الإعتراف والغفران

 

Confession and Forgiveness

بقلم

الدكتور القس لبيب ميخائيل

الطبعة الأولى 2003

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف

 

Confession and Forgiveness

By

Dr. Labib Mikhail

First Printing

2003

Copyright by Dr. Labib Mikhail 2003

All rights reserved

Printed in the United States of America

 

تقديم الكتاب

الإعتراف والغفران صنوان عزيزان لا يفترقان … والإعتراف في حديث هذه الرسالة هو الإعتراف بالخطايا الشخصية، أي الإعتراف بما اقترفه المؤمن من خطايا سهواً أم عمداً وتحت مختلف الدوافع والظروف، ولمن يجب أن يكون.

والاعتراف بالخطايا عمل خاص بالمؤمن الذي قَبِلَ المسيح مُخلّصاً شخصياً لنفسه ولكنه سقط في الخطية بعد نواله الخلاص.

أما الخاطيء الذي يُريد أن ينال الخلاص فهو يأتي إلى الرب لا ليعترف بخطاياه بل ليعترف بأنه بجملته إنسان خاطىء يستحقّ الهلاك الأبدي، وليقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لنفسه، وعندئذ يهبه الرب الخلاص، تماماً كما حدث مع العشّار الذي قرع على صدره قائلاً “اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ” (لو 18: 13)، وهكذا “نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا” (لو 18 :14).

وكما حدث مع المرأة الخاطئة التي جاءت بقارورة طيب إلى بيت الفريسي حيث كان يسوع “وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيَةً، وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِالطِّيبِ” (لو 7: 38). ودون أن تنطق بكلمة واحدة قال لها يسوع “مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ… إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ… اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ” (لو 7 :48 ،50). وهذا ما حدث مع بطرس الصياد أيضاً حين عرف شخص الرب بعد معجزة صيد السمك فصاح قائلاً “اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَا رَبُّ، لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ” (لو 5 :8)، وعندئذ قال له الرب : “لاَ تَخَفْ! مِنَ الآنَ تَكُونُ تَصْطَادُ النَّاسَ” (لو 5 :10)، وهكذا أكّد له خلاصه، بل اختاره كذلك لخدمته.

الإنسان الأثيم ينال الخلاص في لحظة بالنعمة بالإيمان، ولا مجال لأعماله الصالحة في خلاصه.

“لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ.لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” (أف 2 :8 ،9).

“لأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلًا أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ وَالْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا. وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ. لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ. خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (تي 3 :3-5).

أما إذا سقط المؤمن المتجدّد في خطيّة ما، فإنه يحتاج إلى الغفران، والتطهير، وذلك يتّم بالإعتراف بخطاياه للرب.

والحديث في هذه الرسالة مؤسّس من أوّله إلى آخره على كلمة اللّه، أي على ما جاء في الكتاب المقدّس وحده، لا على أساس وصايا وتقاليد الناس.

لقد حذّرنا الرب يسوع المسيح من اتّباع التقاليد التي تُبطل كلام الله. فتعال معي لنقرأ ما جاء في إنجيل مرقس:

“وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَقَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَادِمِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ.وَلَمَّا رَأَوْا بَعْضًا مِنْ تَلاَمِيذِهِ يَأْكُلُونَ خُبْزًا بِأَيْدٍ دَنِسَةٍ، أَيْ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ، لاَمُوا. لأَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ وَكُلَّ الْيَهُودِ إِنْ لَمْ يَغْسِلُوا أَيْدِيَهُمْ بِاعْتِنَاءٍ، لاَ يَأْكُلُونَ، مُتَمَسِّكِينَ بِتَقْلِيدِ الشُّيُوخِ. وَمِنَ السُّوقِ إِنْ لَمْ يَغْتَسِلُوا لاَ يَأْكُلُونَ. وَأَشْيَاءُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تَسَلَّمُوهَا لِلتَّمَسُّكِ بِهَا، مِنْ غَسْلِ كُؤُوسٍ وَأَبَارِيقَ وَآنِيَةِ نُحَاسٍ وَأَسِرَّةٍ. ثُمَّ سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ: لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ، بَلْ يَأْكُلُونَ خُبْزًا بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: حَسَنًا تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ! كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا، وَبَاطِلًا يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ. لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ: غَسْلَ الأَبَارِيقِ وَالْكُؤُوسِ، وَأُمُورًا أُخَرَ كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: حَسَنًا! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ! لأَنَّ مُوسَى قَالَ: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَمَنْ يَشْتِمُ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: إِنْ قَالَ إِنْسَانٌ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ، أَيْ هَدِيَّةٌ، هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي فَلاَ تَدَعُونَهُ فِي مَا بَعْدُ يَفْعَلُ شَيْئًا لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ. مُبْطِلِينَ كَلاَمَ اللهِ بِتَقْلِيدِكُمُ الَّذِي سَلَّمْتُمُوهُ. وَأُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ” (مر 7 :1- 13).

الكثيرون يُبطلون كلام الله ويعلّمون تعاليم الناس، ولكن “اَلَّذِي مِنَ اللهِ يَسْمَعُ كَلاَمَ اللهِ” (يو 8 :47)، بمعنى أن الإنسان المولود من الله، والذي اختبر خلاص الله اختباراً شخصياً ، وصارت له علاقة شخصية مع الله بإيمانه بالرب يسوع المسيح يطيع كلام الله.

والآن تعال معي، لندرس معاً ما يقوله الكتاب المقدّس بخصوص اعتراف المؤمن بخطاياه الشخصية، ونواله الغفران. وستقرأ ما قاله الله القدّوس في الكتاب المقدس عن هذا الموضوع الخطير.

الدكتور القس لبيب ميخائيل

سبرنجفيلد – فرجينيا
يناير 2003

الفصل الأول

عناصر الإعتراف الصحيح

يتكون الإعتراف الصحيح بالخطايا الشخصية من العناصر التالية:

العنصر الأول: اعرف خطيتك

قبل أن تعترف بشيء يجب أن تعرفه، وقبل أن تعترف بخطيتك لا بدّ أن تعرفها، ومعرفة خطيتك الشخصية لا تكون بحسب تقديرك، أو بحسب صوت ضميرك، فبعض الناس تبلّدت ضمائرهم فانحدروا إلى الأوحال، وتدهوروا تدهوراً شنيعاً جداً، فانطبقت عليهم الكلمات “فِعْلُ الرَّذِيلَةِ عِنْدَ الْجَاهِلِ كَالضِّحْكِ” (أم 10 :23).

وبعض الناس عندهم حساسية زائدة في ضمائرهم بحيث إنهم يتصوّرون ارتكاب خطايا لم يرتكبوها، وعلى هذا فإن الطريق السليم الذي تعرف به خطيتك هو كلمة الله كما يقول الرب في سفر إرميا: “اِعْرِفِي فَقَطْ إِثْمَكِ أَنَّكِ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكِ أَذْنَبْتِ، وَفَرَّقْتِ طُرُقَكِ لِلْغُرَبَاءِ تَحْتَ كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، وَلِصَوْتِي لَمْ تَسْمَعُوا، يَقُولُ الرَّبُّ” (إر3 : 13).

إن كلمة الله تفحص خبايا القلب “لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ” (عب 4 :12).

وعلى هذا فإن من واجب المؤمن أن يقرأ ويفحص كلمة الله يومياً، فإذا وجد في سلوكه وتصرّفاته ما يخالفها فعليه أن يبادر بالإعتراف بخطيته للرب وبالتوبة الفعلية عنها.

ومع قراءة الكتاب المقدّس ودراسته بتدقيق كل يوم، فهناك الحاجة الماسة للوجود في محضر الله، وطلب معرفته في إظهار خفايا قلبك.

رفع داود الملك هذه الصلاة إلى الله فقال:

“اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَاهْدِنِي طَرِيقًا أَبَدِيًّا” (مز 139 :23- 24).

هذا هو الطريق الذي تعرف به خطيتك .. وحين تعرف خطيتك في ضوء كلمة الله وفي محضره الإلهي، فلا تحاول أن تضع مسؤولية ارتكابك لها على الظروف، أو على الآخرين.

لقد أخطأ أبوانا الأولان آدم وحواء، ويسجّل سفر التكوين ما حدث بعد سقوطهما في الكلمات :“وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ؟. فَقَالَ: سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ. فَقَالَ: مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟ فَقَالَ آدَمُ: الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ. فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ” (تك 3 :8 – 13).

والنص المقدّس يُرينا أن آدم عرف أنه أخطأ ولكنه وضع مسؤولية خطأه على الله الذي أعطاه المرأة، وعلى المرأة التي جعلها الله معه.

وكذلك عرفت حواء أنها أخطأت لكنها وضعت مسؤولية خطئها على الحية.

وكل عذر تعتذر به من جهة الخطية التي ترتكبها هو عذر غير مقبول.

فاعرف خطيتك، ولا تحاول الإعتذار عنها، بل إعترف بها للرب بخضوع وانكسار قلب.

العنصر الثاني: اعزم من قلبك على ترك خطاياك

نقرأ في سفر الأمثال “مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ” ( أم 28 :13) وكلمة ” يُقِرُّ بِهَا” معناها يعترف بها.

لا تحاول سَتر خطاياك بالإختباء وراء شجرة عضوية الكنيسة، أو العطايا التي تقدّمها للفقراء والمحتاجين، أو باستخدام التعبيرات الروحية في حديثك مع المؤمنين … هذا كله سيقودك إلى الفشل المحقّق.

سألني أحدهم مرة : آلا يعرف الله جميع الخطايا التي نفعلها؟

قلت : إنه يعرفها بالتأكيد

قال : فلماذا يطالبنا الكتاب المقدّس بضرورة الإعتراف لله ما دام الله يعرف خطايانا؟

قلت : لإن الإعتراف هو الدليل الصحيح على عزمنا على ترك الخطية، وكل اعتراف بالخطية ليس مصحوباً بتركها لا قيمة له في موازين الله.

لما عزم الابن الضال على ترك الكورة البعيدة والإنفصال تماماً عن الخطية قال : ” أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ” (لو 15 : 18 -19).

نقرأ في سفر إشعياء هذه الكلمات :

” اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ. لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ” ( إش 55 : 6 -7).

التوبة الحقيقية معناها ترك الطريق الشرير الذي تسير فيه … وأنت وحدك تعرف هذا الطريق الشرير، فلعلّك تسير في طريق محبة المال، وفي سبيل جمع المال تضحّي بكل شيء، أو لعلّك تسير في طريق الشراهة، أو الإغراق في الملذّات الجسدية كمن قال عنهم الرسول بولس :

“لأَنَّ كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَارًا، وَالآنَ أَذْكُرُهُمْ أَيْضًا بَاكِيًا، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ، الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ” (في 3 :18 -19).

أو لعلّك غارق في علاقة آثمة مع إمرأة …. أنت تعرف «ضربة قلبك» ” الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كُلُّ وَاحِدٍ ضَرْبَةَ قَلْبِهِ” (1مل 8 :38) وعليك أن تتوب توبة فعلية.

التوبة الحقيقة تعني كذلك ترك الأفكار الشريرة المضادة لله. أفكار الشك في صدق كلمة الله … أفكار الشك في حقيقة محبة الله … أفكار الشك في يقينية دينونة الله.
كذلك الأفكار النجسة والتصوّرات التي تنجّس الإنسان، والتي ذكرها الرب يسوع في كلماته : “لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ. جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإِنْسَانَ” (مر 7 :21 -23).

وقد لا تكون أفكارك في جميع هذه الشرور ، لكنها في بعضها … فالطمع والخبث والمكر أفكار شريرة كالزنى والعهارة والقتل … والتوبة الحقيقية تعني ترك هذه الأفكار.

لا بد أن يقترن اعترافك بالتوبة الحقيقية … فهذا هو الإعتراف الصحيح.

العنصر الثالث : ثق فيما عمله المسيح لأجلك

حين مات المسيح على الصليب منذ ألفّي سنة، لم تكن أنت موجوداً على هذه الأرض، ولكن الله الذي لا ينقسم الوقت في حسابه إلى ماضٍ، وحاضر، ومستقبل … فالوقت عنده حاضر في كل زمان، وهو يعرف منذ الأزل ما كان، وما يكون، وما سيكون “مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ” (أع 15 :18).

ولأنه اختارك وعرفَ مسبقاً أنك ستؤمن بابنه يسوع المسيح وتقبله مخلصاً لنفسك، وَضَعَ كل خطاياك عليه كما يقول إشعياء :

“كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا” (إش 53 :6).

وكما يقول بطرس الرسول عن المسيح :

“لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالًا لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ. الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ، الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْل. الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ” (1بط 2 :21 -24).

فحين تعترف بخطاياك ، ثق أن المسيح حمل عقابها عنك.
حين ارتكب داود الملك خطيته البشعة، فزنى مع « بَثْشَبَعَ» إمرأة أوريّا الحثي، ودبّر قتل «أوريّا» بوضعه في وجه الحرب الشديدة ليموت … ليخفي خطيته بعد أن أخبرته «بَثْشَبَعَ» أنها حبلت منه، أرسل الرب ناثان النبي إلى داود، وواجه ناثان داود الملك بخطيته السوداء، وأعلن له أن فعله لهاتين الخطيتين «الزنى» و«القتل» هو احتقار لكلام الرب، وبالتالي احتقار للرب نفسه، (إقرأ 2صم12 :1 -10).

“فَأَرْسَلَ الرَّبُّ نَاثَانَ إِلَى دَاوُدَ. فَجَاءَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: كَانَ رَجُلاَنِ فِي مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا غَنِيٌّ وَالآخَرُ فَقِيرٌ. وَكَانَ لِلْغَنِيِّ غَنَمٌ وَبَقَرٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَأَمَّا الْفَقِيرُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ إِلاَّ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ صَغِيرَةٌ قَدِ اقْتَنَاهَا وَرَبَّاهَا وَكَبِرَتْ مَعَهُ وَمَعَ بَنِيهِ جَمِيعًا. تَأْكُلُ مِنْ لُقْمَتِهِ وَتَشْرَبُ مِنْ كَأْسِهِ وَتَنَامُ فِي حِضْنِهِ، وَكَانَتْ لَهُ كَابْنَةٍ. فَجَاءَ ضَيْفٌ إِلَى الرَّجُلِ الْغَنِيِّ، فَعَفَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَنَمِهِ وَمِنْ بَقَرِهِ لِيُهَيِّئَ لِلضَّيْفِ الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ نَعْجَةَ الرَّجُلِ الْفَقِيرِ وَهَيَّأَ لِلرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ. فَحَمِيَ غَضَبُ دَاوُدَ عَلَى الرَّجُلِ جِدًّا، وَقَالَ لِنَاثَانَ: حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ، إِنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ الْفَاعِلُ ذلِكَ، وَيَرُدُّ النَّعْجَةَ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ لأَنَّهُ فَعَلَ هذَا الأَمْرَ وَلأَنَّهُ لَمْ يُشْفِقْ. فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ! هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: أَنَا مَسَحْتُكَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ وَأَنْقَذْتُكَ مِنْ يَدِ شَاوُلَ، وَأَعْطَيْتُكَ بَيْتَ سَيِّدِكَ وَنِسَاءَ سَيِّدِكَ فِي حِضْنِكَ، وَأَعْطَيْتُكَ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا. وَإِنْ كَانَ ذلِكَ قَلِيلًا، كُنْتُ أَزِيدُ لَكَ كَذَا وَكَذَا. لِمَاذَا احْتَقَرْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ لِتَعْمَلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيْهِ؟ قَدْ قَتَلْتَ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ بِالسَّيْفِ، وَأَخَذْتَ امْرَأَتَهُ لَكَ امْرَأَةً، وَإِيَّاهُ قَتَلْتَ بِسَيْفِ بَنِي عَمُّونَ. وَالآنَ لاَ يُفَارِقُ السَّيْفُ بَيْتَكَ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّكَ احْتَقَرْتَنِي وَأَخَذْتَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ لِتَكُونَ لَكَ امْرَأَةً” (2 صم 12 :1 -10).

عندئذ “فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ. فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ” (2 صم 12 :13).
خطية داود «نقلها الرب عنه» ووضعها على ابنه يسوع المسيح مسبقاً، وعلى هذا الأساس نال داود الغفران.

التأديب الإلهي في الزمان لا يرفعه الغفران

هنا يجب أن ننبه على نقطة في غاية الأهميّة، وهي أن غفران الله لخطية المؤمن المعترف، لا يعني إنقاذ المؤمن من العقوبة الجسدية التي يستحقّها في العالم الحاضر.

المثال الأول : داود

فمع أن الرب نقل خطية داود عنه، وأنقذه من الموت الذي يفرضه الناموس، إلا أنه أدّبه تأديباً صارماً، أعلنه له ناثان النبي في هذه الكلمات :
“لِمَاذَا احْتَقَرْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ لِتَعْمَلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيْهِ؟ قَدْ قَتَلْتَ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ بِالسَّيْفِ، وَأَخَذْتَ امْرَأَتَهُ لَكَ امْرَأَةً، وَإِيَّاهُ قَتَلْتَ بِسَيْفِ بَنِي عَمُّونَ. وَالآنَ لاَ يُفَارِقُ السَّيْفُ بَيْتَكَ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّكَ احْتَقَرْتَنِي وَأَخَذْتَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ لِتَكُونَ لَكَ امْرَأَةً. هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الشَّرَّ مِنْ بَيْتِكَ، وَآخُذُ نِسَاءَكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَأُعطِيهِنَّ لِقَرِيبِكَ، فَيَضْطَجعُ مَعَ نِسَائِكَ فِي عَيْنِ هذِهِ الشَّمْسِ. لأَنَّكَ أَنْتَ فَعَلْتَ بِالسِّرِّ وَأَنَا أَفْعَلُ هذَا الأَمْرَ قُدَّامَ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَقُدَّامَ الشَّمْسِ. فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ. فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ. غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ بِهذَا الأَمْرِ أَعْدَاءَ الرَّبِّ يَشْمَتُونَ، فَالابْنُ الْمَوْلُودُ لَكَ يَمُوتُ. وَذَهَبَ نَاثَانُ إِلَى بَيْتِهِ” (2 صم 12 :9 -15).

والعقاب الذي أوقعه الله على داود الملك تّم بالحرف الواحد :

1) الابن الذي حبلت به بثشبع بالزنى مات “وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ أَنَّ الْوَلَدَ مَاتَ، فَخَافَ عَبِيدُ دَاوُدَ أَنْ يُخْبِرُوهُ بِأَنَّ الْوَلَدَ قَدْ مَاتَ لأَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَذَا لَمَّا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا كَلَّمْنَاهُ فَلَمْ يَسْمَعْ لِصَوْتِنَا. فَكَيْفَ نَقُولُ لَهُ: قَدْ مَاتَ الْوَلَدُ؟ يَعْمَلُ أَشَرَّ” (2 صم 12 :18).

2) أمنون اغتصب أخته ثامار“ثُمَّ قَالَ أَمْنُونُ لِثَامَارَ: ايتِي بِالطَّعَامِ إِلَى الْمِخْدَعِ فَآكُلَ مِنْ يَدِكِ. فَأَخَذَتْ ثَامَارُ الْكَعْكَ الَّذِي عَمِلَتْهُ وَأَتَتْ بِهِ أَمْنُونَ أَخَاهَا إِلَى الْمِخْدَعِ. وَقَدَّمَتْ لَهُ لِيَأْكُلَ، فَأَمْسَكَهَا وَقَالَ لَهَا: تَعَالَيِ اضْطَجِعِي مَعِي يَا أُخْتِي. فَقَالَتْ لَهُ: لاَ يَا أَخِي، لاَ تُذِلَّنِي لأَنَّهُ لاَ يُفْعَلُ هكَذَا فِي إِسْرَائِيلَ. لاَ تَعْمَلْ هذِهِ الْقَبَاحَةَ. أَمَّا أَنَا فَأَيْنَ أَذْهَبُ بِعَارِي؟ وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكُونُ كَوَاحِدٍ مِنَ السُّفَهَاءِ فِي إِسْرَائِيلَ! وَالآنَ كَلِّمِ الْمَلِكَ لأَنَّهُ لاَ يَمْنَعُنِي مِنْكَ فَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَسْمَعَ لِصَوْتِهَا، بَلْ تَمَكَّنَ مِنْهَا وَقَهَرَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا” (2 صم 13 :10 -14).

3) أبشالوم قتل أخاه أمنون “وَكَانَ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنَ الزَّمَانِ، أَنَّهُ كَانَ لأَبْشَالُومَ جَزَّازُونَ فِي بَعْلَ حَاصُورَ الَّتِي عِنْدَ أَفْرَايِمَ. فَدَعَا أَبْشَالُومُ جَمِيعَ بَنِي الْمَلِكِ. وَجَاءَ أَبْشَالُومُ إِلَى الْمَلِكِ وَقَالَ: هُوَذَا لِعَبْدِكَ جَزَّازُونَ. فَلْيَذْهَبِ الْمَلِكُ وَعَبِيدُهُ مَعَ عَبْدِكَ. فَقَالَ الْمَلِكُ لأَبْشَالُومَ: لاَ يَا ابْنِي. لاَ نَذْهَبْ كُلُّنَا لِئَلاَّ نُثَقِّلَ عَلَيْكَ. فَأَلَحَّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَذْهَبَ بَلْ بَارَكَهُ. فَقَالَ أَبْشَالُومُ: إِذًا دَعْ أَخِي أَمْنُونَ يَذْهَبْ مَعَنَا. فَقَالَ الْمَلِكُ: لِمَاذَا يَذْهَبُ مَعَكَ؟ فَأَلَحَّ عَلَيْهِ أَبْشَالُومُ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ أَمْنُونَ وَجَمِيعَ بَنِي الْمَلِكِ. فَأَوْصَى أَبْشَالُومُ غِلْمَانَهُ قَائِلًا: انْظُرُوا. مَتَى طَابَ قَلْبُ أَمْنُونَ بِالْخَمْرِ وَقُلْتُ لَكُمُ اضْرِبُوا أَمْنُونَ فَاقْتُلُوهُ. لاَ تَخَافُوا. أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا أَمَرْتُكُمْ؟ فَتَشَدَّدُوا وَكُونُوا ذَوِي بَأْسٍ. فَفَعَلَ غِلْمَانُ أَبْشَالُومَ بِأَمْنُونَ كَمَا أَمَرَ أَبْشَالُومُ. فَقَامَ جَمِيعُ بَنِي الْمَلِكِ وَرَكِبُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى بَغْلِهِ وَهَرَبُوا” (2صم 13 :23 -29).

4) أبشالوم حاول اغتصاب المُلك من داود أبيه “وَكَانَ بَعْدَ ذلِكَ أَنَّ أَبْشَالُومَ اتَّخَذَ مَرْكَبَةً وَخَيْلًا وَخَمْسِينَ رَجُلًا يَجْرُونَ قُدَّامَهُ. وَكَانَ أَبْشَالُومُ يُبَكِّرُ وَيَقِفُ بِجَانِبِ طَرِيقِ الْبَابِ، وَكُلُّ صَاحِبِ دَعْوَى آتٍ إِلَى الْمَلِكِ لأَجْلِ الْحُكْمِ، كَانَ أَبْشَالُومُ يَدْعُوهُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: مِنْ أَيَّةِ مَدِينَةٍ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: مِنْ أَحَدِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ عَبْدُكَ. فَيَقُولُ أَبْشَالُومُ لَهُ: انْظُرْ. أُمُورُكَ صَالِحَةٌ وَمُسْتَقِيمَةٌ، وَلكِنْ لَيْسَ مَنْ يَسْمَعُ لَكَ مِنْ قِبَلِ الْمَلِكِ. ثُمَّ يَقُولُ أَبْشَالُومُ: مَنْ يَجْعَلُنِي قَاضِيًا فِي الأَرْضِ فَيَأْتِيَ إِلَيَّ كُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ خُصُومَةٌ وَدَعْوَى فَأُنْصِفَهُ؟. وَكَانَ إِذَا تَقَدَّمَ أَحَدٌ لِيَسْجُدَ لَهُ، يَمُدُّ يَدَهُ وَيُمْسِكُهُ وَيُقَبِّلُهُ. وَكَانَ أَبْشَالُومُ يَفْعَلُ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ لِجَمِيعِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا يَأْتُونَ لأَجْلِ الْحُكْمِ إِلَى الْمَلِكِ، فَاسْتَرَقَّ أَبْشَالُومُ قُلُوبَ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ. وَفِي نِهَايَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ أَبْشَالُومُ لِلْمَلِكِ: دَعْنِي فَأَذْهَبَ وَأُوفِيَ نَذْرِي الَّذِي نَذَرْتُهُ لِلرَّبِّ فِي حَبْرُونَ، لأَنَّ عَبْدَكَ نَذَرَ نَذْرًا عِنْدَ سُكْنَايَ فِي جَشُورَ فِي أَرَامَ قَائِلًا: إِنْ أَرْجَعَنِي الرَّبُّ إِلَى أُورُشَلِيمَ فَإِنِّي أَعْبُدُ الرَّبَّ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: اذْهَبْ بِسَلاَمٍ. فَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى حَبْرُونَ. وَأَرْسَلَ أَبْشَالُومُ جَوَاسِيسَ فِي جَمِيعِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: إِذَا سَمِعْتُمْ صَوْتَ الْبُوقِ، فَقُولُوا: قَدْ مَلَكَ أَبْشَالُومُ فِي حَبْرُونَ. وَانْطَلَقَ مَعَ أَبْشَالُومَ مِئَتَا رَجُل مِنْ أُورُشَلِيمَ قَدْ دُعُوا وَذَهَبُوا بِبَسَاطَةٍ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ شَيْئًا. وَأَرْسَلَ أَبْشَالُومُ إِلَى أَخِيتُوفَلَ الْجِيلُونِيِّ مُشِيرِ دَاوُدَ مِنْ مَدِينَتِهِ جِيلُوهَ إِذْ كَانَ يَذْبَحُ ذَبَائِحَ. وَكَانَتِ الْفِتْنَةُ شَدِيدَةً وَكَانَ الشَّعْبُ لاَ يَزَالُ يَتَزَايَدُ مَعَ أَبْشَالُومَ. فَأَتَى مُخَبِّرٌ إِلَى دَاوُدَ قَائِلًا: إِنَّ قُلُوبَ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ صَارَتْ وَرَاءَ أَبْشَالُومَ فَقَالَ دَاوُدُ لِجَمِيعِ عَبِيدِهِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي أُورُشَلِيمَ: قُومُوا بِنَا نَهْرُبُ، لأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا نَجَاةٌ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ. أَسْرِعُوا لِلذَّهَابِ لِئَلاَّ يُبَادِرَ وَيُدْرِكَنَا وَيُنْزِلَ بِنَا الشَّرَّ وَيَضْرِبَ الْمَدِينَةَ بِحَدِّ السَّيْفِ” (2صم 15 :1 -14).

5) شمعي بن جيرا سبّ الملك داود ورشقه بالحجارة “وَلَمَّا جَاءَ الْمَلِكُ دَاوُدُ إِلَى بَحُورِيمَ إِذَا بِرَجُل خَارِجٍ مِنْ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَةِ بَيْتِ شَاوُلَ، اسْمُهُ شِمْعِي بْنُ جِيرَا، يَسُبُّ وَهُوَ يَخْرُجُ، وَيَرْشُقُ بِالْحِجَارَةِ دَاوُدَ وَجَمِيعَ عَبِيدِ الْمَلِكِ دَاوُدَ وَجَمِيعُ الشَّعْبِ وَجَمِيعُ الْجَبَابِرَةِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ. وَهكَذَا كَانَ شِمْعِي يَقُولُ فِي سَبِّهِ: اخْرُجِ! اخْرُجْ يَا رَجُلَ الدِّمَاءِ وَرَجُلَ بَلِيَّعَالَ! قَدْ رَدَّ الرَّبُّ عَلَيْكَ كُلَّ دِمَاءِ بَيْتِ شَاوُلَ الَّذِي مَلَكْتَ عِوَضًا عَنْهُ، وَقَدْ دَفَعَ الرَّبُّ الْمَمْلَكَةَ لِيَدِ أَبْشَالُومَ ابْنِكَ، وَهَا أَنْتَ وَاقِعٌ بِشَرِّكَ لأَنَّكَ رَجُلُ دِمَاءٍ. فَقَالَ أَبِيشَايُ ابْنُ صَرُويَةَ لِلْمَلِكِ: لِمَاذَا يَسُبُّ هذَا الْكَلْبُ الْمَيْتُ سَيِّدِي الْمَلِكَ؟ دَعْنِي أَعْبُرْ فَأَقْطَعَ رَأْسَهُ. فَقَالَ الْمَلِكُ: مَا لِي وَلَكُمْ يَا بَنِي صَرُويَةَ! دَعُوهُ يَسُبَّ لأَنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ: سُبَّ دَاوُدَ. وَمَنْ يَقُولُ: لِمَاذَا تَفْعَلُ هكَذَا؟ وَقَالَ دَاوُدُ لأَبِيشَايَ وَلِجَمِيعِ عَبِيدِهِ: هُوَذَا ابْنِي الَّذِي خَرَجَ مِنْ أَحْشَائِي يَطْلُبُ نَفْسِي، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآنَ بَنْيَامِينِيٌّ؟ دَعُوهُ يَسُبَّ لأَنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ” (2 صم 16 :5 – 11).

6) اضطجع أبشالوم مع سراري أبيه في عين الشمس “وَقَالَ أَبْشَالُومُ لأَخِيتُوفَلَ: أَعْطُوا مَشُورَةً، مَاذَا نَفْعَلُ؟. فَقَالَ أَخِيتُوفَلُ لأَبْشَالُومَ: ادْخُلْ إِلَى سَرَارِيِّ أَبِيكَ اللَّوَاتِي تَرَكَهُنَّ لِحِفْظِ الْبَيْتِ، فَيَسْمَعَ كُلُّ إِسْرَائِيلَ أَنَّكَ قَدْ صِرْتَ مَكْرُوهًا مِنْ أَبِيكَ، فَتَتَشَدَّدَ أَيْدِي جَمِيعِ الَّذِينَ مَعَكَ. فَنَصَبُوا لأَبْشَالُومَ الْخَيْمَةَ عَلَى السَّطْحِ، وَدَخَلَ أَبْشَالُومُ إِلَى سَرَارِيِّ أَبِيهِ أَمَامَ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ” (2 صم 16: 20 -22).

7) قتل يوآب قائد الجيش أبشالوم “وَصَادَفَ أَبْشَالُومُ عَبِيدَ دَاوُدَ، وَكَانَ أَبْشَالُومُ رَاكِبًا عَلَى بَغْل، فَدَخَلَ الْبَغْلُ تَحْتَ أَغْصَانِ الْبُطْمَةِ الْعَظِيمَةِ الْمُلْتَفَّةِ، فَتَعَلَّقَ رَأْسُهُ بِالْبُطْمَةِ وَعُلِّقَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالْبَغْلُ الَّذِي تَحْتَهُ مَرَّ. فَرَآهُ رَجُلٌ وَأَخْبَرَ يُوآبَ وَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَبْشَالُومَ مُعَلَّقًا بِالْبُطْمَةِ. فَقَالَ يُوآبُ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَخْبَرَهُ: إِنَّكَ قَدْ رَأَيْتَهُ، فَلِمَاذَا لَمْ تَضْرِبْهُ هُنَاكَ إِلَى الأَرْضِ؟ وَعَلَيَّ أَنْ أُعْطِيَكَ عَشَرَةً مِنَ الْفِضَّةِ وَمِنْطَقَةً فَقَالَ الرَّجُلُ لِيُوآبَ: فَلَوْ وُزِنَ فِي يَدِي أَلْفٌ مِنَ الْفِضَّةِ لَمَا كُنْتُ أَمُدُّ يَدِي إِلَى ابْنِ الْمَلِكِ، لأَنَّ الْمَلِكَ أَوْصَاكَ فِي آذَانِنَا أَنْتَ وَأَبِيشَايَ وَإِتَّايَ قَائِلًا: احْتَرِزُوا أَيًّا كَانَ مِنْكُمْ عَلَى الْفَتَى أَبْشَالُومَ. وَإِّلا فَكُنْتُ فَعَلْتُ بِنَفْسِي زُورًا، إِذْ لاَ يَخْفَى عَنِ الْمَلِكِ شَيْءٌ، وأَنْتَ كُنْتَ وَقَفْتَ ضِدِّي. فَقَالَ يُوآبُ: إِنِّي لاَ أَصْبِرُ هكَذَا أَمَامَكَ. فَأَخَذَ ثَلاَثَةَ سِهَامٍ بِيَدِهِ وَنَشَّبَهَا فِي قَلْبِ أَبْشَالُومَ، وَهُوَ بَعْدُ حَيٌّ فِي قَلْبِ الْبُطْمَةِ. وَأَحَاطَ بِهَا عَشَرَةُ غِلْمَانٍ حَامِلُو سِلاَحِ يُوآبَ، وَضَرَبُوا أَبْشَالُومَ وَأَمَاتُوهُ” (2 صم 18 :9 -15).

التأديب الإلهي والعقوبة الأرضية لا تزول بالغفران … هذا كله حدث لداود عقاباً لخطيته.

المثال الثاني : اللص على الصليب

في مشهد صلب المسيح، صُلب مع المسيح لصّان، لا بدّ أنهما ارتكبا جرائم تستوجب الموت صلباً … وفي بداية المشهد، كان المجتازون يُجدّفون على المسيح، ويستهزئون به “وَبِذلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ” (مت 27 :44)

لكن يسوع المسيح صلّى لصالبيه والمستهزئين به قائلاً “يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ. وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا” (لو 23 :34)

ويبدو أن هذه الصلاة فعلت فعلها بالروح القدس في قلب أحد اللصين، بينما استمرّ اللصّ الآخر في التجديف على المسيح، وفتح الروح القدس عينَيّ اللص، فتوقّف عن تعيير المسيح وانتهر اللصّ الآخر المصلوب معه قائلاً :

“فَأجَابَ الآخَرُ وَانْتَهَرَهُ قَائِلًا: أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ” (لو 23 : 40 – 42).

ويقول بولس الرسول “لِذلِكَ أُعَرِّفُكُمْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِرُوحِ اللهِ يَقُولُ: يَسُوعُ أَنَاثِيمَا. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: يَسُوعُ رَبٌّ إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ” (1 كور12 :3).

اعترف هذا اللصّ بلاهوت المسيح، بينما كان المسيح معلّقاً على الصليب، وقال له «اذكرني ياربّ» … وقد أعطى المسيح الربّ اليقين لهذا اللصّ الذي اعترف بلاهوته قائلاً “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو 23 :43).

لقد نال هذا اللصّ الخلاص، والحياة الأبدية بالإيمان وحده، إذ لم يكن في قدرته وهو معلّق على الصليب أن يقوم بأيّ عمل صالح .. فالقول بأن الخلاص بالإيمان والأعمال، قول مضاد تماماً لكلمة الله.

لكن الأمر الهام الذي نلفت الأنظار باهتمام إليه، هو أن المسيح لم يخلّص اللصّ من عقوبة الصلب .. لقد تركه معلّقاً على الصليب حتى مات .. لأن الغفران لا يرفع عنا العقوبة التي نستحقّها في الزمان.

الفصل الثاني

لمن نعترف

لمن نعترف؟!

هذا سؤال في غاية الأهمية، ولكي يكون الجواب عليه صحيحاً يجب أن يكون مؤسساً على الكتاب المقدّس وحده . وهذا ما يقوله الكتاب المقدّس :

“مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ” (أم 28 :13).

” أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي” (مز 32 :5).

“لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ” (مز 130 :4).

“لِلرَّبِّ إِلهِنَا الْمَرَاحِمُ وَالْمَغْفِرَةُ، لأَنَّنَا تَمَرَّدْنَا عَلَيْهِ” (دا 9 :9).

“فَاجْتَازَ الرَّبُّ قُدَّامَهُ، وَنَادَى الرَّبُّ: الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ. حَافِظُ الإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ الإِثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْخَطِيَّةِ. وَلكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إِبْرَاءً. مُفْتَقِدٌ إِثْمَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ، وَفِي أَبْنَاءِ الأَبْنَاءِ، فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ” ( خر 34 :6 -7).

“مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ وَصَافِحٌ عَنِ الذَّنْبِ لِبَقِيَّةِ مِيرَاثِهِ! لاَ يَحْفَظُ إِلَى الأَبَدِ غَضَبَهُ، فَإِنَّهُ يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ” ( مي 7 :18).

“إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ” (1 يو 1 :9).

إن الله أمين يكتم أسرارنا حين نعترف بها له. وهو أمين في حفظ وعوده للتائبين.

وهو عادل أخذ عدله كل حقّه في موت المسيح على الصليب . ولذا فهو يغفر لنا خطايانا على أساس عمل المسيح الذي أكمله بموته على الصليب، ويطهّرنا من كل إثم بدم المسيح الكريم.

واضح لكل ذي عينين وعقل سليم، أن الإعتراف بالخطايا يجب أن يكون للذي له الحق في منحنا الرحمة… والذي يستطيع أن يرفع آثام خطيتنا… والذي يستطيع أن يغفر لنا خطايانا … ومع هذا كله … الذي يستطيع أن يطهّرنا بعد أن نجّستنا الآثام، من كل إثم.

ولا نجد إنساناً عل الأرض مهما كانت رتبته الدينية يتّصف بهذه الصفات، أو له هذه القدرات.

•الله وحده الذي يرحم.

•الله وحده هو الذي يرفع آثام خطيتنا… وآثام خطيتنا هي ثمار الطبيعة الساقطة التي ورثناها عن آدم، هذه الطبيعة التي هي سبب سقوطنا المستمر في الخطية وموتنا الجسدي.

“مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” (رو 5 :12).

•الله وحده هو الذي له حق منح الغفران، لأن الخطية إساءة موجهة إليه.

•الله وحده هو الذي دبّر تطهير المؤمن المعترف بخطاياه بدم المسيح.

“وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ” (1يو 1 :7).

اعتاد رجل كاثوليكي أن يحضر اجتماعات الكنيسة التي كنت أرعاها في القاهرة مساء كل أحد … ودعاني لزيارته، ولما ذهبت إلى بيته بادرني بالقول : لماذا لا تؤمن بوجود المطهر الذي تذهب إليه نفوس المؤمنين لتوفي عقاب خطاياها؟

أجبته : دعنا نقرأ آية من رسالة يوحنا الأولى … وفتحت العهد الجديد وقرأت له هذه الكلمات : “وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ” (1يو 1 :7).

سألته : هل رأيت كيف أن دم يسوع المسيح ابن الله يطهّرنا من كل خطيّة؟ أجاب : نعم … قلت : إذا كان «دم يسوع المسيح » يطهّرنا من كل خطيّة … فأين هي الخطايا التي تحتاج إلى المطهر، وقد تطهّرنا من كل خطية ؟!! وصمت الرجل الكاثوليكي.

نعود مكّررين أن الإعتراف بخطايانا يجب أن يكون للرب وحده .. وليس لأحد سواه وأن الله يغفر خطايانا ويطهّرنا من كل إثم.

داود الملك اعترف بخطيته لله

عندما ارتكب داود الملك خطيته التي شوّهت تاريخ حياته، فزنى مع بثشبع امرأة أوريّا الحثّي، ودبّر قتل زوجها … لم يعترف لرئيس الكهنة، لأنه عرف أن رئيس الكهنة كان خاطئاً مثله … وكان في حاجة لتقديم ذبيحة عن نفسه كما يقدّم ذبيحة عن جهالات الشعب … وهذا ما يقوله كاتب الرسالة إلى العبرانيين :

“لأَنَّهُ نُصِبَ الْمَسْكَنُ الأَوَّلُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «الْقُدْسُ» الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَنَارَةُ، وَالْمَائِدَةُ، وَخُبْزُ التَّقْدِمَةِ. وَوَرَاءَ الْحِجَابِ الثَّانِي الْمَسْكَنُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «قُدْسُ الأَقْدَاسِ» فِيهِ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَتَابُوتُ الْعَهْدِ مُغَشًّى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِالذَّهَبِ، الَّذِي فِيهِ قِسْطٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ الْمَنُّ، وَعَصَا هَارُونَ الَّتِي أَفْرَخَتْ، وَلَوْحَا الْعَهْدِ. وَفَوْقَهُ كَرُوبَا الْمَجْدِ مُظَلِّلَيْنِ الْغِطَاءَ. أَشْيَاءُ لَيْسَ لَنَا الآنَ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْهَا بِالتَّفْصِيلِ. ثُمَّ إِذْ صَارَتْ هذِهِ مُهَيَّأَةً هكَذَا، يَدْخُلُ الْكَهَنَةُ إِلَى الْمَسْكَنِ الأَوَّلِ كُلَّ حِينٍ، صَانِعِينَ الْخِدْمَةَ. وَأَمَّا إِلَى الثَّانِي فَرَئِيسُ الْكَهَنَةِ فَقَطْ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، لَيْسَ بِلاَ دَمٍ يُقَدِّمُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ جَهَالاَتِ الشَّعْبِ” (عب 9 :2 -7).

عرف داود أن «رئيس الكهنة» يحتاج أن يكفّر بذبيحة عن خطايا نفسه .. وإذاً فليس في قدرته أن يغفر خطايا الشعب.

الإنسان الخاطىء، مهما كان مركزه الديني لا يستطيع أن يغفر خطايا الناس، لأنه هو نفسه في حاجة إلى الغفران.

لذلك اعترف داود لله الذي له وحده حق الغفران.

ومع أن خطية داود كانت ضدّ التاج …

وكانت ضدّ الدولة …

وكانت ضدّ الشرف …

وكانت ضدّ الطهارة…

وكانت ضدّ أوريّا …

وكانت ضدّ إمرأة أوريّا …

وكانت ضدّ الجيش …

ولكن اعترافه بخطيته كان لله لأنها كانت تعدّياً صريحاً لناموس الله الذي قال : “لا تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ” (خر 20 :13 ،14، 17).

ويعلن مزمور اعتراف داود، أنه عرف أن خطيته تستوجب الموت، فتوسّل لله قائلاً:” اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ”(مز 51 : 1)

وعرف أن خطيته صارت وصمة عار في حياته فقال “حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ”.

وعرف أن خطيته جعلته قذراً ونجساً جداً فقال : “اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي” (مز 51 :2)

وشعر بثقل معصيته على ضميره، ولم تفارق خطيته وجودها أمام عينيه فقال:

“لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا” (مز 51 :3).

وعاد يطلب الغسل والتطهير فقال :

“طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ”  وعرف أن خطيته سلبت منه السرور والفرح، وقطعت الشركة بينه وبين إلهه فقال : “أَسْمِعْنِي سُرُورًا وَفَرَحًا، فَتَبْتَهِجَ عِظَامٌ سَحَقْتَهَا. اسْتُرْ وَجْهَكَ عَنْ خَطَايَايَ، وَامْحُ كُلَّ آثامِي”.

وعرف أن خطيته لوّثت قلبه، وروحه، وهزّت كل أركان حياته الروحية فقال :

“قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي. لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي”.

وعرف أن خطيته أضاعت منه بهجة الخلاص فقال :

“رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ اعْضُدْنِي”.

وأراد برغبة صادقة أن يستمر في ربح الآخرين لملكوت الله، وفي التسبيح لله فقال : “فَأُعَلِّمَ الأَثَمَةَ طُرُقَكَ، وَالْخُطَاةُ إِلَيْكَ يَرْجِعُونَ. نَجِّنِي مِنَ الدِّمَاءِ يَا اَللهُ، إِلهَ خَلاَصِي، فَيُسَبِّحَ لِسَانِي بِرَّكَ. يَا رَبُّ افْتَحْ شَفَتَيَّ، فَيُخْبِرَ فَمِي بِتَسْبِيحِكَ”

وفي ختام اعترافه قال :“لأَنَّكَ لاَ تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلاَّ فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لاَ تَرْضَى. ذَبَائِحُ اللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. الْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا اَللهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ” (مز 51 :1 – 17).

الأمر الهام الجدير بالملاحظة هو كلمات داود : “إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ” (مز 51 :4).

هذا يعني أن خطية الزنى، وخطية الإعتداء على حياة إنسان بالقتل، هما خطيتان ضدّ الله وحده، وشرُّ فظيعٌ يُصنع أمام عينيه. والاعتراف بخطية الزنى التي صارت خطية الكثيرين في هذا العصر الذي فقد الأخلاق والقيّم الروحية يجب أن يكون لله وحده.

منذ سنوات كتبت لي سيدة من الإسكندرية بجمهورية مصر الخطاب التالي:

جناب القس لبيب ميخائيل:

سأكتب خطابي بلا مقدّمات … أنا سيدة جامعية … متزوّجة … سَقطت في حب أحد زملائي في العمل، وقامت بيننا علاقة آثمة لمدة أكثر من سنتين … وقع في يدي مؤخراً أكثر من عدد من مجلة «الأخبار السارة» التي أنت مؤسسها ورئيس تحريرها … مقالاتك هزّت أعماقي … أظهرت لي فظاعة خطيّتي، وشناعة علاقتي بزميلي في العمل … وأحبّ أن أقول لك إنني نلت الخلاص في شبابي الباكر، ثم دخلت في مرحلة ارتداد … أوصلتني إلى سقوطي المشين.

بعد أن قرأت ما قرأت من مقالاتك في «الأخبار السارة» أيقظني الروح القدس من سباتي، وأظهر لي عِظم شرّي وخطيتي … إنكسرت روحي داخلي، واعترفت للرب بسواد خطيتي، وطلبت منه كما طلب داود النبي أن يغسّلني ويطهّرني … وهو في نعمته المجانية قد فعل، وقد انقطعتُ تماماً عن علاقتي الآثمة بزميلي.

وسؤالي الآن : هل أعترف لزوجي بخطيتي أم يكفي إعترافي بها لإلهي؟

أرجو أن تجيبني من فضلك على سؤالي.

وقد كتبت لهذه الإبنة العزيزة الردّ التالي :

ابنتي التي رجعت إلى الله

قرأت خطابك أكثر من مرة، وعرفت من كلماته أنكِ تبتِ توبة صادقة عن خطيتك، وقطعتِ علاقتك الآثمة مع زميلك تماماً … واعترفتِ بخطيتك بقلب منكسر وروح منسحقة لإلهك.

إن خطيتكِ يا ابنتي كانت ضدّ الله … كانت شراً فعلتيه قدّام عينيه كما قال داود النبي “إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ” … وعلى هذا فاعترافكِ للرب يكفي …« لا تعترفي لزوجكِ بخطيتك» … وأعود مكرّراً « لا تعترفي لزوجكِ بما فعلتِ» … فاعترافكِ لزوجكِ، سيهزّ كيانه … ويفقده ثقته فيكِ … ويتسبّب في هدم بيتك.

لا أحد سيستفيد من اعترافكِ لزوجكِ … بل على العكس ستقوم زوبعة تهزّ كيان حياته وحياتك … ولعلّه في غضبه، وتحت تأثير صدمة اعترافك يقول لآخرين … والآخرون يقولون لآخرين، وتصبح القصة فضيحة.

«لا تعترفي لزوجك يا ابنتي» فقد اعترفتِ لله المحب، وهو «أمين وعادل»، أمينٌ يكتم سرّكِ، وعادل أخذ دينونة خطيتكِ في صليب المسيح … ابتهجي بغفران إلهكِ … ولا تخطئي أيضاً، واذكري دوماً كلمات داود في المزمور :

“طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُل (أو لامرأة) لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً، وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ” (مز 32 :1 -2).

دانيال النبي اعترف لله

عندما فهم دانيال من الكتب أن السبعين سنة التي حدّدها الرب لخراب أورشليم قد كَمُلَتْ قرّر أن يعترف للرب بخطيته وخطية شعبه اسرائيل.

فتعال معي لنقرأ اعتراف دانيال الذي سجّله كاملاً في الأصحاح التاسع من سفره :

“فِي السَّنَةِ الأُولَى لِدَارِيُوسَ بْنِ أَحْشَوِيرُوشَ مِنْ نَسْلِ الْمَادِيِّينَ الَّذِي مُلِّكَ عَلَى مَمْلَكَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ، فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنْ مُلْكِهِ، أَنَا دَانِيآلَ فَهِمْتُ مِنَ الْكُتُبِ عَدَدَ السِّنِينَ الَّتِي كَانَتْ عَنْهَا كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَى إِرْمِيَا النَّبِيِّ، لِكَمَالَةِ سَبْعِينَ سَنَةً عَلَى خَرَابِ أُورُشَلِيمَ. فَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَى اللهِ السَّيِّدِ طَالِبًا بِالصَّلاَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، بِالصَّوْمِ وَالْمَسْحِ وَالرَّمَادِ. وَصَلَّيْتُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِي وَاعْتَرَفْتُ وَقُلْتُ: أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْعَظِيمُ الْمَهُوبُ، حَافِظَ الْعَهْدِ وَالرَّحْمَةِ لِمُحِبِّيهِ وَحَافِظِي وَصَايَاهُ. أَخْطَأْنَا وَأَثِمْنَا وَعَمِلْنَا الشَّرَّ، وَتَمَرَّدْنَا وَحِدْنَا عَنْ وَصَايَاكَ وَعَنْ أَحْكَامِكَ. وَمَا سَمِعْنَا مِنْ عَبِيدِكَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ بِاسْمِكَ كَلَّمُوا مُلُوكَنَا وَرُؤَسَاءَنَا وَآبَاءَنَا وَكُلَّ شَعْبِ الأَرْضِ. لَكَ يَا سَيِّدُ الْبِرُّ، أَمَّا لَنَا فَخِزْيُ الْوُجُوهِ، كَمَا هُوَ الْيَوْمَ لِرِجَالِ يَهُوذَا وَلِسُكَّانِ أُورُشَلِيمَ، وَلِكُلِّ إِسْرَائِيلَ الْقَرِيبِينَ وَالْبَعِيدِينَ فِي كُلِّ الأَرَاضِي الَّتِي طَرَدْتَهُمْ إِلَيْهَا، مِنْ أَجْلِ خِيَانَتِهِمِ الَّتِي خَانُوكَ إِيَّاهَا. يَا سَيِّدُ، لَنَا خِزْيُ الْوُجُوهِ، لِمُلُوكِنَا، لِرُؤَسَائِنَا وَلآبَائِنَا لأَنَّنَا أَخْطَأْنَا إِلَيْكَ. لِلرَّبِّ إِلهِنَا الْمَرَاحِمُ وَالْمَغْفِرَةُ، لأَنَّنَا تَمَرَّدْنَا عَلَيْهِ. وَمَا سَمِعْنَا صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِنَا لِنَسْلُكَ فِي شَرَائِعِهِ الَّتِي جَعَلَهَا أَمَامَنَا عَنْ يَدِ عَبِيدِهِ الأَنْبِيَاءِ. وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ قَدْ تَعَدَّى عَلَى شَرِيعَتِكَ، وَحَادُوا لِئَلاَّ يَسْمَعُوا صَوْتَكَ، فَسَكَبْتَ عَلَيْنَا اللَّعْنَةَ وَالْحَلْفَ الْمَكْتُوبَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى عَبْدِ اللهِ، لأَنَّنَا أَخْطَأْنَا إِلَيْهِ. وَقَدْ أَقَامَ كَلِمَاتِهِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا عَلَيْنَا وَعَلَى قُضَاتِنَا الَّذِينَ قَضَوْا لَنَا، لِيَجْلِبَ عَلَيْنَا شَرًّا عَظِيمًا، مَا لَمْ يُجْرَ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا كَمَا أُجْرِيَ عَلَى أُورُشَلِيمَ. كَمَا كُتِبَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى، قَدْ جَاءَ عَلَيْنَا كُلُّ هذَا الشَّرِّ، وَلَمْ نَتَضَرَّعْ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ إِلهِنَا لِنَرْجعَ مِنْ آثَامِنَا وَنَفْطِنَ بِحَقِّكَ. فَسَهِرَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ وَجَلَبَهُ عَلَيْنَا، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَنَا بَارٌّ فِي كُلِّ أَعْمَالِهِ الَّتِي عَمِلَهَا إِذْ لَمْ نَسْمَعْ صَوْتَهُ. وَالآنَ أَيُّهَا السَّيِّدُ إِلهُنَا، الَّذِي أَخْرَجْتَ شَعْبَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ، وَجَعَلْتَ لِنَفْسِكَ اسْمًا كَمَا هُوَ هذَا الْيَوْمَ، قَدْ أَخْطَأْنَا، عَمِلْنَا شَرًّا. يَا سَيِّدُ، حَسَبَ كُلِّ رَحْمَتِكَ اصْرِفْ سَخَطَكَ وَغَضَبَكَ عَنْ مَدِينَتِكَ أُورُشَلِيمَ جَبَلِ قُدْسِكَ، إِذْ لِخَطَايَانَا وَلآثَامِ آبَائِنَا صَارَتْ أُورُشَلِيمُ وَشَعْبُكَ عَارًا عِنْدَ جَمِيعِ الَّذِينَ حَوْلَنَا. فَاسْمَعِ الآنَ يَا إِلهَنَا صَلاَةَ عَبْدِكَ وَتَضَرُّعَاتِهِ، وَأَضِئْ بِوَجْهِكَ عَلَى مَقْدِسِكَ الْخَرِبِ مِنْ أَجْلِ السَّيِّدِ. أَمِلْ أُذُنَكَ يَا إِلهِي وَاسْمَعْ. اِفْتَحْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ خِرَبَنَا وَالْمَدِينَةَ الَّتِي دُعِيَ اسْمُكَ عَلَيْهَا، لأَنَّهُ لاَ لأَجْلِ بِرِّنَا نَطْرَحُ تَضَرُّعَاتِنَا أَمَامَ وَجْهِكَ، بَلْ لأَجْلِ مَرَاحِمِكَ الْعَظِيمَةِ. يَا سَيِّدُ اسْمَعْ. يَا سَيِّدُ اغْفِرْ. يَا سَيِّدُ أَصْغِ وَاصْنَعْ. لاَ تُؤَخِّرْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِكَ يَا إِلهِي، لأَنَّ اسْمَكَ دُعِيَ عَلَى مَدِينَتِكَ وَعَلَى شَعْبِكَ” (دا 9 : 1-19).

وسنكتفي هنا بذكر آيات قليلة من هذا الاعتراف العظيم. “فَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَى اللهِ السَّيِّدِ طَالِبًا بِالصَّلاَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، بِالصَّوْمِ وَالْمَسْحِ وَالرَّمَادِ. وَصَلَّيْتُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِي وَاعْتَرَفْتُ وَقُلْتُ: أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْعَظِيمُ …. أَخْطَأْنَا وَأَثِمْنَا وَعَمِلْنَا الشَّرَّ، وَتَمَرَّدْنَا وَحِدْنَا عَنْ وَصَايَاكَ وَعَنْ أَحْكَامِكَ … وَبَيْنَمَا أَنَا أَتَكَلَّمُ وَأُصَلِّي وَأَعْتَرِفُ بِخَطِيَّتِي وَخَطِيَّةِ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ، وَأَطْرَحُ تَضَرُّعِي أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِي عَنْ جَبَلِ قُدْسِ إِلهِي، إِذَا بِالرَّجُلِ جِبْرَائِيلَ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الرُّؤْيَا فِي الابْتِدَاءِ مُطَارًا وَاغِفًا لَمَسَنِي عِنْدَ وَقْتِ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ” (دا 9 :3 ،4 ،5 ،21،20 ).

كان اعتراف دانيال للرب … وليس لإنسان.

نحميا اعترف لله

مع أن نحميا كان يشغل مركزاً مرموقاً وحساساً في قصر الملك « أرتحشستا» إذ كان ساقياً للملك، إلا أنه كان مُثقَلاً بهموم شعبه، وبحالة أورشليم المدينة الغالية على قلبه، ولما علم أن الذين في إسرائيل هم في شر عظيم وعار، وأن سور أورشليم منهدم قرّر أن يعترف لله ويطلب استجابة لصلاته.

فتعال معي لنقرأ جزءاً من صلاته التي سجّلها كلها في الأصحاح الأول من السفر المعنون بإسمه: “أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ السَّمَاءِ، الإِلهُ الْعَظِيمُ الْمَخُوفُ، الْحَافِظُ الْعَهْدَ وَالرَّحْمَةَ لِمُحِبِّيهِ وَحَافِظِي وَصَايَاهُ، لِتَكُنْ أُذْنُكَ مُصْغِيَةً وَعَيْنَاكَ مَفْتُوحَتَيْنِ لِتَسْمَعَ صَلاَةَ عَبْدِكَ الَّذِي يُصَلِّي إِلَيْكَ الآنَ نَهَارًا وَلَيْلًا لأَجْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَبِيدِكَ، وَيَعْتَرِفُ بِخَطَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي أَخْطَأْنَا بِهَا إِلَيْكَ. فَإِنِّي أَنَا وَبَيْتُ أَبِي قَدْ أَخْطَأْنَا. لَقَدْ أَفْسَدْنَا أَمَامَكَ، وَلَمْ نَحْفَظِ الْوَصَايَا وَالْفَرَائِضَ وَالأَحْكَامَ الَّتِي أَمَرْتَ بِهَا مُوسَى عَبْدَكَ” (نح 1 :5 -7).

من كل ما تقدّم يتأكّد لنا تماماً أن الإعتراف بالخطايا لا يجب أن يكون إلا لله وحده وليس من حق بشر أياً كان أن يستمع إلى اعتراف إنسان آخر بحجة أن له السلطان من الله أن يغفر خطايا المعترفين.

مصير الذين اعترفوا للبشر

عَخَان بن كرمي اعترف ليشوع

عندما أخذ عَخَان بن كرمي من الحرام، وخبّأ ما أخذ وسط خيمته، وكشف الرب ليشوع خطيته بعد أن تسبّب في هزيمة اسرائيل، تستمرّ القصة بالكلمات.

“فقَالَ يَشُوعُ لِعَخَانَ: يَا ابْنِي، أَعْطِ الآنَ مَجْدًا لِلرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ، وَاعْتَرِفْ لَهُ وَأَخْبِرْنِي الآنَ مَاذَا عَمِلْتَ. لاَ تُخْفِ عَنِّي. فَأَجَابَ عَخَانُ يَشُوعَ وَقَالَ: حَقًّا إِنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ وَصَنَعْتُ كَذَا وَكَذَا. رَأَيْتُ فِي الْغَنِيمَةِ رِدَاءً شِنْعَارِيًّا نَفِيسًا، وَمِئَتَيْ شَاقِلِ فِضَّةٍ، وَلِسَانَ ذَهَبٍ وَزْنُهُ خَمْسُونَ شَاقِلًا، فَاشْتَهَيْتُهَا وَأَخَذْتُهَا. وَهَا هِيَ مَطْمُورَةٌ فِي الأَرْضِ فِي وَسَطِ خَيْمَتِي، وَالْفِضَّةُ تَحْتَهَا … فَقَالَ يَشُوعُ: كَيْفَ كَدَّرْتَنَا؟ يُكَدِّرُكَ الرَّبُّ فِي هذَا الْيَوْمِ!. فَرَجَمَهُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ بِالْحِجَارَةِ وَأَحْرَقُوهُمْ بِالنَّارِ وَرَمَوْهُمْ بِالْحِجَارَةِ” (يش 7 :19- 25).

اعترف عَخَان ليشوع اعترافاً تفصيلياً عن خطيته، لكن اعترافه ليشوع لم يمنحه الغفران

أولاً لأنه جاء متأخراً بعد أن كشف الرب خطيته
ثانياً لأن يشوع لم يكن في سلطانه أن يمنحه الغفران

وبعد اعترافه مباشرة رجمه جميع اسرائيل بالحجارة وأحرقوه وكل أسرته معه بالنار.

شاول الملك اعترف لصموئيل النبي

اعترف الملك شاول بخطيته لصموئيل النبي، ولم يمنحه صموئيل الغفران بل أعلن له أن الرب رفضه من المُلك، وهذه كلمات اعتراف شاول “فَقَالَ شَاوُلُ لِصَمُوئِيلَ: أَخْطَأْتُ لأَنِّي تَعَدَّيْتُ قَوْلَ الرَّبِّ وَكَلاَمَكَ، لأَنِّي خِفْتُ مِنَ الشَّعْبِ وَسَمِعْتُ لِصَوْتِهِمْ. وَالآنَ فَاغْفِرْ خَطِيَّتِي وَارْجعْ مَعِي فَأَسْجُدَ لِلرَّبِّ. فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: لاَ أَرْجعُ مَعَكَ لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ، فَرَفَضَكَ الرَّبُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ” (1 صم 15 :24 -26).

يهوذا الإسخريوطي اعترف لرؤساء الكهنة

في العهد القديم لم يكن في وسع الكهنة أو رئيس الكهنة أن يغفر الخطايا، ويتبين هذا بكل وضوح من اعتراف يهوذا الإسخريوطي هذا الإعتراف الذي سجله متى البشير في الكلمات :

“حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ قَائِلًا: قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا. فَقَالُوا: مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ! فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ” (مت 27 :3 -5).

ومن هذا النص نرى أن يهوذا قد اعترف لرؤساء الكهنة والشيوخ أنه أخطأ إذ سلّم المسيح البار، ولو كان في سلطان الكهنة اليهود أن يغفروا الخطايا لهدّأوا من مخاوفه، وأحلّوه من خطيته، وغفروا له جريمته، ولكنهم على العكس من ذلك قالوا له في عجز كامل “مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ”، ولم ينفع اعتراف يهوذا لرؤساء الكهنة والشيوخ في تهدئة نفسه الآثمة. فمضى وخنق نفسه … علّق نفسه على جزع شجرة، ولم يحتمل الجزع ثقل جسده فانكسر وسقط يهوذا على وجهه … على صخرة مدبّبة فانشقّ بطنه وانسكبت أحشاؤه كلها “فَإِنَّ هذَا اقْتَنَى حَقْلًا مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ، وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسْطِ، فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا” (أع 1 :18).

 هكذا انتهت حياة من اعترفوا للبشر … عخان بن كرمي … وشاول الملك … ويهوذا الإسخريوطي … اعترافهم للبشر لم يمنحهم الغفران بل قادهم للموت والهلاك. لم يؤمن اليهود قط بسلطان الكهنة والأنبياء لغفران الخطايا.

ذات يوم جاء اليهود برجل مصاب بالشلل ليشفيه المسيح وقد سجّل مرقس البشير المعجزة بهذه الكلمات :

“وَجَاءُوا إِلَيْهِ مُقَدِّمِينَ مَفْلُوجًا يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ. وَإِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْجَمْعِ، كَشَفُوا السَّقْفَ حَيْثُ كَانَ. وَبَعْدَ مَا نَقَبُوهُ دَلَّوُا السَّرِيرَ الَّذِي كَانَ الْمَفْلُوجُ مُضْطَجِعًا عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ، قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ. وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ هُنَاكَ جَالِسِينَ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ: لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا هكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ” (مر 2 :3 -7).

ولكي يعلن الرب يسوع لاهوته، وقدرته على غفران الخطايا باعتباره ابن الله الأزلي، والله الابن المتجسّد في الزمان، قال للكتبة بعد أن شعر بروحه بما يجول في قلوبهم وهو فاحص القلوب والكلى:

“لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ لِلْمَفْلُوجِ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ؟ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا. قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: لَكَ أَقُولُ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!. فَقَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ السَّرِيرَ وَخَرَجَ قُدَّامَ الْكُلِّ، حَتَّى بُهِتَ الْجَمِيعُ وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هذَا قَطُّ” (مر2 : 8 -12).

الله الابن القادر على شفاء الأمراض المستعصية هو أيضاً القادر على الغفران … وقد علّم الرب يسوع تلاميذه أن الآب كذلك هو غافر الخطايا، فقال لهم متى صليتم فقولوا ” أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ… وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا “ (مت 6 :12).

ونحن لا نقرأ في أي موضع في العهد الجديد … في البشائر أو في سفر أعمال الرسل، أو في الرسائل، أن الرسل قد سمعوا اعتراف إنسان وغفروا خطيته بعد سماع اعترافه
وكل الذي نقرأه هو اعتراف الذين نالوا الخلاص بالإيمان، بماضي حياتهم الأَسْود قبل معرفتهم طريق خلاص الله، لا لينالوا بهذا الإعتراف غفراناً، فإنهم قد نالوا الغفران بالإيمان بيسوع المسيح كما قال الرب لبولس حين ظهر له في طريق دمشق : “وَلكِنْ قُمْ وَقِفْ عَلَى رِجْلَيْكَ لأَنِّي لِهذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا بِمَا رَأَيْتَ وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ، مُنْقِذًا إِيَّاكَ مِنَ الشَّعْبِ وَمِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أَنَا الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِالإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ” ( أع 26 :16 -18).

وإنما ليعظّموا باعترافهم بخطاياهم نعمة الله التي خلّصتهم من طين الحمأة التي غاصوا فيها وهذا واضح من الكلمات : “وَصَارَ هذَا مَعْلُومًا عِنْدَ جَمِيعِ الْيَهُودِ وَالْيُونَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي أَفَسُسَ. فَوَقَعَ خَوْفٌ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَكَانَ اسْمُ الرَّبِّ يَسُوعَ يَتَعَظَّمُ. وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ” (أع 19 :17 ،18).

فالإعتراف المذكور هنا هو اعتراف أناس آمنوا فعلاً، وأرادوا أن يعظّموا اسم الرب الذي جدّد حياتهم وغفر جميع خطاياهم… فاعترفوا بأفعالهم التي فعلوها قبل إيمانهم، وكان اعترافهم علناً للجميع وليس للرسول بولس وحده.
هنا نرى لزاماً علينا في ختام هذا الفصل أن نذكر كيفية الإعتراف للكاهن في الكنائس التقليدية كما سجّلها الجزء الأول من كتاب «بستان الروح» الذي كتبه «الأنبا شنوده السرياني» منذ سنين طويلة.

فتحت عنوان «كيف أعترف؟» كتب المؤلف يقول بالحرف الواحد :حين تجلس أمام الأب الكاهن … اهتم بتفاصيل الخطية التي يظهر فيها لون من البشاعة حتى تظهر أمام أبيك الروحي على حقيقتك، فمكان الخطية وزمانها، والشخص الذي أخطأت معه أو إليه، كل ذلك له تأثير على مقدار إثمك. أما أن تعترف إعترافاً عاماً (غير تفصيلي) فهذا لا يُجديك كثيراً، اهتم أيضاً بمدة الخطية : هل الخطية التي تعترف بها مستمرة عندك وتلحّ عليك، أم ارتكبتها مرة واحدة أو أكثر؟ وهل أصْبَحَت عادة متملّكة عليك،  وتجد صعوبة في الإقلاع عنها؟.

 اهتم كذلك بمشاعرك أثناء فعل الخطية، هل كنت متلذّذاً أم نافراً متضايقاً ؟ (انتهى كلام الأنبا شنوده السرياني).

فهل ترى إلى أي مدى يصل الأمر بما يسمّونه «سرّ الإعتراف» ؟ هل يمكنك أن تتصوّر سيّدة سقطت في خطية (الزنى)، وهي تجلس أمام (الكاهن) تعترف له بتفاصيل سَقطتها من الألف إلى الياء، عن مكان خطيتها وزمانها، وعن الشخص الذي أَخطَأت معه، ومدّة الخطية، ومشاعر اللذة أو الألم التي أحسّت بها ؟
وهل يمكنك أن تتصوّر أن ذكر التفاصيل يعظّم أو يصغّر مقدار إثم هذه المرأة ؟ كأنما (الزنى) على أنواع، وكأنما الخطايا لها قوائم ترتفع بها وتنخفض، مع أن الكتاب المقدّس يقول بلغة صريحة على لسان ربّ المجد : “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ” (مت 5 :27 ،28).

فانظر ما أوسع الهوة القائمة بين تعاليم الناس وتعليم الكتاب المقدّس.

واغمض عينك قليلاً لتتصوّر كيفية الإعتراف التي ذكرناها عندما تتمّ في الواقع العملي، وستجد أن مجرّد التصوُّر والتفكير في موقف كهذا يُثير التقزّز في النفس التي عرفت الرب. فمن الذي أعطى للإنسان البشري كائناً من كان أن يُمزّق القناع عن حياة الآخرين، وأن يعرف ما لا يجب أن يعرفه عن أسرار الناس التي قال عنها الرب في كلمته : “السَّرَائِرُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا، وَالْمُعْلَنَاتُ لَنَا وَلِبَنِينَا إِلَى الأَبَدِ، لِنَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذِهِ الشَّرِيعَةِ” (تث 29 :29).

إن خفيّات قلب الإنسان لا يعرفها إلا الرب وحده كما يقول صاحب المزمور ” إِنْ نَسِينَا اسْمَ إِلهِنَا أَوْ بَسَطْنَا أَيْدِيَنَا إِلَى إِلهٍ غَرِيبٍ، أَفَلاَ يَفْحَصُ اللهُ عَنْ هذَا؟ لأَنَّهُ هُوَ يَعْرِفُ خَفِيَّاتِ الْقَلْبِ” (مز 44 :21،20 ).

وكما يقول موسى في صلاته : “قَدْ جَعَلْتَ آثامَنَا أَمَامَكَ، خَفِيَّاتِنَا فِي ضَوْءِ وَجْهِكَ” (مز 90 :8).
إنني لا أستطيع أن أتصوّر أن رجلاً من رجال الله الحقيقيين يرضى لنفسه أن يستمع إلى تفاصيل خطية مشينة من صاحبها أو صاحبتها، ويقبل أن يسمع بأذنيه كلمات لا يليق أن يسمعها القديسون أبناء العليّ.

إن الكتاب المقدسّ يُعلن بوضوح أن الإعتراف بالخطايا الشخصية لنوال الغفران لا يكون إلا لله وحده، ويُرينا أن أولئك الذين اعترفوا للناس لم ينالوا غفراناً لخطاياهم.

وكل الحجج التي يقدّمها الناس لتبرير الإعتراف بالخطية للكهنة أو القسوس، مثل معرفة مقدار بشاعة الخطية التي فعلتها، أو وصف العلاج المناسب الذي يساعدك للخلاص منها، أو لزوم شعورك بالخجل من خطاياك … كل هذه حجج واهية، والعلاج الوحيد بعد السقوط في الخطية هو الإغتسال والتطهير بدم المسيح الكريم “وَمِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ: الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ” (رؤ 1 :5).

أما الصوم … أو الصلاة … أو الصدقات … أو التدريبات الجسدية أو الروحية فلا قوة فيها للتطهير من الخطية كما يقول إشعياء النبي : “وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ (ثوب مهلهل )كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا، وَقَدْ ذَبُلْنَا كَوَرَقَةٍ، وَآثَامُنَا كَرِيحٍ تَحْمِلُنَا” (إش 64 :6).

دم المسيح الكريم هو الوسيلة الوحيدة للغفران، والحرية، والتطهير
ففي دم المسيح قوة غافرة “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أف 1 :7).
وفي دم المسيح قوة مُحرّرة “وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ، وَلَمْ يُحِبُّوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى الْمَوْتِ” (رؤ 12 :11).

وفي دم المسيح قوة مُطهّرة “وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ” (1 يو 1 :7).

وكل عمل نحاول أن نُضيفَه لدم المسيح لنوال الغفران هو إهانة للمسيح المصلوب فليسمع المؤمن الذي سقط في خطية ما هذه الكلمات من فم الرب : “هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ الرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَالدُّودِيِّ تَصِيرُ كَالصُّوفِ” (إش 1 :18).

 

الفصل الثالث
تفسير الآيات المرتبطة بالإعتراف والغفران

على مكتبي ورقة كتبت فيها الآيات المرتبطة بالإعتراف والغفران. ولا بدّ لإستكمال هذه الرسالة أن نُسجّل التفسير الصحيح لهذه الآيات التي أذكرها فيما يلي:

1) قال يعقوب في رسالته :
“اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا. طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا” (يع 5 : 16).

2) قال الرب يسوع لبطرس الرسول :
“وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 16 :19).

3) وقال للكنيسة المجتمعة باسمه :
“اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ” (مت 18 :18).

4) وعند ظهوره لتلاميذه بعد قيامته :
“وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يو 20 :22 ،23).

والآن،فما هو تفسير هذه الآية؟

1) “اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ” (يع 5 :16).

نستطيع أن نفهم هذه الآية فهماً صحيحاً في ضوء كلمات المسيح في عظته على الجبل يقول الرب له المجد :
“قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ. فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ” (مت 5 :21 -24).

والكلمات تُرينا بصورة ظاهرة أن الإساءة الشخصية تتطلّب من المُسيء الإعتراف الشخصي لمن أساء إليه ” اذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ”، والصلح لا يكون إلا بالإعتراف بالإساءة لمن أسأنا إليه شخصياً، وهذا ما تعنيه كلمات يعقوب “اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ”.

وكل اعتراف بالإساءة لغير من أسأنا إليه اعتراف باطل، لأن الإعتراف الشخصي عنصر هام من عناصر الإعتراف الصحيح “اِحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ، وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ قَائِلًا: أَنَا تَائِبٌ، فَاغْفِرْ لَهُ” (لو 17 :3 ،4).

ونحن نرى صورة لهذا الإعتراف الشخصي في سفر العدد ، فقد تَكلّمت مريم وهرون على موسى بسبب المرأة الكوشية التي اتّخذها، وهنا سمع الرب وتدخّل وضرب مريم بالبرص “فَقَالَ هَارُونُ لِمُوسَى: أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي، لاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا الْخَطِيَّةَ الَّتِي حَمِقْنَا وَأَخْطَأْنَا بِهَا” (عد 12 :11).

أجل، حيت تُوجَّه الخطية إلى شخص معيّن فلا بدّ أن يكون الإعتراف لذلك الشخص “وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِذَا عَمِلَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ جَمِيعِ خَطَايَا الإِنْسَانِ، وَخَانَ خِيَانَةً بِالرَّبِّ، فَقَدْ أَذْنَبَتْ تِلْكَ النَّفْسُ. فَلْتُقِرَّ بِخَطِيَّتِهَا الَّتِي عَمِلَتْ، وَتَرُدَّ مَا أَذْنَبَتْ بِهِ بِعَيْنِهِ، وَتَزِدْ عَلَيْهِ خُمْسَهُ، وَتَدْفَعْهُ لِلَّذِي أَذْنَبَتْ إِلَيْهِ” (عد 5 :5 -7).

واضح تماماً أن كلمات يعقوب لا تطالبنا بالإعتراف للقسيس أو الكاهن، بل الإعتراف بعضنا لبعض حين يسيء الواحد منا للآخر.

2) قال الرب يسوع لبطرس الرسول، بعد اعتراف بطرس بأن المسيح هو ابن الله الحي :
“وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 16 :19).

فما هو تفسير هذه الآية؟

أول ما يجب ملاحظته جيداً هو أن كلمات الرب يسوع لا تذكر شيئاً في هذه الآية عن الإعتراف بالخطايا، لا تصريحاً ولا تلميحاً.

وثانياً إن الرب أعطى لبطرس “مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ”، وعن هذا يقول «بنيامين بنكرتن» في تفسيره لإنجيل متى : كان ملكوت السماوات مستقبلاً بعد ، وفوّض الرب فتحه إلى عبده بطرس وحده … وفعلاً فتح بطرس ملكوت السماوات:

أولاً لليهود:

“فَوَقَفَ بُطْرُسُ مَعَ الأَحَدَ عَشَرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الْيَهُودُ وَالسَّاكِنُونَ فِي أُورُشَلِيمَ أَجْمَعُونَ، لِيَكُنْ هذَا مَعْلُومًا عِنْدَكُمْ وَأَصْغُوا إِلَى كَلاَمِي، لأَنَّ هؤُلاَءِ لَيْسُوا سُكَارَى كَمَا أَنْتُمْ تَظُنُّونَ، لأَنَّهَا السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ النَّهَارِ. بَلْ هذَا مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيِّ. يَقُولُ اللهُ: وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا. وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضًا وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ. وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَآيَاتٍ عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ: دَمًا وَنَارًا وَبُخَارَ دُخَانٍ. تَتَحَوَّلُ الشَّمْسُ إِلَى ظُلْمَةٍ وَالْقَمَرُ إِلَى دَمٍ، قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ الرَّبِّ الْعَظِيمُ الشَّهِيرُ. وَيَكُونُ كُلُّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ. أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسْطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضًا تَعْلَمُونَ. هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضًا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ. لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ: كُنْتُ أَرَى الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، أَنَّهُ عَنْ يَمِينِي، لِكَيْ لاَ أَتَزَعْزَعَ. لِذلِكَ سُرَّ قَلْبِي وَتَهَلَّلَ لِسَانِي. حَتَّى جَسَدِي أَيْضًا سَيَسْكُنُ عَلَى رَجَاءٍ. لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا. عَرَّفْتَنِي سُبُلَ الْحَيَاةِ وَسَتَمْلأُنِي سُرُورًا مَعَ وَجْهِكَ. أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ جِهَارًا عَنْ رَئِيسِ الآبَاءِ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفِنَ، وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا حَتَّى هذَا الْيَوْمِ. فَإِذْ كَانَ نَبِيًّا، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَادًا. فَيَسُوعُ هذَا أَقَامَهُ اللهُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا شُهُودٌ لِذلِكَ. وَإِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ، سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ. لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاوَاتِ. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا. فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا لِبُطْرُسَ وَلِسَائِرَ الرُّسُلِ: مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟ فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ : تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. لأَنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ وَلِكُلِّ الَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ، كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ إِلهُنَا. وَبِأَقْوَال أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَشْهَدُ لَهُمْ وَيَعِظُهُمْ قَائِلًا: اخْلُصُوا مِنْ هذَا الْجِيلِ الْمُلْتَوِي. فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ. وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ” (أع 2 : 14 -42).

وثانياً للسامريين:

“وَلَمَّا سَمِعَ الرُّسُلُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ أَنَّ السَّامِرَةَ قَدْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ اللهِ، أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، اللَّذَيْنِ لَمَّا نَزَلاَ صَلَّيَا لأَجْلِهِمْ لِكَيْ يَقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَلَّ بَعْدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَمِدِينَ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ. حِينَئِذٍ وَضَعَا الأَيَادِيَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ” (أع 8 :14 – 17).

وثالثاً للأمم :

“فَانْدَهَشَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِتَانِ، كُلُّ مَنْ جَاءَ مَعَ بُطْرُسَ، لأَنَّ مَوْهِبَةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ قَدِ انْسَكَبَتْ عَلَى الأُمَمِ أَيْضًا” (أع 10 :45).

ولذلك لم يقل الرب لبطرس وأعطيك مفتاح بل «مفاتيح».
إن الباب الواحد يفتحه مفتاح واحد ومرة واحدة ، فلماذا إذاً «مفاتيح » والملكوت واحد والباب واحد؟

لأن الذين دخلوا إلي المسيحية في ذلك الوقت دخلوها من ثلاث ديانات :

الديانة اليهودية وهي تعبد الله وحده “اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ” (تث 6 :4).

والوثنية وهي تعبد الوثن ” وَإِنْ سَاءَ فِي أَعْيُنِكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا الرَّبَّ، فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ: إِنْ كَانَ الآلِهَةَ الَّذِينَ عَبَدَهُمْ آبَاؤُكُمُ الَّذِينَ فِي عَبْرِ النَّهْرِ، وَإِنْ كَانَ آلِهَةَ الأَمُورِيِّينَ الَّذِينَ أَنْتُمْ سَاكِنُونَ فِي أَرْضِهِمْ. وَأَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ” (يش 24 :15).

والسامرية وهي تعبد الله والوثن معاً ” وَأَتَى مَلِكُ أَشُّورَ بِقَوْمٍ مِنْ بَابِلَ وَكُوثَ وَعَوَّا وَحَمَاةَ وَسَفَرْوَايِمَ، وَأَسْكَنَهُمْ فِي مُدُنِ السَّامِرَةِ عِوَضًا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَامْتَلَكُوا السَّامِرَةَ وَسَكَنُوا فِي مُدُنِهَا …. فَكَانَ هؤُلاَءِ الأُمَمُ يَتَّقُونَ الرَّبَّ، وَيَعْبُدُونَ تَمَاثِيلَهُمْ، وَأَيْضًا بَنُوهُمْ وَبَنُو بَنِيهِمْ. فَكَمَا عَمِلَ آبَاؤُهُمْ هكَذَا هُمْ عَامِلُونَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ” (2 مل 17 :24 ،41).

فكان لا بدّ أن يستخدم بطرس خدمة خاصة لكل منها ينتقل بها من ديانتها الخاصة إلى الديانة المسيحية، ولذلك كانت لبطرس خدمته الخاصة لكل فريق لإدخاله.
ومن ثم أيضاً كان المسلَّم له «مفاتيح » وليس مُفتاحاً. فلما استعمل المفاتيح وأكمل مأموريته صار الملكوت مفتوحاً ولا يزال هكذا للآن.
والرب عند مجيئه سيجده مفتوحاً وينقّيه من المعاثر وفاعلي الإثم. فلا توجد أدنى إشارة في الإنجيل إلى غلق ملكوت السماوات بعد فتحه بواسطة بطرس. وقد شهد هذا الرسول نفسه عن قيامه بخدمة الفتح للأمم إذ قال :

” أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنْذُ أَيَّامٍ قَدِيمَةٍ اخْتَارَ اللهُ بَيْنَنَا أَنَّهُ بِفَمِي يَسْمَعُ الأُمَمُ كَلِمَةَ الإِنْجِيلِ وَيُؤْمِنُونَ” (أع 15 :7).

والآن نأتي إلى كلمات الرب “كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ” (مت 18 :18).

ودارس الكتاب المقدّس يلاحظ أن هناك (نقطة ) بعد كلمات الرب ” وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ” ثم بعد هذه (النقطة) يبدأ حديث جديد هو ” فكُلُّ مَا تَرْبِطُه ….. وَكُلُّ مَا تَحُلُّه”، وهنا نعود لكلمات «بنيامين بنكرتن»:

1) إن الربط والحل مهما كانا فلا يتمّان بمفاتيح. لو قال الرب، فكل ما تغلقه على الأرض يكون مُغلقاً في السماوات لكان هناك باب للقول بأن الفتح والإغلاق بالمفاتيح ، لكن الرب لم يقل هذا، وعلى هذا فلا علاقة بين المفاتيح والحل والربط .

2) إن الربط والحلّ قد أُسلما إلى بطرس أولاً ثم إلى الكنيسة المجتمعة باسم المسيح ثانياً كما قال الرب :
” اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: فكُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ” (مت 18 :18).

وسلطان «الحلّ والربط» الذي أعطاه الرب لبطرس ، ليس سلطاناً دكتاتورياً ، يعطي للبابا الحق في بيع «صكوك الغفران» وإنما هو سلطان مقّيد بكلمة الله، فمن يطيع كلمة الله يأخذ «الحل» ، ومن يَعصى كلمة الله تبقى عليه خطاياه. وهذا يظهر مما فعله بطرس الرسول يوم الخمسين . ففي يوم الخمسين حين نخس الروح القدس من سمعوا عظة بطرس وسألوا ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة.

“فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ: تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع 2 :38).

ومعنى هذا أن كل ما عمله بطرس هو أنه رسم أمامهم طريق الغفران، بالتوبة والإيمان بالمسيح ، وطاعة الرب في معمودية الماء .
“وَبِأَقْوَال أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَشْهَدُ لَهُمْ وَيَعِظُهُمْ قَائِلًا: «اخْلُصُوا مِنْ هذَا الْجِيلِ الْمُلْتَوِي». فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ” (أع 2 :40 – 41).

إن الذين سمعوا كلام بطرس الرسول، وأطاعوه، أخذوا (حلاً ) من خطاياهم …

بطرس الرسول لم يكن له سلطان الغفران

لم يكن باستطاعة بطرس أن يمنح أحداً الغفران، وفي سفر أعمال الرسل نرى مشهداً يؤكّد هذا الحق ؛ فهنا نرى سيمون الساحر يقدّم دراهم لبطرس ويوحنا ليعطياه السلطان أن يهب الروح القدس لمن يضع يديه عليه ” فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: لِتَكُنْ فِضَّتُكَ مَعَكَ لِلْهَلاَكِ، لأَنَّكَ ظَنَنْتَ أَنْ تَقْتَنِيَ مَوْهِبَةَ اللهِ بِدَرَاهِمَ .لَيْسَ لَكَ نَصِيبٌ وَلاَ قُرْعَةٌ فِي هذَا الأَمْرِ، لأَنَّ قَلْبَكَ لَيْسَ مُسْتَقِيمًا أَمَامَ اللهِ. فَتُبْ مِنْ شَرِّكَ هذَا، وَاطْلُبْ إِلَى اللهِ عَسَى أَنْ يُغْفَرَ لَكَ فِكْرُ قَلْبِكَ” (أع 8 : 20 – 22).

وهنا نرى بطرس يطلب بوضوح من سيمون أن “يطلب من الله” عسى أن يُغفر له فكر قلبه.
لم يقل بطرس الرسول لسيمون الساحر : « اعترف لي وأنا أعطيك الحلّ من خطاياك »، بل قال له ” اطْلُبْ إِلَى اللهِ عَسَى أَنْ يُغْفَرَ لَكَ فِكْرُ قَلْبِكَ”.

فسلطان الحلّ والربط الذي أعطاه المسيح لم يكن سلطان غفران خطايا المعترفين بحال من الأحوال.

3)قال المسيح للكنيسة المجتمعة باسمه :
” اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ” (مت 18 :18).
ذات السلطان الذي أعطاه المسيح لبطرس الرسول، أعطاه للكنيسة المحلية المجتمعة باسمه، وهو سلطان مقيّد بحدود.

فتعال معي لنقرأ ما قاله المسيح، ونفهم الآية التي ذكرناها فهماً صحيحاً بوضعها مع قرينتها :

“وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضًا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ. وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى الأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَطْلُبَانِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ” (مت 18 :15 -20).

يتحدّث المسيح في هذه الآيات عن علاقة متوتّرة حدثت بين أخوين في كنيسة محلية تجتمع باسم المسيح، ويكون المسيح في وسطهم.

وقد حدث التوتّر نتيجة إساءة حدثت من أخ ضدّ أخ آخر…وفي هذه الحالة على الأخ المُساء إليه أن يتبع هذه الخطوات:

1)يذهب ويُعاتب الأخ الذي أساء إليه .
2)إن لم يستجب الأخ المُسيء للعتاب ، يأخذ الأخ المُساء إليه واحداً أو اثنين من أعضاء الكنيسة لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة .
3)أن لم يسمع لهولاء الإخوة ، يُنقل الأمر للكنيسة المحلية لتفضّ النزاع.
4)إن لم يسمع من الكنيسة … يُصبح الأخ المُسيء في حكم « الوثني والعشار».

وحكم الكنيسة بعد السير في هذه الخطوات، يصبح حكم السماء … وتُربط خطية المسيء عليه ليدفع أجرتها تأديباً إلهياً هنا في الأرض.

فإذا أدرك الأخ المُسيء ، فظاعة رفضه الصُلح الذي عرضته الكنيسة، وعاد تائباً نادماً تحكم الكنيسة بحلّه من خطيته … ويصير حكمها هو حكم السماء عينها.

الآية إذاً لا تتحدّث عن الإعتراف للقسيس، إنها ترتبط بإساءة وجّهها أحد الإخوة إلى أخٍ آخر في الكنيسة المحلية… وكانت الإساءة جارحة تستدعي السير في الخطوات التي ذكرها المسيح ، وما تحلّه الكنيسة المجتمعة بإسم المسيح في هذا الأمر يكون محلولاً في السماء ، وما تربطه يكون مربوطاً في السماء.

لا ذكر في كلمات المسيح للكنيسة المحلية عن الإساءات التي تحدث بين أعضائها وتتطلب تدخّلها عن الإعتراف للكاهن لنوال الغفران.
وتمتدّ سلطة الكنيسة المحلية الكتابية على أعضائها إذا سقطوا في خطايا تسيْ إلى شهادة الكنيسة، وصارت هذه الخطايا مفضوحة ومكشوفة للجميع، وتأكّدت بشهادة اثنين أو أكثر من المؤمنين.
هذه السلطة المُعطاة للكنيسة المحلية، وليست لقسيسها فقط، تتّضح من كلمات بولس الرسول لكنيسة كورنثوس :
” كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ فِي الرِّسَالَةِ أَنْ لاَ تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ. وَلَيْسَ مُطْلَقًا زُنَاةَ هذَا الْعَالَمِ، أَوِ الطَّمَّاعِينَ، أَوِ الْخَاطِفِينَ، أَوْ عَبَدَةَ الأَوْثَانِ، وَإِلاَّ فَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا مِنَ الْعَالَمِ! وَأَمَّا الآنَ فَكَتَبْتُ إِلَيْكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ أَخًا زَانِيًا أَوْ طَمَّاعًا أَوْ عَابِدَ وَثَنٍ أَوْ شَتَّامًا أَوْ سِكِّيرًا أَوْ خَاطِفًا، أَنْ لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا. لأَنَّهُ مَاذَا لِي أَنْ أَدِينَ الَّذِينَ مِنْ خَارِجٍ؟ أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ تَدِينُونَ الَّذِينَ مِنْ دَاخِل؟ أَمَّا الَّذِينَ مِنْ خَارِجٍ فَاللهُ يَدِينُهُمْ. فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ” (1كور 5 :9 -13).

وقد مارست كنيسة كورنثوس حق إمساك الخطية ضدّ أخ ارتكب خطية الزنى إذ أخذ امرأة أبيه، وهذا ما نقرأه عن هذه الحالة :
“يُسْمَعُ مُطْلَقًا أَنَّ بَيْنَكُمْ زِنًى! وَزِنًى هَكَذَا لاَ يُسَمَّى بَيْنَ الأُمَمِ، حَتَّى أَنْ تَكُونَ لِلإِنْسَانِ امْرَأَةُ أَبِيهِ. أَفَأَنْتُمْ مُنْتَفِخُونَ، وَبِالْحَرِيِّ لَمْ تَنُوحُوا حَتَّى يُرْفَعَ مِنْ وَسْطِكُمُ الَّذِي فَعَلَ هذَا الْفِعْلَ؟ فَإِنِّي أَنَا كَأَنِّي غَائِبٌ بِالْجَسَدِ، وَلكِنْ حَاضِرٌ بِالرُّوحِ، قَدْ حَكَمْتُ كَأَنِّي حَاضِرٌ فِي الَّذِي فَعَلَ هذَا، هكَذَا: بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ ­ إِذْ أَنْتُمْ وَرُوحِي مُجْتَمِعُونَ مَعَ قُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ . أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ” (1 كور 5 :1 -5).

أمثال هذا الأخ (الزاني) يجب أن تعزله الكنيسة المحلية فوراً تطبيقاً للكلمات : ” أَمَّا الَّذِينَ مِنْ خَارِجٍ فَاللهُ يَدِينُهُمْ.فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ” (1 كور 5 :13).

وهناك حالة أخرى يجب أن تُمارس فيها الكنيسة المحلية سلطتها … وهي حالة الأخ الذي لا يريد أن يشتغل، وعن هذه الحالة كتب بولس الرسول إلى كنيسة التسالونيكيين فقال :
“ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا. إِذْ أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ يُتَمَثَّلَ بِنَا، لأَنَّنَا لَمْ نَسْلُكْ بِلاَ تَرْتِيبٍ بَيْنَكُمْ، وَلاَ أَكَلْنَا خُبْزًا مَجَّانًا مِنْ أَحَدٍ، بَلْ كُنَّا نَشْتَغِلُ بِتَعَبٍ وَكَدٍّ لَيْلًا وَنَهَارًا، لِكَيْ لاَ نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ. لَيْسَ أَنْ لاَ سُلْطَانَ لَنَا، بَلْ لِكَيْ نُعْطِيَكُمْ أَنْفُسَنَا قُدْوَةً حَتَّى تَتَمَثَّلُوا بِنَا. فَإِنَّنَا أَيْضًا حِينَ كُنَّا عِنْدَكُمْ، أَوْصَيْنَاكُمْ بِهذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا. لأَنَّنَا نَسْمَعُ أَنَّ قَوْمًا يَسْلُكُونَ بَيْنَكُمْ بِلاَ تَرْتِيبٍ، لاَ يَشْتَغِلُونَ شَيْئًا بَلْ هُمْ فُضُولِيُّونَ. فَمِثْلُ هؤُلاَءِ نُوصِيهِمْ وَنَعِظُهُمْ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِهُدُوءٍ، وَيَأْكُلُوا خُبْزَ أَنْفُسِهِمْ. أَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلاَ تَفْشَلُوا فِي عَمَلِ الْخَيْرِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ، وَلكِنْ لاَ تَحْسِبُوهُ كَعَدُوٍّ، بَلْ أَنْذِرُوهُ كَأَخٍ. وَرَبُّ السَّلاَمِ نَفْسُهُ يُعْطِيكُمُ السَّلاَمَ دَائِمًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. الرَّبُّ مَعَ جَمِيعِكُمْ” (2 تس 3 :6 -16).

الأخ الذي يسلك بلا ترتيب، ولا يُريد أن يشتغل يجب أن يتجنّبه أعضاء الكنيسة لأنه ” فَإِنَّنَا أَيْضًا حِينَ كُنَّا عِنْدَكُمْ، أَوْصَيْنَاكُمْ بِهذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضًا” (2 تس 3 :10).

ويُطالب بولس الرسول بعدم مخالطة هذا الأخ العاطل لكي يخجل.
هذا هو معنى ما تحلّونه وما تربطونه، وكما رأينا فلا ذكر للإعتراف في هذه الحالات.

4)عند ظهور المسيح لتلاميذه بعد قيامته :
“وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يو 20 :22 – 23).

فما هو تفسير هذه الآية :
هل تعني كلمات المسيح للرسل، أنه أعطاهم سلطاناً مطلقاً لغفران خطايا الناس أو إمساكها؟ وإذا كان هذا هو التفسير الصحيح أفلا يعني هذا أن الكتاب المقدّس يُناقض نفسه، فيُعلِّم بما لا يدع مجالاً للشك أن الغفران يمنحه الله وحده على أساس دم المسيح، وأن الإعتراف يجب أن يكون لله وحده، ثم يعطي المسيح حقّ الغفران أو الحرمان من الغفران للرسل؟

من أهم قوانين تفسير الكتاب المقدّس، قانون مقارنة الروحيات بالروحيات
“الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ” (1 كور 2 :13).

وهذا يعني أننا عندما نواجه ما قد يبدو تناقضاً بين آيات الكتاب المقدّس، فلا بدّ لنا أن نقارن كل الآيات الخاصة بموضوع التناقض لنصل إلى التفسير السليم المستقيم.

فماذا يقول الكتاب المقدّس عن الغفران؟

قال بطرس للمجتمعين في بيت كرنيليوس عن المسيح “لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ غُفْرَانَ الْخَطَايَا” (أع 10 : 43).

وقال بولس الرسول في رسالته للقدّيسين في أفسس عن المسيح ” الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أفسس 7:1).

ونقرأ أيضاً كلمات بطرس الرسول عن المسيح :
“وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ” (أع 4 :12).

ومع هذا كله نقرأ كلمات الرب يسوع المسيح :
“قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي” (يو 14 :6).
الغفران يُمنح بالإيمان بالمسيح …

الغفران تمّ على الصليب بدم المسيح …

المسيح هو الطريق الوحيد للخلاص …

المسيح هو الطريق الوحيد إلى الآب …

في ضوء هذه الآيات الوضّاءة كالنور الوهّاج، نستطيع فهم كلمات المسيح “مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ”.

والآن تعال معي ولنَعُد بعجلة الزمن إلى الوراء إلى أيام الرسل … ولنتصوّر أن عدداً من الناس اجتمعوا لسماع بولس الرسول … وأعلن بولس في رسالته للمجتمعين أن الخلاص هو بالإيمان بالمسيح، وأن بإمكانهم نوال الغفران لكل خطاياهم بالإيمان في كفاية دم المسيح … وعمل الروح القدس في قلوب بعض الذين سمعوا بولس، فجاءوا إليه معترفين بإيمانهم بالمسيح وكفاية دمه للخلاص.

ألا يكون في مقدور بولس أن يقول لهؤلاء المؤمنين : «إن خطاياكم قد غُفِرَت … اذهبوا بسلام»، ويكون هذا إتماماً لكلمات المسيح ” مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ”.

والآن تصوّر ما حدث فعلاً في مدينة كورنثوس باليونان، فقد ذهب بولس إلى هناك “وَكَانَ يُحَاجُّ فِي الْمَجْمَعِ كُلَّ سَبْتٍ وَيُقْنِعُ يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ. وَلَمَّا انْحَدَرَ سِيلاَ وَتِيمُوثَاوُسُ مِنْ مَكِدُونِيَّةَ، كَانَ بُولُسُ مُنْحَصِرًا بِالرُّوحِ وَهُوَ يَشْهَدُ لِلْيَهُودِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. وَإِذْ كَانُوا يُقَاوِمُونَ وَيُجَدِّفُونَ نَفَضَ ثِيَابَهُ وَقَالَ لَهُمْ: دَمُكُمْ عَلَى رُؤُوسِكُمْ! أَنَا بَرِيءٌ. مِنَ الآنَ أَذْهَبُ إِلَى الأُمَمِ” (أع 18 :4 -6).

لقد أمسك بولس الخطية على اليهود الذين قاوموا رسالته، وجدّفوا على المسيح، وقال لهم ” دَمُكُمْ عَلَى رُؤُوسِكُمْ”…

كان يتمّم بهذا كلمات المسيح “وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” فالسلطان الذي أعطاه الرب للرسل، لم يكن سلطاناً أوتوقراطياً أو دكتاتورياً … بل كان سلطاناً بحدود مرسومة.
فمن آمن قلبياً بالمسيح يستطيع الرسول أن يقول له : « إيمانك قد خلّصك … مغفورة لك خطاياك».

ومن رفض الإيمان بالمسيح يستطيع الرسول أن يقول له «دمك على رأسك … إن خطيتك قد أُمسكت عليك».

وتصوّر لنا الكلمات التي سجّلها سفر حزقيال النبي، معنى غفران الخطايا أو إمساكها. فتعال معي نقرأها هناك :
“يَا ابْنَ آدَمَ، قَدْ جَعَلْتُكَ رَقِيبًا لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ. فَاسْمَعِ الْكَلِمَةَ مِنْ فَمِي وَأَنْذِرْهُمْ مِنْ قِبَلِي. إِذَا قُلْتُ لِلشِّرِّيرِ: مَوْتًا تَمُوتُ، وَمَا أَنْذَرْتَهُ أَنْتَ وَلاَ تَكَلَّمْتَ إِنْذَارًا لِلشِّرِّيرِ مِنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ لإِحْيَائِهِ، فَذلِكَ الشِّرِّيرُ يَمُوتْ بِإِثْمِهِ، أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِكَ أَطْلُبُهُ. وَإِنْ أَنْذَرْتَ أَنْتَ الشِّرِّيرَ وَلَمْ يَرْجعْ عَنْ شَرِّهِ وَلاَ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ، فَإِنَّهُ يَمُوتُ بِإِثْمِهِ، أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ نَجَّيْتَ نَفْسَكَ. وَالْبَارُّ إِنْ رَجَعَ عَنْ بِرِّهِ وَعَمِلَ إِثْمًا وَجَعَلْتُ مُعْثِرَةً أَمَامَهُ فَإِنَّهُ يَمُوتُ. لأَنَّكَ لَمْ تُنْذِرْهُ، يَمُوتُ فِي خَطِيَّتِهِ وَلاَ يُذْكَرُ بِرُّهُ الَّذِي عَمِلَهُ، أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِكَ أَطْلُبُهُ. وَإِنْ أَنْذَرْتَ أَنْتَ الْبَارَّ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ الْبَارُّ، وَهُوَ لَمْ يُخْطِئْ، فَإِنَّهُ حَيَاةً يَحْيَا لأَنَّهُ أُنْذِرَ، وَأَنْتَ تَكُونُ قَدْ نَجَّيْتَ نَفْسَكَ” (حز 3 :17 -21).

ونرى هذا التفسير للغفران والإمساك بأكثر وضوح في كلمات بولس الرسول :
“أَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ للهِ، فِي الَّذِينَ يَخْلُصُونَ وَفِي الَّذِينَ يَهْلِكُونَ. لِهؤُلاَءِ رَائِحَةُ مَوْتٍ لِمَوْتٍ، وَلأُولئِكَ رَائِحَةُ حَيَاةٍ لِحَيَاةٍ. وَمَنْ هُوَ كُفْوءٌ لِهذِهِ الأُمُورِ” (2 كور 2 :15 -16).

لا علاقة بين الإعتراف بالخطية والسلطان الذي أعطاه المسيح للرسل.
لقد كان الغفران والإمساك للخطايا على أساس إيمان الفرد بالمسيح أو رفضه المتعّمد له.
هذا هو المعنى الذي يتّفق مع كل الكتاب المقدّس الذي تعنيه الآيات التي ذكرناها.

 

الفصل الرابع
بركات الإعتراف للرب

قبل الحديث عن بركات الإعتراف للرب، لا بدّ لنا أن نقول كلمة تساعدنا على التمييز بين الغفران الذي يناله الخاطىء حين يقبل الرب يسوع المسيح مخلّصاً شخصياً لنفسه، والغفران الذي يحتاجه المؤمن عند سقوطه في الخطية لإستعادة شركته مع الرب.

الغفران الذي يناله الخاطىء الذي يؤمن بالمسيح رباً ومخلّصاً هو غفران أبدي لا يتغّير، أساسه دم المسيح الكريم ومواعيد الرب الثابتة التي لا تتغّير.
“لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا”(رو 6 :23).
“لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ” (رو 11 :29).

فالإيمان القلبي بالمسيح يجعل الخاطىء الأثيم ابناً لله :

“وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ” (يو 1 :12 -13).
فالخاطىء الذي يقبل المسيح ويؤمن به إيماناً قلبياً، يولد من الله … يولد ولادة ثانية … يصير خليقة جديدة … وبهذه الولادة الثانية يصير ابناً لله بالتبنّي … يصير من خراف المسيح … وقد قال المسيح الصادق عن خرافه :
” خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ “ (يو 10 :27 -30).

فالمؤمنون الحقيقيون محفوظون بقوة الله، حتى يوم خلاصهم من الجسد الترابي ونوالهم جسداً على صورة جسد مجد المسيح ، وهذا ما يقوله بطرس الرسول :

“مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ” (1بط 1 :3 -5).

هذا الخلاص الذي سوف يُعلن ، هو خلاص المؤمن المولود من الله من الجسد الترابي كما يقول بولس الرسول :
“فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ (جنسيتنا ) هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ” (في 3 :20 -21).

الغفران الذي يناله الخاطىء عند إيمانه بالمسيح، أعطى له الكتاب المقدّس المعاني التالية:

المعنى الأول لهذا الغفران أن الله يطرح جميع خطايا المؤمن بالمسيح في أعماق البحر.
“يَعُودُ يَرْحَمُنَا، يَدُوسُ آثَامَنَا، وَتُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ جَمِيعُ خَطَايَاهُمْ” (مي 7 :19).

المعنى الثاني لهذا الغفران أن الله يطرح كل خطايا المؤمن بالمسيح وراء ظهره: “هُوَذَا لِلسَّلاَمَةِ قَدْ تَحَوَّلَتْ لِيَ الْمَرَارَةُ، وَأَنْتَ تَعَلَّقْتَ بِنَفْسِي مِنْ وَهْدَةِ الْهَلاَكِ، فَإِنَّكَ طَرَحْتَ وَرَاءَ ظَهْرِكَ كُلَّ خَطَايَايَ” (إش 38 :17).

المعنى الثالث لهذا الغفران أن الله يمحو خطايا المؤمن كما تُمحى السحابة السوداء: “قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ. اِرْجِعْ إِلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُكَ” (إش 44 :22).

المعنى الرابع لهذا الغفران أن الله يبعد خطايا المؤمن عن مرتكبها كبعد المشرق من المغرب:  “كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا” (مز 103 :12).

المعنى الخامس لهذا الغفران أن الله لا يعود يذكر خطايا المؤمن ولا تعدّياته فيما بعد: “أَنَا أَنَا هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي، وَخَطَايَاكَ لاَ أَذْكُرُهَا” (إش 43 :25).

هذا هو الغفران الذي يناله كل من يقبل المسيح، غفران دائم وأبدي، ثابت ثبات مواعيد الله وأساسه الوحيد دم المسيح الكريم.
أما الغفران الذي يحتاجه المؤمن في حياته الأرضية كلما سقط في خطية أو إنساق في زلّةٍ ما، فهو وإن كان قطعاً على أساس دم المسيح “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أف 1 :7).

إلا أن الرب يشترط (الإعتراف) له للتمتّع بهذا الغفران كما يقول يوحنا الرسول :
“إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ” (1يو 1 :9).

بركات الإعتراف للرب

قلنا فيما سبق من حديث ، أن الإعتراف للرب، يعني معرفة الخطايا التي فعلناها، ومعرفة أنها تعدّي صارخ على وصايا الله، وأنها احتقار لجلاله وقداسته … وهذه المعرفة لسواد وشناعة وعظم خطايانا تقودنا إلى الحزن، والندم ، والعزم القلبي على التوبة الحقيقية … وحزن المؤمن الساقط هو حزن بحسب مشيئة الله.

” لأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ، وَأَمَّا حُزْنُ الْعَالَمِ فَيُنْشِئُ مَوْتًا” (2 كور 7 :10).

إن خطايا المؤمنين تُعطي حجّة لغير المؤمنين للتجديف على الله “لأَنَّ اسْمَ اللهِ يُجَدَّفُ عَلَيْهِ بِسَبَبِكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ” (رو 2 :24).
فتصرفات المؤمنين المُشينة، ورياؤهم ، ومكرهم ، واستغلالهم للآخرين ، وحسدهم ، وروح الإنتقام التي تملأ قلوب الكثيرين منهم ، تُعطي حجّة لغير المؤمنين للإستهزاء والتجديف على المسيحية.
من هنا تظهر أهمية الإعتراف الصادق للرب بخطايانا وآثامنا.

والآن ما هي بركات الإعتراف بخطايانا للرب؟

البركة الأولى : بركة الراحة من الشعور بثقل الخطية

الخطية حمل ثقيل … عندما واجه الرب تبارك اسمه (قايين) بخطيته بعد أن قتل أخاه (هابيل)، صرخ (قايين) صرخة مدوية قائلاً ” فَقَالَ قَايِينُ لِلرَّبِّ: ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ” (تك 4 :13).

وقال داود بحزن شديد “لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي. لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي. كَحِمْل ثَقِيل أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ” (مز 38 :3 – 4 ).

وقال في موضع آخر “تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي. سَاخَتْ مِنَ الْغَمِّ عَيْنِي. شَاخَتْ مِنْ كُلِّ مُضَايِقِيَّ “ (مز 6 : 6 -7).

وفي المزمور الثاني والثلاثين يصوّر داود مشاعر العذاب ، والألم ، والحزن التي يحسّ بها المؤمن حين يسقط في الخطية ولا يسرع في الإعتراف بها لله، فيرينا كيف ثقلت عليه يد الرب بالتأديب لتدفعه إلى التوبة والإعتراف.

استمع إلى كلمات داود وهو يقول : ” لَمَّا سَكَتُّ بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي الْيَوْمَ كُلَّهُ، لأَنَّ يَدَكَ ثَقُلَتْ عَلَيَّ نَهَارًا وَلَيْلًا. تَحَوَّلَتْ رُطُوبَتِي إِلَى يُبُوسَةِ الْقَيْظِ” (مز 32 :3 -4).

وتحت هذا الشعور بالذنب قرّر داود أن يعترف بخطيته للرب فقال: ” أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي” (مز 32: 5).

بعد أن إعترف داود بذنبه ، رفع الرب عنه ثقل الشعور بآثامه … ارتاح من هذا الحمل الثقيل، واسترجع شركته مع إلهه ، فغّنى بصوته الرخيم العذب “أَنْتَ سِتْرٌ لِي. مِنَ الضِّيقِ تَحْفَظُنِي. بِتَرَنُّمِ النَّجَاةِ تَكْتَنِفُنِي” (مز 23 :7).

وردّ عليه الرب قائلاً:

“أُعَلِّمُكَ وَأُرْشِدُكَ الطَّرِيقَ الَّتِي تَسْلُكُهَا. أَنْصَحُكَ. عَيْنِي عَلَيْكَ” (مز 32 :8).

حقاً، “طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُل (أو امرأة) لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً، وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ” (مز 32 :1 -2).

فلا تدع خطاياك تفصل بينك وبين إلهك بل أسرع واعترف بها للرب ، وتلذّذ ببهجة خلاصك.
قال أحد القديسين، حين أعرف أنني ارتكبت خطية ضدّ إلهي، أبادر بالإعتراف بها له ، حتى إذا كنت في الطريق … فأنا أقف إلى جوار جدار وأغلق عينّي وأعترف بخطيتي، والرب يرفع ثقلها عن ضميري، ويطهّرني من كل إثم كما وعد.

البركة الثانية : بركة الخلاص من التأديبات الإلهية

يقول بولس الرسول “لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا، وَلكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا، نُؤَدَّبُ مِنَ الرَّبِّ لِكَيْ لاَ نُدَانَ مَعَ الْعَالَمِ” (1 كور 11 :31 -32).

إذا حكمت على نفسك، وأسرعت مُعترفاً لله بخطيتك، عازماً على التوبة عنها، فإنك تُخلّص نفسك من التأديب الإلهي. “مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ” (أم 28 :13).
فالذي يُحاول سَتر خطاياه بالخدع البشرية سيفشل تماماً، ولن ينجح … أما الذي يعترف بخطاياه ويتركها فالرب يرحمه من التأديبات الإلهية.
وما أقسى التأديبات الإلهية ، فهو يؤدب بالوجع والمرض الشديد “أَيْضًا يُؤَدَّبُ بِالْوَجَعِ عَلَى مَضْجَعِهِ، وَمُخَاصَمَةُ عِظَامِهِ دَائِمَةٌ، فَتَكْرَهُ حَيَاتُهُ خُبْزًا، وَنَفْسُهُ الطَّعَامَ الشَّهِيَّ. فَيَبْلَى لَحْمُهُ عَنِ الْعَيَانِ، وَتَنْبَرِي عِظَامُهُ فَلاَ تُرَى، وَتَقْرُبُ نَفْسُهُ إِلَى الْقَبْرِ، وَحَيَاتُهُ إِلَى الْمُمِيتِينَ” (أي 33 :19 -23).

ويؤدب بالخسائر المادية ، ويؤدب أحياناً بأخذ أولادنا منا قبل الأوان.
فاجلس مع نفسك … وراجع تصرفاتك في محضر الرب … وتوقف عن خداع نفسك … واعترف للرب بخطاياك .
ويجدر بنا قبل ختام الحديث عن علاقة الإعتراف والغفران بالتأديبات الإلهية أن نذكر ضرورة غفران المؤمن للذين يُذنبون إليه كما علّم الرب يسوع تلاميذه أن يُصلوا قائلين “وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا” (مت 6 :12) لكي لا يقع تحت التأديب الإلهي.
ذات يوم تقدّم بطرس إلى المسيح وقال “حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ: يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ” (مت 18 :21 -22).

ثم استطرد المسيح قائلاً “لِذلِكَ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ. فَلَمَّا ابْتَدَأَ فِي الْمُحَاسَبَةِ قُدِّمَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ بِعَشْرَةِ آلاَفِ وَزْنَةٍ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي أَمَرَ سَيِّدُهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَأَوْلاَدُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَيُوفَي الدَّيْنُ. فَخَرَّ الْعَبْدُ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلًا: يَا سَيِّدُ، تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ. فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ. وَلَمَّا خَرَجَ ذلِكَ الْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِدًا مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ، كَانَ مَدْيُونًا لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلًا: أَوْفِني مَا لِي عَلَيْكَ. فَخَرَّ الْعَبْدُ رَفِيقُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلًا: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ. فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ الدَّيْنَ. فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدًّا. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى. فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ، كُلُّ ذلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟ وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ. فَهكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَلاَتِهِ” ( مت 18 :23 -35).

فلكي تخلص من عذاب التأديبات الإلهية على الأرض ، عليك أن تغفر للمذنبين إليك.“فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا” (كو 3 :12 -13).

“لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ. وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ” (أف 4 : 31 -32).
لنذكر أن المقياس الأعلى للغفران هو المسيح، وكما غفر لنا المسيح هكذا ينبغي أن نغفر إساءات الآخرين … نغفرها ولا نعود نذكرها.
وغفراننا للآخرين يُخلصنا من التأديبات الإلهية، كما يُخلصنا من الذكريات المرة والأليمة التي تفسد صحتنا الجسدية وتؤثر تأثيراً سيِّئاً في حياتنا الروحية.

البركة الثالثة: بركة العودة إلى الشهادة الحية

المؤمنون الحقيقيون لهم رسالة ذات أهمية قصوى طالما يعيشون على هذه الأرض … هذه الرسالة هي الشهادة للمسيح الفادي ، للنفوس المحتاجة لخلاص الله وهي بالملايين حولنا.

يقول بطرس الرسول للقديسين، وكل مؤمن حقيقي بالمسيح هو قديس:

“وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ” (1 بط 2 :9).

بعد أن إعترف داود بخطيته للرب بقلبٍ مُنسحق، توسّل للرب قائلاً : “رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ اعْضُدْنِي. فَأُعَلِّمَ الأَثَمَةَ طُرُقَكَ، وَالْخُطَاةُ إِلَيْكَ يَرْجِعُونَ” (مز 51 :12- 13).

المؤمن الذي فقد « بهجة خلاصه» شهادته للمسيح غير فعّالة ، وكلماته تخرج ميتة على شفتيه إذا حاول أن يشهد للرب … وطالما كانت هناك خطية مكتومة في قلب المؤمن فلا نجاح في خدمته للرب، ولا قوة للشهادة لِما عمله المسيح بموته على الصليب.

لقد وعد الرب يسوع تلاميذه بأن الروح القدس سيمنحهم قوة للشهادة له : “لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أع 1 :8).

ليتك تُقرّر بعد أن رأيت هذا الحق الكتابي المستقيم، أن تعترف للرب وحده، وتهتف مع داود “لأَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبُّ صَالِحٌ وَغَفُورٌ، وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِكُلِّ الدَّاعِينَ إِلَيْكَ” (مز 86 :5).

أجل، فالله وحده هو مانح الغفران للمؤمن المعترف بخطاياه، وهو مانح الغفران للخاطىء الذي يؤمن بالمسيح مُخلصاً لنفسه: “لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ غُفْرَانَ الْخَطَايَا” (أع 10 :43).

فإذا كنت لم تنل الخلاص بعد :

“آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ” (أع 16 :31).
آمن بالرب يسوع رباً .
وآمن به مُخلصاً. فإسم يسوع معناه المُخلِّص .
وآمن به مُعيَّناً من الله للخلاص ، فكلمة المسيح تعني الممسوح والمُعيَّن من الله.
هذا الإيمان سيمنحك الخلاص في لحظة.
تماماً كما منحه للّص الذي صُلب إلى جوار المسيح.

وكما منحه لشاول الطرسوسي المجدّف المُضطهد المفتري حين ظهر له المسيح في طريق دمشق … وكما منحه ويمنحه للكثيرين اليوم.

“لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ. لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ” (رو 10 :9 -10).

لأن المسيح “الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا” (رو 4 :25).

أما إذا كنت مؤمناً انهزمت أمام الخطية، وانقطعت شركتك مع الرب … فاعترف للرب بخطاياك وخذ منه الغفران والتطهير من آثامك، واطلب منه أن يملأك بالروح القدس، لتشهد له، وتنال مكافأة منه عند ظهوره وملكوته.

محتويات الكتاب

تقديم الكتاب

الفصل الأول : عناصر الإعتراف الصحيح

الفصل الثاني : لمن نعترف؟

الفصل الثالث : تفسير الآيات المرتبطة بالإعتراف والغفران

الفصل الرابع :بركات الإعتراف للرب

يُطلب هذا الكتاب من

الدكتور القس لبيب ميخائيل

Dr. Labib Mikhail

PO Box 2581

Springfield, Virginia 22152

USA
يُرحب الكاتب بأي أسئلة تصله من القراء بخصوص محتويات هذا الكتاب