وفقدان أولاده، لكنها وصلت إلى جسده إذ يقول الكتاب “فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ. فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ” (أي 2 : 7 – 8).
فهل كان أيوب جامد المشاعر، خامد التفكير حتى إحتمل هذه التجارب بهذا التسليم العجيب؟ كلا ! إن السفر كله يُحدثنا عن الأفكار التي جالت بذهنه، والأسئلة الكثيرة التي ملأت رأسه .
إسمعه وهو يخاطب الله في أنينه الباكي ” أَبَحْرٌ أَنَا أَمْ تِنِّينٌ، حَتَّى جَعَلْتَ عَلَيَّ حَارِسًا؟ إِنْ قُلْتُ: فِرَاشِي يُعَزِّينِي، مَضْجَعِي يَنْزِعُ كُرْبَتِي، تُرِيعُنِي بِالأَحْلاَمِ، وَتُرْهِبُنِي بِرُؤًى، فَاخْتَارَتْ نَفْسِي الْخَنِقَ، الْمَوْتَ عَلَى عِظَامِي هذِهِ. قَدْ ذُبْتُ. لاَ إِلَى الأَبَدِ أَحْيَا. كُفَّ عَنِّي لأَنَّ أَيَّامِي نَفْخَةٌ. مَا هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَعْتَبِرَهُ، وَحَتَّى تَضَعَ عَلَيْهِ قَلْبَكَ؟ وَتَتَعَهَّدَهُ كُلَّ صَبَاحٍ، وَكُلَّ لَحْظَةٍ تَمْتَحِنُهُ؟ حَتَّى مَتَى لاَ تَلْتَفِتُ عَنِّي وَلاَ تُرْخِينِي رَيْثَمَا أَبْلَعُ رِيقِي؟ أَأَخْطَأْتُ؟ مَاذَا أَفْعَلُ لَكَ يَا رَقِيبَ النَّاسِ؟ لِمَاذَا جَعَلْتَنِي عَاثُورًا لِنَفْسِكَ ( أي معثرة أو حجر صدمة ) حَتَّى أَكُونَ عَلَى نَفْسِي حِمْلًا؟ وَلِمَاذَا لاَ تَغْفِرُ ذَنْبِي، وَلاَ تُزِيلُ إِثْمِي؟ لأَنِّي الآنَ أَضْطَجِعُ فِي التُّرَابِ، تَطْلُبُنِي فَلاَ أَكُونُ” (أي 7 : 12 -21).
ثم إسمعه، والرغبة الحارقة تملأ كيانه لمعرفة سر آلامه، وفهم أسباب مآسيه وهو يردد كلماته “مَنْ يُعْطِينِي أَنْ أَجِدَهُ، فَآتِيَ إِلَى كُرْسِيِّهِ، أُحْسِنُ الدَّعْوَى أَمَامَهُ، وَأَمْلأُ فَمِي حُجَجًا، فَأَعْرِفُ الأَقْوَالَ الَّتِي بِهَا يُجِيبُنِي، وَأَفْهَمُ مَا يَقُولُهُ لِي؟ أَبِكَثْرَةِ قُوَّةٍ يُخَاصِمُنِي؟ كَلاَّ! وَلكِنَّهُ كَانَ يَنْتَبِهُ إِلَيَّ. هُنَالِكَ كَانَ يُحَاجُّهُ الْمُسْتَقِيمُ، وَكُنْتُ أَنْجُو إِلَى الأَبَدِ مِنْ قَاضِيَّ” ( أي 23 : 3 -7).
أجل، إن آلام أيوب كانت مثاراً لتفكيره الدائم، كان يريد أن يفهم سرها …. أن يعرف لماذا سمح الله له بها، وكان يحس أنه لو عرف لإستراح راحة كبرى …. وكم من كثيرين يفعلون مثله ويرددون كلماته “قَدْ كَرِهَتْ نَفْسِي حَيَاتِي. أُسَيِّبُ شَكْوَايَ. أَتَكَلَّمُ فِي مَرَارَةِ نَفْسِي. قَائِلًا للهِ: لاَ تَسْتَذْنِبْنِي. فَهِّمْنِي لِمَاذَا تُخَاصِمُنِي” (أي 10 : 1 -2).
لكن بالرغم من هذا التساؤل المستمر، فإن أيوب لم يفقد إيمانه بالله بل قال في كلمات واضحة “فَلاَ تَزَالُ تَعْزِيَتِي وَابْتِهَاجِي فِي عَذَابٍ، لاَ يُشْفِقُ: أَنِّي لَمْ أَجْحَدْ كَلاَمَ الْقُدُّوسِ” (أي 6 : 10)، وعاد فقال ” أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي ( فادي )حَيٌّ، وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ” ( أي 19 : 25)
وهذا هو الإيمان العظيم الذي ينتصر في ميدان الآلام الشخصية، ذلك لأنه الإيمان الذي وثق في محبة الله رغم كل الأحداث التي هدمت مباهج الحياة .
ولقد كانت هناك معركة دائرة في السماويات لأجل أيوب، معركة بين الله والشيطان لم يكن أيوب يدري عنها شيئاً، لكن هذه المعركة كانت هي السبب المباشر لآلامه، وكان هو أرض هذه المعركة التي عليها أظهر الله قدرته ونصرته في قديسيه ….
وإسمع الحوار الذي دار بين الرب والشيطان قبل بدء المعركة :
الرب ( للشيطان ) : من أين جئت ؟
الشيطان : من الجولان في الأرض والتمشي فيها .
الرب : هل جعلت قلبك على عبدي أيوب؟ لأن ليس مثله في الأرض، رجل كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر !
الشيطان : هل مجاناً يتقي أيوب الله . أليس أنك سيجت حوله وحول بيته وحول كل ما له من كل ناحية . باركت أعمال يديه. فإنتشرت مواشيه في الأرض.ولكن إبسط يدك الآن ومس كل ما له فإنه في وجهك يجدف عليك .
الرب : هوذا كل ما له في يدك . وإنما إليه لا تمد يدك .
وخرج الشيطان بعد هذا الحوار ليهدم ويحرق ويخرب كل ما لأيوب …. لكن هل كان أيوب يعلم بهذه المعركة ! …. يقيناً لا …. ومع ذلك فقد سلم في إيمان بصبر عجيب لإرادة الله.
ويعود الشيطان مرة أخرى ليمثل أمام الرب ويدور في السماء الحوار التالي :
الرب ( للشيطان ) : من أين جئت ؟
الشيطان : من الجولان في الأرض والتمشي فيها .
الرب : هل جعلت قلبك على عبدي أيوب . لأنه ليس مثله في الأرض . رجل كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر. وإلى الآن هو متمسك بكماله وقد هيجتني عليه بلا سبب ؟
الشيطان : جلد بجلد وكل ما للإنسان يعطيه لأجل نفسه ولكن أبسط الآن يدك ومس عظمه ولحمه فإنه في وجهك يجدف عليك.
الرب : ها هو في يدك ولكن إحفظ نفسه .
وللمرة الثانية يخرج الشيطان من حضرة الرب ويضرب أيوب بقرح رديء، وأيوب لا يعلم سر هذا البلاء ولكنه بإيمان يسلم لإرادة القادر على كل شيء .
ويقف الإنسان متعجباً أمام شكوى الشيطان ضد هذا الرجل المستقيم . ففي الحوار الأول يقول الشيطان لله أن سبب تعبد أيوب له وثقته فيه يعود إلى أنه باركه في أعمال يديه، وأغدق عليه من خيرات الأرض، وسيج حوله بسياج حراسته الإلهية .
وفي الحوار الثاني يقول لله أن أيوب ما زال عنده ما يشكره لأجله وهو صحته، فإن كان قد فقد ماله وأولاده لكنه ما زال متمتعاً بالصحة التي هي تاج على رؤوس الأصحاء …. وعجيب أن يرى الشيطان في ظروف رجل مسكين كأيوب مجالاً للشكر لله إذ كم من مؤمنين حياتهم فيها شتى الأزاهير ومع ذلك فإن شوكة واحدة تصادفهم تدمي أصابعهم وتدمع لها عيونهم، وتنطلق بسببها أفواههم بالتذمر على الله.
أما أيوب فقد بارك إلهه، باركه في محنته، كما إعتاد أن يباركه على نعمته. وهو هنا يذكرنا بالفتاة العظيمة هيلين كيلر، التي سارت على مثاله وإنتصرت بإيمانها في ميدان الآلام الشخصية.
إقرأ معي ما كتبته عنها إحدى المجلات الدينية :
دهش كل الذين رأوا هيلين كيلر أثناء زيارتها لمصر تصف كل شيء حولها وصفاً دقيقاً شاملاً مع أنها لا تسمع ولا تبصر فقد فقدت هاتين الحاستين منذ طفولتها الباكرة، ومع ذلك فلم يتمكن منها الحزن، ولم تستسلم لليأس بل إستطاعت بواسطة ملاك كريم أرسلته لها السماء في شخص معلمتها ( مس سوليفان ) أن تشق طريقها في الحياة وأن تنال أعلى درجات الجامعات، وإحتلت مكانة رفيعة كإمرأة عُرفت بذكائها الخارق وقلبها المُحب للآخرين، وجعلت رسالتها في الحياة بعد أن أدركت محنة البائسين والعاجزين أن تبعث في قلوبهم الأمل والرجاء وتعلمهم أن في الحياة متسعاً لآمالهم، وبذلك فتحت أمامهم أبواباً كانت مغلقة، وكسرت قيوداً وأغلالاً كانت تحطمهم تحطيماً، إذ رأى اليائسون في شخصها مثلاً حياً ورسالة ناطقة تشهد عن ما يستطيع الإيمان العظيم أن يفعله، إسمعها تتحدث عن الإيمان فتقول « إن الإيمان لا يعترف باليأس بل يجعل من الهزيمة والفشل بدء مرحلة جديدة إلى الأمام حتى تتحول الهزيمة إلى نجاح، وأن في إستطاعة أضعف الضعفاء أن يرفع رأسه بعد أفدح النكبات ويتغلب عليها إذا بعثنا في نفسه روح الثقة والإيمان الراسخ في الله، إن قوة الإيمان بالله هي في نظري أعظم قوة في العالم … هي شعاع النور الذي يضيء في أحلك وأظلم أيام الحياة ».
والآن لنعد إلى أيوب لنرى كيف كافأ الرب إيمانه الصابر المنتصر ذلك الإيمان الذي قال عنه يعقوب الرسول “هَا نَحْنُ نُطَوِّبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ” (يع 5 : 11)
فماذا كانت عاقبة الرب لهذا الرجل الصابر ؟
إقرأ معي ماذا يقول الكتاب “وَرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لأَجْلِ أَصْحَابِهِ، وَزَادَ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأَيُّوبَ ضِعْفًا …. وَبَارَكَ الرَّبُّ آخِرَةَ أَيُّوبَ أَكْثَرَ مِنْ أُولاَهُ. وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْغَنَمِ، وَسِتَّةُ آلاَفٍ مِنَ الإِبِلِ، وَأَلْفُ فَدَّانٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَأَلْفُ أَتَانٍ. وَكَانَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. وَسَمَّى اسْمَ الأُولَى يَمِيمَةَ ( أي يمامة وهي ترمز إلى مملكة الطيور )، وَاسْمَ الثَّانِيَةِ قَصِيعَةَ (أي زهرة ذكية الرائحة وهي ترمز إلى مملكة النبات )، وَاسْمَ الثَّالِثَةِ قَرْنَ هَفُّوكَ.( أي القرن الفياض، وهو قرن يُصنع من المعدن ويرمز إلى مملكة المعادن ) وَلَمْ تُوجَدْ نِسَاءٌ جَمِيلاَتٌ كَبَنَاتِ أَيُّوبَ فِي كُلِّ الأَرْضِ، وَأَعْطَاهُنَّ أَبُوهُنَّ مِيرَاثًا بَيْنَ إِخْوَتِهِنَّ. وَعَاشَ أَيُّوبُ بَعْدَ هذَا مِئَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَأَى بَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَجْيَال” ( أي 42 : 10 و 12 -16).
وجدير بالملاحظة أن نذكر هنا أمرين :
أولهما : أن أسماء بنات أيوب تعلن لنا أن مملكة الطيور صارت له، وأن مملكة النبات صارت له، وأن مملكة المعادن أضحت ملك يديه.
وثانيهما : أن الرب لم يعط لأيوب سوى عشرة أولاد مع أنه رد له ضعفاً عن كل ما فقد من إبل وأغنام وأبقار …. والسر الكامن وراء هذا، أن أولاده الذين ماتوا لم يُفقدوا بل سيراهم في ظلال الأبدية ويتمتع بهم في الأرض البهية.
فهل توجد صورة للإيمان المنتصر في ميدان الآلام الشخصية، أكثر لمعاناً من هذه الصورة ؟ ليت كل مؤمن يتسلح بهذا السلاح سلاح الإيمان الصابر المنتصر.
3- الإيمان المنتصر في ميدان الإغراءات المادية والعالمية :
يسجل يوحنا الحبيب في رسالته هذه الكلمات ” لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا” ( 1يو 5 : 4).
وتنطبق هذه الآية بصورة قوية على (موسى) الذي ضحى بأمجاد مصر، وترك خطاياها وعلى فمه إبتسامة فرحة منتصرة حتى سجل عنه كاتب العبرانيين هذه الكلمات :
” بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلًا بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ، حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ. بِالإِيمَانِ تَرَكَ مِصْرَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ غَضَبِ الْمَلِكِ، لأَنَّهُ تَشَدَّدَ، كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لاَ يُرَى. بِالإِيمَانِ صَنَعَ الْفِصْحَ وَرَشَّ الدَّمَ لِئَلاَّ يَمَسَّهُمُ الَّذِي أَهْلَكَ الأَبْكَارَ” (عب 11 : 24 -28).
ونحن نجد كلمة واحدة تتلألأ بأنوارها في كل هذه الآيات هي كلمة (الإيمان ) وأذكر جيداً :
أن موسى ( أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ) و ( فضل أن يذل مع شعب الله ) و (ترك مصر غير خائف من غضب الملك ) (وصنع الفصح ورش الدم ) وكان وراء هذه الأعمال الجليلة سر واحد هو ( الإيمان العظيم ) .
لقد عزم موسى أن يحيا مع الله، وأدرك أن الحياة مع الله تعني الألم، والذل، والجهاد، ولكنه فضل هذه الحياة عن الغنى، والمتع الوقتية للخطية، وعظمة القصر الملكي المصري في ذلك الوقت !!
ولم يكن موسى من الشخصيات الإنقيادية، السلبية، لقد نال حظاً رفيعاً من الثقافة، وكانت له شهرته، وكان له غناه، وكانت له شخصيته العظيمة في البلاط الفرعوني، وكان له وجهه الجميل، وكإبن لإبنة فرعون إعتاد على حياة الترف، والرفاهية، والنعومة، والرخاء.
ولكنه رفض هذا كله بالإيمان، إنتصر على العالم بشعبه الثلاث (شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة ) وفضل أن يُذل مع شعب الله.
ولم يصمم موسى على هذا الإختيار في لحظة عاطفية ملتهبة كما يدعي بعض علماء النفس أن الإختبار الديني يحتاج إلى لحظة عاطفية ملتهبة.
ولم يندفع إليه بعد أن فشل في حب، أو أضاع ثروة، أو خاب في مشروع ضخم، أو فقد عزيزاً لديه، ولم يختر هذ السبيل الإلهي لأنه كان ضعيف الشخصية لا يصلح إلا للحياة الدينية، أو لأنه أراد أن يعوض مافقده من ملذات حرمه العالم منها، ولكنه صمم على إختياره العظيم إذ إمتلأ قلبه بالإيمان، وأدرك أن إختيار الله يعني ترك هذه الملذات المحرمة التي أحاطت به إلى سن الأربعين وهي سن الرجولة الناضجة، والحكمة التي تُحسن الإختيار، وفي هذه السن الحكيمة ترك بمحض حريته السير وراء العالم والجسد، والخطية والشيطان وإختار أن يحمل عار المسيح الذي هو الصليب.
وكثيرون يقولون إن الإيمان بالله ينفع الحزانى، والمغمورين، والفاشلين، واليائسين، والخاملين، والمرضى، والعجزة، والفقراء والجهلاء، لكنه لا يصلح للأغنياء، والمثقفين، وأصحاب الشخصيات اللامعة، والوجوه الجميلة، والأصوات الموسيقية، والأذواق الفنية الرفيعة العالية.
لكن موسى يتحدى هؤلاء إذ يقف في موكب المؤمنين :
غنياً، جميلاً، عظيماً، مثقفاً، بأرفع الثقافات، لامعاً، قوي الشخصية، بل أكثر قوة من المحيطين به من أشخاص، ولكنه يختار بالإيمان طريق الله …. طريق الذل …. والحرمان … والخدمة الأمينة لشعبه، ووراء هذا الإختيار كان ( الإيمان العظيم) الذي كشف الستار عن عيني موسى ليرى من لا يرى، وأراه أن تمتع الخطية وقتي زائل لا يدوم، وأن حمل عار المسيح الذي هو الصليب لا بد أن يعقبه إكليل المجد الذي لا يبلى، بل أراه العالم غير المنظور، والمجد الفائق الذي ينتظر المؤمنين المنتصرين، وسار الرجل في طريق الإيمان ورفض طريق العالم والشيطان، وأتصوره وقد وقف في يوم ما يطل من شرفة القصر إلى شعبه الملطخ بالأوحال، ويرى كيف أصبح هذا الشعب ذليلاً بائساً تمزق ظهور أبنائه سياط فرعون، لكنه لم يغبط نفسه، ولم يقل يا لك من رجل سعيد إختاره الله للهناء … ولكنه فكر، وقرر، ودخل ذات صباح على إبنة فرعون، ربيبة نعمته فسلمها الصولجان، وملابس القصر الفاخرة، وأعلن لها عزمه على الخروج ليُذل مع الشعب .
وخرج موسى …. خرج ليبدأ حياة المذلة والحرمان !! فهل كان غبياً عندما قرر هذا القرار ؟ لقد كان من الممكن أن يبقى في القصر الملكي وأن يتناسى آلام شعبه في غمرة ملذاته، وغناه، وأن يصبح ملكاً تُزين رأسه التيجان … لكنه رفض كل هذا في إباء !!
وكان أحكم الحكماء … إذاً أين هم الفراعنة اليوم؟ إن أقل من فينا يستطيع أن يتفرج على جثثهم المحنطة بقرش واحد في المتحف المصري بعد أن زالت عنهم عظمتهم وحطمهم الموت ملك الأهوال … أما موسى فقد أمره الرب بالصعود إلى جبل نبو إلى رأس الفسجة الذي قبالة أريحا … ” فَمَاتَ هُنَاكَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ فِي أَرْضِ مُوآبَ حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ. وَدَفَنَهُ فِي الْجِوَاءِ فِي أَرْضِ مُوآبَ، مُقَابِلَ بَيْتِ فَغُورَ. وَلَمْ يَعْرِفْ إِنْسَانٌ قَبْرَهُ إِلَى هذَا الْيَوْمِ. وَكَانَ مُوسَى ابْنَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَاتَ، وَلَمْ تَكِلَّ عَيْنُهُ وَلاَ ذَهَبَتْ نَضَارَتُهُ” (تث 34 : 5 -7).
وبعد مئات السنين انفتحت أبواب المجد الأسنى وجاء إيليا وموسى يتحدثان مع الرب على قمة جبل التجلي، ويتكلمان عن خروجه الذي كان عتيداً أن يكمله في أورشليم وهكذا حظي موسى بمجد الخلود السعيد إذ إنتصر بإيمانه على مباهج العالم المنظور وعاش ناظراً إلى المجازاة.
4- الإيمان المنتصر في ميدان المعارك الحربية :
في أصحاح الإيمان الذهبي الجميل يسجل كاتب العبرانيين هذه الكلمات :
” وَمَاذَا أَقُولُ أَيْضًا؟ لأَنَّهُ يُعْوِزُنِي الْوَقْتُ إِنْ أَخْبَرْتُ عَنْ جِدْعُونَ، وَبَارَاقَ، وَشَمْشُونَ، وَيَفْتَاحَ، وَدَاوُدَ، وَصَمُوئِيلَ، وَالأَنْبِيَاءِ، الَّذِينَ بِالإِيمَانِ: قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ، أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضُعْفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ، هَزَمُوا جُيُوشَ غُرَبَاءَ” ( عب 11 : 32 -34).
وتقودنا هذه الآيات إلى الحديث عن عدة شخصيات نقابلها في موكب المؤمنين المنتصرين:
الشخصيةالأولى : شخصية يشوع :
ونحن نتقابل مع هذه الشخصية الجليلة عند أسوار أريحا حين أصدر الرب أوامره العجيبة لهذا القائد المؤمن قائلاً « أنظر . قد دفعت بيدك أريحا وملكها جبابرة البأس » لكن كيف ؟
هل بواسطة القنابل الذرية والأيدروجينية ؟ أم بواسطة الصواريخ الموجهة؟ أم بواسطة القتال الدامي بالسيف ؟
إسمع أعجب أوامر حربية صدرت في التاريخ، وتأمل ماذا يفعل الإيمان ” تَدُورُونَ دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ، جَمِيعُ رِجَالِ الْحَرْبِ. حَوْلَ الْمَدِينَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً. هكَذَا تَفْعَلُونَ سِتَّةَ أَيَّامٍ. وَسَبْعَةُ كَهَنَةٍ يَحْمِلُونَ أَبْوَاقَ الْهُتَافِ السَّبْعَةَ أَمَامَ التَّابُوتِ. وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ تَدُورُونَ دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَالْكَهَنَةُ يَضْرِبُونَ بِالأَبْوَاقِ. وَيَكُونُ عِنْدَ امْتِدَادِ صَوْتِ قَرْنِ الْهُتَافِ، عِنْدَ اسْتِمَاعِكُمْ صَوْتَ الْبُوقِ، أَنَّ جَمِيعَ الشَّعْبِ يَهْتِفُ هُتَافًا عَظِيمًا، فَيَسْقُطُ سُورُ الْمَدِينَةِ فِي مَكَانِهِ، وَيَصْعَدُ الشَّعْبُ كُلُّ رَجُل مَعَ وَجْهِهِ” ( يش 6 : 3 -5).
هل سمعت بأوامر حربية من هذا الطراز ؟ وهل يمكن أن تثق في هذه الأوامر؟ لقد وثق يشوع في كلمة الرب، وآمن أن الله قادر أن يفعل ما وعد به، ولذا فقد نفذ الأوامر في طاعة سريعة. واسمع بقية تفاصيل هذه المعركة العجيبة ” فَبَكَّرَ يَشُوعُ فِي الْغَدِ، وَحَمَلَ الْكَهَنَةُ تَابُوتَ الرَّبِّ، وَالسَّبْعَةُ الْكَهَنَةُ الْحَامِلُونَ أَبْوَاقَ الْهُتَافِ السَّبْعَةَ أَمَامَ تَابُوتِ الرَّبِّ سَائِرُونَ سَيْرًا وَضَارِبُونَ بِالأَبْوَاقِ، وَالْمُتَجَرِّدُونَ سَائِرُونَ أَمَامَهُمْ، وَالْسَّاقَةُ سَائِرَةٌ وَرَاءَ تَابُوتِ الرَّبِّ. كَانُوا يَسِيرُونَ وَيَضْرِبُونَ بِالأَبْوَاقِ. وَدَارُوا بِالْمَدِينَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَحَلَّةِ. هكَذَا فَعَلُوا سِتَّةَ أَيَّامٍ. وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ أَنَّهُمْ بَكَّرُوا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَدَارُوا دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ عَلَى هذَا الْمِنْوَالِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ فَقَطْ دَارُوا دَائِرَةَ الْمَدِينَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. وَكَانَ فِي الْمَرَّةِ السَّابِعَةِ عِنْدَمَا ضَرَبَ الْكَهَنَةُ بِالأَبْوَاقِ أَنَّ يَشُوعَ قَالَ لِلشَّعْبِ: اهْتِفُوا، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَعْطَاكُمُ الْمَدِينَةَ … فَهَتَفَ الشَّعْبُ وَضَرَبُوا بِالأَبْوَاقِ. وَكَانَ حِينَ سَمِعَ الشَّعْبُ صَوْتَ الْبُوقِ أَنَّ الشَّعْبَ هَتَفَ هُتَافًا عَظِيمًا، فَسَقَطَ السُّورُ فِي مَكَانِهِ، وَصَعِدَ الشَّعْبُ إِلَى الْمَدِينَةِ كُلُّ رَجُل مَعَ وَجْهِهِ، وَأَخَذُوا الْمَدِينَةَ” ( يش 6 : 12 -16 و 20).
أجل سقطت أسوار أريحا دون مدافع، ودون ديناميت، ودون ألغام، ويكشف كاتب العبرانيين الستار عن سر سقوطها في الكلمات ” بِالإِيمَانِ سَقَطَتْ أَسْوَارُ أَرِيحَا بَعْدَمَا طِيفَ حَوْلَهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ” ( عب 11 : 30).
فالإيمان قوة أعظم من كل القوى العسكرية في هذه الأرض، وقد استخدم يشوع هذه القوة في معاركه الحربية.
الشخصية الثانية : شخصية داود :
وداود شخصية لامعة في تاريخ المعارك الحربية، لكن أعظم إنتصاراته لم تكن وليدة عبقريته وإنما جاءت من إيمانه المطلق بالله، ونتلاقى مع داود في أول معاركه إبان شبابه الباكر، فقد قامت الحرب بين الفلسطنيين والعبرانيين، واصطفت الجيوش للحرب وهنا نسمع ما يقوله الكتاب المقدس “فَخَرَجَ رَجُلٌ مُبَارِزٌ مِنْ جُيُوشِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ اسْمُهُ جُلْيَاتُ، مِنْ جَتَّ، طُولُهُ سِتُّ أَذْرُعٍ وَشِبْرٌ، وَعَلَى رَأْسِهِ خُوذَةٌ مِنْ نُحَاسٍ، وَكَانَ لاَبِسًا دِرْعًا حَرْشَفِيًّا، وَوَزْنَ الْدِّرْعِ خَمْسَةُ آلاَفِ شَاقِلِ نُحَاسٍ، وَجُرْمُوقَا نُحَاسٍ عَلَى رِجْلَيْهِ، وَمِزْرَاقُ نُحَاسٍ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَقَنَاةُ رُمْحِهِ كَنَوْلِ النَّسَّاجِينَ، وَسِنَانُ رُمْحِهِ سِتُّ مِئَةِ شَاقِلِ حَدِيدٍ، وَحَامِلُ التُّرْسِ كَانَ يَمْشِي قُدَّامَهُ. فَوَقَفَ وَنَادَى صُفُوفَ إِسْرَائِيلَ وَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تَخْرُجُونَ لِتَصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ؟ أَمَا أَنَا الْفِلِسْطِينِيُّ، وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ لِشَاوُلَ؟ اخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمْ رَجُلًا وَلْيَنْزِلْ إِلَيَّ. فَإِنْ قَدَرَ أَنْ يُحَارِبَنِي وَيَقْتُلَنِي نَصِيرُ لَكُمْ عَبِيدًا، وَإِنْ قَدَرْتُ أَنَا عَلَيْهِ وَقَتَلْتُهُ تَصِيرُونَ أَنْتُمْ لَنَا عَبِيدًا وَتَخْدِمُونَنَا. وَقَالَ الْفِلِسْطِينِيُّ: أَنَا عَيَّرْتُ صُفُوفَ إِسْرَائِيلَ هذَا الْيَوْمَ. أَعْطُونِي رَجُلًا فَنَتَحَارَبَ مَعًا. وَلَمَّا سَمِعَ شَاوُلُ وَجَمِيعُ إِسْرَائِيلَ كَلاَمَ الْفِلِسْطِينِيِّ هذَا ارْتَاعُوا وَخَافُوا جِدًّا” (1 صم 17 : 4 -11).
حينئذ يظهر داود في المشهد، وهو يبدو غلاماً يافعاً لم يتعلم فنون الحرب، جاء ليسأل عن سلامة إخوته، فسمع تحدي ذلك المبارز الجبار ( جليات) … ويشعر داود بالغضب المقدس فيقول في إيمان واثق ” فَكَلَّمَ دَاوُدُ الرِّجَالَ الْوَاقِفِينَ مَعَهُ قَائِلًا: مَاذَا يُفْعَلُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَقْتُلُ ذلِكَ الْفِلِسْطِينِيَّ، وَيُزِيلُ الْعَارَ عَنْ إِسْرَائِيلَ؟ لأَنَّهُ مَنْ هُوَ هذَا الْفِلِسْطِينِيُّ الأَغْلَفُ حَتَّى يُعَيِّرَ صُفُوفَ اللهِ الْحَيِّ” ( 1 صم17 : 26).
ثم يعرض نفسه على الملك شاول ويطلب إليه أن يسمح له بمقاتلة الرجل الجبار، ويقول شاول في خوف عدم الإيمان “لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَذْهَبَ إِلَى هذَا الْفِلِسْطِينِيِّ لِتُحَارِبَهُ لأَنَّكَ غُلاَمٌ وَهُوَ رَجُلُ حَرْبٍ مُنْذُ صِبَاهُ” (1 صم 17 : 33) ويذكر داود للملك الجبان إختباراً مر به أنقذه فيه الرب من أسد ودب، ويستطرد قائلاً :
” الرَّبُّ الَّذِي أَنْقَذَنِي مِنْ يَدِ الأَسَدِ وَمِنْ يَدِ الدُّبِّ هُوَ يُنْقِذُنِي مِنْ يَدِ هذَا الْفِلِسْطِينِيِّ. فَقَالَ شَاوُلُ لِدَاوُدَ: اذْهَبْ وَلْيَكُنِ الرَّبُّ مَعَكَ” (1 صم 17 : 37) …. ويوافق الملك ويذهب داود لملاقاة ( جليات ) الجبار وكل سلاحه هو عصاه ومقلاعه وخمسة حجارة ملس انتخبها من الوادي وجعلها في الجراب، وحين يرى جليات داود يحتقره ويلعنه بآلهته ويتحداه في هزء قائلاً ” أَلَعَلِّي أَنَا كَلْبٌ حَتَّى أَنَّكَ تَأْتِي إِلَيَّ بِعِصِيٍّ؟. وَلَعَنَ الْفِلِسْطِينِيُّ دَاوُدَ بِآلِهَتِهِ. وَقَالَ الْفِلِسْطِينِيُّ لِدَاوُدَ: تَعَالَ إِلَيَّ فَأُعْطِيَ لَحْمَكَ لِطُيُورِ السَّمَاءِ وَوُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ” (1 صم 17 : 43 – 44).
وهنا تظهر عظمة الإيمان فيقول داود للفلسطيني :
” أَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ بِسَيْفٍ وَبِرُمْحٍ وَبِتُرْسٍ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الْجُنُودِ إِلهِ صُفُوفِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ عَيَّرْتَهُمْ. هذَا الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي، فَأَقْتُلُكَ وَأَقْطَعُ رَأْسَكَ. وَأُعْطِي جُثَثَ جَيْشِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ هذَا الْيَوْمَ لِطُيُورِ السَّمَاءِ وَحَيَوَانَاتِ الأَرْضِ، فَتَعْلَمُ كُلُّ الأَرْضِ أَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ لإِسْرَائِيلَ. وَتَعْلَمُ هذِهِ الْجَمَاعَةُ كُلُّهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِسَيْفٍ وَلاَ بِرُمْحٍ يُخَلِّصُ الرَّبُّ، لأَنَّ الْحَرْبَ لِلرَّبِّ وَهُوَ يَدْفَعُكُمْ لِيَدِنَا” ( 1صم 17 : 45 -47).
وقد كان ….. إذ عندما تقدم للفلسطيني للقاء داود ” أَسْرَعَ وَرَكَضَ نَحْوَ الصَّفِّ لِلِقَاءِ الْفِلِسْطِينِيِّ. وَمَدَّ دَاوُدُ يَدَهُ إِلَى الْكِنْفِ وَأَخَذَ مِنْهُ حَجَرًا وَرَمَاهُ بِالْمِقْلاَعِ، وَضَرَبَ الْفِلِسْطِينِيَّ فِي جِبْهَتِهِ، فَارْتَزَّ الْحَجَرُ فِي جِبْهَتِهِ، وَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ. فَتَمَكَّنَ دَاوُدُ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّ بِالْمِقْلاَعِ وَالْحَجَرِ، وَضَرَبَ الْفِلِسْطِينِيَّ وَقَتَلَهُ. وَلَمْ يَكُنْ سَيْفٌ بِيَدِ دَاوُدَ. فَرَكَضَ دَاوُدُ وَوَقَفَ عَلَى الْفِلِسْطِينِيِّ وَأَخَذَ سَيْفَهُ وَاخْتَرَطَهُ مِنْ غِمْدِهِ وَقَتَلَهُ وَقَطَعَ بِهِ رَأْسَهُ” (1صم 17 : 49 – 52).
وهكذا إنتصر إيمان هذا الشاب اليافع في أول معركة حربية خاض غمارها.
ثم يدخل داود غمار معركة ثانية، إذ إقتحم العمالقة مدينة صقلغ التي لجأ إليها هو وكل رجاله وسبوا النساء اللواتي فيها وأحرقوها بالنار أثناء غيابه مع رجاله في أفيق، وعندما رأى الشعب الذين مع داود أن ممتلكاتهم ضاعت وأن أولادهم قد أخذوا سبايا قالوا برجم داود …. فماذا يفعل هذا القائد الأعزل الوحيد؟ هل يسلم بالهزيمة ؟ هل ينتحر ويخلص من هذا الفشل الذريع ؟!
إنه لم يفعل ! إذ نقرأ عنه وسط أحزانه، ووحدته وإتفاق الشعب عليه هذه الكلمات المنيرة “فَتَضَايَقَ دَاوُدُ جِدًّا لأَنَّ الشَّعْبَ قَالُوا بِرَجْمِهِ، لأَنَّ أَنْفُسَ جَمِيعِ الشَّعْبِ كَانَتْ مُرَّةً كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ. وَأَمَّا دَاوُدُ فَتَشَدَّدَ بِالرَّبِّ إِلهِهِ” (1 صم 30 :6).
وهذا هو الإيمان الذي يعوز الكثيرين في وسط ظروف الحياة القاسية ( الشدة بالله ) وعندما تشدد داود بالرب قام للصلاة ” فَسَأَلَ دَاوُدُ مِنَ الرَّبِّ قَائِلًا: إِذَا لَحِقْتُ هؤُلاَءِ الْغُزَاةَ فَهَلْ أُدْرِكُهُمْ؟ فَقَالَ لَهُ: الْحَقْهُمْ فَإِنَّكَ تُدْرِكُ وَتُنْقِذُ. فَذَهَبَ دَاوُدُ هُوَ وَالسِّتُّ مِئَةِ الرَّجُلِ الَّذِينَ مَعَهُ وَجَاءُوا إِلَى وَادِي الْبَسُورِ، وَالْمُتَخَلِّفُونَ وَقَفُوا. وَأَمَّا دَاوُدُ فَلَحِقَ هُوَ وَأَرْبَعُ مِئَةِ رَجُل، وَوَقَفَ مِئَتَا رَجُل لأَنَّهُمْ أَعْيَوْا عَنْ أَنْ يَعْبُرُوا وَادِيَ الْبَسُورِ. فَصَادَفُوا رَجُلًا مِصْرِيًّا فِي الْحَقْلِ فَأَخَذُوهُ إِلَى دَاوُدَ، وَأَعْطَوْهُ خُبْزًا فَأَكَلَ وَسَقَوْهُ مَاءً، وَأَعْطَوْهُ قُرْصًا مِنَ التِّينِ وَعُنْقُودَيْنِ مِنَ الزَّبِيبِ، فَأَكَلَ وَرَجَعَتْ رُوحُهُ إِلَيْهِ، لأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا وَلاَ شَرِبَ مَاءً فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَثَلاَثِ لَيَال. فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: لِمَنْ أَنْتَ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا غُلاَمٌ مِصْرِيٌّ عَبْدٌ لِرَجُل عَمَالِيقِيٍّ، وَقَدْ تَرَكَنِي سَيِّدِي لأَنِّي مَرِضْتُ مُنْذُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. فَإِنَّنَا قَدْ غَزَوْنَا عَلَى جَنُوبِيِّ الْكَرِيتِيِّينَ، وَعَلَى مَا لِيَهُوذَا وَعَلَى جَنُوبِيِّ كَالِبَ وَأَحْرَقْنَا صِقْلَغَ بِالنَّارِ. فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: هَلْ تَنْزِلُ بِي إِلَى هؤُلاَءِ الْغُزَاةِ؟ فَقَالَ: احْلِفْ لِي بِاللهِ أَنَّكَ لاَ تَقْتُلُنِي وَلاَ تُسَلِّمُنِي لِيَدِ سَيِّدِي، فَأَنْزِلَ بِكَ إِلَى هؤُلاَءِ الْغُزَاةِ. فَنَزَلَ بِهِ وَإِذَا بِهِمْ مُنْتَشِرُونَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَرْقُصُونَ بِسَبَبِ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَخَذُوا مِنْ أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَمِنْ أَرْضِ يَهُوذَا. فَضَرَبَهُمْ دَاوُدُ مِنَ الْعَتَمَةِ إِلَى مَسَاءِ غَدِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ أَرْبَعَ مِئَةِ غُلاَمٍ الَّذِينَ رَكِبُوا جِمَالًا وَهَرَبُوا. وَاسْتَخْلَصَ دَاوُدُ كُلَّ مَا أَخَذَهُ عَمَالِيقُ، وَأَنْقَذَ دَاوُدُ امْرَأَتَيْهِ. وَلَمْ يُفْقَدْ لَهُمْ شَيْءٌ لاَ صَغِيرٌ وَلاَ كَبِيرٌ، وَلاَ بَنُونَ وَلاَ بَنَاتٌ وَلاَ غَنِيمَةٌ، وَلاَ شَيْءٌ مِنْ جَمِيعِ مَا أَخَذُوا لَهُمْ، بَلْ رَدَّ دَاوُدُ الْجَمِيعَ. وَأَخَذَ دَاوُدُ الْغَنَمَ وَالْبَقَرَ. سَاقُوهَا أَمَامَ تِلْكَ الْمَاشِيَةِ وَقَالُوا: هذِهِ غَنِيمَةُ دَاوُدَ” (1صم 30 : 8 -20) .
وإنتصر الإيمان مرة ثانية ليؤكد لنا أن الحرب للرب .
الشخصية الثالثة : شخصية يهو شافاط :
وقد إجتاز يهوشافاط معركة من أغرب معارك التاريخ، أعطاه الرب فيها نصرة عجيبة كبرى، ونقرأ عن هذه المعركة في الكلمات “ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ أَتَى بَنُو مُوآبَ وَبَنُو عَمُّونَ وَمَعَهُمُ الْعَمُّونِيُّونَ عَلَى يَهُوشَافَاطَ لِلْمُحَارَبَةِ. فَجَاءَ أُنَاسٌ وَأَخْبَرُوا يَهُوشَافَاطَ قَائِلِينَ: قَدْ جَاءَ عَلَيْكَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنْ عَبْرِ الْبَحْرِ مِنْ أَرَامَ، وَهَا هُمْ فِي حَصُّونَ تَامَارَ. هِيَ عَيْنُ جَدْيٍ” (2 أخ 20 : 1 -2).
فماذا يفعل يهوشافاط إزاء هذا العدوان الثلاثي ؟! وكيف يتصرف أمام هذا الخطر المحيط بدولته؟
إنه لم يجد مخرجاً سوى التمسك بالله، والإلتجاء إلى حماه ” فَخَافَ يَهُوشَافَاطُ وَجَعَلَ وَجْهَهُ لِيَطْلُبَ الرَّبَّ، وَنَادَى بِصَوْمٍ فِي كُلِّ يَهُوذَا” (2 أخ 20 :3)
والمتأمل في صلاة يهوشافاط يلاحظ مدى ثقته في قدرة الله فهو يقول له “يَا رَبُّ إِلهَ آبَائِنَا، أَمَا أَنْتَ هُوَ اللهُ فِي السَّمَاءِ، وَأَنْتَ الْمُتَسَلِّطُ عَلَى جَمِيعِ مَمَالِكِ الأُمَمِ، وَبِيَدِكَ قُوَّةٌ وَجَبَرُوتٌ وَلَيْسَ مَنْ يَقِفُ مَعَكَ” (2 أخ 20 : 6).
ثم يستطرد قائلاً ” يَا إِلهَنَا أَمَا تَقْضِي عَلَيْهِمْ، لأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا قُوَّةٌ أَمَامَ هذَا الْجُمْهُورِ الْكَثِيرِ الآتِي عَلَيْنَا، وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ مَاذَا نَعْمَلُ وَلكِنْ نَحْوَكَ أَعْيُنُنَا” (2 أخ 20 :12).
وماذا بعد أن تمسك يهوشافاط بالله ولجأ إلى حماه ؟ هنا يتكلم الرب ويعطي وعده الأمين. ونحن نقرأ وعد الرب في هذه الآيات ” وَإِنَّ يَحْزَئِيلَ بْنَ زَكَرِيَّا بْنِ بَنَايَا بْنِ يَعِيئِيلَ بْنِ مَتَّنِيَّا اللاَّوِيِّ مِنْ بَنِي آسَافَ، كَانَ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ فِي وَسَطِ الْجَمَاعَةِ، فَقَالَ: اصْغَوْا يَا جَمِيعَ يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، وَأَيُّهَا الْمَلِكُ يَهُوشَافَاطُ. هكَذَا قَالَ الرَّبُّ لَكُمْ: لاَ تَخَافُوا وَلاَ تَرْتَاعُوا بِسَبَبِ هذَا الْجُمْهُورِ الْكَثِيرِ، لأَنَّ الْحَرْبَ لَيْسَتْ لَكُمْ بَلْ للهِ” (2 أخ 20 : 14 – 15).
ويملأ هذا الوعد الأمين قلوب المؤمنين بفرح اليقين فيرنموا في قوة، ترنيم الواثقين وهذا يظهر في الكلمات : ” فَقَامَ اللاَّوِيُّونَ مِنْ بَنِي الْقَهَاتِيِّينَ وَمِنْ بَنِي الْقُورَحِيِّينَ لِيُسَبِّحُوا الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ جِدًّا” (2 أخ 20 :19).
هنا نتوقف قليلاً إذ أن المعركة ستبدأ، وكما قلت إنها معركة من أغرب معارك التاريخ، إستخدم فيها يهوشافاط سلاحاً جديداً للنصرة هو، سلاح ( الغناء والتسبيح) .
فأنظر ما الذي فعله الله بهذا السلاح الجديد؟
“وَبَكَّرُوا صَبَاحًا وَخَرَجُوا إِلَى بَرِّيَّةِ تَقُوعَ. وَعِنْدَ خُرُوجِهِمْ وَقَفَ يَهُوشَافَاطُ وَقَالَ: اسْمَعُوا يَا يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، آمِنُوا بِالرَّبِّ إِلهِكُمْ فَتَأْمَنُوا. آمِنُوا بِأَنْبِيَائِهِ فَتُفْلِحُوا. وَلَمَّا اسْتَشَارَ الشَّعْبَ أَقَامَ مُغَنِّينَ لِلرَّبِّ وَمُسَبِّحِينَ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ أَمَامَ الْمُتَجَرِّدِينَ وَقَائِلِينَ: احْمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. وَلَمَّا ابْتَدَأُوا فِي الْغِنَاءِ وَالتَّسْبِيحِ جَعَلَ الرَّبُّ أَكْمِنَةً عَلَى بَنِي عَمُّونَ وَمُوآبَ وَجَبَلِ سِعِير الآتِينَ عَلَى يَهُوذَا فَانْكَسَرُوا” (2 أخ 20 : 20 -22).
أجل، عمل الترنيم ما لا تستطيع القنابل أن تعمله، وعاقب الرب المعتدين شر عقاب، ولم يكن هذا هو كل شيء بل كانت هذه المعركة سبباً في غنى يهوشافاط وشعبه إذ نقرأ :
“فَأَتَى يَهُوشَافَاطُ وَشَعْبُهُ لِنَهْبِ أَمْوَالِهِمْ، فَوَجَدُوا بَيْنَهُمْ أَمْوَالًا وَجُثَثًا وَأَمْتِعَةً ثَمِينَةً بِكَثْرَةٍ، فَأَخَذُوهَا لأَنْفُسِهِمْ حَتَّى لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَحْمِلُوهَا. وَكَانُوا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَنْهَبُونَ الْغَنِيمَةَ لأَنَّهَا كَانَتْ كَثِيرَةً “ (2 أخ 20 : 25).
وهنا نأتي إلى ختام هذه المعركة ونرى الشعب مجتمعاً في وادي بركة ليباركوا الرب وبعدئذ يغمر السلام أرجاء البلاد من جديد إذ “وَاسْتَرَاحَتْ مَمْلَكَةُ يَهُوشَافَاطَ، وَأَرَاحَهُ إِلهُهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ” (2 أخ 20 : 30). فهل هناك صورة للإيمان المنتصر في ميدان المعارك الحربية أروع من هذه الصورة ؟! إنني أعود مكرراً الكلمات ” اسْمَعُوا يَا يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، آمِنُوا بِالرَّبِّ إِلهِكُمْ فَتَأْمَنُوا. آمِنُوا بِأَنْبِيَائِهِ فَتُفْلِحُوا “ ( 2 أخ 20 : 20).
5- الإيمان المنتصر في ميدان المؤمرات العدائية :
في هذا الميدان نتقابل مع أربعة رجال كبار …. هم شدرخ وميشخ وعبدنغو، ودانيال، وقد تعرض هؤلاء الرجال لأشر أنواع المؤمرات، أما شدرخ وميشخ وعبدنغو فتبدأ قصتهم عندما “نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ صَنَعَ تِمْثَالًا مِنْ ذَهَبٍ ….. وَنَادَى مُنَادٍ بِشِدَّةٍ: قَدْ أُمِرْتُمْ أَيُّهَا الشُّعُوبُ وَالأُمَمُ وَالأَلْسِنَةُ، عِنْدَمَا تَسْمَعُونَ صَوْتَ الْقَرْنِ وَالنَّايِ وَالْعُودِ وَالرَّبَابِ وَالسِّنْطِيرِ وَالْمِزْمَارِ وَكُلِّ أَنْوَاعِ الْعَزْفِ، أَنْ تَخِرُّوا وَتَسْجُدُوا لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبَهُ نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ. وَمَنْ لاَ يَخِرُّ وَيَسْجُدُ، فَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ يُلْقَى فِي وَسَطِ أَتُّونِ نَارٍ مُتَّقِدَةٍ” (دا 3 : 1 و 4 -6).
فهل يخضع هؤلاء الثلاثة لهذا الأمر ؟ إنهم يعرفون وصية الله ” لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” فهل يطيعون الملك ويعصون رب الملوك أجمعين؟ إنهم أبوا السجود للتمثال، وهنا أحيكت ضدهم مؤامرة، ” لأَجْلِ ذلِكَ تَقَدَّمَ حِينَئِذٍ رِجَالٌ كَلْدَانِيُّونَ وَاشْتَكَوْا عَلَى الْيَهُودِ، أَجَابُوا وَقَالُوا لِلْمَلِكِ نَبُوخَذْنَصَّرَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ! أَنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ قَدْ أَصْدَرْتَ أَمْرًا بِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَسْمَعُ صَوْتَ الْقَرْنِ وَالنَّايِ وَالْعُودِ وَالرَّبَابِ وَالسِّنْطِيرِ وَالْمِزْمَارِ وَكُلِّ أَنْوَاعِ الْعَزْفِ، يَخِرُّ وَيَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ. وَمَنْ لاَ يَخِرُّ وَيَسْجُدُ فَإِنَّهُ يُلْقَى فِي وَسَطِ أَتُّونِ نَارٍ مُتَّقِدَةٍ. يُوجَدُ رِجَالٌ يَهُودٌ، الَّذِينَ وَكَّلْتَهُمْ عَلَى أَعْمَالِ وِلاَيَةِ بَابِلَ: شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُوَ. هؤُلاَءِ الرِّجَالُ لَمْ يَجْعَلُوا لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ اعْتِبَارًا. آلِهَتُكَ لاَ يَعْبُدُونَ، وَلِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَ لاَ يَسْجُدُونَ” (دا 3 : 8 -12).
كيف يتصرف الرجال الثلاثة إزاء هذا الموقف الخطير ؟ لقد أمر نبوخذ نصر بغضب وغيظ بإحضارهم، فأتوا قدام الملك وسألهم قائلاً ” تَعَمُّدًا يَا شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُوَ لاَ تَعْبُدُونَ آلِهَتِي وَلاَ تَسْجُدُونَ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتُ”
ثم فتح لهم باب النجاة قائلاً ” فَإِنْ كُنْتُمُ الآنَ مُسْتَعِدِّينَ عِنْدَمَا تَسْمَعُونَ صَوْتَ الْقَرْنِ وَالنَّايِ وَالْعُودِ وَالرَّبَابِ وَالسِّنْطِيرِ وَالْمِزْمَارِ وَكُلَّ أَنْوَاعِ الْعَزْفِ إِلَى أَنْ تَخِرُّوا وَتَسْجُدُوا لِلتِّمْثَالِ الَّذِي عَمِلْتُهُ. وَإِنْ لَمْ تَسْجُدُوا فَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ تُلْقَوْنَ فِي وَسَطِ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ. وَمَنْ هُوَ الإِلهُ الَّذِي يُنْقِذُكُمْ مِنْ يَدَيَّ” (دا 3 : 14 -15).
وإسمع إجابة الإيمان الظافر المنتصر. لقد ضاعت هيبة الملك أمام عيون هؤلاء الرجال، رأوه رجلاً عادياً يتحدى رب السماء والأرض، فتحدثوا إليه بلغة خالية من كل إجلال وأجابوه قائلين ” يَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، لاَ يَلْزَمُنَا أَنْ نُجِيبَكَ عَنْ هذَا الأَمْرِ. هُوَذَا يُوجَدُ إِلهُنَا الَّذِي نَعْبُدُهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنْ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ، وَأَنْ يُنْقِذَنَا مِنْ يَدِكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ” (دا 3 : 16 -17)
ثم أنظر إلى الإيمان العظيم حين يرتفع بالمرء إلى مرتبة التضحية الكبرى فلا يحب حياته حتى الموت، وأنت تراه في كلمات هؤلاء الأبطال وحتى إن سمح لنا الله أن نحترق في نار الأتون “وَإِلاَّ فَلِيَكُنْ مَعْلُومًا لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَنَّنَا لاَ نَعْبُدُ آلِهَتَكَ وَلاَ نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَهُ” (دا 3 : 18).
وبأمر الملك الغاضب بأن يحموا الآتون سبعة أضعاف أكثر مما كان معتاداً أن يحمى، ثم يأمر جبابرة القوة في جيشه بأن يوثقوا شدرخ وميشخ وعبدنغو ويلقوهم في أتون النار المتقدة … ويطيع الجبابرة أمر الملك ويلقون شدرخ وميشخ وعبدنغو في وسط الأتون، ويقتل لهيب النار الشديدة هؤلاء الجبابرة الذين رفعوا رجال الإيمان، ويسقط الرجال الثلاثة موثقين في وسط الأتون.
لكن هل يكافيء الله إيماناً مثل هذا الإيمان ؟ أم يترك هؤلاء الرجال يحترقون ؟!
إحبس أنفاسك فإن المنظر القادم من البهاء والروعة بحيث يستحق كل إنتباه … إسمع ماذا يقول الكتاب ” حِينَئِذٍ تَحَيَّرَ نَبُوخَذْنَصَّرُ الْمَلِكُ وَقَامَ مُسْرِعًا فَأَجَابَ وَقَالَ لِمُشِيرِيهِ: أَلَمْ نُلْقِ ثَلاَثَةَ رِجَال مُوثَقِينَ فِي وَسَطِ النَّارِ؟ فَأَجَابُوا وَقَالُوا لِلْمَلِكِ: صَحِيحٌ أَيُّهَا الْمَلِكُ. أَجَابَ وَقَالَ: هَا أَنَا نَاظِرٌ أَرْبَعَةَ رِجَال مَحْلُولِينَ يَتَمَشَّوْنَ فِي وَسَطِ النَّارِ وَمَا بِهِمْ ضَرَرٌ، وَمَنْظَرُ الرَّابعِ شَبِيهٌ بِابْنِ الآلِهَةِ. ثُمَّ اقْتَرَبَ نَبُوخَذْنَصَّرُ إِلَى بَابِ أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ وَأَجَابَ، فَقَالَ: يَا شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُو، يَا عَبِيدَ اللهِ الْعَلِيِّ، اخْرُجُوا وَتَعَالَوْا. فَخَرَجَ شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُو مِنْ وَسَطِ النَّارِ” (دا 3 : 24 – 26)
لقد كان الأتون بالنسبة إليهم نزهة جميلة، أو في عبارة أدق رحلة إلى المجد الأسنى رأوا فيها السيد المجيد الذي جاء خصيصاً ليتمشى معهم وسط النيران.
وأنظر إلى أي مدى يؤثر الإيمان في حياة البشر؟ ويعطي النصرة النهائية للمؤمنين “فَاجْتَمَعَتِ الْمَرَازِبَةُ وَالشِّحَنُ وَالْوُلاَةُ وَمُشِيرُو الْمَلِكِ وَرَأَوْا هؤُلاَءِ الرِّجَالَ الَّذِينَ لَمْ تَكُنْ لِلنَّارِ قُوَّةٌ عَلَى أَجْسَامِهِمْ، وَشَعْرَةٌ مِنْ رُؤُوسِهِمْ لَمْ تَحْتَرِقْ، وَسَرَاوِيلُهُمْ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَرَائِحَةُ النَّارِ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِمْ. فَأَجَابَ نَبُوخَذْنَصَّرُ وَقَالَ: تَبَارَكَ إِلهُ شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ، الَّذِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَأَنْقَذَ عَبِيدَهُ الَّذِينَ اتَّكَلُوا عَلَيْهِ وَغَيَّرُوا كَلِمَةَ الْمَلِكِ وَأَسْلَمُوا أَجْسَادَهُمْ لِكَيْلاَ يَعْبُدُوا أَوْ يَسْجُدُوا لإِلهٍ غَيْرِ إِلهِهِمْ. فَمِنِّي قَدْ صَدَرَ أَمْرٌ بِأَنَّ كُلَّ شَعْبٍ وَأُمَّةٍ وَلِسَانٍ يَتَكَلَّمُونَ بِالسُّوءِ عَلَى إِلهِ شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ، فَإِنَّهُمْ يُصَيَّرُونَ إِرْبًا إِرْبًا، وَتُجْعَلُ بُيُوتُهُمْ مَزْبَلَةً، إِذْ لَيْسَ إِلهٌ آخَرُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَجِّيَ هكَذَا. حِينَئِذٍ قَدَّمَ الْمَلِكُ شَدْرَخَ وَمِيشَخَ وَعَبْدَنَغُوَ فِي وِلاَيَةِ بَابِلَ” (دا 3 : 27 -30) .
وإنتصر الإيمان وعاد المجد لإله السماء، وأخذ بيد أصحابه في مدارج التقدم والمركز الرفيع.
الآن لنتقدم إلى المؤامرة التي حيكت لدانيال : كان هذا في أيام حكم داريوس الذي ولي على المملكة مئة وعشرين مرزبانا وعلى هؤلاء ثلاثة وزراء أحدهم دانيال لتؤدي المرازبة إليهم الحساب فلا تصيب الملك خسارة …. وفاق دانيال على الوزراء والمرازبة لأن فيه روحاً فاضلة وفكر الملك في أن يوليه على المملكة كلها !!
هنا بدأت خيوط المؤامرة تحاك، وفتح الوزراء والمرازبة عيونهم ليجدوا علة على دانيال من جهة المملكة فلم يقدروا أن يجدوا فيه علة ولا ذنباً لأنه كان أميناً .
إذن كيف السبيل لإزاحة هذا الرجل الأمين الفاضل من الطريق؟
إنه يسد عليهم طريق الرشوة والإختلاس والغنى فإذا ما أزيل من مكانه إنسالت عليهم أنهار المال الحرام …. وهنا بزغت في عقولهم فكرة شيطانية رهيبة !!!
كانوا يعرفون أن الرجل متدين، وأنه مدقق في تدينه، إذن فليضربوه في هذه النقطة بالذات … فليسقطوه عن طريق الدين …. ويوم يستغل الدين في خدمة الأغراض فويل للشعب المسكين … وتبلورت الفكرة لتخرج إلى حيز التنفيذ فإجتمع هؤلاء الوزراء والمرازبة عند الملك وقالوا له هكذا : ” حِينَئِذٍ اجْتَمَعَ هؤُلاَءِ الْوُزَرَاءُ وَالْمَرَازِبَةُ عِنْدَ الْمَلِكِ وَقَالُوا لَهُ هكَذَا: أَيُّهَا الْمَلِكُ دَارِيُوسُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ! إِنَّ جَمِيعَ وُزَرَاءِ الْمَمْلَكَةِ وَالشِّحَنِ وَالْمَرَازِبَةِ وَالْمُشِيرِينَ وَالْوُلاَةِ قَدْ تَشَاوَرُوا عَلَى أَنْ يَضَعُوا أَمْرًا مَلَكِيًّا وَيُشَدِّدُوا نَهْيًا، بِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَطْلُبُ طِلْبَةً حَتَّى ثَلاَثِينَ يَوْمًا مِنْ إِلهٍ أَوْ إِنْسَانٍ إِلاَّ مِنْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، يُطْرَحُ فِي جُبِّ الأُسُودِ. فَثَبِّتِ الآنَ النَّهْيَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَأَمْضِ الْكِتَابَةَ لِكَيْ لاَ تَتَغَيَّرَ كَشَرِيعَةِ مَادِي وَفَارِسَ الَّتِي لاَ تُنْسَخُ. لأَجْلِ ذلِكَ أَمْضَى الْمَلِكُ دَارِيُوسُ الْكِتَابَةَ وَالنَّهْيَ” (دا 6 : 6 – 9) وقع بإمضائه وهو لا يدري ماذا يفعل ؟!
لقد أشبعوا كبرياءه وغروره، لكنه لو فكر لحظة لأدرك فظاعة العمل الذي أشاروا به عليه إذ أي ملك يستطيع أن يسمع طلبات شعب لمدة شهر ؟ … من يستطيع أن يسمع أنين المرضى وتنهد الثكالى، وطلبات الفقراء والمعوزين، وصرخات المظلومين، وحاجات البائسين ؟! لكن الرجل فعل، والإنسان تغريه العظمة الزائفة وينكسر أمام الكبرياء والغرور.
هنا نقف لنرى ماذا يفعل دانيال إزاء هذا النهي الذي يتعارض مع شريعة إلهه! هل يخضع؟ هل يصلي للملك؟ هل يطلب حاجاته منه؟ هل يفتح له مكنونات قلبه، ويكشف له أسرار فؤاده؟ كلا ! بالخط الضخم العريض الكبير .
فأنظر كيف تصرف دانيال في هذا الموقف الخطير :
” فَلَمَّا عَلِمَ دَانِيآلُ بِإِمْضَاءِ الْكِتَابَةِ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِهِ، وَكُواهُ مَفْتُوحَةٌ فِي عُلِّيَّتِهِ نَحْوَ أُورُشَلِيمَ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَصَلَّى وَحَمَدَ قُدَّامَ إِلهِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَ ذلِكَ” (دا 6 : 10).
لقد اعتاد الرجل أن يصلي ويحمد الله ثلاث مرات في اليوم والشخص المصلي عندما تأتيه المحنة الكبرى لا يغير عادته، بل يستمر واثقاً في إلهه وهكذا فعل دانيال. ورأى المتآمرون أن ساعة الخلاص من دانيال قد حانت، فقد رأوه يطلب ويتضرع قدام إلهه، فتقدموا وتكلموا قدام الملك في نهي الملك وإسمع الحوار الذي دار بينهم وبين صاحب الجلالة :
المتآمرون : ألم تمضِ أيها الملك نهياً بأن كل إنسان يطلب من إله أو إنسان حتى ثلاثين يوماً إلا منك أيها الملك يُطرح في جب الأسود؟
الملك : الأمر صحيح كشريعة مادي وفارس التي لا تنسخ .
المتآمرون : إن دانيال الذي من بني سبي يهوذا لم يجعل لك أيها الملك إعتباراً، ولا للنهي الذي أمضيته، بل ثلاث مرات في اليوم يطلب طلبته .
وفجأة أدرك الملك حقيقة المؤامرة، أدرك أن الرجال المدنسين يريدون الخلاص من الرجل الفاضل، وأن معنى موت دانيال خسارة الخزانة العامة وتفشي الفوضى في نظام الحكم … وحاول الملك إنقاذ (الرجل الفاضل) لكنه فشل أمام سطوة القانون الذي أمضاه وأسقط في يده فأصدر أمره فأحضروا دانيال وطرحوه في جب الأسود.
فهل يجازي الرب هذا المؤمن الأمين ؟! هل يقف إلى جواره؟ هل ينقذه من أفواه الأسود المفترسة الجائعة ؟
أجل. وبكل يقين ! وحتى الملك داريوس كان عنده هذا اليقين، ولذا فقد قال لدانيال :
“إِنَّ إِلهَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا هُوَ يُنَجِّيكَ” (دا 6 : 16) ومن عجب أنه لم يخش على دانيال من الأسود المتوحشة بقدر ما خشى عليه من رجاله المتآمرين ” وَأُتِيَ بِحَجَرٍ وَوُضِعَ عَلَى فَمِ الْجُبِّ وَخَتَمَهُ الْمَلِكُ بِخَاتِمِهِ وَخَاتِمِ عُظَمَائِهِ، لِئَلاَّ يَتَغَيَّرَ الْقَصْدُ فِي دَانِيآلَ” (دا 6 : 17) فهل أكلت الأسود دانيال ؟
من أجمل الصور التي رسمها مصور عالمي، صورة لدانيال في جب الأسود وقد إفترش أرض الجب، وجعل من أسد وسادة له، وقد أحاطت به الأسود تدفئه في حب، وعطف، وحنان، وتحرسه وهو يغط في نومه العميق.
أما الملك داريوس فقد بات صائماً “حِينَئِذٍ مَضَى الْمَلِكُ إِلَى قَصْرِهِ وَبَاتَ صَائِمًا، وَلَمْ يُؤْتَ قُدَّامَهُ بِسَرَارِيهِ وَطَارَ عَنْهُ نَوْمُهُ. ثُمَّ قَامَ الْمَلِكُ بَاكِرًا عِنْدَ الْفَجْرِ وَذَهَبَ مُسْرِعًا إِلَى جُبِّ الأُسُودِ. فَلَمَّا اقْتَرَبَ إِلَى الْجُبِّ نَادَى دَانِيآلَ بِصَوْتٍ أَسِيفٍ. أَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ لِدَانِيآلَ: يَا دَانِيآلُ عَبْدَ اللهِ الْحَيِّ، هَلْ إِلهُكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ دَائِمًا قَدِرَ عَلَى أَنْ يُنَجِّيَكَ مِنَ الأُسُودِ؟ فَتَكَلَّمَ دَانِيآلُ مَعَ الْمَلِكِ: يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ! إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ فَلَمْ تَضُرَّنِي، لأَنِّي وُجِدْتُ بَرِيئًا قُدَّامَهُ، وَقُدَّامَكَ أَيْضًا أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَمْ أَفْعَلْ ذَنْبًا. حِينَئِذٍ فَرِحَ الْمَلِكُ بِهِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُصْعَدَ دَانِيآلُ مِنَ الْجُبِّ. فَأُصْعِدَ دَانِيآلُ مِنَ الْجُبِّ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ ضَرَرٌ، لأَنَّهُ آمَنَ بِإِلهِهِ” (دا 6 : 18 – 23) .
أما المتآمرون “فَأَمَرَ الْمَلِكُ فَأَحْضَرُوا أُولئِكَ الرِّجَالَ الَّذِينَ اشْتَكَوْا عَلَى دَانِيآلَ وَطَرَحُوهُمْ فِي جُبِّ الأُسُودِ هُمْ وَأَوْلاَدَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ. وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى أَسْفَلِ الْجُبِّ حَتَّى بَطَشَتْ بِهِمِ الأُسُودُ وَسَحَقَتْ كُلَّ عِظَامِهِمْ” (دا 6 : 24) وهنا يتجلى الفرق بين المؤمنين والأشرار .
لكن هل هذا هو ختام القصة !! هناك البقية المنيرة، فقد أصدر الملك أمره في كل سلطان مملكته أن يخاف شعبه وأن يرتعدوا قدام إله دانيال ” ثُمَّ كَتَبَ الْمَلِكُ دَارِيُّوسُ إِلَى كُلِّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ السَّاكِنِينَ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا: لِيَكْثُرْ سَلاَمُكُمْ. مِنْ قِبَلِي صَدَرَ أَمْرٌ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ سُلْطَانِ مَمْلَكَتِي يَرْتَعِدُونَ وَيَخَافُونَ قُدَّامَ إِلهِ دَانِيآلَ، لأَنَّهُ هُوَ الإِلهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ إِلَى الأَبَدِ، وَمَلَكُوتُهُ لَنْ يَزُولَ وَسُلْطَانُهُ إِلَى الْمُنْتَهَى. هُوَ يُنَجِّي وَيُنْقِذُ وَيَعْمَلُ الآيَاتِ وَالْعَجَائِبَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ. هُوَ الَّذِي نَجَّى دَانِيآلَ مِنْ يَدِ الأُسُودِ” (دا 6 : 25 – 27) وهكذا عرف الملك أنه مجرد إنسان وآمن بقدرة الله الرحمن .
وكانت المكافآة الكبرى لإيمان دانيال أنه نجح في ملك داريوس وفي ملك كورش الفارسي … وهكذا قدم لنا صورة حية لنصرة الإيمان في ميدان المؤمرات العدائية .
6- الإيمان المنتصر في ميدان الحرب الروحية :
هذا هو الميدان الذي نرى فيه عظمة القديسين المنتصرين، فيه نرى يوحنا المعمدان، وبولس رسول الأمم، وزمرة الرسل والشهداء الأولين، وهؤلاء جميعاً تنطبق عليهم الكلمات ” وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ، وَلَمْ يُحِبُّوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى الْمَوْتِ” (رؤ 12 :11).
وكما حارب الشيطان هؤلاء جميعاً، فهو يحارب المؤمنين في كل مكان مستعملاً معهم كل سلاح دنيء، وواضعاً في سبيلهم شتى العراقيل.
أنظر كيف يحارب الشيطان أولاد الله ؟!
(1) إنه يحاربهم بنعومة الحية :
“وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ” (2 كو 11 : 3).
(2) إنه يحاربهم بزئير الأسد :
“اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ” (1 بط 5 :8).
(3) إنه يحاربهم بالمكايد :
“الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ” ( أف 6: 11)
(4) إنه يحاربهم بالمصارعة :
” فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (أف 6 : 12)
(5)إنه يحاربهم في اليوم الشرير :
“مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا” (أف 6 :13).
(6) إنه يحاربهم بالسهام الملتهبة :
“حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ” (أف 6 : 16).
(7)إنه يحاربهم بالخدام الكذبة :
“لأَنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ هُمْ رُسُلٌ كَذَبَةٌ، فَعَلَةٌ مَاكِرُونَ، مُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ إِلَى شِبْهِ رُسُلِ الْمَسِيحِ. وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ! فَلَيْسَ عَظِيمًا إِنْ كَانَ خُدَّامُهُ أَيْضًا يُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ كَخُدَّامٍ لِلْبِرِّ. الَّذِينَ نِهَايَتُهُمْ تَكُونُ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ” (2كو 11 : 13 -15) وهؤلاء طبعاً من ثمارهم نعرفهم .
فكيف السبيل للإنتصار في حرب هذه أساليبها ؟!
إن بولس الرسول يذكر لنا هذه الأسلحة :
(1) منطقة الحق
(2) درع البر
(3) حذاء إنجيل السلام
(4) خوذة الخلاص
(5) سيف الروح الذي هو كلمة الله
(6)الصلاة
لكن ماذا نلبس فوق كل هذه الأسلحة لنضمن الإنتصار الأكيد ؟
يقول لنا بولس الرسول “حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ” (أف 6 : 16).
فكل الأسلحة المذكورة إذا لم يسندها (الإيمان ) تصير بلا قيمة ….. لذلك يقول لنا بطرس “اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ” (1 بط 5 : 8).
إعتاد أخ مسيحي من الزنوج عندما يحس بأن الشيطان يحاول تجربته في أمر ما أن يهتف في إيمان واثق قائلاً : «أيها الرب يسوع إحفظ ملكك …. كان يعتبر نفسه ملكاً للرب فكان يدعوه لحمايته ووراء ترس الإيمان إختبر حياة النصرة على الشيطان ».
إن وعد الرب للمؤمنين “وَإِلهُ السَّلاَمِ سَيَسْحَقُ الشَّيْطَانَ تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ سَرِيعًا. نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَكُمْ” (رو 16 : 20).
وقد وعد الرب إبراهيم أيضاً قائلاً “بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ صَارَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى أَبْرَامَ فِي الرُّؤْيَا قَائِلًا: لاَ تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدًّا” (تك 15 : 1) فهو ترس الإيمان الذي يحمي المؤمنين من الشيطان .
ولقد مر يوسف في حرب لا هوادة فيها مع الشيطان، فأنظر كيف إنتصر على تجاربه المريرة في هذه الحرب وإصغ إلى يعقوب أبيه وهو يكشف لنا سر إنتصاره في القطعة الأدبية الرائعة التي باركه بها وهو على فراش الإحتضار!
ها هو يعقوب يخاطب إبنه قائلاً “يُوسُفُ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ عَلَى عَيْنٍ. أَغْصَانٌ قَدِ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ حَائِطٍ. فَمَرَّرَتْهُ وَرَمَتْهُ وَاضْطَهَدَتْهُ أَرْبَابُ السِّهَامِ. وَلكِنْ ثَبَتَتْ بِمَتَانَةٍ قَوْسُهُ، وَتَشَدَّدَتْ سَوَاعِدُ يَدَيْهِ. مِنْ يَدَيْ عَزِيزِ يَعْقُوبَ، مِنْ هُنَاكَ، مِنَ الرَّاعِي صَخْرِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ إِلهِ أَبِيكَ الَّذِي يُعِينُكَ، وَمِنَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي يُبَارِكُكَ، تَأْتِي بَرَكَاتُ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَبَرَكَاتُ الْغَمْرِ الرَّابِضِ تَحْتُ. بَرَكَاتُ الثَّدْيَيْنِ وَالرَّحِمِ” (تك 49 : 22 : 25).
ومن هذه الكلمات نعلم أن الشيطان حارب يوسف بسهامه الملتهبة، همس في أذنه وهو في غمرة آلامه : « أين أحلامك أيها الشاب المسكين؟»
لكن يوسف ثبت أمام التجارب بإيمانه العظيم في الله، وسحق الشيطان تحت قدميه، وجاء اليوم الذي نادوا فيه أمامه في شوارع مصر (إركعوا).
فلنذكر دائماً في حربنا ضد العالم والجسد والشيطان هذه الكلمات “لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْل، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا، نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ. فَتَفَكَّرُوا فِي الَّذِي احْتَمَلَ مِنَ الْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هذِهِ لِئَلاَّ تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ” (عب 12 : 1 -3).
7-الإيمان المنتصر في ميدان الخدمة الإنجيلية :
في هذا الميدان نتقابل مع كثيرين، إننا نتقابل مع انداروس الذي وجد أخاه سمعان، ومع فيلبس الذي وجد نثنائيل، ومع فيلبس المبشر الذي أحدث أعظم نهضة في السامرة، ومع بولس، وبطرس، ويوحنا، وآخرين …. ولكننا سنكتفي في هذا المجال بالحديث عن إثنين من الرسل الأولين هما : بولس رسول الأمم، ويوحنا التلميذ الحبيب .
أما بولس فقد كانت حياته في خدمة الإنجيل سلسلة تضحيات وآلام. إسمعه وهو يسرد هذه الآلام فيقول :
” أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ، فَأَنَا أَفْضَلُ: فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً. مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلًا وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ. بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ. فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ. عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ. مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ “ (2 كو 11 : 23 : 29).
ما الذي أعطى لبولس النصرة على هذه الآلام في ميدان خدمة الإنجيل؟ إنه (الإيمان العظيم) إسمع كلماته المليئة برنين الإنتصار وهو يتحدث لتلميذه تيموثاوس قائلاً ” فَلاَ تَخْجَلْ بِشَهَادَةِ رَبِّنَا، وَلاَ بِي أَنَا أَسِيرَهُ، بَلِ اشْتَرِكْ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ بِحَسَبِ قُوَّةِ اللهِ، الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ، وَإِنَّمَا أُظْهِرَتِ الآنَ بِظُهُورِ مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ. الَّذِي جُعِلْتُ أَنَا لَهُ كَارِزًا وَرَسُولًا وَمُعَلِّمًا لِلأُمَمِ. لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا. لكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ” (2 تي 1 : 8 -12).
لقد آمن الرجل بإله قادر، وأيقن أنه يستطيع أن يحفظ وديعته إلى ذلك اليوم ولهذا إنتصر في ميدان الخدمة الإنجيلية بما فيه من تضحيات جسام، وكل خادم يريد أن يحظى بهذا الإنتصار لا بد أن يكون له ذات الإيمان العظيم .
وقف دكتور سكوفيلد في حفل تأبين المبشر الأمريكي المشهور دويت لايمان مودي يتحدث عن سر نجاحه في خدمة الإنجيل رغم الصعاب التي لاقته قال : « إن سر نجاح دويت لايمان مودي كان:
أولاً : في إختباره الحي لقوة المسيح المخلصة فقد إختبر نعمته المطهرة، وإنتقل فعلاً من الموت إلى الحياة .
وثانياً : إنه آمن بسلطان الكتاب المقدس الإلهي فكان الكتاب بالنسبة إليه هو صوت الله ولذا فقد جعله كذلك بالنسبة لسامعيه.
وثالثاً : أنه كان ممتلئاً من الروح القدس، وكان يعرف هذا، وكان هذا الإختبار بالنسبة إليه إختباراً أكيداً كإختبار الخلاص.
رابعاً : أنه كان رجل صلاة من طراز ممتاز يؤمن بإله قادر على كل شيء.
خامساً : أنه كان يعتقد بالإيمان العامل، والترتيب الحكيم، والتنظيم المرتب، والدعاية الواسعة النطاق للإنجيل، فكان يؤمن أن الله يعمل بواسطة الآنية البشرية، ولذا فقد طار بمركبته إلى السماء ولكنه ثبت عجلاتها في الأرض … أما السر الأخير فهو أنه كان رجلاً (عظيم الإيمان) .
ومودي بغير شك قد تتبع خطوات بولس في حياته ولقد طالما ردد كلماته : «عندما يعتريني الفشل، أو تحيط بي ظلمات الخوف أفكر في ذلك الخيام الفقير بولس … فهو في نظري أعظم من الإسكندر الأكبر، لأن الإسكندر غزا العالم بجحافل جيوشه … أما ذلك الخيام الفقير فقد ربح العالم للمسيح بقوة إيمانه ».
يقيناً إن بولس آمن في رفقة السيد له وذكر وعده الأمين ” وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” ( مت 28 : 20).
وكذلك آمن بقوة السيد التي تسنده فكان يردد “لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ. أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ. أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي” (في 4 : 11 -13).
وآمن أيضاً بنواله الإكليل الذي ينتظره، فهتف في أيامه الأخيرة قائلاً “وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا” (2تي 4 :8).
وبهذا الإيمان الواثق العظيم إنتصر في ميدان الخدمة وسجل كلماته الظافرة “مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ. وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا. فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 8 :35 -39).
هذا هو بولس المنتصر في ميدان الخدمة إنه رجل من رجال ( الإيمان العظيم).
والآن لنقف قليلاً مع يوحنا الذي لاقى في سبيل خدمة الإنجيل النفي والتشريد، وكتب في غرة سفر الرؤيا كلماته “أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ فِي الضِّيقَةِ وَفِي مَلَكُوتِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَصَبْرِهِ. كُنْتُ فِي الْجَزِيرَةِ الَّتِي تُدْعَى بَطْمُسَ مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رؤ 1 : 9).
لقد نفاه دوميتان الإمبراطور ولكنه إنتصر على كل إحساس باليأس، فلا نسمع منه نغمة تذمر، وإنما نسمع رنين الظفر، وموسيقى الإنتصار، والسر وراء هذا كله هو إيمانه العظيم المؤسس على الإختبار الحي.
إسمعه وهو يردد كلماته ” اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ. فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا. الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلًا “ ( 1يو 1 : 1 -4).
” وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ” (يو 19 : 35).
” وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ” (يو 20 : 30-31).
ومع هذا الإيمان الإختباري، نجد إيماناً لامعاً بقرب مجيء الرب وفرحاً غامراً يملأ قلب الرسول وهو يهتف قائلاً ” أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ. وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ “ (1يو 3 : 2 -3).
وبهذا الإيمان الواثق المنتظر ينتصر الرسول يوحنا في ميدان خدمة الإنجيل، ويستخدم الرب آلامه في بطمس لإعطائه آخر إعلانات النبوة، وليرفع له الستار عن حوادث المستقبل، فلا يختم الرجل رؤياه إلا وهو يردد صلاته “يَقُولُ الشَّاهِدُ بِهذَا: نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعًا. آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ” (رؤ 22 : 20).
هذا هو الإيمان المنتصر، إيمان الذين يرددون من قلوبهم “وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا مِنَ الارْتِدَادِ لِلْهَلاَكِ، بَلْ مِنَ الإِيمَانِ لاقْتِنَاءِ النَّفْسِ” (عب 10 : 39).
فأي الطريقين تختار بعد أن رأيت الفرق بين الإلحاد والإيمان ؟
ليتك تمسك بالله بكلتا يديك …. وتثق به بكل قلبك … وتقول له من أعماقك :
آمنت ياربي فقوّ إيماني شدد يقيني وزد فيك إركاني
الفصل الرابع
الإيمان العامل بالمحبة
ما أجمل عمل الإيمان ! إنه يمتد إلى الأرض الجدباء ويحولها إلى جنة فيحاء، ويمتد إلى القلوب اليائسة فيحيي فيها ميت الرجاء، ويمتد إلى المجتمع المسكين فيقدم له خدمة الشبع، والعلم، والهناء .
لذلك يكتب بولس الرسول إلى كنائس غلاطية قائلاً “فَإِنَّنَا بِالرُّوحِ مِنَ الإِيمَانِ نَتَوَقَّعُ رَجَاءَ بِرّ. لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ” (غل 5 : 5 -6).
ويكتب للمؤمنين في تسالونيكي قائلاً “نَشْكُرُ اللهَ كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، ذَاكِرِينَ إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِنَا، مُتَذَكِّرِينَ بِلاَ انْقِطَاعٍ عَمَلَ إِيمَانِكُمْ، وَتَعَبَ مَحَبَّتِكُمْ، وَصَبْرَ رَجَائِكُمْ، رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ، أَمَامَ اللهِ وَأَبِينَا” (1 تس 1 :2 – 3).
فالإيمان الحي يعمل المعجزات، ولا يؤمن بالمستحيلات، لأنه يذكر الكلمات ” فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ. كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ” (مر 9 : 23).
وعلى عكس ذلك نجد أن عدم الإيمان لا يؤمن بالمعجزات، ولكنه يتخيل المستحيلات، ويجلب على صاحبه أشد الأضرار والأخطار .
في سفر الملوك الثاني الأصحاح السابع نقرأ أن بنهدد ملك آرام حاصر السامرة حتى صار الجوع شديداً فيها، ومن شدة الجوع أكلت إمرأة طفلها وشاركت في لحمه جارتها، ولما علم الملك بذلك مزق ثيابه وعزم على أن يقتل اليشع النبي، ولكن الله أعلن لإليشع الأمر حتى إذا وصل الملك ومن معه إليه تنبأ اليشع قائلاً “وَقَالَ أَلِيشَعُ: اسْمَعُوا كَلاَمَ الرَّبِّ. هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: فِي مِثْلِ هذَا الْوَقْتِ غَدًا تَكُونُ كَيْلَةُ الدَّقِيقِ بِشَاقِل، وَكَيْلَتَا الشَّعِيرِ بِشَاقِل فِي بَابِ السَّامِرَةِ” (2مل 7 : 1).
والإيمان يصدق الله، ويثق أن ما وعد به هو قادر أن يفعله، ويتم فيه ما قيل عن إبراهيم “فَهُوَ عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ ( أي الرجاء البشري )، آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ ( أي الرجاء في الله) ، لِكَيْ يَصِيرَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا قِيلَ: هكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا فِي الإِيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُ وَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتًا، إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍ وَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ. وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ، بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِيًا مَجْدًا للهِ. وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضًا” (رو 4 : 18 -21).
أما عدم الإيمان فهو يرتاب فيما وعد به الله لأن مقاييسه مادية لا تؤمن بغير المنظور، ولا تثق في أن الله قادر على تغيير كل الظروف بقدرة تفوق المألوف … وأمامنا صورة لشخصية عديم الإيمان في جندي كان ملك إسرائيل يستند على يده، إذ سمع نبوة إليشع بخصوص الدقيق والشعير هز رأسه وقال متهكماً “وَإِنَّ جُنْدِيًّا لِلْمَلِكِ كَانَ يَسْتَنِدُ عَلَى يَدِهِ أَجَابَ رَجُلَ اللهِ وَقَالَ: هُوَذَا الرَّبُّ يَصْنَعُ كُوًى فِي السَّمَاءِ! هَلْ يَكُونُ هذَا الأَمْرُ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ تَرَى بِعَيْنَيْكَ، وَلكِنْ لاَ تَأْكُلُ مِنْهُ” (2 مل 7 : 2).
وقد كان !! لأن الرب أسمع جيش الأراميين المحاصر صوت مركبات، وصوت خيل، صوت جيش عظيم فقالوا الواحد لأخيه هوذا ملك إسرائيل قد إستأجر ضدنا ملوك الحثيين وملوك المصريين ليأتوا علينا فقاموا وهربوا في العشاء وتركوا خيامهم وخيلهم وحميرهم. المحلة كما هي، وهربوا لأجل نجاة أنفسهم، وإكتشف أربعة رجال برص الأمر وأخبروا ملك إسرائيل، وتحقق الملك الخبر بواسطة رسله “فَخَرَجَ الشَّعْبُ وَنَهَبُوا مَحَلَّةَ الأَرَامِيِّينَ. فَكَانَتْ كَيْلَةُ الدَّقِيقِ بِشَاقِل، وَكَيْلَتَا الشَّعِيرِ بِشَاقِل حَسَبَ كَلاَمِ الرَّبِّ” (2مل 7 : 16).
والآن ! ما الذي حصل للجندي العديم الإيمان ؟ إسمع ماذا يقول الكتاب :
” وَأَقَامَ الْمَلِكُ عَلَى الْبَابِ الْجُنْدِيَّ الَّذِي كَانَ يَسْتَنِدُ عَلَى يَدِهِ، فَدَاسَهُ الشَّعْبُ فِي الْبَابِ، فَمَاتَ كَمَا قَالَ رَجُلُ اللهِ الَّذِي تَكَلَّمَ عِنْدَ نُزُولِ الْمَلِكِ إِلَيْهِ” (2مل 7 : 17).
وكان موته عقاباً له على ارتيابه وعدم إيمانه في كلمة الله، فعدم الإيمان يحرمنا من البركات المادية، والبركات الروحية، ومن بركة الشفاء الإلهي لأجسادنا المريضة . ولذا فنحن نقرأ عن الرب حين جاء إلى وطنه أنه “وَلَمْ يَصْنَعْ هُنَاكَ قُوَّاتٍ كَثِيرَةً لِعَدَمِ إِيمَانِهِمْ” (مت 13 : 58) “وَتَعَجَّبَ مِنْ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ. وَصَارَ يَطُوفُ الْقُرَى الْمُحِيطَةَ يُعَلِّمُ” (مر 6 : 6)
وكما يسيء عدم الإيمان إلى حياتنا، كذلك تحرمنا قلة الإيمان الكثير من سلامنا، ولذلك تحدث الرب في أربع مناسبات لتلاميذه موبخاً إياهم على (قلة إيمانهم)
وكانت المناسبة الأولى : حين دخل السفينة مع تلاميذه :
” وَلَمَّا دَخَلَ السَّفِينَةَ تَبِعَهُ تَلاَمِيذُهُ. وَإِذَا اضْطِرَابٌ عَظِيمٌ قَدْ حَدَثَ فِي الْبَحْرِ حَتَّى غَطَّتِ الأَمْوَاجُ السَّفِينَةَ، وَكَانَ هُوَ نَائِمًا. فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: يَا سَيِّدُ، نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِكُ! فَقَالَ لَهُمْ: مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ ثُمَّ قَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ، فَصَارَ هُدُوٌ عَظِيمٌ. فَتَعَجَّبَ النَّاسُ قَائِلِينَ: أَيُّ إِنْسَانٍ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ جَمِيعًا تُطِيعُهُ” (مت 8 : 23 -27)
“وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ دَخَلَ سَفِينَةً هُوَ وَتَلاَمِيذُهُ، فَقَالَ لَهُمْ: لِنَعْبُرْ إِلَى عَبْرِ الْبُحَيْرَةِ. فَأَقْلَعُوا. وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ نَامَ. فَنَزَلَ نَوْءُ رِيحٍ فِي الْبُحَيْرَةِ، وَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مَاءً وَصَارُوا فِي خَطَرٍ. فَتَقَدَّمُوا وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: يَا مُعَلِّمُ، يَا مُعَلِّمُ، إِنَّنَا نَهْلِكُ!. فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَتَمَوُّجَ الْمَاءِ، فَانْتَهَيَا وَصَارَ هُدُوُّ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيْنَ إِيمَانُكُمْ؟ فَخَافُوا وَتَعَجَّبُوا قَائِلِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ الرِّيَاحَ أَيْضًا وَالْمَاءَ فَتُطِيعُهُ” (لو 8 : 22 – 25)
وكأنه بهذا التوبيخ أراد أن يريهم أن الإيمان ينزع الخوف من القلب وقت الشدة والخطر، ويعطي للمؤمن أن يرى النور في حلكة الظلام .
أما المناسبة الثانية : فكانت حين دخل التلاميذ السفينة وحدهم :
وصارت السفينة وسط البحر وكانت معذبة من الأمواج لأن الريح كانت مضادة وفي الهزيع الرابع من الليل بعد أن فقد التلاميذ كل أمل في المعونة البشرية مضى إليهم يسوع ماشياً على البحر …. ومن عجب أن التلاميذ عندما أبصروه اضطربوا قائلين عنه خيال ومن الخوف صرخوا، حتى طمأنهم يسوع بالكلمات :
“وَلِلْوَقْتِ أَلْزَمَ يَسُوعُ تَلاَمِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا السَّفِينَةَ وَيَسْبِقُوهُ إِلَى الْعَبْرِ حَتَّى يَصْرِفَ الْجُمُوعَ. وَبَعْدَمَا صَرَفَ الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ مُنْفَرِدًا لِيُصَلِّيَ. وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ كَانَ هُنَاكَ وَحْدَهُ. وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ فِي وَسْطِ الْبَحْرِ مُعَذَّبَةً مِنَ الأَمْوَاجِ. لأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ مُضَادَّةً. وَفِي الْهَزِيعِ الرَّابعِ مِنَ اللَّيْلِ مَضَى إِلَيْهِمْ يَسُوعُ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ. فَلَمَّا أَبْصَرَهُ التَّلاَمِيذُ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ اضْطَرَبُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ خَيَالٌ. وَمِنَ الْخَوْفِ صَرَخُوا! فَلِلْوَقْتِ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ قِائِلًا: تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا. فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ وَقَالَ: يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ، فَمُرْني أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ: تَعَالَ. فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ لِيَأْتِيَ إِلَى يَسُوعَ. وَلكِنْ لَمَّا رَأَى الرِّيحَ شَدِيدَةً خَافَ. وَإِذِ ابْتَدَأَ يَغْرَقُ، صَرَخَ قِائِلًا: يَا رَبُّ، نَجِّنِي!. فَفِي الْحَالِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟ وَلَمَّا دَخَلاَ السَّفِينَةَ سَكَنَتِ الرِّيحُ. وَالَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ” (مت 14 : 22 -33).
وهنا تحرك بطرس بعواطفه المندفعة وقال له « يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ، فَمُرْني أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَلَى الْمَاءِ» وقال له السيد ( تعال) ونزل بطرس من السفينة ومشى على الماء ليأتي إلى يسوع … وظل ماشياً في هدوء والماء تحته في سكون جامد حتى حول نظره عن سيده، وبدأ ينظر إلى الريح (وَلكِنْ لَمَّا رَأَى الرِّيحَ شَدِيدَةً خَافَ) والخوف والإيمان لا يجتمعان … فلما دخله الخوف بدأ يغرق وسط الأمواج الهائجة (وَإِذِ ابْتَدَأَ يَغْرَقُ، صَرَخَ قِائِلًا: يَا رَبُّ، نَجِّنِي) وما أجمل هذه الصرخة عندما تخرج من القلب الذي بدأ الشك يغزوه، متجهة إلى الرب الذي يخلص من الوهدة من يلجأ إليه من جماعة (الشُكاك) إذ هنا يسجل متى البشير كلماته (فَفِي الْحَالِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟)
وكان هذا توبيخاً لطيفاً من الرب لبطرس الذي حول نظره عنه ونظر إلى الريح المحيطة به …. وهو في ذات الوقت توبيخ لكل من يملأ قلبه الخوف من شدة ظروفه ويحول عينيه عن إلهه .
وتأتي المناسبة الثالثة في حديث السيد له المجد في عظته على جبل ( قرون حطين) :
حين قال لتلاميذه : “لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟ وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ (أي في الفرن) يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ” (مت 6 : 25 -30).
والسيد هنا يأخذنا إلى (هيكل الطبيعة) ليرينا مقدار عناية الآب السماوي بأصغر مخلوقاته، ثم بعد هذه المقدمة يصل إلى نتيجة منطقية يوبخ بها قلة إيماننا في عناية الله بحاجاتنا المادية الزمنية قائلاً ” أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ”.
ونصل الآن إلى المناسبة الأخيرة حين جاء تلاميذه إلى العبر وكانوا قد نسوا أن يأخذوا خبزاً :
“وَلَمَّا جَاءَ تَلاَمِيذُهُ إِلَى الْعَبْرِ نَسُوا أَنْ يَأْخُذُوا خُبْزًا. وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: انْظُرُوا، وَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ. فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ: إِنَّنَا لَمْ نَأْخُذْ خُبْزًا. فَعَلِمَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ أَنَّكُمْ لَمْ تَأْخُذُوا خُبْزًا؟ أَحَتَّى الآنَ لاَ تَفْهَمُونَ؟ وَلاَ تَذْكُرُونَ خَمْسَ خُبْزَاتِ الْخَمْسَةِ الآلاَفِ وَكَمْ قُفَّةً أَخَذْتُمْ؟ وَلاَ سَبْعَ خُبْزَاتِ الأَرْبَعَةِ الآلاَفِ وَكَمْ سَلًا أَخَذْتُمْ؟ كَيْفَ لاَ تَفْهَمُونَ أَنِّي لَيْسَ عَنِ الْخُبْزِ قُلْتُ لَكُمْ أَنْ تَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ؟ حِينَئِذٍ فَهِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنْ يَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْخُبْزِ، بَلْ مِنْ تَعْلِيمِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ” (مت 16 : 5 – 12).
وفي توبيخ السيد هنا يعلن لتلاميذه أن اهتمامهم بالأمور المادية، والطعام الجسدي، قد أغلق عيونهم عن أن ترى المعاني الروحية المذخرة في كلماته إذ ظنوا أنه يتحدث عن الخبز بينما كان يقصد تعليم الفريسيين والصدوقيين، وكم من مرات يُعيق التفكير المادي عقولنا عن فهم مقاصد الله التي يريد أن يعلنها لنا.
والآن بعد أن رأينا ما يعمله عدم الإيمان، وقلة الإيمان، ليتنا نفتح بصيرتنا لنرى ماذا يعمل الإيمان، وسنرى بوضوح أن الإيمان يعمل في دائرتين : دائرة الصلاة، ودائرة الحياة.
عمل الإيمان في دائرة الصلاة
وأول مثال يهمنا أن نتحدث عنه في هذا الصدد، هو صلاة يشوع التي أوقف بها الشمس، وتبدأ قصة هذه الصلاة بالحديث عن الصلح الذي عقده يشوع مع سكان جبعون، وكيف أغضب هذا أدوني صادق ملك أورشليم، فأرسل إلى أصدقائه الملوك “فَاجْتَمَعَ مُلُوكُ الأَمُورِيِّينَ الْخَمْسَةُ: مَلِكُ أُورُشَلِيمَ، وَمَلِكُ حَبْرُونَ، وَمَلِكُ يَرْمُوتَ، وَمَلِكُ لَخِيشَ، وَمَلِكُ عَجْلُونَ، وَصَعِدُوا هُمْ وَكُلُّ جُيُوشِهِمْ وَنَزَلُوا عَلَى جِبْعُونَ وَحَارَبُوهَا” (يش 10 :5).
وعندئذ استنجد أهل جبعون بيشوع، فصعد يشوع من الجلجال هو وجميع رجال الحرب معه :
” فَصَعِدَ يَشُوعُ مِنَ الْجِلْجَالِ هُوَ وَجَمِيعُ رِجَالِ الْحَرْبِ مَعَهُ وَكُلُّ جَبَابِرَةِ الْبَأْسِ. فَقَالَ الرَّبُّ لِيَشُوعَ: لاَ تَخَفْهُمْ، لأَنِّي بِيَدِكَ قَدْ أَسْلَمْتُهُمْ. لاَ يَقِفُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِوَجْهِكَ. فَأَتَى إِلَيْهِمْ يَشُوعُ بَغْتَةً. صَعِدَ اللَّيْلَ كُلَّهُ مِنَ الْجِلْجَالِ. فَأَزْعَجَهُمُ الرَّبُّ أَمَامَ إِسْرَائِيلَ، وَضَرَبَهُمْ ضَرْبَةً عَظِيمَةً فِي جِبْعُونَ، وَطَرَدَهُمْ فِي طَرِيقِ عَقَبَةِ بَيْتِ حُورُونَ، وَضَرَبَهُمْ إِلَى عَزِيقَةَ وَإِلَى مَقِّيدَةَ. وَبَيْنَمَا هُمْ هَارِبُونَ مِنْ أَمَامِ إِسْرَائِيلَ وَهُمْ فِي مُنْحَدَرِ بَيْتِ حُورُونَ، رَمَاهُمُ الرَّبُّ بِحِجَارَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى عَزِيقَةَ فَمَاتُوا. وَالَّذِينَ مَاتُوا بِحِجَارَةِ الْبَرَدِ هُمْ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالسَّيْفِ” (يش 10 : 7 -11)
ورأى يشوع أن النصرة النهائية تقترب، وفي إيمان واثق رفع صلاته التي نقرأها في هذه الكلمات:
“حِينَئِذٍ كَلَّمَ يَشُوعُ الرَّبَّ، يَوْمَ أَسْلَمَ الرَّبُّ الأَمُورِيِّينَ أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ أَمَامَ عُيُونِ إِسْرَائِيلَ: يَا شَمْسُ دُومِي عَلَى جِبْعُونَ، وَيَا قَمَرُ عَلَى وَادِي أَيَّلُونَ” (يش 10 : 12).
فهل دامت الشمس والقمر على جبعون وأيلون كما طلب يشوع؟ هل غيرّ الله نظام الفلك لكي يستجيب صلاة قائد مؤمن يتمم مشيئته ؟!
إن ( عديم الإيمان) يقول : مستحيل!! ولكن المؤمن يثق أن الصلاة قانون إلهي فوق كل القوانين … فكما تعلو الطائرة بالرغم من وجود قانون الجاذبية الأرضية وتطير إلى عنان السماء مستخدمة قوانين الضغط الجوي، كذلك تعلو الصلاة فوق القوانين الطبيعية لأنها تحرك يد الله.
إن هناك فرقاً عظيماً بين المؤمن وغير المؤمن، فغير المؤمن يهتز طرباً لصنع القمر الصناعي ويقول في تبجح جريء : « إن الإنسان هو الإله الخالق القادر على كل شيء، وهو في هذا الموقف يشبه الطفل الصغير الذي عاش طول أيام حياته في بيت كبير، وراح يتنقل من غرفة إلى غرفة، ويصعد السلم، ويتسلق الأشجار ويعتقد أنه سيد هذا البيت، وأنه صانع الأسوار، وخالق النوافذ، ومهندس الأبواب، وعلام الغيوب، وأن الأرض ليس عليها سواه ….. وفجأة يقف هذا الطفل أمام باب، ويدفع الباب، وينفتح الباب على شارع واسع، ويرى الطفل دنيا أخرى غير البيت، فهناك ضجيج السيارات، وحركة المرور، والناس يروحون ويجيئون في مختلف الأزياء.
وهنا يهز الطفل رأسه ويقول : وأنا أيضاً خالق هذه الأشياء … هذه هي عقلية غير المؤمن، أما المؤمن فهو يتخذ من صنع القمر الصناعي دليلاً على أن الإنسان قد مل الحياة على الأرض، وهو يريد الإنطلاق إلى السماء … لأنه في الواقع لا يمكن أن يشبع إلا بخالق السماء كما قال القديس أوغسطينوس « يالله أنت خلقتنا لذاتك ولا تستريح نفوسنا إلا فيك ».
وفوق ذلك فهو يرى أن المعرفة الإنسانية تفتح الآفاق لكنها لا تغير الطبائع والأخلاق ؟ …. والمؤمن لا يهدف إلى محاولة الوصول إلى القمر، أو استكشاف عوالم أخرى، أو غزو الأفلاك العليا، إن نظرته أوسع وأعلى من ذلك بكثير، لأنه يعرف أن الناس لو وصلوا إلى القمر وفيهم عيوب سكان الأرض وأطماعهم وأحقادهم، فسيحولون القمر كما حولوا الأرض إلى بركة من الدماء والدموع، ولذلك فهو يهدف إلى الوصول إلى السماء إلى رب الأفلاك كلها … وهو يعرف أن الوصول إلى السماء يحتاج إلى تغيير جوهري في حياة البشر، لا في تركيبهم الجثماني فقط، بل في تركيبهم الروحي، لكي تصبح حياتهم ملائمة للجو الإلهي الملائكي العلوي الخالي من الشر والأطماع والنجاسات والضغائن والأحقاد … ولذا فهو يؤمن بضرورة (التجديد ) بضرورة (الخلاص من عقاب الخطية وسلطانها )، ويثق أنه بقلبه الجديد العامر بالإيمان يصلي إلى الله، فيسمع له ويستجيب دعاه، ويحول كل ما في هذا الوجود لكي يعمل لخيره ويرعاه.
وهذا هو الإيمان الذي غمر قلب (يشوع)، إنه آمن في قدرة الله، آمن بأنه قادر لا أن يصنع قمراً صناعياً يدور حول الأرض وإنما أن يحول قوانين الجاذبية، والمغناطيسية، والكهربائية لخدمة مؤمن متضايق في حاجة إلى الإنقاذ ولذلك استجاب له الله وسجل الكتاب هذه الإستجابة في الكلمات ” فَدَامَتِ الشَّمْسُ وَوَقَفَ الْقَمَرُ حَتَّى انْتَقَمَ الشَّعْبُ مِنْ أَعْدَائِهِ. أَلَيْسَ هذَا مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ يَاشَرَ؟ فَوَقَفَتِ الشَّمْسُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَلَمْ تَعْجَلْ لِلْغُرُوبِ نَحْوَ يَوْمٍ كَامِل. وَلَمْ يَكُنْ مِثْلُ ذلِكَ الْيَوْمِ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ سَمِعَ فِيهِ الرَّبُّ صَوْتَ إِنْسَانٍ، لأَنَّ الرَّبَّ حَارَبَ عَنْ إِسْرَائِيلَ” (يش 10 : 13 -14).
ولا جدال في أن المؤمن العائش في القرن العشرين يقبل هذه الكلمات بمنطق بسيط هو:
إنه إذا كان الإنسان قد تمكن من صنع الأقمار، فخالق الإنسان في قدرته أن يوقف دورة الفلك بل دورة الحياة.
وهنا ننتقل إلى إختبار ثان يرينا عمل الإيمان في الصلاة هو إختبار الملك ( حزقيا) فقد جاء الملك سنحاريب ملك أشور وصعد على كل مدن يهوذا الحصينة وأخذها، وأرسل ملك أشور رجلاً من رجاله إسمه (ربشاقي ) إلى أورشليم إلى الملك حزقيا بجيش عظيم فوقف عند قناة البركة العليا في طريق حقل القصار “َخَرَجَ إِلَيْهِ أَلِيَاقِيمُ بْنُ حِلْقِيَّا الَّذِي عَلَى الْبَيْتِ، وَشَبْنَةُ الْكَاتِبُ، وَيُوآخُ بْنُ آسَافَ الْمُسَجِّلُ. فَقَالَ لَهُمْ رَبْشَاقَى: قُولُوا لِحَزَقِيَّا: هكَذَا يَقُولُ الْمَلِكُ الْعَظِيمُ مَلِكُ أَشُّورَ: مَا هُوَ هذَا الاتِّكَالُ الَّذِي اتَّكَلْتَهُ” (إش 36 : 4 -5).
وبدأ ربشاقي حديثه بصوت عظيم مهدداً حزقيا وشعبه بالكلمات :
“لاَ يَغُرَّكُمْ حَزَقِيَّا قَائِلًا: الرَّبُّ يُنْقِذُنَا. هَلْ أَنْقَذَ آلِهَةُ الأُمَمِ كُلُّ وَاحِدٍ أَرْضَهُ مِنْ يَدِ مَلِكِ أَشُّورَ؟ أَيْنَ آلِهَةُ حَمَاةَ وَأَرْفَادَ؟ أَيْنَ آلِهَةُ سَفَرْوَايِمَ؟ هَلْ أَنْقَذُوا السَّامِرَةَ مِنْ يَدِي؟ مَنْ مِنْ كُلِّ آلِهَةِ هذِهِ الأَرَاضِي أَنْقَذَ أَرْضَهُمْ مِنْ يَدِي، حَتَّى يُنْقِذَ الرَّبُّ أُورُشَلِيمَ مِنْ يَدِي” (أش 36 : 18 -20).
وبعد أن ألقى هذا التهديد سمع أخباراً اضطرته إلى العودة وقبل أن يعود أرسل رسلاً برسائل إلى حزقيا الملك فيها هذا التهديد المخيف “هكَذَا تُكَلِّمُونَ حَزَقِيَّا مَلِكَ يَهُوذَا قَائِلِينَ: لاَ يَخْدَعْكَ إِلهُكَ الَّذِي أَنْتَ مُتَوَكِّلٌ عَلَيْهِ، قَائِلًا: لاَ تُدْفَعُ أُورُشَلِيمُ إِلَى يَدِ مَلِكِ أَشُّورَ” (إش 37 : 10).
فما الذي يفعله حزقيا في هذا الموقف الخطير الدقيق ؟ هل يسلم بلاده للأعداء؟ هل يخور قلبه ويضعف إيمانه في إلهه ؟ لقد إرتقى حزقيا العرش وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وفي بداية ملكه عمل المستقيم في عيني الرب “مَلَكَ حَزَقِيَّا وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَمَلَكَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فِي أُورُشَلِيمَ، وَاسْمُ أُمِّهِ أَبِيَّةُ بِنْتُ زَكَرِيَّا. وَعَمِلَ الْمُسْتَقِيمَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ حَسَبَ كُلِّ مَا عَمِلَ دَاوُدُ أَبُوهُ. هُوَ فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنْ مُلْكِهِ فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ فَتَحَ أَبْوَابَ بَيْتِ الرَّبِّ وَرَمَّمَهَا” (2 أخ 29 : 1 -3).
وأدخل الكهنة واللاويين، وأخرج النجاسة من القدس وقال لخدام العلي كلماته المشهورة:
” فَالآنَ فِي قَلْبِي أَنْ أَقْطَعَ عَهْدًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ فَيَرُدُّ عَنَّا حُمُوَّ غَضَبِهِ. يَا بَنِيَّ، لاَ تَضِلُّوا الآنَ لأَنَّ الرَّبَّ اخْتَارَكُمْ لِكَيْ تَقِفُوا أَمَامَهُ وَتَخْدِمُوهُ وَتَكُونُوا خَادِمِينَ وَمُوقِدِينَ لَهُ” (2 أخ 29 : 10 -11).
والآن جاء وقت المحنة الكبرى، وإذ بالملك يجد أبواب بيت الله التي فتحها مفتوحة أمامه . وطوبى لمن يلجأ لله في وقت إطمئنانه لكي يجده قريباً منه في ساعة شدته.
أنظر ماذا فعل حزقيا في ظرفه الدقيق ؟ “فَأَخَذَ حَزَقِيَّا الرَّسَائِلَ مِنْ يَدِ الرُّسُلِ وَقَرَأَهَا، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ، وَنَشَرَهَا حَزَقِيَّا أَمَامَ الرَّبِّ، وَصَلَّى حَزَقِيَّا إِلَى الرَّبِّ قَائِلًا: يَا رَبَّ الْجُنُودِ، إِلهَ إِسْرَائِيلَ الْجَالِسَ فَوْقَ الْكَرُوبِيمِ، أَنْتَ هُوَ الإِلهُ وَحْدَكَ لِكُلِّ مَمَالِكِ الأَرْضِ. أَنْتَ صَنَعْتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. أَمِلْ يَا رَبُّ أُذُنَكَ وَاسْمَعِ. افْتَحْ يَا رَبُّ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ، وَاسْمَعْ كُلَّ كَلاَمِ سَنْحَارِيبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ لِيُعَيِّرَ اللهَ الْحَيَّ. حَقًّا يَا رَبُّ إِنَّ مُلُوكَ أَشُّورَ قَدْ خَرَّبُوا كُلَّ الأُمَمِ وَأَرْضَهُمْ، وَدَفَعُوا آلِهَتَهُمْ إِلَى النَّارِ، لأَنَّهُمْ لَيْسُوا آلِهَةً بَلْ صَنْعَةُ أَيْدِي النَّاسِ، خَشَبٌ وَحَجَرٌ، فَأَبَادُوهُمْ. وَالآنَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُنَا خَلِّصْنَا مِنْ يَدِهِ، فَتَعْلَمَ مَمَالِكُ الأَرْضِ كُلِّهَا أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ وَحْدَكَ” (أش 37 : 14 -20).
فهل سمع الرب صلاة حزقيا؟ هل قرأ الرسائل التي نشرها حزقيا أمامه؟ هل تدخل بعنايته وقدرته لمعونة هذا الشخص المتضايق المهموم ؟
يقيناً إنه فعل، فقد أرسل النبي إشعياء بن آموص إلى حزقيا قائلاً :
“فَأَرْسَلَ إِشَعْيَاءُ بْنُ آمُوصَ إِلَى حَزَقِيَّا قَائِلًا: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي صَلَّيْتَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ سَنْحَارِيبَ مَلِكِ أَشُّورَ…. لِذلِكَ هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ عَنْ مَلِكِ أَشُّورَ: لاَ يَدْخُلُ هذِهِ الْمَدِينَةَ، وَلاَ يَرْمِي هُنَاكَ سَهْمًا، وَلاَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا بِتُرْسٍ، وَلاَ يُقِيمُ عَلَيْهَا مِتْرَسَةً. فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ يَرْجعُ، وَإِلَى هذِهِ الْمَدِينَةِ لاَ يَدْخُلُ، يَقُولُ الرَّبُّ. وَأُحَامِي عَنْ هذِهِ الْمَدِينَةِ لأُخَلِّصَهَا مِنْ أَجْلِ نَفْسِي، وَمِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي” ( إش 37 : 21 و 33 -35).
وأنظر هذا الفعل الرهيب “فَخَرَجَ مَلاَكُ الرَّبِّ وَضَرَبَ مِنْ جَيْشِ أَشُّورَ مِئَةً وَخَمْسَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا. فَلَمَّا بَكَّرُوا صَبَاحًا إِذَا هُمْ جَمِيعًا جُثَثٌ مَيِّتَةٌ. فَانْصَرَفَ سَنْحَارِيبُ مَلِكُ أَشُّورَ وَذَهَبَ رَاجِعًا وَأَقَامَ فِي نِينَوَى. وَفِيمَا هُوَ سَاجِدٌ فِي بَيْتِ نِسْرُوخَ إِلهِهِ ضَرَبَهُ أَدْرَمَّلَكُ وَشَرْآصَرُ ابْنَاهُ بِالسَّيْفِ، وَنَجَوَا إِلَى أَرْضِ أَرَارَاطَ. وَمَلَكَ أَسَرْحَدُّونَ ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ” (إش 37 : 36 – 38).
فهل رأيت مدى تأثير صلاة الإيمان ؟ وهل يدفعك هذا إلى نشر همومك وآلامك وأحزانك في حضرة الله كما نشر حزقيا رسائل التهديد قدامه ؟ ليتك تفعل وتستريح من أتعابك، وتختبر كلمات الرسول بطرس “مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ” (1 بط 5 :7).
ولنأت الآن إلى الإختبار الثاني في حياة حزقيا ونقرأ عنه في هذه الآيات :
“فِي تِلْكَ الأَيَّامِ مَرِضَ حَزَقِيَّا لِلْمَوْتِ، فَجَاءَ إِلَيْهِ إِشَعْيَاءُ بْنُ آمُوصَ النَّبِيُّ وَقَالَ لَهُ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: أَوْصِ بَيْتَكَ لأَنَّكَ تَمُوتُ وَلاَ تَعِيشُ” (إش 38 : 1).
فهل يقدر حزقيا أن يغير يوم موته ؟ هل يستطيع أن يأخذ من الله وعداً بمد سنوات على عمره؟ إن عديم الإيمان يقول : مستحيل !! أما المؤمن فعنده سلاح الصلاة (والصلاة تغير الأشياء ).
وإسمع ماذا فعل حزقيا “فَوَجَّهَ حَزَقِيَّا وَجْهَهُ إِلَى الْحَائِطِ وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: آهِ يَا رَبُّ، اذْكُرْ كَيْفَ سِرْتُ أَمَامَكَ بِالأَمَانَةِ وَبِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَفَعَلْتُ الْحَسَنَ فِي عَيْنَيْكَ. وَبَكَى حَزَقِيَّا بُكَاءً عَظِيمًا” (إش 38 : 2 -3).
فهل سمع الله هذه الصلاة التي تطلب المستحيل ؟ وهل رأى هذه الدموع ؟
أجل وبكل يقين، وهذا ما يقوله الكتاب العظيم “فَصَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى إِشَعْيَاءَ قَائِلًا: اذْهَبْ وَقُلْ لِحَزَقِيَّا: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ دَاوُدَ أَبِيكَ: قَدْ سَمِعْتُ صَلاَتَكَ. قَدْ رَأَيْتُ دُمُوعَكَ. هأَنَذَا أُضِيفُ إِلَى أَيَّامِكَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً” (إش 38 : 4 -5).
وهكذا يعمل الإيمان في دائرة الصلاة، ويذكرنا في هذه المناسبة بهذه الآيات :
” لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ” (مر 11 : 24).
” اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا. طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا. كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا، وَصَلَّى صَلاَةً أَنْ لاَ تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ عَلَى الأَرْضِ ثَلاَثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ . ثُمَّ صَلَّى أَيْضًا، فَأَعْطَتِ السَّمَاءُ مَطَرًا، وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ ثَمَرَهَا” (يع 5 : 16 -17).
ونستمر في سيرنا مع الكتاب حتى نصل إلى قصة قائد المئة صاحب الإيمان العظيم ونقرأ القصة في بشارة متى في هذه الكلمات :
“وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ كَفْرَنَاحُومَ، جَاءَ إِلَيْهِ قَائِدُ مِئَةٍ يَطْلُبُ إِلَيْهِ. وَيَقُولُ: يَا سَيِّدُ، غُلاَمِي مَطْرُوحٌ فِي الْبَيْتِ مَفْلُوجًا مُتَعَذِّبًا جِدًّا. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا آتِي وَأَشْفِيهِ. فَأَجَابَ قَائِدُ الْمِئَةِ وَقَالَ: يَا سَيِّدُ، لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَأَ غُلاَمِي. لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ. لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. أَقُولُ لِهذَا: اذْهَبْ! فَيَذْهَبُ، وَلآخَرَ: ائْتِ! فَيَأْتِي، وَلِعَبْدِيَ: افْعَلْ هذَا! فَيَفْعَلُ” (مت 8 : 5 -9).
وإنظر مدى إتساع أفق إيمان هذا الرجل !! لقد آمن ( باللاسلكي) قبل أن يولد (ماركوني ) بمئات السنين، آمن أن يسوع قادر أن يوصل كلمته إلى الغلام المريض في غرفته بغير أسلاك، فتعمل هذه الكلمة عملها ويشفى الغلام …. بل آمن أن في ملكوت السموات حركة حية وأن الملائكة يشتغلون في طاعة خالقهم القدوس …. وقد قدَّر المسيح هذا النوع الفريد من الإيمان، بل تعجب من عظمة هذا الإيمان ” فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ تَعَجَّبَ، وَقَالَ لِلَّذِينَ يَتْبَعُونَ: اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا “ (مت 8 : 10)
أجل ! لقد فاق إيمان قائد المئة الروماني كل إيمان عداه، وقد كافأ الرب هذا الإيمان العظيم فقال لقائد المئة “ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ: اذْهَبْ، وَكَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ. فَبَرَأَ غُلاَمُهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ” (مت 8 : 13).
ومع وجود معجزات كثيرة أجراها المسيح بواسطة صلاة الإيمان مثل شفاء الرجل المفلوج:
” ثُمَّ دَخَلَ كَفْرَنَاحُومَ أَيْضًا بَعْدَ أَيَّامٍ، فَسُمِعَ أَنَّهُ فِي بَيْتٍ. وَلِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ الْبَابِ. فَكَانَ يُخَاطِبُهُمْ بِالْكَلِمَةِ. وَجَاءُوا إِلَيْهِ مُقَدِّمِينَ مَفْلُوجًا يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ. وَإِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْجَمْعِ، كَشَفُوا السَّقْفَ حَيْثُ كَانَ. وَبَعْدَ مَا نَقَبُوهُ دَلَّوُا السَّرِيرَ الَّذِي كَانَ الْمَفْلُوجُ مُضْطَجِعًا عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ، قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ. وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ هُنَاكَ جَالِسِينَ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ: لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا هكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟ فَلِلْوَقْتِ شَعَرَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُمْ يُفَكِّرُونَ هكَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ لِلْمَفْلُوجِ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ؟ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا. قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: لَكَ أَقُولُ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ” (مر 2 : 1 -11)
وشفاء حماة بطرس من الحمى “وَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَجْمَعِ جَاءُوا لِلْوَقْتِ إِلَى بَيْتِ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ مَعَ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَكَانَتْ حَمَاةُ سِمْعَانَ مُضْطَجِعَةً مَحْمُومَةً، فَلِلْوَقْتِ أَخْبَرُوهُ عَنْهَا. فَتَقَدَّمَ وَأَقَامَهَا مَاسِكًا بِيَدِهَا، فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى حَالًا وَصَارَتْ تَخْدِمُهُمْ” (مر 1 : 29 -31).
وإقامة ابنة يايرس “وَإِذَا وَاحِدٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمَجْمَعِ اسْمُهُ يَايِرُسُ جَاءَ. وَلَمَّا رَآهُ خَرَّ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ كَثِيرًا قَائِلًا: ابْنَتِي الصَّغِيرَةُ عَلَى آخِرِ نَسَمَةٍ. لَيْتَكَ تَأْتِي وَتَضَعُ يَدَكَ عَلَيْهَا لِتُشْفَى فَتَحْيَا!. فَمَضَى مَعَهُ وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَكَانُوا يَزْحَمُونَهُ. وَامْرَأَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ تَأَلَّمَتْ كَثِيرًا مِنْ أَطِبَّاءَ كَثِيرِينَ، وَأَنْفَقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا وَلَمْ تَنْتَفِعْ شَيْئًا، بَلْ صَارَتْ إِلَى حَال أَرْدَأَ. لَمَّا سَمِعَتْ بِيَسُوعَ، جَاءَتْ فِي الْجَمْعِ مِنْ وَرَاءٍ، وَمَسَّتْ ثَوْبَهُ، لأَنَّهَا قَالَتْ: إِنْ مَسَسْتُ وَلَوْ ثِيَابَهُ شُفِيتُ. فَلِلْوَقْتِ جَفَّ يَنْبُوعُ دَمِهَا، وَعَلِمَتْ فِي جِسْمِهَا أَنَّهَا قَدْ بَرِئَتْ مِنَ الدَّاءِ. فَلِلْوَقْتِ الْتَفَتَ يَسُوعُ بَيْنَ الْجَمْعِ شَاعِرًا فِي نَفْسِهِ بِالْقُوَّةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ، وَقَالَ: مَنْ لَمَسَ ثِيَابِي؟ فَقَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: أَنْتَ تَنْظُرُ الْجَمْعَ يَزْحَمُكَ، وَتَقُولُ: مَنْ لَمَسَنِي؟ وَكَانَ يَنْظُرُ حَوْلَهُ لِيَرَى الَّتِي فَعَلَتْ هذَا.وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَجَاءَتْ وَهِيَ خَائِفَةٌ وَمُرْتَعِدَةٌ، عَالِمَةً بِمَا حَصَلَ لَهَا، فَخَرَّتْ وَقَالَتْ لَهُ الْحَقَّ كُلَّهُ. فَقَالَ لَهَا: يَا ابْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ، اذْهَبِي بِسَلاَمٍ وَكُونِي صَحِيحَةً مِنْ دَائِكِ. وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ جَاءُوا مِنْ دَارِ رَئِيسِ الْمَجْمَعِ قَائِلِينَ: ابْنَتُكَ مَاتَتْ. لِمَاذَا تُتْعِبُ الْمُعَلِّمَ بَعْدُ؟ فَسَمِعَ يَسُوعُ لِوَقْتِهِ الْكَلِمَةَ الَّتِي قِيلَتْ، فَقَالَ لِرَئِيسِ الْمَجْمَعِ: لاَ تَخَفْ! آمِنْ فَقَطْ. وَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَتْبَعُهُ إِلاَّ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ، وَيُوحَنَّا أَخَا يَعْقُوبَ. فَجَاءَ إِلَى بَيْتِ رَئِيسِ الْمَجْمَعِ وَرَأَى ضَجِيجًا. يَبْكُونَ وَيُوَلْوِلُونَ كَثِيرًا. فَدَخَلَ وَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تَضِجُّونَ وَتَبْكُونَ؟ لَمْ تَمُتِ الصَّبِيَّةُ لكِنَّهَا نَائِمَةٌ. فَضَحِكُوا عَلَيْهِ. أَمَّا هُوَ فَأَخْرَجَ الْجَمِيعَ، وَأَخَذَ أَبَا الصَّبِيَّةِ وَأُمَّهَا وَالَّذِينَ مَعَهُ وَدَخَلَ حَيْثُ كَانَتِ الصَّبِيَّةُ مُضْطَجِعَةً، وَأَمْسَكَ بِيَدِ الصَّبِيَّةِ وَقَالَ لَهَا: طَلِيثَا، قُومِي!. الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا صَبِيَّةُ، لَكِ أَقُولُ: قُومِي! وَلِلْوَقْتِ قَامَتِ الصَّبِيَّةُ وَمَشَتْ، لأَنَّهَا كَانَتِ ابْنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. فَبُهِتُوا بَهَتًا عَظِيمًا” (مر 5 : 22 -42).
وشفاء بارتيماوس الأعمى ابن تيماوس “وَجَاءُوا إِلَى أَرِيحَا. وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ أَرِيحَا مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَجَمْعٍ غَفِيرٍ، كَانَ بَارْتِيمَاوُسُ الأَعْمَى ابْنُ تِيمَاوُسَ جَالِسًا عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ، ابْتَدَأَ يَصْرُخُ وَيَقُولُ: يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي! فَانْتَهَرَهُ كَثِيرُونَ لِيَسْكُتَ، فَصَرَخَ أَكْثَرَ كَثِيرًا: يَا ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!. فَوَقَفَ يَسُوعُ وَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى. فَنَادَوُا الأَعْمَى قَائِلِينَ لَهُ: ثِقْ! قُمْ! هُوَذَا يُنَادِيكَ. فَطَرَحَ رِدَاءَهُ وَقَامَ وَجَاءَ إِلَى يَسُوعَ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟ فَقَالَ لَهُ الأَعْمَى: يَا سَيِّدِي، أَنْ أُبْصِرَ!. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: اذْهَبْ. إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ. فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَ، وَتَبِعَ يَسُوعَ فِي الطَّرِيقِ” (مر 10 : 46 -52).
إلا أن قصة المرأة الكنعانية تلمع بنور شديد وسط هذه المعجزات وتُرينا مدى ما يستطيع الإيمان أن يعمله في دائرة الصلاة، فهذه المرأة الكنعانية كانت ابنتها مجنونة فجاءت صارخة إلى السيد “وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً: ارْحَمْنِي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدًّا” (مت 15 : 22).
ويقيناً ان هذه المرأة الغريبة الجنس، لم يكن لها أي حق في أن تطلب من المسيح الرحمة بإعتباره ابن داود، ولذا فنحن نقرأ “فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ” (مت 15 : 23).
ومعنى هذه العبارة أنه سكت عن إستجابة صلاتها، لأنها رفعتها في غير الطريق السليم وكم من مرات يفشل الكثيرون حينما تسكت السماء إلى حين عن سماع صلواتهم الممزوجة بالتنهد والأنين.
قالت لي سيدة كريمة :«لقد توقفت عن الصلاة لأجل ابنتي، صليت من أجلها بدموع، كان قلبي ينسحق أمام الله في صلاتي، وكنت أسكب نفسي أمام الله ولكنه لم يستمع لصوتي، ولذا فقد أبطلت الصلاة.
أما هذه المرأة الكنعانية فلم تفعل ذلك، إنها استمرت تصرخ إلى الرب، ولم تتوقف عن الصلاة لأجل إبنتها حتى تقدم التلاميذ إلى السيد قائلين “فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: اصْرِفْهَا، لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا! فَأَجَابَ وَقَالَ: لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ” (مت 15 : 23 -24).
وكأنه يعلن بهذه الكلمات أن التدبير الإلهي للخلاص يبدأ من اليهودية، وأن وقت الأمم لم يحن بعد، ولكن المرأة ذات الإيمان الفذ استمرت في لجاجتها “فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: يَا سَيِّدُ، أَعِنِّي” (مت 15 : 25).
وهنا أجابها السيد إجابة تبدو قاسية في مظهرها، لكنها تتفق مع الإصطلاحات اليهودية المألوفة عندها إذ قال لها ” فَأَجَابَ وَقَالَ: لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب” (مت 15 : 26). وكلمة (الكلاب) جاءت في الأصل اليوناني (الكليب) بالتصغير، وهذا يدل على أن المسيح لم يعن الكلاب الكبيرة المحسوبة نجسة، إنما قصد الكليب الصغير الذي يتدلل عادة على ركبتي أصحابه، ويطعم من جيد موائدهم. وقد أنار إيمان هذه المراة بصيرتها فرأت ما عناه السيد بكلماته وهتفت وهي ترى في هذه الكلمات التي يحسبها البعض قاسية خشنة وعداً إلهياً مباركاً “فَقَالَتْ: نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا” (مت 15 : 27).
وأنظر كيف كافأ السيد له المجد هذا الإيمان، إنه التفت إلى المرأة الغريبة الجنس وقال لها “حِينَئِذٍ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ. فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ” (مت 15 :28). وهذا ما يحدث في كل مرة يشتغل فيها ( الإيمان العظيم).
فهل تلجأ في ظروفك المعقدة إلى الله؟ وهل ترتمي في ساعة حاجتك عند قدميه؟ وهل تصرخ إليه عندما يمرض أحد أفراد بيتك؟ إصغ إلى كلمات يعقوب الرسول ” أَعَلَى أَحَدٍ بَيْنَكُمْ مَشَقَّاتٌ؟ فَلْيُصَلِّ. أَمَسْرُورٌ أَحَدٌ؟ فَلْيُرَتِّلْ. أَمَرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ؟ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ الْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ بِاسْمِ الرَّبِّ، وَصَلاَةُ الإِيمَانِ تَشْفِي الْمَرِيضَ، وَالرَّبُّ يُقِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ خَطِيَّةً تُغْفَرُ لَهْ. اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا. طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا” (يع 5 : 13 – 16).
يحتفظ لنا التاريخ بقصة عن إمراة عجوز فقيرة كانت تعيش في لندن، وكانت تعمل في غسل الثياب وكيها، كان لها ابن، وكانت تحبه، ولكنه تركها وهرب ليشتغل بحاراً، ولمدة سنوات لم تر الأم ولدها الحبيب.
كانت هذه المرأة مكرسة للرب تكريساً تاماً، وقد صلت كثيراً لأجل ابنها، صلت تلك الصلوات المعروفة (بصلوات الأمهات) والصلاة لا يمكن أن ترجع فارغة …. كانت تركع مراراً فتمتزج دموعها …. بتنهداتها … بكلماتها وهي تصلي لأجل ابنها (جون) البحار الذي لم تكن تعرف مكانه.
واستجيبت صلاتها طبعاً، لأنه لا يمكن أن تفشل صلاة بسيطة حقيقية خارجة من القلب … (لا يمكن ) وهكذا تجدد ابنها جون وقَبِل يسوع، وبعد تجديده بدأ يخبر الآخرين عن (يسوع ) حتى عُرف بإسم (واعظ لندن البحار) وقد استخدم الرب ( جون نيوتن الواعظ البحار) في إرجاع الألوف للمسيح، وأنا أقول هذا بدون مبالغة .
وبين ألوف الذين رجعوا للمسيح بواسطته، كان هناك رجل إسمه (توماس سكوت) … كان مثقفاً، وعالماً كبيراً، وأديباً من طراز ممتاز، وكان يعتقد أنه بحالته تلك وبآدابه الرفيعة لا يحتاج إلي (المخلص) ولكن جون نيوتن إستطاع أن يلمس قلبه وأن يربحه للمسيح، ومن ذلك اليوم بدأ (توماس سكوت) يعمل لأجل المسيح بقلمه ولسانه، وربح هو الآخر عدة ألوف للمسيح، وبين هذه الألوف وجد رجل ممعود، مصاب بداء الكآبة الساكتة، شرير إلى الغاية إسمه (كوبر) كان على عكس سكوت يعتقد أنه اردأ من أن يخلصه الرب، ولكن ( سكوت) لمس قلبه وجاء به إلى يسوع، فوجد في ينبوع الدم المفتوح تطهيراً لخطاياه. ونال إختبار التجديد عن طريق الدم وكتب ترنيمته المشهورة :
لي غنوة أحـب دوماَ أن أغـــنيهـا
لملكي فادي نفسي شـافيها راعيها
مذ بالدم فــديت بإسـمه أنتـصر
مذ بالدم فــديت بمخـلصي أفتخر
وقد كان لهذه الترنيمة تأثيرها المبارك في أيامها، وكانت سبباً في خلاص الألوف.
وربح (كوبر ) من بين الألوف التي ربحها رجلاً إسمه (ولبرفورس) كان سياسياً بارعاً، وكان نشيطاً، وقد صار بعد تجديده واعظاً محبوباً في كنيسته، وقد ربح (ولبرفورس) ألوفاً عديدة للمسيح من الطبقة المتوسطة والعليا. وأوحى للإمبراطورية أن تحرر عبيدها.
ومن بين الألوف التي ربحها (ولبرفورس) قسيس إحدى الكنائس الإنجليزية إسمه (رتشموند) تجدد هذا القسيس على يديه، وعرف قصة فتاة كان أبوها بائعاً للبن، وكانت متمتعة بلمسة ممتازة من قوة الله. وكتب القسيس قصتها في كتيب صغير تحت عنوان ( ابنة بائع اللبن) واشتهرت هذه القصة في تلك الأيام حتى ترجمت إلى أربعين لغة، ودخلت بيوت العظماء والصعاليك وكانت تحدث في كل بيت تدخله لهيباً سماوياً، وآلاف من النفوس أثرت فيها هذه القصة وغيرتها. فمن هي الواسطة التي إستخدمها الرب لخلاص هؤلاء جميعاً ؟
إن كل هذا الذي حدث، كان بواسطة إمراة عجوز، متعبة الجسد، تشتغل في غسل الملابس وكيها …. وكانت هذه المرأة تصلي من أجل ابنها جون، واستمرت تصلي حتى عاد جون إلى الرب ثم إليها …. وبواسطته رجعت الألوف للرب .
والرب الجالس على العرش، والذي نزل من العرش إلى الصليب ثم عاد إلى عرشه، يمكن أن يقول عنها « هذه المرأة كانت صديقتي وبواسطة صلاتها استطعت أن أحرر الألوف من ربقة الخطية» وهذا هو عمل الإيمان في دائرة الصلاة.
عمل الإيمان في دائرة الحياة
عندما نتحدث عن عمل الإيمان في دائرة حياة المؤمنين، سنجد أنفسنا حتماً في موكب تحوطه الروعة، والحب، والمجد، والجلال … إنه موكب تلمع وجوه أصحابه بسعادة الإيمان الذي يخدم الآخرين، وأول أخت تقابلنا في هذا الموكب الجليل هي :
ماما ليليان
وماما ليليان هي ( الأخت ليليان تراشر) مؤسسة ملجأ الأيتام بأسيوط ذلك الملجأ الذي يأوي المئات من اليتامى والأرامل والبؤساء والعاجزين ….
إننا سنجلس إلى ( ماما ليليان ) وندعها تقص علينا القليل من اختباراتها. إسمعها وهي تسرد قصة دعوتها للمجيء إلى مصر فتقول :
« كان عمري وقتئذ يناهز الثالثة والعشرين، وفي ليلة من الليالي ذهبت إلى إجتماع كانت تتكلم فيه مرسلة أمريكية عقب رجوعها من الهند، وكان حديثها عن الحاجة إلى أشخاص يكرسون أنفسهم لخدمة الرب، وما أن سمعتها تتكلم حتى سمعت صوتاً في قلبي يناديني أن أذهب إلى أفريقيا، ولما كنت قد صرفت كل ما أمتلك استعداداً لحفلة زفافي التي كان ميعادها بعد عشرة أيام من تلك الليلة الخالدة في تاريخ حياتي. لم يتبق معي سوى جنيه واحد، ولكن ماذا يفيد هذا المبلغ الضئيل ؟!
أصبحت بين نارين، بين أن أفضل الزواج على إطاعة دعوة الله، وبين أن أطيع أمر الله وأرفض الزواج !! وأخيراً قررت أن أعرض على خطيبي أن يرافقني إلى أفريقيا لخدمة الرب، فرفض أن يأتي معي فتركته وخضعت لأمر إلهي.
كنت أعمل في ذلك الوقت كمساعدة لمس (ماتي بيري) في ملجأها في ماريون بكارولينا، فلما جاءتني دعوة الله جهزت حقيبتي استعداداً للرحيل، وأخبرت أصدقائي بعزمي على السفر، فساعدني بعضهم بمبلغ وصل إلى ثلثمائة وستين قرشاً، وأخبروني عن مؤتمر يعقد للمراسلات في بيتسبرج ففكرت أن أذهب إلى هناك لأجمع بعض المعلومات عن الخدمة من المرسلات، وقلت في نفسي :« عسى أن أهتدي هناك إلى أي جهة من أفريقيا يريدني الله أن أذهب».
أودعت نقودي عند مس (ماتي بيري) وهذه حفظتها في درجها، ولما كانت أخت مس بيري مدينة بمبلغ لأحد الناس، وكانت تجهل أن النقود تخصني، سددت دينها بنقودي، والعجيب أنني لم أسمع بما حصل إلا ساعة استعدادي للسفر، لكن أصدقائي بذلوا ما في وسعهم لمساعدتي إلا أنهم لم يستطيعوا إحياء مبلغي الصغير.
تأهبت للرحيل، ولكن ثمن التذكرة كان ناقصاً، ورأيت أنني سألقي حزناً على قلوب من خفوا لتوديعي إذا رأوني إنثنيت عن عزمي، فارتأيت أن أقطع المرحلة التي تكفيها نقودي، وسألت بعض الناس فعلمت منهم أنني أستطيع السفر بهذه النقود إلى واشنطن ….
كنت أجهل واشنطن ولا أعرف أحداً بها، ولكن مس بيري قالت إن لها صديقة هناك وأعطتني خطاباً تقدمني به إليها، وقالت لي « أمكثي معها إلى أن أرسل لك النقود التي تكفيك للسفر إلي بيتسبرج». وصلت واشنطن في الوقت المناسب، حيث وجدت صديقة مس بيري وسلمتها الخطاب، وما أن قرأته حتى قالت «إنني أرثي لحالك. ولكني لا يمكنني أن أقبلك كضيفة في بيتي، لإنني أقوم بضيافة عائلة أحد المرسلين في أسيوط بالقطر المصري، ومع ذلك يمكننا أن نتناول الطعام سوياً ».
كان المرسل الضيف الذي قدموني إليه كمرسلة هو القس (برلسفورد) .
سألني : إلى أي جهة تقصدين في أفريقيا ؟
قلت : لا أدري
سألني : من أرسلك ؟
قلت : لم يرسلني أحد
سألني : هل طردك أبواك ؟
قلت : كلا، بل رحلتي هذه بالرغم منهم .
سألني : أمعك أجرة السفر ؟
قلت : ريال واحد منها .
لا يمكنني أن أتذكر الآن كل ما قاله القس برلسفورد، وكل ما أذكره هو صدى صوته يخترق عباب المحيط ثم يأتي متموجاً إلى أن يقرع أذني قائلاً « يحسن بك يا ابنتي أن تعودي أدراجك إلى أمك ».
لم تثن كلماته عزمي، بل كانت هذه الكلمات المثبطة كأنها دوافع تدفعني إلى الأمام …. إلى (أفريقيا) لقد دعاني الرب دعوة صريحة وما أنا إلا طائعة صاغرة، مؤمنة بالوعد “أَمِينٌ هُوَ الَّذِي يَدْعُوكُمُ الَّذِي سَيَفْعَلُ أَيْضًا” (1 تس 5 : 24).
رضيت أخت كريمة أن تضحي بغرفتها لي، ومكثت في ذلك البيت يومين، وقبل أن أرحل سألني القس برلسفورد إن كنت أرغب في أن أعاونه في عمله بأسيوط بالقطر المصري، فأجبته قائلة «بالحقيقة إنني لم أعزم قط على المجيء إلى واشنطن، فيظهر أن إرادة الله هي التي قادتني إلى هنا لأقابلك» وفي الحال شعرت بصوت في قلبي يناديني ( إقبلي الدعوة إلى أسيوط).
قبلت الدعوة حسب أمر الرب، وبكيفية ممتازة رتب الله لي أجر سفري، وبعد أن صليت في غرفتي قبل الإبحار سألني أحدهم أن أفتح الإنجيل وأطلب من الله أن يبين لي إرادته فيه … ففعلت وإذ بالعدد الذي جذب عيني من سفر الأعمال وهذه كلماته ” إِنِّي لَقَدْ رَأَيْتُ مَشَقَّةَ شَعْبِي الَّذِينَ فِي مِصْرَ، وَسَمِعْتُ أَنِينَهُمْ وَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ. فَهَلُمَّ الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَى مِصْرَ” (أع 7 : 34). وعجيب حقاً أن تسمع أن هذا العدد رأيته في تلك اللحظة لأول مرة في حياتي، ولمع أمام عيني بنور وضاح، وهكذا بهذه الطريقة الواضحة وضع الله ختمه النهائي على دعوته لي … وجئت إلى مصر …
نعم جاءت (ليليان تراشر) إلى مصر، وعلى ضفاف النيل في أسيوط أسست ملجأها العظيم الذي يضم بين جدرانه المئات، ويعجب المرء حين يزور هذا الملجأ عندما يسمع الأولاد ينادون الأخت الجليلة العظيمة بإسم ( ماما)، ووجوههم تشع بالنور، والفرح، والبهجة …
إن قصة هذا الملجأ الضخم هي قصة (الإيمان العامل بالمحبة ) الإيمان الذي يستند على مواعيد الرب ويعتبرها شيكات ممضاة على بنك السماء الذي لا تفرغ مخازنه، ولعشرات السنين يسير هذا الملجأ، ويتخرج من بين جدرانه المئات، ويدخلون الحياة شرفاء، كرماء، يخدمون بلادهم وأسرهم، وهذا كله يعود إلى هذه الفتاة التي كرست نفسها بالكلية لفاديها، وأصغت إلى دعوته لها، فعمل بها هذا العمل العظيم .
جورج مولر
هذا هو المثال الثاني الذي يتجسم فيه ما يستطيع الإيمان أن يعمله.
فقد كان جورج مولر مؤمناً من طراز ممتاز، فتح عدة ملاجيء لإيواء اليتامى، وحصل على مليون ونصف من الجنيهات للصرف عليهم، دون أن يتاجر أو أن يطلب من أحد مليماً، فقد كان يطلب كل حاجاته من الله بالصلاة، واسمع كلماته التي سجلها في مذكراته «إنني وقفت حياتي بتمامها لغرض واحد وهو أن أظهر للناس مقدار ما يمكن إتمامه بالإيمان والصلاة » …. ويكتب عنه دكتور بيرسون كاتب تاريخ حياته قائلاً « لقد تسلم مولر مبالغ وافرة من قبل الرب الذي شغل ماله على إسمه، وقد كان هذا الرجل أميناً للرب حتى أنه لم يستخدم ما وصله إلا لمجد الله، فلم يودع ماله في المصارف ولم يستغله في شراء الأراضي والممتلكات بل في عمل الرب وحده وقد صنع له أصدقاء من مال الظلم واستمر هو وزوجته وإبنته سنة بعد سنة يكنزون لهم كنوزاً في السماء إذ أعطى ما لم يستطع واحد في المليون أن يعطيه إذ لم يعط العشر، ولم يعط نسبة معينة من دخله فقط، بل أعطى كل ما كان يفضل عنه بعد (المصروف ) الضروري والبسيط الذي كان يصرفه على أسرته وكان شعاره الدائم « إن الغرض الذي أرمي إليه، ليس هو كم مقدار ما أربح بل كم مقدار ما أعطي لإلهي » ولذلك لم يكن عجيباً أن يكتشف الناس أن الرجل الذي جمع مليوناً ونصف من الجنيهات بواسطة الصلاة، لم يترك بعد موته سوى ستين جنيهاً وبعض الكتب والأثاث التي لا يزيد ثمنها عن مائة جنيه.
وقد تسأل لماذا عمل الرب بمولر هذه الأعمال العظيمة؟ لماذا إستخدمه في تربية مئات اليتامى؟ وتوزيع مئات النبذ؟ ونشر ألوف من نسخ الكتاب المقدس ؟!
والجواب : إن حياة جورج مولر تميزت بهذه الصفات :
أولاً : التدقيق والأمانة المطلقة .
ثانياً : الإيمان العظيم في محبة الله، وقدرته، وعنايته .
ثالثاً : المحبة المضحية لأجل الآخرين.
رابعاً : الموت عن الذات
سأله أحدهم مرة عن سر نجاحه في عمل الرب فقال :« إنني قد مت موتاً نهائياً في يوم من الأيام» قال هذا وانحنى شيئاً فشيئاً حتى لامس الأرض ثم استطرد قائلاً : « مات جورج مولر، وماتت آراؤه، وأهواؤه، وأنانيته، وإرادته، مات عن مدح العالم وذمه، مات عن رضى أصدقائه ولومهم»… وتابع مولر حديثه قائلاً : « ومن ذلك الوقت الذي مت فيه سلمت نفسي بالكلية للرب ليعمل بي ما يريد» ولهذا عمل به الرب هذه الأعمال .
فيا قارئي العزيز ما هو نوع إيمانك؟ هل هو مجرد إيمان عقلي بمسيح تاريخي ؟ أو هو إيمان عامل بالمحبة ؟
أذكر جيداً كلمات يعقوب الرسول “وَلكِنْ كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ خَادِعِينَ نُفُوسَكُمْ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ سَامِعًا لِلْكَلِمَةِ وَلَيْسَ عَامِلًا، فَذَاكَ يُشْبِهُ رَجُلًا نَاظِرًا وَجْهَ خِلْقَتِهِ فِي مِرْآةٍ، فَإِنَّهُ نَظَرَ ذَاتَهُ وَمَضَى، وَلِلْوَقْتِ نَسِيَ مَا هُوَ ….. اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللهِ الآبِ هِيَ هذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ” (يع 1 : 22 -24 و 27).
“مَا الْمَنْفَعَةُ يَا إِخْوَتِي إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَانًا وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ، هَلْ يَقْدِرُ الإِيمَانُ أَنْ يُخَلِّصَهُ؟ إِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ عُرْيَانَيْنِ وَمُعْتَازَيْنِ لِلْقُوتِ الْيَوْمِيِّ، فَقَالَ لَهُمَا أَحَدُكُمُ: امْضِيَا بِسَلاَمٍ، اسْتَدْفِئَا وَاشْبَعَا وَلكِنْ لَمْ تُعْطُوهُمَا حَاجَاتِ الْجَسَدِ، فَمَا الْمَنْفَعَةُ؟ هكَذَا الإِيمَانُ أَيْضًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ” (يع 2 : 14 -17).
فإمتحن نفسك لترى مدى إتساع عمل إيمانك ؟!
شارل ستيد
هذا مثال ثالث من أمثلة الإيمان العامل بالمحبة ليت حياته تؤثر في حياة الكثيرين من الشباب ليفعلوا كما فعل !!
كان شارل ستيد شاباً جامعياً يتمتع بشهرة عالمية في لعبة ( الكريكت)، ولكنه تجدد على يد خادم غريب زار بيت والده، وبعدئذ مرت به فترة حرجة في حياته الروحية بلغت مدتها حوالي ست سنوات، إلى أن سقط أخوه (جورج) صريع المرض، واشتدت عليه وطأته وبدأ يتأرجح بين الحياة والموت، كان شارل إلى جواره وفي لحظة من لحظات يقظة النفس بدأ يتساءل : «والآن! ما قيمة الشهرة، والغنى، والمديح، لإنسان على شاطىء الأبدية؟ ما قيمة العالم أجمع إزاء النفس الحية الخالدة؟ ما قيمة كل هذه الأشياء حينما يجابه المرء نهايته؟» وسمع الجواب من داخل نفسه قائلاً « باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح» .
واسمعه يسجل إختباره في مذكراته « في تلك الأوقات العصيبة كان أخي ممتلئاً بالثقة وسلام النفس، وكنت أجلس بجواره وأنا أتعجب من هدوئه وإيمانه وهو في وادي ظل الموت . ولكم تمنيت أن يكون لي مثل هذا الإيمان الصحيح … الإيمان الذي يجابه الأزمات ويبقى ثابتاً قوياً وسط عواصف الحياة ! كان هو مريض الجسد، ولكن نفسه كانت صحيحة، وكنت أنا قوي الجسم ولكن نفسي كانت في ضعف . وافتقده الرب في حنانه … وافتقدني أنا أيضاً … فقام هو من فراش مرضه، وقمت أنا من نومي وفتوري وإهمالي ».
بعدئذ حضر شارل إجتماعاً تكلم فيه أحد المرسلين بالصين، وعزم على أن يسافر إلى هناك ليكون مرسلاً، وابتدأ الجميع يستبعدون عنه هذه الفكرة حتى بعض من إعتبرهم روحيين .
ولكن شارل صمم على الذهاب إلى الصين، وقبل ذهابه استخدمه الرب فقاد الدكتور ماير صاحب الشهرة العالمية إلى حياة التكريس، ثم ذهب مع سبعة من أصدقائه إلى الصين في فبراير سنة 1885 ليعملوا مع مرسلية الصين الداخلية التي كان مؤسسها ورئيسها الدكتور هدسن تيلر، وكانت شروطها أن يلبس المرسلون اللباس الوطني، وأن يسكنوا الأحياء الوطنية، وأن يأكلوا طعام الوطنيين، حتى يمكن أن يربحوا الصينيين للمسيح.
وفي أثناء وجود شارل ستيد في الصين علم بأنه ورث عن والده مبلغاً من المال يزيد عن تسعة وعشرين ألفاً من الجنيهات الإنجليزية وقال شارل ستيد في نفسه « إن الرب قد طلب من الشاب الغني أن يبيع كل ماله» وجلس في يوم 13 يناير سنة 1887 وكتب أربع حوالات كل منها بمبلغ خمسة آلاف جنيه، وخمس حوالات كل منها بمبلغ ألف جنيه، وهكذا وزع خمسة وعشرين ألفاً من الجنيهات على عمل الله في يوم واحد، وبعدها وزع مبالغ أخرى .
وتزوج شارل فتاة ايرلندية إسمها (برسكلا استورت ) ولما عرض عليها مبلغ 3400 جنياً قائلاً : « هذا هو المبلغ الذي تبقى لي مما ورثته عن أبي، وأريد أن أقدمه لك لتؤسسي به بيتنا الجديد» قالت له : « يا شارل ألا تذكر ما قاله المسيح له المجد للشاب الغني … يجب أن نبدأ حياتنا الزوجية بالإتكال على الله وليس على ما ورثته من أبيك» وقررا توزيع باقي الميراث ووزعاه على عمل الله .
وانظر ماذا يعمل الإيمان العظيم؟ ابتدأ العروسان حياتهما الزوجية في بيتهما بالصين وكان بيتاً صغيراً قد بني بالطوب الأخضر في حي وطني مزدحم، وكان سريرهما مبنياً كذلك من نفس الطوب واضطرا بعد ثلاث سنوات إلى تركه من كثرة العقارب التي كانت به ورغم هذا فقد كانا يخدمان الرب بكل جد ونشاط .
وبعدئذ سافر شارل إلى الهند، وظل يعمل هناك مع زوجته مدة ست سنوات، ونما إليه أن قلب أفريقيا لم يُفتح بعد للإنجيل فقرر السفر إلى هناك، وإستقر في مكان يبعد عن الخرطوم بألف ميل …. وبنى لنفسه كوخاً كلفه ست جنيهات إنجليزية سماه (قصر بكنجهام) وهو إسم القصر الملكي في لندن، وبينما كان يعيش في هذا الكوخ كان أخوه الأكبر محافظاً لمدينة لندن.
وفي قلب أفريقيا عمل شارل ستيد لله، وآمن بواسطته الكثيرون ورجعوا إلى الرب، وإعتمدوا على إسم يسوع المسيح، وفي يوم الخميس 16 يوليو سنة 1931 دعا الرب هذا الخادم الأمين إلى راحته بالغاً من العمر 69 عاماً وكانت آخر كلمة رددتها شفتاه عدة مرات هي كلمة (هللويا).
وهذا هو الإيمان العامل بالمحبة في صورة حية لشخص عاش في عصرنا.
الأخت أبيجايل لوف
الأخت أبيجايل لوف أخت مكرسة للرب، جعلت الصلاة طعامها وشرابها، ووثقت في الرب ثقة مطلقة في إيمان كامل، وقد تجددت هذه الأخت المباركة، ونما إيمانها على يدي جورج مولر رجل الإيمان، حتى إذ كبرت أسست ملجأ في أمريكا آوت فيه الكثيرين من المرضى والمعوزين، وكانت تنفق عليه بالإيمان .
لقد تركت أبيجايل لوف مسراتها، وراحتها، وعاشت لأجل الآخرين، وكانت تؤمن إيماناً قلبياً بعناية الله بأولاده، كانت تؤمن بكلمات السيد له المجد “أَلَيْسَتْ خَمْسَةُ عَصَافِيرَ تُبَاعُ بِفَلْسَيْنِ، وَوَاحِدٌ مِنْهَا لَيْسَ مَنْسِيًّا أَمَامَ اللهِ؟ بَلْ شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ أَيْضًا جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ. فَلاَ تَخَافُوا! أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ” (لو 12 : 6 -7). وكانت تقول « إنه عندما يفكر المؤمن في أن شعر رأسه قد أحصاه الله يستقر مستريحاً على صدره الحنون مؤمناً بعنايته التي لا تنساه» .
وهكذا كانت حياة الأخت أبيجايل دليلاً على ما يقدر الإيمان أن يعمله .
التلميذة طابيثا
وهل يمكن أن نذكر هؤلاء وننسى طابيثا رائدة الخدمة الإجتماعية في الكنيسة الأولى التي سجل عنها الوحي كلماته “وَكَانَ فِي يَافَا تِلْمِيذَةٌ اسْمُهَا طَابِيثَا، الَّذِي تَرْجَمَتُهُ غَزَالَةُ. هذِهِ كَانَتْ مُمْتَلِئَةً أَعْمَالًا صَالِحَةً وَإِحْسَانَاتٍ كَانَتْ تَعْمَلُهَا” (أع 9 :36).
لقد كانت طابيثا تلميذة للمسيح بكل ما تحوي هذه الكلمة من معاني، فكانت تحب الرب أكثر من أهلها ونفسها “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا” (لو 14 : 26).
وكانت تحمل صليبها وراء فاديها “وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا” (لو 14 : 27).
وتركت لأجل مخلصها جميع أموالها “فَكَذلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَتْرُكُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا” (لو 14 : 33).
ولم يكن إيمانها مجرد حديث شفاه، لكنه كان إيماناً حياً عاملاً بالمحبة، فقد رأت حاجة الأرامل إلى الثياب، فنست نفسها واشتغلت بإبرتها التي لم يكن لها سواها لتصنع أقمصة وثياباً تكسو بها الأجساد العارية، لذلك لا عجب أن تقرأ عنها أنها بعد أن ماتت غسلوها ووضعوها في علية ثم أرسلوا إلى بطرس ليصلي من أجلها ويعيدها إلى الحياة ….. وكانت حجة من طلبوا إقامتها من الموت (الأقمصة والثياب) التي كانت تصنعها للأرامل …. وسمع الله لبطرس وأقام صاحبة الإيمان الخادم العظيم .
هذه صورة خاطفة لأشخاص ملأ الإيمان الحي قلوبهم، ففتحوا الملاجىء، وأعلنوا رسالة الخلاص للبلاد البعيدة، وخدموا اليتامى والأرامل، وغرسوا في صحراء الحياة المجدبة أجمل أنواع الأزاهير، وأكدوا للملايين بحياتهم المثمرة عظمة الإيمان المسيحي الثمين .
ويقيناً إن الرب سيقول لكل واحد من هؤلاء في ظلال الأبد ذات العبارة القديمة
(عظيم إيمانك )
فهرس الكتاب
تقديم الكتاب
الفصل الأول
أساس الإيمان العظيم
الفصل الثاني
الإيمان والخلاص
الفصل الثالث
الإيمان المنتصر
الفصل الرابع
الإيمان العامل بالمحبة
كتب للمؤلف
1- مشكلة الألم
2- عالم الخلود حقيقة أم خيال؟
3- زهور الحياة الزوجية
4- حقيقة التجسد
5- حقيقية معمودية الماء
6- حقيقية الصلة بين المسيحي والناموس
7- حقيقة عقيدة التثليث
8- حقيقة اختبار الميلاد الثاني
9- مفاجآت المجىء الثاني
10- صوت الإختبار
11- مؤتمر القديسين
12- قضية الصليب
13- طريق الحياة الأبدية
14- عظيم إيمانك
