قضية الصليب

 

The Case of the Cross

بقلم
الدكتور القس لبيب ميخائيل

الطبعة الرابعة – مزادة ومنقحة
سنة 2014

طبعتها صوت الكرازة بالإنجيل بإذن خاص من المؤلف

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف

 

فهرس الكتاب

تقديم الكتاب

تقديم الطبعة الرابعة

الفصل الأول : مأساة سقوط الإنسان

الفصل الثاني : ضرورة الصليب

الفصل الثالث : الصليب في الرموز والنبوات

الصليب في الرموز
الصليب في النبوات

الفصل الرابع : حقيقة شخصية المصلوب

الفصل الخامس : الصليب في الحياة العملية

كلمة ختامية

أسئلة عن محتويات الكتاب

 

“لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا” (مت 26 :28)

 

تقديم الكتاب

 

في طبعته الأولى

 

يشعر المؤمن الحقيقي كلما اقترب إلى الصليب بإحساس عجيب! أهو إحساس الدهشة الحائرة أمام عظمة الحب الإلهي الذي تجسد في صورة بشر؟ أم هو إحساس الراحة الغامرة أمام إتساع رحمة الله التي احتضنت العالم الأثيم؟ أم هو إحساس المحبة التي تجسدت في شخص المصلوب الكريم؟.

 

في يقيني إنه جميع هذه الأحاسيس ممتزجة في إحساس واحد، ذلك الإحساس الذي طغى على مشاعر بولس رسول الجهاد، وهو يتأمل في أمجاد الصليب حتى دفعه أن يهتف مردداً :

” وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ” (غل 6 :14).

 

فهل كان بولس مُحقاً عندما إفتخر بالصليب ؟ أم كان منجرفاً مع تيار خرافات مُصنعة؟

إن الصليب هو قوة الله وحكمة الله في نظر المسيحي، وهو عثرة ضخمة أمام عيني اليهودي، وهو جهالة كبرى في حساب فلسفة اليوناني!

 

فعلى أي أساس يفتخر المسيحي بالصليب؟ أهو مجرد تعصب لدين آبائه وأجداده ؟ أم أن قصة الصليب قد أخذت قدسية بالتكرار فصارت جزءاً من كيانه، وموضوعاً لتعبده وفخره؟ أم أن المنطق الصحيح هو أساس إفتخار المسيحي بصليب المسيح؟

 

إن الصفحات التالية من هذا الكتاب تُريك في إسلوب واضح، الأساس المنطقي الذي يبني عليه المسيحي إفتخاره بالصليب، وتُعلن لك في جلاء ضرورة الصليب وكفايته لخلاص البشر، وتؤكد لك على أساس من التفكير السليم أن الصليب هو مفتاح قلب الله، ومفتاح قلب الإنسان، ومفتاح أسرار الحياة!

 

وغرض الكاتب من كتابة هذا الكتاب هو أن يقودك لترى بنفسك جلال الصليب المجيد، وتكتشف بعقلك بعض الكنوز المُذخرة فيه، وتؤمن بقلبك بشخص المسيح المصلوب.

 

وستدرك بالدليل الأكيد أن الصليب لم يُنقص من قدر السيد المسيح، بل على العكس كان هو السلم الذي ارتقى به إلى أعلى ذُرى المجد، والصولجان الذي أمسكه بيده ليقود به جماهير الشعوب، والتاج الذي توجه بآيات الحب، والقوة التي جذب بها الخاطىء المسكين المُحتاج إلى العطف والحنان والغفران.

 

فإن رأيت كل هذه الحقائق تغمر قلبك، وتضيء أرجاء نفسك وترفعك من وهدة اليأس إلى آفاق الرجاء وأنت تقرأ هذا الكتاب، فاذكر أن السر كله يكمن في قوة الصليب، وردد مع المرنم الجليل لحنه الجميل :

 

 حين أرى صليب من          قضى فحاز الإنتصار

ربحي أرى خسارة           وكل مجد الكون عار

 يارب لا تسمح بأن            أفــــخر إلا بالــصليب

     مُكرساً نفسي              وما أملك للفادي الحبيب

 

وقدّم لفاديك كل المجد وكل الحمد

 

شبرا، مصر 29 أغسطس 1956

القس/ لبيب ميخائيل

 

تقديم الطبعة الرابعة

 

صدرت الطبعة الأولى، من كتاب قضية الصليب، في القاهرة في أكتوبر سنة 1956، ثم أصدرت مجلة صوت الكرازة بالإنجيل في ولاية كولورادو بأمريكا الطبعة الثانية سنة 1986.

أما الطبعة الثالثة فقد اصدرتها مؤسسة Good Way في ألمانيا سنة 2008، والطبعة التي بين يدي القارىء الكريم هي الطبعة الرابعة.

 

وموضوع كتاب «قضية الصليب» هو «صليب المسيح»، وصليب المسيح، أمر دّبرته المشورات الإلهية قبل تأسيس العالم، ومن هنا كان صلب المسيح أمراً حتمياً في الزمان لتتميم المشورات الأزلية.

 

وسيرى قارىء كتاب قضية الصليب كيف عالج الكتاب هذه القضية من بداية مأساة سقوط الإنسان، وتدرّج به إلى ضرورة موت المسيح مصلوباً ليفدي الإنسان، وسار به إلى الصليب في الرموز والنبوات التي ذُكرت في الكتاب المقدس، وانتقل به لمعرفة حقيقة شخصية المصلوب، وانتهى بالحديث عن الصليب في الحياة العملية.

 

وقد قامت مجلة صوت الكرازة بالإنجيل بطباعة هذه الطبعة بإذن خاص من المؤلف. ونحن نقدم هذه الطبعة ومعها صلاتنا أن يستخدم الرب هذا الكتاب ليفتح به عيون الكثيرين كي يرجعوا من ظلمات إلى نور ومن سلطان الشيطان إلى صليب المسيح لينالوا بالإيمان به غفران خطاياهم ونصيباً مع القديسين.

 

ولإلهنا المحب العظيم كل مجد وسجود وحمد.

الدكتور القس لبيب ميخائيل

ولاية فرجينيا بأمريكا
سنة   2014

 

فَخَلَقَ اللهُ

الإِنْسَانَ

عَلَى صُورَتِهِ

عَلَى صُورَةِ اللهِ

خَلَقَهُ

تكوين 1 :27

 

الفصل الأول

مأساة سقوط الإنسان

 

لا بدّ لنا ونحن نبحث قضية الصليب، أن ندرس أولاً قصة الإنسان، ذلك لأن بين الإنسان والصليب علاقة متينة، وصلة قوية واضحة.

الإنسان في جنة عدن :

 

وضع الله العظيم الحكيم تصميماً رائعاً جميلاً للجنة الأولى التي عاش فيها الإنسان، ونفذ بقدرته ومحبته هذا التصميم، ونحن نقرأ وصفاً موجزاً لهذه الجنة سجله كاتب سفر التكوين في هذه الكلمات :

 

“وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقًا، وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ. وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ، وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَكَانَ نَهْرٌ يَخْرُجُ مِنْ عَدْنٍ لِيَسْقِيَ الْجَنَّةَ” (تك 2 :8 -10).

 

هكذا رتب الله بيت الإنسان، بعد أن أضاء له السماء بالنجوم اللوامع، وفرش له الأرض بالبسط السندسية الخضراء ، وأوجد الحياة النباتية والحيوانية، لغذاء ومتعة هذا المخلوق العتيد!!

 

والآن نستطيع أن نتخيل اللحظة الحاسمة، ساعة أن جبل الرب الإله آدم تراباً من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حية.

 

ويخطر ببالنا السؤال: في أية صورة عمل الله الإنسان؟ ويُجيبنا كاتب سفر التكوين بالقول :

 

“وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ. فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ” (تك 1 :26 -27).

 

ومعنى هذا في عبارة واضحة أن الإنسان قد خُلق على الصورة التي كان سيتجسد فيها المسيح “الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ” (كو 1 :15).

كما يقول يوحنا في غُرة إنجيله “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ” (يو1 :1 ،3).

 

وكما يؤكد بولس قائلاً :“فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ” (كو 1 :16).

 

هكذا خلق الله آدم الأول ، كاملاً ، جميلاً، طاهراً، حراً في إرادته، وكل نظرية أخرى تَحط من قدر الإنسان، وتُنزل من قدر الله الخالق المنّان، الكامل الذي لا يخلق سوى الكمال و الجمال.

 

وها هوذا آدم الإنسان، قد وقف بين يدي إلهه يؤدي التحية الواجبة على المخلوق من نحو خالقه العظيم الكريم.

 

ويبقى آدم وحده مدة من الزمن لا نعلم بالتحقيق مداها، مخلوق حر يتمتع بحرية الإرادة والإختيار ، ويعطيه الله وصيته الوحيدة كإختبار لحريته قائلاً :

“وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلًا: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا، وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ” (تك 2 :16 ،17).

 

شجرة واحدة مُحرمة … ووصية واحدة حازمة … ونهاية واحدة محتومة … إذا إستخدم المخلوق الحر إرادته لعصيان إرادة الله …. ” يوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ”.

 

وتمر الأيام على آدم وهو في الجنة الفيحاء، وبين الأشجار الخضراء، والزهور الحمراء والبيضاء ، والصفراء، يتمتع بالأرض والسماء، والماء والهواء، ويعيش في رحاب الجنة مع رهط من الحيوانات.

 

وهنا يقول الخالق القادر على كل شيء “وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ” (تك 2 :18).

 

وقد يسأل سائل : لماذا لم يخلق الله المراة يوم خلق الرجل؟ ومع إننا لا نجد إجابة حاسمة لهذا السؤال إلا أننا نستطيع القول: إن الله أراد بأن يكون آدم في شوقٍ إلى مجيء هذا المخلوق حتى إذا جاء أكرمه، وأحبه، وأحس معه ببهجة الحياة.

 

والصورة المرسومة في سفر التكوين تُرينا آدم يبحث بين حيوانات الأرض عن مخلوق يرتاح إليه، ويتحدث معه ، وفي موكب الحيوانات التي مرت عليه ليُعطي لكل حيوان إسمه “فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَجَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ. وَأَمَّا لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ مُعِينًا نَظِيرَهُ” (تك 2 :20).

 

فهل أحسّ آدم بالوحدة في الجنة الجميلة ؟ ربما … والسجل المقدس يُرينا أن الله قد شعر بما شعر به هذا المخلوق الطيب الوديع “فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ” (تك 2 :21 ،22).

 

وفي صباح مُشرق بهيج ، فتح آدم عينيه ليرى إلهه وهو يُحضر له مخلوقاً نظيره ، يحس بأحاسيسه ، ويشعر بمشاعره، ويضحك لضحكاته، ويتحدث إليه بلغته التي يفهمها … ودعا هذه المخلوقة الجميلة (إمرأة) قائلاً “هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ” (تك 2 :23) وسار موكب الأيام والسعادة ترفرف في أرجاء جنة الإنسان.

 

وثيقة حقوق الإنسان 

 

وقفت الإنسانية مُمثلة في آدم وحواء أمام الله تتلقى الوثيقة الأولى التي نطق بها الله ، ورسم فيها حقوق الإنسان ، ونحن نقرأ مواد هذه الوثيقة في هذه الكلمات :

 

“فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ. وَقَالَ اللهُ: إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْلٍ يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا. وَكَانَ كَذلِكَ” (تك 1 :27 – 30).

 

وهكذا تلقت الإنسانية جمعاء مُمثلة في أبيها آدم وأمها حواء ، أول تأمين ضد العوز ، والخوف، والإستعباد … فلا جوع ، ولا شقاء … بل بركة وإثمار ، وسيادة ، وهناء مقيم.

 

كيف سقط الإنسان ؟

 

فجأة يبرز في وسط هذا المشهد الجميل الرائع ، الشيطان، مُستخدماً الحية في إسقاط الإنسان.
فمن هو الشيطان ؟ وما أصله ؟ وهل خلق الله ذلك المخلوق الرجيم ؟ أم خلقه ملاكاً جميلاً حكيماً ثم انحدر ذلك الملاك وسقط عن طريق التصلف والكبرياء ؟

 

إن حزقيال وإشعياء يشتركان معاً في كشف النقاب عن أصل هذا المخلوق الرهيب ، ففي سفر حزقيال نقرأ هذه الكلمات:

“وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلًا: يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ مَرْثَاةً عَلَى مَلِكِ صُورَ وَقُلْ لَهُ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: أَنْتَ خَاتِمُ الْكَمَالِ، مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ الْجَمَالِ. كُنْتَ فِي عَدْنٍ جَنَّةِ اللهِ. كُلُّ حَجَرٍ كَرِيمٍ سِتَارَتُكَ، عَقِيقٌ أَحْمَرُ وَيَاقُوتٌ أَصْفَرُ وَعَقِيقٌ أَبْيَضُ وَزَبَرْجَدٌ وَجَزْعٌ وَيَشْبٌ وَيَاقُوتٌ أَزْرَقُ وَبَهْرَمَانُ وَزُمُرُّدٌ وَذَهَبٌ. أَنْشَأُوا فِيكَ صَنْعَةَ صِيغَةِ الفُصُوصِ وَتَرْصِيعِهَا يَوْمَ خُلِقْتَ. أَنْتَ الْكَرُوبُ الْمُنْبَسِطُ الْمُظَلِّلُ، وَأَقَمْتُكَ. عَلَى جَبَلِ اللهِ الْمُقَدَّسِ كُنْتَ. بَيْنَ حِجَارَةِ النَّارِ تَمَشَّيْتَ. أَنْتَ كَامِلٌ فِي طُرُقِكَ مِنْ يَوْمَ خُلِقْتَ حَتَّى وُجِدَ فِيكَ إِثْمٌ” (حز 28 : 11 -15).

 

ومع أن الحديث موجه إلى ملك صور، لكن الأوصاف التي يتضمنها الحديث لا يمكن أن تنطبق على إنسان بشري ساقط، وكل ما في الأمر أن ملك صور أُختير كرمز للشيطان لأنه كان يؤلّه نفسه كما فعل الشيطان تماماً ، والشخص الموصوف هنا (خاتم الكمال . ملآن حكمة . وكامل الجمال ) كان يسكن (عدن جنة الله) وهي قطعاً غير الجنة التي أسسها الله للإنسان، وكان الكروب المنبسط المظلل وقد أقامه الله على جبله المقدس، وتمشي بين حجارة النار ، وكان مخلوقاً كاملاً في طرقه من يوم خُلق حتى وُجد فيه إثم! فمن يكون هذا المخلوق الذي كان بهياً وكاملاً سوى الشيطان ؟ وما هو سر سقوطه المُشين الرهيب ؟

 

يُجيبنا إشعياء بالقول :

“كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ الصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ يَا قَاهِرَ الأُمَمِ؟ وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ، وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشَّمَالِ. أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ” (إشعياء 14 :12 -14).

 

فالسر في سقوط الشيطان هو التصلف والكبرياء، هو أنه أراد أن يرفع كرسيه فوق كواكب الله، وأن يصير مثل العلي. ودخول التصلف في قلب الشيطان سر لم يشأ الرب أن يعلنه للإنسان.

 

وقد يسأل سائل : لماذا لم يبد الله الشيطان من الوجود حين سقط حتى لا يكون سبباً في سقوط الإنسان ؟

 

وإجابة هذا السؤال تتلخص في أن الله قد سمح في حكمته أن يبقي الشيطان ، ليُظهر للملأ الأعلى شروره فلا يترك مجالاً للشك عند الملائكة من جهة عدالته .

 

إذ أنه لو أباد الله الشيطان بعد عصيانه مباشرة، لجاز أن يشك الملائكة في عدالة الله لكن الله ترك الشيطان ليرى الملائكة والناس خداعه المُخيف، وشره الفظيع، والشقاء المجسم الذي جبله على الخليقة بتمرده على خالقه، حتى إذا حان يوم عقابه الأبدي تجلت عدالة الله في وضوح وجلاء، وفوق ذلك ففي مقدورنا ان نستعير أيضاً الكلمات التي وجهها الله لفرعون، كإجابة على سؤالنا بخصوص بقاء الشيطان ، إذ قال الله لفرعون “إِنِّي لِهذَا بِعَيْنِهِ أَقَمْتُكَ، لِكَيْ أُظْهِرَ فِيكَ قُوَّتِي، وَلِكَيْ يُنَادَى بِاسْمِي فِي كُلِّ الأَرْضِ” (رو 9 : 17).

 

أجل فقد أبقى الله الشيطان ليُظهر فيه قوته ، ويستخدمه في إعلاء مجده الذي لا يزول.

والذي يهمنا هنا هو أن نسجل أن سبب وجود الخطية في العالم لم يكن هو الله المحب الطيب القدوس، بل كان الشيطان، الطاغي، المتكبر، النجس، بعدما هوى من مركزه السامي إلى درك العصيان.

 

وقد قال رب المجد في وصفه للشيطان “أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ” (يو 8 :44).

والآن ، لندخل إلى جنة عدن لنرى كيف جرّب الشيطان الإنسان، وكيف قاده إلى السقوط؟

يصور لنا كاتب سفر التكوين منظر التجربة التي أسقطت الإنسان في هذا المشهد:

 

“وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ” (تك 3 :1).

 

ويقيناً أن الشيطان قد إستخدم الحية في خداعه الغريب ، حتى صارت رمزاً دائماً لشخصيته الأثيمة، وهذا ما يؤكده لنا يوحنا في رؤياه قائلاً :

“فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ، طُرِحَ إِلَى الأَرْضِ، وَطُرِحَتْ مَعَهُ مَلاَئِكَتُهُ” (رؤ 12 :9).

 

فالحية التي قامت بغواية حواء، كانت تحمل صوت الشيطان إلى قلب الإنسان، وما أخدع هذا الصوت الناعم الجميل الذي قال عنه بولس الرسول مُحذراً “وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ” (2 كو 11 :3).

 

فكيف تكلم الشيطان بواسطة الحية إلى حواء؟ وما هي السموم التي حملتها كلماته إلى الإنسان وهوفي براءته ونقاوته ؟

 

1 – كان صوت الشيطان هو صوت الشك في كلمة الله :

 

لم يكن لدى حواء سوى كلمة الله، وكان ثباتها في طاعة هذه الكلمة يعني الحياة، والسعادة والهناء الدائم ، وكان عصيانها يحمل في طياته الموت، والشقاء، والعذاب الأليم، وكان هدف الشيطان أن يُدخل الشك إلى قلب حواء في صدق كلمة الله ، هذا هو عمله على مر العصور والدهور ، فتكلم بواسطة الحية قائلاً :

“وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ” (تك 3 :1).

 

سؤال ماكر ، كاذب، خداع ، يحمل كل عناصرالخيانة والغدر، فقطعاً كانت الحية تعلم ماذا قال الله ، وكانت ترى حواء وهي تنتقل بين أشجار الجنة، وتأكل ما تريد من أثمار ، لكنها أرادت بسؤالها هذا أن توجد مجالاً للحديث مع حواء. لتُغرر بها فتأكل من ثمر الشجرة المُحرمة ، وتعصي وصية الله … وانزلقت المرأة إلى الفخ الذي أحكم الشيطان وضعه، وأجابت الحية قائلة: “فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا” (تك 3 :2 ،3).

 

إذاً فلم يقل الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ وإذاً فإن سراً رائعاً يكمن في ثمر هذه الشجرة المُحرمة؟ ومن أجل هذا السر منعهما الله أن يأكلا منه، وهذا أمر يدعو إلى الشك والتفكير!

 

وإذ بدأ عقل حواء يُفكر، هتفت الحية قائلة: “فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: لَنْ تَمُوتَا!” (تك 3 :4).

 

أو بعبارة أخرى «لا تُصدقي الله ياحواء فليست كلمته هي الفيصل » وهكذا غرس الشيطان بذور الشك في صدق كلمة الله في قلب حواء … وهذه خطته على مدى الأجيال ، وهي أولى خطوات الإنحدار!.

 

2– كان صوت الشيطان هو صوت الشك في دينونة الله :

 

في لغة ماكرة، ناعمة، همست الحية في أذن حواء بالعبارة « لن تموتا» ومع أن هذه الكلمة تحوي كل معاني الشك في صدق الله ، فهي كذلك تحمل في طياتها كل عناصر الشك في دينونة الله، فكأن الحية تقول في عبارة أخرى، ليس هناك موت، ولا عقاب ، ولا دينونة!

 

وإلى اليوم ما زال الشيطان يبذر ذات البذور في قلوب البشر، مُشككاً إياهم في حقيقة دينونة الله، ليستهينوا بالشر، ويستخفوا بالعصيان، وإذ دخل الشك في قلب حواء صارت قريبة من السقوط والإنهيار.

 

3 – كان صوت الشيطان هو صوت الشك في محبة الله :

 

تركزت عينا حواء في ثمر الشجرة المُحرمة، واستطردت الحية تقول بصوتها الناعم :“بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ “ (تك 3 :5).

 

كيف انسابت هذه الكلمات إلى أذني حواء؟ أي صورة رسمتها في ذهنها لله؟

 

هنا يجدر بنا أن نقف قليلاً ، فلا شك أن حواء قالت لنفسها : «إذا كان ثمر هذه الشجرة سيجعلنا كالله، فلماذا حرمنا الله من أكله؟ ألعله لا يحبنا بالكفاية؟ ألعله لا يُريد لنا الرفعة والمجد والجلال؟».

 

وبدأت بذور الشك في محبة الله تغمر هذا القلب النسائي الرقيق ، واجتمعت عليه كل عناصر الإغراء والغواية.

 

من شك في صدق كلمة الله إلى شك في حقيقة دينونة الله، إلى شك في محبة الله.
وعندما تملكت هذه الشكوك قلب حواء بدأ صوت التحذير الإلهي يضعف في ذهنها ، وصوت الإغراء الشيطاني يقوى في أرجاء نفسها ! ثم تأتي نهاية المأساة ، فينتصر الشيطان على الإنسان وتنظر حواء إلى الشجرة فترى أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر، ثم نقرأ عن الخاتمة المخيفة التي وصلت إليها حواء “فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ” (تك 3 :6).

 

وهكذا سقطت حواء أم الإنسانية ، وسقط معها آدم أبو البشر أجمعين!.

 

نتائج سقوط الإنسان

 

عصت العائلة البشرية الأولى صوت الله، وأطاعت صوت الشيطان، وأُسدل الستار على عصر براءة الإنسان، بل أُسدل على هنائه ، وسعادته، وبدأت الدراما الإنسانية تأخذ مكانها على مسرح الأرض.

 

وهنا يليق بنا أن نتتبع النتائج الرهيبة لسقوط الإنسان، فتعال معي لنسر في كهوف هذه المأساة الإنسانية الكبرى، ونرى ما جرّته من شقاء على البشرية جمعاء!.

 

1- الإحساس بالعُري

 

فتح الإنسان عينيه بعد أن عصى إلهه ليرى نفسه عارياً، والإحساس بالعُري هو أكبر دليل على ضياع الشعور بالبراءة ، فالطفل الصغير دون سن المسئولية لا يشعر بالعُري لأن إدراكه لمعنى الشر لم يَكمُل بعد، أما الإحساس بالعُري ، فيعني أن العين لم تعد بسيطة كما كانت ، وأن العقل بدأ يُفكر أفكاراً رديئة … ولما أحس الإنسان بعُريه حاول أن يستر نفسه، لكن بماذا ؟ بأوراق تين لا بدّ أن تجف وأن تكشف ما وراءها من عورات.

 

ومحاولة ستر الجسد العاري ، تقابلها محاولة أخرى أعمق وأخطر شأناً هي محاولة كبت الشعور بالذنب، وتغطيته إما بالنسيان، أو بالإعتذار ، أو بالتهوين، أو بعدم المبالاة، أو بالإنغماس في المشاغل والملذات والمخدرات للهروب من مواجهة الله، وكل هذه أوراق تين لا تستطيع أن تستر ذنب الإنسان.

 

وجاء الرب الإله! فهل إستقبله آدم ليُحييه التحية الواجبة على المخلوق نحو خالقه؟ وهل أسرع إليه كعادته كل يوم يتحدث معه حديث الشركة القلبية الحِبية؟!

 

2– الإحساس بالخوف

 

لقد طغى عنصر جديد على حياة هذا المخلوق بعد أن عصى وصية الله، هو عنصر الإحساس بالخوف، والخوف والخطية شبيهان لا يفترقان.

 

جاء الرب الإله، فلما سمع آدم وإمرأته صوته عند هبوب ريح النهار أحسا بالخوف، وإختبآ في وسط شجر الجنة. قالت لهما الحية إنهما سيصيران كالله، وها هما ينزلان درجة في سلم الإنحدار، فيملأهما الخوف من مواجهة الله، ويسرعان للإختباء في وسط الأشجار، تماماً كما يفعل الكثيرون اليوم ، حين يختبئون وراء أشجار المذاهب الدينية، أو وراء أشجار المظاهر الكنسية، أو وراء أشجار العلم والأدب وحسن اللياقة … أشجار كلها إلى ذبول.

 

3-الإحساس بالعداء

 

وألقى الله أول سؤال سمعه إنسان عاش على هذه الأرض “فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ” (تك 3 :9) وأجاب آدم ” سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ” (تك 3 :10).

 

وكشف الإنسان في إجابته عن حقيقة إحساسه من نحو الله، إحساس الخوف بدل إحساس الحب، وإحساس العداء والهروب بدل إحساس القرب! ومع الإحساس بالعداء لله، شعر الإنسان بالعداء لأخيه الإنسان، ونرى ذلك في محاولة آدم إلقاء التبعية على حواء، وذكر شخصيتها دون أي لقب يدل على الحب والوفاء فقد قال لله “فالْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ” (تك 3 :12)، ولم يقل شريكة حياتي أو أليفة وحدتي … ومنذ ذلك اليوم والعداء مُستحكم بين الناس، نراه في الحروب، والخصام، وسفك الدماء! وكل هذه المشاعر والأحاسيس ملأت كيان الإنسان بعد السقوط.

 

وسأل الله آدم ” مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟” (تك 3 :11).

 

ويقيناً أن الله كان يعرف أن آدم قد أكل من الشجرة لكنه سأله ليعطيه فرصة للإعتراف بخطيته ولكننا بدلاً من أن نسمع إعترافاً وشعوراً بالندم، نسمع إجابة جريئة مُتبجحة تخرج من فم الإنسان إذ يقول “الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ” (تك 3 :12).

 

وكأنه بهذه الإجابة يضع مسئولية سقوطه على الله، لا على طاعته للشيطان وسماعه لصوت الإغراء الآتي من حواء وعصيانه لوصية الله.

 

وسأل الله حواء: “مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟” (تك 3 :13) مرة ثانية، يتنصل الإنسان من المسئولية ، فتجيب المرأة وهي نصف البشرية الثاني: “الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ” (تك 3 :13).

 

ولا يسأل الله (الحية )، لأنه يعرفها … يعرف أن الشيطان قد إستخدمها ، وأنه يتحداه بإسقاطه للإنسان!
وهنا يجلس الله في مجلس القضاء، ويتخذ العدل مجراه.
ويبدأ الله في إصدار عقوباته على المذنبين .

 

ويَصدر الله العقوبة الأولى على الحية قائلاً :

“فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ” (تك 3 :14 – 15).

 

ثم يَصدر العقوبة على المرأة قائلاً :

” تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ” (تك 3 :16).

 

ويأتي دور آدم ويصدر الله ضده هذا القصاص :

” لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ” (تك 3 :17 – 19).

 

وفي عقوبة آدم تتجسّم شناعة خطية الإنسان، وتظهر مسئوليته في طاعته بمحض حريته لصوت الشيطان … لقد وضع الله الإنسان في هذا الإمتحان، ليُعلمَه أنه وكيله الذي أقامه على مخلوقاته التي وضعها تحت إمرته، وأنه لا بدّ أن يُعطي حساباً لله إذا أساء تصرفه في وكالته ، والشخص الذي يفقد الإحساس بوكالته لله، يفقد حتماً فهمه لحقيقة أصله ونهايته، ويكون قلبه مرتعاً لكل أنواع الشر، ومن المستحيل أن يخلق الله مخلوقاً عاقلاً دون أن يرسم له حدود حياته التي لا يجب أن يتعداها، والمخلوق العاقل ينبغي أن يشعر دائماً بمسئوليته أمام خالقه ، وبضرورة الطاعة لوصيته.

 

أما آدم فلم يطع الله، بل سمع لقول إمرأته، وفضّلها على إلهه، ولذا كان هو المسئول الأكبر في مأساة السقوط، وبسببه جاءت اللعنة للأرض، وجاء للبشر التعب والكد ، وأنبتت الأرض الملعونة الشوك والحسك، وصار الإنسان التعس المسكين عبداً لبطنه يأكل لقمة العيش بعرق الجبين.

 

إلى متى “حتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ”

وهكذا نفذ الله كلمته “لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ” (تك 2 :17)، ومات الإنسان فعلاً بإنفصال روحه عن الله، وعندما تنتهي حياته يموت جسده ويعود إلى التراب .

 

ثم جاءت الخطوة الأخيرة “فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ” (تك 3 :24).

 

وخرج الإنسان الطريد إلى أرض الأشواك ، التي صارت مسرحاً للدراما الكبرى التي صنعها الإنسان، دراما القتل والخيانة والنجاسات والهوان.

 

وتفشت الخطية في كل مكان وطأته أقدام الناس! وكان أول إنسان وُلد من حواء هو (قايين) القاتل الأول الذي سفك على الأرض دم هابيل أخيه.

 

لقد كان آدم نائباً وممثلاً لجميع الجنس البشري الذي كان في صلبه يوم تعدي وصية الله ، فبعد طرده من الجنة ولد نسلاً ساقطاً نظيره في حالة الفساد الروحي والأدبي، وتحت حكم الموت والدينونة التي إستحقها بعصيانه على الله، وقد ورث هذا النسل عن أبويه الأولين طبيعة العداوة لله، والتمرد على شرائعه ووصاياه.

 

وهذا ما يقرره بولس الرسول في كلماته :

“مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” (رو 5 :12)

 

وما يؤكده داود في قوله :

“هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مز 51 :5) وهكذا كان أول مولود للإنسان الساقط ولداً قاتلاً ضائعاً.

 

ثم ظهر في العالم الموجود وقتئذ مبدأ تعدد الزوجات عندما “وَاتَّخَذَ لاَمَكُ لِنَفْسِهِ امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ الْوَاحِدَةِ عَادَةُ، وَاسْمُ الأُخْرَى صِلَّةُ” (تك 4 :19).

 

مع أن الله يوم خلق الإنسان، خلق إمرأة واحدة لرجل واحد، وسجل كاتب سفر التكوين كلماته ” لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا” (تك 2 :24).

 

ومع هذا كله إبتدع الإنسان الموسيقى العالمية، ليغرق في غمرة أصواتها متاعبه، وينسى همومه وينسى معها أبديته ومطاليب إلهه، فبزغ على مسرح التاريخ “وَاسْمُ أَخِيهِ يُوبَالُ الَّذِي كَانَ أَبًا لِكُلِّ ضَارِبٍ بِالْعُودِ وَالْمِزْمَارِ” (تك 4 :21).

 

ثم شرع الإنسان في إنشاء صناعاته الخفيفة والثقيلة ونبغ في هذا “وَصِلَّةُ أَيْضًا وَلَدَتْ تُوبَالَ قَايِينَ الضَّارِبَ كُلَّ آلَةٍ مِنْ نُحَاسٍ وَحَدِيدٍ. وَأُخْتُ تُوبَالَ قَايِينَ نَعْمَةُ” (تك 4 :22).

 

وإنغمس الإنسان في الموسيقى، والرقص، والطرب ، والغناء، وإنحدر في دنياه الجديدة إلى الحضيض.

صار الحب سلعة تُباع، والشرف كلمة ساذجة بلا معنى، والسيف هو القانون الوحيد، وإتّخذ الإنسان أيسر السبل لسد أرخص غرائز الحياة، فمن إتجار بالرقيق الأبيض، إلى سطو، إلى سرقة، إلى أي شيء وكل شيء لا تقره شريعة السماء.

 

وغرقت مدنية الإنسان الطريد في اللهو، والعمل الشاق، فلم تعد تستطيع أن تتبين ما تُعاني من أمراض …

 

لقد سد الشيطان فم البشرية بالمخدر، حتى لم يعد في مقدورها أن تتحدث فتشكو ما تحسه من مرارة … أرهقها السهر، والعمل، والشراب، فلم تعد قادرة على الشكوى مما هي فيه من محنة … وعلى مر التاريخ ، ظهر المستغلّون، والمستبدّون ، والمحتكرون ، وأصحاب الأهواء ، وإنتشرت الخطيئة في جميع أركان الأرض ، تجدها في كل عاصمة ، وكل مدينة، كما تجدها في القرى الصغيرة حتى لو تَخفت هذه القرى بين صخور الجبال ، بل تجدها في اكثر بلاد الدنيا صرامة ، وعبادة، وتصوفاً ، ومع الخطيئة تجد كل صنوف الألم، والحرمان، والعذاب والهوان.

 

فهل هذا هو تدبير الله للإنسان؟

 

هل خلق الله الإنسان، لهذا الإستهتار ، وهذا التدهور ، وهذا الإنغماس في الشر ؟

هل خلقه لهذه الحياة البائسة، اليائسة، الباكية، المليئة بالأشواك؟ هل خلقه ليحيا مكافحاً في الأرض إلى بضع سنين ثم يكون مثواه الأخير التراب؟

 

يقيناً لا !

 

فقد كان البرنامج الإلهي للإنسان يحوي كل عناصر البركة، والسعادة ، والهناء، والبقاء، ظهر هذا في أول وثيقة قدمها الله للإنسان ساعة أوجده في جنة عدن.

لكن الشيطان دخل في معركة مع الله، وأفسد ذلك المخلوق الحر، الطاهر البريء ، وانتزعه من الجنة ليكون تحت سلطته في العالم الذي دفعه الله إلى يديه، وقاده إلى الموت لأنه سلطان الموت.

 

فهل يرضى الله أن يترك خليقته فريسة سهلة بين أنياب الشيطان؟هل يرضى بأن يلاشي الشيطان برنامجه الرائع الجميل الذي رتبه للإنسان؟ أعود مؤكداً : يقيناً لا !

إذن كيف يستطيع الله أن يُعيد الإنسان إلى المركز الذي أراده له في برنامجه العظيم؟

كيف يستطيع أن يغفر للإنسان بعد أن عصاه؟ وأن يهبه الحياة بعد أن أوقع عليه عقوبة الموت؟ وأن يُرجعه إلى الفردوس المردود، بعد أن أضاع فردوسه المفقود؟

كيف يستطيع أن يشتريه لنفسه من جديد، بعد أن رضي بإختياره أن يبيع نفسه للشيطان؟

كيف يمكن أن يهبه طبيعة جديدة بعد أن فسدت طبيعته الأولى؟ وأن يُعيد شركته معه بعد أن فصلت الخطية بينه وبينه؟! وأن يُريه في صورة مجسمة شناعة تعديه؟

إن عدالة الله تطالبه بتنفيذ القصاص الرهيب!

ورحمة الله تناديه بأن يرحم خلقه وهو أرحم الراحمين !

فكيف يوفق الله بين عدله ورحمته ؟

كيف يوفق بين قداسته ومحبته ؟

كيف ينقذ الإنسان الساقط الذي تمرد على وصيته؟

 

هنا فقط تظهر ضرورة الصليب، وهنا لا بدّ أن يأتي المسيح ويُصلب … وهنا نستطيع أن نفهم كلمات الرسول الجليل :
“وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ” (1 كو 1 :23 -24).

 

لكن صلب المسيح لم يكن حدثاً في الزمان ، بل كان تدبيراً إلهياً قبل تأسيس العالم، وقبل خلق الإنسان ، وهذا ما أعلنه الروح القدس بواسطة بطرس الرسول إذ قال :

 

“عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِهِ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَأَعْطَاهُ مَجْدًا، حَتَّى إِنَّ إِيمَانَكُمْ وَرَجَاءَكُمْ هُمَا فِي اللهِ” (1 بط 1 :18 -22).

فمن الأزل عرف الله سقوط الإنسان، ومن الأزل دبّر الله فداء وخلاص الإنسان، كما قال يعقوب: “مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ” (أع 15 :18).

 

الفصل الثاني

ضرورة الصليب

 

خرج آدم من جنة عدن يهيم على وجهه في أرض ملعونة تُنبت له الشوك والحسك، ومعه إمرأة قضى الله عليها أن تضع أولادها بالوجع والألم، وصار العدد العديد من الحيوانات متوحشاً ضارياً من جراء اللعنة التي غمرت الأرض.

وتلفت أبو البشر إلى جنة عدن بعد طرده منها فرأى أن الرب قد أقام الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة.

وقد يسأل المرء : لماذا أقام الله الكروبيم ولهيب سيف متقلب في طريق آدم حتى لا يأكل من شجرة الحياة؟

 

وفي إعتقادي أن هذا الإجراء كان رحمة كبرى للإنسان من جانب الله، فلو أن الإنسان أكل من شجرة الحياة وعاش إلى الأبد، لكانت حياته سلسلة من الفساد الذي ليس له قيود، والشقاء الذي ليس له حدود … وفي ذات الوقت كان هذا السيف دليلاً واضحاً على أن طريق الحياة هو طريق الموت، وعلى أن أحداً لن يستطيع أن يأكل من شجرة الحياة إلا بعد أن يأتي المسيح الذي يحتمل هذا السيف، والذي تتم فيه النبوة القائلة :

“اِسْتَيْقِظْ يَا سَيْفُ عَلَى رَاعِيَّ، وَعَلَى رَجُلِ رِفْقَتِي، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. اِضْرِبِ الرَّاعِيَ فَتَتَشَتَّتَ الْغَنَمُ، وَأَرُدُّ يَدِي عَلَى الصِّغَارِ” (زك 13 :7).

 

أصبح آدم إذن إنساناً طريداً، إنقطعت شركته مع الله، وقد أسلم قيادة حياته للشيطان، وباع نفسه له، وصار عبداً للخطية يأكل لقمة العيش بعرق الجبين، ويعيش في حياة الخوف والفزع وعدم الإستقرار.

 

كيف يعيد الله هذا المخلوق العاصي إلى رحابه؟ وكيف يعطيه إمتياز الشركة معه والإتصال به بعد أن صارت الخطية فاصلاً بينه وبين إلهه؟ وكيف يشتري هذا المخلوق البائس الذي رضي بملء حريته أن يبيع نفسه للشيطان؟ وكيف يتبرر هذا المخلوق المُذنب عند الله؟

 

كيف يتم هذا كله، والله هو الإله القدوس، العادل، البار الذي يكره الخطية ويُمقتها، ولا يستطيع بطبيعته الطاهرة أن يحتملها وهو في ذات الوقت الغفور الرحيم، المحب الكريم، الجواد الطيب القلب؟

 

هل يستطيع الله أن يغفر خطية الخاطىء دون أن ينال الخاطىء قصاصها! فأين عدالته؟
وهل يرضى الله بعقاب خليقته الساقطة على أوزارها! فأين رحمته ؟
هنا تظهر ضرورة الصليب، الذي فيه بانت الحكمة الأزلية التي نفذت كل مقاصد الله، أجل!

 

قد بانت الحكمة      وزادت النـــــعـــــــمـــــــة
والتقت الرحمة        بالعدل في المسيح

 

فهلم بنا إلى مقادس الكلمة المقدسة، طالبين من إلهنا الغني، أن يكشف عن عيوننا لنرى ضرورة الصليب المجيد :

 

1- الصليب ضرورة لأنه وفق بين عدالة الله ورحمته:

 

يتسائل الكثيرون مراراً عن الضرورة القصوى التي جعلت كل آلام المسيح أمراً مقضياً. فمن قائل «ألم تكن مجرد كلمة من الله بكافية أن تغفر كل الخطايا؟»

إلى سائل «أليس الله هو الغفور الرحيم فلماذا يطلب ذبيحة كفارية حتى يغفر خطايا البشر؟»

 

إلى متسائل «كيف يكون الله محبة ثم يرضى بعذاب المسيح البار على الصليب؟»

 

وليس في مقدور أحد أن يجيب عن هذه الأسئلة إلا إذا عرف صفات الله جل وعلا، فمن هو ذلك الشخص الذي رأى الله. حتى يُخبرنا تماماً عن صفاته؟ لقد أراد موسى أن يرى الله وقال له :” أَرِنِي مَجْدَكَ” لكن الله أجابه قائلاً “لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ” (خر 33 :18 ،20).

إذن كيف يستطيع الإنسان أن يعرف الله، وأن يُدرك صفاته جلَّت قدرته؟

 

إن السبيل الوحيد هو أن يُعلن الله عن ذاته للناس بوحي من السماء، هو أن يقول للناس من هو وما هي صفاته! وبغير هذا السبيل يكون الحديث عن الله مجرد تكهن لا أساس له من الصحة، وهذه هي الحقيقة التي قررها الرسول يوحنا في غرة إنجيله قائلاً :

” اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو 1 :18).

وإذن ففي مقدورنا، أن نعرف صفات الله بواسطة التعاليم التي علم بها المسيح له المجد. وسجلها البشيرون في كتاباتهم.

فما هي صفات الله الواضحة في تعاليم السيد له المجد؟ إن الصورة المُجسمة لهذه الصفات تتمثل في صفتين : (الرحمة) و( العدالة ).

 

ففي إنجيل متى نجد رحمة الله ظاهرة في هذه الكلمات :

“لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ” (مت 5 :45).

 

بينما نجد عدالة الله واضحة في هذه الآيات :

” كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ، لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي، وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ، فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِيَ الْفَلْسَ الأَخِيرَ” (مت 5 :25 -26).

 

وبينما تتجلى رحمة الله في دعوة المسيح للمتعبين لنوال الراحة في قوله :

” تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت 11 :28).

 

نرى عدالة الله بارزة في الكلمات :

” فَكَمَا يُجْمَعُ الزَّوَانُ وَيُحْرَقُ بِالنَّارِ، هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هذَا الْعَالَمِ: يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ” (مت 13 :40 -42).

 

وإذ ندخل مقادس إنجيل مرقس نرى أنه بينما يَذخَر هذا الإنجيل بأعمال الرحمة، تبدو فيه العدالة بصورة مُجسمة في قول المسيح له المجد:

“وَلكِنْ مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَيْسَ لَهُ مَغْفِرَةٌ إِلَى الأَبَدِ، بَلْ هُوَ مُسْتَوْجِبٌ دَيْنُونَةً أَبَدِيَّةً” (مر3 :29).

 

وعلى هذه الوتيرة نجد هذين الخطين يسيران جنباً إلى جنب، في كل الأناجيل، الخط القرمزي المميز لرحمة الله ومحبته، والخط الناري المميز لعدالة الله وقداسته.

 

ويبدو هذا جلياً في إنجيل لوقا. فبينما نقرأ هناك عن قصة الابن الضال التي تُمثل حنان الآب وغفرانه، وقصة الفريسي والعشار التي تصور رحمة الله على الخاطىء المُعترف بخطيته، وقصة الخروف الضال التي تُرينا بحث الله عن الخاطىء الضال، كذلك نقرأ عن عقاب الله لمن يهملون التوبة والإلتجاء إلى رحمته، إذ نقرأ في هذا الإنجيل إجابة السيد له المجد للقوم الذين جاءوا يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم في قوله:

” أَتَظُنُّونَ أَنَّ هؤُلاَءِ الْجَلِيلِيِّينَ كَانُوا خُطَاةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ الْجَلِيلِيِّينَ لأَنَّهُمْ كَابَدُوا مِثْلَ هذَا؟ كَلاَّ! أَقُولُ لَكُمْ: بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ” (لو 13 :2 -3).

 

وفي مرة ثانية يتكلم المسيح لتلاميذه عن عدالة الله ويُظهرها في هذا الحديث :
“وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَلَمْ يَقْبَلُوكُمْ، فَاخْرُجُوا إِلَى شَوَارِعِهَا وَقُولُوا: حَتَّى الْغُبَارَ الَّذِي لَصِقَ بِنَا مِنْ مَدِينَتِكُمْ نَنْفُضُهُ لَكُمْ. وَلكِنِ اعْلَمُوا هذَا إنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَكُونُ لِسَدُومَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالًا مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ” (لو 10 :10 -13).

 

ويتجلى التعليم عن رحمة الله وعدالته في إنجيل يوحنا، المعروف بأنه إنجيل المحبة، فبينما تعزف موسيقى رحمة الله ومحبته في الكلمات :

” لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 :16)

 

تتجسم عدالة الله في الكلمات :

” الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ” (يو 3 :36).

 

وهذا التعليم نفسه يظهر واضحاً في رسالة يوحنا الأولى، ففي الأصحاح الرابع يقول يوحنا : “وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي للهِ فِينَا. اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ” (1يو 4 :16).

 

وفي الأصحاح الأول يقول :

“وَهذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ” (1يو 1 : 5 -6).

 

فما معنى عبارة (الله نور)؟ إن النور ليس فقط ضد الظلام، لكنه لا يمكن أن يوجد مع الظلام فحيثما يُوجد النور يهرب الظلام، فإذا كانت محبة الله ترغب في أن تغفر للخاطىء، لكن ( الله نور ) لا يستطيع أن يحيا مع الخطية أو يحتملها، فالله والخطية لا يمكن أن يُوجدا معاً كما يقول حبقوق :

“عَيْنَاكَ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ، فَلِمَ تَنْظُرُ إِلَى النَّاهِبِينَ، وَتَصْمُتُ حِينَ يَبْلَعُ الشِّرِّيرُ مَنْ هُوَ أَبَرُّ مِنْهُ؟” (حب 1 :13).

 

والذين يسلكون في الظلمة لا يمكن أن يكون لهم شركة مع الله، ومن الآية يتّضح لنا أن السلوك في الظلمة هو حالة الذين يكذبون ولا يعملون الحق، وهؤلاء لا صلة لهم بالله!

 

وعلى هذا فالصورة التي يجب أن نرسمها لله في أذهاننا هي :

أن الله الرحيم هو أيضاً إله عادل، وأن الله المُحب هو أيضاً إله قدوس يكره الخطية! وإذا ثبتت هذه الصورة في أذهاننا فإننا لن نعود إلى سؤالنا القديم «ألم تكن مجرد كلمة من الله بكافية لأن تغفر كل الخطايا» إذ أننا سندرك على الفور أن صفات الله الأدبية الكاملة، لا يمكن أن تسمح بغفران الخطية دون أن تنال قصاصها، وقد أعلن الله عن عقاب الخطية في الكلمات “هَا كُلُّ النُّفُوسِ هِيَ لِي. نَفْسُ الأَبِ كَنَفْسِ الابْنِ، كِلاَهُمَا لِي. اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ” (حز 18 :4) فالخطية إذاً ليست أمراً هيناً حتى يمكن غفرانها بكلمة دون أن تنال القصاص .

 

وعلى هذا فإن الصليب يبدو أمامنا ضرورة حتمية للتوفيق بين عدل الله ورحمته!

 

وقف أحد خدام الله في ميدان من ميادين لندن، يتأمل تمثال العدل المقام فوق دار محكمة كبرى في ذلك الميدان، وهو تمثال لإمرأة معصوبة العينين، تمسك في يدها اليمنى بسيف ذي حدين، وتقبض بيدها اليسرى على ميزان، وهي تمثل العدالة التي لا تُحابي بالوجوه، وإنما تحكم بحسب ميزان القانون … وعلى مسافة ليست ببعيدة، رأى ذلك الخادم الجليل صليباً مُرتفعاً فوق قبة كنيسة ضخمة! وقف مبهوتاً بين المنظرين، وأشار بيده إلى تمثال العدل وقال:

«هنا عدالة الله التي تنفذ القانون بغير محاباة! هنا الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة … ثم أشار إلى الصليب المرتفع وهتف مُردداً : وهنا الرحمة المُتجسدة التي فتحت الطريق إلى الفردوس المردود، بعد أن أضاع الإنسان فردوسه المفقود».

 

أجل، إن الصليب ضرورة لازمة لإظهار رحمة الله، وعدالة الله، فالمسيح عندما مات على الصليب كان بديلاً للإنسان الذي تعدى وصية الله، وفيه تلائم العدل والرحمة وظهر بر الله كما يقرر ذلك بولس الرسول وهو يشرح فلسفة الصليب قائلاً:

“وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ .بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ” (رو 3 :21 -25).

 

فالصليب في نظر بولس كان هو الوسيلة التي بها تعانقت الرحمة مع العدل إذ عليه مات “مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” (رو 5 :12).

 

كذلك أُعطيت الإنسانية فرصة لنوال الحياة عن طريق (الموت) الذي إحتمله المسيح لأجلها، وهذا ما يقرره بولس في الرسالة إلى رومية أيضاً قائلاً :

“وَلكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيَّةِ هكَذَا أَيْضًا الْهِبَةُ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ اللهِ، وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ” (رو 5 :15).

 

فآدم مُمثل البشرية الأول جلب الموت للبشرية، فجاء يسوع المسيح (الممثل الثاني للبشر) وحمل هذا الموت في جسده على الصليب، وهكذا حرر كل من يؤمن به من هذا القصاص الرهيب، وهذا ما يؤكده لنا بطرس الرسول في كلماته:

“الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ” (1 بط 2 :24).

 

وبهذه الكيفية إكتفت رحمة الله وسكنت أحشاء رأفته بينما أخذ العدل الإلهي حقه كاملاً في يسوع المسيح الذي رضي طائعاً مُختاراً أن يفدي الإنسان الأثيم، وتمت الكلمة المكتوبة : “الرَّحْمَةُ وَالْحَقُّ الْتَقَيَا. الْبِرُّ وَالسَّلاَمُ تَلاَثَمَا” (مز 85 :10).

 

2- الصليب ضرورة لأنه أظهر للإنسان فظاعة خطيته :

 

تحدث كارليل مرة مع أحد أصدقائه المسيحيين فقال : «لو كان الله يقدّر الخطية حقّ قدرها لكسُر قلبه»، فأجابه المسيحي : «وهذا ما وقع بالفعل على الصليب حين خرج من قلب المسيح دم وماء لما طُعن بالحربة بعد موته دليلاً على إنه قضى مكسور القلب جريح الفؤاد».

أجل إن الصليب كان ضرورة ليُظهر للإنسان فظاعة خطيته! ولقد كان بولس الرسول يعتز بتدينه وبره الذاتي إلى أن أشرق عليه نور الصليب فردد كلماته التي يُظهر فيها تقديره لفظاعة خطيته قائلاً :

“صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا” (1 تي 1 :15).

 

وقصة الصليب تُرينا مقدار فظاعة خطية الإنسان، فبعدما أخذ رؤساء الكهنة والشيوخ يسوع إلى دار الولاية لكي يُحاكم أمام بيلاطس، ليحكم عليه بالموت إذ لم يكن لليهود في عهد الحاكم الروماني أن يُنفذوا حكم الإعدام في أحد إلا بعد الرجوع للسلطة الرومانية، تَحقق الوالي الروماني من براءة (يسوع) وأراد كرجل سياسي أن يُنقذ المسيح، وفي ذات الوقت ان يحتفظ برضاء الجماهير، وكان معتاداً في العيد أن يُطلق للجمع أسيراً واحداً من أرادوه، وكان لهم حينئذ أسير مشهور يُسمى (باراباس) وذلك كان قد طُرح في السجن لأجل فتنة حدثت في المدينة وقتل، فوقف بيلاطس ليسأل الجماهير الصاخبة “فَفِيمَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟” (مت 27 :17).

 

ووقفت البشرية لتحكم لنفسها أو عليها، ولكنها ظهرت على حقيقتها الشريرة الساقطة! كان أمامها باراباس، اللص، مُدبر الفتن والمؤمرات ، القاتل الذي لوث يديه بالدماء! ويسوع الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس!

باراباس في كفة … ويسوع في كفة … قاتل وملك … نجس وقدوس … لص ونبي يُجري المعجزات! فأيهما تختار البشرية ؟

إن شبيه الشيء منجذب إليه، ولذا فإن البشرية قد نادت يوم الصليب (إطلق لنا باراباس ) وهكذا ظهر قلبها النجس الشرير، المُخادع ، المُنجذب إلى سفك الدماء بطلب صلب المسيح، وإطلاق القاتل باراباس … أجل.

 

عند الجلجثة ظهرت فظاعة الخطية، وسجلت الإنسانية على نفسها هذه الفظاعة يوم كتبت على صليب المسيح بلغاتها الثلاث : اليونانية لغة العلم والفلسفة، واللاتينية لغة الحكومة الرومانية، والعبرانية لغة الديانة اليهودية، “وَكَانَ عُنْوَانٌ مَكْتُوبٌ فَوْقَهُ بِأَحْرُفٍ يُونَانِيَّةٍ وَرُومَانِيَّةٍ وَعِبْرَانِيَّةٍ: هذَا هُوَ مَلِكُ الْيَهُودِ” (لو 23 :38).

 

أجل إختارت البشرية الفساد وصلبت رب المجد، وإختارت سفّاك الدماء وصلبت رب الفداء، وإختارت اللص، وصلبت السيد القدوس فيا لفظاعة خطيتها!

 

قال خادم جليل من خدام الله وهو يشرح كيف ظهرت فظاعة الخطية في صليب المسيح

«رأيت المريض المُعذب يصرخ من الألم وسألت: ما سبب هذا ؟ فقالوا : الخطية ! ورأيت الدماء الغزيرة تُسفك في الحروب، وسألت : ما سبب هذا ؟ فقالوا : الخطية؟
ورأيت الفقر الرهيب الذي يذل البشر، وسألت : ما سبب هذا ؟ فقالوا : الخطية. ولكني لما رأيت يسوع البار والناس الأدنياء يبصقون على وجهه الكريم، والجنود الأردياء يكللون رأسه الملكي بإكليل الشوك، وعبد دنيء لرئيس الكهنة يصفعه على وجهه النبيل، ثم رأيته بعد ذلك وجنود الحكومة الرومانية يسمرونه في الصليب ، ويرفعونه على رابية الجلجثة حتى تمزقت أعصابه … صرخت ما سبب هذا؟ فقالوا: الخطية. وهنا فقط رأيت فظاعة الخطية في حياة البشر».

 

حدثنا أحد رجال الله بقصة شاب هندي، تربى في بيت مسيحي، ترك بلاده قاصداً بلاد الغرب في طلب العلم، وهناك حاد عن طريق الحق، ووقع في حبائل الشرور والآثام، وتلوثت حياته بالنجاسات والأوحال، ولما أتم دراسته، عاد إلى بلاده، فإستقبلته والدته بصدر رحب وثغر بسام، ورأى نفسه يعود إلى المذبح العائلي، ويسمع كلمات الترانيم وآيات الكتاب، لكنه لم يعد يشعر في بيته بتلك الراحة التي كان يشعر بها من قبل حين كان يسمع صوت الترنيم، لأنه أحس إنه في وادٍ وأمه في وادٍ، فأراد أن يستعيد ذلك الشعور المُريح، ثم خطر بباله أن يعترف لأمه بذنبه، ليعرف تأثير خطاياه فى نفسها، وكانت الأم سيدة تقية نقية، أقرب إلى الملائكة منها إلى البشر، فتقدم إليها في غرفتها وهي جالسة وشرع في سرد قصته المُحزنة، وإعترف لها بما إقترف من آثام، فلما سَمعت تلك الأم القديسة إعتراف إبنها، هالها ما سمعت، فقامت من مقعدها، واستمعت له وهو يفوه بإعترافه، ولما بلغ نهايته، رآها وقد إرتعشت كورقة ذابلة أسقطتها الرياح، مستندة بيديها إلى الجدار الذي كان خلفها، فاتحة يديها على شكل صليب، فصُعِقَ الفتى من هول هذا المنظر لأن أمه تمثلت له كأنها صُلبت على الجدار من أجله، بسبب شناعة آثامه … وقال لم أعرف فظاعة خطاياي إلا بعد أن رأيت أمي تتمثل أمامي كأنها مصلوبة على صليب، وعَزَمت من ذلك اليوم على التوبة الصادقة عن خطاياي.

 

يذكر لنا إشعياء إختباره في الأصحاح السادس من سفره قائلاً :

“فِي سَنَةِ وَفَاةِ عُزِّيَّا الْمَلِكِ، رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ. السَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، بِاثْنَيْنِ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَبِاثْنَيْنِ يُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ. وَهذَا نَادَى ذَاكَ وَقَالَ: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ. فَاهْتَزَّتْ أَسَاسَاتُ الْعَتَبِ مِنْ صَوْتِ الصَّارِخِ، وَامْتَلأَ الْبَيْتُ دُخَانًا. فَقُلْتُ: وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ” (إش 6 :1 -5).

 

فإذا كان إشعياء قد رأى نجاسة شفتيه، ونجاسة شعبه عندما رأى السيد القدوس جالساً على كرسيه، والسرافيم حوله ينادي كل واحد الآخر بقداسته، فأي إحساس يملأ قلب الإنسان وهو يرى السيد، لا على كرسيه، بل على الصليب، مُعلقاً بين الأرض والسماء لأجل سواد خطية الإنسان؟! يقيناً أن المرء يشعر في نور الصليب بفظاعة خطاياه.

 

3- الصليب ضرورة لأنه فتح قلب الله للإنسان وبيّن له محبته : 

 

إمتلأ قلب الإنسان بالعداء لله، من يوم أن عصاه وما زال الشيطان يحاول كل يوم أن يزيد هذا العداء البغيض في قلب الإنسان بتوجيه نظره إلى الجوانب السوداء في الحياة. فهو بدلاً من أن يفتح عيون الناس على نور الشمس المشرقة، يفتحها لكي تنظر ساهمة إلى ظلام الليل البهيم، وبدلاً من أن يُريهم جمال الزهور المنثورة على وجه الأرض، يملأ عقولهم بالتفكير في قسوة المرض وكثرة الجراثيم! وبدلاً من أن يوجه أفكارهم إلى غنى رحمة الله، يُذكرهم بالظروف السوداء التي تمر بهم في موكب الزمن، وهكذا يرسم صورة قاسية لله، تُزيد قلب الإنسان نفوراً ، وإحساسه قساوة وجموداً.

 

ويُخطىء من يعتقد أن الله قد كَرِهَ الإنسان بعد أن تمرد عليه، وكسر وصيته، فالحقيقة أن الله قد أبغض خطية الإنسان! ولا شك أن الله مُلتزم أن يقف ضد الخطية، لأن الخطية قد أتلفت أجمل مخلوقاته وهو الإنسان، وأعمت عينيه عن أن يرى صلاحه العظيم، وملأت بسمومها كل ينابيع كيانه، وحملت إلى الموت والقبر الملايين الكثيرة من الناس، وصنعت السلاسل التي تقيد بها النفوس! ومن نبعها الملوّث بالإثم قد فاض الحزن، والألم والصراخ، والدماء، والدموع …. فكيف يمكن لله أن يتعامل مع الخطية كأنها أمر زهيد؟

 

لقد كان عليه أن يُظهر غضبه على الخطية، فأغرقها بالطوفان في أيام نوح، وأحرقها بالنار في أرض سدوم، فظن البشر أن الله يكرههم هم، مع أنه يقيناً يكره الخطية التي لوثت حياتهم.

وعندما جاء المسيح ومات على الصليب، لم يأتِ ليُثير الشفقة من نحونا في قلب الآب، بل جاء لأن الآب أحبنا، وهذا ما يقرره بولس الرسول في كلماته:

“لأَنَّ الْمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ. فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضًا أَنْ يَمُوتَ. وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (رو 5 :6 -8).

 

ومن يدرس الأصحاح الخامس من رسالة رومية يُلاحظ أربع صفات للناس الذين أحبهم الله، فهم (ضعفاء – وفجار – وخطاة – وأعداء ).

 

ومع هذا كله يُبين الله محبته لهم بموت المسيح على الصليب، هذه التضحية الكبرى التي صورها يوحنا في إنجيله الذهبي قائلاً :

“لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 :16).

ثم أراد أن يجعل المؤمنين يتعمقون في بحرها الطامي فهتف لهم مُردداً :

“اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ! مِنْ أَجْلِ هذَا لاَ يَعْرِفُنَا الْعَالَمُ، لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُهُ” (1 يو 3 :1).

 

أجل إنها محبة يصعب التعبير عنها بلغة البشر… أظهرها لنا صليب المسيح الكريم!

 

حدثنا رجل من رجال الله في بلاد الغرب ، عن قصة فتاة إسمها (ماري) تركها والدها وهي طفلة ما زالت في المهد، وكانت جميلة مُشرقة الوجه، كجمال الورد وإشراقه في وقت الربيع وكانت أمها فقيرة فقراً عظيماً، لكنها أحبت الطفلة الجميلة وبدأت تُكافح من أجلها في الحياة، رضيت لنفسها أن تقوم بأحقر الأعمال حتى توفر العيش الهنيء لإبنتها المحبوبة، وكبرت الطفلة، ونمت وترعرعت، وسارت سيراً جميلاً في مراحلها الدراسية، أنهت التعليم الإبتدائي والثانوي، والعالي، وبدلاً من أن تَرُد الجميل للأم العجوز التي تعبت من أجلها وكافحت في سبيل تربيتها، تدهورت تدهوراً شنيعاً جداً، وهربت إلى مكان لا تعرفه أمها الحنون.

 

ولم تستطع الأم العجوز أن تنسى إبنتها، كانت تحبها حباً ملك عليها مشاعرها، أحبتها رغم تمردها وشرها وهروبها، وشرعت تفتش عنها في كل مكان تعتقد أنها ذهبت إليه، وكان بحثها عن الإبنة الضالة يكلفها مالاً ، فكانت تشتغل في تنظيف البيوت لتحصل على ما يكفيها للقيام برحلة للبحث عن إبنتها … لكن جهودها ذهبت دون جدوى … كان طيف إبنتها الشاردة يُداعب خيالها أثناء النوم، ويمر بذاكرتها وقت النهار، كانت تذكر طفولتها البيضاء وشبابها الجميل، وأنوثتها المكتملة، فتذوب شوقاً إليها، ويدفعها الحنين إلى أن تسعى في أرجاء البلاد للبحث عنها.

 

أعياها السفر، وأتعبها البحث، وأجهدها التفكير، وأضناها ألم الفراق، فتفكرت في ذهنها عن حيلة جديدة، قدمت نفسها للخدمة في عدة بيوت، فلما إقتصدت مبلغاً كافياً ذهبت إلى مصور مشهور، وطلبت منه أن يلتقط لها صورة وهي بمنظر المتوسلة الضارعة وأن يطبع لها من هذه الصورة إثنتي عشر واحدة من حجم كبير يلفت الأنظار، وأن يُعطيها لخطاط يكتب تحت الصورة هذه العبارة «مازلت أحبك ياماري … عودي إليَّ».

 

أجاب المصور طلبها، وسلمها الصور، فقامت برحلات إلى مكان إعتقدت أن إبنتها قد تذهب إليه، وتوسلت إلى أصحاب الملاهي والمراقص أن يضعوا صورتها هذه في مكان ظاهر ، فقد تأتي ماري وتراها فتنكسر أمام حبها وتعود … وأشفق أصحاب الملاهي على المرأة العجوز ووضعوا صورتها في مكان يلفت الأنظار.

 

وفي ليلة ما دخلت ماري إلى مرقص من هذه المراقص، كانت في تلك اللحظة مُحطمة النفس ضعيفة الجسم فقد باعت نفسها للشيطان والخطية، ولم تجن منهما إلا الشوك والحسك. كان أصدقاؤها قد هجروها ، وكان المرض قد بدأ يدب في جسدها ، وكانت نفسها قد إستيقظت تُطالبها بالتوبة والرجوع إلى أمها وإلى أهلها.

 

وكان مايغض مضجعها هو : «هل تقبلها أمها في البيت بعد أن هجرتها ؟ هل تصفح الأم المسكينة عن آثام إبنتها التي ضلت سواء السبيل ؟ آه ليتها تستطيع أن تعود ، إنها بحاجة إلى صدر أمها الحنون، وإلى قبلاتها الطاهرة، وإلى كلماتها الرقيقة، وإلى غفرانها وصفحها لكن هل يمكن؟».

دخلت المرقص وهي تترنح من الألم، وإسترعى إنتباهها جماعة من الناس يتطلعون في صورة على الحائط، فدفعها الفضول أن تتقدم لترى، وظلت تقترب وتقترب حتى تبينت صورة أمها، إنها هي ليس في ذلك أدنى ريب، لكن من الذي أتى بصورتها إلى هذا المكان؟ من الذي وضعها في هذا المكان الظاهر للعيان؟

إستمرت الفتاة تتأمل الصورة المعلقة أمامها، هل يمكن أن تكون هذه الصورة هي صورة لإمرأة شبيهة بأمها ! آه … ما هذه الكلمات المكتوبة تحت هذه الصورة ( ما زلت أُحبك ياماري… عودي إليَّ ).

ولم تحتمل الفتاة أكثر فقد تحطم قلبها أمام محبة والدتها فأسرعت إلى المحطة وركبت أول قطار إلى مدينتها، ودخلت لترتمي على صدر أمها وتطلب منها الصفح والغفران … وقد غفرت الأم ! غفرت منذ خرجت الشاردة من بيتها … غفرت وكانت تنتظر عودة إبنتها لتتأكد من هذا الغفران.

 

وإذا كانت هذه الصورة، صورة قوية للمحبة الغافرة، فهي في الواقع صورة باهتة إذا قيست بمحبة الله التي ظهرت في الصليب، فمحبة هذه الأم ، هي محبة إنسان لإنسان … أم لإبنتها … أما محبة الله، فهي محبة الله الخالق، لابن آدم الدود ، إنها يقيناً محبة فائقة المعرفة.

 

يُحدثنا دوايت مودي المبشر المعروف بحادثة كان لها أكبر الأثر في حياته، ففي سنة 1867 تقابل مودي مع مبشر ممتليء بروح الله إسمه (هنري مور هاوس) في مدينة لندن، كان مودي يعظ في دار مرسلية، وأصغى إليه (مور هاوس) خمس دقائق، عرف منها أن مودي لا يعظ الكتاب ، وليس في عظته من الكتاب إلا الآية، وبعد الوعظ إتجه إليه وقال له بصراحة: «يامودي إنت غلطان! لو أنك تعظ كلام الله لا كلامك أنت لصيرك الله قوة عظيمة »
واستاء مودي جداً من الملاحظة ، خصوصًا وقد كان يرى نفسه أعظم الواعظين! لكن ( مور هاوس) لم يتوقف عند هذا الحد فقد إتجه إلى شيكاغو، وفي غياب مودي ألقى عظتين في ليلتين متواليتين عن الآية الذهبية :

 

“لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 :16). وإستمر يعظ عن هذه الآية سبع مرات، وعاد مودي من غيابه ليجد جماهير غفيرة تأتي لتسمع الشاب الإنجليزي الذي يعظ عن آية واحدة سبع عظات متوالية، والذي لا يقسم الوعظ إلى ثانياً وثالثاً ورابعاً، بل يأخذ الآية بكليتها ثم يغوص في التوارة من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا ليبرهن أن الله أحب العالم في كل الأجيال وقال مودي في نفسه وهو يسمعه « إني لم أعرف أن الله أحب العالم هكذا ، فإبتدأ قلبي يخفق ولم أقدر أن أحجز دموعى المتهاطلة، قد كنت مُعتاداً ان أعظ أن الله وراء الخاطىء حاملاً سيفاً ذا حدين ليضربه به، ولكن من ذلك اليوم شرعت أعظ أن الله وراء الخاطىء بالمحبة، وأن الله يركض والخاطىء أمامه يهرب من محبته!.

 

وظل (مور هاوس) يعظ عن محبة الله بانياً كل حقيقة يقولها على أسس من الكتاب ومن الكتاب وحده، وفي الليلة السابعة إرتقى المنبر ثم ردد هذه الكلمات « يا أصحابي، لقد إجتهدت أن أجد آية أعظ عنها هذه الليلة، فلم أجد أنسب من الآية القديمة ” هكذا أحب الله العالم” وفي ختام عظته ذكر هذه العبارات :

«أيها الأصحاب، لقد قصدت خلال الأسبوع أن أخبركم كيف أحب الله العالم على أن ذلك متعذر على لساني القاصر، ولو إستطعت أن أرتقي بسلم يعقوب. وأسأل جبرائيل الواقف في حضرة القدوس عن مقدار محبة الله للبشر، لكان مايقدر أن يقوله:

“لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 :16)

أجل هناك فوق الجلجثة، تكلم الله للناس. لا في لغة يونانية، ولا في لغة لاتينية ، ولا في لغة عبرانية بل في لغة، البذل والتضحية إنه أحب العالم المتمرد المسكين بهذا المقدار العظيم.

 

4- الصليب ضرورة لأن الله إشترى به الإنسان وأعاده إلى ملكيته:

 

يصف الرسول بولس نفسه قبل أن يقترب إلى الصليب قائلاً :
“فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ” (رو 7 :14).

ويقول إيليا النبي لآخاب الذي أعماه الطمع حتى قتل نابوت اليزرعيلي ليستولي على حقله “فَقَالَ أَخْآبُ لإِيلِيَّا: هَلْ وَجَدْتَنِي يَا عَدُوِّي؟ فَقَالَ: قَدْ وَجَدْتُكَ لأَنَّكَ قَدْ بِعْتَ نَفْسَكَ لِعَمَلِ الشَّرِّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. هأَنَذَا أَجْلِبُ عَلَيْكَ شَرًّا، وَأُبِيدُ نَسْلَكَ” (1مل 21 :20).

 

وهذه الكلمات تنطبق على الإنسانية جمعاء. “اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (مز 14 :2 ،3 ).

 

“بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو 3 :22 ،23).

فالبشر في الموازين هم إلى فوق، والعالم قد إشتراه الشيطان مجاناً بخداعه ومكره، كما يقول الله لإسرائيل المرتد :

“فَإِنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: مَجَّانًا بُعْتُمْ، وَبِلاَ فِضَّةٍ تُفَكُّونَ” (إش 52: 3).

 

إذن فلا بدّ أن يشتري الله من جديد الخليقة التي باعت نفسها للشيطان، ورضيت بعبوديته … فأي ثمن يدفعه لشراء الإنسان؟! يقول بطرس :

“عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ” (1 بط 1 :18 ،19).

 

وفي سفر الرؤيا نسمع هتاف المفديين:

“وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ” (رؤ 5 :9).

 

ونحن نقرأ في سفر اللاويين عن شريعة الفكاك، أي إعادة الشيء المباع بشرائه من جديد ونرى أروع منظر للفكاك في الأصحاح الخامس والعشرين في هذه الكلمات :

“وَإِذَا طَالَتْ يَدُ غَرِيبٍ أَوْ نَزِيل عِنْدَكَ، وَافْتَقَرَ أَخُوكَ عِنْدَهُ وَبِيعَ لِلْغَرِيبِ الْمُسْتَوْطِنِ عِنْدَكَ أَوْ لِنَسْلِ عَشِيرَةِ الْغَرِيبِ، فَبَعْدَ بَيْعِهِ يَكُونُ لَهُ فِكَاكٌ. يَفُكُّهُ وَاحِدٌ مِنْ إِخْوَتِهِ، أَوْ يَفُكُّهُ عَمُّهُ أَوِ ابْنُ عَمِّهِ، أَوْ يَفُكُّهُ وَاحِدٌ مِنْ أَقْرِبَاءِ جَسَدِهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ، أَوْ إِذَا نَالَتْ يَدُهُ يَفُكُّ نَفْسَهُ” ( لا 25 :47 -49).

 

ومن هذه الآيات نلاحظ أن من يد الإنسان الذي بيع للغريب يشترط فيه ثلاثة شروط:

1- أن يكون قريباً للشخص المباع
2- أن تكون له إرادة للفكاك
3- أن يكون قادراً على دفع الثمن

 

وهذا ينطبق تماماً على ما عمله الرب يسوع المسيح فقد إشترك معنا في اللحم والدم ليَعتِقنا من إبليس الغريب كما يقول كاتب العبرانيين :

“فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ” (عب 2 :14 -15).

 

وكذلك رضي طوعاً وإختياراً أن يضع نفسه عنا لكي يشترينا من جديد لله أبيه، وقد أعلن هذا بكلماته : “لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ” (يو 15 :13).

 

“لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي” (يو 10 :17 -18).

 

وفوق هذا فقد دفع الثمن العظيم الذي يفك به الإنسان المُستعبد الضعيف وهو دمه ، ولم يكن في مقدور أحد غيره أن يدفع هذا الثمن كما يؤكد المزمور القائل :
“الأَخُ لَنْ يَفْدِيَ الإِنْسَانَ فِدَاءً، وَلاَ يُعْطِيَ اللهَ كَفَّارَةً عَنْهُ. وَكَرِيمَةٌ هِيَ فِدْيَةُ نُفُوسِهِمْ، فَغَلِقَتْ إِلَى الدَّهْرِ” (مز 49 :7 -8).

 

فأين هي هذه الفدية الكريمة التي يستطيع الإنسان دفعها ؟ إنها ليست شيئاً! إنها شخص المسيح الكريم الذي قال لتلاميذه :
“كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مت 20 :28).

 

أجل إنه دفع الثمن، وفك العبد البائس الفقير! وكان هذا الثمن هو موته على الصليب ولذا فليس بعجيب أن يُرنم له إنسان أحس بفضله:

 

كنت في سجن الخطايا          عبد إبليس الرجيم
غير مأمـــول خــــلاصي          ثم نجاني الرحيم
 لم يفِ بالمال ديني               ذلك الفادي العظيم
بـــــل فــــداني بدمـــاه         من عذابات الجحيم
وإشتراني وإشتراني              ذاك بالدم الكريم

 

5- الصليب ضرورة لأنه نقض أعمال الشيطان وأكد هزيمته :

 

يكتب يوحنا الحبيب في نغمة تحوي كل عناصر الظفر والإنتصار كلماته الحلوة :

“مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ، لأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَدْءِ يُخْطِئُ. لأَجْلِ هذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ” (1 يو 3 :8).

وأعمال إبليس كلها للخراب ، والإفساد والتدمير، فقد جرب العائلة البشرية الأولى وقادها إلى الخراب، وإستعبد الإنسان الضعيف ولوث صفحة حياته بأقذر الخطايا ، وأشنع الأمور، ثم أحدره إلى الموت في أرض السكوت لأنه قد أخذ بإسقاطه للإنسان هذا السلطان!

“وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ” (غل 4 : 4 -5).

 

وكانت أول معركة دخل فيها المسيح مع الشيطان في حرب سافرة هي معركة البرية، حين حاول الشيطان أن يُسقط (يسوع) في ثلاث تجارب شديدة، هي التجارب التي يمر بها كل إنسان ، وكانت التجربة الأولى التي قدمها ليسوع ، تجربة موجهة لغريزة حب الحياة، وكانت التجربة الثانية موجهة لغريزة حب السيادة، وكانت التجربة الثالثة موجهة لغريزة حب الإمتلاك، لكن ( يسوع ) إنتصر في التجارب الثلاث، وكانت هذه أول هزيمة علنية أصابت الشيطان.

 

ويلذ لنا في هذه المناسبة أن نقارن بين تجربة (آدم الأول) وتجربة (آدم الأخير) فآدم الأول جُرب في جنة ولكنه سقط فتحولت الأرض بسببه إلى برية جرداء، و (آدم الأخير يسوع المسيح ) جُرب في البرية الجرداء، فإنتصر نصرة عظمى وفتح للبشر الطريق إلى السماء.

 

لكن المعركة الحاسمة التي نقض فيها المسيح أعمال الشيطان، وأكد فيها هزيمته النكراء، هي معركة الصليب، فقد ظن الشيطان أن الصليب هو نهاية الصراع بينه وبين المسيح، وصفق مجمع الأبالسة في زهو وفخار يوم رأوا يسوع المسيح مُعلقاً بين الأرض والسماء، لكن المسيح حول الصليب إلى سيف حاد ودحر به قوات الظلام، كما يقول كاتب العبرانيين :
“فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ” (عب 2 :14).

 

وكما يقرر ذلك رسول الأمم في رسالته إلى أهل كولوسي قائلاً :
“وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا، إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ، إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ” (كو 2 :13 -15).

 

وليس شك في أن الرياسات والسلاطين الذين جردهم المسيح من سلاحهم، وشهَّر بهم، وظفر بهم في الصليب، هم الذين ذكرهم الرسول حين قال:

“فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ” (أف 6 :12).

 

هؤلاء جميعاً جردهم يسوع من سلاحهم البتار ، وأعلن هزيمتهم العظمى أمام الجميع، إذ هزم رئيسهم الأكبر الذي له سلطان الموت في معركة الصليب، وحرر البشر من عبوديته إلى التمام، وهذه هي الصورة التي يرسمها بولس في كلماته إلى القديسين في أفسس قائلاً :

“وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلًا حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ، الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلًا بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا، اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ . وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (أف 2 : 1 -6).

 

يقيناً، أن محبة الله الظاهرة في الصليب، قد حررت من الأسر الأسير، وبقوة الصليب يُعطي يسوع النصرة على الشيطان لكل من يؤمن به كما يقول يوحنا في رؤياه عن الغالبين : “وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ، وَلَمْ يُحِبُّوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى الْمَوْتِ” (رؤ 12 :11).

 

وكما يكتب للمؤمنين الأحداث في رسالته الأولى قائلاً :
“كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ” (1يو 2 :14).

ثم يعود فيقول:
“أَنْتُمْ مِنَ اللهِ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، وَقَدْ غَلَبْتُمُوهُمْ لأَنَّ الَّذِي فِيكُمْ أَعْظَمُ مِنَ الَّذِي فِي الْعَالَمِ” (1يو 4 :4).

 

لقد أكد السيد نصرته العظمى على الشيطان في قوله :
“فَقَالَ لَهُمْ: رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ” (لو 10 :18).

 

أجل لقد إستطاع يسوع أن ينتصر على الشيطان لأنه لم يكن ملكاً له! ولا كان تحت سلطان حكمه، وقد أكد ذلك لتلاميذه قائلاً :

“لاَ أَتَكَلَّمُ أَيْضًا مَعَكُمْ كَثِيرًا، لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ” (يو 14 :30).

 

وقد تمت نصرته بالصليب الذي نقض به أعمال الشيطان، وأكد هزيمته، ونحن نرى ذلك واضحاً من مقارنة مُلذة بين سفر التكوين وسفر الرؤيا سفر البدايات وسفر النهايات.
ففي سفر التكوين نرى كيف خلق الله السماء والأرض، وكيف ضُربت الأرض باللعنة بسبب خطية الإنسان، وفي سفر الرؤيا نرى السماء الجديدة والأرض الجديدة وقد خلت من كل لعنة وحزن وشقاء.

 

في سفر التكوين نرى الجنة الأرضية، وفيها شجرة الحياة، ونهر البركات. وقد فقدها الإنسان الأول بالعصيان، وفي سفر الرؤيا نرى فردوس الله، وشجرة الحياة، والنهر النقي كالبللّور خارجاً من عرش الله والمسيح أو بعبارة أخرى نرى الفردوس المردود بواسطة كفارة الصليب.

 

في سفر التكوين نرى أول رمز للخروف المذبوح، وفي سفر الرؤيا نرى الخروف الذي ذُبح قائماً في وسط العرش.

في سفر التكوين نقرأ عن بداية الخطية، حين تحدثت الحية إلى حواء في الجنة، الهادئة الوادعة لتخدعها بمكرها، وفي سفر الرؤيا نجد الحية القديمة المدعو إبليس والشيطان وقد طُرحَ في بحيرة النار.

في سفر التكوين نجد القاتل الأول، ونجد أول من مارس تعدد الزوجات، ونجد المُتمرد الأول والسِكير الأول، وفي سفر الرؤيا نجد أمثال هؤلاء ونصيبهم البحيرة المتقدة بنار وكبريت.

 

في سفر التكوين نُشاهد قيام بابل، وفي سفر الرؤيا يدعونا الله أن نرى دينونتها وهلاكها.
في سفر التكوين نرى مدينة الإنسان، وفي سفر الرؤيا نرى مدينة الله.

في سفر التكوين نرى الإنسان غارقاً في الدم، والألم، والدموع، يطارده الموت أينما كان.

ولكن سفر الرؤيا لا يُختتم إلا بعد أن نرى الله المُحب، وهو يمسح كل دمعة من العيون، ويرحب بكل مفدي بالدم، في مدينته التي لا يمكن أن يدخلها الموت والخطية والألم، والحزن والعذاب.

 

في سفر التكوين نرى أول مملكة للعالم، وقد حل بها التبلبل والشقاء، وفي سفر الرؤيا نسمع الهتاف الداوي “ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً: قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ” (رؤ 11 :15).

 

في سفر التكوين نرى نُصرة الشيطان على الإنسان، وفي سفر الرؤيا نرى نُصرة الله على الشيطان… وهذه النصرة جاءت عن طريق موت المسيح على الصليب. وهكذا بالصليب نقض الله أعمال الشيطان وأكد هزيمته وأتم برنامجه الرائع الذي قصده للإنسان.

 

6- الصليب ضرورة لأنه الواسطة التي صالح بها الله خليقته :

 

قال أيوب وهو في عمق بلواه وهو يتحدث عن إحساسه من نحو الله:
“لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا” (أي 9 :32 – 33).

 

وكأن أيوب وهو يُفكر في جلال الله، وقداسته يحس بأنه كإنسان خاطىء لا يستطيع الإقتراب إليه فيتمنى أن يأتي ذلك المُصالح الذي يضع يده على يد الله، ويضعها كذلك على يده ويصالحه مع الله، ولا شك أن الشخص الذي تاق أيوب إلى مجيئه، لا بدّ أن يكون إلهاً كاملاً ليضع يده على يد الله، وإنساناً كاملاً ليضع يده على يد الإنسان، أي أن يكون وسيطاً إلهياً يصالح الإنسان مع الله.

 

ولقد جاء هذا المُصالح، ومات على الصليب، وتحدث عنه بولس قائلاً :
“وَلكِنَّ الْكُلَّ مِنَ اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ، أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ. لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ” (2 كو 5 :18 -21).

 

وقد يتبادر إلى الذهن أن المسيح بموته على الصليب قد أزال العداوة التي في قلب الله من نحو البشر، وقَرب الله إلى الناس، وهذا فكر خاطىء من أساسه ذلك لأن (الله محبة) وهو لم يُبغض خليقته في يوم من الأيام، ولم يشعر نحوها قط بإحساس العداء، ولكنه قد أبغض الخطية لأنه يعرف ما عملته بالجنس البشري، وكيف خربت حياة الناس وقادتهم إلى البوار.

ولهذا فإنه عندما يرى الناس متمسكين بالخطية رغم تحذيره لهم، فهو لا يسعه إلا أن يبكي عليهم، وهو يرى أن الخطية ستقودهم إلى الهلاك الأبدي!

وموقف السيد له المجد وهو يمر على مدينة أورشليم قاتلة الأنبياء وراجمة المُرسلين إليها، يرسم لنا صورة واضحة للمحبة الباكية، التي ترى عداء البشرية، وترى النهاية المُريعة الآتية كنتيجة لهذا العداء فلا يسعها إلا أن تبكي، وهذا هو ما نقرأه في إنجيل لوقا :

“وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا قَائِلًا: إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ. فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ” (لو 19 :41 -44).

 

فهذه الدموع التي ذرفها المسيح على المدينة التي لم تعرف زمان إفتقادها هي دموع المحبة الباكية على الخاطىْ المسكين الذي لا يعرف نهايته المُفزعة.

فالله يُحب الخاطىء، ويكره الخطية، ولكن الإنسان يُحب الخطية ويقف موقف العداء من الله حتى إنه يقول له في تبجحه “فَيَقُولُونَ للهِ: ابْعُدْ عَنَّا، وَبِمَعْرِفَةِ طُرُقِكَ لاَ نُسَرُّ” (أي 21 :14).

 

لهذا جاء الله المُحب في المسيح، ليُعلن للناس عواطف قلبه، حتى إذا رأى الناس هذا الحب الإلهي وقد تمثل في صورة بشر، وتحمل لأجلهم الألم والعذاب، ومات موت الصليب، تزول العداوة التي في قلوبهم من نحو الله فيسعون للإقتراب إليه.

 

وجدير بنا أن نلاحظ أن الإنسان لم يسعَ من جانبه لمصالحة الله بل أن الله هو الذي سعى لذلك :

“أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ” (2 كو 5 :19).

 

سأل أحدهم دكتور جرينفلد : هل تقدر أن تُخبرني عن السبب الذي من أجله دُعيّ يسوع المسيح كلمة الله ؟ أجاب دكتور جرينفلد قائلاً : «أظن أنه كما أن الكلمات هي واسطة التفاهم بين الناس، إستعمل الوحي الإلهي هذا التعبير ليوضح لنا بأن المسيح هو واسطة التفاهم بين الله والناس».

“لأنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ، الشَّهَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ”(1 تي 2 :5 -6) يقيناً أنه لأجل مصالحتنا مع الله جاء يسوع ومات على الصليب.

وقد حدثنا دكتور (جرينفلد) عن رجل عذب زوجته عذاباً شديداً قبل تجديده، فلما تجدد كان أول ما نطق به بعد عبارات الشكر لله أنه قال «الآن عليّ أن أذهب لمصالحة زوجتي» لقد ذاب العداء الذي في قلبه من نحو زوجته، وأحس أنه يجب أن يعود للإعتذار لها عمّا بدر منه في حقها!

 

وهذا هو المعنى المقصود بالمصالحة مع الله، ففي اللحظة التي يتأمل فيها الإنسان آلام المسيح المصلو ب، يذوب العداء الذي في قلبه ضد الله ويسُرع إلى المًصالحة معه، مُعترفاً له بخطيته، وعازماً أن يعيش الحياة التي تُرضيه، ويبدو هذا المعنى واضحاً في كلمات الرسول التي وجهها إلى القديسين والإخوة في كولوسي قائلاً :

“لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا أَجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ” (كو 1 :19 -22).

 

ثم يوضح غرض هذه المُصالحة العظمى قائلاً :
“لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ” (كو 1 :22).

 

فالمًصالحة إذ تعني وجهين:

الوجه الأول: هو إزالة العداء من قلب الإنسان.
والوجه الثاني :هو تغيير حياة الإنسان من الأعمال الشريرة، إلى الحياة التي بلا لوم ولا شكوى أمامه بما يتفق مع قداسة الله. 

وهكذا يتمتع الإنسان بالسلام مع الله. 

 

ويضم صوته إلى صوت بولس قائلاً:
“لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ! وَلَيْسَ ذلِكَ فَقَطْ، بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا بِاللهِ، بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي نِلْنَا بِهِ الآنَ الْمُصَالَحَةَ” (رو 5 : 10 -11).

 

وفي ذات الوقت فإن هذه المُصالحة تحمل معنى ثالثاً : هو وجود السلام بين اليهود والأمم كما يقول بولس :

“لِذلِكَ اذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلًا فِي الْجَسَدِ، الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَانًا مَصْنُوعًا بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلاَ إِلهٍ فِي الْعَالَمِ. وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ. لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ . أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلًا بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا، وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلًا الْعَدَاوَةَ بِهِ” (أف 2 :11 -16).

 

فالمسيح بموته على الصليب قد جعل اليهود والأمم واحداً، ليس بجعله اليهودي أممياً أو الأممي يهودياً، بل بأن أنسى اليهودي يهوديته وأنسى الأممي أمميته وصار الإثنان يذكران أنهما مسيحيان قبل كل شيء، وفوق كل شيء، ويقول رجل الله في تفسيره لهذه الآيات لسنا ندري هل وُجِدت بين العوامل الطبيعية مادة تُصهر معدنين متباينين فتُصيغ منهما معدناً واحداً، لكننا نعلم علم اليقين أن المسيح قد إستطاع بدمه الثمين أن يصوغ من اليهود والأمم ( الذين لا يقبلان تمازجاً بطبيعتهما ) معدناً واحداً صافياً، إذا أمعنت النظر فيه مَجمَعه عنصراً واحداً ، لكن السيد عمل هذا بنقضه لحائط السياج المتوسط الذي كان بين اليهود والأمم.

 

ولكي نفهم المراد من هذه العبارة، يجب أن نرجع بأفكارنا إلى الحالة التي كان عليها الهيكل وقت كتابة هذه الكلمات، فمن المسلم به أن هيرودس الأكبر أضاف إلى الهيكل قطعة فسيحة من الأرض كانت مؤلفة من دار متداخلة في دار، حتى تصل إلى القدس ومنه إلى قدس الأقداس، وكانت كل دار تزيد في درجة (القدسية) عن الدار التي قبلها، حتى تنتهي إلى (قدس الأقداس) الذي لا يُسمح بدخوله إلا لرئيس الكهنة وحده، مرة واحدة في السنة، وأما القدس فكان يُسمح للكاهن بدخوله يومياً ليحرق البخور على مذبح البخور وقت تقديم ذبيحتي الصباح والمساء، وكانت تقدم هاتان الذبيحتان في دار الكهنة على مذبح المُحرقة، وخارج هذه الدار، داران أخريان: أحدهما، وهي الملاصقة لدار الكهنة مباشرة تُسمى (دار بني إسرائيل) والثانية وهي خارج الأولى شرقاً تُسمى (دار النساء) ….

 

كل هذه الأمكنة : قدس الأقداس، والقدس، ودار الكهنة، ودار بني إسرائيل، ودار النساء، كانت مُقامة على مستوى عالٍ حساً ومعنى، ينتهي في عدة مواضع منه إلى خمس درجات تؤدي إلى أبواب مفتوحة في جدار مرتفع، تتصل به منصة ضيقة تُشرف على دار خارجية فسيحة، وهذه الدار الخارجية كانت مُخصصة للأمميين الذين يريدون أن يجتلوا محاسن أمجاد هيكل اليهود، أو أن يقدموا ذبائح وتقدمات لإله إسرائيل، ولكن لم يكن مسموحاً لهم بحال أن يتخطوا هذا ( الحائط) الذي كان يفصل هذه الدار عن الهيكل.

 

وكل من تحدثه نفسه بإقتحام ذلك الحائط يقع تحت طائلة الإعدام، ومبالغة في الإحتياط لمنع الأمم من أن يمسوا الجدار المرتفع ذا الأبواب، أقام اليهود حائط سياج منحوتاً من حجر، مطوقاً أبنية الهيكل، يبلغ إرتفاعه نحو خمسة أقدام، هذا هو حائط السياج المتوسط الذي قصده بولس وحدثنا عن يوسيفوس في (سفر الآثار)، وحائط السياج المتوسط هذا لم يكن موجوداً في الهيكل فقط، بل كان قائماً في قلوب اليهود . فمنع دخول الأمم إليهم، لكنه زال منذ أن انشق حجاب الهيكل والمسيح معلق على الصليب، وهكذا تصالح اليهود والأمم في صليب المسيح، وصارا إنساناً واحداً جديداً ، رمزاً للإنسانية الجديدة الموحدة التي لا مجال فيها للخلاف الذي توجده الجنسية، ولا للعداء الذي يسببه اللون، ولا للمشاحنة التي ولدها المذهب، ومن ثم صالح المسيح الإثنين اليهود والأمم.

 

أي الناموس الطقسي الذي أقام منه اليهود سوراً منيعاً فصل بينهم وبين الأمم، فاليهود كانوا يتورعون عن أن يمسوا شيئاً في الأسواق العامة متى علموا أن يداً أممية مسته لئلا يتنجسوا، وكانوا يأنفون أن يأكلوا على مائدة واحدة مع شخص أممي لئلا يتلوثوا، فجعلوا من هذه الفرائض حصناً منيعاً تحصنوا وراءه ضد الأمم، فإمتلأت قلوبهم بالعداء لهم.
وقد أزال المسيح بموته على الصليب هذا الناموس الطقسي، ثم صالح الإثنين مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به! ومن يستطيع أن يعي معنى هذه المصالحة الكبرى ولا يرقص قلبه طرباً.

 

يحدثنا دكتور سكوفيلد في إحدى عظاته عن حادثة مؤثرة حدثت في حياة تشارلس فني!
كان فني يعقد سلسلة اجتماعات، وفي ختام أحدها جاءه رجل ترتسم عليه علامات الشقاء، وصافحه ورجاه أن يزوره في بيته، لكن أحد الأصدقاء نصح فني أن لا يذهب لأن الرجل مجرم خطير، لكن (فني) عزم على أن يبر بوعده.

 

وذهب مع الرجل حتى وصلا إلى البيت، ففتح الرجل الباب وأدخل تشارلس فني ثم أغلق الباب بالمفتاح، وأخرج مسدساً من جيبه وأشهره في وجه (فني) وقال :قتلت أربعة رجال بهذا المسدس وأنت ستكون الخامس إن لم تعطني إجابة شافية عن أشياء سأسألك عنها:

 

1- قتلت في شري وإثمي أربعة رجال، وقد مر الوقت الذي يستطيع القانون ان يحاكمني فيه، لكن ضميري ثائر عليّ! فهل من علاج؟ أجابه تشارلس فني قائلا: “وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ” (1 يو1 :7).

 

2- إني أدير حانة، قدت الكثيرين من الذين دخلوها إلى البؤس والشقاء، وأنزلت بالكثيرين منهم الخراب والدمار، فمن نجا بثيابه لم ينج بصحته. فهل من علاج؟ فأجابه تشارلس فني قائلاً : “وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ”

 

3- في حانتي مكان للقمار، صُفّت فيه الموائد الخضراء للمقامرين المغرورين. فمن خرج ببعض المال من حانة الخمر، سلبته منه على موائد القمار. فهل من علاج؟ قال فني: “وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ”

 

4- وتابع الرجل حديثه قائلاً : منذ ثلاث عشرة سنة تزوجت من إمرأة فاضلة رزقت منها إبنة عمرها الآن إحدى عشرة سنة إسمها مرجريت وأنزلت بزوجتي وإبنتي أقسى أنواع العذاب! وقد خدعت زوجتي قبل الزواج موهماً إياها بأنني وكيل لإحدى الشركات! فهل من علاج؟ وأجاب فني : “وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ”.

 

5- وسكت الرجل لحظة ثم عاد يقول: هناك سؤال أخير يافني، أشعر بعد أن سمعت كلامك بأنني يجب أن أتصالح مع الله، وأُخرج العداء الذي في قلبي من نحوه! فهل من علاج؟

 

وأجاب فني: “وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ”

مد المجرم يده وهزّ يد فني مًصافحاً، وفتح له الباب للخروج.

وفي الصباح الباكر رؤى ذلك الرجل وهو يُحطم المرايا، والزجاجات، وموائد القمار، ويُعلن أنه أغلق حانته الرهيبة إلى الأبد … ثم يتجه إلى بيته ليعتذر لزوجته عما سببه لها من آلام!

ومن ذلك الوقت صار بيته جنة فيحاء وإمتلأ قلب زوجته بالهناء، وضاع كل إحساس بالخوف وكل شعور بالشقاء من قلب إبنته التي كانت جميلة كالزهرة البيضاء! وتصالح الرجل مع الله … وأصلح علاقاته مع الناس، وكل ذلك حدث بقوة دم الصليب، الذي صالح به الله خليقته.

 

7- الصليب ضرورة لأنه أظهر للإنسان حقيقة قيمته وأوضح له أسرار حياته :
وقف داود فوق مراعي الأرض المقدسة يتطلع إلى الشمس والكواكب والنجوم التي خلقها الله، وإذ غمره الشعور بالجمال والجلال هتف مردداً :

” أَيُّهَا الرَّبُّ سَيِّدُنَا، مَا أَمْجَدَ اسْمَكَ فِي كُلِّ الأَرْضِ! حَيْثُ جَعَلْتَ جَلاَلَكَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ …. إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، الْقَمَرَ وَالنُّجُومَ الَّتِي كَوَّنْتَهَا، فَمَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ؟ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟” (مز 8 :1 ،3 ،4).

 

هذا ما يخطر على بال الإنسان وهو يشعر بحقارة نفسه إزاء هذا الكون العظيم، فأرضنا تحمل على سطحها أكثر من 7 بليون و 200 مليون إنسان، يموت منهم 154080 كل يوم أو 107 كل دقيقة، عدا ألوف الذين يموتون في الثورات والحروب. فما قيمة الفرد وسط هذه البلايين؟

ثم لنأتِ إلى الإنسان في صفاته! من هو؟ إنه مجموعة من المتناقضات والنقصات، ففيه ضراوة الأسد، ومكر الثعلب، ونعومة الحية، وكبرياء الطاووس، وغباء الحمار، ووحشية النمر وهو في شره وانحطاطه … وفيه النقاء، والصفاء، والحب، والوفاء، عندما يتجدد قلبه ويقترب إلى الله! ولقد وصفه أحد رجال الله فقال : «إن حياة الإنسان مليئة بالأنهار والبحار، والكهوف والوديان، والجبال والسهول، والنسيم والعواصف، فميوله أنهاره، ومطامحه بحاره، وأسراره كهوفه، ومعلناته وديانه وعزائمه جباله، وأمانيه سهوله، وخياله نسيمه، وعواطفه عواصفه» فهو أكثر المخلوقات تعقيداً في شخصيته.

والآن! من هو الإنسان بالنسبة للنظام الشمسي الذي يحيط به في روعة وإبداع!

 

قص علينا خادم وقور قصة عن عالم جليل تحدث إلى رجل غني مغرور أراد أن يريه حقيقة نفسه فقال:

«دعني أريك حقيقتك أيها الرجل الغني! بين الأكوان العظيمة التي خلقها الله يوجد شيء إسمه (المجرة) أي النظام الشمسي وفي (المجرة) توجد بقعة سوداء صغيرة إسمها الأرض يعيش ملايين من ذرات الكربون الحقيرة القذرة إسمهم البشر. فيا صاحبي أنت ذرة كربون حقيرة قذرة هذا هو الإنسان بالقياس إلى ما يحيط به من عوالم وأكوان، وهو إذ تصدمه هذه الحقيقة كثيراً ما يرفع عينيه إلى الأعالي ويقول :
أحقاً يهتم بي الله أنا المخلوق التافه الضعيف؟!

 

والجواب الشافي عن قيمة الإنسان لا نجده إلا في الصليب، إذ هناك يستطيع شخص نظير بولس الذي كان قبلاً مجدفاً ومضطهداً ومفترياً أن يهتف ولهيب الحب يهز عواطفه، إذ يرى المسيح مُعلقاً على الصليب قائلاً : “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2 :20).

وإذا كان ابن الله قد أُسلم لأجل الإنسان ، فقيمة الإنسان إذاً عظيمة بمقدار عظمة المسيح.

حدثنا رجل جليل من رجال الله عن شخص متعلم عاش عيشة التشرد، تقذفه مدينة وتتلقاه أخرى، وانتهى به المطاف إلى مدينة (لومباردياً) حيث أصيب بمرض خطير وحملوه إلى المستشفى العام، وهناك أحاط به الأطباء وفحصوه، ثم قال بعضهم لبعض بلغة علمية صعبة «دعونا نُجري عملية لهذا المخلوق التافه الوضيع» ولم يخطر ببالهم أن يفهم الرجل المريض كلماتهم، فهو في نظرهم متشرد جاهل وضيع! لكن الرجل المريض رفع عينيه إلى من أحاط به من أطباء وقال «كيف تقولون عن شخص مات المسيح من أجله أنه مخلوق تافه وضيع».

 

حقاً! إن شخصاً مات المسيح لأجله، هو أعظم من كل العالم وأضخم من كل كوكب يدور في الأفلاك.

لكن سؤالاً يخطر ببالنا حين نصل إلى هذا الحق الجميل هو: إذا كان الإنسان كريماً ، ثميناً بهذا المقدار الذي كلف الله بذل ابنه الوحيد لأجله على الصليب! فلماذا يسمح الله بآلام الإنسان؟ بل لماذا يرضى بآلام الأبرار والقديسين؟

 

وفي الصليب يكشف لنا الله أسرار الحياة، فعلى الجلجثة، تمثلت أعماق العناية التي تبدو أمام عيوننا غامضة، فرأينا هناك المسيح القدوس البار يتألم لأجل شر الأشرار، ويحترق قلبه من فرط العار، ويموت وهو في ريعان الشباب، مع إنه سمع صوت من السماء يناديه في مستهل خدمته “صَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلًا: هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (مت 3 :17).

 

فإذا كانت قلوبنا تحترق من الحزن على فقد عزيز، فكذلك إحترق قلب المسيح، وإذا إغتصب الأشرار ميراثنا، وأخذوا ظلماً مالنا، فكذلك إقتسم الجنود الرومان ثياب المسيح، وعلى لباسه ألقوا قرعة! وإذا مات أحد أعزائنا ميتة شنيعة، فكذلك مات المسيح ميتة العار على صليب الهوان !

وإذا ما خطر ببالنا أن نتساءل عن قصد الله في آلامنا، أجابنا (الصليب) بأن كل ألم في حياة أولاد الله مُرتب بمشورة الله المحتومة لغاية عُليا، وقصد جليل! وإذا تعجبنا كيف رضي الله أن يأخذ فلذة كبدنا وهو في ربيع حياته، وعنفوان شبابه؟ رأينا على الصليب مسيح الله الذي قضى وهو في الثالثة والثلاثين؟!

وهكذا توضح لنا أسرار الألم في حياتنا.
لكن ما يُعزينا، هو أن الموت لم يكن خاتمة حياة المسيح، ولا كان القبر نهاية مُعجزاته وخدمته وآلامه! كلا! فبعد الموت أشرق فجر القيامة، وبعد ظلمة القبر إرتقى المسيح إلى عرشه المجيد، وبعد الصليب حمل السيد على رأسه تاج المجد العظيم.

 

وقبل أن نختتم هذا الفصل، يجدر بنا أن نذكر أن صليب المسيح أعلن خلود الإنسان إذ لا يُعقل أن يبذل الله الآب ابنه الوحيد في سبيل مخلوق مصيره التراب والعدم واللاوجود.
فإذ لم تكن هناك حياة أبدية للإنسان، فلماذا إرتضى ابن الله يسوع المسيح أن يتجسد ويُصلب ويموت لأجل الإنسان؟! يقيناً إن الروح الإنسانية خالدة، ودليل خلودها هو موت المسيح لأجلها على الصليب. 

 

فيليق بنا إذاً أن نفرح ونبتهج إذ بعد آلام الحياة وأحزانها سوف نتمتع بتاج الخلود السعيد.
فيا نفسي لا تجزعي ولا تفزعي.
بل إنحني في خضوع عند الصليب.
ففيه أظهر الله لك حقيقة قيمتك.
وفيه الحل الأوحد لمشاكل حياتك.
وفيه أعلن الله حبه المُريح لبني الإنسان.
وعنده يستريح المُتعبون.

 

أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ

مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا

 1كو 15 :3

 

 

الفصل الثالث

الصليب في الرموز والنبوات

 

هذا الخيط القرمزي الذي يتخلل صفحات الكتاب القدس من تكوينه إلى رؤياه! مادلالته ومامعناه؟
هذه الذبائح التي نُحرت على مذبح الله خلال القرون والأجيال إلى من ترمز وإلى أي شخص تُشير ؟
هذه النبوات التي نطق بها أنبياء العهد القديم والتي تتحدث عن شخص آت سيتألم ويموت! من هو هذا الشخص الذي تعنيه؟

 

إن هذا الخيط القرمزي، وهذه الذبائح الكثيرة، وهذه النبوات العديدة، تُشير كلها إلى شخص واحد هو (يسوع المسيح) الذي قال عنه بطرس الرسول وهو أحد كبار الحواريين :
“وَنَحْنُ شُهُودٌ بِكُلِّ مَا فَعَلَ فِي كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَفِي أُورُشَلِيمَ. الَّذِي أَيْضًا قَتَلُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ … لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ غُفْرَانَ الْخَطَايَا” (أع 10 :39 ،43 ).

 

فقبل أن ياتي المسيح بمئات السنين ويُصلب على الصليب تنبأ الأنبياء عن مكان ولادته، وكيفية هذه الولادة المُعجزية، وموته على صليب العار كفارة لخطايا البشر!

ومعنى هذه النبوات أن الله في علمه الواسع، ومعرفته المُطلقة يعرف النهاية من البداءة، كما يقول في سفر إشعياء :

“أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ. هُوَذَا الأَوَّلِيَّاتُ قَدْ أَتَتْ، وَالْحَدِيثَاتُ أَنَا مُخْبِرٌ بِهَا. قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ أُعْلِمُكُمْ بِهَا” (إش 42 :8، 9).

 

” اُذْكُرُوا هذَا وَكُونُوا رِجَالًا. رَدِّدُوهُ فِي قُلُوبِكُمْ أَيُّهَا الْعُصَاةُ. اُذْكُرُوا الأَوَّلِيَّاتِ مُنْذُ الْقَدِيمِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرُ. الإِلهُ وَلَيْسَ مِثْلِي. مُخْبِرٌ مُنْذُ الْبَدْءِ بِالأَخِيرِ، وَمُنْذُ الْقَدِيمِ بِمَا لَمْ يُفْعَلْ، قَائِلًا: رَأْيِي يَقُومُ وَأَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِي” (إش 46 :8 -10).

 

وهذا ما يتفق تماماً مع ما قاله يعقوب الرسول “مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ” (أع 15 :18).

 

فسقوط الإنسان لم يكن مفاجأة لله لم يعمل لها حساباً، لكنه عرف بسابق علمه أن الإنسان سينحدر إلى هاوية السقوط، ولم يتدخل سبحانه وتعالى لمنع هذا السقوط، لأنه خلق الإنسان حُراً واحترم حريته، فأي تدخل من جانبه تَبارك إسمه كان يُعتبر إمتهاناً بالحرية التي منحها للإنسان وبالتالي يجعل من الإنسان أداة مُسيرة في يد الله، وليس هذا هو قصد الله في خلق الإنسان، لأنه خلق الإنسان حراً، ووضعه تحت التزام أدبي أمامه، وكان من واجب الإنسان أن يستمر مُطيعاً لوصية الخالق العظيم، لكنه أصغى لصوت الشيطان وسقط سقوطه المُشين.

 

ورغم هذا فإن الله في حكمته الأزلية التي جلت وعلت، إتخذ من سقوط الإنسان وسيلة لإظهار بره وقداسته، وعدله ورحمته، واتساع محبته في الوقت الذي أبقى فيه للإنسان كامل حريته، وكان الصليب هو مفتاح هذا التدبير الحكيم!

ولا يَغرُب عن بالنا أنه بعد سقوط الإنسان أعلن له الله خلاصه بواسطة (الدم) وخلال هذه الآلاف من السنين التي سبقت مجيء المسيح، كان الله يعد البشرية عن طريق الذبائح الرمزية والإعلانات النبوية لترى الوسيلة الحكيمة التي رتبها لفدائها، ولتعرف خلاصه الثمين الذي سيجريه لأجلها بالصليب.

 

فالصليب إذاً لم يكن حادثاً عابراً في حياة المسيح، ولكنه كان تدبيراً أزلياً في مشورات الله، ولذا فإن موت المسيح ليس كموت الأنبياء، والشهداء، واصحاب الرسالات، ومن يموتون حباً في الوطن الذي يعيشون فيه، لأنه يختلف كل الإختلاف عن موت هؤلاء، ذلك لأن المسيح وُلد لكي يموت! ومات طوعاً وإختياراً لا لأن اليهود أرادوا له أن يموت، ولا لأن بيلاطس الوالي الروماني حكم عليه بالموت لكن لأنه جاء خصيصاً لكي يموت وأعلن وهو الصادق الأمين هذا الحق بقوله “كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِين” (مت 20 :28).

 

وقد تكلم له المجد عن موته على الصليب عدة مرات فأنبأ به نيقوديموس في مستهل خدمته قائلاً ” وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 :14 ،15).

 

وأعلنه لليهود في قلب خدمته حين قال “وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ. قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ” (يو 12 :32 ،33).

 

وأخبر به تلاميذه قبل صلبه فقال لهم : “مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ” (مت 16 :21).

 

فلم يكن الصليب إذاً أمراً جديداً على المسيح، بل كان شيئاً مُنتظراً ثبت وجهه لكي ينطلق نحوه.

ويكشف لنا بطرس الرسول عن هذه الحقيقة الأزلية فيقول في عظته التي ألقاها يوم الخمسين “هذَا ( أي المسيح) أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ” (أع 2 :23).

 

ثم يعود مؤكداً هذا الحق في رسالته قائلاً :

“عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ” (1 بط 1 :18 -20).

 

وعلى هذا فإن المسيح لم يمت على الصليب موت شهيد، أو موت نبي مضطهد، لأنه لم يمت على الرغم منه، بل مات طوعاً وإختياراً وأعلن عن موته الإختياري قائلاً :

” لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي” (يو 10 :17 -18).

 

فموت المسيح الذي تم بإختياره على الصليب لأجل خلاص البشر كان أمراً معروفاً ومُرتباً قبل تأسيس العالم وأصدق دليل على هذا هو الرموز الكثيرة الواضحة التي تذخر بها كتب العهد القديم، والنبوات العديدة الصريحة التي تمت بصورة جلية في الصليب.

 

يحدثنا المهندس الإنجليزي (لندزي جلج) في كتاب له عن منظر أخّاذٍ رآه في قاعة كبرى مُلحقة بإحدى الكنائس في بلاد الغرب. يتوسط هذه القاعة البديعة التنسيق تمثال رائع للمسيح المصلوب، وحول هذا التمثال عدة تماثيل لأنبياء العهد القديم وقد أشار كل منهم بيده إلى ذلك الصليب المرتفع في جلال وبهاء، وتحت تمثال كل نبي الآية المركزية في نبواته عن المسيح وموته مصلوباً على الصليب.

 

فتحت تمثال موسى الذي يُشير بإصبعه إلى الصليب العجيب كُتبت هذه الكلمات:

” يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ” (تث 18 :15).

 

وتحت تمثال داود كُتبت هذه الكلمات:
“لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ” (مز 22 :16).

وتحت تمثال دانيال كُتبت هذه الآية الكريمة: “وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا” (دا 9 :26).

وهكذا يرى الواقف في هذه القاعة الجميلة جميع أنبياء العهد القديم، وهم يشيرون إلى مجيء المسيح ليُخلص العالم الأثيم بموته على الصليب.

فلندخل إذاً إلى مقادس الوحي، ولنتابع السير وراء هذه الرموز والنبوات لنتأكد من مدى إنطباقها على شخص المسيح الكريم ولنبدأ أولاً بدراسة:

الصليب في الرموز

 

1– وعد وأقمصة من جلد

 

إن أول لمحة من أضواء النبوة تلمع بجمالها الرائع بعد سقوط الإنسان، نجدها في الأصحاح الثالث من سفر التكوين. فقد جاء الله ليُعلن حبه للبشر، وليُريهم الطريق الذي رتبه لإنقاذهم من الهلاك ويلذ لنا أن نعرف أن الله قبل أن ينطق بحكم العدالة على آدم وحواء أعطى أولاً وعد الفداء العتيد، فقال للحية “وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ” (تك 3 :15).

 

وكان هذا الوعد هو النور الوهاج الذي أشرق أمام الإنسان بالرجاء إذ فيه سمع الإنسان عن ميلاد (نسل المرأة) الذي يسحق رأس الحية القديمة إبليس والشيطان، وقد تم هذا الوعد بصورة واضحة إذ “وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ” (غل 4 :4).

 

ليكون فعلاً وحقاً (نسل المرأة) الظافر المنتصر الذي يسحق بصليبه رأس إبليس، ويسحق إبليس عقبه بآلام الصليب.

وجدير بنا أن نلاحظ أن هذا النسل الموعود هو ( نسل المرأة) أي أنه وليد يأتي من إمرأة بغير رجل، وقد تمت هذه النبوة في شخص المسيح وسجلها متى في إنجيله قائلاً :
“وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا” (مت 1 :22 ،23).

 

وفوق ذلك فإننا نرى خلال قصة السقوط رمزاً صريحاً لطريق الفداء، وستر الخاطىء العريان (بالدم) إذ نقرأ الكلمات “وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا” (تك3 : 21).

 

فكيف تسنّى لله أن يصنع هذه الأقمصة الجلدية؟ لا ريب في أن هذا قد تم بواسطة سفك دم حيوان بريء، أخذ الله جلده وكسا به عري الإنسان، وهكذا تبزغ أمامنا الحقيقة التي بدت بعد ذلك واضحة في الرموز، والذبائح، والنبوات، حقيقة مجيء (البديل البار) الذي سيأخذ مكان الإنسان، ويسفك دمه لأجله لينال الإنسان الغفران والحياة إذ أنه : “وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” (عب 9 :22).

 

وهنا قد يعترض معترض قائلاً :«إن فلسفة (البديل) فلسفة غير عادلة لأنها ترضى أن يموت البريء عوضاً عن المجرم الأصيل، وأن يأخذ الذي لم يفعل الجريمة، مكان المُعتدي الأثيم»!

ويُجيب (جيويلبويد) عن هذا الإعتراض قائلاً : إنه في كل قضية إنسانية مُشابهة يوجد أربعة أطراف إلى جوار المجرم الحقيقي:

أولاً : القاضي
ثانيا: البديل
ثالثاً : المجتمع الذي أُسيء إليه
رابعاً : رأس الدولة الممثل لقانون البلاد، والذي أقسم القاضي في محضره أن يكون نزيهاً في تنفيذ عدالة القانون.

 

وفي قضية هذه أطرافها لا يمكن للقاضي أن يحكم على شخص بريء حتى ولو رضي ذلك الشخص أن يأخذ مكان المجرم الأصيل، لأن عملاً كهذا يسيء إلى المجتمع الذي لم يأخذ القانون مجراه في القاتل الحقيقي لأحد أفراده، كما يسيء إلى القانون الذي أقسم القاضي على تنفيذه بعدالة وصدق، ويجعل القاضي في موقف الرضى عن الظلم والغش والتدليس.

 

أما في (قضية الصليب) وفي وضع المسيح كبديل بريء عن البشر الآثمين، فالأمر يختلف كل الإختلاف. إذ أننا نرى في هذه القضية أن المجرم الحقيقي هو (الإنسان الخاطىء الأثيم )، ولكننا لا نجد أمامه سوى شخص واحد هو ( القاضي) وهو نفسه المجتمع الذي أُسيء إليه وهو ( واضع القانون) وهو (ممثل القانون) وهو في ذات الوقت الذي إرتضى أن يكون (البديل البريء) … وهو الله المُحب الشفوق … العادل البار القدوس الذي لا يمكن أن توافق عدالته على أن يغفر للناس بغير حساب.

 

ولذا فإن الله حين جاء في المسيح ليموت على الصليب، لم يكن منفذاً لقانون شخص آخر، بل للقانون الذي وضعه هو، والجريمة لم تُرتكب ضد شخص سواه، وفوق الكل فإنه لم يأخذ شخصاً آخر بعيداً عنه ليجعله بديلاً للإنسان، بل على العكس، قد رفض هذا في وضوح عندما عرض عليه موسى أن يجعله بديلاً لإسرائيل وإن يمحوه لأجلهم من كتابه الذي كتب:

“وَكَانَ فِي الْغَدِ أَنَّ مُوسَى قَالَ لِلشَّعْبِ: «أَنْتُمْ قَدْ أَخْطَأْتُمْ خَطِيَّةً عَظِيمَةً، فَأَصْعَدُ الآنَ إِلَى الرَّبِّ لَعَلِّي أُكَفِّرُ خَطِيَّتَكُمْ. فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ، وَقَالَ: آهِ، قَدْ أَخْطَأَ هذَا الشَّعْبُ خَطِيَّةً عَظِيمَةً وَصَنَعُوا لأَنْفُسِهِمْ آلِهَةً مِنْ ذَهَبٍ. وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ، وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: مَنْ أَخْطَأَ إِلَيَّ أَمْحُوهُ مِنْ كِتَابِي. وَالآنَ اذْهَبِ اهْدِ الشَّعْبَ إِلَى حَيْثُ كَلَّمْتُكَ. هُوَذَا مَلاَكِي يَسِيرُ أَمَامَكَ. وَلكِنْ فِي يَوْمِ افْتِقَادِي أَفْتَقِدُ فِيهِمْ خَطِيَّتَهُمْ. فَضَرَبَ الرَّبُّ الشَّعْبَ، لأَنَّهُمْ صَنَعُوا الْعِجْلَ الَّذِي صَنَعَهُ هَارُونُ” (خر 32 :30 -35).

 

ولكنه جاء بنفسه آخذاً صورة العبيد الآثمين، وحمل في الجسد الإنساني الذي أخذه عقاب قانونه وبهذا وفَّق بين عدله ورحمته، وبين قداسته ومحبته، وبين كراهيته الشديدة للخطية، ومحبته الفائقة للإنسان!

 

وبينما تألم ومات على الصليب نجده يُعلن عن نفسه أنه ( القاضي العادل ديان كل الأرض) “يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ. حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ” (مت 13 :41 – 43).

“وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ، فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ. ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ، لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَلَمْ تَأْوُونِي. عُرْيَانًا فَلَمْ تَكْسُونِي. مَرِيضًا وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تَزُورُونِي. حِينَئِذٍ يُجِيبُونَهُ هُمْ أَيْضًا قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟ فَيُجِيبُهُمْ قِائِلًا: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا. فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ” (مت 25 : 31 -46).

 

و على هذا فنحن لا نجد الله القدوس يُعاقب شخصاً بريئاً بإعتباره طرفاً ثالثاً في القضية بل نرى أن (القاضي) هنا هو الله في وحدانيته الجامعة الآب والإبن والروح القدس، وقد رضي الإبن في محبته أن يأخذ شخصية المجرم ممثلاً إياه في كل شيء ما عدا الخطية، وأخيراً صار هو نفسه (خطية)، وارتضى أن ينفذ في شخصه عقاب القانون الذي وضعه هو ضد الخطية، وهو القانون القائل “هَا كُلُّ النُّفُوسِ هِيَ لِي. نَفْسُ الأَبِ كَنَفْسِ الابْنِ، كِلاَهُمَا لِي. اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ” (حز 18 :4).

 

وفي ذلك الوقت نجد أن هذا القانون لا وجود له بعيداً عن وجود الله العادل الذي وضعه في الوجود.

وكل هذا يُرينا بأن فلسفة (البديل البريء) التي تنادي بها المسيحية، هي القمة الشاهقة التي يُعلن الله من فوقها عن صفاته الأدبية الكاملة، والتي تُظهر فيها حكمة الله ومحبة الله.

 

حدثنا دوايت مودي في كتاب (الكلمة الحمراء) عن سيدة ذهب زوجها إلى كاليفورنيا بحثاً عن الرزق، وعندما صادفه النجاح، أرسل إلى زوجته لتأتي إليه مع إبنهما الوحيد!

إستقلت الزوجة الباخرة، وأقلعت الباخرة متجهة صوب هدفها المقصود، ولم يمض وقت طويل حتى سمع ركابها صراخاً شديداً (النار … النار) وأدرك القبطان أن الباخرة سيكون مصيرها الدمار. لأنها كانت تحمل شحنة من (البارود) فأسرع بإنزال قوارب النجاة، وطلب من ركاب السفينة الإسراع في النزول، وفي لحظة خاطفة كانت جميع القوارب ممتلئة بالناس، وكانت الأم وولدها على ظهر الباخرة التي ينتظرها الحريق! وصرخت الأم متوسلة (خذوني وخذوا ولدي) لكن ركاب القوارب رفضوا أخذهما إذ لم يكن لهما موضع في أي قارب للنجاة … وبكت المرأة بالدموع حتى رق لها قلب الركاب وقالوا لها : إننا لا نستطيع أن نأخذ سوى شخص واحد في القارب، وبلا تردد احتضنت الأم ولدها وقبلته قبلة الوداع ثم قالت له : «ياولدي الحبيب، إذا أعطى الله لك الحياة حتى ترى أباك، فقل له أن أمي ماتت عوضاً عني … ماتت لكي تهبني أنا الحياة».

 

إننا نقف أمام تضحية هذه الأم لأجل إبنها وقد أحنينا رؤوسنا في إجلال! وكل تضحية في الوجود تُثير في القلب مشاعر الإحترام والتقدير، فهل يمكن أن يكون الله أقل تضحية من خليقته؟! إننا نقف خاشعين أمام أب يحترق ليُخلص أحد أولاده من الحريق! أو جندي يثبت في موضعه حتى الموت لينقذ فرقته من الدمار! أو شاب يلقي نفسه وسط الأمواج العاتية لينقذ إنساناً أشرف على الغرق!

 

وفي كل هذه الصور نحن نرى فلسفة ( البديل) ونرى في هذا البديل شهامة تستحق منا الحب والإجلال والتوقير!
ومع ذلك فإن هذه الصور مجتمعة، لا تُعبر إلا تعبيراً باهتاً ضعيفاً عن تضحية المسيح البار، وموته الإختياري على الصليب، ليُخلص الإنسان من العقاب والهلاك، ويريه كيف دخل معه في معركة الموت لينقذه إلى الأبد من هذا العدو الرهيب.

 

لقد حاول الإنسان بعد أن أحس بعريه المشين، أن يستر عري جسده بأوراق التين، لكن هذه الأوراق جفت وآلت إلى ذبول! وهنا “وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا” (تك 3 :21).

 

صنع هذه الأقمصة من جلد حمل بريء. ومعنى ذلك أن الخلاص هو من (صنع الله وحده) وأنه ليس من أعمال الإنسان، أو مجهوده، أو تفكيره، بل معناه كذلك أن الخلاص لم يتم إلا عن طريق ( الدم) الذي سُفك لستر عري الإنسان، وهذا الرمز قد تم بأجلى بيان في صلب المسيح فهناك أتم الله عملية الفداء وأنقذ الإنسان من العار، والعُري، والشقاء كما يقول بولس الرسول: “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ “ (أف 2 :8 -9).

 

2- ذبيحة هابيل

إذ نُقلب صفحات سفر التكوين يُقابلنا في الأصحاح الرابع رجلين هما (قايين) و (هابيل) ونراهما وهما يحاولان الإقتراب إلى الله كل واحد بالطريقة التي أرادها، أما قايين فقد قدم من أثمار الأرض قرباناً للرب، وأما هابيل فقد قدم “وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أَنَّ قَايِينَ قَدَّمَ مِنْ أَثْمَارِ الأَرْضِ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ، وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ” (تك 4 :3 -4).

 

فكيف نظر الله إلى تقدمة كل منهما؟ يقول لنا كاتب سفر التكوين :
“وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ، وَلكِنْ إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ. فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدًّا وَسَقَطَ وَجْهُهُ” (تك 4 :4 -5).

 

فلماذا رفض الله تقدمة قايين وقَبِلَ تقدمة هابيل؟

إن تقدمة قايين في جُملتها ليست إلا نُكراناً شاملاً لكل ما قاله الله عن لعنته للأرض وأثمارها، وعن حقيقة الخطية والحاجة إلى مُخلص يُكفر عنها. الأمر الذي أوضحه الله لآدم وحواء عندما صنع لهما أقمصة من جلد، والذي لا شك أنه أكده أكثر من مرة في تعاليمه ووصاياه لكليهما. ولهذا كان طريق قايين طريقاً مُضاداً لمشيئة الله. وهذا الطريق هو طريق الذين يتكلون على أعمالهم الصالحة التي لا يمكن أن تُخلصهم من عقاب خطاياهم، وأن حسناتهم لا يُذهبن سيئاتهم، وعن هذا الطريق قال على لسان نبيه إشعياء :
“وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا، وَقَدْ ذَبُلْنَا كَوَرَقَةٍ، وَآثَامُنَا كَرِيحٍ تَحْمِلُنَا” (إش 64 :6).

وقد قيل إن (عدة المرأة هي أيام طمثها) فإنظر كيف يصور الهل أعمال بِرنا بثوب إمتلأ نجاسة وقذارة؟! ثم تصوّر كيف تكون أعمال شرنا؟!

 

لقد رفض الله تقدمة قايين لأنها كانت من ثمار الأرض الملعونة، فكانت تحمل اللعنة في ثناياها … أم ذبيحة هابيل فقد قبلها الله، لأنها كانت إعترافاً وديعاً متواضعاً، وقبولاً صحيحاً واضحاً لطريق الله في الغفران والقبول.

 

ويسجل كاتب الرسالة إلى العبرانيين عن هابيل هذه الكلمات :
“بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ للهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ. فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ” (عب 11 :4).

 

ويقيناً أنه لا يمكن أن يكون هناك إيمان ما لم يكن هناك إعلان سابق يستند عليه هذا الإيمان لأن إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ” (رو 10 :17).

وعلى هذا فإن هابيل لم يقدم ذبيحته الدموية لمجرد إستحسانه الشخصي أو تفكيره العقلي،  بل لا بدّ أن الله قد أعلن منذ البدء الحقيقة الكبرى أنه وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” (عب 9 :22).

وأن هابيل قد عرف هذه الحقيقة من آدم أبيه وقبِلها في ثقة ويقين، فكانت ذبيحته رمزاً للمسيح الذبح العظيم.

 

3- فلك  نوح

 

نصل الآن إلى رمز ثالث لشخص المسيح،  هو فلك نوح، ففي أيام ذلك الرجل البار فسدت الأرض وإمتلأت ظلماً،  وكان لا بدّ أن يفعل شيئاً ليُظهر كراهيته للخطية، وحكمه الرهيب عليها، وفي ذات الوقت كان عليه أن ينقذ الأقلية الضئيلة التي آمنت به، وعاشت بحسب وصاياه، وكان نوح وعائلته هم هذه الأقلية الأمينة:

فَقَالَ اللهُ لِنُوحٍ: نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي، لأَنَّ الأَرْضَ امْتَلأَتْ ظُلْمًا مِنْهُمْ. فَهَا أَنَا مُهْلِكُهُمْ مَعَ الأَرْضِ. اِصْنَعْ لِنَفْسِكَ فُلْكًا مِنْ خَشَبِ جُفْرٍ. تَجْعَلُ الْفُلْكَ مَسَاكِنَ، وَتَطْلِيهِ مِنْ دَاخِل وَمِنْ خَارِجٍ بِالْقَارِ …. فَهَا أَنَا آتٍ بِطُوفَانِ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ لأُهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. كُلُّ مَا فِي الأَرْضِ يَمُوتُ. وَلكِنْ أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكَ، فَتَدْخُلُ الْفُلْكَ أَنْتَ وَبَنُوكَ وَامْرَأَتُكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ” (تك 6 :13 ،14 ،17، 18).

 

ومن سياق القصة نرى أن الفلك قد عُمل بتصميم الله، وأنه كان السبيل الوحيد لنجاة نوح وأفراد عائلته،  وأنه إحتمل طوفان المياه عوضاً عن نوح وأفراد أسرته، وبهذا أنقذهم جميعاً من موت مُحقق.

 

وكل هذه الصفات تنطبق تماماً على شخص ربنا يسوع المسيح، فهو المُخلص المُعين من الله،  الممسوح منه لأجل الخلاص، وهو الطريق الوحيد لخلاص البشر كما قال فيه بطرس:

وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ” (أع 4 :12).

 

وهو الذي طمت عليه تيارات ولجج غضب العدل الإلهي عوضاً عن الخطاة الآثمين،  فصار من يلجأ إليه في حمى من دينونة الله كما يؤكد ذلك بولس الرسول قائلاً:

إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ” (رو 8 :1).

وهكذا نرى في ذلك الفلك القديم رمزاً جميلاً للرب يسوع المسيح.

 

4- تقديم اسحق

 

نستمر سائرين مع السجل المقدس، إلى أن نصل إلى قصة تقديم اسحق،  وهي قطعاً من أروع قصص العهد القديم،  وقد ذكرها الكتاب في هذه الكلمات:

أما الحقيقة الثانية : التي نراها في هذا الرمز الجميل، فهي أن اسحق وهو يحمل حطب المُحرقة على كتفهِ ويصعد به إلى جبل المُريا إنما كان يرمز إلى ذاك الذبيح الحقيقي الذي قال عنه يوحنا في إنجيله :

فَخَرَجَ وَهُوَ” وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ!. فَقَالَ: هأَنَذَا. فَقَالَ: خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ” (تك 22 :1 -2).

 

وقد أطاع إبراهيم صوت الله، وأخذ ابنه المحبوب ليقدمه محرقة حسب أمره،  ولكنه ما كاد يصل إلى الجبل،  ويربط اسحق ويضعه على المذبح فوق الحطب الذي أعده حتى ناداه ملاك الرب من السماء قائلاً :

فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا» فَقَالَ: لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي” (تك 22 :11 -12).

فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ” (تك 22: 13).

 

وفي تتبعنا لسياق القصة تُقابلنا هذه الحقائق الهامة وهي:

أولاً : إن الله قد أشفق على إسحق فلم يسمح لأبيه أن يذبحه،  وهذا أصدق دليل على أن الله لا يُحب الذبائح البشرية،  ولا يوافق عليها بحالٍ،  وكل ما في الأمر أنه أراد أن يُجيز إبراهيم في إختبار حي، وأن يعطيه شعاعة من نور محبته للبشر “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 :16).
أجل إن الله ” اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟” (رو 8 :32).

لكي يُعلن لنا مدى حبه، ومقدار عواطف قلبه، وبينما أشفق على ( ابن إبراهيم) وقال لإبيه «لا تمد يدك إلى الغلام» ترك ابنه الوحيد مُعلقاً على الصليب يتجرع آلامه المريرة، وموته القاسي البطيء الرهيب لأجل العالم الأثيم.

 

ويصف يوحنا هذا الحب الإلهي قائلاً :
“فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا” (1 يو 4 :10).

“حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ» وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ «جُلْجُثَةُ»، حَيْثُ صَلَبُوهُ، وَصَلَبُوا اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا، وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ” (يو 19 :17 -18).

وليس ببعيد أن يكون الله قد رفع حجاب الزمن عن عيني إبراهيم في هذه الساعة بالذات فرأى بديل البشرية الأوحد يسوع المسيح ولذا فقد قال رب المجد لليهود :

“أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ” (يو 8 :56).

 

وهناك حقيقة ثالثة : في هذه القصة الخالدة هي حقيقة الفداء (بالدم) إذ لما رفع إبراهيم عينيه رأى كبشاً مُمسكاً في الغابة بقرنيه فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده مُحرقة عوضاً عن ابنه. وهكذا مات الكبش البريء مكان الولد الذي كان مُزمعاً أن يموت تماماً، كما مات المسيح “وَلكِنَّ الَّذِي وُضِعَ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلًا بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ” (عب 2 :9).

 

5- سلم يعقوب

 

إذ نستمر في سياحتنا في سفر التكوين نقرأ عن سلم يعقوب التي رآها في حلمه الفريد وإليك قصة هذا الحلم :
” فَخَرَجَ يَعْقُوبُ مِنْ بِئْرِ سَبْعٍ وَذَهَبَ نَحْوَ حَارَانَ. وَصَادَفَ مَكَانًا وَبَاتَ هُنَاكَ لأَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ قَدْ غَابَتْ، وَأَخَذَ مِنْ حِجَارَةِ الْمَكَانِ وَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَاضْطَجَعَ فِي ذلِكَ الْمَكَانِ. وَرَأَى حُلْمًا، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا. وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا، فَقَالَ: أَنَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ. الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ مُضْطَجِعٌ عَلَيْهَا أُعْطِيهَا لَكَ وَلِنَسْلِكَ” (تك 28 :10 -13).

 

والواقع أنه ما كان لنا أن نقول إن هذه السلم ترمز إلى شخص المسيح الكريم، لولا أن أشار رب المجد إلى ذلك بكلام صريح إذ قال :
“وَقَالَ لَهُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ” (يو 1 :51).

وفي بحثنا عن أوجه الشبه بين هذه السلم وبين شخص المسيح، نرى الإنطباق في نواحٍ ثلاث، فهذه السلم قد أوصلت الأرض بالسماء، ويسوع هو الوسيط الوحيد الذي أوصل الأرض بالسماء كما قال عنه بولس الرسول:

” لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (1 تي 2 :5).

 

كما أن هذه السلم من الطول والعظمة بحيث يستحيل أن تُقيمها أيادٍ بشرية، وهذا دليل على أنه من العبث أن نحاول إقامة سلم من أعمالنا الصالحة لتوصلنا إلى السماء، وفوق ذلك فإن هذه السلم قد أقامها الله للتعبير عن محبته ورعايته لإنسان ضعيف وحيد نظير يعقوب.

وشخص المسيح هو التعبير المتجسد لمحبة الله، ولأجل هذه، فقد نزل إلى أرضنا على درجات سلم الإتضاع، ليرفع البشر على ذات هذه السلم إلى السماء، وعن هذا يقول رسول الأمم:

“فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ.

لكِنَّهُ (1) أَخْلَى نَفْسَهُ (2) آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ (3) صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ (4) وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ (5) وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ (6)مَوْتَ الصَّلِيبِ” (في 2 :5 -8).

 

وبهذا الموت الكفاري أحيانا الله مع المسيح “وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (أف 2 :6).
وصارت الملائكة عن هذا الطريق في خدمتنا وحراستنا ” أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ” (عب 1 :14).

وهكذا نرى في سلم يعقوب رمزاً جميلاً رائعاً للمسيح المصلوب الكريم.

 

6- خروف الفصح

 

عندما نصل إلى سفر الخروج الأصحاح الثاني عشر نجد أن كل آية من آيات هذا الأصحاح المبارك تنضح بالدم، دم الحمل المذبوح لنجاة شعب الله، والآن دعنا نقرأ معاً بعض عبارات هذا الأصحاح الثمين :

“وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ فِي أَرْضِ مِصْرَ قَائِلًا:هذَا الشَّهْرُ يَكُونُ لَكُمْ رَأْسَ الشُّهُورِ. هُوَ لَكُمْ أَوَّلُ شُهُورِ السَّنَةِ. كَلِّمَا كُلَّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ: فِي الْعَاشِرِ مِنْ هذَا الشَّهْرِ يَأْخُذُونَ لَهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ شَاةً بِحَسَبِ بُيُوتِ الآبَاءِ، شَاةً لِلْبَيْتِ. وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ صَغِيرًا عَنْ أَنْ يَكُونَ كُفْوًا لِشَاةٍ، يَأْخُذُ هُوَ وَجَارُهُ الْقَرِيبُ مِنْ بَيْتِهِ بِحَسَبِ عَدَدِ النُّفُوسِ. كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حَسَبِ أُكْلِهِ تَحْسِبُونَ لِلشَّاةِ. تَكُونُ لَكُمْ شَاةً صَحِيحَةً ذَكَرًا ابْنَ سَنَةٍ، تَأْخُذُونَهُ مِنَ الْخِرْفَانِ أَوْ مِنَ الْمَوَاعِزِ. وَيَكُونُ عِنْدَكُمْ تَحْتَ الْحِفْظِ إِلَى الْيَوْمِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ. ثُمَّ يَذْبَحُهُ كُلُّ جُمْهُورِ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ فِي الْعَشِيَّةِ. وَيَأْخُذُونَ مِنَ الدَّمِ وَيَجْعَلُونَهُ عَلَى الْقَائِمَتَيْنِ وَالْعَتَبَةِ الْعُلْيَا فِي الْبُيُوتِ الَّتِي يَأْكُلُونَهُ فِيهَا. وَيَأْكُلُونَ اللَّحْمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَشْوِيًّا بِالنَّارِ مَعَ فَطِيرٍ. عَلَى أَعْشَابٍ مُرَّةٍ يَأْكُلُونَهُ. لاَ تَأْكُلُوا مِنْهُ نِيئًا أَوْ طَبِيخًا مَطْبُوخًا بِالْمَاءِ، بَلْ مَشْوِيًّا بِالنَّارِ. رَأْسَهُ مَعَ أَكَارِعِهِ وَجَوْفِهِ. وَلاَ تُبْقُوا مِنْهُ إِلَى الصَّبَاحِ. وَالْبَاقِي مِنْهُ إِلَى الصَّبَاحِ، تُحْرِقُونَهُ بِالنَّارِ. وَهكَذَا تَأْكُلُونَهُ: أَحْقَاؤُكُمْ مَشْدُودَةٌ، وَأَحْذِيَتُكُمْ فِي أَرْجُلِكُمْ، وَعِصِيُّكُمْ فِي أَيْدِيكُمْ. وَتَأْكُلُونَهُ بِعَجَلَةٍ. هُوَ فِصْحٌ لِلرَّبِّ. فَإِنِّي أَجْتَازُ فِي أَرْضِ مِصْرَ هذِهِ اللَّيْلَةَ، وَأَضْرِبُ كُلَّ بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ. وَأَصْنَعُ أَحْكَامًا بِكُلِّ آلِهَةِ الْمِصْرِيِّينَ. أَنَا الرَّبُّ. وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ حِينَ أَضْرِبُ أَرْضَ مِصْرَ” (خر 12 :1 -13).

 

وتُرينا هذه الحادثة أمرين:

 

دينونة اللهوطريق النجاة … أما الدينونة فهي (موت كل بكر ) وأما طريق النجاة فهو (دم الخروف المذبوح) إذ قال الرب ” فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ حِينَ أَضْرِبُ أَرْضَ مِصْرَ”.

 

ويقول الواعظ الأشهر دوايت مودي «إن الله لم يقل : حين أرى أعمالكم الصالحة، وحين أرى كيفية صلاتكم، وحين أرى دموعكم أعبر عنكم! بل قال فأرى الدم وأعبر عنكم»

فكل شيء كان متوقفاً على تصديق كلمة الله، ووضع الدم على القائمتين والعتبة العليا! لكن لماذا لم يوضع الدم على العتبة السفلى؟ ذلك لأن الله لا يسمح أن ندوس دم ابنه الثمين، مع أن هذا هو ما يفعله العالم اليوم، حين يحتقر الهالكون طريق الخلاص بالدم، ويزدرون بدم المسيح الكريم.

 

ويجدر بنا أن نلاحظ أن موت (خروف الفصح) كان هو السبيل الوحيد لنجاة الشعب، وليس الخروف الحي، وما أثمن الدرس الذي لنا هنا، فالخروف الصحيح الذي بلا عيب كان شيئاً ثميناً، لكن وسيلة خلاص الشعب كانت في دم هذا الخروف، لا في مجرد بقائه حياً، فيسوع الكامل القدوس كان لا بدّ أن يموت وأن يُسفك دمه على الصليب لأجل خلاص البشر … ولكن الغريب أن يقول الكثيرون أن حياة المسيح العالية المثالية هي التي تخلص الناس، مع أن الله لم يقل لشعبه « خذوا خروفاً صحيحاً نظيفاً وأربطوه حياً على أبواب بيوتكم، وحينما أرى الخروف أعبر عنكم. كلا! لقد كان دم ذلك الحمل هو وسيلة النجاة فأرى الدم وأعبر عنكم».

 

ولو أن أي واحد من أفراد الشعب ربط (الخروف) على باب بيته حياً لدخل الملاك وضرب بكره ضربة الموت بغير جدال.
كان الدم وحده هو طريق الخلاص، وكان البكر في أفقر بيت من بيوت شعب الله، في أمان وراء الدم تماماً كموسى، وهرون، ويشوع، وكالب، وأي واحد من عظماء العبرانيين.

 

وقد يقول قائل: إنني لا أستطيع أن أدرك تماماً لماذا يطلب الله الدم؟! أهو يُسرّ بمنظر الدماء الجارية كالأنهار؟ أهو يفرح بهذه المئات من الذبائح تُنحر على مذبحه؟ أهو يتلذذ بموت هذه الكباش والثيران والحملان؟

 

لكن صاحب هذه الأسئلة ينسى الحقيقة المركزية في معنى هذه الذبائح الدموية، وقد أوضح سفر اللاويين السبب الرئيسي في أن الله يطلب الدم في هذه الكلمات:
” أَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ” (لا 17 :11).

 

فالله قد طلب (الدم) ووضع هذه الذبائح العديدة، لكي يركز في عقل الإنسان أن
«أجرة الخطية هي موت» نفس الحقيقة التي قالها لآدم «لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت» ففي كل مرة يُخطىء الإنسان كان عليه أن يُقدم لله ذبيحة، وكأنه يعترف وهو يضع يده على ذبيحته، إنه يستحق الموت الذي ستحتمله هذه الذبيحة البريئة لأنه أخطأ وتعدى وصية الله ” أَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 6 :23).

 

لقد قال الشيطان لحواء وهو يُغريها للأكل من الشجرة (لن تموتا) لكنه كان كاذباً في إدعائه. وتمت كلمة الله، وكان لا بدّ أن يموت الإنسان أو أن يموت ( المسيح بديله الأكبر على الصليب) وكانت هذه الذبائح التي قُدمت على مر عصور التاريخ قبل مجيء المسيح رمزاً جميلاً وإشارة صريحة إلى موت الصليب!

 

وفي إعتقادي أن الذين لا يحبون الله الذي يطلب (الدم) لا يقدرون في ذات الوقت أن يعيشوا تحت نظام يخالف عدالته:

فهب أن رئيس دولة قال :« إنني رجل طيب القلب، وأشعر بالأسى لأن المجرمين والقتلة في السجون، ولن أرضى من اليوم بان أحكم على قاتل واحد بالإعدام، وسآمر بفتح السجون وإخراج المسجونين أحراراً » فَمن مِن المواطنين يرضى برجل كهذا على رأس الدولة التي يعيش فيها؟ … إنها قطعاً ستكون دولة الفوضى، والجريمة، وإنتهاك حرمات الآمنين!

 

إن الله محبة، هذا حق لامع واضح، لكنه لا يغفر خطية الخاطىء إلا (بالدم) الذي هو رمز الموت … أو بمعنى آخر، إنه لن يرضى بالتعدّي على عدالته على حساب رحمته، وقد قالت عدالته “اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ” (حز 18 :20) وهذا هو السبب الحقيقي في وجود هذا الخط القرمزي من الدم خلال صفحات الكتاب المقدس.

 

كان الدم إذاً هو وسيلة خلاص أبكار شعب الله! لكن هل إستهزأ العالميون بهذا الدم أم خضعوا لهذه الوسيلة البسيطة التي رتبها الله؟! يقيناً أن كثيرين من عظماء مصر قد نظروا إلى ما يفعله شعب الله في إستهزاء وتهكم وإستغراب، ولا يبعد أن الكثيرين منهم رأوا في (الدم) علامات غير جميلة شوهت بيوت العبرانيين، وهذا هو موقف الهالكين إزاء صليب المسيح كما يقول بولس الرسول :
“فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ” (1 كو 1: 18).

 

فحاذر يا صاحبي من الإستهزاء بالدم، حاذر من الإستهانة بالصليب، طريق خلاص الله.
لقد تمم الله كلمته ” فَحَدَثَ فِي نِصْفِ اللَّيْلِ أَنَّ الرَّبَّ ضَرَبَ كُلَّ بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ، مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالِسِ عَلَى كُرْسِيِّهِ إِلَى بِكْرِ الأَسِيرِ الَّذِي فِي السِّجْنِ، وَكُلَّ بِكْرِ بَهِيمَةٍ” (خر 12 :29).

فبعيداً عن حمى الدم لا يوجد سوى الموت والهلاك فهل ترى حمل الله يسوع المسيح، مرموزاً إليه في خروف الفصح الذي ذُبح في أرض مصر؟ لقد رأى بولس فيه هذه الحقيقة فهتف في فرح قلبه قائلاً :

“إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ. لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا” (1 كو 5 :7).

 

7- الصخرة المضروبة

 

نستمر سائرين إلى مناسبة أخرى من المناسبات الواردة في العهد القديم حيث نرى الهج يُشير برمز صريح إلى المسيح المصلوب! وفي قصة الصخرة المضروبة يتجسم أمامنا هذا الحق الجميل، فدعنا نقرأ معاً هذه القصة :

“ثُمَّ ارْتَحَلَ كُلُّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَرِّيَّةِ سِينٍ بِحَسَبِ مَرَاحِلِهِمْ عَلَى مُوجِبِ أَمْرِ الرَّبِّ، وَنَزَلُوا فِي رَفِيدِيمَ. وَلَمْ يَكُنْ مَاءٌ لِيَشْرَبَ الشَّعْبُ. فَخَاصَمَ الشَّعْبُ مُوسَى وَقَالُوا: أَعْطُونَا مَاءً لِنَشْرَبَ.» فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: لِمَاذَا تُخَاصِمُونَنِي؟ لِمَاذَا تُجَرِّبُونَ الرَّبَّ؟ وَعَطِشَ هُنَاكَ الشَّعْبُ إِلَى الْمَاءِ، وَتَذَمَّرَ الشَّعْبُ عَلَى مُوسَى وَقَالُوا: لِمَاذَا أَصْعَدْتَنَا مِنْ مِصْرَ لِتُمِيتَنَا وَأَوْلاَدَنَا وَمَوَاشِيَنَا بِالْعَطَشِ؟ فَصَرَخَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ قَائِلًا: مَاذَا أَفْعَلُ بِهذَا الشَّعْبِ؟ بَعْدَ قَلِيل يَرْجُمُونَنِي. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: مُرَّ قُدَّامَ الشَّعْبِ، وَخُذْ مَعَكَ مِنْ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ. وَعَصَاكَ الَّتِي ضَرَبْتَ بِهَا النَّهْرَ خُذْهَا فِي يَدِكَ وَاذْهَبْ. هَا أَنَا أَقِفُ أَمَامَكَ هُنَاكَ عَلَى الصَّخْرَةِ فِي حُورِيبَ، فَتَضْرِبُ الصَّخْرَةَ فَيَخْرُجُ مِنْهَا مَاءٌ لِيَشْرَبَ الشَّعْبُ. فَفَعَلَ مُوسَى هكَذَا أَمَامَ عُيُونِ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ” (خر 17 :1 -6).

 

شعب يموت عطشاً في الصحراء في أرض ناشفة يابسة بلا ماء! يعطيه الله ماء لحياته وإرواء عطشه من صخرة ضربها موسى بعصاه مع أنه عرف أن الرب نفسه واقف على الصخرة! ويكفينا بولس الرسول مشقة الإستنتاج، مؤكداً لنا أن هذه الصخرة كانت رمزاً للمسيح الذي ضُرب من أجلنا على الصليب، فيقول :

“فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ….وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ” (1 كو 10 :1 ،4).

 

أجل، فكما أن الصخرة في البرية وقف عليها الرب، كذلك كان “أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ” (2 كو 5 :19).

 

مُعطياً للعالم الذي كاد العطش أن يُميته ماء الحياة من قلبه الذي جُرح على الصليب.
ولذا فليس بغريب أن يقول السيد للمرأة السامرية “وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ” (يو 4 :14).

 

وهذا الماء الجاري الفياض قد صار لنا لأن ( يسوع ) قد ضُرب لأجلنا كما يقول إشعياء

“لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا” (إش 53 :4 -5 ).

 

8 – الحية النحاسية في البرية 

 

نمر الآن سريعاً لنصل إلى هذه القصة في سفر العدد “وَارْتَحَلُوا مِنْ جَبَلِ هُورٍ فِي طَرِيقِ بَحْرِ سُوفٍ لِيَدُورُوا بِأَرْضِ أَدُومَ، فَضَاقَتْ نَفْسُ الشَّعْبِ فِي الطَّرِيقِ. وَتَكَلَّمَ الشَّعْبُ عَلَى اللهِ وَعَلَى مُوسَى قَائِلِينَ: لِمَاذَا أَصْعَدْتُمَانَا مِنْ مِصْرَ لِنَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ؟ لأَنَّهُ لاَ خُبْزَ وَلاَ مَاءَ، وَقَدْ كَرِهَتْ أَنْفُسُنَا الطَّعَامَ السَّخِيفَ فَأَرْسَلَ الرَّبُّ عَلَى الشَّعْبِ الْحَيَّاتِ الْمُحْرِقَةَ، فَلَدَغَتِ الشَّعْبَ، فَمَاتَ قَوْمٌ كَثِيرُونَ مِنْ إِسْرَائِيلَ. فَأَتَى الشَّعْبُ إِلَى مُوسَى وَقَالُوا: قَدْ أَخْطَأْنَا إِذْ تَكَلَّمْنَا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَيْكَ، فَصَلِّ إِلَى الرَّبِّ لِيَرْفَعَ عَنَّا الْحَيَّاتِ. فَصَلَّى مُوسَى لأَجْلِ الشَّعْبِ. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: اصْنَعْ لَكَ حَيَّةً مُحْرِقَةً وَضَعْهَا عَلَى رَايَةٍ، فَكُلُّ مَنْ لُدِغَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا يَحْيَا. فَصَنَعَ مُوسَى حَيَّةً مِنْ نُحَاسٍ وَوَضَعَهَا عَلَى الرَّايَةِ، فَكَانَ مَتَى لَدَغَتْ حَيَّةٌ إِنْسَانًا وَنَظَرَ إِلَى حَيَّةِ النُّحَاسِ يَحْيَا” (عد 21 :1 – 9).

 

والآن دعنا نقف لحظة متأملين في هذا الرمز الجميل الذي أكد السيد له المجد أنه يُشير إلى موته على الصليب حين قال لنيقوديموس:
“وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 :14 – 15 ).

 

فلماذا رفع موسى الحية في البرية؟ لقد رُفعت هذه الحية لأجل أناس رفضوا طريق الله، ورفضوا الطعام الذي قدمه لهم وأسموه (الطعام السخيف) ولدغتهم الحيات المحرقة فسرت سمومها في دمائهم لإماتتهم؟ الحية هي رمز للشيطان، فكيف يكون النظر إلى الحية النحاسية التي رفعها موسى في البرية، وسيلة الحياة لمن لدغته الحية الحقيقية؟

 

هنا نسأل : كيف صنع موسى الحية النحاسية؟ أخذ النحاس وكسَره ووضعه في بوتقة حتى صار سائلاً، ثم صبَه على شكل الحية المحرقة، ووضع الحية النحاسية على راية.
وهذه الصورة تُرينا أن الشيطان المسحوق والمهزوم، قد فقد سلطانه وصار مُعلقاً على راية.

 

ورَفْع يسوع المسيح على الصليب هو وسيلة سحق رأس الحية القديمة، كما قال الرب للحية في جنة عدن عن نسل المرأة :
“وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ” (تك 3 :15).

 

ويسوع هوالوحيد الذي يمكن تسميته نسل المرأة، لأنه وُلد من إمراة لم يمسها رجل. فكما أعلنت الحية النحاسية التي رفعها موسى في البرية هزيمة الشيطان وسحق رأسه، أعلن رفع يسوع المسيح على الصليب إنهاء سيادة الشيطان وسحق رأسه، وفي ذات الوقت يمنح من ينظر إليه ويثق به مصلوباً لأجله الحياة الأبدية.

“اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ” (إش 45 :22).

 

وفي كل هذه الرموز التي مرت بنا نرى ناحية من نواحي عمل الصليب، ففي أقمصة الجلد نرى المسيح الذي يكسو عري الإنسان، وفي ذبيحة هابيل نجد المسيح طريق إقترابنا إلى الله، وفي فلك نوح نرى المسيح الذي يحمينا من الدينونة، وفي تقديم إسحاق تشع علينا أنوار محبة قلب الآب الذي بذل ابنه الوحيد، وفي سلم يعقوب نرى يسوع الوسيط الوحيد بين الأرض والسماء، أي بين الله والناس، وفي خروف الفصح يُشير الدم المسفوك في أرض مصر إلى حمل الله الذي يرفع خطية العالم، وفي الصخرة المضروبة نرى سيدنا الذي إحتمل ضربة سيف العدل الإلهي لأجل خطايانا، وفي الحية النحاسية المرفوعة في البرية نرى طريق نوال الخلاص بنظرة مُصدقة إلى المسيح المصلوب الذي سحق رأس الحية وخلّص المؤمنين من سمومها، وهكذا نرى الصليب في كل هذه الرموز.

 

الذبائح في سفر اللاويين 

 

وإذ نقرأ سفر اللاويين نرى صفحاته وقد غمرها تيار جارف من دماء الذبائح التي تُشير كلها إلى الذبيح الوحيد العظيم … فهناك نقرأ عن ذبيحة المحرقة التي تُشير إلى المسيح كمن أنهى مسألة الخطية وأشبع عدل الله على القياس الأكمل (إقرأ لاويين 1).

 

ونقرأ عن ذبيحة السلامة التي تُشير إلى الشركة مع الله على أساس السلام الذي صنعه المسيح بالصليب “وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ ذَبِيحَةَ سَلاَمَةٍ، فَإِنْ قَرَّبَ مِنَ الْبَقَرِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَصَحِيحًا يُقَرِّبُهُ أَمَامَ الرَّبِّ. يَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ قُرْبَانِهِ وَيَذْبَحُهُ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَيَرُشُّ بَنُو هَارُونَ الْكَهَنَةُ الدَّمَ عَلَى الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرًا. وَيُقَرِّبُ مِنْ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ وَقُودًا لِلرَّبِّ: الشَّحْمَ الَّذِي يُغَشِّي الأَحْشَاءَ، وَسَائِرَ الشَّحْمِ الَّذِي عَلَى الأَحْشَاءِ، وَالْكُلْيَتَيْنِ، وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا الَّذِي عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ مَعَ الْكُلْيَتَيْنِ يَنْزِعُهَا. وَيُوقِدُهَا بَنُو هَارُونَ عَلَى الْمَذْبَحِ عَلَى الْمُحْرَقَةِ الَّتِي فَوْقَ الْحَطَبِ الَّذِي عَلَى النَّارِ، وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ. وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ مِنَ الْغَنَمِ ذَبِيحَةَ سَلاَمَةٍ لِلرَّبِّ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَصَحِيحًا يُقَرِّبُهُ. إِنْ قَرَّبَ قُرْبَانَهُ مِنَ الضَّأْنِ يُقَدِّمُهُ أَمَامَ الرَّبِّ. يَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ قُرْبَانِهِ وَيَذْبَحُهُ قُدَّامَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. وَيَرُشُّ بَنُو هَارُونَ دَمَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرًا. وَيُقَرِّبُ مِنْ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ شَحْمَهَا وَقُودًا لِلرَّبِّ: الأَلْيَةَ صَحِيحَةً مِنْ عِنْدِ الْعُصْعُصِ يَنْزِعُهَا، وَالشَّحْمَ الَّذِي يُغَشِّي الأَحْشَاءَ، وَسَائِرَ الشَّحْمِ الَّذِي عَلَى الأَحْشَاءِ، وَالْكُلْيَتَيْنِ، وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا الَّذِي عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ مَعَ الْكُلْيَتَيْنِ يَنْزِعُهَا. وَيُوقِدُهَا الْكَاهِنُ عَلَى الْمَذْبَحِ طَعَامَ وَقُودٍ لِلرَّبِّ. وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ مِنَ الْمَعْزِ يُقَدِّمُهُ أَمَامَ الرَّبِّ. يَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَيَذْبَحُهُ قُدَّامَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَيَرُشُّ بَنُو هَارُونَ دَمَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرًا. وَيُقَرِّبُ مِنْهُ قُرْبَانَهُ وَقُودًا لِلرَّبِّ: الشَّحْمَ الَّذِي يُغَشِّي الأَحْشَاءَ، وَسَائِرَ الشَّحْمِ الَّذِي عَلَى الأَحْشَاءِ، وَالْكُلْيَتَيْنِ وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا الَّذِي عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ مَعَ الْكُلْيَتَيْنِ يَنْزِعُهَا. وَيُوقِدُهُنَّ الْكَاهِنُ عَلَى الْمَذْبَحِ طَعَامَ وَقُودٍ لِرَائِحَةِ سَرُورٍ. كُلُّ الشَّحْمِ لِلرَّبِّ. فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِكُمْ فِي جَمِيعِ مَسَاكِنِكُمْ: لاَ تَأْكُلُوا شَيْئًا مِنَ الشَّحْمِ وَلاَ مِنَ الدَّمِ” (لا 3 :1 -17).

 

“وَهذِهِ شَرِيعَةُ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ. الَّذِي يُقَرِّبُهَا لِلرَّبِّ: إِنْ قَرَّبَهَا لأَجْلِ الشُّكْرِ، يُقَرِّبُ عَلَى ذَبِيحَةِ الشُّكْرِ أَقْرَاصَ فَطِيرٍ مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ، وَرِقَاقَ فَطِيرٍ مَدْهُونَةً بِزَيْتٍ، وَدَقِيقًا مَرْبُوكًا أَقْرَاصًا مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ، مَعَ أَقْرَاصِ خُبْزٍ خَمِيرٍ يُقَرِّبُ قُرْبَانَهُ عَلَى ذَبِيحَةِ شُكْرِ سَلاَمَتِهِ. وَيُقَرِّبُ مِنْهُ وَاحِدًا مِنْ كُلِّ قُرْبَانٍ رَفِيعَةً لِلرَّبِّ، يَكُونُ لِلْكَاهِنِ الَّذِي يَرُشُّ دَمَ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ. وَلَحْمُ ذَبِيحَةِ شُكْرِ سَلاَمَتِهِ يُؤْكَلُ يَوْمَ قُرْبَانِهِ. لاَ يُبْقِي مِنْهُ شَيْئًا إِلَى الصَّبَاحِ. وَإِنْ كَانَتْ ذَبِيحَةُ قُرْبَانِهِ نَذْرًا أَوْ نَافِلَةً، فَفِي يَوْمِ تَقْرِيبِهِ ذَبِيحَتَهُ تُؤْكَلُ. وَفِي الْغَدِ يُؤْكَلُ مَا فَضَلَ مِنْهَا. وَأَمَّا الْفَاضِلُ مِنْ لَحْمِ الذَّبِيحَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَيُحْرَقُ بِالنَّارِ. وَإِنْ أُكِلَ مِنْ لَحْمِ ذَبِيحَةِ سَلاَمَتِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لاَ تُقْبَلُ. الَّذِي يُقَرِّبُهَا لاَ تُحْسَبُ لَهُ، تَكُونُ نَجَاسَةً، وَالنَّفْسُ الَّتِي تَأْكُلُ مِنْهَا تَحْمِلُ ذَنْبَهَا.اللَّحْمُ الَّذِي مَسَّ شَيْئًا مَا نَجِسًا لاَ يُؤْكَلُ. يُحْرَقُ بِالنَّارِ. وَاللَّحْمُ يَأْكُلُ كُلُّ طَاهِرٍ مِنْهُ. وَأَمَّا النَّفْسُ الَّتِي تَأْكُلُ لَحْمًا مِنْ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ الَّتِي لِلرَّبِّ وَنَجَاسَتُهَا عَلَيْهَا فَتُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا. وَالنَّفْسُ الَّتِي تَمَسُّ شَيْئًا مَا نَجِسًا نَجَاسَةَ إِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةً نَجِسَةً أَوْ مَكْرُوهًا مَا نَجِسًا، ثُمَّ تَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ الَّتِي لِلرَّبِّ، تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا. وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: كُلَّ شَحْمِ ثَوْرٍ أَوْ كَبْشٍ أَوْ مَاعِزٍ لاَ تَأْكُلُوا. وَأَمَّا شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَشَحْمُ الْمُفْتَرَسَةِ فَيُسْتَعْمَلُ لِكُلِّ عَمَل، لكِنْ أَكْلًا لاَ تَأْكُلُوهُ” (لا 7 :11 -24).

 

وكذلك عن ذبيحة الخطية، وذبيحة الإثم، وهما تُشيران إلى دينونة الله الشديدة ضد الخطية عندما وضع خطايانا على بديلنا القدوس إقرأ ( لاويين 4 ، 5 : 1 -19 ، 6 :1 -7)
ونحن نذكر هذه الذبائح بإختصار تام، تاركين لمن يريد التوسع، أن يبحث لنفسه عن المعاني السامية لموت المسيح، كما هي موجودة في هذه الذبائح العديدة.

 

 

وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا

 

وَحَلَّ بَيْنَنَا

 

وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا

 

يوحنا 1 : 14

 

 

الصليب في النبوات

 

تذخر الأسفار النبوية بنبوات صريحة عن موت المسيح كفادٍ للبشرية، وقبل ان أذكر هذه النبوات وإتمامها الواضح الصريح في شخص المسيح، أود أن ألفت نظر القاريء الكريم إلى ملاحظة هامة جداً في العهد القديم:

حدثنا (أرثر جلاس) في رسالة بعنوان (إسم يسوع في العهد القديم) قال :
«لقد كان ما يتعبني في خدمتي مع اليهود هو سؤالهم: إذا كان يسوع هو المسيا الذي تنبأت عنه كتب العهد القديم، فكيف لم يُذكر إسمه فيها بحصر اللفظ ولو مرة واحدة؟ ومع أن إسم ( المسيح) قد ذُكر بحصر اللفظ في نبوات كثيرة مثل “وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا” (دا 9 :26).

 

حيث نقرأ “يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ” إلا أنني لم أكن أجد إسم (يسوع) إلى أن فتح الروح القدس عيني في يوم ما، فهتفت من فرط الفرح إذ وجدت نفس الإسم (يسوع) موجوداً في العهد القديم حوالي مئة مرة، من سفر التكوين إلى سفر حبقوق، نفس الإسم الذي بشر به جبرائيل الملاك (مريم العذراء) في “وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ” (لو 1 :31).

 

فأين نجد إسم (يسوع) في العهد القديم؟ في كل مرة تذكر فيها النبوة كلمة (خلاص) مع ضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب نجد أن هذه الكلمة هي نفسها (يسوع أو يشوع Yeshua ) التي إستعملت في متى حين قال ملاك الرب في الحلم ليوسف ” فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ” (مت 1 :21).

 

ولنذكر أن الملاك لم يتحدث إلى يوسف باللغة اللاتينية، أو الإنجليزية، أواليونانية، بل باللغة العبرانية وقد فهم يوسف ومريم معنى هذا الإسم، إذ كانت العادة في العهد القديم أن يُسمي الناس أبناءهم بأسماء ذات معنى (راجع ) ” وَلِعَابِرَ وُلِدَ ابْنَانِ: اسْمُ الْوَاحِدِ فَالَجُ لأَنَّ فِي أَيَّامِهِ قُسِمَتِ الأَرْضُ. وَاسْمُ أَخِيهِ يَقْطَانُ” (تك 10 :25).

 

“فَحَبِلَتْ لَيْئَةُ وَوَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ «رَأُوبَيْنَ»، لأَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ الرَّبَّ قَدْ نَظَرَ إِلَى مَذَلَّتِي. إِنَّهُ الآنَ يُحِبُّنِي رَجُلِي” (تك 29 :32)

“وَلَمَّا كَبِرَ الْوَلَدُ جَاءَتْ بِهِ إِلَى ابْنَةِ فِرْعَوْنَ فَصَارَ لَهَا ابْنًا، وَدَعَتِ اسْمَهُ «مُوسَى» وَقَالَتْ: إِنِّي انْتَشَلْتُهُ مِنَ الْمَاءِ” (خر 2 :10)

وعلى هذا فإننا نستطيع القول بأن ملاك الرب حين تكلم إلى يوسف وقال له “فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ” قال بالعبرانية “فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ خلاص Yeshua لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ”.

 

وقد لمعت أمامي هذه الآية بنور وضاح بعد تجديدي بأربع وعشرين سنة إذ رأيت كل تدبيرات العهد القديم في هذا الإسم العزيز المبارك.
فدعونا نسير لنرى بأكثر وضوح أن الإسم العبراني (يشوع Yeshua ) هو نفسه إسم (يسوع) المذكور في العهد الجديد.

عندما نام يعقوب على فراش الإحتضار، وبدأ يُبارك بنيه، كان روح الله يُعلن في بركته مستقبل أولاده وفي عدد 18 من الأصحاح 49 من سفر التكوين نقرأ الكلمات “لِخَلاَصِكَ انْتَظَرْتُ يَا رَبُّ” والكلمات في العبرانية “ليشوعك انتظرت يا رب” ومعنى هذا أن يعقوب كان ينتظر (يسوع الآتي).

 

وفي (مزمور 91 : 9 -16) نقرأ هذه الآيات:
“لأَنَّكَ قُلْتَ: أَنْتَ يَا رَبُّ مَلْجَإِي. جَعَلْتَ الْعَلِيَّ مَسْكَنَكَ، لاَ يُلاَقِيكَ شَرٌّ، وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ. لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ. عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلاَّ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ. عَلَى الأَسَدِ وَالصِّلِّ تَطَأُ. الشِّبْلَ وَالثُّعْبَانَ تَدُوسُ. لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَعَهُ أَنَا فِي الضِّيقْ، أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ. مِنْ طُولِ الأَيَّامِ أُشْبِعُهُ، وَأُرِيهِ خَلاَصِي”

 

والكلمات الأخيرة هي في العبرانية “وأريه يسوعي” .
ونجد في سفر إشعياء كلمة ( يسوع ) في العبرانية بصورة جلية مُباركة إذ نقرأ هذه الكلمات :
“هُوَذَا اللهُ خَلاَصِي فَأَطْمَئِنُّ وَلاَ أَرْتَعِبُ، لأَنَّ يَاهَ يَهْوَهَ قُوَّتِي وَتَرْنِيمَتِي وَقَدْ صَارَ لِي خَلاَصًا” (إش 12 :2).

 

والكلمات في العبرانية “هوذا الله يسوعي فأطمئن ولا أرتعب. لأن ياه يهوه قوتي وترنيمتي وقد صار لي (يسوع) ثم تستمر النبوة قائلة ” فَتَسْتَقُونَ مِيَاهًا بِفَرَحٍ مِنْ يَنَابِيعِ الْخَلاَصِ” أي من ينابيع ( يسوع ) (إش 12 :3).

 

ولكي أؤكد هذا التفسير الصحيح، أذكر حادثة عابرة حدثت معي، فقد تقابلت مرة مع شخص يهودي، ودار الحديث حول شخص يسوع ( مركز كل حديث جليل).

 

وقد إعترض ذلك اليهودي بعدم وجود إسم يسوع في العهد القديم، ولم أجبه إجابة مباشرة، ولكنني طلبت إليه أن يترجم لي الأية الموجودة في “هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَخْبَرَ إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ، قُولُوا لابْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مُخَلِّصُكِ آتٍ. هَا أُجْرَتُهُ مَعَهُ وَجِزَاؤُهُ أَمَامَهُ” (إش 62 :11) من العبرانية إلى الإنجليزية، وكان الرجل أستاذاً في اللغة العبرانية فترجم الآية بسهولة عظيمة، وهذه هي ترجمته للأية “هوذا الرب قد أخبر إلى أقصى الأرض. قولوا لإبنة صهيون هوذا (يشوعك) آتٍ. ها أجرته معه وجزاؤه أمامه”

 

وعندما إنتهى من ترجمته إحمر وجهه، لأنه رأى أنه وضع سلاحاً بتاراً في يدي بترجمة كلمة (مُخلصك) إلى كلمة ( يشوعك أو يسوعك) فهتف قائلا: «سيد جلاس إنك دفعتني لقراءة كلمة (مُخلصك) بهذه الصورة»

فأجبته كلا : «إنك قرأت كلمة الله كما هي، أفلا تستطيع ان ترى أن كلمة (مُخلصك ) هي إسم شخص، إن هذا الشخص آتٍ، وإن أجرته معه، وإن جزاءه قدامه»!.
وعندئذ أسرع بإحضار كتابه العبراني وهو يقول: «أنا واثق أن كتابي يختلف عن كتابك» فلما وجد أن النسختين واحد سلم بالحقيقة الواضحة.

 

ونحن نرى هذه الحقيقة أكثر لمعاناً في قصة سمعان الشيخ التي نقرأها في هذه الكلمات:

“وَكَانَ رَجُلٌ فِي أُورُشَلِيمَ اسْمُهُ سِمْعَانُ، وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ، لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ، أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ” (لو 2 :25 -30).

والكلمات الأخيرة حرفياً “لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا يسوعك” ! ويقيناً أن الرجل لم يُبصر يسوع فقط، بل لمسه، وحمله بين يديه، ففاض في قلبه الإحساس بالفرح العميق لرؤياه ( يسوع الله – خلاص الله).

 

وإذ رأينا إسم يسوع ظاهراً بهذه الكيفية في أسفار العهد القديم، سأكتفي فيما يلي من حديث بذكر خمسة وعشرين نبوة، وردت في العهد القديم متضمنة تسليم، ومحاكمة وموت، ودفن ربنا يسوع المسيح وقد نطق بها أنبياء كثيرون في أزمنة مختلفة من سنة 1000 إلى سنة 500 قبل المسيح، أي مدة خمسة أجيال، ولكن هذه النبوات قد تمت كلها حرفياً في شخص المسيح خلال أربع وعشرين ساعة أي في يوم واحد، هو يوم الصليب الخالد المجيد، فلنتابع في إخلاص هذه النبوات وكيف تمت في ربنا يسوع المُبارك.

 

1- بيع المسيح بثلاثين من الفضة

 

نقرأ في سفر زكريا هذه النبوة “فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنْ حَسُنَ فِي أَعْيُنِكُمْ فَأَعْطُونِي أُجْرَتِي وَإِلاَّ فَامْتَنِعُوا. فَوَزَنُوا أُجْرَتِي ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ” (زك11 :12).

 

وقد تمت هذه النبوة وذكرها متى البشير قائلاً :
“حِينَئِذٍ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ، إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقَالَ: «مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُوني وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟» فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ” (مت 26 :14 -15).

 

2- سلم المسيح لليهود صاحب من تلاميذه

 

وقد تنبأ عن ذلك كاتب المزمور فقال:
“لأَنَّهُ لَيْسَ عَدُوٌّ يُعَيِّرُنِي فَأَحْتَمِلَ. لَيْسَ مُبْغِضِي تَعَظَّمَ عَلَيَّ فَأَخْتَبِئَ مِنْهُ. بَلْ أَنْتَ إِنْسَانٌ عَدِيلِي، إِلْفِي وَصَدِيقِي، الَّذِي مَعَهُ كَانَتْ تَحْلُو لَنَا الْعِشْرَةُ. إِلَى بَيْتِ اللهِ كُنَّا نَذْهَبُ فِي الْجُمْهُورِ” (مز 55 : 12 -14).

كما جاءت هذه النبوة في مزمور آخر “أَيْضًا رَجُلُ سَلاَمَتِي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ” (مز 41 :9).

 

وتمت هذه النبوة وذكرها متى أيضاً قائلاً :
“وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذَا يَهُوذَا أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ قَدْ جَاءَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ. وَالَّذِي أَسْلَمَهُ أَعْطَاهُمْ عَلاَمَةً قَائِلًا: الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ. فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَالَ: «السَّلاَمُ يَا سَيِّدِي!» وَقَبَّلَهُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟ حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوْا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ” (مت 26 :47 ،49، 50).

 

3-الفضة التي أخذها يهوذا ثمناً لتسليم المسيح أُلقيت إلى الفخاري

 

وهذه النبوة ذكرها زكريا بقوله “فَقَالَ لِي الرَّبُّ: أَلْقِهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ، الثَّمَنَ الْكَرِيمَ الَّذِي ثَمَّنُونِي بِهِ. فَأَخَذْتُ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ وَأَلْقَيْتُهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ فِي بَيْتِ الرَّبِّ” (زك 11 :13).

وتمت هذه النبوة ونقرأ عن إتمامها “فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ.فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالُوا: لاَ يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ. فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ” (مت 27 :5 -7).

 

ولاحظ أنه في كل من النبوة وإتمامها نتحقق :
1- أن الثمن كان من فضة
2- وكان الثمن ثلاثين من الفضة “حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ” (مت 27 :3)
3- وأنه أُلقي
4- وقد أُلقي في بيت الرب
5-وقد أُستخدمت الدراهم في شراء حقل الفخاري.

 

4- تلاميذ يسوع المسيح تركوه وهربوا

 

وتقول النبوة “اِسْتَيْقِظْ يَا سَيْفُ عَلَى رَاعِيَّ، وَعَلَى رَجُلِ رِفْقَتِي، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. اِضْرِبِ الرَّاعِيَ فَتَتَشَتَّتَ الْغَنَمُ، وَأَرُدُّ يَدِي عَلَى الصِّغَارِ” (زك 13 :7)

وقد تمت حرفياً إذ نقرأ “وَأَمَّا هذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ الأَنْبِيَاءِ. حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا” (مت 26 :56).

إقرأ أيضاً “فَتَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا” (مر 14 :50).

 

5- الشهود الذين شهدوا ضد المسيح كانوا شهود زور

 

وهذه هي النبوة “شُهُودُ زُورٍ يَقُومُونَ، وَعَمَّا لَمْ أَعْلَمْ يَسْأَلُونَنِي” (مز 35 :11)
وتمت هذه النبوة في يوم الصلب “وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلكِنْ أَخِيرًا تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ” (مت 26 : 59 – 60)

 

6- ضُرب المسيح، وبُصق على وجهه

 

وقد جاء هذا في النبوة القائلة “بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ، وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ” (إش 50 :6).

وتمت هذه النبوة في الكلمات “حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ” (مت 27 :26).

“حِينَئِذٍ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَلَكَمُوهُ، وَآخَرُونَ لَطَمُوهُ” (مت 26: 67 )

 

وجدير بالملاحظة أن نرى التفاصيل المتفقة في كل من النبوة وإتمامها فيسوع قد :

1- ضُربَ
2- وضُربَ على وجهه وكذلك على كل أجزاء جسمه إقرأ “وَغَطَّوْهُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَ وَجْهَهُ وَيَسْأَلُونَهُ قَائِلِينَ: تَنَبَّأْ! مَنْ هُوَ الَّذِي ضَرَبَكَ” (لو 22 :64).
3- وبُصق عليه.

 

7- كان المسيح صامتاً أمام المشتكين عليه

 

وهذا ما ورد في النبوة “ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ” (إش 53 :7).

 

وهذا ما جاء عن إتمامها “وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدًّا” (مت 27 : 12 -14).

 

8- جُرح المسيح وسُحق لأجل آثامنا

 

تقول النبوة “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا” (إش 53 :5)

وجاء إتمامها في الكلمات “فَحِينَئِذٍ أَخَذَ بِيلاَطُسُ يَسُوعَ وَجَلَدَهُ. وَضَفَرَ الْعَسْكَرُ إِكْلِيلًا مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَلْبَسُوهُ ثَوْبَ أُرْجُوَانٍ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ!. وَكَانُوا يَلْطِمُونَهُ” (يو 19 :1 -3).

 

9- سقط المسيح تحت الصليب من فرط الإعياء

 

وهذا ما جاء في النبوة “رُكْبَتَايَ ارْتَعَشَتَا مِنَ الصَّوْمِ، وَلَحْمِي هُزِلَ عَنْ سِمَنٍ” (مز 109 :24)

وقد تمت هذه النبوة في الكلمات :
“فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ» وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ جُلْجُثَةُ” (يو 19 :17).

ولأنه لم يقو على حمل الصليب من فرط ضعفه نقرأ :

“وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ أَمْسَكُوا سِمْعَانَ، رَجُلًا قَيْرَوَانِيًّا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ، وَوَضَعُوا عَلَيْهِ الصَّلِيبَ لِيَحْمِلَهُ خَلْفَ يَسُوعَ” (لو 23 :26).

 

10- ثقب الجنود يديه ورجليه على الصليب

 

وهذا ما جاء في النبوة “لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ” (مز 22 :16)

وتمت هذه النبوة حرفياً “وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى «جُمْجُمَةَ» صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ، وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ” (لو 23 :33).

 

وقد صُلب المسيح له المجد بالكيفية التي إعتادها الرومان، إذ ثقبوا يديه ورجليه بمسامير كبيرة حتى يثبت الجسد بالصليب وهذا ما نجده واضحاً في إنجيل يوحنا إذ قال توما :

“فَقَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ: قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ!. فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ . وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلاَمِيذُهُ أَيْضًا دَاخِلًا وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ، وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ وَقَالَ: سَلاَمٌ لَكُمْ!ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا” (يو 20 :25 – 27).

 

11- صلب المسيح مع لصوص

 

وقد قالت النبوة “لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ” (إش 53 :12).

وتمت في الكلمات “وَصَلَبُوا مَعَهُ لِصَّيْنِ، وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. فَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ” (مر 15: 27 -28).

 

12- صلى يسوع لأجل مُضطهديه

 

وهذه هي النبوة “لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ” (إش 53 :12)

وهذا إتمامها “فَقَالَ يَسُوعُ: يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا” (لو 23 :34).

 

13- هز الناس رؤوسهم حينما رأوه على الصليب

 

قالت النبوة “وَأَنَا صِرْتُ عَارًا عِنْدَهُمْ. يَنْظُرُونَ إِلَيَّ وَيُنْغِضُونَ رُؤُوسَهُمْ” (مز 109 :25) وتمت النبوة في القول :

“وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ” (مت 27 :39).

 

14- إستهزأ الناس بالمسيح المصلوب

 

وجاء هذا في النبوة “يُشْرِقُ فِي أَيَّامِهِ الصِّدِّيقُ، وَكَثْرَةُ السَّلاَمِ إِلَى أَنْ يَضْمَحِلَّ الْقَمَرُ” (مز 72 :7). لاحظ عدد 7.

وتمت النبوة تماماً إذ نقرأ “وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا: … قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللهِ، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللهِ” (مت 27 :41 ،43).

 

15- نظر الشعب بإستغراب إلى شخص المصلوب

 

وهذا ما قالته النبوة ” أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ” (مز 22 :17).

وهذا إتمامها “وَكَانَ الشَّعْبُ وَاقِفِينَ يَنْظُرُونَ، وَالرُّؤَسَاءُ أَيْضًا مَعَهُمْ يَسْخَرُونَ بِهِ قَائِلِينَ: خَلَّصَ آخَرِينَ، فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمَسِيحَ مُخْتَارَ اللهِ” (لو 23 :35).

 

16- إقتسم الجنود ثياب المسيح وألقوا عليها القرعة

 

وقد ذكرت النبوة هذا بالقول “يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ” (مز 22 :18)

وجاء إتمامها في الكلمات :

“ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ، أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْمًا. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضًا. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ، مَنْسُوجًا كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لاَ نَشُقُّهُ، بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ. لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً. هذَا فَعَلَهُ الْعَسْكَرُ” (يو 19: 23 -24).

 

وما أدق هذه النبوة المُوحى بها، فثياب المسيح قُسمت بين العسكر، وأما القميص فلكي لا يمزقوه ألقوا عليه القرعة ووقع من نصيب أحدهم، وهذا أكدته حوداث يوم الصلب.

 

17- صرخ المسيح صرخة الإحساس بالهجران

 

وتقول النبوة في مزمور الصليب “إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيدًا عَنْ خَلاَصِي، عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي” (مز 22 :1).

وقد تمت في القول “وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟ أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي” (مت 27 :46).

 

18- أعطوه مُراً وخلاً

 

وهذه هي النبوة “وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَمًا، وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلًّا” (مز 69 :21). وهذا إتمامها :

“بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: أَنَا عَطْشَانُ. وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعًا مَمْلُوًّا خَلًا، فَمَلأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ. فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ: قَدْ أُكْمِلَ. وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ” (يو 19 : 28 -30)

 

19- إستودع روحه في يدي الآب

 

وقد قالت النبوة “فِي يَدِكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي. فَدَيْتَنِي يَا رَبُّ إِلهَ الْحَقِّ” (مز 31 :5).

وجاء إتمامها في الكلمات:
“وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَ: «يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي». وَلَمَّا قَالَ هذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ” (لو 23 :46).

 

20- معارف المسيح وقفوا بعيداً

 

وهذه هي النبوة “أَحِبَّائِي وَأَصْحَابِي يَقِفُونَ تُجَاهَ ضَرْبَتِي، وَأَقَارِبِي وَقَفُوا بَعِيدًا” (مز 38 :11).

وتمت حرفياً “وَكَانَ جَمِيعُ مَعَارِفِهِ، وَنِسَاءٌ كُنَّ قَدْ تَبِعْنَهُ مِنَ الْجَلِيلِ، وَاقِفِينَ مِنْ بَعِيدٍ يَنْظُرُونَ ذلِكَ” (لو 23 :49).

 

21- لم تُكسر عظام المسيح

 

وإليك ما جاء في النبوة “يَحْفَظُ جَمِيعَ عِظَامِهِ. وَاحِدٌ مِنْهَا لاَ يَنْكَسِرُ” (مز 34 :20)

وما جاء عن إتمامها “وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ … أَنَّ هذَا كَانَ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ” (يو 19 :33 ،36).

ويليق بنا أن نقف عند نبوتين أخريين بخصوص عظامه، ففي “كَالْمَاءِ انْسَكَبْتُ. انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي. صَارَ قَلْبِي كَالشَّمْعِ. قَدْ ذَابَ فِي وَسَطِ أَمْعَائِي” (مز 22 :14).

 

يقول “انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي” فالتعليق على الصليب من اليدين والرجلين كافٍ بأن يفصل عظامه خصوصاً عندما نتذكر أن جسده عُلق على الخشبة وهي موضوعة على الأرض.
وفي “أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ” (مز 22 :17) نقرأ

“أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي” ونقدر أن نفهم هذه العبارة عندما نعرف أن المسيح قد تُرك مُعلقاً على الصليب عُرياناً “ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ، أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْمًا. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضًا. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ، مَنْسُوجًا كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ” (يو 19 :23)

ولذا فقد كان من الممكن أن ترى عظامه وهو في هذا الوضع المُهين، إذ أن إمتداد الجسد، وآلام الصليب جعلت العظام واضحة حتى كان من الممكن أن تُعد.

 

22- ذاب قلب المسيح على الصليب

 

وهذا ما ذكرته النبوة “كَالْمَاءِ انْسَكَبْتُ. انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي. صَارَ قَلْبِي كَالشَّمْعِ. قَدْ ذَابَ فِي وَسَطِ أَمْعَائِي” (مز 22 :14)

وتمت النبوة في الكلمات :
“لكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ” (يو 19 :34).

ويقيناً أن خروج الدم والماء من الجنب المطعون، يدل دلالة أكيدة على أن القلب قد إنفجر حقيقة.

 

23- طعنوه في جنبه

 

وإليك النبوة “وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ” (زك 12 :10)

وإليك إتمامها “لكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ” (يو 19 :34)

إقرأ أيضاً الأعداد التالية :
“وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ. لأَنَّ هذَا كَانَ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ. وَأَيْضًا يَقُولُ كِتَابٌ آخَرُ: سَيَنْظُرُونَ إِلَى الَّذِي طَعَنُوهُ” (يو 19 :35 -37).

 

24- ظلام يوم الصلب

 

قالت النبوة “وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، أَنِّي أُغَيِّبُ الشَّمْسَ فِي الظُّهْرِ، وَأُقْتِمُ الأَرْضَ فِي يَوْمِ نُورٍ” (عا 8 :9)

وتمت هذه النبوة إذ نقرأ “وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ” (مت 27 :45)

وجدير بالذكر أن نقول :

«أن اليهود كانوا يحسبون اليوم إثنتي عشرة ساعة من شروق الشمس إلى غروبها ومعنى ذلك أن الساعة السادسة هي الظهر تماماً وأن الساعة التاسعة توافق الساعة الثالثة بعد الظهر».

 

25- دُفن في قبر إنسان غني مع أنه مات مع لصين

 

وهذا ما ذكرته النبوة “وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ” (إش 53 :9)

وقد تمت النبوة تماماً في الكلمات “وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا تِلْمِيذًا لِيَسُوعَ. فَهذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. فَأَمَرَ بِيلاَطُسُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطَى الْجَسَدُ. فَأَخَذَ يُوسُفُ الْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الْجَدِيدِ الَّذِي كَانَ قَدْ نَحَتَهُ فِي الصَّخْرَةِ، ثُمَّ دَحْرَجَ حَجَرًا كَبِيرًا عَلَى بَاب الْقَبْرِ وَمَضَى” (مت 27 : 57 -60).

هذه النبوات الواضحة الصريحة، التي شغلت العالم مئات السنين، ما معنى أن تتم حرفياً في شخص واحد وخلال يوم واحد؟

 

إن إتمام هذه النبوات يقدم لكل عقل بعيد عن الغرض برهاناً قوياً، على أن الكتاب المقدس موحى به من الله الذي يعرف النهاية من البداية، وعلى أن كتاب العهد القديم ذكر النبوات التي تتركز كلها في شخص المسيح، وعلى أن اليهودية هي ديانة الرموز والظلال، التي كان لا بدّ أن تأتي المسيحية بعدها لتبني على أساس نبواتها، بناءها الذي مركزه وأساسه، وحجر الزاوية فيه هو المسيح المصلوب.

 

فصلب المسيح ليس عقيدة جانبية من عقائد المسيحية، بل هو قلب المسيحية.
وفي صليب المسيح فَهِمنا معنى الذبائح التي كانت تقدّم في العهد القديم، وتمم الله تدبيره الذي دبّره قبل تأسيس العالم لخلاص من يؤمنون.

 

ولم تعد هناك حاجة أن تأتي ديانة أخرى بعد أن كلمنا الله في ابنه كما قال كاتب الرسالة إلى العبرانيين :

“اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ” (عب 1 : 1 -2).

 

وليس من المنطق أن يُرسل الله عبداً من عبيده بعد أن أرسل ابنه. فالمسيح المصلوب هو آخر رسالات الله للناس، وفيه تمت الأنبياء :

“وَأَمَّا هذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ الأَنْبِيَاءِ. حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا” (مت 26 :56).

ومن أتى بعده مدَّعياً النبوة، ومُنكراً حقيقة صلبه، لا يمكن أن يكون نبياً مرسلاً من الله وخصوصاً لأنه لم تكتمل فيه مؤهلات النبوّة.

 

• فلم تصله دعوة مباشرة من الله.
• ولم يصنع معجزات تؤكد نبوّته.
• ولم ينطق بنبوّات حدثت على مسرح التاريخ حتى نصدقه.
• ولم يرفع البشرية إلى مستوى رفيع من الأخلاق … والتصرفات، بل أغرقها في بحار من دماء الأبرياء.
• ومع هذا كله أنزل المرأة إلى حضيض الذلّ والهوان.

 

 

الفصل الرابع

حقيقة شخصية المصلوب

 

كان الصليب قبل صلب المسيح لعنة كبرى “اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ” (غل 3 :13).

 

لكنه أضحى بعد أن صُلب هو عليه زينة التيجان، وحافزاً للخدمة والتضحية في كل ميدان.

فمن هو هذا الشخص الذي حوَل الصليب الملعون إلى صولجان يقود به جماهير الشعوب؟! هل هو مجرد نبي ظهر في أرض إسرائيل؟ أم هو مُصلح إجتماعي أراد أن يرفع حياة البشر؟ أم هو عبقري فذ من عباقرة التاريخ؟ أم هو صاحب رسالة ظهر ليؤدي الرسالة التي آمن بها؟ أم هو فوق الأنبياء، والمُصلحين، والعباقرة، وأصحاب الرسالات؟

 

لقد ظهر في التاريخ عشرات من الرجال العظام أمثال سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، والإسكندر، ونابليون، وتولستوي، وبوذا، وكونفشيوس، وغاندي، لكن هؤلاء جميعاً يبدون كالشهب، أمام هذا الكوكب! أجل فيسوع المسيح أعظم من كل هؤلاء، وفوق كل هؤلاء! ويذكر دكتور زويمر عدة أسباب تؤكد عظمة شخصية المسيح، وأول هذه الأسباب أن التاريخ نفسه قد وضع المسيح في مركز مسرحه العظيم، فكل حادثة تؤرخ من تاريخ ميلاده، وكل الصحف، والمجلات، والكتب في الشرق والغرب تُحصي الزمن إبتداء من هذا التاريخ، الذي صار حداً فاصلاً في حياة البشر ، كسهم من النور شق كبد الليل، ففصل بين فحمة الظلام وسناء السحر.

 

أما السبب الثاني الذي يؤكد عظمة المسيح فهو أنه أجاب إجابات قاطعة عن كل الأسئلة العميقة الصعبة التي جالت بعقول الفلاسفة.

 

فأراق نوراً ساطعاً على الحياة والمصير! والحق والشخصية! والله والطبيعة! وأجاب عن أسئلة المُفكرين المُتسائلين: من أين نحن؟ وإلى أين المصير؟ ولماذا نحن في هذا العالم الشرير؟ وما سر الألم في حياة البشر؟ أجل، أجاب المسيح عن كل هذه الألغاز العسرة الفهم إجابات جامعة مانعة!

 

وهناك سبب ثالث يؤكد عظمة شخصية المسيح، وهو أن الفن في بلدان الغرب، وفي آسيا وإفريقيا، قد طرح عند قدمي الناصري أبدع ما جاد به من فنون … فالموسيقى الأوروبية قد سمت إلى أوج جمالها وجلالها في ألحان (هاندل) التي وضعها لتمجيد المسيح، والحجارة الصماء نطقت في جلال وروعة بين يدي (ميخائيل أنجلو) عندما أقام منها هذه المشاهد الرائعة لحياة المسيح، وفن البناء قد وصل إلى أعلى ذرى الجلال حين شاد المهندسون ما أشادو لأجل المسيح.

 

وفوق هذا كله فإن المسيح في كل الأديان هوالمقياس الأعلى للأخلاق، قال هذا الغزالي حجة الإسلام، وأكده جلال الدين الرومي، وإعترف به غاندي، وإلى اليوم لم يستطع مؤرخ، ولم يجرؤ ملحد على أن يقول إنه عثر في حياة المسيح على مسة من الإثم أو مسحة من الضعف.

 

فهل يمكن أن تمر شخصية عظيمة كهذه دون أن نعطيها حقها من الدرس، ونعرف مقوماتها الضخمة العميقة.

 

إن الإخلاص للنفس يدفع المرء إلى التساؤل عن حقيقة شخصية المسيح، ذلك لأنه بالنسبة للموقف الذي يقفه الإنسان بإزاء هذه الشخصية يتوقف مصيره في الأرض، وفي الحياة الآتية.

 

ولكي نتحقق من شخصية المسيح، لا بدّ أن نعرف شهادة أصدقائه، وشهادة أعدائه، وشهادته هو عن نفسه، وشهادة الله عنه.

 

شهادة الحواريون

 

سأل يسوع المسيح يوماً تلاميذه “وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ قِائِلًا: مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟ فَقَالُوا:قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ . قَالَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!. فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 16 : 13 -17).

 

فالحواريون آمنوا بان المسيح هو ( ابن الله الحي) ولا يغرب عن بالنا أن هؤلاء الحواريون كانوا يهوداً من الذين يعرفون الوصية القائلة “أَنَا هُوَ الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي” (تث 5 :6 -7).

 

ومع ذلك فإنهم رغم إطلاعهم عن قرب على حياة يسوع المسيح، وتدوينها للناس بما فيها من فقر وتعب ونوم وأكل وحزن وأنين ودموع وموت، فإنهم عبدوه وقدموه للناس كمخلص وصلوا بإسمه، وإعترفوا بأنه (ابن الله الحي)، ويوحنا الذي إتكأ على صدره أعلن بأنه الكلمة الأزلي، وسجل في غير تردد ما فعله توما حين سجد له قائلاً “أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ: رَبِّي وَإِلهِي” (يو 20 :28). وفي هذا كله ما يثير في العقل المخلص التفكير!

 

ونجد إلى جوار إعتراف الحواريين إشارة إلى (صيت المسيح أو سمعته) وشهادة عن (أخلاقه) فيما ذكره الحواريون للسيد عن آراء الناس فيه، ويجدر بنا أن نفهم أن (الصيت) ليس هو الأخلاق، فصيت الإنسان هو الظل الذي يلازمه في نور النهار، وقد يكون طويلاً أو قصيراً، وقد يكون مجرد شائعات لا أساس لها في حياة صاحبها!

أما الأخلاق فهي ما تنطوي عليه النفسية في الظلمة عندما يختلي المرء إلى ربه وضميره.

 

والإعترافات التي ذكرها تلاميذ المسيح في معرض حديثهم، تُرينا الصور المرتسمة في أدمغة الناس عنه، وكل صورة من هذه الصور ترسم ناحية من نواحي العظمة الحقيقية التي تجلت في شخصه الكريم … فقد قال بعضهم (إنه يوحنا المعمدان) فرأوا فيه داعية التوبة، وموبخ الخطية والرياء والتستر، ورجل الشجاعة الأدبية المنادي بعصر جديد، وقد كان يسوع المسيح هذا كله، بل أكثر من هذا كله.

 

وقال آخرون إنه : إيليا نبي الله، ورجل الصلاة، وصانع المعجزات. وقطعاً كان يسوع المسيح أعظم من إيليا.

وقال آخرون إنه : إرميا رجل الأوجاع ومختبر الحزن؟ الذي بكى على شعبه المرتد، والذي تقوس ظهره تحت عبء خطاياهم.

وقد كان يسوع المسيح، رجل أوجاع وأحزان، بكى على أورشليم العاصية، وكُسر فؤاده لأجل خطايا البشرية، ولكنه كان أعظم من أرميا بغير جدال.

 

شهادة الأعداء

 

والآن ما هي شهادة أعداء المسيح عنه؟ مرة أرسل رؤساء اليهود خداماً ليقتنصوا يسوع، ويقبضوا عليه ويأتوا به إليهم، لكن الخدام عادوا دون أن يلقوا الأيادي على المسيح ولما سألهم الرؤساء: لماذا لم تأتوا به؟ أجاب الخدام “أَجَابَ الْخُدَّامُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هكَذَا مِثْلَ هذَا الإِنْسَانِ” (يو 7 :46).

 

ويهوذا بعد أن باعه لرؤساء الكهنة والشيوخ وخزه ضميره ورد الثلاثين من الفضة إليهم قائلاً “قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا. فَقَالُوا: مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ” (مت 27 :4).

 

وبيلاطس الوالي الروماني لما رأى فشل محاولاته لإنقاذ المسيح من الموت، أخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلاً “خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ” (مت 27 :42).

 

ورؤساء الكهنة قالوا عنه وهو على الصليب “خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ” (مت 27 :42). وكان بالأولى أن يقولوا : فما أراد أن يخلصها.

 

وقائد المئة الذي تولى عملية الصلب والذين معه يحرسون يسوع قالوا “وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوْا الزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ، خَافُوا جِدًّا وَقَالُوا: حَقًّا كَانَ هذَا ابْنَ اللهِ” (مت 27 :54).

 

شهادة المسيح عن نفسه

 

ودعونا نخلع أحذيتنا من أرجلنا، ونستمع إلى المسيح وهو يشهد لنفسه، فشهادته لها كل الإعتبار، ذلك لأن قصة حياته فريدة لا تُدانيها قصة أخرى لعظيم من العظماء.

 

كما قال نابليون بونابرت وهو يتحدث في منفاه إلى الجنرال (برترند) عن شخصه الكريم.
«إن المقارنة بين يسوع وغيره من البشر مستحيلة لأنه في مكانة خاصة به لا يُدانيه فيها أحد، فولادته، وقصة حياته، وعمق تعاليمه هذه كلها أسرار عميقة تدفعني إلى التأمل والتفكير العميق، ومع ذلك فلست أستطيع أن أنكرها أو أعللها».

 

أجل! إن شخصية المسيح فوق كل الشخصيات! فقد كان معجزة في ميلاده. إذ وُلد من عذراء قديسة بغير رجل، وكان معجزة في حياته إذ عاش بلا خطيئة، وكان هو رب المعجزات، فأسكت البحر والرياح، وشفى الأبرص وأعاد إلى الأعمى البصر، وجعل المُقعد يقفز كالأيائل، دون أن يطلب ممن شفاهم أجراً ! وأقام الموتى من قبورهم، فأعلن سلطانه على الموت.

 

فلنصغ إذاً في وقار وإحترام وخشوع إلى شهادته عن نفسه فقد قال: “قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي” (يو 14 :6).

 

“ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلًا: أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ” (يو 8 :12).

 

“فَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالَمِ” (يو 8 :23).

 

“أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ” (يو 14 :10).

 

“قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ” (يو 14 :9).

 

“قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ” (يو 8 :58).

 

“وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ ههُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ” (مت 12 :6).

“رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا” (مت 12 : 41 ،42).

 

” تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت 11 :28).

 

ويقف الباحث المدقق أمام أقوال المسيح أحد موقفين، فإما أن يقرر بأن هذه الأقوال مجرد إدعاءات لا أساس لها من الصحة، ومعنى هذا أن يكون المسيح أكبر مُجدف ظهر في التاريخ، لأنه إدعى أنه نور العالم، والطريق والحق والحياة، وأنه من فوق وليس من هذا العالم، وأنه في الآب والآب فيه، وأن الذي رآه فقد رأى الآب،  وأنه كائن قبل إبراهيم، وأنه أعظم من الهيكل وليس أعظم من الهيكل غير الله الذي يُعبد فيه، وأنه أعظم من يونان، ومن سليمان، وأنه يستطيع أن يُريح جميع المتعبين والثقيلي الأحمال.

 

 وهذه كلها إدعاءات فوق طاقة الإنسان البشري، أو أن يقرر بأن ما قاله المسيح هو الصدق الكامل والحق الصريح! والمنطق السليم يُرينا أن المسيح قد تكلم الصدق الكامل، ذلك لأن مقدمات حياته، ترسم خطوط نتائج هذه الحياة، فذاك الذي وُلد من عذراء، وعاش بلا خطية وأجرى هذه المعجزات هو يقيناً شخص مُنزه عن الكذب، وإذاً فلا بدّ  أن يكون ما قاله عن نفسه هو الحق الذي لا يأتيه الشك من بين يديه ولا من خلفه، وإذاً فالمسيح هو (ابن الله).

 

وقبل أن نختتم الحديث عن شهادة المسيح عن نفسه لا بدّ لنا أن نتحدث عن إهتمامه الشديد بأن يؤكد لتلاميذه الذين ظهر لهم بعد قيامته أنه هو نفسه الذي صُلب، ولم يأخذ مكانه شبيه على الصليب.

وتذكر  البشائر الأربعة أن شهود عيان حضروا مشهد الصلب وتيقنوا أن المصلوب هو يسوع المسيح، كما تذكر أن رسل المسيح تحققوا شخصه بعد قيامته، وشهدوا بحقيقة قيامته، وكثيرون منهم دفعوا حياتهم ثمناً لشهادتهم، وتغيّرت بشهادتهم عن يسوع المسيح الذي صُلب وقام حياة الملايين.

 

أما شهود العيان الذين حضروا مشهد الصلب، فنقرأ عنهم :

“وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ” (يو 19 :25).

مريم أم يسوع كانت بين النساء اللواتي شاهدن صلبه، فهل خُدعت في معرفة حقيقة ذاك الذي صُلب، وقلب الأم لا يمكن أن يُخدع في مشهد كهذا ؟

يوحنا التلميذ الذي كان يسوع يحبه كان واقفاً عند الصليب، وإستودعه المسيح وهو على الصليب العناية بأمه، لأن إخوته حتى ساعة الصلب لم يكونوا يؤمنون به “لأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضًا لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ” (يو 7 :5).

وقد شهد يوحنا بأمانة لحقيقة صلب المسيح، وكتب قائلاً : “وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ” (يو 19 :35).

 

فإذا لم يكن المسيح هو المصلوب بل شبيهاً له، فأي علاقة تربطه بيوحنا حتى يطلب منه العناية بأمه؟!

مع كل هؤلاء الشهود الذين حضروا الصلب، يظهر رجل إسمه (يوسف)، كان مُشيراً ورجلاً صالحاً، نقرأ عنه: “وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا تِلْمِيذًا لِيَسُوعَ. فَهذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. فَأَمَرَ بِيلاَطُسُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطَى الْجَسَدُ. فَأَخَذَ يُوسُفُ الْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ، وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الْجَدِيدِ الَّذِي كَانَ قَدْ نَحَتَهُ فِي الصَّخْرَةِ، ثُمَّ دَحْرَجَ حَجَرًا كَبِيرًا عَلَى بَاب الْقَبْرِ وَمَضَى” (مت 27 :57 -60).

 

فهل خُدع يوسف الرامي في معرفة حقيقة المصلوب الذي لفّ جسده بكتان نقي ودفنه في قبره الجديد الذي كان قد نحته في الصخرة؟

نعود مُكررين نقطة جديرة بالتفكير، وهي إهتمام يسوع بعد قيامته أن يؤكد لتلاميذه المرة بعد الأخرى أنه هو الذي صُلب على الصليب وليس شخصاً آخر شبيهاً به.

 

ظهر يسوع لتلاميذه وهم في العلية التي أغلقوا أبوابها لسبب الخوف من اليهود “وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ! وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ” (يو 20 :19 -20).

 

بعد هذا ظهر لتوما، لأن توما لم يكن مع التلاميذ حين ظهر يسوع لهم، فلما أخبره التلاميذ أنهم رأوا الرب، قال لهم:

“فَقَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ: قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ!. فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ” (يو 20 :25).

 

وظهر يسوع لتوما وهو مع التلاميذ : “ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا. أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ: رَبِّي وَإِلهِي!. قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا” (يو 20 :27 -29).

 

وظهر المسيح لتلاميذه مرة أخرى، فبعد أن رجع التلميذان اللذان التقيا بالمسيح وهما في طريقهما إلى قرية عمواس إلى أورشليم، وتقابلا مع بقية التلاميذ وأخبراهم بما حدث في الطريق. “وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسْطِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ! فَجَزِعُوا وَخَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا. فَقَالَ لَهُمْ: مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ، وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟ اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي” (لو 24 :36 -39).

 

فهل بعد هذه البراهين الدامغة يمكن لإنسان يستخدم عقله أن يؤمن بكلمات القرآن القائلة «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم»؟

الإله القدوس، حاشا له أن يقوم بخدعة تغيير وجه المصلوب ليظن الذين رأوه أنه المسيح، وهو شبيه بالمسيح، ويترك أجيالاً من الناس في أوروبا والشرق الأوسط وأجزاء شاسعة من العالم يؤمنون أن الذي صُلب هو المسيح، وهو ليس المسيح، حاشا للإله القدوس أن يفعل هذا !

إن المسيح الذي صُلب على الصليب قام بعد ثلاثة أيام وثلاث ليالِ كما قال “لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال” (مت 12 :40).

 

وعلى هذا يمكننا القول بيقين بعد مقارنة ما جاء في بشائر :
(مت 27 :62 ، مر 15 :42 ، 16 :1، لو 23 :56، يو 19 :31).

“وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاسْتِعْدَادِ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ إِلَى بِيلاَطُسَ” (مت 27 :62)

“وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، إِذْ كَانَ الاسْتِعْدَادُ، أَيْ مَا قَبْلَ السَّبْتِ” (مر 15 :42)

“وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ” (مر 16 :1 )

“فَرَجَعْنَ وَأَعْدَدْنَ حَنُوطًا وَأَطْيَابًا. وَفِي السَّبْتِ اسْتَرَحْنَ حَسَبَ الْوَصِيَّةِ” (لو 23 :56)

“ثُمَّ إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ، فَلِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ، لأَنَّ يَوْمَ ذلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا، سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُهُمْ وَيُرْفَعُوا” (يو 19 :31).

 

أن المسيح لم يُصلب يوم الجمعة، بل صُلب يوم الأربعاء، وبهذا بقي في القبر ثلاث أيام وثلاث ليالِ، ونتأكد من هذا إذا عرفنا أن الأسبوع الذي مات فيه المسيح، كان فيه سبتين سبت عيد الفصح، والسبت الأسبوعي، وأنه بعد مضي سبت العيد الذي كان سبتاً عظيماً إشترت مريم المجدلية وزميلاتها الحنوط وإسترحن في السبت الثاني وهو السبت الأسبوعي، وهكذا تمت كلمات المسيح التي قالها لتلاميذه “وَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا، وَيُرْفَضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ” (مر 8 :31).

 

شهادة الله الآب

 

ومع كل ما تقدم من شهادات عندنا أيضاً شهادة الله الآب، فثلاث مرات نقرأ أن الحجاب بين السماء والأرض قد إنشق، ثلاث مرات خرجت السماء عن صمتها وتكلم الله ليشهد للمسيح الكريم، أول مرة عن معمودية المسيح في نهر الأردن، إذ عندما صعد من الماء “فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلًا: هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (مت 3 :16 ،17).

 

والمرة الثانية حين كان فوق جبل التجلي ومعه يعقوب وبطرس ويوحنا، وإذا بوجهه يلمع كالشمس وثيابه تصير بيضاء كالنور “وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ…. وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلًا: هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا” (مت 17 :3 ،5).

 

وقد طبعت هذه الحادثة آثاراً عميقة في عقل بطرس، فكتب عنها في رسالته الثانية قائلاً : “لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ. وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلًا مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ” (2 بط 1 :16 -18).

 

أما المرة الثالثة التي تكلم فيها الله شاهداً لمجد يسوع وعظمته فكانت عندما زاره نفر من اليونانيين في الهيكل بأورشليم، فبينما كان يسوع يُصلي قائلاً : “أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ!. فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ: مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أَيْضًا!. فَالْجَمْعُ الَّذِي كَانَ وَاقِفًا وَسَمِعَ، قَالَ: قَدْ حَدَثَ رَعْدٌ!. وَآخَرُونَ قَالُوا: قَدْ كَلَّمَهُ مَلاَكٌ!. أَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ: لَيْسَ مِنْ أَجْلِي صَارَ هذَا الصَّوْتُ، بَلْ مِنْ أَجْلِكُمْ” (يو 12 :28 -30).

 

وكل هذه الشهادات تؤكد لنا أن المسيح هو (ابن الله)! لكن ماذا تعني العبارة (ابن الله) ؟ هل تعني أن الله إتخذ له ولدًا سبحانه؟ أم أن لها معنى خاصاً في كتابات الوحي المقدس؟

 

لقد فهم اليهود من هذا التعبير أن المسيح يقصد مساواته بالله أو الآب!
“فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلًا نَفْسَهُ بِاللهِ” (يو 5 :18).

 

ويقيناً أن كلمة ابن الله لا تعني أن الله إتخذ له ولداً، لأن الله لم يلد ولم يولد، ولكنها تعني صلة سرية خاصة فريدة بين الله والمسيح ، عبّر عنها المسيح بكلماته:
“كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ” (مت 11 :27).

“قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي” (يو 14 :6).

 

“لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ، لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ” (يو 5 :22 -23).

 

في هذه الكلمات المنيرة تظهر وحدانية الله الجامعة (الآب والإبن والروح القدس).

 

كما يقول يوحنا في غرة إنجيله “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ… وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا … اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ” (يو 1 :1 ،14 ،18).

 

فالمسيح هو ابن الله بمعنى أنه كلمة الله، والكلمةهي الوسيلة التي يعبر بها الشخص عن وجوده، وأفكاره، ويتصل بها مع غيره!

 

وإذا تساءل الإنسان: كيف نعرف الله؟

 

فالجواب السديد على هذا نعرفه إذا نظرنا للمسيح، فهو المكتوب عنه “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا”، فهو “صورة الله غير المنظور”، و “بهاء مجده ورسم جوهره”، وهو الذي أعلن لنا صفات الله، وأظهر لنا بحياته وموته على الصليب مكنونات قلبه ومدى عظمة وإتساع حبه.

 

ومع أن المسيح هو ابن الله، كذلك هو ابن الإنسان، وكما قال عن نفسه إنه ابن الله في قوله “كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ” (مت 11 :27).

 

كذلك أعلن أنه ابن الإنسان في قوله “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” (لو 19 :10).

فهو (ابن الإنسانية) الذي وُلد لكي يُمثل الإنسان، ويشاركه في أتعابه، وضعفه وآلامه، ويُجرب تعبه وحزنه وبكاءه، وهو (ابن الله) الذي جاء لكي يخلص الإنسان!

 

ولماذا كان من الضروري أن يكون فادي البشر ومخلصهم إنساناً وإلهاً في وقت واحد؟!
والجواب على ذلك، ليكون الوسيط بين الله والناس، ويصالح الله مع الناس، وقد أعلن أيوب حاجته لهذا المُصالح بكلماته عن الله :

“لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا” (أي 9 :32 -33).

 

ثم عرف بولس الرسول أن المسيح هو الوسيط الوحيد بين الله والناس، لأنه بلاهوته يقدر أن يتصل بأبيه، وبناسوته يقدر أن يتصل بالناس، فكتب عنه قائلاً :

 

“لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (1تي 2 :5 ).

 

إقرأ أيضاً :

“أَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ، وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا أَجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ. فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ” (كو 1 :19 -22).

 

والفادي يجب أن تتوفر فيه عدة مميزات نذكرها فيما يلي:

 

1- المميز الأول لشخص الفادي هو أن يكون مساوياً لمن يفديهم

 

فالفادي الذي يتصدى لفداء البشر يجب أن يكون إنساناً له جسم من اللحم والدم، وعلى هذا فإن أي ملاك ليس في مقدوره أن يقوم بعملية الفداء، لأن الملاك روح، وهو في مركز يخالف مركز البشر، ولذا فهو لا يستطيع أن يفديهم.

وكذلك الحيوان لا يصلح لفداء البشر، لأنه ليس منهم ولا في درجتهم ولذا فإن دمه لا يرفع خطاياهم كما يقول كاتب العبرانيين :

“لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا. لِذلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا. بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ” (عب 10 :4 -6).

إذاً فلماذا أمر الله بني إسرائيل بتقديم الذبائح الحيوانية للتكفير عن خطاياهم؟

ومع أننا أجبنا على هذا السؤال في فصل سابق إلا أننا نقرر من جديد :

إن الله وهو يتعامل مع شعبه في أيام بدواتهم كان يريد أن يُظهر للناس شناعة الخطية، وعاقبتها المُرة القاسية بوسائل محسوسة تقدر عقولهم البدائية على فهمها وإدراكها، فكان لا بدّ أن يصور لهم الموت، وهو أجرة الخطية بعملية يمكنهم رؤيتها بعيونهم، وفهم فحواها بعقولهم، ففي الذبيحة الحيوانية يُعلن للخاطىء الأثيم ما يستحقه من موت مجسماً من ناحيته الزمنية في ذبح الحيوان.

 

ومن ناحيته الأبدية في حرقه بالنار، فكان الخاطىء في عقليته البدائية يدرك بهذه الكيفية الملموسة أن أجرة الخطية هي موت بالنسبة للحياة الجسدية الأرضية، وحرق في جهنم حيث الدود لا يموت والنار لا تُطفأ بعد الدينونة النهائية، ولكن هذه الذبائح لم يكن لها سلطان البتة أن تنزع الخطايا إذ لم تكن سوى رمزٍ للفادي الآتي الذبح العظيم.

وما دام البشر أنفسهم في حاجة إلى ذبائح للتكفير عنهم، فمعنى هذا ضمناً أن أحداً من البشر لا يستطيع أن يفدي البشرية الساقطة “بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو 3 :22 -23).

“لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 6 :23).

فهل في مقدور من حُكم عليه بالموت أن يفدي شخصاً آخر تحت ذات الحكم؟ وكيف يستطيع المُفلس أن يُسدد ديون المُفلسين؟

إذن فأين نجد الشخص الذي يمكن أن نعتبره من البشر، وفي ذات الوقت يساوي البشر أجمعين ليستطيع أن يقدم ذبيحة كافية عن البشر منذ سقط آدم إلى اليوم الأخير؟

هنا يظهر لنا شخص المسيح في مجده وعظمته، فهو إنسان بإعتباره قد تجسد من مريم العذراء، لأنه “أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ” (في 2 :7 -8).

 

وهو أعظم من البشرية بأسرها بإعتباره خالق البشرية كما يقول عنه يوحنا :

“كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ” (يو 1 : 3 – 4 )

ومن هنا نرى أن هذا المميز قد وُجد في شخص المسيح بإعتباره ( الإنسان) ( وخالق الإنسان) في وقت معاً .

 

2- المميز الثاني لشخص الفادي هو أن يكون خالياً من الخطية

 

لقد رأينا موكب البشرية رازخاً بجميع أفراده تحت وطأة الخطية “إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو 3 :23).

 

لكن الفادي يجب أن يكون شخصاً كاملاً لم يرث الخطية، وليس لها وجود في حياته، وقطعاً لا يستطيع أحد من الأنبياء أوالقديسين أوالبشر العاديين أن يدعي هذا الإدعاء، فداود وهو أحد الأنبياء المُلهمين يقرر هذه الحقيقة :

“هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مز 51 :5).

 

وبولس الرسول يكتب قائلاً :
“مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” (رو 5 :12).

 

ومن هذه الكلمات نرى حقيقة عمومية الخطية، وندرك أن كل بشر يولد وفي قلبه بذرة الشر والعصيان.

لكن شخص المسيح المبارك كان خالياً من الخطية، تؤكد لنا هذه الحقيقة كلمات الملاك ليوسف خطيب مريم حين قال له في الحلم:

“وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت 1 :20). فالمسيح لم يرث خطية الإنسان لأنه لم يُحبل به بإنسان.

 

وعلينا أن نذكر هذه الحقيقة وهي : مع أن المسيح تجسد في صورة بشر، لكن جسده كان مُعداً بترتيب خاص، كما يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين:

“لِذلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا” (عب 10 :5).

وقد كان هذا الجسد هو شبه جسد الخطية ولكنه كان بلا خطية، كما يقول بولس الرسول : “لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ” (رو 8 :3).

 

وقد حُبل بهذا الجسد من الروح القدس “وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت 1 :20).

كما قال جبرائيل الملاك للعذراء “فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ” (لو 1 :35).

 

وكما خُلق آدم الأول خالياً من الخطية كذلك كان لا بدّ أن يُولد آدم الثاني خالياً من الخطية، فالمسيح له المجد “لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ” (عب 7 :26).

لم يرث خطية آدم في جسده كما قال عن نفسه “لاَ أَتَكَلَّمُ أَيْضًا مَعَكُمْ كَثِيرًا، لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ” (يو 14 :30).

 

ولذا فالرسول يكتب عنه قائلاً :

“لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ … فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا” (كو 1 :19 و 2 :9).

فجسد المسيح الكامل المُهيأ، كان هو مسكن اللاهوت عندما جاء ليُصالح البشر ويُوفي قصاص خطاياهم، ولذا فقد كان له من كفايته الشخصية قدرة على فداء البشر أجمعين، وبهذا إستطاع أن يحمل “الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ” (1بط 2 :24).

 

3- المميز الثالث لشخص الفادي هو أن يثبت بالتجربة كماله بعصمته عن الخطية

 

خلق الله آدم الأول في حالة البر والقداسة والكمال، لكن آدم الأول أصغى لصوت حواء، وسقط في الخطية وهكذا أسقط معه الجنس البشري كله بإعتباره رأسه والنائب عنه!

وكان لا بدّ إذاً من وجود شخص خالٍ من الخطية، يثبُت بإلإمتحان أنه معصوم عنها، وقد إنتصر عليها، حتى يستطيع أن يفدي البشر الرازحين تحت سلطانها!

فهل إستطاع نبي من الأنبياء أو رسول من الرسل أن يحيا في عصمة من الخطية طوال حياته؟

الكتاب المقدس يقرر لنا “لأَنَّهُ لاَ إِنْسَانٌ صِدِّيقٌ فِي الأَرْضِ يَعْمَلُ صَلاَحًا وَلاَ يُخْطِئُ” (جا 7 :20).

أما شخص المسيح الكريم فقد قضى حياته كلها دون أن يفعل خطية كما يشهد عنه بطرس الرسول قائلاً : “الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ” (1 بط 2 :22).

 

فقد عاش على أرضنا التي إستشرى فيها وباء الخطية أكثر من ثلاث وثلاثين سنة، وأحاط به الأشرار في كل مكان، فأكل معهم وتحدث إليهم، وجُرب من إبليس في البرية وفوق الصليب لكنه دحر إبليس في كل معركة، ولم يستطع أحد أن يُلوث حياته بمسة من إثم، ولذلك يقول عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين :

“لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ” (عب 4 :15).

 

ويتحدى له المجد الفريسيين الذين كرهوه، وفتحوا عيونهم علّهم يرون في حياته نقطة ضعف، أو لمحة خطيئة قائلاً لهم :

“مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي” (يو 8 :46).

فهل إستطاعوا أن يجدوا فيه شراً ! كلا ! إنهم هربوا من أمام نور وجهه في خوف ورهبة!

 

وبيلاطس الوالي الروماني يقرر عنه هذا التقرير الرسمي الواضح :
“فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ أَيْضًا خَارِجًا وَقَالَ لَهُمْ: هَا أَنَا أُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً” (يو 19 :4).

هو إذاً الظافر المُنتصر، الذي أثبت بالإمتحان الصعب فوزه وإنتصاره، وجاز الإمتحان في نجاح تام عجيب، ولذا فهو وحده الذي يقدر أن يفي العدالة حقها، وأن يُخلص البشر الساقطين ويُعين المُجربين .

 

4– المميز الرابع لشخص الفادي هو أن يكون ملكاً لنفسه حتى يستطيع أن يُقدم نفسه فداء لغيره

 

إن المخلوق هو بطبيعة الحال ملك لخالقه، وبالتالي فهو لا يستطيع أن يتصرف في نفسه كما يشاء لأنه لا يملك نفسه، وكل بشر دب على هذه الأرض هو أحد خلائق الله، فنحن إذاً نحتاج إلى فادِ غير مخلوق ليكون ملكاً لنفسه، ويقدم نفسه لفداء البشرية التي ضلّت سواء السبيل.

لكن كيف يمكن أن يكون المرء إنساناً وغير مخلوق في وقت واحد؟ وأين هو الشخص الإنساني الذي لم يُخلق كسائر البشر لكي يكون ملكاً لنفسه وله سلطان أن يضع نفسه عن البشر أجمعين؟

 

إننا لا نجد في التاريخ شخصاً تنطبق عليه هذه المميزات سوى شخص المسيح، فهو مولود ولكنه غير مخلوق، لأنه لم يأتِ بطريق التناسل الطبيعي، وهو في ذات الوقت الله حامل كل الأشياء بكلمة قدرته “الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي” (عب 1 :3).

 

وقد يعترض معترض بالقول : «إن مجيء الله في صورة إنسان يجعل من الله حادثاً والحادث مخلوق وليس خالقاً»! لكن هذا المعترض ينسى أن الله ظهر في صور شتى لأنبياء القدم، ومع ذلك فلم يُعتبر ظهوره لهم حادثاً ! فقد ظهر الله لموسى في عليقة :

“فَلَمَّا رَأَى الرَّبُّ أَنَّهُ مَالَ لِيَنْظُرَ، نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ وَقَالَ: مُوسَى، مُوسَى!. فَقَالَ: هأَنَذَا” (خر 3 :4 ، سورة طه 20 :9 – 14).

وظهر لمنوح والد شمشون في صورة رجل “فَقَالَ مَنُوحُ لامْرَأَتِهِ: نَمُوتُ مَوْتًا لأَنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا اللهَ” (قض 13 :22).

وظهر كذلك لإبراهيم “وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ” (تك 18 :1).

 

ولم يقل أحد يومئذ أن الله صار حادثاً، لأنه جلّت قدرته قادر على كل شيء، وفي إستطاعته أن يتجسد في صورة بشر وأن يكون في ذات الوقت مالئاً للكون كله، وهذا ما قاله السيد له المجد في حديثه مع نيقوديموس :

“وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ” (يو 3 :13).

 

فبينما كان يتحدث مع نيقوديموس وهو على الأرض قال له إنه أيضاً في السماء، وليس في تجسد الله أي إهدار لكرامته، بل على العكس إن تجسده يُثير الحب في قلوب مخلوقاته، لا سيما عندما يدركون أنه تجسد في سبيل فدائهم، وإظهار حب قلبه لهم.

 

وعلى هذا فإن المسيح الكريم قد تميز بهذا المميز الجليل، فقال عن نفسه :

“لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي” (يو 10 :18)

أجل إنه له المجد، قد قدم نفسه طوعاً وإختياراً، لأنه يملُكها، وليس لأحد آخر سلطان عليه ليأخذها منه، وكان الحب هو دافعه لتقديم نفسه لأجل البشر، ولذا فقد هتف بولس قائلاً :

“مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2 :20).

 

ووضعه مثالاً للمحبة المُضحية أمام المؤمنين في أفسس إذ قال لهم :

“وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً” (أف 5 :2).

وحرض الرجال على محبة زوجاتهم فأعطاهم المسيح كمثال لهذا الحب قائلاً :
“أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا” (أف 5 :25).

 

وتحدث لأهل غلاطية عن غرض تضحية المسيح بالكلمات :

“نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ الآبِ، وَمِنْ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا” (غل 1 :3 ،4).

 

وسجل لتلميذه تيموثاوس هذه العبارات :
“لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ، الشَّهَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ” (1 تي 2 :5 -6).

فأوضح بهذا أن المسيح قد قدم نفسه فدية لأجل خلاص الناس بدافع محبته لهم.

و “لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ” (يو 15 :13)

 

5 المميز الخامس لشخص الفادي هو أن يكون عارفاً بمقدار الإساءة التي أحدثتها الخطية في قلب الله

 

إن إحساس الإنسان بثقل الخطية على ضميره يدفعه إلى التساؤل كيف ينال الغفران، فيضم صوته إلى صوت النبي ميخا حين قال :

“بِمَ أَتَقَدَّمُ إِلَى الرَّبِّ وَأَنْحَنِي لِلإِلهِ الْعَلِيِّ؟ هَلْ أَتَقَدَّمُ بِمُحْرَقَاتٍ، بِعُجُول أَبْنَاءِ سَنَةٍ؟ هَلْ يُسَرُّ الرَّبُّ بِأُلُوفِ الْكِبَاشِ، بِرِبَوَاتِ أَنْهَارِ زَيْتٍ؟ هَلْ أُعْطِي بِكْرِي عَنْ مَعْصِيَتِي، ثَمَرَةَ جَسَدِي عَنْ خَطِيَّةِ نَفْسِي” (مي 6 :6 -7).

وفي تساؤله هذا يشعر يقيناً أن خطاياه أثقل من أن تُغفر بهذه الذبائح والتقدمات، فيقول مع داود وهو يحسّ بوطأة خطاياه : ” لأَنَّكَ لاَ تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلاَّ فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لاَ تَرْضَى” (مز 51 :16).

 

وإذا كان هذا هو شعور الإنسان الساقط بإزاء الخطية، فأي إساءة عظمى أحدثتها الخطية في قلب الله القدوس؟

إن عدم إدراك الإنسان لمقدار الإساءة التي أحدثتها الخطية في قلب الله، يدفعه للإعتقاد بأن في مقدوره أن يَخلُص بأعماله الصالحة! لكن الخطية خاطئة جداً، فهي إهانة بالغة في حق الله، وعصيان سافر لوصاياه، وتمرد عن تعمد وسبق إصرار لمشيئته العليا، وعدم الإهتمام بإحساسات قلبه! ويقيناً أن الأعمال الصالحة لا تستطيع أن تُزيل الإساءة الخطية في قلب الله حتى أننا نقرأ الكلمات :

“فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ” (تك 6 :6).

 

ومعرفة الله القدوس بحقيقة الخطية جعلته يحكم عليها حُكماً صريحاً واضحاً :
” هَا كُلُّ النُّفُوسِ هِيَ لِي. نَفْسُ الأَبِ كَنَفْسِ الابْنِ، كِلاَهُمَا لِي. اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ” (حز 18 :4)

“لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 6 :23).

(فالخطية عقابها الموت في حكم عدالة الله)

 

فأي شيءفي هذا الوجود يُعادل الموت؟ هل يمكن أن نعتبر بناء مستشفى أو التبرع لملجأ للأيتام، أو الصوم أسبوعاً أو شهراً أو سنة، أو دفع الزكاة، أو الصلاة، وسيلة لإلغاء حكم الموت الذي وضعه الله ضد الخطية؟ … يقيناً : لا ، لأن هذه الأعمال الصالحة لا تُساوي (الموت) في مقاييس العدالة الحقيقية!

 

والواقع أن الأعمال الصالحة حينما تؤدى بقصد الخلاص من عقاب الخطية، تُعتبر إهانة كبرى لذات الله، إذ أنها دليل على إعتقاد من يقوم بها بأن في قدرته إزالة الإساءة التي أحدثتها الخطية في قلب الله عن طريق عمل الصالحات، وتأدية بعض الفرائض والصلوات، وكأنه وهو يقوم بهذه الأعمال يُعبر تعبيراً لا إرادياً عن شعوره بأنه غير مرضي عند الله، وبأن الله غاضب عليه، وبأن الوسيلة لنوال رضاه هي أن يُقدم شيئاً من الحسنات حتى يمحو سيئاته وخطاياه وكأن قلب الله لا يتحرك بالحنان، إلا بأعمال الإنسان! وياله من إدعاء شرير مُهين لقداسة الله!

 

ويَنقُض الكتاب المقدس بكلا عهديه مبدأ الخلاص بالأعمال الصالحة من أساسه فيقول أليهو أحد أصحاب أيوب “إِنْ كُنْتَ بَارًّا فَمَاذَا أَعْطَيْتَهُ؟ أَوْ مَاذَا يَأْخُذُهُ مِنْ يَدِكَ؟ لِرَجُل مِثْلِكَ شَرُّكَ، وَلابْنِ آدَمٍ بِرُّكَ” (أي 35 :7 – 8 ).

 

ويقول إشعياء النبي “وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ (أي ثوب قذر) كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا، وَقَدْ ذَبُلْنَا كَوَرَقَةٍ، وَآثَامُنَا كَرِيحٍ تَحْمِلُنَا” (إش 64 :6).

 

ويقول بولس الرسول :

“إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا …لَسْتُ أُبْطِلُ نِعْمَةَ اللهِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِالنَّامُوسِ بِرٌّ، فَالْمَسِيحُ إِذًا مَاتَ بِلاَ سَبَبٍ” (غل 2 :16 ،21).

 

ويؤكد هذا الحق في رسالته إلى رومية قائلاً :

” أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ. وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ، وَلكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا “ (رو 4 :4 ،5)

 

وها نحن نقرأ في إنجيل لوقا :

“وَقَالَ لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ هذَا الْمَثَلَ: إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ. أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هكَذَا: اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلًا: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ. أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ” (لو 18 : 9 -14 ).

 

عن ذلك الفريسي الذي إتكل على أعمال بره، وكان يصوم مرتين في الإسبوع ويدفع عشور كل ما يقتنيه، ويسلك سلوكاً أعلى من سلوك الأشرار في زمانه، ونجد أن الرب قد حكم عليه بالدينونة لأنه إتكل على أعماله الصالحة، وجعلها موضوعاً لفخره في حضرة الله، وطريقاً لنوال عفوه ورضاه مع أن (أجرة الخطية هي موت) وجميع أعمالنا الصالحة لا يمكن أن تعادل الموت أو تساويه.

 

وليس معنى ذلك أن الأعمال الصالحة لا قيمة لها في مكانها، لكنها تُعتبر إهانة لله تبارك إسمه إذا عملناها لنوال عفوه ورضاه، لأن عفوه لا يمكن الحصول عليه بها، إذ أن حكمه الواضح أن “هَا كُلُّ النُّفُوسِ هِيَ لِي. نَفْسُ الأَبِ كَنَفْسِ الابْنِ، كِلاَهُمَا لِي. اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ” (حز 18 :4).

ولا سبيل للنجاة من هذا الحكم إلا بالفداء الذ ي بيسوع المسيح لأنه التدبير الوحيد الذي به يكون الله “لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ” (رو 3 :26).

 

ومع هذا فإن الأعمال الصالحة تُعتبر تعبيراً جميلاً عن إحساسنا بمحبة الله لنا، إذا صدرت عن قلب يعرف فضله عليه، ويشعر بحبه الغامر الذي ظهر على الصليب.

ولقد أدرك داود أن كل عمل صالح ينبغي أن يُقدم لله على إعتبار أنه تعبير عن الإحساس بمحبته ووجوده، لأنه صاحب كل شيء في الوجود
“لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ، وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا” (مز 24 :1).

 

فهو صاحب المال، والصحة، والحياة، ولذا فقد قال بعد أن قدم لإلهه مبلغاً ضخماً من المال لبناء هيكله “وَلكِنْ مَنْ أَنَا، وَمَنْ هُوَ شَعْبِي حَتَّى نَسْتَطِيعَ أَنْ نَنْتَدِبَ هكَذَا؟ لأَنَّ مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ… أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُنَا، كُلُّ هذِهِ الثَّرْوَةِ الَّتِي هَيَّأْنَاهَا لِنَبْنِيَ لَكَ بَيْتًا لاسْمِ قُدْسِكَ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ يَدِكَ، وَلَكَ الْكُلُّ” (1 أخ 29 : 14 ،16).

 

وعلى هذا فإننا نستطيع القول بأن الأعمال الصالحة هي تعبير عن شكرنا لله، وإدراكنا لمحبته العظمى التي ظهرت في الصليب كما يقول بولس الرسول :
“لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا” (أف 2 :8 -10).

 

إذاَ ففي مقدورنا أن نقرر بأن أعمالنا، وصلاحنا، وذبائحنا، وعطايانا، كل هذه لا تستطيع أن تُغطي الإساءة التي أحدثتها الخطية في قلب الله! فمن ذا الذي يستطيع أن يدرك مدى هذه الإساءة حتى يقدر أن يوفي عقابها؟

يُجيبنا المسيح قائلاً :

“كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ” (مت 11 :27).

أجل! فحتى الملائكة وهم أقرب مخلوقات الله إليه لا يدركون حقيقة الإحساسات الموجودة في قلب الله تبارك وتعالى، وعلى هذا فلن نجد شخصاً يستطيع إدراك مقدار الإساءة التي أحدثتها الخطية في قلب الله الرقيق القدوس إلا المسيح ابن الله، وقد قلنا إنه من المميزات الضرورية لشخص الفادي إدراكه مقدار الإساءة ليعوّض عنها التعويض اللازم عمّا يحس به الله بإزاء شناعة الخطية، والمسيح عرف مقدار هذه الإساءة وغطاها بموته على الصليب.

 

وعلى هذا فقد جاء المسيح بإدراك كلي لتأثيرات الخطية على قلب الله جل وعلا، ودفع الأجرة كاملة، فكان هو حمل الله الذي وُضع عليه إثم جميعنا، والذي رفع خطية العالم، وفي سبيل ذلك، تحمل الحزن الشديد، وتُرك مُعلقاً وحده على الصليب بين السماء والأرض تكتنفه قوات الظلام، وحجب الآب وجهه عنه، ليشرب كأس عقاب الخطية حتى الموت.

 

6- المميز السادس لشخص الفادي هو أن يكون ذا قدرة فائقة حتى يستطيع إحتمال عقاب خطايا البشرية كلها

 

كان العقاب الذي حكم به الله على آدم أبي البشر يتركز في :
(اللعنة) “مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ”، و(التعب) “بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ” و (الشوك) ” وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ” والعرق والجهاد “بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا” وأخيراً الموت ” حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا”

“وَقَالَ لآدَمَ: لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ” (تك 3 :17 -19).

وكان لا بدّ أن يكون الشخص الذي يقوم بعملية الفداء، قادراً على إحتمال هذا العقاب، لا لأجل خطية آدم وحده بل لأجل خطايا البشرية كلها.

فأين هو ذلك الشخص الذي يستطيع أن يحتمل عقاب خطية نفسه حتى يكون في مقدوره أن يحتمل عقاب خطايا البشرية!

لقد أحس داود بثقل خطاياه فصرخ قائلاً :
“لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي. كَحِمْل ثَقِيل أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ” (مز 38 :4).

 

وصرخ قايين وهو يشعر بعظم خطيته قائلاً :
“فَقَالَ قَايِينُ لِلرَّبِّ: ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ” (تك 4 :13).

 

إذاً أين هو صاحب القدرة ليحتمل عقاب خطايا البشرية وأوزارها التي إنقضت ظهرها؟ يقيناً أن هذا الشخص هو المسيح الكريم الذي قال عنه إشعياء :

“هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ، يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا” (إش 52 :13)

 

والذي قال عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين إنه
“الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي” (عب 1 :3).

 

ومع هذا كله رضي طائعاً أن يحمل في جسده عقاب خطايانا حتى وصفه إشعياء قائلاً :
“هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ، يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدًّا. كَمَا انْدَهَشَ مِنْكَ كَثِيرُونَ. كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَدًا أَكْثَرَ مِنَ الرَّجُلِ، وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ …. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ” (إش 52 :13 ،14 و 53 : 3 -7).

 

لقد إحتمل رب المجد عقاب خطية آدم، بل عقاب خطايا الأجيال المُتعاقبة منذ آدم إلى اليوم الأخير، ذلك لأن الله في وجوده المطلق، ومعرفته المطلقة عنده الماضي والحاضر والمستقبل في لوح مفتوح ولا فرق عنده بين زمان وزمان، وبهذه المعرفة المطلقة وضع خطايا البشرية على المسيح بديل البشرية، ويالها من خطايا قذرة، سوداء، كريهة شنيعة، وُضعت كلها في حزمة واحدة على ذلك الحمل البار، حتى أنه صار ( خطية لأجلنا)، وانصبَ على شخصه الكريم غضب الله العادل البار القدوس.

 

ومن يتتبع قصة الصليب يلاحظ أن المسيح قد إحتمل حكم الخطية بكل محتوياته، فإحتمل (اللعنة) لأنه مات على الصليب ومكتوب :
“اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ” (غل 3 :13)

وإحتمل (التعب والعرق) فنقرأ عنه وهو في بستان جثسيماني أنه :
“وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ” (لو 22 :44).

وإحتمل وخز الشوك في جبينه الكريم إذ “وَضَفَرَ الْعَسْكَرُ إِكْلِيلًا مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَلْبَسُوهُ ثَوْبَ أُرْجُوَانٍ” (يو 19 :2).

 

ثم شرب كأس الموت بعد أن أتم خلاص الإنسان إذ “قَالَ: قَدْ أُكْمِلَ. وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ” (يو 19 :30).

 

إحتمل كل هذا في جسده بقدرة فائقة، لأنه كان الإنسان الكامل الذي جاء ليفدي الإنسان الساقط ويحمل عقاب خطايا البشر الآثمين.

 

7- المميز السابع لشخص الفادي هو أن يكون قادراً على خلق طبيعة جديدة في البشر تجعلهم أهلاً للإقتراب من محضر الله القدوس

 

إن الفداء الحقيقي لا يتم إلا بخلق طبيعة جديدة في الخاطىء، ليستطيع بها الإقتراب إلى الله، لأنه عندئذ يكون في توافق تام مع إلهه! ومن ذا الذي يستطيع أن يُعطي للإنسان الممتليء بالعداوة لله طبيعة جديدة تحب الله، وأن يكسو عُريَه الروحي، وأن يعيده إلى حضرة خالقه وقد إكتسى برداء بر جديد؟

 

إن الله وحده هو القادر على خلق الطبيعة الجديدة في الإنسان، ولأن الله كان في المسيح مُصالحاً العالم لنفسه، لذلك فالمسيح يقدر أن يغير طبيعة الإنسان وهذا ما قاله بولس الرسول:
“إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا” (2 كو 5 :17).

ويقيناً أن المسيح قد غيّر طبيعة كل خاطىء آمن به، وإلتجأ إليه، فغيّر حياة السامرية النجسة وجعل منها إمرأة قدّيسة، وغيّر حياة زكا الطماع مُحب المال وجعله إنساناً جديداً يُضحي بالمال في سبيل حبه لله، وغيّر حياة مريم المجدلية التي كان جسدها مسكناً للشياطين، فجعلها رسولة الرسل، وبشيرة البشيرين! وما زال يسوع المسيح يُغيّر بقوة دم الصليب حياة الكثيرين، ويُلبسهم رداء نقياً بهياً من نسيج بره الكامل، وفدائه العظيم.

 

فهل رأينا الأسباب التي توضح لنا ضرورة أن يكون الفادي إنساناً وإلهاً في وقت واحد، إننا إذا وضعنا هذه الحقيقة في أذهاننا سهل علينا جداً أن نفسر الكلمات السبع التي نطق بها السيد المسيح وهو على الصليب.

فهو بحق دمه المسفوك، وكرئيس الكهنة الأعظم يُصلي لأجل صالبيه وقاتليه:
“فَقَالَ يَسُوعُ: يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ. وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا” (لو 23 :34).

فيُرينا أن الذين سفكوا دمه نالوا الغفران بذات الدم.

وهو بحق هذا الدم أيضاً يلتفت إلى اللص الذي قال له : ” ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ” (لو 23 :42).

فيمنحه رجاء بساماً ويرد على إيمانه بلاهوته رداً يُصادق على هذا الإيمان فيقول له:
” فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو 23 :43).

 

وهو في إنسانيته الكاملة الرقيقة يهتم بشئون مريم أمه المتألمة ويطلب من يوحنا أن يرعاها قائلاً لها : ” فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ: يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ. ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: هُوَذَا أُمُّكَ. وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ” (يو 19 :26 ،27).

 

وهو بذات هذه الإنسانية التي مَثْل فيها البشرية، إحتمل عقاب الله المنصب على الخطية، ولأنه صار (خطية) لأجلنا حجب الله وجهه عنه لأن عينيه أطهر من أن تنظرا الخطية، ولكي يُرينا المسيح مدى ما فعلته الخطية صرخ المسيح الإنسان، ممثل الإنسانية وهو في عمق آلامه، لُيظهر للبشر فظاعة خطاياهم، وموقف الله العادل من هذه الخطايا قائلاً :
“وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟ أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي” (مت 27 :46).

 

لا يفوتنا أن نذكر أنه قبل أن ينطق المسيح بهذه الكلمة التي أعلنت عظم آلامه، وشدة سخط الله على الخطية حدث حادث خارق إذ أظلمت الشمس في الظهيرة
“وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ” (مت 27 :45).

 

وظلت في ظلامها ثلاث ساعات كاملة، وأثبت رجال الفلك أن هذا الظلام لم يكن كسوفاً حدث في الشمس لأن الصَلب وقع يوم أربعاء في زمان عيد فصح اليهود، تلك حقيقة تاريخية، وعليه فقد كان القمر بدراً كاملاً إذ ذاك طبقاً للنظام الديني المقرر عند اليهود في تعيين يوم العيد. إذ كانوا يحسبون السنين في ذلك العهد بالشهور القمرية ويوجبون في الوقت نفسه أن يكون الفصح في تاريخ يتفق وبعض مواعيد السنة الشمسية فلا يكون بعيداً عن ميعاد الإعتدال الربيعي ليتمكنوا أيضاً أن يقدموا بواكير الغلات لله طبقاً لما هو مقرر في التوراة، ولأجل ذلك كان من المقرر أن يكون الفصح عند إكتمال بدر نيسان القمري وهو يتفق في بعضه وشهر أبريل الشمسي، وهم لشدة حرصهم على ذلك تدقيقاً في ما يوجبه الناموس كانوا يضيفون من حين إلى آخر شهراً إلى السنة القمرية يكون الثالث عشر فيها فيسمونه (واذار) بواو العطف، أي آذار الثاني، لأن شهر آذار القمري كان يليه مباشرة شهر نيسان وهو شهر عيد الفصح، فيصلحون بذلك الفرق بين السنة الشمسية والسنة القمرية (وهو 11 يوماً تقريباً) ويردون الفصح إلى التاريخ الذي يتفق والإعتدال الربيعي ويتمكنون فيه من تقديم البواكير.

 

وعلى ذلك يتضح جلياً أن القمر كان في يوم الصلب بدراً كاملاً فيستحيل بموجب النواميس الطبيعية حدوث كسوف إذ ذاك لأن الكسوف لا يمكن حدوثه إلا في فترة المحاق عند نهاية الشهر القمري إذ يكون القمر والحالة هذه ما بين الأرض والشمس في الفلك فإذا كانت عند ذاك مراكز كرات هذه الأجرام الثلاثة على خط مستقيم واحد ( أي في حالة معينة من بُعد القمر عن الأرض) حدث الكسوف التام الذي ترافقه الظلمة عند إحتجاب قرص الشمس تماماً، وعلى هذا فحدوث الظلام في يوم الصلب لا يمكن أن يكون إلا من خوارق الطبيعة بقدرة إلهية، لكي تتم عاموس القائلة:
“وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، أَنِّي أُغَيِّبُ الشَّمْسَ فِي الظُّهْرِ، وَأُقْتِمُ الأَرْضَ فِي يَوْمِ نُورٍ” (عا 8 :9).

 

لماذا حدث هذا ؟ ليُعلن الله غضبه على الخطية التي شوهت أجمل مخلوقاته وهو الإنسان، والتي عذبت وصلبت إبنه الوحيد على الصليب!

 

ونتقدم الآن من مشهد الصلب المؤلم لنسمع الكلمة الخامسة التي نطق بها يسوع المصلوب قائلاً :
“بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: أَنَا عَطْشَانُ” (يو 19 :28).

 

وهذه الكلمة تُرينا إنسانية يسوع الكاملة المتألمة، لقد نزف دمه. وفي الدم كمية كبيرة من الماء، ولذا فقد أحس بالعطش المُحرق، وهو خالق الأنهار وقال ” أَنَا عَطْشَانُ”.

 

ولكن هل كانت هذه الكلمة آخر كلماته؟ كلا! فقد نطق بكلمة سادسة، قائلاً “قد أكمل” وهكذا أعلن أن تدبير الفداء قد تم في كمال لا يشوبه نقص، فكل النبوات القديمة الخاصة بالمسيا المنتظر قد أُكملت، وكل مطاليب الناموس قد أُكملت، وكل الآلام التي كان على المسيح أن يتحملها نتيجة خطايا البشر قد أُكملت ، وكل رمز في العهد القديم قد أُكمل، وكل ما كَلفته به محبته للبشر قد أُكمل، وكل إنتظارات الناس فيه قد أُكملت، وكل برنامج رسالته قد أُكمل وكل حكم أصدرته عدالة الله قد أُكمل. أجل! لقد أكمل المسيح المصلوب كل شيء وليس على الخطاة إلا أن يقبلوا بإيمان وثقة بركات هذا العمل الكامل التام لينالوا الخلاص.

 

أخيراً إختتم المسيح المصلوب كلماته، صارخاً بصوت عظيم “وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي. وَلَمَّا قَالَ هذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ” (لو 23 :46) وهكذا تمت كلماته القائلة “لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي” (يو 10 :18).

 

والكلمات السبع التي نطق بها المسيح وهو على الصليب تؤكد تأكيداً قاطعاً أن المسيح ابن الله هوالذي صُلب وليس شخصاً شبيهاً به.

 

لقد تألم المسيح آلاماً مُبرحة على الصليب في جسده ونفسه، وطمت عليه كل التيارات واللجج، ولكن يجب أن نفهم أن هذه الآلام لم تقع على اللاهوت بل على الناسوت أي على ماهو بشري في المسيح، إذ أن اللاهوت لا يتاثر بما يؤثر في الجسد البشري وهو وحده الذي له عدم الموت، ولذلك فنحن نقرر أن التجسد لم يُنقص اللاهوت ولا جزَّأه، ولا خلطه، ولا أثر فيه بأي حال، أو من أي وجه كما أن آشعة الشمس لا تتأثر بالمكان الذي تضيئه على الإطلاق!

 

وقد أكد بطرس في كتاباته أن يسوع المسيح حمل خطايانا في جسده على الصليب فقال : “فَإِذْ قَدْ تَأَلَّمَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا بِالْجَسَدِ، تَسَلَّحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهذِهِ النِّيَّةِ. فَإِنَّ مَنْ تَأَلَّمَ فِي الْجَسَدِ، كُفَّ عَنِ الْخَطِيَّةِ” (1بط 4 :1).

 

“فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ” (1بط 3 :18).

“الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ” (1بط 2 :24).

 

وهذا هو ما علم به بولس أيضاً قائلاً :
“لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ” (رو 8 :3).

 

ولكن هل معنى هذا أن الآب لم يشعر بآلام الابن؟ لقد كانت آلام الابن كفارية لأجل الخطية، ولكننا إذ نفكر في مشاعر الآب الحنون، نحس بأن القلم يتوقف في خشوع، فذاك الذي لما رأى شر الإنسان (حزن وتأسف في قلبه) وذاك الذي قيل عنه في سفر إشعياء :
“فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ. بِمَحَبَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ هُوَ فَكَّهُمْ وَرَفَعَهُمْ وَحَمَلَهُمْ كُلَّ الأَيَّامِ الْقَدِيمَةِ” (إش 63 :9) هل يمكن أنه لم يحس بآلام ابن مسرته وهو على الصليب ؟!

 

يقيناً أن وحدانية الله الجامعة تظهر في عملية الفداء، فالآب أحب العالم حتى بذل الابن، والابن قد رضي طائعاً أن يقوم بعمل الفداء، والروح القدس قد إشترك في تقديم ذبيحة الصليب وأعلن مجد هذا الفداء العجيب.

“لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ” (عب 9 : 13 -14).

 

وكما نقرأ “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 :16)

كذلك نقرأ “وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً” (أف 5 :2).

ونقرأ أيضاً “فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ” (عب 9 :14).

 

وهكذا نرى وحدانية الله الجامعة في عمل الفداء العظيم. فهل يمكن أن يرى الإنسان المفدي كل هذه الحقائق، ولا يرفع صوته مُرنماً ومُردداً :

 

-1-
خلني قرب الصليب                 حيث سال المجرى
          من دم الفادي الحبيب                   داءُ نـــــــفــســـــي يـــــــبـــــــرأ
في الصليب في الصليب                 راحـــتي بـــــــل فـــخري
في حــــــــياتــــــــي وكـــــــــــذا     بعد دفن القــــــــــبـــــــر

 

-2-
         قد محا فوق الصليب                    دم ربـــــــــي إثــــــــــــــمــــــي
وعن القلب الكئيب                       زال كــــــــــل الـــــــهـــــــم

 

-3-
قد رأينا في الصليب                      قــــــــوة الرحــــــــمــــــــــان
إذ بـــــــــــــدا أمر عجيب                   فــــــــديــــــــة لـلــــــــجــــاني

 

-4-
من قضى فوق الصليب                   ذاك جــــل القصد              
ســـــــــــــــأراه عن قــــــريب            آتــــــــــيــــــــــــــــاً بالمجد

 

 

أجل. فإن المسيح الذي مات لأجلنا على الصليب سيأتي ثانية في مجد وجلال، ويقرر هذا الحق كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً :
“هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ” (عب 9 :28).

 

والخلاص المذكورفي هذه الآية هو الخلاص من جسد الخطية. يقيناً أن المسيح آتٍ وكأني أسمع صوته يردد عبر الأجيال قائلاً :

«أنا ابن الله ولكنني ظهرت في جسد البشر لأتألم حتى الموت عن الخطايا. ولكني في الوقت نفسه متصل بالسماء الني منها جئت، يحل فيَ كل ملء اللاهوت وبذا أستطيع أن أغفر الخطايا»

“وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا. حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ” (مت 9 :6).

 

ولكن بشريتي لا تنتهي بإجتيازي الأدوار الأخيرة التي أشرت إليها من ألم وموت أُقاسيهما في سبيل خلاص الإنسان وتتميم عملي بل سأقوم وآخذها معي إلى السماء التي منها سأعود لأتمم للمؤمنين بي ما أعدّته محبة الآب لهم، كما قال يوحنا الرسول :
“كَانَ إِنْسَانٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ اسْمُهُ نِيقُودِيمُوسُ، رَئِيسٌ لِلْيَهُودِ. هذَا جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلًا وَقَالَ لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ. أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ” (1يو 3 :1 -3).

هذا هو المسيح المصلوب، الذي يملأ حياة كل إنسان يؤمن به بالرجاء اللامع البسام!

 

 

مَعَ الْمَسِيحِ

 

صُلِبْتُ 

 

فَأَحْيَا

 

  لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ

غلا 2 : 20

 

الفصل الخامس

 

الصليب في الحياة العملية

 

كان بولس الرسول يهودياً متعصباً، يكره المسيح المصلوب، ويُذيق أتباعه أشد أنواع العذاب، إلى أن أشرق عليه نوره وسمع صوته يناديه من السماء: “فَسَقَطْتُ عَلَى الأَرْضِ، وَسَمِعْتُ صَوْتًا قَائِلًا لِي: شَاوُلُ، شَاوُلُ،! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ فَأَجَبْتُ: مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ لِي: أَنَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ” (أع 22 :7 -8).

 

وتجدد شاول الطرسوسي الذي كان مُجدفاً ومُضطهداً ومُفترياً، وسمي بعدئذ بإسم (بولس)، وأحب بولس المسيح الذي خلَّصه، أحبه من قلبه، وملك هذا الحب كيانه ومشاعره وكل عاطفة تتحرك في داخله، فصار داعية الصليب الأول، وكتب إلى كورنثوس مدينة العلم، والرقي، والخطية يقول :
“لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا” (1كو2 :2).

وسجل بحروف ضخمة في رسالته إلى أهل غلاطية كلماته الخالدة :
“وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ” (غل 6 :14).

 

فلماذا إفتخر بولس بالصليب بعد أن كان عدوه اللدود ؟ لقد رأى بولس في الصليب قوة الله وحكمة الله، قوّة الله التي إنتصر بها على الشيطان، والموت، والخطية، وحكمة الله التي وفّقت بين عدله ورحمته، ولذلك فقد جعل الصليب رسالته الوحيدة العظمى وكتب عن ذلك قائلاً :
“وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ” (1كو 1 :23 -24).

 

لكنه مع ذلك رأى في الصليب كل شيء في حياة المؤمن، فهو أساس غفران خطاياه وأساس سلامه مع الله، وأساس إعتزاله عن العالم، وأساسا إحتماله للآلام، أو كما قال فيه أحد القديسين «إن صليب المسيح هو أخف حمل أحمله على كتفي، إنه كثقل الأجنحة للطائر، يسمو بي إلى آفاق اعلى، وكثقل الشراع للسفينة، يدفعني إلى مرفأ الأمان» وكل هذه النواحي دفعت بولس للإفتخار بالصليب.

 

ويجدر بنا أن نلفت النظر هنا، إلى أننا عندما نتحدث عن الصليب، لا نتحدث عن قطعة من الخشب أو من الذهب، وإنما نتحدث عن ذلك الشخص المبارك الذي صُلب على الصليب، نحن لا نتحدث عن شيء بل عن شخص، فالمسيح المصلوب هو سر بركة العالم المسكين … وللأسف كثيرين من المسيحيين قد أهملوا قوة الصليب، تماماً كما أهمل العبرانيون السيف الذي قتل به داود جليات، وكل ما فعلوه أنهم وضعوه وراء الأفود، فدعونا نأخذ هذا السيف من جديد ونرى مدى تأثيره المبارك في الحياة العملية.

 

1- الصليب هو أساس الغفران والتبرير

 

فإذا سأل أحدهم كيف أنال الغفران؟ وكيف أتبرر عند الله؟ أجابه بولس الرسول قائلاً :
“الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أف 1: 7)

“فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ” (رو 5 :9).

 

فدم يسوع المسيح المهراق على الصليب هو الوسيلة الوحيدة للغفران والتبرير لأنه
“وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” (عب 9 :22).

 

والدم يعني ( الموت والحياة) و (الموت) هو قصاص الخطية، و (الحياة) تُعطى لنا عن طريق الدم “لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ” (لا 17 :11).

 

ومن العجيب أن الدم ولو سُفك فإنه يعتبر حياً، لذلك يقول الله لقايين بعد سفكه دم أخيه
“فَقَالَ: مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ” ( تك 4 :10).

 

ونقرأ في رسالة العبرانيين :
“وَإِلَى وَسِيطِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، يَسُوعَ، وَإِلَى دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ” (عب 12 :24).

 

وهذا يُرينا أنه مع أن الدم يمثل الموت فهو كذلك وسيلة الحياة الأسمى.
وهذا الفكر المزدوج يظهر واضحاً في الذبيحة اليهودية. فكان اليهودي يأتي بالذبيحة إلى الدار الخارجية من خيمة الإجتماع، وهو بنفسه – لا الكاهن – يذبحها.
وبعمله هذا كأنه يعترف بإثمه الخاص وبإستحقاقه القصاص موتاً، هذا هو الوجه الأول للذبيحة أما الوجه الثاني فنرى فيه الكاهن كنائب عن الله يأخذ دم الذبيحة ويرشه على المذبح مُعلناً أن الحياة قد قُدمت إلى الله.

 

وقد تم هذا كله في المسيح، فدم المسيح المصلوب يعني هذين الفكرين (موته) و (حياته) ففي يوم الكفارة كانت الذبيحة تُنحر في الدار الخارجية وهذا معناه (الموت) ثم كان رئيس الكهنة يأخذ الدم ويجتاز به إلى قدس الأقداس ويرشه على عرش الرحمة وهذا معناه (الحياة) وعلى هذا فينبغي أن لا ننظر فقط إلى موت المسيح بل إلى قيامته وصعوده كجزء جوهري من عمل الفداء لأنه “الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا” (رو 4 :25).

 

فالدم الذي هو الموت، والقيامة التي هي الحياة، والصعود الذي هو الخلود كتلة واحدة في عملية الكفارة.
فيقول المسيح في “لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا” (مت 26 :28).

 

ونقرأ “وَإِلهُ السَّلاَمِ الَّذِي أَقَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ، رَبَّنَا يَسُوعَ، بِدَمِ الْعَهْدِ الأَبَدِيِّ” (عب 13 :20) وهذا هو الدم والقيامة.

 

وفي “وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا … لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ الْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ إِلَى السَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ الآنَ أَمَامَ وَجْهِ اللهِ لأَجْلِنَا” (عب 9 : 12 ،24). وهذا هو الدم والصعود.

 

وعلى هذا فنحن نرى في دم يسوع المسيح، الموت لأجلنا، والحياة لأجلنا كما هو ظاهر في صلبه وقيامته وصعوده.

 

فدم يسوع هو أساس غفران خطايانا، بل أساس فدائنا، وتبريرنا، لذلك إذ أشرق هذا الحق أمام عيني الأسقف (لانسيلوت أندروز) ركع عند الصليب قائلاً :

«بعرقك الدامي المتجمد، ونفسك الحزينة المتألمة، برأسك المكلل بالشوك، بعينيك المتدفقتين بالدموع، وأذنيك الممتلئتين بالسباب، بفمك المبلل بالخل والمر، ووجهك المُلطخ بالبصاق، برقبتك المُنحنية من حمل الصليب. وظهرك المُمزق بالجلدات، بيديك المثقوبتين وقدميك. بصرختك الحادة إلهي إلهي، وقلبك المطعون بالحربة، بالدم والماء الجاريين من جنبك بجسمك المكسور ودمك المسفوك. إغفر سيدي آثام عبدك واستر جميع خطاياه».

 

حدثنا خادم جليل من خدام الله كان قد عُهد إليه أن يهتم بالأمور الروحية لمجرمي الحرب الأخيرة من زعماء النازيين عن قوة دم المسيح للغفران حتى لأفظع المجرمين قال «في سنة 1945 عبرنا المانش إلى فرنسا وفي 15 يوليو من تلك السنة كنا في ألمانيا، وبعد شهور قليلة عهد إليَّ برعاية الحالة الروحية لزعماء النازيين المسجونين رهن المحاكمة في نور نبرج.

 

وقبل أن أبدأ زياراتي لهؤلاء المجرمين في زنزاناتهم سألت نفسي هذا السؤال: أينبغي إليَّ أن أسلّم على هؤلاء الرجال الذين جروا الدمار والخراب على العالم، وجلبوا الويلات والآلام على الناس، وأزهقوا ملايين النفوس؟ أينبغي أن أسلّم عليهم وولديا قد ذهبا ضحية أفعالهم الشريرة؟. وماذا أنا فاعل إزاءهم حتى يمكنهم أن يشعروا بحاجتهم إلى قبول كلمة الله؟.

 

وأول ما فعلت دخلت ( زنزانة) المارشال (جورنج) فوقف وأدى التحية العسكرية ومد لي يده، وبعدئذ زرتهم واحداً بعد الآخر زيارة قصيرة وكان ذلك في العشرين من نوفمبر قبيل المحاكمة، وقضيت تلك الليلة في الصلاة طالباً من الله أن يُعطيني رسالة لهم.

 

ومن تلك اللحظة أعطاني الله نعمة إقتفاء آثار خطوات الرب يسوع في أن أكره الخطية لكن أحب الخطاة. ورأيت أن هؤلاء الرجال يجب أن يسمعوا أشياء عن المخلص الذي تألم ومات على الصليب لأجلهم.

 

كانوا واحداً وعشرين مسجوناً، أربعة منهم كاثوليك وثلاثة عشر بروتستانت، أما ستريشر، ويودل، وهيس، وروز نبرج فلم يهتموا بسماع أية خدمة.

 

أما الكاثوليك فكانوا فرانك، وسايس انكورات، وكالتنبرونر، وفون بابن.
والبروتستانت كانوا : كيتل، وفون رنتروب، ورايدر، وفون نوارت، وسبير، وشاخت، وفريك، وفونك وفريتش، وفون شيراش، وسوكل، وجورنج.

 

وجرت عادتنا أن نرنم ثلاث ترنيمات ونقرأ فصولاً من الكلمة، ثم ألقي رسالة قصيرة، ونختم بالصلاة، وكان سوكل أول واحد بينهم فتح قلبه لقبول كلمة الله، وقد كان أباً لعشرة أطفال، وكانت زوجته مسيحية مؤمنة، وبعد زيارات قليلة له كنا نركع سوياً عند سريره، وكان يصلي صلاة العشار قائلاً : “اللهم إرحمني أنا الخاطىء” وأنا أعرف أنه كان صادقاً!.

 

كذلك عمل الله بقوة في فريتش، وفون شيراش وسبير لأنهم في تأثر عميق طلبوا الإشتراك في مائدة الرب، ورايدر كان غيوراً ومجتهداً في قراءة الكلمة وكثيراً ما كان يلقاني متسائلاً عن معاني عبارات عسرة الفهم كما طلب الإشتراك في المائدة معنا.

 

ثم صدر حكم المحكمة وهو يقضي بالإعدام شنقاً على كل من جورنج، وفون ربنتروب، وكيتل، وكالتنبرونر، وروز نبرج، وفرانك، وفريك، وستريشر، وسوكل، ويودل، وسايس انكوارت.

 

وبالسجن مدى الحياة على هيس، وفونك، ورايدر.
وبالسجن عشرين عاماً على فون شيراش، وسبير.
وبالسجن خمسة عشر عاماً على فون نويرات، وعشر سنوات على دونيتز، وبراءة كل من شاخت، وفون باين، وفريتش.

 

وبعد الحكم حتى يوم التنفيذ كنت ملازماً للمحكوم عليهم أغلب الوقت، وقد سُمحَ للمحكوم عليهم أن يروا زوجاتهم مرة واحدة فقط، وكان اللقاء مُحزناً للغاية، ولقد سمعت فون ربنتروب يطلب إلى زوجته أن تعاهده على تربية أطفالهما في خوف الرب!

 

وسوكل طلب من زوجته أن تتعهد بتربية أولاده في ظل الصليب، أما جورنج فسأل زوجته عما قالته إبنته الصغيرة (إيلدا) عندما سمعت منطوق الحكم عليه، فقالت له زوجته إن (إيدا) قالت : «أرجو أن أرى أبي في السماء» فتأثر من هذه العبارة تأثراً شديداً ولأول مرة رأيته يبكي.

 

وليلاً ونهاراً كنت أقضي الوقت مع أولئك الذين سلموا حياتهم لله، وكنت أزور بعضهم خمس مرات يومياً، وكان كيتل يتأثر جداً من العبارات التي تتكلم عن قوة دم المسيح للغفران، وكان يردد الآية القائلة :
“وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ” (1يو 1 :7).

 

وفي ليلة تنفيذ الحكم تقابلت مع جورنج ومكثت معه وقتاً طويلاً ، وكلمته كثيراً عن لزوم إستعداده لملاقاة الله، فكان يهزأ ببعض حقائق الإنجيل، ورفض أن يصدق أن المسيح مات لأجل الخطاة وكان يقول «الموت هو الموت» فذكرته بما قالته إبنته الصغيرة وبرجائها في أن ترى أباها في السماء فقال :«هي تؤمن على طريقتها وأنا على طريقتي» فتركته … وبعد ساعة تقريباً سمعت أصواتاً عالية وكثيرة وعرفت أن جورنج إنتحر، فدخلت زنزانته وكان نبضه لا يزال مستمراً فسألته ولكنه لم يجب وكانت على صدره أنبوبة زجاجية فارغة.

 

لقد ذهب إلى نهايته المخيفة …. واقتربت ساعة التنفيذ، وقبل أن يتقدم (فون ربنتروب) للمقصلة قال إنه يضع كل ثقته في دم المسيح الذي يرفع خطية العالم!

 

ثم صدر إليه الأمر أن يتقدم إلى غرفة الإعدام فتقدم ويداه مربوطتان وصعد إلى المقصلة ورفعت أنا قلبي بصلاة قصيرة ولم أره بعد ذلك.

 

وتبعه (كيتل) وكان واثقاً في قوة الدم للغفران، وتقدم (سوكل) بعد أن ودع زوجته وأولاده وصلى صلاة قصيرة.

أما روز نبرج فقد رفض أية مساعدة روحية، ولما سألته هل أصلي من أجله؟ قال: «كلا شكراً » لقد عاش ومات بلا مخلص.
وهكذا إنطلق من آمن في قوة الدم الغافرة في ملء الإطمئنان!

 

2- الصليب هو أساس السلام مع الله

 

سألت سيدة أحد الشبان، هل صنعت سلامك مع الله ؟ فأجاب كلا ياسيدتي!
قالت: وهلى تريد أن تصنع سلامك مع الله؟ فأجاب : كلا يا سيدتي! ولمارأى دهشتها التفت إليها قائلاً : ليس في مقدور أحد أن يصنع سلامه مع الله، لكن الرب يسوع قد صنع سلامي مع الله بالصليب، ولذلك فأنا أقول مع بولس:
” فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو5 :1).

 

أجل، إن جراحات الصليب هي أساس سلامنا مع الله، وهذا الحق واضح في إنجيل يوحنا إذ نقرأ “وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ! وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ” ( يو 20 :19 -20)

 

فضمان سلامنا مع الله هو جراحات فادينا “لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ” (أف 2 :14).

 

3– الصليب هو دافع التكريس لله

 

إذ أراد بولس أن يحرك الكورنثيين لتسليم حياتهم بالكامل للرب، لم يجد دافعاً أقوى من الصليب فكتب لهم قائلاً :
“أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيِ للهِ” (1كو 6 :19 -20).

 

ثم عاد يكتب لهم في رسالته الثانية فقال :
“لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ” (2 كو 5 :14 -15).

 

فالصليب يدفع المؤمن للحياة لمن مات لأجله وقام لأنه يشعر أن محبة المسيح تحصره فلا يستطيع إلا أن يكرس نفسه له ليرد صدى هذه المحبة الغامرة … ونجد في سفر اللاويين صورة واضحة للتكريس بالدم إذ نقرأ :
“ثُمَّ قَدَّمَ الْكَبْشَ الثَّانِي، كَبْشَ الْمَلْءِ، فَوَضَعَ هَارُونُ وَبَنُوهُ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِ الْكَبْشِ. فَذَبَحَهُ، وَأَخَذَ مُوسَى مِنْ دَمِهِ وَجَعَلَ عَلَى شَحْمَةِ أُذُنِ هَارُونَ الْيُمْنَى، وَعَلَى إِبْهَامِ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَعَلَى إِبْهَامِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى” (لا 8 :22 ،23).

 

فما معنى وضع الدم على الأذن واليد والقدم؟! معناه أن الأذن تسمع وتعرف صوت الله، وأن اليد تعمل لخدمة الله، وأن القدم تسير في طريق الله، وهكذا يصبح الإنسان كله مُكرساً لله! وهذا هو ما يفعله دم الصليب المرشوش على المؤمنين.

 

4– الصليب هو دافع الغفران للآخرين

 

لم يجد بولس دافعاً يدفع المسيحي أن يغفر للآخرين أقوى من الصليب فكتب لأهل أفسس قائلاً : “وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ” (أف 4 :32).

 

وكذلك قال للمؤمنين في كولوسي:
“مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا” (كو 3 :13).

 

قص علينا رجل من رجال الله قصة فتاة أرمنية عاشت في أيام اضطهاد الأرمن في تركيا. كانت سائرة يوماً في رفقة أخيها وأبيها وإذا بجندي متوحش ينقض على والدها وأخيها ويذبحهما أمام عينيها، أما هي فقد أفلتت منه بأعجوبة ثم إشتغلت كممرضة في إحدى المستشفيات، وذات يوم حمل رجال الإسعاف جريحاً إلى ذلك المستشفى ليكون تحت رعاية تلك الممرضة، وما إن تفرست في وجهه حتى عرفت أنه هو ذلك الجندي المتوحش الذي سفك دم أبيها وأخيها، وهنا وقفت الممرضة المسكينة أمام عاملين، عامل الإنتقام لدم أبيها وأخيها من ذلك الجندي الجريح الذي صار الآن في قبضة يدها، وعامل الرحمة والشفقة والمغفرة لأجل خاطر المسيح الذي أحبها وافتداها، وما هي إلا لحظة ختى غلب الصليب، وملأ قلبها بالصفح، فخدمت ذلك الجندي وسهرت على راحته حتى شُفي من جراحه! فهل إمتلأنا بروح الصليب روح الغفران؟

 

5- الصليب هو سر إحتمال الخزي والألم والإضطهاد

 

كتب الرسول للعبرانيين قائلاً :
“لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْل، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا، نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ. فَتَفَكَّرُوا فِي الَّذِي احْتَمَلَ مِنَ الْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هذِهِ لِئَلاَّ تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ” (عب 12 :1 -3).

 

وكتب بطرس الرسول يقول :
” لأَنَّهُ أَيُّ مَجْدٍ هُوَ إِنْ كُنْتُمْ تُلْطَمُونَ مُخْطِئِينَ فَتَصْبِرُونَ؟ بَلْ إِنْ كُنْتُمْ تَتَأَلَّمُونَ عَامِلِينَ الْخَيْرَ فَتَصْبِرُونَ، فَهذَا فَضْلٌ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالًا لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ” (1بط 2 :20 -21).

 

أجل، فالصليب يُعطينا نصرة على الإضطهاد، وعلى الألم، وعلى الخزي.
كان أحد خدام الله يعظ في شيكاغو، وفجأة تقدم أحدهم من الصفوف الخلفية حتى اقترب من الخادم وقال له أمام الجمع «في إستطاعتك أن تقول عن المسيح أنه عزيز لديك، وإنه يُسدي إليك العون في تجاربك، لكن لو كانت لك زوجة توفيت كزوجتي وتركت لك أطفالاً صغاراً. يبكون وينادون على أمهم أن تأتي إليهم وليس من يجيب جواباً! لوكان هذا حالك ما كنت تستطيع أن تتكلم بما تكلمت به اليوم».

 

وبعد مدة وجيزة راحت زوجة هذا الخادم الجليل ضحية حادث من حوادث القطارات، وكانت موهوبة وفاضلة وحكيمة، فأتوا بالجثة إلى شيكاغو للصلاة عليها، فوقف الخادم المُجرب بعد الخدمة وألقى بنظرة إلى الزوجة الراحلة، وقال «منذ مدة قال لي أحدكم إني لا أستطيع أن أقول أن في المسيح كفايتي، لو توفيت زوجتي وتركت لي أولاداً يصيحون في طلبها، فإذا كان هذا الشخص موجوداً الآن في هذا المكان فإني أقول له إن المسيح كاف جداً وأن صليبه سرّ عزائي، صحيح أن قلبي مكسور وممزق ولكن هناك سلاماً تتردد أصداؤه في قلبي، والمسيح هومصدر هذا السلام، لأنه يتكلم بالتعزية إليّ اليوم».

ولقد كان ذلك الرجل موجوداً في الإجتماع، فتقدم وركع بجانب التابوت، وصلى قائلاً :
«إنني أسلم لك نفسي أيها الرب يسوع، ما دمت تستطيع أن تُعزي الإنسان بهذا العزاء الجميل».

 

6- الصليب هو سر الموت المزدوج

 

والموت المزدوج هو موت العالم في نظر المؤمن، وموت المؤمن في نظر العالم، وهذا ما يقوله الرسول : “وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ” (غل 6 :14).

 

فالمؤمن ينظر إلى العالم فيراه مصلوباً أمامه، ولا يجد فيه إغراء أو جاذبية لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة وهذه كلها قد صُلبت في الصليب، ونرى مثالاً لهذا في إحتقار موسى للعالم كما يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين :
“بِالإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبِرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلًا بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيَّةِ، حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ، لأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ” (عب 11 :24 -26).

 

فموسى حسب عار المسيح الذي هو الصليب غنى أعظم من خزائن مصر، وكان الصليب هو سر إنتصاره على العالم، ولذا فالرسول يحضنا على السير في ذات الطريق قائلاً :
” لِذلِكَ يَسُوعُ أَيْضًا، لِكَيْ يُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ، تَأَلَّمَ خَارِجَ الْبَابِ. فَلْنَخْرُجْ إِذًا إِلَيْهِ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ حَامِلِينَ عَارَهُ. لأَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ” (عب 13 :12 -14).

 

فهل صلبنا الجسد مع الأهواء والشهوات وخرجنا وراء ربنا خارج المحلة؟
يُحدثنا الرسول عن إختباره قائلاً : “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2 :20).

 

أجل جاء يوم ذهب فيه بولس إلى الجلجثة، وتمدد على صليب المسيح، وقال يناجي رب الصليب «ياسيد سمّر يدي اللتين قبضتا على المسيحيين وعذبتاهم وسمَر قدمي اللتين سارتا في طريق هدم عملك، وكلّل رأسي الذي فكر بالأفكار الرديئة بإكليل الشوك، واطعن قلبي الخدَاع النجس بحربة الموت. لكي أموت أنا وتحيا أنت يا سيدي فيّ » ومن ذلك اليوم مات بولس ليحيا المسيح فيه وهتف قائلاً : “وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ” (غل 5 :24).

 

7- الصليب هو أساس شركتنا مع الله

 

هذا هو الحق اللامع في رسالة العبرانيين إذ يقول الرسول :
“فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ. لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ. فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ” (عب 4 :14 -16)

 

ثم يعود قائلاً :
“فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ، طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا، بِالْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ، وَكَاهِنٌ عَظِيمٌ عَلَى بَيْتِ اللهِ، لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ. لِنَتَمَسَّكْ بِإِقْرَارِ الرَّجَاءِ رَاسِخًا، لأَنَّ الَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ” (عب 10 :19 -23).

 

وهكذا نرى أن أساس شركتنا مع الله، وثقتنا في الدخول إلى عرش النعمة، وإيماننا الراسخ في إستجابة صلواتنا هو (دم الصليب) كما هو مكتوب “اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ” (رو 8 :32).

 

والآن! ما هو موقفك إزاء المسيح المصلوب؟ لقد سأل بيلاطس اليهود قائلاً :
“قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟ قَالَ لَهُ الْجَمِيعُ: لِيُصْلَبْ” (مت 27 :24).

 

وهذا سؤال شخصي يجب أن توجهه لنفسك بعدما عرفت حقيقة شخصية المصلوب، وأن تقرر نهائياً إجابتك على هذا السؤال الخطير؟!

 

فما هو قرارك؟! هل قررت أن تُهمل التفكير في شخص المسيح؟ أو عزمت على أن تفضل عليه شرّك وخطاياك؟ أو قررت أن تقبله في حياتك، وتخصص عمله الفدائي لنفسك، وتكرس له ذاتك؟

 

يحدثنا دكتور (إيرنسايد) عن جندي من جنود الحرب الأهلية الأمريكية ساءت أحواله حتى صار يعيش في فقر شديد. لكن السلطات الأمريكية فكرت في أن ترسله إلى مزرعة تعول فيها الفقراء، ولما جاء مندوب الحكومة يحمل هذا الخبر للجندي البائس الفقير، رأى على حائط كوخه المهدم إطاراً لم يكن هذا الإطار صورة، وإنما كان فيه ورقة تشبه (الشيكات).

 

وتقدم مندوب الحكومة وانتزع الإطار من على الحائط وأخرج الورقة، وإذ به يجدها (شيكاً) على الحكومة بإمضاء الرئيس لنكولن ليصرفه ذلك الجندي مكافأة له على خدمته!

 

ولما سأل المندوب ذلك الجندي العجوز لماذا إحتفظ بهذا الشيك؟ قال : إحتفظت به لأنه يحمل إمضاء إبراهام لنكولن! وهنا هتف به المندوب قائلاً : أيها الرجل، هذه الورقة تحمل لك ثروة ضخمة ومع ذلك فأنت تكتفي بالتطلع إليها كل صباح وتعيش في هذا الفقر المرير! وصرف الرجل الشيك وعاش بقية حياته في راحة ورغد وإستقرار.

 

فهل تكتفي بأن تعلق صليباً في بيتك، أو على صدرك، وتعيش حياة الخطية والفتور، والجفاف وتموت دون أن تتمتع بما لك من حقوق في الصليب! أو تُسرع إلى الله وتنال غفرانه بالتوبة والإيمان بعمل الفداء العجيب؟! إن الصليب هو الحد الفاصل بين الهالكين والمفديين. فعلى أى جانب أنت؟!

 

كلمة ختامية

 

بقيت كلمة أخيرة يجب أن نقولها: هي أن الصليب لم يكن خاتمة حياة المسيح، لأن ذاك الذي مات على الصليب، قام ظافراً منتصراً بعد ثلاثة أيام من دفنه، وظهر بعد قيامته لأكثر من خمسمئة أخ، ثم صعد بعدئذ إلى السماء وسكب على تلاميذه الروح القدس.

 

لكن الصليب قد غير كل شيء، فمشهد العصيان والطرد والمذلة الذي رأيناه في سفر التكوين سيتبدل إلى مجد لا يزول، وذاك الذي صلبته الخطية على الصليب نراه مكللاً بالمجد والكرامة مع جمهور المفديين!

 

وهذا هو المنظر الختامي لسفر الرؤيا سجله يوحنا بالكلمات :
“وَأَرَانِي نَهْرًا صَافِيًا مِنْ مَاءِ حَيَاةٍ لاَمِعًا كَبَلُّورٍ، خَارِجًا مِنْ عَرْشِ اللهِ وَالْخَرُوفِ. فِي وَسَطِ سُوقِهَا وَعَلَى النَّهْرِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ، شَجَرَةُ حَيَاةٍ تَصْنَعُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ثَمَرَةً، وَتُعْطِي كُلَّ شَهْرٍ ثَمَرَهَا، وَوَرَقُ الشَّجَرَةِ لِشِفَاءِ الأُمَمِ. وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ. وَعَرْشُ اللهِ وَالْخَرُوفِ يَكُونُ فِيهَا، وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ. وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ، وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ. وَلاَ يَكُونُ لَيْلٌ هُنَاكَ، وَلاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى سِرَاجٍ أَوْ نُورِ شَمْسٍ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ يُنِيرُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ سَيَمْلِكُونَ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ” (رؤ 22 : 1-5).

 

لكن أين سيكون هذا المشهد الرائع الجميل؟ إنه سيكون في مدينة الله الحي التي وصفها يوحنا قائلاً : “وَكَانَ بِنَاءُ سُورِهَا مِنْ يَشْبٍ، وَالْمَدِينَةُ ذَهَبٌ نَقِيٌّ شِبْهُ زُجَاجٍ نَقِيٍّ. وَأَسَاسَاتُ سُورِ الْمَدِينَةِ مُزَيَّنَةٌ بِكُلِّ حَجَرٍ كَرِيمٍ. الأَسَاسُ الأَوَّلُ يَشْبٌ. الثَّانِي يَاقُوتٌ أَزْرَقُ. الثَّالِثُ عَقِيقٌ أَبْيَضُ. الرَّابِعُ زُمُرُّدٌ ذُبَابِيٌّ. الْخَامِسُ جَزَعٌ عَقِيقِيٌّ. السَّادِسُ عَقِيقٌ أَحْمَرُ. السَّابِعُ زَبَرْجَدٌ. الثَّامِنُ زُمُرُّدٌ سِلْقِيٌّ. التَّاسِعُ يَاقُوتٌ أَصْفَرُ. الْعَاشِرُ عَقِيقٌ أَخْضَرُ. الْحَادِي عَشَرَ أَسْمَانْجُونِيٌّ. الثَّانِي عَشَرَ جَمَشْتٌ. وَالاثْنَا عَشَرَ بَابًا اثْنَتَا عَشَرَةَ لُؤْلُؤَةً، كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الأَبْوَابِ كَانَ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ. وَسُوقُ الْمَدِينَةِ ذَهَبٌ نَقِيٌّ كَزُجَاجٍ شَفَّافٍ” (رؤ 21 : 18 -21).

 

ومع أن هذا الوصف مُجازي لكنه يرسم صورة عن الأمجاد الأبدية العتيدة أن تكون للمؤمنين بالمسيح المصلوب المقام.
أما إبليس أصل الشر والتمرد والعصيان فنقرأ عنه :
“وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلًا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ” (رؤ 20 :10).

 

وهكذا يتم برنامج الله الذي قصده للإنسان، في كمال وإتقان! فيحق لنا أن نقول مع يوحنا التلميذ الحبيب “اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ! مِنْ أَجْلِ هذَا لاَ يَعْرِفُنَا الْعَالَمُ، لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُهُ. أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ” (1يو 3 : 1-2).

 

هذا المجد الفائق، وهذه الإمتيازات العظمى، وهذه البركات الثمينة التي تنتظر المؤمنين الحقيقيين المغسولين بدم المسيح الكريم، قد صارت لنا عن طريق الفداء الذي أتمه مخلصنا على الصليب.
لذلك يحق لنا عن يقين أن نفتخر بالصليب، بل يحق لنا أن نردد الترنيم ونعيد :

 

 

قد فديتني وامتلكتني يا مُخلصي المجيد

 

إنما أنـــا بغــيـتــي هنا أن إيـــمــــــاني يـــــزيـــــد

 

إجذبني يا رب للصليب إجذبني أيا حنون

 

إجذبني إليك أيها الحبيب إلى جنبك المطعون