The Precious Blood of Jesus
الذبح العظيم
بقلم
الدكتور القس لبيب ميخائيل
الطبعة الأولى سنة
2013
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف طبعت هذه الطبعة
“صوت الكرازة بالإنجيل”
بإذن خاص من المؤلف
THE PRECIOUS BLOOD OF CHRIST
THE GREAT SACRIFICE
Copy right
By Dr .Labib Mikhail
All Rights Reserved
Printed in the United States of America
المحتويات
تقديم الكتاب
الفصل الأول
دم المسيح الكريم هوالتدبيرالإلهي الأزلي
لخلاص الإنسان
الفصل الثاني
دم المسيح الكريم هوأساس إظهار أن الله بار
الفصل الثالث
دم المسيح الكريم هو أساس غفران خطايا الإنسان
الفصل الرابع
دم المسيح الكريم هو أساس النجاة من الهلاك
الفصل الخامس
دم المسيح الكريم هو أساس المصالحة مع الله
الفصل السادس
دم المسيح الكريم هو أساس كفارة الخطايا
الفصل السابع
دم المسيح الكريم هو أساس الغلبة على الشيطان
تقديم الكتاب
هذا كتاب عن دم المسيح الكريم، ودم المسيح ليس عقيدة جانبية من عقائد المسيحية بل هو قلب المسيحية. ووصف دم المسيح بأنه دم كريم، جاء في كلمات بطرس الرسول إلى المختارين بمقتضى علم الله الآب السابق إذ قال لهم:
“عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ” (1بط 1 : 18 -20)
والدم له قيمة عظمى إذ قال الرب عنه:
“لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ” (لا 17 :11)
وفي دم المسيح الكريم قوة غافرة كما قال بولس الرسول: “الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا” (كو 1 :14)
وفي دم المسيح الكريم قوة مطهرة “لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ . فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ” (عب 9 : 13 -14)
وفي دم المسيح الكريم قوة مبررة “إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ” (رو 3 : 23 -25)
وفي دم المسيح الكريم قوة ظافرة “وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ، وَلَمْ يُحِبُّوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى الْمَوْتِ” (رؤ 12 : 11)
هذا كله وأكثر منه هو ما سنتحدث عنه في هذا الكتاب. وأنا أستودع هذا الكتاب بين يدي المسيح الذي أحبنا وقد غسّلنا من خطايانا بدمه، ليفتح عيون الكثيرين لمعرفة القيمة العظمى لدمه الثمين، ولقبوله بالإيمان مخلصًا وفاديًا لهم، لينالوا بالإيمان بقوة دمه الكريم الحياة الأبدية.
الدكتور لبيب ميخائيل
23 يوليو 2013
ولاية فرجينيا الولايات المتحدة الأميركية
الفصل الأول
دم المسيح الكريم هو التدبير
الإلهي الأزلي لخلاص الإنسان
الحقيقة التي يجب أن نعرفها ونضعها في ذاكرتنا هي أن المسيح لم يُصلب في الزمان، بل كان صلبه حتمًا مقضيًا في التدبير الإلهي الأزلي، وهذا ما قاله بطرس الرسول بوحي الروح القدس:
“عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ” (1 بط 1 : 18 -20)
فسفك دم المسيح على الصليب لم يكن حادثًا في الزمان، بل كان تدبيرًا إلهيًا أزليًا لفداء المذنبين. الله تبارك وتعالى لا يقسم الزمن إلى ماضٍ وحاضر ومستقبل كما يفعل الإنسان، فالزمن بأقسامه الثلاثة حاضر أمامه.
وفي الأزل الذي لا يستطيع العقل أن يدرك مداه عرف الله الذي يعلم السر في السماوات والأرض كل ما سيحدث في العالم الروحي والعالم الأرضي قبل أن يحدث “مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ” (أع 15 : 18)
بل إننا نقول أنه دبر وسمح بإرادته الصالحة، وإرادته السامحة بحدوث كل ما حدث وما يحدث وما سيحدث في الزمان.
علم الله العالم بكل شيء قبل خلق الملائكة وخلق الإنسان، إن “زُهرة بنت الصبح”، وهو رئيس عظيم من رؤساء الملائكة سوف يتمرد ضده، وسيأخذ معه ثلث الملائكة.
“كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ الصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ يَا قَاهِرَ الأُمَمِ” (إش 14 : 12).
“وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلًا: يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ مَرْثَاةً عَلَى مَلِكِ صُورَ وَقُلْ لَهُ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: أَنْتَ خَاتِمُ الْكَمَالِ، مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ الْجَمَالِ. كُنْتَ فِي عَدْنٍ جَنَّةِ اللهِ. كُلُّ حَجَرٍ كَرِيمٍ سِتَارَتُكَ، عَقِيقٌ أَحْمَرُ وَيَاقُوتٌ أَصْفَرُ وَعَقِيقٌ أَبْيَضُ وَزَبَرْجَدٌ وَجَزْعٌ وَيَشْبٌ وَيَاقُوتٌ أَزْرَقُ وَبَهْرَمَانُ وَزُمُرُّدٌ وَذَهَبٌ. أَنْشَأُوا فِيكَ صَنْعَةَ صِيغَةِ الفُصُوصِ وَتَرْصِيعِهَا يَوْمَ خُلِقْتَ. أَنْتَ الْكَرُوبُ الْمُنْبَسِطُ الْمُظَلِّلُ، وَأَقَمْتُكَ. عَلَى جَبَلِ اللهِ الْمُقَدَّسِ كُنْتَ. بَيْنَ حِجَارَةِ النَّارِ تَمَشَّيْتَ. أَنْتَ كَامِلٌ فِي طُرُقِكَ مِنْ يَوْمَ خُلِقْتَ حَتَّى وُجِدَ فِيكَ إِثْمٌ” (حز 28 : 11 -15)
“وَظَهَرَتْ آيَةٌ أُخْرَى فِي السَّمَاءِ: هُوَذَا تِنِّينٌ عَظِيمٌ أَحْمَرُ، لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ وَعَشَرَةُ قُرُونٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِ سَبْعَةُ تِيجَانٍ. وَذَنَبُهُ يَجُرُّ ثُلْثَ نُجُومِ السَّمَاءِ فَطَرَحَهَا إِلَى الأَرْضِ. وَالتِّنِّينُ وَقَفَ أَمَامَ الْمَرْأَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَلِدَ، حَتَّى يَبْتَلِعَ وَلَدَهَا مَتَى وَلَدَتْ” (رؤ 12 : 3 -4).
وعلم قبل خلق الإنسان، أن الإنسان سيعصاه، ودبر منذ الأزل بحكمته العميقة طريق نجاة الإنسان من عقاب هذا العصيان.
وخلق الله الإنسان، وفي تدبيره أن يعرّف الإنسان الذي خلقه على صورته، ذاته وصفاته. وعرف الإنسان مجد الله وقدرته بنظره إلى سماواته وما تحويه من نجوم وأفلاك. “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ” (مز 19 : 1).
لكن السماوات بشمسها وقمرها، ونجومها، وأفلاكها، لم تعلن للإنسان الحب العظيم الذي أحبه الله به، ولم تعلن له عدله، أو رحمته، أو نعمته. وسمح الله منذ الأزل أن يعصاه الإنسان، ليعلن للإنسان بإنقاذه من عقاب هذا العصيان النواحي التي لم يعرفها من صفاته.
وبعد عصيان الإنسان طرده الرب من جنة عدن، لكنه تبارك وتعالى لم يترك نفسه بلا شاهد، يشهد بوجوده، وقدرته، وتدبيره لخلاص الإنسان، فمنح الأجيال الأولى من الذين عرفوا تدبيره عمرًا طويلاً يحسب بالقرون، لتشهد هذه الأجيال بوجوده، وتعلن عن تدبيره الحكيم لإنقاذ الإنسان من عقاب عصيانه.
فعاش آدم تسع مئة وثلاثين سنة، وأخبر الأجيال المعاصرة له، أن طريق النجاة من دينونة الله هو الدم.
قال آدم للأجيال التي جاءت بعده أو عاصرته:
بعد أن عصيتُ وصية الله، وأكلتُ من شجرة معرفة الخير والشر مع حواء، علمنا أننا عريانان، وغطانا الخجل فصنعنا من أوراق التين مآزر لتغطيتنا، ولكن أوراق التين جفّت ولم تصلح لتغطية عرينا. وقعنا تحت حكم العقاب الإلهي… وقعنا تحت حكم الموت…عرفنا الموت الجسدي في حفريات خليقة ما قبل التاريخ، إذ رأينا جماجمها وعظامها، وعرفنا أن الموت أكثر من أن يعود الإنسان إلى التراب، بل هو أن تنفصل روحه عن الله. هذا هو العقاب الرهيب. ولكن الرب في محبته ونعمته ذبح حيوانًا بريئًا سال دمه أمامنا، وصنع لي ولحواء أقمصة من جلده وألبسنا.
وعرفنا عندئذ أن الدم هو طريق ستر خزينا. ثم استمعنا إلى العقاب الذي أوقعه الرب على الحية التي أغوت حواء بمكرها، إذ قال لها: “أضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك وأنتِ تسحقين عقبه” (تك 3: 15).
وعرفنا أن واحدًا ستلده المرأة وينسب لها، سوف يسحق رأس الحية ويقضي على سلطانها.
هكذا شهد آدم لأجياله عن تدبير الله لنجاة الإنسان من الدينونة.
وقد آمن هابيل، الابن الثاني لآدم بما قاله أبوه، وبهذا الإيمان قدم لله ذبيحة أفضل من قربان قايين الابن الأول لآدم.
“بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ للهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ. فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ” (عب 11 :4)
آمن هابيل بما قاله له أبوه وهو أن الدم هو الطريق الوحيد للاقتراب إلى الله، أما قايين فقد ابتدع بوحي الشرير بدعة الخلاص من عقاب الخطية بأعمال الإنسان، فأخذ من أثمار الأرض الملعونة وقدم قربانًا “فنظر الرب إلى هابيل وقربانه. ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر” (تك 4:4-5).
ومن ذلك الوقت نشأت ديانتان:
ديانة قايين، ديانة التقرب إلى الله والخلاص من دينونته بأعمال الإنسان وهي ديانة من وحي الشيطان “لَيْسَ كَمَا كَانَ قَايِينُ مِنَ الشِّرِّيرِ وَذَبَحَ أَخَاهُ. وَلِمَاذَا ذَبَحَهُ؟ لأَنَّ أَعْمَالَهُ كَانَتْ شِرِّيرَةً، وَأَعْمَالَ أَخِيهِ بَارَّةٌ” (1 يو 3 : 12) ، وقد رفضها الرب.
وديانة هابيل، وهي ديانة الإيمان بقوة دم المسيح الكريم، هي الديانة التي أعلنها الله لآدم بعد سقوطه في العصيان.
بعد آدم، عاش من نسله البار شيث، وأنوش، وقينان، ومهللئيل، ويارد ،ومتوشالح الذي عاش 969 سنة، ومعنى اسمه: “بعد موته تأتي المياه المغرقة”، ولامك الذي عاش 770 سنة. هذه الأجيال أطال الله عمرها حتى لا يترك نفسه بلا شاهد عن وجوده وقدرته وتدبيره الأزلي لخلاص الإنسان كل هذه القرون.
ثم ابتدأ الناس يكثرون على الأرض، وولد لهم بنات، ورأى الملائكة الساقطون الذين أسماهم الوحي أبناء الله أن بنات الناس جميلات “فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا” (تك 6 :2).
وكان أن امتلأت الأرض طغاة Nephilim، وقد كتب يهوذا في رسالته عن هذه العلاقة الشريرة بين أبناء الله وبنات الناس الكلمات: “وَالْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ لَمْ يَحْفَظُوا رِيَاسَتَهُمْ، بَلْ تَرَكُوا مَسْكَنَهُمْ حَفِظَهُمْ إِلَى دَيْنُونَةِ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ بِقُيُودٍ أَبَدِيَّةٍ تَحْتَ الظَّلاَمِ” (يه 6)
وكتب بطرس الرسول عن ذات العلاقة الدنسة الكلمات: “لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى مَلاَئِكَةٍ قَدْ أَخْطَأُوا، بَلْ فِي سَلاَسِلِ الظَّلاَمِ طَرَحَهُمْ فِي جَهَنَّمَ، وَسَلَّمَهُمْ مَحْرُوسِينَ لِلْقَضَاءِ. وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى الْعَالَمِ الْقَدِيمِ، بَلْ إِنَّمَا حَفِظَ نُوحًا ثَامِنًا كَارِزًا لِلْبِرِّ، إِذْ جَلَبَ طُوفَانًا عَلَى عَالَمِ الْفُجَّارِ” (2 بط 2 : 4 -5) .
وهكذا ربط بطرس الرسول بين خطية الملائكة المتمردين الذين هم أبناء الله باعتباره خالقهم، باقترانهم ببنات الناس الجميلات، وهلاك العالم القديم الذي أسماه “عالم الفجار” بالطوفان.
وخرج نوح وبنوه بعد الطوفان من الفلك الذي صنعه ،“وبارك الله نوحًا وبنيه وقال لهم: أثمروا واكثروا واملأوا الأرض” (تك 9 : 1).
وبدلاً من أن يملأ بنو نوح الأرض كما أمرهم الرب، قرروا البقاء معًا في أرض شنعار التي دُعي اسمها بابل “لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا بَابِلَ لأَنَّ الرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ كُلِّ الأَرْضِ. وَمِنْ هُنَاكَ بَدَّدَهُمُ الرَّبُّ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ” ( تك 11 :9 ).
“وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نَصْنَعُ لِبْنًا وَنَشْوِيهِ شَيًّا. فَكَانَ لَهُمُ اللِّبْنُ مَكَانَ الْحَجَرِ، وَكَانَ لَهُمُ الْحُمَرُ مَكَانَ الطِّينِ. وَقَالُوا: هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا لِئَلاَّ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ” (تك 11 : 3 -4).
أخذت الذات مكان الرب وصار هدف أولاد نوح لا أن يمجدوا الرب، بل أن يصنعوا لأنفسهم اسمًا. “وَقَالُوا: هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا لِئَلاَّ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ. فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ الْمَدِينَةَ وَالْبُرْجَ اللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو آدَمَ يَبْنُونَهُمَا. وَقَالَ الرَّبُّ: هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ. فَبَدَّدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، فَكَفُّوا عَنْ بُنْيَانِ الْمَدِينَةِ” (تك 11 : 4 -8)
ما أرادوا أن يتجنبوه، وهو أن يملأوا الأرض، دفعهم الرب إلى فعله ببلبلة ألسنتهم.
وهنا يجدر بنا أن نذكر أن الكتاب الوحيد الذي منه نعرف كيف تعددت اللغات الإنسانية مع وحدة انحدار الناس جميعًا من أولاد نوح، هو الكتاب المقدس. وهذا برهان قوي على أن الكتاب المقدس موحى به من الله.
تبدد أولاد نوح على وجه كل الأرض شمالها، وجنوبها، وشرقها، وغربها. ومع مرور الزمن نسي الناس الإله الحقيقي وغرقوا في ظلمات عبادة الأصنام ،وعن هذا قال بولس الرسول:
“لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ، لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ، وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى، وَالطُّيُورِ، وَالدَّوَابِّ، وَالزَّحَّافَاتِ” (رو 1 : 18 -23).
أعلن الله ذاته للإنسان في عظمة ودقة خليقته. ولكن الإنسان لم يمجده أو يشكره، بل وصل به التدهور إلى إنكار وجوده. وصار الإنسان بلا عذر في إنكاره لوجود الله.
وأسلم الله الإنسان لشهوات قلبه إلى النجاسة، فالنساء استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة، فاقترنت المرأة بالمرأة وهو ما يسمى بالسحاق وبالإنجليزية Lesbianism، واشتعل الذكور بشهوتهم وفعلوا الفحشاء ذكورًا بذكور، وهو ما يُطلق عليه اسم اللواط، وبالإنجليزية Sodomy. وكل مجتمع ينكر وجود الله، أو يُخرج الله من دائرة حياته لا بد أن يتدهور هذا التدهور الشنيع.
لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بغير إله، وإما أن يعبد الإله الحي الحقيقي، أو يعبد آلهة من صنع عقله المظلم الضال.
انتشرت عبادة الآلهة والأصنام التي ابتدعها عقل الإنسان في أنحاء العالم. ففي مصر عبد المصريون القدماء، الذين بنوا الأهرام، وحنطوا أجساد موتاهم، آلهة من صنعهم… “أوزوريس”، و”إيزيس”، و”حورس”، ومعهم عبدوا العجل”أبيس”، والنيل، والشمس، والضفادع، والذباب.
وفي بابل القديمة يقول التاريخ أنهم عبدوا 4000 إله وإلاهة، وعلى مر الزمن غدت واحدة من بين هذه الآلهة الكثيرة، واسمها “عشتار”، معبودة رئيسية في البلاد كلها، ومعها عبدوا “ماردوخ” الذي وصل إلى مركز العظمة بارتفاع عظمة بابل، وظهور “حمورابي” المشرع العظيم، وواضع الشريعة المعروفة باسمه.
وفي اليونان، عبد اليونانيون العديد من الآلهة التي صورها الشاعر اليوناني “هوميروس” في قصيدتيه “الإلياذة” و”الأوديسه، وبين هذه الآلهة نجد “زيوس” إله الجو، ونجد “أثينا” ربة الحكمة، و”أرطاميس”، و”أفروديت” إلهة الحب، و”هرميس” المرشد السماوي. “فَكَانُوا يَدْعُونَ بَرْنَابَا «زَفْسَ» وَبُولُسَ «هَرْمَسَ» إِذْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْكَلاَمِ” (أع14 : 12)
وفي بلاد العرب عبدوا اللاتِ، والعزى، ومناة، والقمر، وما زال الكثيرون من العرب بعد الإسلام يضعون الهلال رمز القمر على أعلام بلادهم.
وفي الهند انتشرت شتى الأديان ،”الهندوسية”، وهي دين الغالبية في الهند. ومع الهندوسية انتشرت ديانة بوذا الذي يقدسه الكثيرون من الهنود.
والحديث عن الديانات الوثنية التي سادت العالم يطول.
اختيار الله لإبراهيم
في وسط هذه الظلمة التي سادت الأرض، دبر الله بحكمته أن يختار إبراهيم. والنبي إبراهيم مُعظّم عند اليهود، وله مكانته عند المسيحيين، ويُذكر بإجلال في القرآن. وجاءت دعوة الرب لإبراهيم الذي كان اسمه “أبرام” في هذه الكلمات: “وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ” (تك 12 : 1 -4).
ويسجل كاتب الرسالة إلى العبرانيين هذه الكلمات عن دعوة إبراهيم:
“بالإيمان إبراهيم لما دُعي أطاع أن يخرج إلى المكان الذي كان عتيدًا أن يأخذه ميراثًا فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي” (عب 11 :8 ).
لماذا اختار الله إبراهيم؟
هناك ثلاثة أسباب لهذا الاختيار الإلهي لإبراهيم:
أولاً : اختاره ليشهد لوجوده في عالم غارق في عبادة الأوثان
ففي كل مكان نزل فيه إبراهيم بنى مذبحًا للرب الذي ظهر له، ليشهد لوجوده وللإيمان به، ولطريق الاقتراب إليه. وعن هذا نقرأ:
“وَاجْتَازَ أَبْرَامُ فِي الأَرْضِ إِلَى مَكَانِ شَكِيمَ إِلَى بَلُّوطَةِ مُورَةَ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ. وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ. ثُمَّ نَقَلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْجَبَلِ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيل وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ. وَلَهُ بَيْتُ إِيلَ مِنَ الْمَغْرِبِ وَعَايُ مِنَ الْمَشْرِقِ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ” (تك 12 :6-8).
شهد إبراهيم لوجود الرب، وبأن طريق الاقتراب إليه هو دم الذبيحة الذي يشير إلى دم المسيح الكريم.
ثانيًا: اختاره ليعلن في معاملاته معه قوته
حدث جوع في الأرض فانحدر أبرام إلى مصر ليتغرّب هناك.
” فَحَدَثَ لَمَّا دَخَلَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ رَأَوْا الْمَرْأَةَ أَنَّهَا حَسَنَةٌ جِدًّا. وَرَآهَا رُؤَسَاءُ فِرْعَوْنَ وَمَدَحُوهَا لَدَى فِرْعَوْنَ، فَأُخِذَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَصَنَعَ إِلَى أَبْرَامَ خَيْرًا بِسَبَبِهَا، وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ. فَضَرَبَ الرَّبُّ فِرْعَوْنَ وَبَيْتَهُ ضَرَبَاتٍ عَظِيمَةً بِسَبَبِ سَارَايَ امْرَأَةِ أَبْرَامَ. فَدَعَا فِرْعَوْنُ أَبْرَامَ وَقَالَ: مَا هذَا الَّذِي صَنَعْتَ بِي؟ لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي أَنَّهَا امْرَأَتُكَ؟ لِمَاذَا قُلْتَ: هِيَ أُخْتِي، حَتَّى أَخَذْتُهَا لِي لِتَكُونَ زَوْجَتِي؟ وَالآنَ هُوَذَا امْرَأَتُكَ! خُذْهَا وَاذْهَبْ!. فَأَوْصَى عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ رِجَالًا فَشَيَّعُوهُ وَامْرَأَتَهُ وَكُلَّ مَا كَانَ لَهُ” (تك 12 : 14 – 20).
كانت مصر في ذلك الوقت أعظم إمبراطورية في العالم، وكان فرعون أعظم الأباطرة، لكن الله تعامل مع فرعون، وأظهر له قوته وقدرته ،ورأى إبراهيم قوة الله التي أخضعت فرعون العظيم، فأعاد له سارة زوجته بعد أن أخذها لتكون زوجة له، وأدرك عظمة قوة الله.
ثالثًا:اختاره ليأتي من نسله المسيح الذي سيفدي الآثمين الراجعين إليه بدمه الكريم، وهذا في رأينا أهم الأسباب
يقول بولس الرسول: “اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ. لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ”( غل3 : 13 -14، 16). فنسل إبراهيم المعين من الله هو المسيح.
وقد أعلن الله لإبراهيم مشهد صلب المسيح قبل أن يُصلب المسيح بمئات السنين.. وعن هذا المشهد نقرأ الكلمات:
“وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ ِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ!. فَقَالَ: هأَنَذَا.فَقَالَ: خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ. فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ اثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ابْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطَبًا لِمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ…. فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ. ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!. فَقَالَ: هأَنَذَا. فَقَالَ: لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي. فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ” (تكوين 22: 1-3، 9-13).
في هذا المشهد رأى إبراهيم في الكبش الذي أعدّه الله، المسيح حمل الله ،وعن هذا قال المسيح لليهود: ” أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ، أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ” (يوحنا 8 : 56 – 58).
الفرق بين ما حدث مع إبراهيم وابنه إسحاق، وما حدث مع المسيح يوم صلبه، هو أن الله أشفق على إسحاق فلم يسلمه للذبح، لكنه في عظم محبته للمؤمنين، لم يشفق على ابنه بل تركه ليموت على الصليب، وعن هذا قال بولس الرسول: ” اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ” (رومية 8 : 32)
ويجب أن لاننسى أن الله هو الذي أعد الكبش الذي أصعده إبراهيم محرقة عوضًا عن ابنه، فتدبير الفداء كله من الله.
وكما جاء المسيح من نسل إبراهيم فكذلك من نسل إبراهيم جاء الأنبياء الذين تنبأوا بدقة مذهلة عن كل ما يختص بالمسيح… فنسل إبراهيم من إسحاق فضلهم الله على العالمين، وآتاهم الكتاب والحكم وجعل فيهم أنبياء وجعلهم ملوكًا، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين (سورة الجاثية 16 : 45).
ومع أن تدبير الفداء بدم المسيح الكريم كان أزليًا، لكن الله في حكمته أرسل الأنبياء ليخبروا بتفاصيل حياته قبل حدوث هذه التفاصيل للتحقق من شخصية المسيح حين يتجسد في الزمان، فلا يخطئ أحد في التعرف عليه، أو على رسالته، ولا يكون هناك عذر لمن ينكر تجسده، أو حقيقة صلبه، أو فاعلية دمه الكريم، أو في كون المسيح هو الذبح العظيم.
تنبأ موسى النبي عن المسيح فقال: “يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ. حَسَبَ كُلِّ مَا طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي حُورِيبَ يَوْمَ الاجْتِمَاعِ قَائِلًا: لاَ أَعُودُ أَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِي وَلاَ أَرَى هذِهِ النَّارَ الْعَظِيمَةَ أَيْضًا لِئَلاَّ أَمُوتَ. قَالَ لِيَ الرَّبُّ: قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ” (تث 18 : 15 -18)
وهذه النبوة تنطبق على المسيح، وليس غيره، فهو يهودي من وسط اليهود ،وهو صانع معجزات مثل موسى، وقد تكلم بالكلام الذي جعله الآب في فمه، إذ قال لتلاميذه: “الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال” (يو14 : 10).
وقد قال المسيح لليهود: “لا تظنوا أني أشكوكم إلى الآب. يوجد الذي يشكوكم وهو موسى، الذي عليه رجاؤكم. لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني” (يو 5 :45 -46).
تنبأ إشعياء النبي عن ميلاد يسوع المسيح من عذراء فقال: “وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ” (إش 7 : 14)
وقد أثبت متى البشير أن هذه النبوة تمت في يسوع المسيح ،إذ بعد أن ذكر موقف يوسف خطيب العذراء بعد أن رآها حبلى، وكيف ظهر له ملاك الرب في حلم وقال له: “ويَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ. وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ:هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا.” (مت 1 : 20 -23)
تنبأ ميخا النبي عن ميلاد يسوع المسيح في بيت لحم أفراتة وهي في أرض يهوذا فقال: “أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ” (مي 5 : 2)
والنبوة تحدد بدقة بيت لحم أفراتة التي في أرض يهوذا، وهي ليست بيت لحم التي في أرض زبولون “وَقَطَّةَ وَنَهْلاَلَ وَشِمْرُونَ وَيَدَالَةَ وَبَيْتِ لَحْمٍ. اثْنَتَا عَشَرَةَ مَدِينَةً مَعَ ضِيَاعِهَا” (يش 19 : 15).
وقد أثبت متى البشير أن يسوع وُلد في بيت لحم اليهودية، وتمت فيه نبوة ميخا النبي “وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ: «أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟ فَقَالُوا لَهُ: فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ” (مت2 :1-6) بدقة تامة.
تنبأ داود الملك والنبي عن أن يسوع سيموت مصلوبًا فقال: ” لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ” (مز 22 : 16)
ومعروف أن داود الملك مات مكرمًا في قصره، وبذا تكون كلماته نبوة عن الطريقة التي سيموت بها المسيح الذي جاء من نسله، وثقب اليدين والرجلين لا يحدث إلا في موت الصليب.
وصوّر إشعياء النبي مشهد الصلب وما بعد الصلب، قبل مولد المسيح بسبعمئة سنة بالكلمات:
“هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ، يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا. كَمَا انْدَهَشَ مِنْكَ كَثِيرُونَ. كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ. هكَذَا يَنْضِحُ أُمَمًا كَثِيرِينَ. مِنْ أَجْلِهِ يَسُدُّ مُلُوكٌ أَفْوَاهَهُمْ، لأَنَّهُمْ قَدْ أَبْصَرُوا مَا لَمْ يُخْبَرُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ فَهِمُوهُ “ (إش 52 : 13 -15)
“مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟ وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ. أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلًا تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا. لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ” (إش53 : 1 – 12)
في هذه النبوة نجد أن المسيح كان منظره مفسدًا أكثر من الرجل، من آثار إكليل الشوك الذي ضفره عسكر الوالي الروماني بيلاطس ووضعوه على رأسه، فسالت دماؤه وأفسدت منظره، كما قالت النبوة عنه:
“نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ” (إش 53 : 2)
مع أنه قيل عنه: “أَنْتَ أَبْرَعُ جَمَالًا مِنْ بَنِي الْبَشَرِ. انْسَكَبَتِ النِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيْكَ، لِذلِكَ بَارَكَكَ اللهُ إِلَى الأَبَدِ” (مز 45 :2)
وتذكر النبوة سبب آلامه وموته فتقول: “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا” (إش 53 : 5)
“مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي” (إشعياء 53 : 8).
وتعلن النبوة أن المسيح بار “مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا” (إش 53 : 11)
ثم تعلن النبوة مكان دفنه، فتقول: ” وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ” (إش 53 : 9)
كان ينبغي بحسب القانون أن يُدفن المسيح في قبر من قبور المجرمين ،باعتباره مات مصلوبًا، ولكنه بدلاً من ذلك دُفن في قبر رجل غني هو “يوسف الرامي”. فقد تقدم هذا الرجل الغني إلى بيلاطس الحاكم الروماني “وطلب جسد يسوع، وأنزله، ولفّه بكتان، ووضعه في قبر منحوت حيث لم يكن أحد وُضع قط” هذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ، وَأَنْزَلَهُ، وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرٍ مَنْحُوتٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ وُضِعَ قَطُّ” (لو 23 : 52 -53)
وهكذا تمت النبوة بدقة في دفن المسيح مع غني عند موته.
وقد قال الدكتور جون ماكآرثر John MacArthur في إحدى عظاته أن هذه النبوة سيرددها اليهود عندما يؤمنون أن المسيح الذي صلبوه، هو المسيا الذي تنبأ أنبياؤهم عنه والذي صلبوه وقتلوه.
تنبأ داود النبي عن قيامة المسيح فقال: “لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا” (مز 16 : 10)
وقد أعلن بطرس الرسول في حديثه لليهود الذين اجتمعوا يوم الخمسين إتمام هذه النبوة في المسيح فقال:
” أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ جِهَارًا عَنْ رَئِيسِ الآبَاءِ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفِنَ، وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا حَتَّى هذَا الْيَوْمِ. فَإِذْ كَانَ نَبِيًّا، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَادًا. فَيَسُوعُ هذَا أَقَامَهُ اللهُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا شُهُودٌ لِذلِكَ” (أع 2 : 29 – 32)
تنبأ داود النبي عن صعود المسيح بعد قيامته إلى السماء بالكلمات:
“صَعِدْتَ إِلَى الْعَلاَءِ. سَبَيْتَ سَبْيًا. قَبِلْتَ عَطَايَا بَيْنَ النَّاسِ، وَأَيْضًا الْمُتَمَرِّدِينَ لِلسَّكَنِ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ” (مز 68 : 18).
وقد أعلن بولس الرسول إتمام هذه النبوة بكلماته: ولكن لكل واحد منا اعُطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح. لذلك يقول: ” وَلكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ. لِذلِكَ يَقُولُ: إِذْ صَعِدَ إِلَى الْعَلاَءِ سَبَى سَبْيًا وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا” (أف 4 : 7 -8)
كل هذه النبوات التي استغرق النطق بها وكتابتها مئات السنين كُتبت في كتاب العهد القديم وهو الكتاب المقدس عنداليهود.
ومع عدم إيمان اليهود بأن المسيح الذي جاء وصُلب على الصليب هو المسيا الذي ينتظرونه، فإنهم لم يحذفوا نبوة واحدة من هذه النبوات من كتابهم مما يؤكد أن الكتاب المقدس لم تمتد إليه يد التحريف.
لقد كانت هذه النبوات هي النور الذي قاد كثيرين إلى المسيح حين تجسد في الزمان، فبعد أن التقى فيلبس بالمسيح وتبعه ” فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ: وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ “ (يو 1 : 45)
وبعد أن قام المسيح من الأموات والتقى بالتلميذين المنطلقين إلى قرية عمواس ،” ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو24 : 27)
ولما ظهر بعد قيامته للأحد عشر والذين معهم قال لهم: ” وَقَالَ لَهُمْ: هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ. حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. وَقَالَ لَهُمْ: هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ. وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذلِكَ” (لو 24 : 44 -48)
صار واضحًا وضوح الشمس الساطعة في النهار أن سفك دم المسيح الكريم كان تدبيرًا إلهيًا أزليًا أظُهر في الزمان، وأي إنكار لحقيقة صلب المسيح هو ادعاء أثبتت بطلانه النبوات التي ذُكرت في العهد القديم، وتمت جميعها في المسيح. والآن صارت القضية، قضية كتاب هو الكتاب المقدس، فإذا كان الكتاب المقدس موحى به من الله، ولا يأتيه الشك من بين يديه ولا من خلفه، وهو بكل البراهين كذلك، فإن النبوات التي ذُكرت فيه أثبتت حقيقة صلب المسيح.
ولكي يتيقن أي فرد عاقل من صدق الكتاب المقدس، فيتحتم أن يقرأه بنفسه قراءة دقيقة واعية، فالحكم على كتاب قبل قراءته حماقة وعار، كما قال الملك سليمان:
” مَنْ يُجِيبُ عَنْ أَمْرٍ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَهُ، فَلَهُ حَمَاقَةٌ وَعَارٌ “ (أم 18 : 13)
الفرد المهتم بمعرفة الحق وبحياته الأبدية عليه أن يحصل على نسخة من الكتاب المقدس، ويقرأه بتمعن واجتهاد.
إن هناك الكثير من البراهين المؤكدة لوحي الكتاب المقدس، أذكرها بإختصار، وعلى من يريد معرفتها بالتفصيل فسيجدها على صفحات الكتاب المقدس، وفي كتابي “الشرك والوحدانية في الإسلام والمسيحية”. وهذه هي براهين وحي الكتاب المقدس:
البرهان الأول : برهان ترتيبه وتسلسل أحداثه.
البرهان الثاني : برهان دقة وصدق نبواته.
البرهان الثالث: برهان صدق الحقائق الجغرافية والعلمية المذكورة فيه.
البرهان الرابع: برهان إجابة الكتاب المقدس عن الأسئلة المحيرة التي يسألها الإنسان وهو يواجه ما يحدث في الحياة.
البرهان الخامس: وجود يسوع المسيح مرموزًا إليه في قصصه وشخصياته.
البرهان السادس: برهان فرادة ونقاوة وصاياه.
البرهان السابع: برهان وحدة أسفاره.
البرهان الثامن: برهان البركات التي ينالها من يطيع وصاياه.
البرهان التاسع: برهان شهادة يسوع المسيح لصدق وحيه.
البرهان العاشر: شهادة القرآن لصدق وحي التوراة والإنجيل.
بعد كل هذه البراهين الدامغة التي تؤكد وحي الكتاب المقدس، وبالتالي حقيقة صلب المسيح المعلنة في نبواته، لا غرابة أن يهتف بولس الرسول قائلاً لكنائس غلاطية: “وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ” (غل 6 : 14)
ويتساءل غير الفاهمين قائلين: كيف يعبد المسيحيون المسيح، الذي ضُرب على وجهه ،وبصقوا عليه، واستهزأوا به يوم صلبوه؟
والجواب أن المسيح قد وُلد ليُصلب، لا عن عجز بل حسب التدبير الإلهي الأزلي. إن في قدرة الملك أن يرتدي ثياب الجندي ويظل ملكًا… وهكذا صار المسيح في صورة عبد، وظل ابن الله الأزلي “وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ” (رؤ 19 : 16).
الفصل الثاني
دم المسيح الكريم
هو أساس إظهار أن الله بار
السبب الأول الذي من أجله سُفك دم المسيح الكريم على الصليب، كان هو إعلان أن الله بار في تبريره من يؤمن من المذنبين.
وإظهار أن الله بار، لا بد أن يسبق تبريره الإنسان، فالخطية فعل شنيع فظيع لطخت حياة الإنسان وأهانت الله.
وإظهار بر الله كان لا بد أن يسبق تبرير الإنسان، لأن الله ليس حاكمًا طاغيًا يجلس على عرشه في السماء، ويغفر لمن يشاء بغير حساب، لأنه لو فعل هذا لجعل من الخطية أمرًا هينًا لا يتطلب سوى الغفران الذي لا يكلفه شيئًا، ولكان هو نفسه غير عادل.
لكن تبرير الله للإنسان المذنب، لا بد أن يتوافق مع صفاته، ومن صفاته العدل والرحمة. والعدل لا يمكن أن يكتفي إلا بتوقيع العقوبة التي قضى بها، والعقوبة واضحة وهي الموت. “وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلًا: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ” (تك 2 : 16 -17).
والموت الذي قصده الرب القدوس، هو انفصال روح الإنسان المذنب عنه وفناء الجسد الإنساني تدريجيًا حتى يصل إلى الموت الجسدي ويعود إلى التراب.
أما الموت الثاني فهو انفصال الإنسان كله جسدًا وروحًا عن الله وطرحه في بحيرة النار بعد الدينونة أمام العرش الأبيض العظيم. وبعصيان آدم وأكله من الشجرة المحرمة، ورث البشر طبيعته الساقطة وورثوا معها الموت.
“مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” (رو 5 : 12).
وحقيقة الموت التي نواجهها كل يوم، ورؤيا قبور الموتى الموجودة في كل مكان في هذا العالم، تؤكد وراثة جميع الناس لطبيعة آدم الساقطة. أضف إلى ذلك انتشار الجرائم التي يرتكبها الناس في كل مكان… حتى صار الإنسان لا يخاف مخلوقًا إلا الإنسان، ترينا مدى الانحطاط والتدهور الذي وصل إليه الإنسان بطبيعته الساقطة.
سأل بلدد الشوحي الذي جاء ذكره في سفر أيوب هذا السؤال: “فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟ وَكَيْفَ يَزْكُو مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ” (أي 25 : 4). وكلمة “يتبرر” معناها يُحسب بارًا.
وهناك فرق كبير بين الحكم ببراءة متهم، وبين تبريره. فحكم البراءة يصدره القاضي حين يتأكد بالدليل والبرهان أن المتهم لم يرتكب الجريمة المنسوبة إليه، وأما التبرير فهو حكم يصدره الله البار في حق المذنب الأثيم ،على أساس دم المسيح الكريم.
فيقول تبارك وتعالى: لقد بررت هذا المذنب، فصار بارًا لأن المسيح سدد أجرة خطاياه بدمه الكريم. هنا يبدو واضحًا تمامًا أن الإنسان المذنب لا يمكن أن يتبرر بأعماله الصالحة، فلا يمكن أن يقبل القاضي العادل أن يقدّم المذنب بعض أمواله لينجو من عقوبة القاضي العادل التي حكم بها. أضف إلى ذلك أن الله القدوس وصف أعمال الإنسان البارة بالثياب المهلهلة التي لا تستر عريًا كما قال إشعياء النبي:
“وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا، وَقَدْ ذَبُلْنَا كَوَرَقَةٍ، وَآثَامُنَا كَرِيحٍ تَحْمِلُنَا” (إش 64 : 6).
وثوب العدة يعني الثوب النجس،أو الثوب المهلهل الذي لا يستر عريًا.
كيف يمكن لأعمال برنا وهي بهذه النجاسة أن تخلصنا؟
إن إضافة أي عمل صالح يعمله الإنسان، إلى عمل المسيح الكامل الذي عمله بموته على الصليب، هو إهانة صارخة موجهة إلى عمل المسيح الذي أكمله بموته على الصليب.
فلنضع في أذهاننا أن أعمال برنا لا يمكن بحال ما أن تخلصنا “لأننا كنا نحن أيضًا قبلاً أغبياء، غير طائعين، ضالين ،مستعبدين لشهوات ولذات مختلفة، عائشين في الخبث والحسد، ممقوتين ،مبغضين بعضنا بعضًا. “لأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلًا أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ وَالْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا. وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ . لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (تي 3 : 3 -5).
كان لا بد أن يظهر الله القدوس أنه بار، وإظهار بره كان أمرًا محتمًا لا بد أن يسبق تبريره للإنسان المذنب. وهذه الحقيقة المنيرة أكدها بولس الرسول بالكلمات: ” وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ” (رو 3 : 21 -26).
في سفك دم المسيح على الصليب أعلن الله بالدرجة الأولى أنه بار.
لأنه أوقع عقوبة الموت التي حكم بها على الإنسان على ابنه يسوع المسيح ،وبذلك استوفى عدله حقه ،“لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 6 : 23).
كما أعلن الله رحمته للإنسان، ففي سفك المسيح دمه الكريم على الصليب “الرَّحْمَةُ وَالْحَقُّ الْتَقَيَا. الْبِرُّ وَالسَّلاَمُ تَلاَثَمَا” (مز 85 : 10).
ويجدر بنا ونحن نقترب من ختام هذا الفصل أن نذكر أن القرابين المذكورة في سفر اللاويين تعلن بترتيبها أن قصد الله من هذا الترتيب أن يعلن أنه بار في تبريره للمذنب الذي يلجأ إليه.
والقرابين المذكورة في سفر اللاويين هي بالترتيب خمسة قرابين:
1 – قربان المحرقة 2- قربان التقدمة 3- قربان ذبيحة السلامة
4- قربان ذبيحة الخطية 5- قربان ذبيحة الإثم.
والقربان هو وسيلة الاقتراب إلى الله، وبدون القربان لا يقدر الإنسان أن يقترب إلى الله.
وجدير بالانتباه أن نرى أن قربان المحرقة هو أول القرابين، وهذا القربان يعلن أن سفك دم المسيح على الصليب، باعتبار المسيح محرقة وذبيحة مقدمة لله، كان القصد منه بالدرجة الأولى إظهار بر الله أي إظهار أن الله بار، مع أن باقي القرابين تشير إلى عمل المسيح على الصليب. ويقول بولس الرسول عن المسيح بوصفه هذا القربان: “وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً” (أف 5 : 2).
فتقديم المسيح نفسه قربانًا كان أولاً، لإرضاء عدل الله وإظهار بره.
ونختتم هذا الفصل بعنوانه
أن دم المسيح الكريم هو أساس إظهار أن الله بار.
الفصل الثالث
دم المسيح الكريم
هو أساس غفران خطايا الإنسان
الخطية ثقل رهيب ليس في قدرة الإنسان احتماله حين يستيقظ ضميره لمواجهته، أو حين يبكته الروح القدس ويوبخه ويصفّ خطاياه أمام عينيه.
عندما واجه الله – تبارك اسمه – قايين بخطية قتله هابيل أخاه، صرخ قايين قائلاً: ” ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ” (تك 4 :13).
وأيوب يقول بأنين موجع وهو في غمرة تجاربه المحرقة مخاطبًا الله القدوس: “لأَنَّكَ كَتَبْتَ عَلَيَّ أُمُورًا مُرَّةً، وَوَرَّثْتَنِي آثَامَ صِبَايَ” (أي 13 : 26).
وداود النبي يقدم صورة للإنسان الذي شعر بثقل خطاياه فيقول: “لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي. لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي. كَحِمْل ثَقِيل أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ. قَدْ أَنْتَنَتْ، قَاحَتْ حُبُرُ ضَرْبِي مِنْ جِهَةِ حَمَاقَتِي. لَوِيتُ. انْحَنَيْتُ إِلَى الْغَايَةِ. الْيَوْمَ كُلَّهُ ذَهَبْتُ حَزِينًا. لأَنَّ خَاصِرَتَيَّ قَدِ امْتَلأَتَا احْتِرَاقًا، وَلَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ” (مز 38 : 3 -7).
فالخطية تترك آثارها على النفس والجسد، فتتدهور صحة الإنسان تحت الشعور بثقل خطاياه. ويحاول المذنب الذي طمت خطاياه فوق رأسه أن ينسى ،أو يتجاهل خطاياه… أحيانًا بالمسكرات، وأحيانًا بالمخدرات، وأحيانًا بالانغماس في الملذات، وأحيانًا بالإغراق في العمل والمشغوليات… ولكن هيهات!
“وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” (عب 9 : 22).
هذا هو الحد الإلهي.
ولكن أي دم هذا الذي على أساسه يغفر الله خطايا من يلجأ إليه؟ إنه ليس دم الثيران والتيوس “لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا” (عب 10 : 4)
وليس هو دم الإنسان، لأن دم الإنسان لوّثته الخطية “اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (مز 14 : 2 -3)
“الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ “ (مز 49 : 7).
الدم الذي على أساسه يغفر الله خطية من يأتي إليه هو دم المسيح الكريم.
ولماذا سُمّي دم المسيح باسم “الدم الكريم”؟
لأنه دم حمل بلا عيب ولا دنس… معروفًا سابقًا قبل تأسيس العالم، وكريم في عيني الآب.
المسيح وحده هو الذي ليس فيه خطية “وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ” (1يو 3 :5)
ولم يعرف خطية “لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ” (2 كو 5 : 21)
ولم يفعل خطية ” الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ” (1بط 2 : 22).
ولذا فقد سُمّي دمه الدم الكريم. ودم المسيح الكريم هو أساس الغفران كما يقول بولس الرسول ،“الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أف 1 :7)
ويكرر ذات الكلمات في “الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا” (كو 1 : 14). فبسفك دم المسيح على الصليب، وقبول المذنب بالإيمان لهذا الموت النيابي، يحصل على الغفران.
لكن ماذا يعني الغفران؟
الغفران يعني أن الله يطرح جميع خطايا المؤمن الذي آمن بالمسيح مخلصًا شخصيًا لنفسه في أعماق البحر.
يقول ميخا النبي: “يَعُودُ يَرْحَمُنَا، يَدُوسُ آثَامَنَا، وَتُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ جَمِيعُ خَطَايَاهُمْ” (مي 7 : 19).
قال “جون بنيان” مؤلف كتاب سياحة المسيحي: “شكرًا لله، إنه طرح في أعماق البحر خطايانا، ولم يطرحها في النهر، لأنه لو طرحها في النهر فقد يجفّ النهر وتظهر خطايانا ثانية”.
وتقول الآية أنه يطرح “جميع خطاياهم”… فالغفران يعني طرح “جميع خطايا المؤمن” لا بعضها ولا معظمها بل جميعها في أعماق البحر. فلا تعود للظهور.
الغفران يعني أن الله يطرح كل خطايا المؤمن وراء ظهره فلا يعود يراها إلى الأبد.
بعد أن شُفي الملك حزقيا من مرضه المستعصي الشفاء، وأضاف الرب إلى عمره خمس عشرة سنة ردد الملك حزقيا هذه الكلمات: “هُوَذَا لِلسَّلاَمَةِ قَدْ تَحَوَّلَتْ لِيَ الْمَرَارَةُ، وَأَنْتَ تَعَلَّقْتَ بِنَفْسِي مِنْ وَهْدَةِ الْهَلاَكِ، فَإِنَّكَ طَرَحْتَ وَرَاءَ ظَهْرِكَ كُلَّ خَطَايَايَ” (إش 38 : 17).
الله – تبارك اسمه – لا ظهر له… لأن الله روح، ولكن هذه الكلمات مجازية وهي تعني أن الله يطرح خطايا المؤمن في مكان لا يعود يراها فيه.
ونذكر هنا عبارة “كل خطاياي”… فالله في غنى نعمته يطرح كل خطايا المؤمن وراء ظهره.
الغفران يعني أن الله يمحو خطايا المؤمن كما تمحى السحابة السوداء.
“قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ. اِرْجِعْ إِلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُكَ” (إش 44 : 22)
الخطية كالسحابة السوداء تفصل الإنسان عن الله كما قال إشعياء النبي: “هَا إِنَّ يَدَ الرَّبِّ لَمْ تَقْصُرْ عَنْ أَنْ تُخَلِّصَ، وَلَمْ تَثْقَلْ أُذُنُهُ عَنْ أَنْ تَسْمَعَ. بَلْ آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلهِكُمْ، وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ” (إش 59 : 1 -2).
فالغفران يعني أن الله يمحو خطايا المؤمن كما تمحى السحابة السوداء فلا يعود هناك من يفصله عن الله. “وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ” (أف 2 :13)
الغفران يعني أن الله يبعد خطايا المؤمن عنه كبعد المشرق من المغرب.
يرنم داود في المزمور ترنيمته العذبة: “كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا” (مز 103 : 12)
كم يبعد المشرق من المغرب؟ أنا لا أستطيع التكهن … لكن هذه الكلمات تعلن أن الله القدوس أبعد معاصي المؤمن عنه، فلا يعود إلى الشعور بالذنب ،ويغفر لنفسه كما غفر الرب له.
“لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ” (عب 9 : 13 -14).
الغفران يعني أن الله لا يعود يذكر خطايا المؤمن ولا تعدياته فيما بعد.
هذا هو وعد الله القدوس: “أَنَا أَنَا هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي، وَخَطَايَاكَ لاَ أَذْكُرُهَا” (إش 43 : 25).
فلأجل ما عمله الله بموت المسيح على الصليب، يمحو الله خطايا المؤمن ولا يعود يذكرها فيما بعد. في هذا يختلف غفران الله عن غفران الإنسان ،فالإنسان قد يغفر الإساءة ولكنه لا ينساها، أما الله فيقول: “وخطاياك لا أذكرها”.
وقد يخطر ببال أحد السؤال: لماذا لم يغفر الله الخطايا بكلمة وهو صاحب السلطان العظيم؟
والجواب: إن عدل الله لا يسمح له أن يغفر بغير حساب ،“اَللهُ قَاضٍ عَادِلٌ، وَإِلهٌ يَسْخَطُ فِي كُلِّ يَوْمٍ”(مز 7 : 11)
“أَمَّا الرَّبُّ فَإِلَى الدَّهْرِ يَجْلِسُ. ثَبَّتَ لِلْقَضَاءِ كُرْسِيَّهُ، وَهُوَ يَقْضِي لِلْمَسْكُونَةِ بِالْعَدْلِ. يَدِينُ الشُّعُوبَ بِالاسْتِقَامَةِ” (مز 9 : 7 -8) .
وقداسة الله لا تسمح له أن يغفر السيئات بالحسنات ،لأن أجرة الخطية موت وليست حسنات. وحكمة الله دبرت الغفران لمن يؤمنون بدم المسيح الكريم، الذي التقت في صليبه عدالة الله برحمة الله. وظهرت فيه بصورة مجسمة محبة الله.
وقبل هذا كله، ومع هذا كله، فقد أعلن الله بموت ابنه يسوع المسيح أنه بار في تبريره للمذنبين الذين يؤمنون.
هنا يخطر ببالنا سؤالان:
السؤال الأول: كيف يمكن لفرد واحد أن يسدد أجرة خطايا الملايين الذين يؤمنون؟
والجواب: لو كان المسيح إنسانًا مخلوقًا كسائر الناس خلقه الله كآدم من تراب، ثم قال له كن فكان، لما استطاع حتى بموته على الصليب أن يمنح الخطاة الغفران. لكن المسيح هو الله الابن، وهو يفوق في ذاته الملايين، لأنه خالق العالم كله وخالق الملايين، وهذا ما قاله الكتاب المقدس عنه:
“اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ” (عب 1 :1 -2)
“فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ” (يو 1 : 1 -3)
” فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ” (كو 1 : 16).
يسوع المسيح “الواحد” هو خالق الكل، ولذا فلا حدود لعظمة قدره وقيمته… ولهذا كان في قدرته وهو واحد أن يبرر، ويغفر، ويقدس بدمه الكريم ملايين المؤمنين.
السؤال الثاني : هل من العدل أن يأخذ يسوع المسيح البار مكان الأشرار ويموت من أجلهم على الصليب، وكلمة الله تقول:
” مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ” (أم 17 : 15).
وهنا يختلف موقف المسيح في هذه القضية عن موقف أي شخص آخر في قضية مماثلة. فالمجرم في هذه القضية هو الإنسان الذي عصى وصية الله… والقاضي هو المسيح، وهو واضع القانون، وهو من أسُيء إليه بعصيان الإنسان. ولم يعلن أحد في هذه المحكمة أن المسيح البار، هو المذنب الذي يجب أن يأخذ مكان الشرير، بل إن المسيح “القاضي” بسبب حبه، ورحمته ،رضي باختياره أن يأخذ مكان الشرير.
وهذا يذكرني بالقاضي المصري، الذي وقف أمامه سائق سيارة تاكسي ،كسر إشارة المرور الحمراء وصدم السيارة التي أمامه فحطم أنوارها الخلفية ،وحكم القاضي على السائق بغرامة ثلاثين جنيهًا، وهو مبلغ كان كبيرًا في تلك الأيام.
بكى السائق بكاء مرًّا، وسأله القاضي: لماذا تبكي؟ قال: لأني لا أملك ثلاثين جنيهًا، ولا بد أن أبقى في السجن حتى أسدد هذا المبلغ الكبير، وأولاديوزوجتي من أين يأكلون؟
فأخرج القاضي حافظة نقوده، وأخرج منها ثلاثين جنيهًا وأعطاها لسكرتير المحكمة، وقال له: إدفعْ هذا المبلغ لخزينة المحكمة، ودع هذا الرجل المسكين يعود إلى عمله ليطعم أولاده.
أكبرت الصحف وقتئذ ما فعله القاضي… وهو صورة باهتة لما عمله المسيح، إذ اختار أن يأخذ مكان المذنب ليحرر المذنب ويسدد أجرة خطاياه.
لم يبرّئ القاضي المذنب، ولكنه سدد عقاب جريمته بسبب إنسانيته وقلبه الكبير. وهذا ما فعله المسيح، وعن هذا كتب بولس الرسول الكلمات: ” فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ” (في 2 : 5 -8).
بهذا الاتضاع الذي رضي به المسيح ،أعلن حب الآب للعالم: “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 : 16).
والعالم المذكور هنا هو عالم الناس الذين يؤمنون .كما أعلن حب المسيح لخاصته “أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى” (يو 13 : 1).
كل هذا الحب الفائق المعرفة، ظهر في دم المسيح الكريم الذي سُفك على الصليب، ولذا فليس بعجيب أن يرنم له إنسان فاض في قلبه هذا الحب:
كنت في سجن الخطايا عبد إبليس الرجيم
ثم نجاني الرحيم غير مأمول الخلاص
واشتراني واشتراني ذاك بالدم الكريم
لم يف بالمال ديني ذلك الفادي العظيم
بل فداني بدماه من عذابات الجحيم
واشتراني واشتراني ذاك بالدم الكريم
الفصل الرابع
دم المسيح الكريم هو
أساس النجاة من الهلاك
نقرأ في سفر الخروج الأصحاح الثاني عشر الكلمات:
“وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ حِينَ أَضْرِبُ أَرْضَ مِصْرَ” (خر 12 : 13)
ما هي قصة هذا الدم الموضوع على بيوت العبرانيين الذين كانوا في مصر؟
هكذا تبدأ القصة:
“وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. إِنَّهُ لِي. وَقَالَ مُوسَى لِلشَّعْبِ: اذْكُرُوا هذَا الْيَوْمَ الَّذِي فِيهِ خَرَجْتُمْ مِنْ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ، فَإِنَّهُ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَا. وَلاَ يُؤْكَلُ خَمِيرٌ. اَلْيَوْمَ أَنْتُمْ خَارِجُونَ فِي شَهْرِ أَبِيبَ. وَيَكُونُ مَتَى أَدْخَلَكَ الرَّبُّ أَرْضَ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ الَّتِي حَلَفَ لآبَائِكَ أَنْ يُعْطِيَكَ، أَرْضًا تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا، أَنَّكَ تَصْنَعُ هذِهِ الْخِدْمَةَ فِي هذَا الشَّهْرِ. سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَأْكُلُ فَطِيرًا، وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ عِيدٌ لِلرَّبِّ. فَطِيرٌ يُؤْكَلُ السَّبْعَةَ الأَيَّامِ، وَلاَ يُرَى عِنْدَكَ مُخْتَمِرٌ، وَلاَ يُرَى عِنْدَكَ خَمِيرٌ فِي جَمِيعِ تُخُومِكَ. وَتُخْبِرُ ابْنَكَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَائِلًا: مِنْ أَجْلِ مَا صَنَعَ إِلَيَّ الرَّبُّ حِينَ أَخْرَجَنِي مِنْ مِصْرَ. وَيَكُونُ لَكَ عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَتَذْكَارًا بَيْنَ عَيْنَيْكَ، لِكَيْ تَكُونَ شَرِيعَةُ الرَّبِّ فِي فَمِكَ. لأَنَّهُ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أَخْرَجَكَ الرَّبُّ مِنْ مِصْرَ. فَتَحْفَظُ هذِهِ الْفَرِيضَةَ فِي وَقْتِهَا مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ. وَيَكُونُ مَتَى أَدْخَلَكَ الرَّبُّ أَرْضَ الْكَنْعَانِيِّينَ كَمَا حَلَفَ لَكَ وَلآبَائِكَ، وَأَعْطَاكَ إِيَّاهَا، أَنَّكَ تُقَدِّمُ لِلرَّبِّ كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ، وَكُلَّ بِكْرٍ مِنْ نِتَاجِ الْبَهَائِمِ الَّتِي تَكُونُ لَكَ. الذُّكُورُ لِلرَّبِّ” (خر 13 : 1 -12)
والآن، ما هي الدروس التي نتعلمها من هذه القصة الكتابية؟
الدرس الأول هو أن الحياة الجديدة تبدأ بقبول فداء المسيح لنا.
قال الرب لموسى وهارون: “هذَا الشَّهْرُ يَكُونُ لَكُمْ رَأْسَ الشُّهُورِ. هُوَ لَكُمْ أوَّلُ شُهُورِ السَّنَةِ”. كل سنين العبودية في مصر لا حساب لها… إنها سنوات ضائعة في الذل والهوان وعبودية فرعون. لكن، من الوقت الذي يقبل فيه الإنسان الفداء بدم المسيح الكريم، تبدأ حياته الجديدة… حياته التي لها حساب عند الرب. أما الحياة تحت عبودية الخطية وتحت سلطان الشيطان، فلا حساب لها في موازين الله.
الدرس الثاني: كان على كل بيت من بيوت العبرانيين أن يأخذ شاة صحيحة ذكرًا ابن سنة … وهذه الشاة كانت رمزًا للرب يسوع المسيح…
فهو الكامل الصحيح في ذاته وصفاته …
هو الحمل الذي بلا عيب ولا دنس. ووضع الشاة تحت الحفظ من عاشر الشهر إلى اليوم الرابع عشر، كان لإثبات خلو الشاة من العيوب… وقد أثبت يسوع المسيح أثناء وجوده بالجسد على الأرض صلاحه، وكماله، وتحدّى أعداءه قائلاً: ” مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي” (يو 8 : 46) فهو المنزّه عن الخطأ، والمعصوم من الزلل لأنه ابن الله.
الدرس الثالث: كان على كل بيت أن يأخذ شاة من الخرفان أو من المواعز، وهذا يعني أن كل بيت كان يعلن أن هذا الحمل خاص به، سيُذبح لنجاته من الهلاك.
وقد أدرك بولس هذا الحق بخصوص موت المسيح فقال: “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2 : 20).
ومع أن كل بيت كان يأخذ شاة من الخرفان أو المواعز، فقد كانت كلها تتركز في خروف واحد كما أعلنت الكلمات: “وَيَكُونُ عِنْدَكُمْ تَحْتَ الْحِفْظِ إِلَى الْيَوْمِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ. ثُمَّ يَذْبَحُهُ كُلُّ جُمْهُورِ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ فِي الْعَشِيَّةِ” (خر 12 : 6)
كلنا اشتركنا في موت المسيح على الصليب، لأنه مات لأجل خطايانا. وجميع قرابين وذبائح العهد القديم تشير إلى ذبيحة يسوع المسيح “الذبح العظيم” الذي لما رآه يوحنا المعمدان أشار إليه قائلاً: “وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ” (يو 1 : 29) فهو وحده الفادي المعين من الله ولا آخر سواه.
الدرس الرابع: كان لا بد من ذبح خروف الفصح ووضع الدم على القائمتين والعتبة العليا على باب كل بيت من بيوت العبرانيين لنجاة البكر من ضربة الهلاك.
لو أن إسرائيليًا ربط الخروف حيًا على باب بيته لدخل المهلك، وقتل بكره.
موت المسيح على الصليب هو أساس النجاة من الهلاك. ولا يكفي قط الإيمان بالمسيح نبيًا عظيمًا… أو معلمًا فذًّا، أو مثالاً رائعًا… لا بد من الإيمان به مصلوبًا على الصليب، لذلك كتب بولس الرسول للمؤمنين في كورنثوس قائلاً:
“وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ مُنَادِيًا لَكُمْ بِشَهَادَةِ اللهِ، لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا” (1كو 2 : 1 -2)
جدير بالانتباه أن نذكر أن الفرق الوحيد بين المصريين والعبرانيين في تلك الليلة الليلاء، لم يكن فرقًا في آدابهم “إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو 3 : 23). كان الفرق الظاهر هو الدم الموضوع على كل بيت عبراني.
لقد أنقذ الله أبكار العبرانيين، لأنهم وضعوا ثقتهم في الدم… دم الخروف البديل الذي التقى فيه عدل الله برحمة الله.
كان من المحتم جعل دم الخروف على باب كل بيت على حدة لينجو البكر من الهلاك. وخروف الفصح المذبوح كان رمزًا للمسيح، الذي سُفك دمه الكريم على الصليب. ولكي يخلص أي إنسان عليه أن يؤمن بالمسيح مخلصًا شخصيًا لنفسه.
“إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ. لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا” (1 كو 5 : 7).
ومع أن موت المسيح على الصليب يكفي للتكفير عن خطايا العالم كله، إلا أنه لن يخلص أحد من دينونة الله إلا إذا قبل الرب يسوع المسيح مخلصًا شخصيًا لنفسه.
“الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ” (يو 3 : 36).
الدرس الخامس: الدم، والدم وحده كان أساس نجاة البكر من ضربة الهلاك.
وهذا ما قاله الرب: ” وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ حِينَ أَضْرِبُ أَرْضَ مِصْرَ” (خر 12 : 13). دم الخروف المذبوح وحده كان أساس نجاة البكر من الهلاك.
شعور البكر داخل البيت الموسوم بعلامة الدم لم يكن أساسًا لنجاته. فالخلاص من الهلاك ليس بالشعور … فقد يكون البكر في أحد بيوت العبرانيين في حالة خوف ورعب… أو في حالة فرح وابتهاج… شعوره لا مكان له في نجاته.
ولم يكن صوم البكر سبب نجاته.
ولم تكن صلوات البكر سبب نجاته.
ولم تكن أعمال البكر الصالحة سبب نجاته.
كان دم الخروف المذبوح، والموضوع على القائمتين والعتبة العليا وحده أساس نجاته… ومهما كان شعور ذلك البكر في البيت الذي وضع الدم على بابه، فإنه كان في أمان تام من الهلاك.
إن أمن المؤمن بالمسيح المصلوب، ليس مبنيًا على الشعور، لكنه مبني على وعد الله الأكيد: “فأرى الدم وأعبر عنكم”.
“إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ” (رو 8 : 1)
لا مكان للأعمال الصالحة في خلاص الإنسان ،”لأنكم بالنعمة مخلصون”
“لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” (أف 2 : 8 -9).
الدرس السادس: بعد وضع الدم على البيوت، كان لا بد من أكل لحم الخروف المذبوح.
فكما خلص المؤمن بقوة الدم، فعليه أن يتغذى بالمسيح الذي فداه.
“وَيَأْكُلُونَ اللَّحْمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَشْوِيًّا بِالنَّارِ مَعَ فَطِيرٍ. عَلَى أَعْشَابٍ مُرَّةٍ يَأْكُلُونَهُ” (خر 12 : 8).
وأكل اللحم مشويًا بالنار، إشارة إلى نار الدينونة التي اجتازها حمل الله على الصليب.
وكانوا يأكلونه بعجلة… أحقاؤهم مشدودة، وأحذيتهم في أرجلهم، وعصيهم في أيديهم… هذا دليل استعدادهم للرحيل من مصر التي ترمز إلى العالم الحاضر الشرير، واتجاههم إلى الأرض الجيدة التي تفيض لبنًا وعسلاً.
وقبل أن أختتم هذا الفصل أذكر أمرين:
الأمر الأول: لماذا حكم الرب بضرب أبكار المصريين؟
قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف الذي أنقذ مصر من المجاعة. فقال لشعبه: هوذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا. هلم نحتال لهم لئلا ينموا فيكون إذا حدثت حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ويصعدون من الأرض… ثم أمر فرعون جميع شعبه قائلاً كل ابن يولد تطرحونه في النهر. لكن كل بنت تستحيونها إقرأ :
“ثُمَّ قَامَ مَلِكٌ جَدِيدٌ عَلَى مِصْرَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ. فَقَالَ لِشَعْبِهِ: هُوَذَا بَنُو إِسْرَائِيلَ شَعْبٌ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنَّا. هَلُمَّ نَحْتَالُ لَهُمْ لِئَلاَّ يَنْمُوا، فَيَكُونَ إِذَا حَدَثَتْ حَرْبٌ أَنَّهُمْ يَنْضَمُّونَ إِلَى أَعْدَائِنَا وَيُحَارِبُونَنَا وَيَصْعَدُونَ مِنَ الأَرْضِ. فَجَعَلُوا عَلَيْهِمْ رُؤَسَاءَ تَسْخِيرٍ لِكَيْ يُذِلُّوهُمْ بِأَثْقَالِهِمْ، فَبَنَوْا لِفِرْعَوْنَ مَدِينَتَيْ مَخَازِنَ: فِيثُومَ، وَرَعَمْسِيسَ. وَلكِنْ بِحَسْبِمَا أَذَلُّوهُمْ هكَذَا نَمَوْا وَامْتَدُّوا. فَاخْتَشَوْا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَاسْتَعْبَدَ الْمِصْرِيُّونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعُنْفٍ، وَمَرَّرُوا حَيَاتَهُمْ بِعُبُودِيَّةٍ قَاسِيَةٍ فِي الطِّينِ وَاللِّبْنِ وَفِي كُلِّ عَمَل فِي الْحَقْلِ. كُلِّ عَمَلِهِمِ الَّذِي عَمِلُوهُ بِوَاسِطَتِهِمْ عُنْفًا. وَكَلَّمَ مَلِكُ مِصْرَ قَابِلَتَيِ الْعِبْرَانِيَّاتِ اللَّتَيْنِ اسْمُ إِحْدَاهُمَا شِفْرَةُ وَاسْمُ الأُخْرَى فُوعَةُ، وَقَالَ: حِينَمَا تُوَلِّدَانِ الْعِبْرَانِيَّاتِ وَتَنْظُرَانِهِنَّ عَلَى الْكَرَاسِيِّ، إِنْ كَانَ ابْنًا فَاقْتُلاَهُ، وَإِنْ كَانَ بِنْتًا فَتَحْيَا. وَلكِنَّ الْقَابِلَتَيْنِ خَافَتَا اللهَ وَلَمْ تَفْعَلاَ كَمَا كَلَّمَهُمَا مَلِكُ مِصْرَ، بَلِ اسْتَحْيَتَا الأَوْلاَدَ. فَدَعَا مَلِكُ مِصْرَ الْقَابِلَتَيْنِ وَقَالَ لَهُمَا: لِمَاذَا فَعَلْتُمَا هذَا الأَمْرَ وَاسْتَحْيَيْتُمَا الأَوْلاَدَ . فَقَالَتِ الْقَابِلَتَانِ لِفِرْعَوْنَ: إِنَّ النِّسَاءَ الْعِبْرَانِيَّاتِ لَسْنَ كَالْمِصْرِيَّاتِ، فَإِنَّهُنَّ قَوِيَّاتٌ يَلِدْنَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُنَّ الْقَابِلَةُ. فَأَحْسَنَ اللهُ إِلَى الْقَابِلَتَيْنِ، وَنَمَا الشَّعْبُ وَكَثُرَ جِدًّا. وَكَانَ إِذْ خَافَتِ الْقَابِلَتَانِ اللهَ أَنَّهُ صَنَعَ لَهُمَا بُيُوتًا. ثُمَّ أَمَرَ فِرْعَوْنُ جَمِيعَ شَعْبِهِ قَائِلًا: كُلُّ ابْنٍ يُولَدُ تَطْرَحُونَهُ فِي النَّهْرِ، لكِنَّ كُلَّ بِنْتٍ تَسْتَحْيُونَهَا” (خر 1 : 8 -22).
مات الكثيرون من أولاد العبرانيين الذكور غرقًا ثم جاء يوم العقاب، فقتل الرب جميع أبكار المصريين “لاَ تَضِلُّوا! اَللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا” (غل 3 :7).
الأمر الثاني: يتصل بمكان الدم، فقد أمر الرب بوضعه على العتبة العليا والقائمتين… لا مكان للدم على العتبة السفلى.
“مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى فَعَلَى شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَمُوتُ بِدُونِ رَأْفَةٍ. فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ” (عب 10 : 28 -29).
أعود مكررًا : لا مكان لدم المسيح الكريم على العتبة السفلى لأن العتبة السفلى للدوس. فمن يزدري بدم المسيح الكريم، أو يحسب دمه دنسًا، سيُعاقب عقابًا أبديًا مخيفًا.
إن دم المسيح الكريم هو أساس النجاة من الهلاك.
الفصل الخامس
دم المسيح الكريم
هو أساس المصالحة مع الله
يقول النبي إشعياء: “وَيْلٌ لِمَنْ يُخَاصِمُ جَابِلَهُ. خَزَفٌ بَيْنَ أَخْزَافِ الأَرْضِ. هَلْ يَقُولُ الطِّينُ لِجَابِلِهِ: مَاذَا تَصْنَعُ؟ أَوْ يَقُولُ: عَمَلُكَ لَيْسَ لَهُ يَدَانِ” (إش 45 : 9)
ومع ذلك فإن الإنسان بطبيعته الساقطة يعلن عداءه لله، أو بمعنى آخر يعلن خصومته لله.
وهناك عدة أسباب للخصومة بين الإنسان وخالقه:
وأول سبب للخصومة بين الإنسان وخالقه هو الخطية.
والخطية تعني التعدي على وصايا الله كما قال يوحنا البشير: “كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضًا. وَالْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي” (1يو 3 : 4).
والخطية هي كل ما ليس من الإيمان. “وَأَمَّا الَّذِي يَرْتَابُ فَإِنْ أَكَلَ يُدَانُ، لأَنَّ ذلِكَ لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ فَهُوَ خَطِيَّةٌ” (رو 14 : 23).
ومن الناحية السلبية ، “فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (يع 4 :17).
الخطية بكل صورها تقف سدًا فاصلاً بين الله والإنسان، وتعلن بصورتها البشعة عداء الإنسان لله. “هَا إِنَّ يَدَ الرَّبِّ لَمْ تَقْصُرْ عَنْ أَنْ تُخَلِّصَ، وَلَمْ تَثْقَلْ أُذُنُهُ عَنْ أَنْ تَسْمَعَ. بَلْ آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلهِكُمْ، وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ” (إش 59 : 1 -2).
وتتركز خطية الإنسان في فكره وفي أعماله الشريرة كما يقول بولس الرسول: “وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا أَجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ” (كو 1 : 21)
وتظهر عداوة فكر الإنسان في إنكاره لوجود الله ، ” قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: لَيْسَ إِلهٌ. فَسَدُوا وَرَجِسُوا رَجَاسَةً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا. اَللهُ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ كُلُّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (مز 53 : 1 -3).
ويطلق الله على الإنسان الذي ينكر وجوده صفة “الجاهل”، لأنه جاهل بحقيقة الإبداع والإتقان في الخليقة التي خلقها الله، وجاهل بالدقة والروعة التي خلق بها الله الإنسان، وجاهل بالعالم الروحي الذي يحيط بالإنسان. وتظهر خصومة الإنسان لخالقه في أعماله الشريرة ، ” وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ. مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلًا وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا، نَمَّامِينَ مُفْتَرِينَ، مُبْغِضِينَ للهِ، ثَالِبِينَ مُتَعَظِّمِينَ مُدَّعِينَ، مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا، غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ، بِلاَ فَهْمٍ وَلاَ عَهْدٍ وَلاَ حُنُوٍّ وَلاَ رِضىً وَلاَ رَحْمَةٍ. الَّذِينَ إِذْ عَرَفُوا حُكْمَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هذِهِ يَسْتَوْجِبُونَ الْمَوْتَ، لاَ يَفْعَلُونَهَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يُسَرُّونَ بِالَّذِينَ يَعْمَلُونَ” (رو 1 : 28 :32)
السبب الثاني للخصومة بين الإنسان وخالقه هو الفواجع والكوارث الساحقة التي تصيب الإنسان.
قالت لي سيدة مسنة: «أنا أبغض الله بغضًا شديدًا، لأنه أخذ أمي وأنا في الثانية عشرة من عمري، كنت في حاجة إلى رعايتها ونصائحها … ولكن الله القاسي القلب أخذها».
ومن الغريب أن الإنسان ينكر وجود الله في قلبه المظلم، فإذا حدثت كارثة طبيعية كالفيضانات والأعاصير التي تغرق الألوف، أو الزلازل التي تهدم البيوت وتشرد سكانها، أو كارثة إنسانية كحوادث اصطدام القطارات والسيارات، أو سقوط الطائرات، فإنه يرفع صوته مجدفًا على الله، وينسب إليه – تبارك اسمه – عدم المبالاة.
وقد تأمل أيوب في الكوارث التي أصابته، كيف فقد في يوم واحد سبعة آلاف من الغنم، وثلاثة آلاف جمل، وخمس مئة فدان بقر (أي ألف بقرة)، وخمس مئة أتان. وزاد على كل ذلك أن البيت الذي اجتمع فيه بنوه وبناته صدمته ريح شديدة فسقط عليهم وماتوا جميعًا.
وبعد كل هذه المصائب ضرب الشيطان أيوب بقرح رديء من باطن قدمه إلى هامته (أيوب 1:1-19 و 7:2). وهنا نطق أيوب بالكلمات :
“قَدْ كَرِهَتْ نَفْسِي حَيَاتِي. أُسَيِّبُ شَكْوَايَ. أَتَكَلَّمُ فِي مَرَارَةِ نَفْسِي. قَائِلًا للهِ: لاَ تَسْتَذْنِبْنِي. فَهِّمْنِي لِمَاذَا تُخَاصِمُنِي! أَحَسَنٌ عِنْدَكَ أَنْ تَظْلِمَ، أَنْ تُرْذِلَ عَمَلَ يَدَيْكَ، وَتُشْرِقَ عَلَى مَشُورَةِ الأَشْرَارِ” (أي 10 : 1 -3).
لم يخاصم الرب أيوب ولكن أيوب لم يعرف ما دار بين الرب والشيطان من حديث بخصوصه، وفي جهله قال للرب: «فهمني لماذا تخاصمني؟».
وكثيرون خاصموا الرب بسبب المصائب التي أصابتهم.
السبب الثالث للخصومة بين الإنسان وخالقه هو بغض الإنسان لأخيه الإنسان.
في دائرة الأسرة الواحدة، تبغض الحماة كنتها، والكنة حماتها، ومرارًا يبغض الأخ أخاه، والأب ولده، ويبغض الزوج زوجته والزوجة زوجها.
وحين يبغض الإنسان أخاه، يبغض الله. “إِنْ قَالَ أَحَدٌ: إِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ” (1 يو 4 : 20).
“مَنْ قَالَ: إِنَّهُ فِي النُّورِ وَهُوَ يُبْغِضُ أَخَاهُ، فَهُوَ إِلَى الآنَ فِي الظُّلْمَةِ. مَنْ يُحِبُّ أَخَاهُ يَثْبُتُ فِي النُّورِ وَلَيْسَ فِيهِ عَثْرَةٌ. وَأَمَّا مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ فِي الظُّلْمَةِ، وَفِي الظُّلْمَةِ يَسْلُكُ، وَلاَ يَعْلَمُ أَيْنَ يَمْضِي، لأَنَّ الظُّلْمَةَ أَعْمَتْ عَيْنَيْهِ” (1 يو 2 : 9 -11) فمن يبغض أخاه يعلن خصومته لله.
السبب الرابع للخصومة بين الإنسان وخالقه هو الغنى الكثير.
هذا هو السبب الذي دفع أجور ابن متقية مسّا أن يرفع للرب هذه الصلاة: “اِثْنَتَيْنِ سَأَلْتُ مِنْكَ، فَلاَ تَمْنَعْهُمَا عَنِّي قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ: أَبْعِدْ عَنِّي الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ. لاَ تُعْطِنِي فَقْرًا وَلاَ غِنًى. أَطْعِمْنِي خُبْزَ فَرِيضَتِي، لِئَلاَّ أَشْبَعَ وَأَكْفُرَ وَأَقُولَ: مَنْ هُوَ الرَّبُّ؟ أَوْ لِئَلاَّ أَفْتَقِرَ وَأَسْرِقَ وَأَتَّخِذَ اسْمَ إِلهِي بَاطِلًا “ (أم 30 : 7 – 9).
الإنسان لا يحتمل الغنى الكثير، ولذلك كلمّ الرب شعبه بعد خروجهم من أرض مصر قائلاً :
“لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ آتٍ بِكَ إِلَى أَرْضٍ جَيِّدَةٍ. أَرْضِ أَنْهَارٍ مِنْ عُيُونٍ، وَغِمَارٍ تَنْبَعُ فِي الْبِقَاعِ وَالْجِبَالِ. أَرْضِ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَكَرْمٍ وَتِينٍ وَرُمَّانٍ. أَرْضِ زَيْتُونِ زَيْتٍ، وَعَسَل. أَرْضٌ لَيْسَ بِالْمَسْكَنَةِ تَأْكُلُ فِيهَا خُبْزًا، وَلاَ يُعْوِزُكَ فِيهَا شَيْءٌ. أَرْضٌ حِجَارَتُهَا حَدِيدٌ، وَمِنْ جِبَالِهَا تَحْفُرُ نُحَاسًا. فَمَتَى أَكَلْتَ وَشَبِعْتَ تُبَارِكُ الرَّبَّ إِلهَكَ لأَجْلِ الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ الَّتِي أَعْطَاكَ. اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تَنْسَى الرَّبَّ إِلهَكَ وَلاَ تَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَأَحْكَامَهُ وَفَرَائِضَهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ. لِئَلاَّ إِذَا أَكَلْتَ وَشَبِعْتَ وَبَنَيْتَ بُيُوتًا جَيِّدَةً وَسَكَنْتَ، وَكَثُرَتْ بَقَرُكَ وَغَنَمُكَ، وَكَثُرَتْ لَكَ الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ، وَكَثُرَ كُلُّ مَا لَكَ، يَرْتَفِعُ قَلْبُكَ وَتَنْسَى الرَّبَّ إِلهَكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ، الَّذِي سَارَ بِكَ فِي الْقَفْرِ الْعَظِيمِ الْمَخُوفِ، مَكَانِ حَيَّاتٍ مُحْرِقَةٍ وَعَقَارِبَ وَعَطَشٍ حَيْثُ لَيْسَ مَاءٌ. الَّذِي أَخْرَجَ لَكَ مَاءً مِنْ صَخْرَةِ الصَّوَّانِ. الَّذِي أَطْعَمَكَ فِي الْبَرِّيَّةِ الْمَنَّ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ آبَاؤُكَ، لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ، لِكَيْ يُحْسِنَ إِلَيْكَ فِي آخِرَتِكَ. وَلِئَلاَّ تَقُولَ فِي قَلْبِكَ: قُوَّتِي وَقُدْرَةُ يَدِيَ اصْطَنَعَتْ لِي هذِهِ الثَّرْوَةَ. بَلِ اذْكُرِ الرَّبَّ إِلهَكَ، أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُعْطِيكَ قُوَّةً لاصْطِنَاعِ الثَّرْوَةِ، لِكَيْ يَفِيَ بِعَهْدِهِ الَّذِي أَقْسَمَ لآبَائِكَ كَمَا فِي هذَا الْيَوْمِ” (تث 8 : 7 -18).
الغنى الكثير يدفع الإنسان إلى نسيان الرب، وهو بهذا النسيان يعلن عداءه للرب إذ يتجاهل وجوده.
وعداوة الإنسان لله تحرمه من سلام الله، وتجعل حياته بائسة مهما حاول تغطية شقائه وبؤسه بشتى الوسائل.
السبب الخامس للخصومة بين الله والإنسان هو محبة العالم.
يقول يعقوب في رسالته: “أَيُّهَا الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي، أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ للهِ؟ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّا للهِ” (يع 4 : 4).
والعالم الذي يذكره يعقوب ليس هو عالم البشر الذين أحبهم الله
“لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ “ (يو 3 : 16). ، بل هو النظام العالمي الذي وُضع تحت سيادة إبليس وقال عنه يوحنا الرسول: “نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ اللهِ، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1 يو 5 : 19).
وهو النظام الذي قال عنه أيضًا: “لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ. لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ” (1يو 2 : 15 -16). من يحب هذا النظام العالمي الفاسد يعلن عداوته وخصومته لله.
كيف يتصالح الإنسان النجس مع الله القدوس؟ وما معنى المصالحة مع الله؟
الكلمة “مصالحة” تعني أن هناك خصومة بين اثنين، هذه الخصومة فرّقت بينهما، فالواحد أساء للآخر، والإساءة جرحت الآخر وأوجدت هوة في العلاقات بين الطرفين، وأوجدت الخوف في قلب المخاصم.
والمصالحة تعني معرفة أسباب الخصومة، ومعرفة ذاك القادر على إزالتها، وإعادة الطرفين المتخاصمين إلى علاقات المحبة والسلام.
فيعقوب كان خائفًا من لقاء أخيه عيسو ودفعه الخوف للصلاة إلى الرب:
“نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي، مِنْ يَدِ عِيسُوَ، لأَنِّي خَائِفٌ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَضْرِبَنِي الأُمَّ مَعَ الْبَنِينَ” (تك 32 :11). وقد استجاب الرب صلاة يعقوب، فلما اقترب من عيسو “فَرَكَضَ عِيسُو لِلِقَائِهِ وَعَانَقَهُ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ، وَبَكَيَا” (تك 33 :4).
زال الخوف من قلب يعقوب بعد أن تصالح مع أخيه عيسو.
وهذا ما يحدث للإنسان حين يتصالح مع الله، يزول الخوف من قلبه ،ويمتلئ القلب بالسلام.
أدرك أيوب عجزه عن أن يتصالح مع الله إلا إذا وجد مصالحًا يضع يده على يد الرب وعلى يده، ويجمعهما معًا، فقال: “لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا” (أي 9 : 32 -33).
والمصالح الوحيد، الذي في قدرته مصالحة الله مع الإنسان هو يسوع المسيح على أساس دمه الكريم.
فدم المسيح الكريم يقربنا إلى الله، ويعيد شركتنا معه، ويصالحنا معه. وهذا ما أعلنه بولس الرسول لليهود والأمم الذين آمنوا بفاعلية دم المسيح الكريم فجعلهم واحدًا وأزال العداوة التي بينهما، إذ قال لهم:
“لِذلِكَ اذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلًا فِي الْجَسَدِ، الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَانًا مَصْنُوعًا بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلاَ إِلهٍ فِي الْعَالَمِ. وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ. لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ. أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلًا بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا، وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلًا الْعَدَاوَةَ بِهِ. فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ” (أف 2 : 11 -17).
ومرة ثانية كتب بولس الرسول للقديسين في كولوسي الكلمات:
“شَاكِرِينَ الآبَ الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِينَ فِي النُّورِ، الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ، الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا …. لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا أَجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ. فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ” (كو 1 : 12 -14 و 19 -22).
ويذكر الرسول في كلماته مصالحة “ما على الأرض أم ما في السماوات”، ونرى في كلمات بولس الرسول المصالحة الأبدية للخليقة حين تعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله.
وتستوقفنا كلمات “أم ما في السماوات”، ولعل تمرّد إبليس وملائكته ،وسقوطه بعد أن كان ” يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ مَرْثَاةً عَلَى مَلِكِ صُورَ وَقُلْ لَهُ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: أَنْتَ خَاتِمُ الْكَمَالِ، مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ الْجَمَالِ” (حز 28 : 12).
وتمرّد ثلث الملائكة معه، جعل السماء غير طاهرة بعيني الرب كما قال أليفاز التيماني لأيوب: “هُوَذَا قِدِّيسُوهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ، وَالسَّمَاوَاتُ غَيْرُ طَاهِرَةٍ بِعَيْنَيْهِ” (أي 15 : 15).
وسيأتي الوقت الذي فيه تتم المصالحة الأبدية للخليقة كلها “ما على الأرض أم ما في السماوات”، ” لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ” (رو 8 : 19 – 21).
في ذلك الوقت لن يوجد مكان لإبليس وملائكته في السماء “وَحَدَثَتْ حَرْبٌ فِي السَّمَاءِ: مِيخَائِيلُ وَمَلاَئِكَتُهُ حَارَبُوا التِّنِّينَ، وَحَارَبَ التِّنِّينُ وَمَلاَئِكَتُهُ” (رؤيا 12 : 7) وتتم المصالحة الأبدية لما على الأرض وما في السماوات.
الإنسان الأثيم لا يمكنه أن يتقدم إلى الله بلا وسيط، والوسيط الوحيد الذي في قدرته أن يصالح الله مع الإنسان هو يسوع المسيح. “لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (1 تي 2 :5). فالمسيح هو الوسيط الوحيد لأنه ابن الله، فهو يستطيع أن يضع يده على يد الله بلاهوته، وأن يضع يده على يد الإنسان بناسوته، وأن يصالح الله والإنسان بدمه الكريم.
يذكر بولس الرسول صفات الإنسان الطبيعي: فهو ضعيف، وهو فاجر ،وهو خاطئ، وهو عدو لله ” لأَنَّ الْمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ. فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضًا أَنْ يَمُوتَ. وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ! لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ” (رو 5 : 6 -10).
ولكنه يذكر مع هذا كله أن الله صالح هذا الإنسان المتدهور بموت ابنه، أي بدم المسيح الكريم، فيقول:
” لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ” (رو 5 : 10).
دم المسيح الكريم هو أساس المصالحة مع الله، والإنسان الذي تصالح مع الله يعيش في سلام، ويمتلئ قلبه بالبهجة.
“فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ، إِلَى هذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ، وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ” (رو 5 : 1 -2).
الفصل السادس
دم المسيح الكريم
هو كفارة الخطايا
وضع الفيلسوف اليوناني “أفلاطون”، مؤسس علم المنطق، مبدأ هامًا لمناقشة أية قضية معروضة للنقاش، وهو تعريف معاني الكلمات المرتبطة بالقضية حتى لا يلتبس فهمها على من يناقشها. فمن المنطق السليم أن نبدأ هذا الفصل بتعريف معنى كلمة “الكفارة”.
كلمة الكفارة معناها كما جاء في قاموس المنجد ” الستر والغطاء”، ويتفق هذا المعنى مع ما جاء في قاموس المصباح المنير إذ نقرأ فيه تعريف معنى الكفارة بالكلمات : “قال لبيد: في ليلة كفر النجومَ غمامُها، أي ستر الغمامُ نجومها. وكفر الله عنه الذنب،أي محاه”.
فالكفارة تعني معنيين: الأول ستر الخطية، والثاني هو أن الله – تبارك اسمه – يمحو الخطية كما قال: ” قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ. اِرْجِعْ إِلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُكَ” (إش 44 : 22).
وعن هذا قال داود النبي في قصيدته: “طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً، وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ” (مز 32 : 1 -2).
وفي هذا الفصل سندرس الكفارة في العهدين القديم والجديد.
الكفارة في العهد القديم
أمر الرب شعبه بتخصيص يوم كل سنة أسماه “يوم الكفارة”، وهو من أهم الأيام عند اليهود .
“وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: أَمَّا الْعَاشِرُ مِنْ هذَا الشَّهْرِ السَّابعِ، فَهُوَ يَوْمُ الْكَفَّارَةِ. مَحْفَلًا مُقَدَّسًا يَكُونُ لَكُمْ. تُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ وَتُقَرِّبُونَ وَقُودًا لِلرَّبِّ. عَمَلًا مَا لاَ تَعْمَلُوا فِي هذَا الْيَوْمِ عَيْنِهِ، لأَنَّهُ يَوْمُ كَفَّارَةٍ لِلتَّكْفِيرِ عَنْكُمْ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ” (لا 23 : 26 -28)
ويشرح الأصحاح السادس عشر من سفر اللاويين خدمة هذا اليوم العظيم بالكلمات:
” وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: كَلِّمْ هَارُونَ أَخَاكَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى الْقُدْسِ دَاخِلَ الْحِجَابِ أَمَامَ الْغِطَاءِ الَّذِي عَلَى التَّابُوتِ لِئَلاَّ يَمُوتَ، لأَنِّي فِي السَّحَابِ أَتَرَاءَى عَلَى الْغِطَاءِ. بِهذَا يَدْخُلُ هَارُونُ إِلَى الْقُدْسِ: بِثَوْرِ ابْنِ بَقَرٍ لِذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ، وَكَبْشٍ لِمُحْرَقَةٍ. يَلْبَسُ قَمِيصَ كَتَّانٍ مُقَدَّسًا، وَتَكُونُ سَرَاوِيلُ كَتَّانٍ عَلَى جَسَدِهِ، وَيَتَنَطَّقُ بِمِنْطَقَةِ كَتَّانٍ، وَيَتَعَمَّمُ بِعِمَامَةِ كَتَّانٍ. إِنَّهَا ثِيَابٌ مُقَدَّسَةٌ. فَيَرْحَضُ جَسَدَهُ بِمَاءٍ وَيَلْبَسُهَا. وَمِنْ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَأْخُذُ تَيْسَيْنِ مِنَ الْمَعْزِ لِذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ، وَكَبْشًا وَاحِدًا لِمُحْرَقَةٍ. وَيُقَرِّبُ هَارُونُ ثَوْرَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لَهُ، وَيُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَيْتِهِ. وَيَأْخُذُ التَّيْسَيْنِ وَيُوقِفُهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. وَيُلْقِي هَارُونُ عَلَى التَّيْسَيْنِ قُرْعَتَيْنِ: قُرْعَةً لِلرَّبِّ وَقُرْعَةً لِعَزَازِيلَ.وَيُقَرِّبُ هَارُونُ التَّيْسَ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ لِلرَّبِّ وَيَعْمَلُهُ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ. وَأَمَّا التَّيْسُ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ لِعَزَازِيلَ فَيُوقَفُ حَيًّا أَمَامَ الرَّبِّ، لِيُكَفِّرَ عَنْهُ لِيُرْسِلَهُ إِلَى عَزَازِيلَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ. وَيُقَدِّمُ هَارُونُ ثَوْرَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لَهُ وَيُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَيْتِهِ، وَيَذْبَحُ ثَوْرَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لَهُ، وَيَأْخُذُ مِلْءَ الْمَجْمَرَةِ جَمْرَ نَارٍ عَنِ الْمَذْبَحِ مِنْ أَمَامِ الرَّبِّ، وَمِلْءَ رَاحَتَيْهِ بَخُورًا عَطِرًا دَقِيقًا، وَيَدْخُلُ بِهِمَا إِلَى دَاخِلِ الْحِجَاب. وَيَجْعَلُ الْبَخُورَ عَلَى النَّارِ أَمَامَ الرَّبِّ، فَتُغَشِّي سَحَابَةُ الْبَخُورِ الْغِطَاءَ الَّذِي عَلَى الشَّهَادَةِ فَلاَ يَمُوتُ. ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ دَمِ الثَّوْرِ وَيَنْضِحُ بِإِصْبَعِهِ عَلَى وَجْهِ الْغِطَاءِ إِلَى الشَّرْقِ. وَقُدَّامَ الْغِطَاءِ يَنْضِحُ سَبْعَ مَرَّاتٍ مِنَ الدَّمِ بِإِصْبَعِهِ. ثُمَّ يَذْبَحُ تَيْسَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لِلشَّعْبِ، وَيَدْخُلُ بِدَمِهِ إِلَى دَاخِلِ الْحِجَابِ. وَيَفْعَلُ بِدَمِهِ كَمَا فَعَلَ بِدَمِ الثَّوْرِ: يَنْضِحُهُ عَلَى الْغِطَاءِ وَقُدَّامَ الْغِطَاءِ، فَيُكَفِّرُ عَنِ الْقُدْسِ مِنْ نَجَاسَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ. وَهكَذَا يَفْعَلُ لِخَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ الْقَائِمَةِ بَيْنَهُمْ فِي وَسَطِ نَجَاسَاتِهِمْ. وَلاَ يَكُنْ إِنْسَانٌ فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ مِنْ دُخُولِهِ لِلتَّكْفِيرِ فِي الْقُدْسِ إِلَى خُرُوجِهِ، فَيُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَيْتِهِ وَعَنْ كُلِّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ. ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الْمَذْبَحِ الَّذِي أَمَامَ الرَّبِّ وَيُكَفِّرُ عَنْهُ. يَأْخُذُ مِنْ دَمِ الثَّوْرِ وَمِنْ دَمِ التَّيْسِ وَيَجْعَلُ عَلَى قُرُونِ الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرًا. وَيَنْضِحُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّمِ بِإِصْبَعِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَيُطَهِّرُهُ وَيُقَدِّسُهُ مِنْ نَجَاسَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَمَتَى فَرَغَ مِنَ التَّكْفِيرِ عَنِ الْقُدْسِ وَعَنْ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَعَنِ الْمَذْبَحِ، يُقَدِّمُ التَّيْسَ الْحَيَّ. وَيَضَعُ هَارُونُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ الْحَيِّ وَيُقِرُّ عَلَيْهِ بِكُلِّ ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكُلِّ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ، وَيَجْعَلُهَا عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ، وَيُرْسِلُهُ بِيَدِ مَنْ يُلاَقِيهِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، لِيَحْمِلَ التَّيْسُ عَلَيْهِ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ إِلَى أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ، فَيُطْلِقُ التَّيْسَ فِي الْبَرِّيَّةِ. ثُمَّ يَدْخُلُ هَارُونُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَيَخْلَعُ ثِيَابَ الْكَتَّانِ الَّتِي لَبِسَهَا عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْقُدْسِ وَيَضَعُهَا هُنَاكَ. وَيَرْحَضُ جَسَدَهُ بِمَاءٍ فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ، ثُمَّ يَلْبَسُ ثِيَابَهُ وَيَخْرُجُ وَيَعْمَلُ مُحْرَقَتَهُ وَمُحْرَقَةَ الشَّعْبِ، وَيُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ الشَّعْبِ. وَشَحْمُ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ يُوقِدُهُ عَلَى الْمَذْبَحِ. وَالَّذِي أَطْلَقَ التَّيْسَ إِلَى عَزَازِيلَ يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَرْحَضُ جَسَدَهُ بِمَاءٍ، وَبَعْدَ ذلِكَ يَدْخُلُ إِلَى الْمَحَلَّةِ. وَثَوْرُ الْخَطِيَّةِ وَتَيْسُ الْخَطِيَّةِ اللَّذَانِ أُتِيَ بِدَمِهِمَا لِلتَّكْفِيرِ فِي الْقُدْسِ يُخْرِجُهُمَا إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ، وَيُحْرِقُونَ بِالنَّارِ جِلْدَيْهِمَا وَلَحْمَهُمَا وَفَرْثَهُمَا. وَالَّذِي يُحْرِقُهُمَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَرْحَضُ جَسَدَهُ بِمَاءٍ، وَبَعْدَ ذلِكَ يَدْخُلُ إِلَى الْمَحَلَّةِ. وَيَكُونُ لَكُمْ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً، أَنَّكُمْ فِي الشَّهْرِ السَّابعِ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ تُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ، وَكُلَّ عَمَل لاَ تَعْمَلُونَ: الْوَطَنِيُّ وَالْغَرِيبُ النَّازِلُ فِي وَسَطِكُمْ. لأَنَّهُ فِي هذَا الْيَوْمِ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ لِتَطْهِيرِكُمْ. مِنْ جَمِيعِ خَطَايَاكُمْ أَمَامَ الرَّبِّ تَطْهُرُونَ. سَبْتُ عُطْلَةٍ هُوَ لَكُمْ، وَتُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً. وَيُكَفِّرُ الْكَاهِنُ الَّذِي يَمْسَحُهُ، وَالَّذِي يَمْلأُ يَدَهُ لِلْكَهَانَةِ عِوَضًا عَنْ أَبِيهِ. يَلْبَسُ ثِيَابَ الْكَتَّانِ، الثِّيَابَ الْمُقَدَّسَةَ، وَيُكَفِّرُ عَنْ مَقْدِسِ الْقُدْسِ. وَعَنْ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَالْمَذْبَحِ يُكَفِّرُ. وَعَنِ الْكَهَنَةِ وَكُلِّ شَعْبِ الْجَمَاعَةِ يُكَفِّرُ. وَتَكُونُ هذِهِ لَكُمْ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً لِلتَّكْفِيرِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُمْ مَرَّةً فِي السَّنَةِ. فَفَعَلَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى” (لا 16 : 2 -34).
كانت خدمة رئيس الكهنة يوم الكفارة، تبدأ بإعداد نفسه لهذه الخدمة الخطيرة. كان يلبس ثيابًا مقدسة من كتان بعد أن يرحض جسده بماء. وكان يقرب ثور الخطية الذي له ،ويكفر عن نفسه وعن بيته.
” وَيَأْخُذُ مِلْءَ الْمَجْمَرَةِ جَمْرَ نَارٍ عَنِ الْمَذْبَحِ مِنْ أَمَامِ الرَّبِّ، وَمِلْءَ رَاحَتَيْهِ بَخُورًا عَطِرًا دَقِيقًا، وَيَدْخُلُ بِهِمَا إِلَى دَاخِلِ الْحِجَاب. وَيَجْعَلُ الْبَخُورَ عَلَى النَّارِ أَمَامَ الرَّبِّ، فَتُغَشِّي سَحَابَةُ الْبَخُورِ الْغِطَاءَ الَّذِي عَلَى الشَّهَادَةِ فَلاَ يَمُوتُ. ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ دَمِ الثَّوْرِ وَيَنْضِحُ بِإِصْبَعِهِ عَلَى وَجْهِ الْغِطَاءِ إِلَى الشَّرْقِ. وَقُدَّامَ الْغِطَاءِ يَنْضِحُ سَبْعَ مَرَّاتٍ مِنَ الدَّمِ بِإِصْبَعِهِ. ثُمَّ يَذْبَحُ تَيْسَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لِلشَّعْبِ، وَيَدْخُلُ بِدَمِهِ إِلَى دَاخِلِ الْحِجَابِ. وَيَفْعَلُ بِدَمِهِ كَمَا فَعَلَ بِدَمِ الثَّوْرِ: يَنْضِحُهُ عَلَى الْغِطَاءِ وَقُدَّامَ الْغِطَاءِ، فَيُكَفِّرُ عَنِ الْقُدْسِ مِنْ نَجَاسَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ. وَهكَذَا يَفْعَلُ لِخَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ الْقَائِمَةِ بَيْنَهُمْ فِي وَسَطِ نَجَاسَاتِهِمْ “ ( لا 16 : 12 -16).
“وَيُقَرِّبُ هَارُونُ ثَوْرَ الْخَطِيَّةِ الَّذِي لَهُ، وَيُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَيْتِهِ. وَيَأْخُذُ التَّيْسَيْنِ وَيُوقِفُهُمَا أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ.ويُلْقِي هَارُونُ عَلَى التَّيْسَيْنِ قُرْعَتَيْنِ: قُرْعَةً لِلرَّبِّ وَقُرْعَةً لِعَزَازِيلَ. وَيُقَرِّبُ هَارُونُ التَّيْسَ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ لِلرَّبِّ وَيَعْمَلُهُ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ. وَأَمَّا التَّيْسُ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ لِعَزَازِيلَ فَيُوقَفُ حَيًّا أَمَامَ الرَّبِّ، لِيُكَفِّرَ عَنْهُ لِيُرْسِلَهُ إِلَى عَزَازِيلَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ” (لا 16 : 7 -10).
ويقول Halley’s Bible Handbook أن اسم عزازيل هو اسم الشيطان ،أما Unger’s Bible Handbook فيقول أن عزازيل معناه capegoat أي من يحمل خطايا غيره.
هنا نتوقف عند التيسين : تيس الرب، وتيس عزازيل.
أما تيس الرب فكان يقدَّم ذبيحة خطية ليعلن أن عدل الله قد استوفى حقه، وأظهر كمال برّ الله، وهو رمز لما عمله المسيح على الصليب.
أما تيس عزازيل فنرى فيه ما يلي :
1- كان التيس الذي لعزازيل هو الذي تقع عليه القرعة لعزازيل.
2- لم يكن هذا التيس هو عزازيل بل مُرسل لعزازيل.
3- كان هذا التيس يوقف حيًا أمام الرب ليكفر عنه، ليرسله إلى عزازيل إلى البرية، وهذا يعلن أنه ليس الشيطان، لأن الشيطان لا يمكن التكفير عنه.
4- كان هارون رئيس الكهنة يضع كلتا يديه على رأس التيس الحي ويقر عليه بكل ذنوب بني إسرائيل وكل سيئاتهم مع كل خطاياهم ويجعلها على رأس التيس ويرسله بيد من يلاقيه إلى البرية ليحمل التيس كل ذنوبهم إلى أرض مقفرة فيطلق التيس إلى البرية.
وفي رأينا أن هذا التيس المرسل إلى عزازيل، والمطلق في البرية كان يعلن للشيطان أن كل شكايته ضد شعب الله انتهت بغفران خطاياهم وسيّآتهم بالدم، إذ انطلق بها التيس الذي لعزازيل إلى البرية حيث لن يراها أحد فيما بعد.
“وَالَّذِي أَطْلَقَ التَّيْسَ إِلَى عَزَازِيلَ يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَرْحَضُ جَسَدَهُ بِمَاءٍ، وَبَعْدَ ذلِكَ يَدْخُلُ إِلَى الْمَحَلَّةِ” (لا 16 : 26).
الكفارة في العهد الجديد
دم المسيح الكريم هو الكفارة في العهد الجديد، والفرق بين الكفارة في العهد القديم، والكفارة في العهد الجديد:
أن الكفارة في العهد القديم كانت تغطي خطايا وسيّآت بني إسرائيل لمدة سنة واحدة فقط “وَتَكُونُ هذِهِ لَكُمْ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً لِلتَّكْفِيرِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُمْ مَرَّةً فِي السَّنَةِ. فَفَعَلَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى” (لا 16 : 34).
“وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هذِهِ الْخَلِيقَةِ، وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا” (عب 9 : 11 -12).
إن رئيس الكهنة في العهد القديم كان في حاجة للتكفير عن نفسه فهو خاطئ كسائر الناس – أما المسيح فنقرأ عنه: ” لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ . الَّذِي لَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَوَّلًا عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ خَطَايَا الشَّعْبِ، لأَنَّهُ فَعَلَ هذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ” (عب 7 : 26 -27).
“وَكُلُّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَارًا كَثِيرَةً تِلْكَ الذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ الْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ الْخَطِيَّةَ. وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ … لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ” (عب 10 : 11 – 12 ، 14).
“عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ. لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالْحَيَاةُ الَّتِي يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا للهِ”(رو 6 : 9 -10).
كفارة المسيح كفارة أبدية، وهي تعلن محبة الله العميقة للمؤمنين.
“فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا” (1 يو 4 : 10).
المسيح هو ابن الله، وذلك بشهادة الآب له ،“كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ” (مت 11 : 27).
“وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ قِائِلًا: مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟. فَقَالُوا: قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ. قَالَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟. فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!. فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 16 : 13 -17).
لقد أعلن الآب الذي يعرف الابن حقيقة الابن لسمعان بطرس.
وأعلن يوحنا الرسول أن المسيح كفارة لخطايا الذين يؤمنون به.
“يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا” (1 يو 2 : 1 -2).
يسوع المسيح هو الشفيع الوحيد عند الآب، وذلك لأنه بار بطبيعته التي وُلد بها، ولأنه صار كفارة لخطايانا بموته على الصليب ، ولأنه حي في كل حين، وموجود في كل مكان، يسمع طلبات الذين يطلبون شفاعته.
أما القديسون الذين ماتوا فقد انقطعت علاقتهم بكل ما هو تحت الشمس ،ولن يعود أحد منهم للاتصال بسكان الأرض، ولا يسمع أحد منهم توسلات من يطلبون شفاعته على الأرض، وليس في قدرة أحد منهم تقديم مساعدة للساكنين على الأرض ، وهم لن يصيروا آلهة يوجدون في كل مكان، ويسمعون صلاة كل إنسان. الله وحده هو المطلق الوجود.
وهذا ما قاله أيوب: “إِذَا مَضَتْ سِنُونَ قَلِيلَةٌ أَسْلُكُ فِي طَرِيق لاَ أَعُودُ مِنْهَا” (أي 16 : 22).
وما قاله داود: “الإِنْسَانُ مِثْلُ الْعُشْبِ أَيَّامُهُ. كَزَهَرِ الْحَقْلِ كَذلِكَ يُزْهِرُ. لأَنَّ رِيحًا تَعْبُرُ عَلَيْهِ فَلاَ يَكُونُ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مَوْضِعُهُ بَعْدُ” (مز 103 : 15 -16).
وما نقرأ عنه في سفر الجامعة: “لأَنَّ الأَحْيَاءَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ سَيَمُوتُونَ، أَمَّا الْمَوْتَى فَلاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُمْ أَجْرٌ بَعْدُ لأَنَّ ذِكْرَهُمْ نُسِيَ. وَمَحَبَّتُهُمْ وَبُغْضَتُهُمْ وَحَسَدُهُمْ هَلَكَتْ مُنْذُ زَمَانٍ، وَلاَ نَصِيبَ لَهُمْ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ، فِي كُلِّ مَا عُمِلَ تَحْتَ الشَّمْسِ” (جا 9 : 5 -6).
وقد أعلن بولس الرسول هذا الحق في كلماته إلى القديسين في فيلبي: “لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ … فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا. وَلكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ” (في 1 : 21 ، 23 -24).
وكلمات بولس الرسول تعلن أن خدمته للقديسين تستمر طالما كان في الجسد، أما بعد موته فهو لن يستطيع خدمتهم أو مساعدتهم، لأن انطلاقه ليكون مع المسيح أنهى تمامًا خدمته لهم على الأرض.
لنذكر جيدًا أن أجرة الخطية هي موت، ويسوع المسيح لم يفعل خطية ،وتحدّى اليهود قائلاً: “مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي” (يو 8 : 46).، ولم يجسر أحد أن يشير إليه بإصبع اتهام.
فلماذا مات على الصليب وهو “البار”؟
نكرر القول: إنه مات لإظهار بر الله، وهذا هو القصد الأول من الكفارة.
“وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ” (رو 3 : 2 -26).
أما القصد الثاني فهو الصفح عن الخطايا السالفة. فبر الله ظهر بكل جلاله ومجده في دم المسيح الكريم الذي به أظهر بره بالصفح عن الخطايا السالفة … الخطايا التي فعلها المؤمنون من آدم إلى المسيح … خطايا آدم، وهابيل ،ونوح، وأخنوخ، وداود، وسليمان وغيرهم من المؤمنين الذين ماتوا قبل موتالمسيح على الصليب … فالله القدوس لم يتغاض عن هذه الخطايا بل وضعها على المسيح الذي كان موته على الصليب معروفًا سابقًا قبل تأسيس العالم…
ولكنه في الزمان أظهر بره بموت المسيح على الصليب
الكفارة في العهد الجديد هي كفارة أبدية لا تتكرر، ولن تتكرر. فالإله الحقيقي الذي أظهر المسيح اسمه للناس الذين أعطاهم الآب له هو الذي دبر الكفارة قبل تأسيس العالم.
• الآب أحب العالم … عالم الناس الذين سيؤمنون “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 : 16).
• والابن رضي باختياره أن يخلي نفسه من مجده الأزلي، ويصير في شبه الناس، ويضع نفسه ويطيع حتى الموت موت الصليب، ليسدد أجرة خطية الإنسان التي هي الموت. “أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى” (يو 13 : 1).
• والروح القدس كان مع الابن حين قدّم نفسه “لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ” (عب 9 : 13 -14).
• وأعلن للمؤمنين مدى اتساع وعمق محبة الله، وما ينتظرهم من مجد بسبب إيمانهم في هذا الحب.
وعن هذا قال بولس الرسول للقديسين في كورنثوس:
“لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، الَّذِينَ يُبْطَلُونَ. بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ. بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ. فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟ هكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ” (1 كو 6 -11).
• تكرار الذبائح في العهد القديم كان يعني عجزها وعدم كفايتها على إيفاء العدل الإلهي حقه، لكن ذبيحة المسيح الواحدة كان فيها كل الكفاية للتكفير عن خطايا المؤمنين … وهي ذبيحة لن تتكرر كما قلنا سابقًا. وعن تكرار الذبائح والقرابين في العهد القديم يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين:
“وَأُولئِكَ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً كَثِيرِينَ من أَجلِ مَنْعِهِمْ بِالْمَوْتِ عَنِ الْبَقَاءِ، وَأَمَّا هذَا فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ. فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ” (عب 7 : 23 -25).
اختتم هذا الفصل بالاختبار الذي ذكره دكتور هـ أ أيرنسايد H A Ironside في كتاب من كتبه وهو اختبار أحد اليهود الربيّين، وجد في دم المسيح الكريم كفارة لخطاياه. قال ذلك الرجل اليهودي:
وُلدت في فلسطين منذ حوالي سبعين سنة، وعلمني والدي أن أقرأ الناموس ،والمزامير، والأنبياء، وقد واظبت منذ صباي على حضور المجمع، وتعلمت العبرانية من الربيين، وعندما تقدمت في العمر ودرست الناموس بأكثر تدقيق راعتني المكانة التي يحتلها الدم في كل فرائض الناموس، وأزعجني اختفاء الدم كلية في كل أعيادنا المقدسة. قرأت مرارًا (خروج 12، ولاويين 16 و17).
وقد أرعبني الأصحاح الأخير بصورة خاصة عندما فكرت في يوم الكفارة العظيم ومكان الدم فيه، وليلاً ونهارًا كانت هناك آية تتردد في أذني “لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ” (لا 17 : 11).
كنت أعرف أنني تعديت الناموس، وأنني في حاجة للكفارة، وسنة بعد سنة كنت في ذلك اليوم – يوم الكفارة – أقرع صدري معترفًا بحاجتي للكفارة، ولكن الكفارة كانت لا بد أن تعمل بالدم، ولم يكن هناك دم.
ذهبت من فرط حزني إلى أحد الربيين وكان رجلاً متعلمًا وجليلاً، وفتحت له قلبي، فقال لي أن الله غضب على شعبه، وأن مكان العبادة في أيدي الأمم ،وأن الهيكل قد هُدم، وأن هذا المكان هو البقعة الوحيدة في العالم التي نستطيع أن نقدم فيها دم الذبائح كما جاء في سفر ( التثنية 12 ولاويين 17).
ولكنه تلاشى ،وتبددت أمتنا في كل الأرض، ولهذا فنحن لا نستطيع أن نقدم الدم في يومالكفارة. لقد أغلق الله نفسه الطريق علينا حتى لا نقوم بالخدمة المرهوبة في يومالكفارة العظيم.
ثم قال: إن علينا الآن أن نعود للتوراة (أسفار موسى الخمسة) إلى تفسير الربيين لها، واتباع تعاليمهم، وأن نثق في رحمة الله، وفي استحقاقات الآباء، وفي أعمالنا الصالحة.
حاولت أن أقبل إجابته، ولكنني لم أجد فيها راحة لنفسي، كان هناك صوت في أعماقي يتردد قائلاً: إن ناموس الله لا يمكن أن يتغير حتى ولو هدم الهيكل. كنت متيقنًا أنه لا شيء سوى الدم الذي طلبه الله يكفر عن خطيتي ويخلص نفسي ،وأن الله لم يتركنا بغير كفارة، ولو أنني لم أكن أعرف أين أجد هذه الكفارة.
امتلأت رعبًا، واستشرت بعض الربيين الآخرين، ولكنني لم أجد جوابًا لهذا السؤال الواحد: “أين أستطيع أن أجد دم الكفارة؟”
كان عمري أكثر من ثلاثين عامًا حين تركت فلسطين وذهبت إلى القسطنطينية، وما زال سؤالي الذي لم أجد له جوابًا يتردد في ذهني، وما زالت نفسي مضطربة للغاية بسبب خطاياي.
وذات ليلة كنت أسير في شارع ضيق من شوارع المدينة ووجدت لافتة تعلن عن اجتماع لليهود. ودفعني الفضول أن أفتح الباب وأدخل، وعندما جلست سمعت المتكلم يقول: “ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية”.
ثم تابع حديثه قائلاً: “يسوع المسيح البار هو كفارة لخطايانا”. وأصغيت بانتباه إلى المتكلم وهو يقول كيف أن الله أعلن أنه “بدون سفك دم لا تحصل مغفرة”، وكيف أن كل الذين وثقوا في دم المسيح الكريم المسفوك على الصليب حصلوا على غفران تام لجميع آثامهم.
وجدت دم الكفارة في النهاية. فاض السلام في نفسي، وغمرتني راحة عظمى.
في تلك الليلة قبلت ذبيحة “المسيا يسوع” الكفارية، وبالإيمان بدمه دخلت إلى ميراثي، الذي هو هبة الله المجانية – الحياة الأبدية.
إن ما عمله يسوع المسيا لأجلي، عمله لأجلك أيضًا. فهل تقبله اليوم؟!
“هُوَذَا اللهُ خَلاَصِي فَأَطْمَئِنُّ وَلاَ أَرْتَعِبُ، لأَنَّ يَاهَ يَهْوَهَ قُوَّتِي وَتَرْنِيمَتِي وَقَدْ صَارَ لِي خَلاَصًا” (إش 12 :2).
الفصل السابع
دم المسيح الكريم هو
أساس الغلبة على الشيطان
في هذا الفصل ننتقل من العالم المنظور إلى العالم غير المنظور، ومن العالم المادي بكل ما يحتويه إلى عالم الروح بكل ما يخفيه. والكون الذي نعيش فيه، مكوّن من ثلاثة أقسام من الكائنات:
من في السماء، ومن على الأرض، ومن تحت الأرض. وعن هذا قال بولس الرسول عن المسيح وهذه الكائنات:
“وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ. لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ” (في 2 : 8 -11).
وفي سفر رؤيا يوحنا نرى ذات المنظر الذي نقرأ عنه الكلمات:
“وَرَأَيْتُ عَلَى يَمِينِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ سِفْرًا مَكْتُوبًا مِنْ دَاخِل وَمِنْ وَرَاءٍ، مَخْتُومًا بِسَبْعَةِ خُتُومٍ. وَرَأَيْتُ مَلاَكًا قَوِيًّا يُنَادِي بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «مَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌ أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ؟. فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ فِي السَّمَاءِ وَلاَ عَلَى الأَرْضِ وَلاَ تَحْتَ الأَرْضِ أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَلاَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ” (رؤ 5 : 1 -3).
هناك كائنات في هذا الكون في السماء، وعلى الأرض وتحت الأرض. ومع هذه الكائنات نقرأ في رسالة يهوذا عن “وَالْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ لَمْ يَحْفَظُوا رِيَاسَتَهُمْ، بَلْ تَرَكُوا مَسْكَنَهُمْ حَفِظَهُمْ إِلَى دَيْنُونَةِ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ بِقُيُودٍ أَبَدِيَّةٍ تَحْتَ الظَّلاَمِ” (يه 6).
ويذكر بطرس الرسول هؤلاء الملائكة بالكلمات: “لأَنَّهُ إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى مَلاَئِكَةٍ قَدْ أَخْطَأُوا، بَلْ فِي سَلاَسِلِ الظَّلاَمِ طَرَحَهُمْ فِي جَهَنَّمَ، وَسَلَّمَهُمْ مَحْرُوسِينَ لِلْقَضَاءِ” (2 بط 2 : 4).
وهذا يقودنا للحديث عن إبليس، الذي نقرأ عنه: “وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلًا حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ” (أف 2 : 1 -2).
إبليس هو رئيس سلطان الهواء … وقد استخدم الهواء استخدامًا قويًا في خداع وتضليل الجماهير، ونشر الزنى، والدعارة، والفجور في القنوات الفضائية المنتشرة في أرجاء العالم.
ومملكة إبليس مملكة عسكرية منظمة بنظام دقيق يذكرها بولس الرسول بكلماته التي كتبها إلى القديسين في أفسس:
“أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (أف 6 : 10 – 12).
ومن الضروري أن نفهم هذا النظام الشيطاني الدقيق، فالمؤمنون لا يصارعون مع دم ولحم بل مع الرؤساء، وهؤلاء الرؤساء يرسلهم إبليس للسيطرة على حكام العالم ونشر الضلال في الأرض ، فكل دولة من دول العالم عيّن إبليس لها رئيسًا، وهذا يتضح لنا مما حدث لدانيآل فقد جعل قلبه للفهم ولإذلال نفسه قدام إلهه، وظهر له كائن عظيم على جانب النهر العظيم، هو دجلة، وقال له:
” لاَ تَخَفْ يَا دَانِيآلُ، لأَنَّهُ مِنَ الْيَوْمِ الأَوَّلِ الَّذِي فِيهِ جَعَلْتَ قَلْبَكَ لِلْفَهْمِ وَلإِذْلاَلِ نَفْسِكَ قُدَّامَ إِلهِكَ، سُمِعَ كَلاَمُكَ، وَأَنَا أَتَيْتُ لأَجْلِ كَلاَمِكَ. وَرَئِيسُ مَمْلَكَةِ فَارِسَ وَقَفَ مُقَابِلِي وَاحِدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهُوَذَا مِيخَائِيلُ وَاحِدٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ الأَوَّلِينَ جَاءَ لإِعَانَتِي، وَأَنَا أُبْقِيتُ هُنَاكَ عِنْدَ مُلُوكِ فَارِسَ. وَجِئْتُ لأُفْهِمَكَ مَا يُصِيبُ شَعْبَكَ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ، لأَنَّ الرُّؤْيَا إِلَى أَيَّامٍ بَعْدُ” (دا 10 : 12 -14).
هناك حرب بين الملائكة الساقطين والملائكة القديسين تدور في الأجواء السماوية، وواضح أن إبليس عين رئيسًا لمملكة فارس، وعيّن رئيسًا لمملكة اليونان “فَقَالَ: هَلْ عَرَفْتَ لِمَاذَا جِئْتُ إِلَيْكَ؟ فَالآنَ أَرْجعُ وَأُحَارِبُ رَئِيسَ فَارِسَ. فَإِذَا خَرَجْتُ هُوَذَا رَئِيسُ الْيُونَانِ يَأْتِي” (دا 10 : 20). وعيّن لكل دولة رئيسًا، وفي الأجواء العليا تدورالحرب بين رؤساء الملائكة الساقطين ورؤساء الملائكة القديسين.
والمؤمنون يصارعون مع الرؤساء ومع السلاطين، ومع ولاة العالم، ومع أجناد الشر الروحية في السماويات.
والكتاب المقدس يعلن لنا أن هناك ثلاث سماوات: السماء التي تطير فيها الطيور، وسماء النجوم والكواكب، وفوقهما السماء الثالثة مكان سكنى الله. فالجو المحيط بنا ملآن بأجناد الشر الروحية… ولكي ننتصر في صراعنا مع قوات الشيطان، قوات الظلام، علينا أن نلبس سلاح الله الكامل.
ولنذكر أن السلاح سلاح الله، وأنه ليس سلاحنا، فنحن لا نقوى بغير سلاح الله الكامل على الغلبة في هذه المصارعة.
إذا انفتحت عيون أذهاننا، ورأينا القوات الروحية العاتية المحيطة بنا ،وميادين مصارعتها لنا نحن المؤمنين، لأسرعنا مختبئين تحت دم المسيح الكريم، لأن فيه القدرة على الغلبة على قوات الظلام.
والآن، ما هي الميادين التي تصارع فيها قوات الظلام بهدف هزيمة المؤمنين؟
الميدان الأول : ميدان مكايد إبليس
“الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ” (أف 6 : 11). والمكايد تعني أساليب الغواية والخداع التي يستخدمها إبليس. وعن هذه المكايد كتب بولس الرسول للقديسين في كورنثوس الكلمات: “وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ” (2 كو 11 : 3).
سكن الشيطان الحية، واستخدمها في خداع حواء، حتى أكلت من الشجرة المحرمة، وهو ما زال يخدع الملايين لفعل الجرائم والرذائل وشتى الموبقات.
وهدف إبليس الأول، هو أن يتعبد الناس له بدلاً من عبادة الإله الحقيقي، ولهذا دفعهم لابتداع مختلف الديانات والفلسفات التي انتشرت في أرجاء الأرض. وفي تجربة إبليس للمسيح في البرية، وهي التجربة التي ارتضى المسيح أن يمر فيها ليظهر كماله وعصمته عن الخطية ،قال إبليس للمسيح وهو يريه ممالك العالم وأمجادها: “وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: لَكَ أُعْطِي هذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ، لأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ، وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ. فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ” (لو 4 : 6 -7).
هدف الشيطان أن يتعبد الناس له، أما دم المسيح الكريم فهو الأساس للنصرة عليه.
يطلب الرسول بطرس من المؤمنين المختارين بمقتضى علم الله الآب السابق أن يكونوا في منتهى اليقظة ضد مكايد الشيطان فيقول لهم:
“اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ، عَالِمِينَ أَنَّ نَفْسَ هذِهِ الآلاَمِ تُجْرَى عَلَى إِخْوَتِكُمُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ” (1 بط 5 : 8 -9).
كان أيوب مسلحًا بقوة الإيمان حين أراد إبليس أن يبتلعه، فقال وهو يواجه المصائب التي أصابته: “عريانًا خرجت من بطن أمي وعريانًا أعود إلى هناك. “وَقَالَ: عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا” (أي 1 : 21). لم ينسب أيوب لله جهالة، بل سلمّ لإرادته تسليمًا تامًا.
الميدان الثاني : ميدان اليوم الشرير
“مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا” (أف 6 : 13).
واليوم الشرير هو اليوم الذي تحدث فيه المصائب والكوارث متتابعة في يوم واحد. فاليوم الذي خرج فيه الشيطان من أمام وجه الرب، وقد سمح له الرب أن يفعل ما يريد بكل ما لأيوب، ووضع له حدًا لا يتعداه قائلاً: “فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ. ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ” (أي 1 : 12)كان يومًا شريرًا تتابعت فيه الكوارث على أيوب. ففي ذلك اليوم الشرير فقدَ كل ما كان يملك من بقر، وجمال، وأتن … وأحرقت النار غنمه وغلمانه وأكلتهم … وهاجم الكلدانيون خدمه وأخذوا الجمال التي كانت له، وأخيرًا ضرب إعصار شديد زوايا البيت الأربع الذي كان أولاده وبناته فيه فسقط عليهم وماتوا جميعًا. كان هذا اليوم الأسود، هو اليوم الشرير في حياة أيوب.
ولعلك اختبرت ولو جزئيًا يومًا مثل هذا اليوم. حدث خلل في سيارتكوأنت متجه بها إلى موعد هام… انزلقت رجل ابنك أو ابنتك فانكسرت… اكتشفت سرقة المال الذي اقتصدته واحتفظت به في بيتك… جاءك خبر وفاة والدك أو والدتك… كل هذا في يوم واحد… هذا يوم شرير تحتاج فيه إلى حمل سلاح الله الكامل لتقاوم هجمات قوات الظلام.
الميدان الثالث : ميدان سهام الشرير المتهبة
“حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ” (أف 6 : 16). وسهام الشرير توجّه إلى العقل. وهي سهام ملتهبة، فهي كالنار تلسع وتؤلم وتحرق الأعصاب.
هي سهام يحاول الشرير بها أن يملأ العقل بالشك في صدق كلمة الله، وفي حقيقة محبة الله، وحقيقة دينونة الله. وهي سهام تملأ العقل بالتصورات الجنسية المثيرة، التي تسلب طهارة الفكر وتحاول أن تغوص به في الأوحال.
وهي سهام توحي بتدابير الانتقام من أشخاص أساءوا إليك، وتحرضك لتدبير مكايد للانتقام من أعدائك. لما حان وقت وفاة يعقوب أبي الأسباط، جمع أولاده حول سريره ليخبرهم بما يصيبهم في آخر الأيام. ولما جاء دور ابنه يوسف قال له: “يُوسُفُ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ عَلَى عَيْنٍ. أَغْصَانٌ قَدِ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ حَائِطٍ. فَمَرَّرَتْهُ وَرَمَتْهُ وَاضْطَهَدَتْهُ أَرْبَابُ السِّهَامِ. وَلكِنْ ثَبَتَتْ بِمَتَانَةٍ قَوْسُهُ، وَتَشَدَّدَتْ سَوَاعِدُ يَدَيْهِ. مِنْ يَدَيْ عَزِيزِ يَعْقُوبَ، مِنْ هُنَاكَ، مِنَ الرَّاعِي صَخْرِ إِسْرَائِيلَ” (تك 49 : 22 -24)
أرباب السهام، وهم من الملائكة الساقطين، مرّروا حياة يوسف بسهامهم الملتهبة التي وجهوها إلى عقله – وليس هناك أقسى من المرارة حين تملأ حياة المؤمن.
لقد وجّه أرباب السهام سهم التساؤل عن محبة الله، فقالوا ليوسف : أين محبة الله في كل ما أصابك؟ لماذا سمح الله أن تباع عبدًا؟ وأن تُتهم من قِبل امرأة شريرة في طهارتك، وأن تُلقى في السجن وتؤذى بالقيد رجليك؟
كل هذه سهام وجهها الشرير إلى عقل يوسف، ولكن الله منحه الإيمان القوي الذي به أطفأ لهيب هذه السهام، حتى انتهى به المطاف إلى أن صار رئيسًا لكل أرض مصر.
وجدير بنا أن نذكر أن أسلحة محاربة المؤمنين مع قوات الظلام ليست جسدية:
“إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ. هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ” (2 كو 10 : 4 -5).
هناك الكثير من الظنون يحاول الشيطان أن يبني بها حصونًا لنفسه في حياة المؤمن:
فهناك الظن بأهمية الذات وقدرتها على الصمود أمام التجارب، وعن هذا النوع من الظنون كتب بولس الرسول إلى كنائس غلاطية الكلمات:
“أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا. اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَهكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ. لأَنَّهُ إِنْ ظَنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ شَيْءٌ وَهُوَ لَيْسَ شَيْئًا، فَإِنَّهُ يَغُشُّ نَفْسَهُ” (غل 6 : 1 -3).
وهناك الظن بامتلاك الحكمة، وعن هذا الظن كتب بولس الرسول للقديسين في كورنثوس الكلمات:
“لاَ يَخْدَعَنَّ أَحَدٌ نَفْسَهُ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ حَكِيمٌ بَيْنَكُمْ فِي هذَا الدَّهْرِ، فَلْيَصِرْ جَاهِلًا لِكَيْ يَصِيرَ حَكِيمًا! لأَنَّ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ هِيَ جَهَالَةٌ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: الآخِذُ الْحُكَمَاءَ بِمَكْرِهِمْ. وَأَيْضًا: الرَّبُّ يَعْلَمُ أَفْكَارَ الْحُكَمَاءِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ” (1كو 3 : 18 -20).
وهناك الظن بأن التقوى تجارة، وعن هذا الظن كتب بولس إلى تيموثاوس الكلمات:
“إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا آخَرَ، وَلاَ يُوافِقُ كَلِمَاتِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الصَّحِيحَةَ، وَالتَّعْلِيمَ الَّذِي هُوَ حَسَبَ التَّقْوَى، فَقَدْ تَصَلَّفَ، وَهُوَ لاَ يَفْهَمُ شَيْئًا، بَلْ هُوَ مُتَعَلِّلٌ بِمُبَاحَثَاتٍ وَمُمَاحَكَاتِ الْكَلاَمِ، الَّتِي مِنْهَا يَحْصُلُ الْحَسَدُ وَالْخِصَامُ وَالافْتِرَاءُ وَالظُّنُونُ الرَّدِيَّةُ، وَمُنَازَعَاتُ أُنَاسٍ فَاسِدِي الذِّهْنِ وَعَادِمِي الْحَقِّ، يَظُنُّونَ أَنَّ التَّقْوَى تِجَارَةٌ. تَجَنَّبْ مِثْلَ هؤُلاَءِ” (1 تي 6 : 3 -5).
أضف إلى هذه الظنون المرتبطة بوجود الله، ومعاملات الله، وتدبيراتالله، ومعرفة الله.أسلحة محاربتنا المعطاة لنا من الله قادرة بالله على هدم هذه الحصون والظنون. ويجدر بنا أن نذكر هنا أن إبليس يصيب بالعمى أذهان غير المؤمنين، وهو بهذا العمى يحرمهم من رؤية نور إنجيل مجد المسيح. وهذا ما قاله بولس الرسول للقديسين في مدينة كورنثوس اليونانية، مدينة الغنى ،والوثنية، والرذيلة، والفلسفة.
“وَلكِنْ إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُومًا، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي الْهَالِكِينَ، الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ” (2 كو 4 : 3 -4).
الغلبة النهائية على الشيطان
يرسم الأصحاح الثاني عشر من سفر رؤيا يوحنا المشهد الأخير الذي سيُهزم فيه الشيطان، ويُطرد من السماء، ويعلن أن دم المسيح الكريم هو أساس الغلبة على إبليس. وهذا ما نقرأه في سفر رؤيا يوحنا:
“وَحَدَثَتْ حَرْبٌ فِي السَّمَاءِ: مِيخَائِيلُ وَمَلاَئِكَتُهُ حَارَبُوا التِّنِّينَ، وَحَارَبَ التِّنِّينُ وَمَلاَئِكَتُهُ. وَلَمْ يَقْوَوْا، فَلَمْ يُوجَدْ مَكَانُهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي السَّمَاءِ. فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ، طُرِحَ إِلَى الأَرْضِ، وَطُرِحَتْ مَعَهُ مَلاَئِكَتُهُ. وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا قَائِلًا فِي السَّمَاءِ: الآنَ صَارَ خَلاَصُ إِلهِنَا وَقُدْرَتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُ مَسِيحِهِ، لأَنَّهُ قَدْ طُرِحَ الْمُشْتَكِي عَلَى إِخْوَتِنَا، الَّذِي كَانَ يَشْتَكِي عَلَيْهِمْ أَمَامَ إِلهِنَا نَهَارًا وَلَيْلًا. وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ، وَلَمْ يُحِبُّوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى الْمَوْتِ” (رؤ 12 : 7 -11).
وفي هذا الجزء الثمين من كلمة الله، نعرف أسماء الشيطان:
فهو التنين العظيم، والحية القديمة، المدعو إبليس الشيطان، الذي يضل العالم كله، المشتكي على إخوتنا. ومن هذه الكلمات نتأكد أن الذي تكلم إلى حواء في الحية، وهي في جنة عدن كان هو إبليس.
والأساس الوحيد للغلبة على إبليس هو:
دم المسيح الكريم
وكلمة الشهادة
والتضحية بالحياة حتى الموت لأجل المسيح.
ودم المسيح الكريم هو أساس الغلبة على الشيطان، لأنه وسيلة غفران خطايا المؤمنين، وبهذا الغفران أصبحت شكاية إبليس ضد المؤمنين معدومة القيمة.
وقد ذكر أحد المؤمنين أن الشيطان هاجمه ذات يوم، وكتب أمامه قائمة بالخطايا التي فعلها في حياته. وعندئذ نظر ذلك المؤمن إلى قائمة خطاياه ،وكتب عليها: “وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ” (1 يو 1 : 7)، وهكذا غلب إبليس بدم المسيح الكريم.
وتأتي كلمة شهادتهم، وشهادة المؤمنين الحقيقيين، أنه بدم المسيح الكريم ينال المذنب خلاص الله، وهذا ما قاله بولس الرسول للقديسين في كورنثوس:
“وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ مُنَادِيًا لَكُمْ بِشَهَادَةِ اللهِ، لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا” (1 كو 2 : 1 -2).
وما قاله لكنائس غلاطية: “وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ” (غل 6 : 14).
وتضحية المؤمنين بحياتهم حتى الموت، تعلن مدى حبهم للآب الذي أرسل ابنه لكي نحيا به. “نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلًا “ (1يو 4 : 19).
وتعلن مدى حبهم للابن الذي مات على الصليب، لينالوا الغفران الكامل بدمه. “مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُني فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا” (مت 10 : 37 -39).
وتعلن مدى يقينهم أنهم سيقومون بأجساد ممجدة يعيشون بها في السماء الجديدة والأرض الجديدة، وعن هذا المستقبل المجيد السعيد نقرأ الكلمات:
“ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ. وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ. وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ. وَقَالَ الْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ: هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيدًا!. وَقَالَ لِيَ: اكْتُبْ: فَإِنَّ هذِهِ الأَقْوَالَ صَادِقَةٌ وَأَمِينَةٌ” (رؤ 21 : 1 -5).
أما عن الهزيمة النهائية للشيطان فنقرأ: “ثُمَّ مَتَى تَمَّتِ الأَلْفُ السَّنَةِ يُحَلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ، وَيَخْرُجُ لِيُضِلَّ الأُمَمَ الَّذِينَ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ: جُوجَ وَمَاجُوجَ، لِيَجْمَعَهُمْ لِلْحَرْبِ، الَّذِينَ عَدَدُهُمْ مِثْلُ رَمْلِ الْبَحْرِ. فَصَعِدُوا عَلَى عَرْضِ الأَرْضِ، وَأَحَاطُوا بِمُعَسْكَرِ الْقِدِّيسِينَ وَبِالْمَدِينَةِ الْمَحْبُوبَةِ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُمْ. وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلًا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ” (رؤ 20 : 7 -10).
وهكذا تنتهي الدراما الإلهية عندما تتم الكلمات: “ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً: قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ” (رؤ 11 : 15).
فالمؤمنون بقوة دم المسيح، لا يرتاعوا من انتشار الديانات، والتعاليم ،والفلسفات المضللة، فالغلبة النهائية هي للمسيح، وفي صليبه تظهر قوة الله.
“فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ” (1 كو 1 : 18).
فالذين آمنوا إيمانًا قلبيًا بقوة دم المسيح الكريم، عندهم يقين بخلاصهم ،وهم يعلنون بكل اتضاع هذا اليقين مؤكدين أنهم نالوا الخلاص ومعطين المجد كله لله.
صفحة الإستعلام
ها أنت قد أنهيت قراءة هذا الكتاب، فما رأيك عنه؟
نرجو أن تقرأ المادة الموضوعة على هذه الصفحة وتضع علامة في الخانة الخاصة بالفقرة التي تعبّر عن حالتك. لطفًا صوّر هذه الصفحة وأرسلها إلينا، وسنعتبر رسالتك خصوصية محترمين ثقتك بنا.
□ أريد من كل قلبي أن أعرف الحق وأن أعمل به، غير أن هناك بعض الأسئلة المرفقة ألتمس جوابكم عليها.
□ أريد من كل قلبي أن أقبل المسيح وما فعله على الصليب من أجلي ،إلا أنني أحتاج إلى من يوضّح لي كيف يتم ذلك الأمر.
□ لقد تبت إلى الله وصليت إليه، وطلبت من الرب يسوع المسيح أن يدخل قلبي ويغسلني بدمه الكريم؛ لأني أؤمن بأنه أسُلم من أجل خطاياي وأقُيم لأجل تبريري، وأنه فيه لي الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته.
□ أريد الحصول على كتاب العهد الجديد (الإنجيل المقدس) مجانًا
□ أريد الاشتراك بالدروس بالمراسلة للتعمّق في المسيحية
الإسم:……………………………………………………………………Name
العنوان: …………………………………………………………….. Address
ملاحظة:
نرجو إرسال صورة عن هذه القسيمة إلى العنوان أدناه
Voice of Preaching the Gospel
PO Box 15013
Colorado Springs, CO 80935, USA
