يقين الخلاص

 

 

Certainty of Salvation

الكتاب الذي يوضح لك الطريق إلى فرح اليقين، وسلام الغفران، وبهجة الخلاص، هو خير هدية تقدمها لأصدقائك الخطاة والمؤمنين

 

بقلم
القس لبيب ميخائيل
راعي الكنيسة المعمدانية الكتابية الأولى شبرا مصر

 

دبلوم دراسة الكتاب المقدس
ودبلوم دراسةالعقائد المسيحية
ودبلوم دراسة النبوات بالمراسلة من كندا

الطبعة الأولى
1962
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

لجنة مطبوعات الكنيسة المعمدانية الكتابية الأولى

 

تقديم الكتاب

بدأت خدمتي للمسيح منذ ما يقرب من ربع قرن … وقد قابلت خلال هذه المدة الطويلة من الزمن، أشخاصاً كثيرين من مختلف البيئات، والعقليات، والثقافات.
كان الفريق الأول من هؤلاء الأشخاص من أولئك الذين نالوا خلاص الله، ولكن خوفهم من أن يسقطوا في الخطية، ويهلكوا هلاكاً أبدياً، كان يقلقهم، ويحرمهم فرح الرب، ويملأ حياتهم بالإضطراب.

وكنت ألاحظ أنه رغم إجتهادهم الذاتي أن يحيوا حياة التدقيق، فإن حياتهم كانت ضعيفة التأثيرفي الشهادة للآخرين، لأنها كانت خالية تماماً من فرح اليقين، وسلام الغفران، وبهجة الخلاص، وأنهم كانوا بقلقهم، واضطرابهم، وعدم التيقن من ثباتهم يرسمون صورة مظلمة للمسيحية، تنفر منها غير المُخلصين.

وكان الفريق الثاني من هؤلاء الأشخاص، ممن يتوقون لنوال الخلاص، وتجول في أذهانهم شتى الأسئلة بخصوص هذا الموضوع الخطير ..

 

كانوا يسألون قائلين:

ما معنى الخلاص بحسب مفهوم الكتاب المقدس؟

هل يمكن لمن يؤمن إيماناً قلبياً بالرب يسوع المسيح أن يتيقن تماماً من نواله الخلاص وهو يعيش على هذه الأرض؟

ما هو طريق نوال خلاص الله؟

هل الخلاص بالأعمال أو بمجرد الإيمان القلبي بالرب يسوع المسيح؟

وما قيمة الأعمال الصالحة في حياة المؤمن المتجدد؟

هل يمكن أن يفقد أحد المولودين من الله خلاصه الأبدي؟

هل يعني نوال الخلاص نهاية الحرب في حياة المؤمن مع قوات الشر؟

ما هي أسباب إرتداد المؤمن؟ وكيف يُعالج الله المرتدين؟ ولماذا يؤدب القدير أولاده حين يبتعدون عنه؟

 

ولا شك أن الجواب الوحيد الشافي لكل هذه الأسئلة، موجود بكيفية أكيدة على صفحات الكتاب المقدس، هذا السجل العجيب الذي يحوي كل مشورة الله.
وقد وضع الرب على قلبي أن أكتب هذا الكتاب بمعونته وإرشاد روحه، وسيجد القاريء المحبوب على صفحاته شرحاً واضحاً لمفهوم الخلاص بحسب الكتاب المقدس، وإجابة كتابية صريحة عن كل سؤال يتصل بيقين الخلاص العظيم.

 

وصلاتي إلى إلهي أن يستخدم بنعمته هذا الكتاب، لخلاص النفوس المثقلة بالخطية، التواقة إلى نوال الراحة والفرح والسلام، وأن يفتح بواسطته باباً أمام قارئيه إلى حياة الفرح، واليقين، والنصرة، وأن يجعله بركة للكثيرين من المؤمنين ليتيقنوا من حقيقة خلاصهم، فيمنحهم اليقين قوة، وبهجة، وسلاماً، فيخرجوا بقوة الروح القدس الساكن فيهم مُنادين بإنجيل الخلاص، مُطيعين أمر الرب المُبارك الكريم “اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ” (مر 16 :15 -16).

 

حتى يأتي اليوم الذي يجتمع فيه المفديون حول العرش الموضوع في السماء، ليرنموا لفاديهم المحبوب ترنيمة جديدة قائلين “وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ” (رؤ 5 :9 -10).

 

فله وحده يليق أن نقدم كل مجد، وكرامة، وسجود، وحمد.

 

                                                                                        القس

                                                                                     لبيب ميخائيل

 

شبرا مصر في 22 مايو 1962

 

 

الفصل الأول

 

معنى الخلاص

تساءلت وأنا أقرأ بتأمل الإصحاحات الأولى في سفر الأعمال :

لماذا كان كل عضو في كنيسة أورشليم في أيام الرسل ممتلئاً بالقوة، ينادي للنفوس الخاطئة بإنجيل الخلاص العظيم، بينما نرى أن المسيحيين الإسميين في هذا القرن العشرين قد أهملوا تماماً المناداة بهذا الإنجيل الكريم؟!

وقد رأيت خلال دراساتي في هذا السفر الجليل أن سر نهضة أعضاء كنيسة أورشليم في الكرازة بالإنجيل، هو أنهم قد إختبروا خلاص الله وأدركوا معناه، ولذا فلم يكن من العسير عليهم أن يخبروا الآخرين بما إختبروه.

ويقيناً أن أعضاء الكنيسة من التلاميذ الذين تركهم الرب قبل موته كانوا قد نالوا إختبار التجديد الذي غيّر حياتهم، وأن الذين إنضموا إلى كنيسة أورشليم بعدئذ كانوا متجددين.

وهذا يبدو واضحاً من الإصحاح الثاني في سفر أعمال الرسل، فهناك نقرأ أن بطرس الرسول بعد أن إمتلأ من الروح القدس يوم الخمسين، وعظ اليهود الأتقياء الذين إجتمعوا على صوت حلول الروح على التلاميذ، عن المسيح المصلوب المُقام قائلاً لهم “هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضًا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ” (أع 2 : 23 -24).

“فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا لِبُطْرُسَ وَلِسَائِرَ الرُّسُلِ: مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟ فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ : تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. لأَنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ وَلِكُلِّ الَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ، كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ إِلهُنَا. وَبِأَقْوَال أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَشْهَدُ لَهُمْ وَيَعِظُهُمْ قَائِلًا: اخْلُصُوا مِنْ هذَا الْجِيلِ الْمُلْتَوِي. فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ. وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ” (أع 2 :37 -42).

والصورة تُرينا أن هؤلاء الناس قد سمعوا رسالة إنجيل الخلاص من شخص ممتليء بالروح القدس، وقد نخسهم الروح بمناخس الكلمة المقدسة في قلوبهم، فعرفوا أنهم خطاة يستحقون دينونة الله العادلة، وتحت تاثير عمل الله فيهم سألوا : ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟

وأراهم بطرس الرسول طريق الخلاص قائلاً :
“تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع 2 :38).

وقد نال هؤلاء الخلاص بالنعمة بالإيمان، إذ تابوا، وقبلوا كلمة الله، ووثقوا في عمل المسيح الكامل الذي أجراه فوق الصليب.

وكان أول ما فعلوه بعد ذلك أنهم إعتمدوا بالماء، والمعمودية هي أولى فرائض الكنيسة الكتابية. وبالتالي هي طريق الإنضمام إليها … وهكذا صار هؤلاء المتجددين – بالمعمودية – أعضاء في كنيسة أورشليم، وهذا واضح من الكلمات “فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ” (أع 2 :41).

ويستمر كاتب سفر الأعمال ليُرينا أن الذين إنضموا إلى الكنيسة بعد هذا التاريخ كانوا أيضاً من الذين نالوا الخلاص العظيم، لذلك نقرأ عنهم “مُسَبِّحِينَ اللهَ، وَلَهُمْ نِعْمَةٌ لَدَى جَمِيعِ الشَّعْبِ. وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ” (أع 2 :47).

ويقيناً أن أشخاصاً قد إختبروا خلاص الله، لا يمكنهم أن يسكتوا عن المناداة بالإنجيل حتى في وسط الإضطهاد الأليم، لذلك نقرأ عنهم هذه الكلمات “وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِيًا بِقَتْلِهِ. وَحَدَثَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَشَتَّتَ الْجَمِيعُ فِي كُوَرِ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ، مَا عَدَا الرُّسُلَ…. فَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ” (أع 8 :1 ،4).

لقد جالوا مُبشرين بالكلمة، ولم يسكتهم الإضطهاد العظيم عن المناداة بالإنجيل، هذا الإنجيل الذي قال فيه رسول الأمم “لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ. لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا” (رو 1 : 16 ،17).

 

جالوا مُبشرين بالكلمة وشعارهم كلمات الرسول الجليل القائلة “فَإِذْ لَنَا رُوحُ الإِيمَانِ عَيْنُهُ، حَسَبَ الْمَكْتُوب: آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ، نَحْنُ أَيْضًا نُؤْمِنُ وَلِذلِكَ نَتَكَلَّمُ أَيْضًا. عَالِمِينَ أَنَّ الَّذِي أَقَامَ الرَّبَّ يَسُوعَ سَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ، وَيُحْضِرُنَا مَعَكُمْ” (2 كو 4 : 13 ،14).

أما المسيحيون الإسميون الذين يعيشون في هذا العصر الذري المخيف، فإنهم لم يختبروا خلاص الله، ولم يفهموا معناه، لأنهم إعتمدوا على ديانة وراثية، لم تمنحهم تجديداً، ولم تعطهم نصرة، ولم تملأهم يقيناً مشرقاً، ولم تشرق على قلوبهم بفرح الغفران، وسلام التبرير.

وفي إعتقادي أنه لو أعطى خدام الله لهؤلاء المسيحيين الإسميين مفهوماً حقيقياً للخلاص، وساعدوهم بالنعمة ليُدركوا المعاني المتضمنة فيه بحسب الكتاب المقدس، ثم طلب كل واحد منهم الخلاص وإختبره فإننا عندئذ سنسمع كل شخص من الذين نالوا خلاص الله يقول بصدق ويقين “وَأَتَكَلَّمُ بِشَهَادَاتِكَ قُدَّامَ مُلُوكٍ وَلاَ أَخْزَى” (مز 119 :46).

وسنرى تيار الكرازة بإنجيل الخلاص وهو يجرف العالم الأثيم بقوته من جديد.

 

لذلك يجدر بنا ونحن نعالج هذا الموضوع الخطير : موضوع (يقين الخلاص) أن نبدأ بشرح معنى الخلاص بحسب مفهوم كلمة الله.

والواقع أن كلمة الخلاص في اللغتين العبرانية واليونانية، تعني النجاة، والأمان، والحفظ، والشفاء، والصحة.

 

فالإنسان الخاطىء في حاجة إلى النجاة من سلطان الشيطان، والأمان من دينونة الله العادلة، والحفظ في يد المسيح القوية، والشفاء من لعنة الخطية، والصحة الروحية التي تكفل له القوة والإنتصار، وهو يجد في خلاص الله كل هذه البركات.

 

وقد تجمعت في كلمة (الخلاص) الفريدة كل تدبيرات الله، فهي تحوي التبرير، والتبني، والفداء، والكفارة، والغفران، والتقديس، والتمجيد، وفي عبارة واحدة نقول : إنها تحوي كل خطة الله بالنسبة للإنسان.

ذكر قسيس جليل في كتاب له هذه القصة قال «تقابلت فتاة من جنود جيش الخلاص، بإنجلترا مع الأسقف، (وستكوت) وسألته : هل حصلت على الخلاص يا سيدي؟
كان الأسقف عالماً كبيراً في اللغة اليونانية، كما كان مؤمناً بالرب يسوع المسيح، فنظر إليها بإبتسامة مُشرقة لم تفارقه منذ كرّس حياته للمسيح وقال : هل تقصدين Esothen أو Sezomenos أو Sothesomi وإذ لاحظ الأسقف الوديع على الفتاة الصغيرة الحيرة والإرتباك، استطرد قائلاً : «اسمعي أيتها الإبنة العزيزة، إن هذه الكلمات اليونانية التي وردت في العهد الجديد، ترجمت إلى الكلمات (خلص – يخلص – سيخلص)»

 

فالشخص الذي يقبل الرب يسوع المسيح كمخلصه الشخصي يكون قد (خلص) من عقاب الخطية وهذا يختص بماضي المؤمن، و (يخلص) أي يتحرر من عبودية وسلطان الخطية وهذا أمر يختص بحاضر المؤمن، وعندما يأتي الرب يسوع من السماء (سيخلص) من الجسد الترابي، ويلبس الجسد السماوي، وهذا أمر يختص بمستقبل المؤمن.

 

أما بخصوص سؤالك الموجه إلى شخصي، فأقول وقلبي ممتليء بالشكر لله : «إني بنعمة الله قد خلصت، وإني مخلّص، وإني سأخلص حين يأتي الرب».

 

شكرت الفتاة المؤمنة، الأسقف المختبر، ومضت فرحة لأنها حصلت على معرفة أعمق لموضوع (الخلاص العجيب).
والآن إلى المعاني الثمينة التي يحتويها (خلاص الله) بل إلى البركات العظمى التي يقدمها لنا الله بنعمته في خلاصه العظيم.

 

-1-

المعنى الأول للخلاص هو غفران الخطايا

يقيناً أن أول ما يهم الخاطىء الذي استيقظ ليرى نجاسة شفتيه، وشر قلبه، وإستحقاقه للهلاك الأبدي هو أن يتيقن أن الله في نعمته قد غفر كل خطاياه.

فالخطية ثقل رهيب على النفس التي تستيقظ لتحس بها، وكل إنسان لا بدّ أن يستيقظ في يوم ما ويشعر بثقل خطاياه.

إصغ إلى قايين بعد أن واجهه الله بخطيته الرهيبة وهو يقول “فَقَالَ قَايِينُ لِلرَّبِّ: ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ” (تك 4 :13).

 

وإستمع إلى أيوب في عمق تجربته وهو يذكر آثامه مردداً “أَنَّكَ كَتَبْتَ عَلَيَّ أُمُورًا مُرَّةً، وَوَرَّثْتَنِي آثَامَ صِبَايَ” (أي 13 :26).

وأنصت إلى داود وهو يحس بعظم آثامه فيقول “لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي. كَحِمْل ثَقِيل أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ” (مز 38 :4).

 

وإنتبه إلى كلمات إشعياء بعد أن رأى رب الجنود، فرأى آثامه وهو يقول “وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ” (إش 6 :5).

 

إن الخطية هي سر قلق النفس البشرية، والإنسان الخاطىء غير المغفور الإثم هو إنسان شقي، تعس، مضطرب، يربض الخوف في أعماق قلبه ولو بدا سعيداً أمام الآخرين، يغض مضجعه الإحساس بثقل آثامه وبشاعة خطاياه، ولذا فإنه لا توجد بركة يتمتع بها إنسان يعيش على هذه الأرض تفوق بركة غفران الخطايا كما يرنم داود في المزمور قائلاً “طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً، وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ” (مز 32 : 1 -2).

 

ذات يوم كان المسيح له المجد في زيارة رجل فريسي، وجاءت إليه إمرأة خاطئة، عُرفت في مدينتها بسوء سمعتها، ونجاسة حياتها، جاءت بعد أن أتعبتها الخطية ولوثت كيانها، وحطمت شخصيتها، تطلب الراحةوالغفران، ويسجل لوقا البشير هذه الحادثة في هذه الكلمات :

“وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ الْفَرِّيسِيِّ وَاتَّكَأَ. وَإِذَا امْرَأَةٌ فِي الْمَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً، إِذْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِ الْفَرِّيسِيِّ، جَاءَتْ بِقَارُورَةِ طِيبٍ وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيَةً، وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِالطِّيبِ. فَلَمَّا رَأَى الْفَرِّيسِيُّ الَّذِي دَعَاهُ ذلِكَ، تَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ قِائِلًا: لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: يَا سِمْعَانُ، عِنْدِي شَيْءٌ أَقُولُهُ لَكَ. فَقَالَ: قُلْ، يَا مُعَلِّمُ. كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ: أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالأَكْثَرِ. فَقَالَ لَهُ: بِالصَّوَابِ حَكَمْتَ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ وَقَالَ لِسِمْعَانَ: أَتَنْظُرُ هذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ. بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلًا. ثُمَّ قَالَ لَهَا: مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ. فَابْتَدَأَ الْمُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: مَنْ هذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضًا؟. فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ” (لو 7 : 36 -50).

 

 

والقصة تُرينا إمرأة حزينة على خطاياها، نادمة على نجاستها الكثيرة، تحس إحساساً عميقاً بثقل من خطاياها … وإذ بالرب الذي يعرف القلوب يُخلصها من هذا الحزن، وذلك الإحساس فيقول لها “مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ…. إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ” (لو 7 : 48 ، 50).

 

وفي هذه الكلمات نرى بوضوح ( الخلاص بمعنى غفران الخطايا) ، فعندما ينال الإنسان خلاص الله، يغفر الله خطاياه.

 

والآن ماذا يعني غفران الخطايا؟

 

إن الكتاب المقدس يذكر خمسة آيات تحوي في مجموعها المعنى الكامل للغفران وتُرينا بكيفية صريحة أن غفران الخطايا يعني :

أولاً : إن الله يطرح خطايا المؤمن بالرب يسوع المسيح في أعماق البحر .
ثانيا : إن الله يطرح خطايا المؤمن بالرب يسوع المسيح وراء ظهره.
ثالثاً : إن الله يمحو خطايا المؤمن بالرب يسوع المسيح كما تُمحى السحابة الثقيلة.
رابعا: إن الله يبعد خطايا المؤمن بالرب يسوع المسيح عن مرتكبها كما أبعد المشرق عن المغرب.
خامساً : إن الله لا يعود يذكر خطايا المؤمن بالرب يسوع المسيح فيما بعد.

 

 

المعنى الأول للغفران

 

هو طرح جميع خطايا المؤمن المتجدد في أعماق البحر

 

يقول ميخا النبي في ختام سفره “يَعُودُ يَرْحَمُنَا، يَدُوسُ آثَامَنَا، وَتُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ جَمِيعُ خَطَايَاهُمْ” (مي 7 :19).

 

ذات يوم كان الدكتور (جوردن) من بوستون يعظ عن هذه الآية ونسى أن يذكر في عظته عبارة ( في أعماق) إذ قال إن الله يطرح في البحر جميع خطايا المؤمن بالرب يسوع المسيح، فلما ذهب إلى البيت قال له ابنه الصغير الذي كان يبلغ من العمر أربع سنوات : «لماذا لم تُخبر الناس يا بابا أن الخطية ثقيلة كالرصاص وأنها تغوص في أعماق البحر فلا يعود يراها أحد؟ … إن الناس قد يظنوا بأن الخطايا كالفلين تطفو على سطح الماء فيراها الآخرون، لأنك لم تقل لهم إن الله يطرحها في أعماق البحر فلا يعود يراها أحد».

 

 

لقد أراحنا الرب في محبته من هذا التفكير فقال لنا إنه يطرح في (أعماق البحر) جميع الخطايا.

فيذهب الشيطان إلى الأعماق ليُعيد هذه الخطايا إن كان ذلك في وسعه .. فهو لن يستطيع.

 

إن أعماق البحر مكان لا تطفو منه الخطايا، إن هناك مناطق في قاع البحر لم يستطع إنسان أن يصل إليها، والله لم يطرح في (عمق ) البحر جميع خطايانا بل في ( الأعماق) التي لا يستطيع أحد أن يصل إليها.

 

قال جون بنيان ذلك الرجل المعمداني التقي مؤلف كتاب سياحة المسيحي :
«شكراً لله، إنه طرح في أعماق البحر خطايانا، ولم يطرحها في النهر، لأنه لو طرحها في النهر فقد يجف النهر ثم يجدها الناس في قاعه، ولكن البحر لا يجف أبداً».

 

أذكر عبارة (جميع خطاياهم) فالله لا يطرح في أعماق البحر بعض خطايانا، ولا معظم خطايانا، ولكن جميع خطايانا … أليس هذا شيئاً بهيجاً للنفس المؤمنة؟

 

من بين القصص التي ذكرها أحد خدام الله الأتقياء قصة عن شاب نال خلاص الله، ومن فيض الفرح الذي إمتلأ به كان كثير الحمد والترنيم، فإعتقد أفراد أسرته أنه قد أصيب بإختلال في قواه العقلية، فأخذوه بالرغم عنه إلى طبيب الأمراض النفسية … وضعه الطبيب في مستشفاه في غرفة وحده … وأبعد عنه الكتاب المقدس وكتب الترنيم، وأعطاه كتاباً من كتب (الجغرافيا).

 

وشرع الشاب يقرأ ذلك الكتاب، وفجأة سمع الطبيب صوته وهو يهتف ويرنم بصوت عظيم، فأسرع إليه يسأله عن سبب هتافه. فأجاب : لقد قرأت في كتاب الجغرافيا هذا بأنه يوجد أماكن في البحار العظمى لم يقدر البشر أن يعرفوا أعماقها بمقاييسهم، وذكرني هذا بالوعد الإلهي المبارك “وَتُطْرَحُ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ جَمِيعُ خَطَايَاهُمْ”.

 

فقلت في نفسي إذا كان في البحار أماكن لم يتوصل الباحثون إلى أعماقها بواسطة مقاييسهم. فكم بالحري تكون أعماق بحار نعمة الله الغنية، هذا معناه أن الله طرح جميع خطاياي في مكان لن تطفو منه أبداً، لهذا أنا أهلل، وأفرح، وأرنم … وأشكر الله … فهل حصلت على هذا اليقين البهيج أيها العزيز؟!

 

 

المعنى الثاني للغفران

 

هو طرح كل خطايا المؤمن وراء ظهر الله

 

بعد أن شفيّ حزقيا الملك من مرضه الخطير بقوة الصلاة، كتب كتابة جميلة سجل فيها هذه الكلمات “هُوَذَا لِلسَّلاَمَةِ قَدْ تَحَوَّلَتْ لِيَ الْمَرَارَةُ، وَأَنْتَ تَعَلَّقْتَ بِنَفْسِي مِنْ وَهْدَةِ الْهَلاَكِ، فَإِنَّكَ طَرَحْتَ وَرَاءَ ظَهْرِكَ كُلَّ خَطَايَايَ” (إش 38 :17).

 

يقول الواعظ الأمريكي الأشهر (دوايت لايمان مودي) «هناك طريقان لستر الخطية – طريقان فقط – طريق الله و طريق الإنسان » ومنذ ستة آلاف سنة والإنسان يحاول أن يستر خطاياه ولكنه لم يفلح في هذا الأمر، لقد حاول آدم ان يستر خطيته في جنة عدن بأوراق التين، وبإختبائه وراء الأشجار، وحاول ذلك قايين ابنه خارج الجنة، والبشر على مر العصور يحاولون ستر خطاياهم، ويمكنك أن ترى هذه المحاولات في جميع الطبقات بغير استثناء، إنك تراها في الطبقات الدنيا، وفي الطبقات العليا …. في الملوك على عروشهم، والكهنة وراء المذابح، والأنبياء والفلاحين، والأغنياء، والفقراء … إنهم جميعاً يحاولون ستر خطاياهم … بعضهم يختبىء وراء شجرة الآداب، وبعضهم يختبىء وراء شجرة التدين الكاذب، وبعضهم يختبىء وراء شجرة الثقافة والعلم، إنهم جميعاً يحاولون ستر خطاياهم، وكلهم قد فشلوا في محاولاتهم فشلاً ذريعاً، إذ لا يوجد إنسان قد نجح في ستر خطيته عن عيني الله، وفوق ذلك فإننا نقرأ كلمات الكتاب المقدس القائلة “مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ” (أم 28 :13).

 

وليس عندي أدنى شك في أن السبب الذي من أجله يعيش الكثيرون حياة مضطربة، عاصفة هو أن هناك خطية لعينة في حياتهم، وهذا الحديث ليس للأشخاص العالميين فقط، بل هو حديث موجه إلى أعضاء الكنائس غير المتجددين.

 

لماذا نجد الكثيرين من المذنبين مدنياً من أعضاء الكنائس؟
لماذا نجد بين أعضاء الكنائس، لصوصاً، ومرتشين، وزناة، وسكيرين؟!

 

أن السبب هو أنهم يحضرون الكنيسة ويجلسون لسماع الخدمة، ويسمعون كثيراً من المواعظ ضد الخطية، لكن قلوبهم لا تتأثر، وهم ينسون أن عندهم خطايا يجب أن يتوبوا عنها، ولذا فإنهم يعيشون على مقاعد الكنائس وهم خطاة غير متجددين.

 

إن النفس لا يمكن أن تكون متمتعة بالصحة الروحية طالما كانت تحتفظ بخطية … إن الخطية مادة غريبة عن النفس، إنها تماماً كرصاصة تدخل الجسم، فالجسم لا يستطيع أن يكون صحيحاً طالما به هذه الرصاصة.

 

إن الله لا يُريد أن ينتعش الشرير لأنه قال “وَيْلٌ لِلشِّرِّيرِ. شَرٌّ! لأَنَّ مُجَازَاةَ يَدَيْهِ تُعْمَلُ بِهِ” (إش 3 :11).

 

عندما يكون الشخص مستعداً للإقرار بخطاياه وتركها، عندئذ يسترها الله، وعندما يستر الله خطية إنسان فلن يراها أحد أو يجدها لا في الزمان الحاضر ولا في الأبدية.

 

وما أجمل الكلمات التي نطق بها حزقيا الملك “فَإِنَّكَ طَرَحْتَ وَرَاءَ ظَهْرِكَ كُلَّ خَطَايَايَ” (إش 38 :17)، إنها تنطبق على إختبار كل مؤمن بالرب يسوع، فالله قد أحب نفس المؤمن وتعلق بها وأنقذها من وهدة الهلاك، وطرح وراء ظهره كل خطايا المؤمن.

 

لو أن الله يطرح الخطايا وراء ظهر المؤمن، إذن لإستطاع أصغر شيطان أن يجدها قبل ذهابه إلى فراشه، ولإستطاع أن يُزعج المؤمن كل الإزعاج، ولكن شكراً لله إن الشيطان لا يستطيع أن يذهب وراء ظهر القادر على كل شيء.

 

ويقيناً أن التعبير (وراء ظهرك) هو تعبير مجازي يقصد به أن الله من فرط محبته لنا في المسيح، وضع كل خطايانا في مكان لا يعود يراها فيه أبداً .

 

ونذكر هنا عبارة (كل خطاياي) فالله يطرح ( كل خطايا) المؤمن بالرب يسوع المسيح وراء ظهره، وليس معظمها، ولا بعضها … بل كلها … مبارك إسمه إلى الأبد.

 

المعنى الثالث للغفران

 

هو أن يمحو خطايا المؤمن كما تُمحى السحابة السوداء

 

أعطى الله الوعد المبارك في سفر إشعياء “قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ. اِرْجِعْ إِلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُكَ” (إش 44 :22).

 

إن الخطية كالسحابة السوداء تفصل الإنسان عن الله ولذلك يُسجل إشعياء هذه الكلمات :

“هَا إِنَّ يَدَ الرَّبِّ لَمْ تَقْصُرْ عَنْ أَنْ تُخَلِّصَ، وَلَمْ تَثْقَلْ أُذُنُهُ عَنْ أَنْ تَسْمَعَ. بَلْ آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلهِكُمْ، وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ. لأَنَّ أَيْدِيَكُمْ قَدْ تَنَجَّسَتْ بِالدَّمِ، وَأَصَابِعَكُمْ بِالإِثْمِ. شِفَاهُكُمْ تَكَلَّمَتْ بِالْكَذِبِ، وَلِسَانُكُمْ يَلْهَجُ بِالشَّرِّ. لَيْسَ مَنْ يَدْعُو بِالْعَدْلِ، وَلَيْسَ مَنْ يُحَاكِمُ بِالْحَقِّ. يَتَّكِلُونَ عَلَى الْبَاطِلِ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِالْكَذِبِ. قَدْ حَبِلُوا بِتَعَبٍ، وَوَلَدُوا إِثْمًا. فَقَسُوا بَيْضَ أَفْعَى، وَنَسَجُوا خُيُوطَ الْعَنْكَبُوتِ. الآكِلُ مِنْ بَيْضِهِمْ يَمُوتُ، وَالَّتِي تُكْسَرُ تُخْرِجُ أَفْعَى. خُيُوطُهُمْ لاَ تَصِيرُ ثَوْبًا، وَلاَ يَكْتَسُونَ بِأَعْمَالِهِمْ. أَعْمَالُهُمْ أَعْمَالُ إِثْمٍ، وَفَعْلُ الظُّلْمِ فِي أَيْدِيهِمْ. أَرْجُلُهُمْ إِلَى الشَّرِّ تَجْرِي، وَتُسْرِعُ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ الزَّكِيِّ. أَفْكَارُهُمْ أَفْكَارُ إِثْمٍ. فِي طُرُقِهِمِ اغْتِصَابٌ وَسَحْقٌ. طَرِيقُ السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَلَيْسَ فِي مَسَالِكِهِمْ عَدْلٌ. جَعَلُوا لأَنْفُسِهِمْ سُبُلًا مُعْوَجَّةً. كُلُّ مَنْ يَسِيرُ فِيهَا لاَ يَعْرِفُ سَلاَمًا” (إش 59 :1 -8).

 

هذه هي الخطية وهي تشوه شخصية الإنسان، وتحرمه من معرفة طريق السلام، ولكن عندما يأتي الإنسان تائباً، واثقاً فيما عمله الرب يسوع المسيح لأجله على الصليب، فإن الله يغفر خطيته، بمعنى أنه يمحوها كما تُمحى السحابة الكثيفة السوداء، ولا تكون هناك سحابة بينه وبين السماء … بينه وبين وجه الآب الحنون البسام!!

إنك قد ترى غيمة في المساء ثم تستيقظ في الفجر فلا تجدها … هل في قدرتك أن تجد الغيمة الذاهبة ؟! يقيناً : لا ! ربما تكون هناك غيوم أخرى لكن الغيمة التي ذهبت لن تعود للظهور مرة أخرى في تاريخ البشرية، والله يقول : إنه محا خطية المؤمن كما تُمحى الغيوم السوداء، والسحب الكثيفة …. وهكذا يشرق علينا بنور وجهه بعد أن يمحو خطايانا بدمه كما تُمحى الغيوم.

أفلا تفرح وتبتهج بهذا أيها المؤمن المحبوب؟!

 

المعنى الرابع للغفران

هو أن الله يبعد خطايا المؤمن عن مرتكبها

كبعد المشرق من المغرب

 

يُرنم داود للرب في المزمور المئة والثالث قائلاً “كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا” (مز 103 :12).

 

وما أعظم هذا الوعد بالنسبة لمن نال الخلاص … لقد أبعد الرب معاصيه عنه كبعد المشرق من المغرب.
وهل في قدرة أحد رجال الفلك أن يقول لنا : كم يبعد المشرق من المغرب؟

 

إن الفلكيين يخبروننا أن سرعة الضوء هي 188.000 ميل في الثانية، وأن بعض الأفلاك تسير منذ ستة آلاف سنة ولم يصلنا نورها بعد.

فكم يبعد المشرق عن المغرب بالنسبة لبعد الأفلاك عن الأرض؟

أنا لا أستطيع التكهن … ولكن فكر في هذا … إن الله في نعمته الغنية التي أنعم بها علينا في المحبوب، يأخذ خطايا المؤمن بالرب يسوع المسيح ويضعها بعيداً عنه بمقدار بعد المشرق عن المغرب.
أفلا يحق للمؤمن أن يهتف ويهلل ويبتهج .

 

المعنى الخامس للغفران

 

هو أن الله لا يعود يذكر خطايا المؤمن ولا تعدياته فيما بعد

 

نقرأ في سفر إشعياء هذا الوعد الجميل “أَنَا أَنَا هُوَ الْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي، وَخَطَايَاكَ لاَ أَذْكُرُهَا” (إش 43 :25).
ونقرأ في الرسالة إلى العبرانيين هذا الوعد الجليل “وَلَنْ أَذْكُرَ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ” (عب 10 :17).

من الأمور المسلم بها أن الله لا ينسى، والكتاب المقدس يؤكد لنا أن “مَا كَانَ فَمِنَ الْقِدَمِ هُوَ، وَمَا يَكُونُ فَمِنَ الْقِدَمِ قَدْ كَانَ. وَاللهُ يَطْلُبُ مَا قَدْ مَضَى” (جا 3 :15).

 

وفي المزمور الخمسين يؤكد الله للشرير أنه سيصف خطاياه أمام عينيه قائلاً  “وَلِلشِّرِّيرِ قَالَ اللهُ: مَا لَكَ تُحَدِّثُ بِفَرَائِضِي وَتَحْمِلُ عَهْدِي عَلَى فَمِكَ؟ وَأَنْتَ قَدْ أَبْغَضْتَ التَّأْدِيبَ وَأَلْقَيْتَ كَلاَمِي خَلْفَكَ. إِذَا رَأَيْتَ سَارِقًا وَافَقْتَهُ، وَمَعَ الزُّنَاةِ نَصِيبُكَ. أَطْلَقْتَ فَمَكَ بِالشَّرِّ، وَلِسَانُكَ يَخْتَرِعُ غِشًّا. تَجْلِسُ تَتَكَلَّمُ عَلَى أَخِيكَ. لابْنِ أُمِّكَ تَضَعُ مَعْثَرَةً. هذِهِ صَنَعْتَ وَسَكَتُّ. ظَنَنْتَ أَنِّي مِثْلُكَ. أُوَبِّخُكَ، وَأَصُفُّ خَطَايَاكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ. افْهَمُوا هذَا يَا أَيُّهَا النَّاسُونَ اللهَ، لِئَلاَّ أَفْتَرِسَكُمْ وَلاَ مُنْقِذَ. ذَابحُ الْحَمْدِ يُمَجِّدُنِي، وَالْمُقَوِّمُ طَرِيقَهُ أُرِيهِ خَلاَصَ اللهِ” (مز 50 : 16 -23).

 

فمهما حاول الخاطىء أن ينسى خطاياه، وأن يهرب من ذكرها، فلا بدّ أن يأتي اليوم الذي فيه يصفها الله أمام عينيه.

فنشرت صحيفة الأهرام بعددها الصادر في 23 سبتمبر 1961 حادثة تؤكد هذا الحق الكتابي الصريح تحت عنوان ( بعد 13 سنة ألقي القبض على القاتل) قالت الأهرام وهي تروي هذه الحادثة المُثيرة :

«بعد 13 سنة كاملة ألقى رجال الشرطة القبض على قاتل محكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، وكان القاتل قد هرب من حارسه في جلسة النطق بالحكم وإختفى عن أعين الشرطة، وحسب نفسه في مأمن فتزوج وأنجب خمسة أولاد … ولكنه فجأة وجد نفسه بين أيدي رجال العدالة.

وتبدأ القصة في شهر فبراير عام 1948 حين نمى إلى علم التاجر (شديد) أن زميليه يعاكسان شقيقته الممرضة، وحمل التاجر سكيناً وتربص لهما ليلاً وهاجمها بسكينه وأخذ يطعنهما حتى مات الأول ونُقل الأخير إلى المستشفى في حالة خطرة، وأُنقذت حياته ولكن كان قد أصيب بعاهة مستديمة.

ألقي القبض على التاجر وأحالته النيابة إلى المحاكمة فإعترف بجريمته، ونطق قاضي محكمة الجنايات بالحكم ضد المتهم وهو الأشغال الشاقة المؤبدة، وأثناء نقله من دار المحكمة إلى السجن تمكن من مُغافلة حارسه وهرب. وسافر إلى المنصورة وزعم أن إسمه (عصفور) وإفتتح محلاً للتجارة … ولم يعرف أحد عنه شيئاً، ونجح في تجارته ثم تزوج من إحدى بنات البلدة وظل معها 13عاماً أنجب خلالها خمسة أولاد.

 

ولم تنم أعين رجال الأمن … ظلوا يبحثون عنه في كل مكان ولمدة 13 سنة، حتى توصلوا إلى معرفة مكانه، وذهبت قوة ومعها نقيب إلى المنصورة، وحاصر النقيب بقوته منزل المتهم وتقدم منه قائلاً (مساء الخير يا شديد) … وهنا سقط التاجر على الأرض مغمى عليه، وعندما أفاق إعترف بقصته كاملة، فإقتيد إلى القاهرة لتنفيذ الحكم الصادر ضده.

فهل رأيت كيف يطلب الله ما قد مضى ؟!

 

يُحدثنا مستر مودي قائلاً : «وصلت إلى حافة الموت مرتين، في المرة الأولى كنت على وشك الغرق، غًصت في الماء ثم طفوت ثم غصت وطفوت … وفي المرة الثالثة عندما غصت، أحسست أنه في سرعة البرق قد عادت إلى ذاكرتي جميع الأشياء التي قلتها وعملتها.

إن كل تصرفات عمري إزدحمت في مُخيلتي في ثانية من الزمان. ولست أدري السر في ذلك!!

وفي المرة الثانية وصلت إلى حافة الموت في شيكاغو، وللمرة الثانية عادت إلى ذاكرتي في ثانية جميع تصرفاتي … منذ طفولتي الباكرة إلى تلك اللحظة الخطيرة التي واجهت فيها الموت … كل كلمة نطقت بها كل كلمة سمعتها … كل عمل قمت به … كل هذا عاد إلى ذاكرتي في لحظة كالبرق الخاطف.

 

ولكن ما أمجد أن يعرف المؤمن بالرب يسوع المسيح أن الله لن يعود يذكر خطاياه ولا تعدياته فيما بعد.

إن الذين وثقوا في عمل المسيح الكامل الذي أجراه على الصليب يستطيعون أن يهتفوا مُرددين “الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا” (كو 1 :14).

 

ويستطرد مستر مودي قائلاً : «منذ سنوات قابلت رجلاً في نحو الثانية والثلاثين من عمره في شيكاغو، وكان هذا الرجل قد هرب من كندا منذ إثنتي عشرة سنة بسبب جريمة إرتكبها، وفي خلال هذه السنوات الطويلة كان الرجل يحاول أن يغطي خطيته، ولكن خطيته كانت تلدغه في الصباح والمساء، وأخيراً طلب مني أن أنصحه ماذا يفعل؟ فقلت له أن عليه أن يرد المُغتصب ويعيد المال الذي سرقه، وأن يعترف إعترافاً أميناً للرب بما إرتكب، ويثق في قوة دم المسيح المطهرة.

ويالمنظر دموع الفرح الذي جرت على خدي ذلك الرجل عندما عرف أنه يستطيع أن ينال الغفران، وأن يستريح من حمل خطاياه.

 

لقد كانت الإثنتا عشرة سنة التي قضاها وهو يحاول كتم خطيته، رهيبة ومخيفة، ولكنه بعد أن عزم على توبة صحيحة، ووثق ثقة كاملة في قوة دم الفادي نال فرح الغفران.

فلا تحاول أيها الخاطىء غير التائب أن تُخبىء خطاياك أو تُغطيها، فإنك لن تستطيع أن تحفر قبراً عميقاً لخطاياك، إلا وتقوم منه هذه الخطايا ذات يوم … إن الله سوف يلمس ينبوعاً سرياً في ضميرك ثم يقول لك (يا ابني أذكر) وعندئذ ستحدث ضوضاء في داخل نفسك ثم تعود خطاياك لتصطف أمام عينيك واحدة واحدة.

 

فإحذر من مُداعبة وخداع الخطية لئلا تهلكك الخطية.

يحتفظ لنا التاريخ بقصة عن مرسل ذهب إلى غابة من غابات الهند، فوجد هناك نمراً صغيراً ما زال وليداً، ففكر في أن يأخذه معه ويربيه في دار الإرسالية كما لو كان كلباً.
وأخذ المُرسل النمر وبدأ يطعمه ويعتني به إلى أن كبر … وذات يوم بينما كان المرسل جالساً في حديقة الدار يقرأ في صحيفته مد يده كعادته وربت على رأس النمر … وإذ بالنمر يلحس يد المرسل بلطف، وقليلاً قليلاً أحس المرسل بأن قوة تخرج من جسمه دون أن يعرف السبب، وفجأة إنتبه فإذا يجد يده تسيل منها الدماء … وأدرك أن النمر ظل يلحس يده بلسانه إلى أن سالت منها الدماء … فغضب وأمسك بعصا ليضرب النمر، لكن النمر كان قد ذاق طعم الدم فثارت غريزته الوحشية وهجم على المرسل الذي رباه … وإفترسه.

 

هكذا الخطية … يحتضنها الإنسان … ويحاول سترها … وفجأة تقتل الخطية الإنسان، تخدعه … ثم تقتله كما يقرر ذلك بولس بالقول “لأَنَّ الْخَطِيَّةَ، وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ، خَدَعَتْنِي بِهَا وَقَتَلَتْنِي” (رو 7 :11).

إن أردت أن تمحي خطاياك تماماً ينبغي أن تعزم على التوبة الحقيقية، وأن تثق في قوة دم المسيح المطهرة “اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ. لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ” (إش 55 : 6 -7).

 

أساس غفران الخطايا

 

يقرر كاتب رسالة العبرانيين هذه الحقيقة “وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” (عب 9 :22).
ويهتف بولس الرسول في رسالته إلى القديسين الذين في أفسس قائلاً “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أف 1 :7).

فالله قد غفر خطايانا على أساس أن المسيح مات من أجلنا، كما يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى الكنيسة التي في كورنثوس “وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ، وَبِهِ أَيْضًا تَخْلُصُونَ، إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلاَمٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلاَّ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثًا! فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ” (1كو 15 : 1 -4).

 

فموت المسيح من أجل خطايانا، وقبولنا الشخصي لهذا الحق الثمين هو أساس نوالنا الغفران.

من بين القصص المؤثرة، قصة حدثنا بها جنرال إنجليزي قال : «كنت في خدمة الجيش في الهند في أثناء الثورة التي قامت هناك وكان في خدمتي ولد صغير في الثالثة عشرة من عمره، وكانت وظيفته هي ضرب البوق في كل صباح … كان ذلك الغلام ضعيف البنية جداً، وكانت والدته من المولعات بقراءة الكتاب المقدس، وكان والده شجاعاً، وقد مات ذلك الوالد الشجاع في إحدى المعارك، وبعد قليل ماتت زوجته من فرط التأثر عليه … وبموتهما صار ذلك الولد وحيداً في تلك الفرقة … كان قديساً صغيراً من أولئك الذين يهتمون بحضور إجتماع الصلاة أكثر من إهتمامهم بألعاب المعسكر الجذابة، ولأجل حياته العالية صار هدفاً للزمرة الشريرة من الجنود، ولاقى الكثير من المتاعب بسبب تدينه الرفيع، لكنه لم يعبأ بالمتاعب بل إستمر في حياته المسيحية يعيش في ذلك الوسط الشرير حياة الإنتصار.

 

ومرت الأيام وذلك الغلام يتقدم في حياته النقية وقدوته المثالية، وذات يوم أمرنا القائد أن نذهب إلى مكان بعيد للتمرن على إطلاق النار، ولم أكن أريد أن آخذ معي ذلك الغلام، لأنه كان ضعيف الجسم، وكان المكان من الأماكن الرديئة المليئة بالمستنقعات، وقد خشيت أن يصاب ذلك القديس بأذى، لكن القائد قال لي «خذه معك، فإن تأثيره العظيم له ضرورته في هذه الأيام».

 

كانت روح التمرد متفشية في الفرقة، وكانت هذه الفرقة تحوي عدداً كبيراً من أشر وأقسى الجنود، وكان بعض هؤلاء الجنود قد قاموا بتحطيم لوحات التدريب الأمر الذي إضطرنا إلى إيقاف التمرين بضعة أيام.

كان تحطيم اللوحات أمراً خطيراً، لذلك أمر القائد بالبحث عن الجناة، وقرر أن يعاقبهم بأشد العقاب ليكونوا عبرة لغيرهم من الجنود، وظللنا في بحثنا عن الجناة حتى إكتشفنا أنهم في الخيمة التي كان أحد ساكنيها ذلك القديس الصغير.

 

كانت الخيمة تحوي أشر جنود الفرقة كما قلت، فبدأنا في إستجوابهم واحداً واحداً في مجلس عسكري شُكل لهذا الغرض … كان واضحاً أن أحد هؤلاء الجنود هو المذنب الأثيم الذي قام بذلك العمل الخطير، ولكن أحداً منهم لم يرد أن يعترف … عجزنا عن إكتشاف المجرم، وأخيراً نادى رئيس المجلس العسكري وقال : «مما لا شك فيه أن المجرم الذي إرتكب الفعلة الشنعاء هو أحد رجال هذه الجماعة، فإذا كان هذا الشخص رجلاً جديراً بالرجولة فليخرج من الصف لينال عقابه عشر جلدات وليذهب الباقون أحراراً »

 

سادت فترة صمت رهيب، لكن أحداً لم يخرج، وعاد رئيس المجلس العسكري يقول «إذا خرج واحد منكم أيها الرجال وأخذ العقاب فسيذهب الباقون أحراراً ، وإلا فسأضطر أن أضربكم جميعاً، البريء، والمذنب على السواء».

 

وفي لحظة خاطفة خرج الغلام القديس وكان إسمه (ولي هولت) وكان قد بلغ الرابعة عشرة من عمره، وقال مخاطباً رئيس المجلس «كولونيل … لقد قلت بوضوح أنه إذا خرج واحد من هذه الفرقة وضُرب الجلدات العشر يذهب الباقون أحرارًاً … وأن أطالبك بتنفيذ كلمتك، إنني سأُجلد الجلدات العشر».

 

ظهرت على وجه الكولونيل علامات الألم والإشمئزاز، والتفت في غضب إلى الرجال الأشداء الواقفين وقال : «إنكم تعرفون أيها الجنود أن هذا الغلام ليس مًذنباً، أفلا توجد بقية من الشهامة في قلب المُذنب الحقيقي ليخرج وينال عقابه بدلاً من هذا الغلام الضعيف البريء»

لم يتحرك أحد من مكانه … فإستطرد الغلام (ولي هولت) قائلاً «لقد أعطيت كلمتك أيها الكولونيل ولا بدّ أن تُنفذها»، وفي ألم شديد أصدر الكولونيل أمره بربط الغلام وجلده.

 

ربطوه في شجرة، وبدأت الجلدات تنزل على ظهره النحيل، واحتمل الغلام الجلدة الأولى، والثانية حتى الرابعة، وعند الجلدة الخامسة صعدت أنة ألم من بين شفتيه لم يستطع قلبه الشجاع أن يكتمها، وعندئذ تقدم (جيم سكايز) وكان أشر رجل في كل الفرقة حتى لقبوه بالخروف الأسود وهو يقول «قف يا كولونيل، يجب أن أكون أنا في هذا المكان، هذا الغلام ليس مُذنباً، أنا المذنب، أربطني بدلاً عنه ودعني أنال الجلدات التي أستحقها».

لكن (ولي هولت) نظر إليه بوجهه الأبيض الشاحب، وابتسم وقال «لا يا جيم، لقد نفذت كلمة الكولونيل في جسمي، وها أنا أحتمل العقاب … أنت حر» ثم أغمى عليه من فرط الألم.

حملوه إلى المستشفى، وذهب الكولونيل في اليوم التالي ليطمئن عليه … دخل الغرفة التي كان بها الغلام في صمت وهدوء، ولكنه وقف مشدوداً عندما رأى الغلام نائماً في سريره في ضعف شديد، وقد ركع أمامه على الأرض (جيم سكايز) وهو يقول «ولي … لماذا عملت هكذا ؟ وما الذي دفعك لكي تعمل هذا؟».

 

وأجاب ولي بإبتسامة مُشرقة «آه يا جيم، إني أريد أن أُعرفك هذا، لقد عملت ذلك العمل، وتحملت الجلدات المؤلمة، حتى تعرف أنت أن هذا هو ما عمله المسيح لأجلك… لكنه عمل أكثر من ذلك بكثير … أنا تألمت لأجل خطية واحدة، أما هو فتألم لأجل كل خطايانا، حمل كل الجلدات التي كنا نستحقها … وهو يحبك يا جيم».

 

قال جيم «آه، لا أظن أنه يحب أمثالي … إنني رديء للغاية»
وعاد ولي هولت يقول في صوت مؤثر «آه يا جيم، إنه يُحبك، ثق فيه، إنه عمل على الصليب، ما عملته أنا لأجلك، لكن بصورة أكثر كثيراً جداً » وعندئذ أُغمى على الغلام القديس العظيم وبعد أيام قليلة إنطلق إلى المجد ليكون مع سيده.

 

أما (جيم سكايز) فقد قبل خلاص المسيح، وتغيرت حياته تغييراً كاملاً، وصار مثلاً أعلى في كل فرقته، وهكذا تأثر الكولونيل وتجدد نتيجة تصرفات ذلك الغلام … لقد كان (ولي هولت) رسالة حية لسيده إنطبقت عليه كلمات الرسول بولس القائلة “حَسَبَ انْتِظَارِي وَرَجَائِي أَنِّي لاَ أُخْزَى فِي شَيْءٍ، بَلْ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ كَمَا فِي كُلِّ حِينٍ، كَذلِكَ الآنَ، يَتَعَظَّمُ الْمَسِيحُ فِي جَسَدِي، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ” (في 1 :20).

 

فهل أدركت أيها القارىء المحبوب أساس الغفران، وتيقنت أن الله يغفر خطايا من يقبل الرب يسوع المسيح لأجل خاطر الآلام والموت الذي تحمله المسيح.

إصغِ إلى إشعياء وهو يصف لنا آلام المسيح وموته الفدائي قائلاً :
“مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟ وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ” (إش 53 : 3 – 9 ).

 

وإستمع إلى بطرس الرسول وهو يردد “الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَخِرَافٍ ضَالَّةٍ، لكِنَّكُمْ رَجَعْتُمُ الآنَ إِلَى رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا” (1 بط 2 :24 -25).

 

وتعال لتسمع أغنية بولس الرسول وهو يهتف قائلاً “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2 :20).

 

وتيقن تماماً أنه لأجل خاطر المسيح يغفر الله كل خطايا المؤمن الحقيقي. كما هو مكتوب
“لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ غُفْرَانَ الْخَطَايَا” (أع 10 :43).

 

وأذكر أن الرب يسوع المسيح لم يمت على الصليب لأجل خطية آدم وحدها، بل مات لأجل خطايا البشرية … لأجل خطاياك أنت بالذات.

 

وهذا ما يقرره الكتاب المقدس في هذه الآيات الوضاءة اللامعة :

“فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ” ( 1بط 3 :18).

 

“فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ” (1كو 15 :3).

 

“الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا” (غل 1 :4).

 

فهل وثقت في أن المسيح مات على الصليب لأجلك؟ وهل قبلته كالمخلص الشخصي لك، ونلت غفراناً كاملاً لخطاياك ؟؟ 

 

هذا هو أول معنى من معاني الخلاص (غفران الخطايا) وعن هذا المعنى قال زكريا عن ابنه يوحنا “لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ” (لو 1 :77).

 

-2-

المعنى الثاني للخلاص هو الميلاد الثاني

 

في اللحظة التي يقبل فيها الخاطىء التائب الرب يسوع المسيح كمخلصه الشخصي، ينال غفران الخطايا ويُولد من الله ميلاداً ثانياً، فالميلاد الثاني هو جزء جوهري من خلاص الله.

 

وهذا ما يقرره بولس الرسول في رسالته إلى تيطس قائلاً ” أَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلًا أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ وَالْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا. وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ . لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ ­ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (تي 3 : 3-5).

 

وفي العهد الجديد نرى عدة حوادث تؤكد أن الشخص حين يقبل الرب يسوع المسيح تُغفر خطاياه، ويولد ميلاداً ثانياً.

 

شفاء المفلوج :

 

والحادثة الأولى هي حادثة شفاء المفلوج، وقد ذكرها مرقس البشير في هذه الكلمات :

” ثُمَّ دَخَلَ كَفْرَنَاحُومَ أَيْضًا بَعْدَ أَيَّامٍ، فَسُمِعَ أَنَّهُ فِي بَيْتٍ. وَلِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ الْبَابِ. فَكَانَ يُخَاطِبُهُمْ بِالْكَلِمَةِ. وَجَاءُوا إِلَيْهِ مُقَدِّمِينَ مَفْلُوجًا يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ. وَإِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْجَمْعِ، كَشَفُوا السَّقْفَ حَيْثُ كَانَ. وَبَعْدَ مَا نَقَبُوهُ دَلَّوُا السَّرِيرَ الَّذِي كَانَ الْمَفْلُوجُ مُضْطَجِعًا عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ، قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ. وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ هُنَاكَ جَالِسِينَ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ: لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا هكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟ فَلِلْوَقْتِ شَعَرَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُمْ يُفَكِّرُونَ هكَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ لِلْمَفْلُوجِ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ؟ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا. قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: لَكَ أَقُولُ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!. فَقَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ السَّرِيرَ وَخَرَجَ قُدَّامَ الْكُلِّ، حَتَّى بُهِتَ الْجَمِيعُ وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هذَا قَطُّ “ (مر 2 : 1 -12).

 

والحادثة تُرينا مدى تقدير الرب للإيمان ” فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ” وتُعلن لنا أن الرب وحده هو عارف حاجات البشر، وقد عرف حاجة الرجل المفلوج إلى راحة الغفران فقال له : “مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ” وتُرينا أن واهب الغفران هو أيضاً خالق الحياة الجديدة ولذا فقد أعطى المفلوج الذي لا يقوى على الحركة، حياة بها يقوم ويحمل سريره ويذهب إلى بيته “فَقَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ السَّرِيرَ وَخَرَجَ قُدَّامَ الْكُلِّ” .

 

وفيما عمله الرب يسوع المسيح للمفلوج نستطيع أن نرى الخلاص في وجهه (غفران الخطايا) و (الميلاد الثاني).

 

المرأة السامرية :

 

وحادثة مقابلة الرب له المجد للمرأة السامرية تُظهر لنا هذا الحق بصورة أكيدة، فالمرأة السامرية كانت إمرأة ذات ماضِ “لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ” (يو 4 :18).

 

ومع ماضيها الأسود فإن معلوماتها الدينية كانت كثيرة، فهي تعرف أن اليهود لا يُعاملون السامريين “فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ: كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي لِتَشْرَبَ، وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا امْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟ لأَنَّ الْيَهُودَ لاَ يُعَامِلُونَ السَّامِرِيِّينَ” (يو 4 :9).

 

وهي تعرف يعقوب وبئره ” أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ، الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ، وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ” (يو 4 :12).

 

وهي تعرف أيضاً الكثير عن السجود، ومع هذا كله فإنها كانت لا تبالي ونائمة الضمير.
وقد قادها الرب بنعمته إلى الإعتراف، وأفهمها معنى السجود الحقيقي، وغفر خطيتها، وولدها ميلاداً ثانياً، حتى أننا نقرأ عنها الكلمات “فَتَرَكَتِ الْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا وَمَضَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَتْ لِلنَّاسِ: هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ” (يو 4 :28 -29).

 

والقصة تُرينا في وضوح وجلاء أن الرب يهب النفس التي تتصل به نعمة (غفران الخطايا) وفي ذات الوقت يلدها  (ميلاداً ثانياً) لتكون خليقة جديدة في شخصه المبارك المجيد.

 

المرأة التي أُمسكت في زنا :

 

هذا يأتي بنا إلى الحادثة الثالثة التي ترسم لنا ( الخلاص) في كلا وجهيه، وهي حادثة المرأة التي أُمسكت في زنا ونقرأها في إنجيل يوحنا في هذه العبارات :

“ثُمَّ حَضَرَ أَيْضًا إِلَى الْهَيْكَلِ فِي الصُّبْحِ، وَجَاءَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الشَّعْبِ فَجَلَسَ يُعَلِّمُهُمْ. وَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ امْرَأَةً أُمْسِكَتْ فِي زِنًا. وَلَمَّا أَقَامُوهَا فِي الْوَسْطِ . قَالُوا لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، هذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ، وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالُوا هذَا لِيُجَرِّبُوهُ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ. وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ! ثُمَّ انْحَنَى أَيْضًا إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ. وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ، خَرَجُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا، مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسْطِ. فَلَمَّا انْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَدًا سِوَى الْمَرْأَةِ، قَالَ لَهَا: يَا امْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ فَقَالَتْ: لاَ أَحَدَ، يَا سَيِّدُ!. فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا” (يو 8 : 2 -11).

 

والدارس الفطن يرى كيف يتعامل الناموس العادل مع الخاطىء “وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ تُرْجَمُ”

 

(إقرأ تنثية 22 : 20 -24) “وَلكِنْ إِنْ كَانَ هذَا الأَمْرُ صَحِيحًا، لَمْ تُوجَدْ عُذْرَةٌ لِلْفَتَاةِ. يُخْرِجُونَ الْفَتَاةَ إِلَى بَابِ بَيْتِ أَبِيهَا، وَيَرْجُمُهَا رِجَالُ مَدِينَتِهَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى تَمُوتَ، لأَنَّهَا عَمِلَتْ قَبَاحَةً فِي إِسْرَائِيلَ بِزِنَاهَا فِي بَيْتِ أَبِيهَا. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ. إِذَا وُجِدَ رَجُلٌ مُضْطَجِعًا مَعَ امْرَأَةٍ زَوْجَةِ بَعْل، يُقْتَلُ الاثْنَانِ: الرَّجُلُ الْمُضْطَجِعُ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ إِسْرَائِيلَ. إِذَا كَانَتْ فَتَاةٌ عَذْرَاءُ مَخْطُوبَةً لِرَجُل، فَوَجَدَهَا رَجُلٌ فِي الْمَدِينَةِ وَاضْطَجَعَ مَعَهَا، فَأَخْرِجُوهُمَا كِلَيْهِمَا إِلَى بَابِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَارْجُمُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَا. الْفَتَاةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَمْ تَصْرُخْ فِي الْمَدِينَةِ، وَالرَّجُلُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَذَلَّ امْرَأَةَ صَاحِبِهِ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ”.

 

فالخاطىء الأثيم لا يستطيع أن يجد رحمة على أساس الناموس، ولكن الرب يسوع المسيح قد جاء بالنعمة والحق “لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا” (يو 1 :17).

 

ونعمة الله هي الأساس الوحيد لغفران الخطايا، وتجديد القلب. ونحن نرى العملين الإلهيين واضحين في هذه الحادثة، ففي كلمات الرب له المجد ” وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ” نرى (غفران الخطايا)، وفي كلماته الثمينة ” اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا” نرى (الميلاد الثاني ) الذي به يعطي للمؤمن طبيعة جديدة تكره الخطية، وتنفر منها، وتنتصر عليها.
فغفران الخطايا والميلاد الثاني عملان يتمان في حياة من يقبل الرب يسوع المسيح في وقت واحد (لحظة نوال خلاص الله).

 

والآن إلى حديث الرب الواضح عن الميلاد الثاني:

وأول ما نود ذكره هنا أن الميلاد الثاني له عدة تسميات في الكتاب المقدس فهو يُسمى (الميلاد من فوق).

“أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ” (يو 3 :3).

 

ويُسمى (الميلاد من الماء والروح )

“أَجَابَ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ” (يو 3 :5).

 

ويُسمى (الميلاد من الروح)

“اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ” (يو 3 :6).

 

ويُسمى ( تجديد الروح القدس)
“لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ ­ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (تي 3 :5).

 

ويُسمى (الخليقة الجديدة)
“إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا” (2 كو 5 :17).

“لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لَيْسَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الْخَلِيقَةُ الْجَدِيدَةُ” (غل 6 :15).

 

وأخيراً يُسمى ( الميلاد الثاني)
“مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ” ( 1 بط 1 :3).

“لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ ­ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (تي 3 :5).

 

ولقد كان حديث الرب له المجد عن (ضرورة الميلاد الثاني) مع إنسان من الفريسيين إسمه نيقوديموس، وفي هذا الحديث أكد الرب لنيقوديموس إستحالة رؤيا ملكوت الله
“أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ” (يو 3 :3).

 

أو دخول ملكوت الله بدون الميلاد الثاني .
“أَجَابَ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ” (يو 3 :5).

 

والآن ما هو ملكوت الله؟

 

ذُكر ملكوت الله في العهد الجديد في حالتين :

 

في الحالة الأولى بإعتباره قد جاء فعلاً وهكذا تؤكده الكلمات :

“وَلَمَّا سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ؟ أَجَابَهُمْ وَقَالَ: لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ، وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا ههُنَا، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ” ( لو 17 :20 -21 ).

 

فقلب المؤمن المولود من الله هو حالياً (ملكوت الله) أو ( مملكة الله).

 

وفي الحالة الثانية بإعتباره سيأتي كما قال اللص الذي قبل الرب في آخر لحظات حياته وهو على الصليب ” ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ” (لو 23 :42).

 

وفي الحالتين يصف بولس ملكوت الله في رسالته إلى القديسين في رومية قائلاً ” لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ” (رو 14 :17).

وحين يقبل الخاطىء التائب الرب يسوع المسيح كمخلصه الشخصي يولد ميلاداً ثانياً، وبهذا الميلاد الثاني يرى ويدخل ملكوت الله، وفي هذا الملكوت يتمتع المؤمن ببر المسيح الموهوب له ويهتف مع بولس الرسول قائلاً “فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو 5 :1).

 

ويسكن الروح القدس في قلبه فتظهر ثماره فيه “وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ” (غل 5 :22).

وعندما يأتي الرب سيملك معه في ملكوته ويردد فرحاً مع جماهير المفديين مُرنماً لفاديه : “وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ” (رؤ 5 : 9 -10).

 

وصورة هذا الملكوت الآتي، تظهر مُجسمة في منظر الرب على جبل التجلي، ففي الملكوت سنرى ( الملك ببهائه) كما يقول إشعياء ” اَلْمَلِكَ بِبَهَائِهِ تَنْظُرُ عَيْنَاكَ. تَرَيَانِ أَرْضًا بَعِيدَةً” (إش 33 :17).

ومعه سيكون القديسون الذين رقدوا ونراهم مُمثلين في موسى، والقديسون الذين أختطفوا ونراهم مُمثلين في إيليا الذي ذهب إلى السماء دون أن يرى الموت … أما التلاميذ الثلاثة بطرس ويعقوب ويوحنا فهم يمثلون العبرانيين المخلصين الذين سيملك عليهم المسيح في مجيئه الثاني (إقرأ لوقا 9 : 27 – 36)

 

“حَقًّا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ. وَبَعْدَ هذَا الْكَلاَمِ بِنَحْوِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، أَخَذَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ وَصَعِدَ إِلَى جَبَل لِيُصَلِّيَ. وَفِيمَا هُوَ يُصَلِّي صَارَتْ هَيْئَةُ وَجْهِهِ مُتَغَيِّرَةً، وَلِبَاسُهُ مُبْيَضًّا لاَمِعًا. وَإِذَا رَجُلاَنِ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ، وَهُمَا مُوسَى وَإِيلِيَّا، اَللَّذَانِ ظَهَرَا بِمَجْدٍ، وَتَكَلَّمَا عَنْ خُرُوجِهِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ. وَأَمَّا بُطْرُسُ وَاللَّذَانِ مَعَهُ فَكَانُوا قَدْ تَثَقَّلُوا بِالنَّوْمِ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظُوا رَأَوْا مَجْدَهُ، وَالرَّجُلَيْنِ الْوَاقِفَيْنِ مَعَهُ. وَفِيمَا هُمَا يُفَارِقَانِهِ قَالَ بُطْرُسُ لِيَسُوعَ: يَا مُعَلِّمُ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً، وَلِمُوسَى وَاحِدَةً، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً. وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ. وَفِيمَا هُوَ يَقُولُ ذلِكَ كَانَتْ سَحَابَةٌ فَظَلَّلَتْهُمْ. فَخَافُوا عِنْدَمَا دَخَلُوا فِي السَّحَابَةِ. وَصَارَ صَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلًا: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا . وَلَمَّا كَانَ الصَّوْتُ وُجِدَ يَسُوعُ وَحْدَهُ، وَأَمَّا هُمْ فَسَكَتُوا وَلَمْ يُخْبِرُوا أَحَدًا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَبْصَرُوهُ” (لو 9 : 27 -36).

ومع ذلك كله فإن الميلاد الثاني هو البركة الوحيدة التي بها نصير أولاداً لله، كما نقرأ في إنجيل يوحنا ” وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ ( أي قبلوا الرب يسوع المسيح ) فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ” ( يو 1 : 12 -13).

فإن لم يولد الخاطىء ميلاداً ثانياً، لا يحق له أن ينادي الله بالقول ” ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: يَا أَبَا الآبُ” (غل 4 :6).

ونضيف إلى ما تقدم حقيقة ثالثة هي أن الميلاد الثاني هو البركة الوحيدة التي بها نستطيع أن نكون ورثة الله وهذا ما يؤكده بولس في الكلمات ” إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ للهِ بِالْمَسِيحِ” (غل 4 :7).

لقد كان الخطأ الرئيسي الذي وقع فيه الشاب الغني أنه سأل الرب قائلاً “وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ إِلَى الطَّرِيقِ، رَكَضَ وَاحِدٌ وَجَثَا لَهُ وَسَأَلَهُ: أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟” ( مر 10 :17).

ولو أنه فكر قليلاً لأدرك أن الميراث لا يُعطى بالأعمال بل بالبنوة. فالأولاد الشرعيون وحدهم هم الذين يرثون، والذين صاروا أولاداً لله بالإيمان بالمسيح يسوع “فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ” (غل 3 :29). أصبحوا حسب الموعد ورثة .

والآن تعال معي إلى الأصحاح الثالث من إنجيل يوحنا لندرس حديث الرب عن بركة الميلاد الثاني لنيقوديموس.

ويبدأ يوحنا البشير حديثه بالكلمات ” كَانَ إِنْسَانٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ اسْمُهُ نِيقُودِيمُوسُ، رَئِيسٌ لِلْيَهُودِ” (يو 3 :1).

فحديث الرب عن ضرورة الميلاد الثاني كان مع (إنسان).

 

وماذا تعني كلمة (إنسان)؟

إنها تعني أن نيقوديموس كان من نسل آدم الساقط … كان إنساناً فاسداً كسائر البشر تتم فيه كلمات المزمور القائل “اَلرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ أَشْرَفَ عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، لِيَنْظُرَ: هَلْ مِنْ فَاهِمٍ طَالِبِ اللهِ؟ الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (مز 14 :2 -3).

وتنطبق عليه كلمات بولس الرسول “بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو 3 : 22 – 23).

وكل إنسان في هذا الوجود هو في ذات الموقف … لسان حاله يقول مع داود في المزمور “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مز 51 :5) فهو إذن في حاجة إلى بركة الميلاد الثاني.

وتعني كلمة (إنسان) أيضاً أن نيقوديموس مولود من الجسد “اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ” (يو 3 :6).

والجسد لا يفيد شيئاً “اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ” (يو 6 :63).

بل إن المولود من الجسد لا يهتم إلا بما للجسد “فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ” (رو 8 :5).

وإهتمام الجسد هو عداوة لله “لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ للهِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ” (رو 8 : 6 -7).

بل أن الذين “هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللهَ” (رو 8 :8).
وهذه الصفات تنطبق تماماً على كل من لم يُولد ميلاداً ثانياً من الروح القدس، سواء كان مولوداً في عائلة مسيحية من والدين تقيين، أو مولوداً في عائلة وثنية من والدين لا يعرفان الله.

 

فالحقيقة الكبرى هي أن ” اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ” (يو 3 :6).

 

وكلمة (إنسان) تعني مع كل ما تقدم أن (نيقوديموس) كان بطبيعته الإنسانية التي ولد بها ابناً للغضب كما يقرر ذلك بولس الرسول في رسالته إلى القديسين في أفسس قائلاً “الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلًا بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا” (أف 2 :3).

 

فالمولود من الجسد هو بالطبيعة ابن للغضب لا فرق بين إنسان وإنسان في هذا الوصف المخيف.

وكلمة إنسان تعني أخيراً أن (نيقوديموس) لم يكن يعرف كإنسان طبيعي ما لروح الله كما يقول بولس “وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا” (1 كو 2 :14).

فالإنسان الطبيعي جاهل بالأمور الروحية ولو كان مُعلماً كنيقوديموس.
ويستطرد يوحنا البشير فيقول لنا أن نيقوديموس كان من (الفريسيين).

 

وماذا تعني كلمة (فريسي) ؟

 

إنها تعني أنه إنسان تَعبد لله حسب مذهب العبادة الأضيق كما يصفه بولس قائلاً “عَالِمِينَ بِي مِنَ الأَوَّلِ، إِنْ أَرَادُوا أَنْ يَشْهَدُوا، أَنِّي حَسَبَ مَذْهَبِ عِبَادَتِنَا الأَضْيَقِ عِشْتُ فَرِّيسِيًّا” (أع 26 :5).

وهي تعني أنه كان رجلاً مُدققاً في تدينه بصوم مرتين في الإسبوع ويُعشر كل ما يقتنيه “أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ” (لو 18 :12).

ومع ذلك فإن تَعبد هذا الرجل، وتدقيقه في ديانته لم يُغنينا بحال عن ضرورة الميلاد الثاني … وفي سفر الأعمال نقرأ عن إمرأة إسمها (ليدية)، هذه الكلمات “فَكَانَتْ تَسْمَعُ امْرَأَةٌ اسْمُهَا لِيدِيَّةُ، بَيَّاعَةُ أُرْجُوَانٍ مِنْ مَدِينَةِ ثَيَاتِيرَا، مُتَعَبِّدَةٌ للهِ، فَفَتَحَ الرَّبُّ قَلْبَهَا لِتُصْغِيَ إِلَى مَا كَانَ يَقُولُهُ بُولُسُ” (أع 16 :14).

 

ومع أن (ليدية) هذه كانت متعبدة لله، إلا أنها كانت في حاجة إلى الخلاص ولذا فنحن نقرأ عنها الكلمات “فَفَتَحَ الرَّبُّ قَلْبَهَا لِتُصْغِيَ إِلَى مَا كَانَ يَقُولُهُ بُولُسُ. فَلَمَّا اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا طَلَبَتْ قَائِلَةً: إِنْ كُنْتُمْ قَدْ حَكَمْتُمْ أَنِّي مُؤْمِنَةٌ بِالرَّبِّ، فَادْخُلُوا بَيْتِي وَامْكُثُوا. فَأَلْزَمَتْنَا “ (أع 16 : 14 -15).

إنك مهما كنت متعبداً لله، ومُدققاً في صومك، وصلاتك، ودفعك للعشور فإنك في حاجة إلى أن تولد الميلاد الثاني وإلا فلن تقدر أن ترى أو تدخل ملكوت الله.
ويتابع يوحنا حديثه قائلاً إن نيقوديموس كان رئيساً لليهود.

 

وماذا تعني كلمة ( رئيس لليهود)؟

 

إنها تعني أنه كان عضوا في مجلس السنهدريم، المجلس الديني الأعلى ويقول الرب في حديثه لنيقوديموس “أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مُعَلِّمُ إِسْرَائِيلَ وَلَسْتَ تَعْلَمُ هذَا” (يو 3 :10). وهذا يعني أن اليهود كانوا يذهبون إلى نيقوديموس في طلب العلم والمعرفة الناموسية.

 

ومع كل هذه الصفات التي تحلى بها نيقوديموس فإنه كان في حاجة إلى الميلاد الثاني، تماما كالسامرية ذات الماضي الأسود النجس المُلوث بالخطايا.

وقد جاء (نيقوديموس) إلى الرب يسوع ليتعلم، جاء تحت جنح الظلام ، جاء لأنه رأى في المسيح (مُعلماً) يستطيع أن يتعلم منه ليرتقي بحياته، وقد أخطأ نيقوديموس لأنه أراد أن (يتعلم) قبل أن (يولد من فوق ميلاداً ثانياً )، وهذا هو الخطأ الذي يقع فيه الكثيرون، إذ يريدون أن يتبعوا المسيح كمعلم قبل أن يولدوا من جديد، مع أن الحقيقة الكبرى هي إننا لا نخلص بإتباع تعاليم المسيح ومثاله، بل نخلص بالميلاد الثاني الذي نناله بالإيمان بالمسيح المصلوب المقام “الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا” (رو 4 :25).

 

ولقد قال الرب يسوع المسيح للمعلم الإسرائيلي الفريسي “أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ” (يو 3 :3).
وكأن ابن الله المبارك يقول للرئيس اليهودي، الذي أراد أن يتعلم قبل أن يتجدد، وأن يعتمد على بره الذاتي، وعلمه اللاهوتي، ومركزه الروحي، أن كل هذه المميزات لن تُدخله ملكوت الله، وأنه كإنسان خاطىء يحتاج إلى أن يولد من فوق … من الله. ليقدر أن يرى ملكوت الله.

ويقيناً أن الرب في حديثه الواضح الصريح هذا يؤكد لنا أن الإنسان مهما كان ( متديناً )، (مهذبا)، (مُثقفاً) ، (مؤدباً)، لا يمكنه الدخول بهذه المؤهلات إلى ملكوت الله.

إن ملكوت الله لن يدخله إلا الذين نالوا طبيعة جديدة تتفق وطبيعة هذا الملكوت، فكما أن السمك لا يمكنه أن يطير على أغصان الشجر إلا إذا أخذ طبيعة الطيور، وكما أن الطيور لا تستطيع أن تغوص في الماء إلا إذا أخذت طبيعة الأسماك، كذلك الإنسان لا يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلا إذا وُلد ثانية وأخذ طبيعة تتفق والحياة في ملكوت الله.

إن الميلاد الثاني ليس من عمل إنسان في هذه الأرض، إنه من فوق من السماء من عند أبي الأنوار ، ويخطىء خطأ جسيماً من يعتقد أن الميلاد الثاني يمكن الحصول عليه بمعمودية الماء، فلقد إعتمد سيمون الساحر بالماء، على أساس إيمان عقلي. ومع ذلك فإن بطرس الرسول يقول له “فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: لِتَكُنْ فِضَّتُكَ مَعَكَ لِلْهَلاَكِ، لأَنَّكَ ظَنَنْتَ أَنْ تَقْتَنِيَ مَوْهِبَةَ اللهِ بِدَرَاهِمَ! لَيْسَ لَكَ نَصِيبٌ وَلاَ قُرْعَةٌ فِي هذَا الأَمْرِ، لأَنَّ قَلْبَكَ لَيْسَ مُسْتَقِيمًا أَمَامَ اللهِ. فَتُبْ مِنْ شَرِّكَ هذَا، وَاطْلُبْ إِلَى اللهِ عَسَى أَنْ يُغْفَرَ لَكَ فِكْرُ قَلْبِكَ، لأَنِّي أَرَاكَ فِي مَرَارَةِ الْمُرِّ وَرِبَاطِ الظُّلْمِ” (أع 8 :20 -23).

فمعمودية الماء ليست هي الوسيلة التي بها يُولد المرء ميلاداً ثانياً، ولكنها الطريق إلى عضوية الكنيسة بعد أن يَخلص الإنسان بالإيمان بالمسيح وهي تعني الموت والدفن والقيامة مع الرب.

وهنا قد يسأل سائل : إذن ما معنى كلمات الرب لنيقوديموس ” أَجَابَ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ” (يو 3 :5).

وألا تعني كلمتي ( الماء والروح) معمودية الماء.

ويقيناً أنه لو قصد الرب بهاتين الكلمتين معمودية الماء، إذن لقالها صريحة كعادته، فليس في كل العهد الجديد إشارة واحدة إلى أن معمودية الماء هي ميلاد من الماء والروح، بل أن معمودية الماء ذًكرت في العهد الجديد بأكمله بإسمها البسيط المعروف: إقرأ

“حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ. وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلًا: أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ! فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ. حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ. فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ” (مت 3 : 13 -16)

و “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت 28 :19)

و “كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا…. وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ….وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يَسُوعُ مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ وَاعْتَمَدَ مِنْ يُوحَنَّا فِي الأُرْدُنِّ” (مر 1 : 4 و 5 و 9)

 

و “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ” (مر 16 :16)

و “فَجَاءَ إِلَى جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا … وَلَمَّا اعْتَمَدَ جَمِيعُ الشَّعْبِ اعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضًا. وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي انْفَتَحَتِ السَّمَاءُ” (لو 3 : 3 و 21)

و “وَبَعْدَ هذَا جَاءَ يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى أَرْضِ الْيَهُودِيَّةِ، وَمَكَثَ مَعَهُمْ هُنَاكَ، وَكَانَ يُعَمِّدُ…. وَكَانَ يُوحَنَّا أَيْضًا يُعَمِّدُ فِي عَيْنِ نُونٍ بِقُرْبِ سَالِيمَ، لأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانُوا يَأْتُونَ وَيَعْتَمِدُونَ”(يو 3 : 22 و23)

و “فَلَمَّا عَلِمَ الرَّبُّ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ سَمِعُوا أَنَّ يَسُوعَ يُصَيِّرُ وَيُعَمِّدُ تَلاَمِيذَ أَكْثَرَ مِنْ يُوحَنَّا، مَعَ أَنَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ يُعَمِّدُ بَلْ تَلاَمِيذُهُ” (يو 4 : 1و 2)

و “فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ : تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع 2 :38)

و “وَلكِنْ لَمَّا صَدَّقُوا فِيلُبُّسَ وَهُوَ يُبَشِّرُ بِالأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ وَبِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، اعْتَمَدُوا رِجَالًا وَنِسَاءً…. وَفِيمَا هُمَا سَائِرَانِ فِي الطَّرِيقِ أَقْبَلاَ عَلَى مَاءٍ، فَقَالَ الْخَصِيُّ: هُوَذَا مَاءٌ. مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟ فَقَالَ فِيلُبُّسُ: إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ يَجُوزُ. فَأَجَابَ وَقَالَ: أَنَا أُومِنُ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ. فَأَمَرَ أَنْ تَقِفَ الْمَرْكَبَةُ، فَنَزَلاَ كِلاَهُمَا إِلَى الْمَاءِ، فِيلُبُّسُ وَالْخَصِيُّ، فَعَمَّدَهُ. وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ الْمَاءِ، خَطِفَ رُوحُ الرَّبِّ فِيلُبُّسَ، فَلَمْ يُبْصِرْهُ الْخَصِيُّ أَيْضًا، وَذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ فَرِحًا” (أع 8 : 12 و 36 -39)

 

و “فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ” (أع 9 : 18)
و “أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حَتَّى لاَ يَعْتَمِدَ هؤُلاَءِ الَّذِينَ قَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أَيْضًا” (أع 10 :47)

وفي كل هذه الآيات الوضاءة اللامعة لا نجد آية واحدة تقول إن معمودية الماء هي الميلاد من الماء والروح.

 

إذن ما معنى الميلاد من الماء والروح؟

 

يتضح لنا معنى هذا الميلاد بالآية التي ذكرها بولس الرسول في رسالته إلى تيطس قائلاً : “لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ ­ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (تي 3 :5).

إن الماء يُستخدم دائماً للغسل والتنقية، وهو يُشير إلى غسل المؤمن من خطاياه بواسطة كلمة الله كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل أفسس “أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ” (أف 5 : 25 ،26).

 

فالرسول بولس قال بكل جلاء في هذه الآية إن ( الماء) يُشير إلى (الكلمة) وهو أمر نراه واضحاً خلال الكتاب المقدس كله.

فالميلاد من الماء والروح معناه الميلاد من كلمة الله عندما يستخدمها روح الله، وقد جاء الماء في سفر إشعياء كرمز صريح لكلمة الله وكواسطة الميلاد ونحن نقرأ هذا الحق في الكلمات

“لأَنَّهُ كَمَا يَنْزِلُ الْمَطَرُ وَالثَّلْجُ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَرْجِعَانِ إِلَى هُنَاكَ، بَلْ يُرْوِيَانِ الأَرْضَ وَيَجْعَلاَنِهَا تَلِدُ وَتُنْبِتُ وَتُعْطِي زَرْعًا لِلزَّارِعِ وَخُبْزًا لِلآكِلِ، هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ” (إش 55 : 10 -11).

وفي كل صفحات العهد الجديد نجد أن الرسل المبشيرين قد علموا بأن كلمة الله هي واسطة الميلاد الثاني حينما يستخدمها روح الله.

فقال بطرس الرسول “مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ” (1 بط 1 :23).

وقال يعقوب “شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لِكَيْ نَكُونَ بَاكُورَةً مِنْ خَلاَئِقِهِ” (يع 1 :18).

وقال بولس الرسول لأعضاء كنيسة كورنثوس “لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ” (1 كو4 :15).

مع أنه يقول لهؤلاء الأعضاء بالذات “أَشْكُرُ اللهَ أَنِّي لَمْ أُعَمِّدْ أَحَدًا مِنْكُمْ إِلاَّ كِرِيسْبُسَ وَغَايُسَ” (1 كو 1 :14).

وفي هذا أكبر دليل على أن معمودية الماء ليست هي الميلاد الثاني، وإنما الميلاد الثاني هو بركة ينالها المرء بالإنجيل – أي بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد.

إن الروح القدس لا يُستخدم في تجديد النفس سوى الحق الإلهي “لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ” (عب 4 :12).

 

وفي يوم الخمسين عمل روح الله بكلمة الله في قلوب الذين وعظهم بطرس “فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا لِبُطْرُسَ وَلِسَائِرَ الرُّسُلِ: مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟ فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ : تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ…. فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ” (أع 2 : 37 ، 38، 41).

فتاة مؤمنة إسمها (مس جين هايد) حدثتني بإختبارها وهو يُظهر كيف يعمل الله بروحه وكلمته في تجديد النفس الراجعة إليه قالت :« تربيت في عائلة مسيحية، وكانت أمي سيدة تقية تعرف الرب، أما أنا فعندما كبرت إنجرفت مع تيار العالم، وكنت أعمل ما أريد من خلف ظهر أمي … كانت أمي تمنعني من وضع المساحيق على وجهي، فكنت أذهب إلى إحدى صديقاتي وأضع المكياج عندها، وعند عودتي أغسل وجهي حتى لا تعرف أمي أفعالي، وكان لي شغف كبير بالأفلام السينيمائية، وذات مساء وكان ذلك يوم أربعاء ذهبت إلى السينما مع زميلة لي، وبعد خروجنا إقترحت زميلتي أن ندخل إجتماعاً تبشيرياً كان يُعقد قريباً منا لنستهزىء بما يقوله الواعظ، دخلت معها، وجلست غير عابئة أتأمل الناس الجالسين حولي، وفجأة سمعت الواعظ يقول :«قد تتصرف كما تصرف يونان، تُحاول أن تهرب من الله، وأن تُخبىء خطيتك عن عينيه، وقد تقول إنني أذهب إلى مدرسة الأحد أو الكنيسة … وهذا يكفي … كلا إن الله يرى خطاياك، ويعرف كل شيء عن آثامك … قد تنجح في أن تستر خطاياك عن أمك او أبيك او أصدقائك ولكنك لن تستطيع أن تسترها عن عيني الله».

شعرت بإحساس غريب، وتساءلت بيني وبين نفسي، من عرّف هذا الرجل بتصرفاتي ؟ وسمعت بقية العظة وكان الرجل قد بدأ يوجه التفات السامعين إلى صليب الرب يسوع، وقوته المخلصة، وعملت كلمة الله في قلبي، وبكتني روح الله على خطاياي … ولما إنتهى الإجتماع إنتظرت وصليت طالبة الخلاص، وخرج جميع الناس وأنا ما زلت أصلي إلى الله، وبعد أن خرجت من الإجتماع قالت لي صديقتي: «ماذا حدث لكِ؟» قلت لها والفرح يملأ أعماقي «لقد نلت الميلاد الثاني من الله».

وبعد مدة من الزمان، وقفت (مس هايد) وقصت إختبارها هذا في إجتماع ما، فوقف أحد الموجودين وكان خادماً من خدام الرب الأتقياء وقال لها «لما كنتِ طفلة في المهد زرت جدتك، وحملتك على ذراعي، وقد طلبت جدتك أن أصلي لأجل خلاص نفسك، وقد صليت معها لأجلك يا جين، وقلت للرب: يارب حينما تكبر جين، وتصل إلى سن الفهم والمسئولية خلصها بنعمتك، وها أنتِ قد نلتِ خلاص الله».

إن الميلاد الثاني هو ميلاد مُعجزي وفجائي، هو ميلاد مُعجزي لأنه يحدث بكيفية تفوق إدراكنا، “اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ” (يو 3 :8).

ويقيناً أنه ليس في وسع أحد أن يرى الريح بعينه المجردة، لكننا كلنا نستطيع أن نرى عمل الريح، وهي تُحرك أغصان الأشجار، وتهدم المنازل بقوتها، وتُغرق البواخر الضخمة بجبروتها.

 

إن أجهل إنسان لا يقدر أن يُنكر قوة الريح… وهكذا أيضاً في الميلاد الثاني، فهو من عمل الروح القدس الذي لا يُرى لكن أنظر قوته العجيبة المُجددة، التي تجعل من الشخص النجس إنساناً طاهراً، ومن الكاذب شخصاً صادقاً، ومن اللص شخصاً أميناً، ومن المجدف المضطهد المفتري خادماً وقديساً مُضحياً.

إن عمل الروح القدس عمل سري في القلب، وهو عمل معجزي … لكنه حقيقة أكيدة في حياة كل من وُلد من الروح.
وفوق ذلك فإن الميلاد الثاني عمل فجائي وليس إصلاحاً تدريجياً للحياة، إنه يحدث فجأة فيغير حياة من يقبل الرب يسوع في لحظة تغييراً عجيباً.

حين وقف الرب يسوع أمام قبر لعازر … كان لعازر ميتاً في قبره … كان جثة بلا حياة ولاحركة … كان قد أنتن لأن له أربعة أيام في القبر … ولما رفعوا الحجر، وفاحت رائحة الميت النتنة، لم يقمه الرب من الموت بالتدريج … لم يقل له : لعازر حرك يديك … ثم بعد لحظة : لعازر حرك قدميك … ثم بعد يوم، لعازر إفتح عينيك … بل صرخ بصوت عظيم : لعازر هلم خارجاً “فَخَرَجَ الْمَيْتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ، وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيل. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ” (يو 11 : 44).

فالإصلاح التدريجي للعيوب والأخطاء تعليم كاذب لا أساس له في كلمة الله … الإصلاح الذي يقوم على أساس إبطال الشتيمة اليوم والتدريب على عدم الحلف بإسم الله غداً … ومحاولة إبطال الكذب بعد غد، هذا الإصلاح ليس هو الميلاد الثاني بأي حال من الأحوال.
إن الميلاد الثاني بركة ينالها الإنسان بالإيمان فجأة، فالرب يجدد الخاطىء، الراجع إليه في لحظة في طرفة عين “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ، حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللهِ، وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ” (يو 5 :25).

وكل الأمثلة الكتابية تؤكد لنا أن الميلاد الثاني عمل فجائي وليس بالتدريج، فقد تجدد زكا فجأة إذ قبل المسيح فرحاً “فَأَسْرَعَ وَنَزَلَ وَقَبِلَهُ فَرِحًا” (لو 19: 6). وتجدد ثلاثة آلاف شخص فجأة يوم الخمسين واعتمدوا بالماء وانضموا للكنيسة في أورشليم “فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ” (أع 2 :41).

 

وتجدد الوزير الحبشي فجأة وطلب أن يعتمد بالماء، إذ آمن قلبياً أن يسوع المسيح هو ابن الله وإعتمد بالتغطيس “وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ الْمَاءِ، خَطِفَ رُوحُ الرَّبِّ فِيلُبُّسَ، فَلَمْ يُبْصِرْهُ الْخَصِيُّ أَيْضًا، وَذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ فَرِحًا” (أع 8 :39).

أفلا يحق للمؤمن المولود من الله إزاء هذه الحقائق الثمينة أن يهتف مع بطرس الرسول قائلاً “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ” (1 بط 1 :3 -5).

في كتاب (المسيحي السعيد) كتب مؤلفه غير المعروف قائلاً «تجدد رجل هندوسي في الهند، وكان يجهل القراءة والكتابة، فكان يطلب من الآخرين أن يقرأوا له الكتاب المقدس وكانت الآية التي يحبها هي “وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ” (يو 1 :12).

ولذا فقد كان دائم الهتاف بالكلمات (أنا قبلت الرب يسوع، لذلك فأنا ابن لله)، رجع الرجل الهندوسي إلى قريته ممتلئاً بيقين الخلاص وهو يردد (لقد صرت ابناً لله)، وكانت شهادته بسيطة ومؤثرة، فرغب أهل القرية في أن يصيروا جميعاً أبناءً لله مثله، وقبلوا الرب يسوع كما قبله وهكذا ربح أهل قريته للمسيح …لقد كان ذلك الهندوسي فقيراً وجاهلاً، ولكنه إذ تيقن من أنه قد أصبح ( ابناً لله) وإشتاق أن يحصل الآخرون على ذات الإختبار الذي ناله … نجح في ربح النفوس للمسيح».

 

الحقيقة الأولى : هي أن الإنسان العتيق يبقى في داخلنا حتى بعد أن نولد ثانية :

 

هذا هو السبب الذي من أجله يلد المسيحي المُتجدد إبناً غير مُتجدد، إن الطبيعة العتيقة باقية فيه ولذا فإن أولاد المسيحيين لا يختلفون من حيث طبيعتهم عن أولاد غير المسيحيين إلا إذا قبلوا المسيح شخصياً ونالوا إختبار الميلاد الثاني.

 

ويقول ف. ب . ماير «عندما نولد ثانية يضع الروح القدس في داخلنا حياة جديدة، حياة إلهية، لكن الطبيعة القديمة التي تُسمى (الجسد) في الكتاب المقدس لا تُنتزع، والشخص المتجدد يحمل في داخله الطبيعتين ” لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ” (غل 5 :17).

ووجود الطبيعة القديمة في قلوبنا مع الطبيعة الجديدة يتبين من إندفاعنا نحو الخطية عندما تأتينا التجربة من الخارج، قد يكون ( الإنسان العتيق) ساكناً كالموت أمام قوة الحياة الجديدة المتزايدة، لكنه ينتظر الفرصة لكي يسترد قوته ويُظهر أعماله لخزينا وضررنا.

 

فلا تتجاهل وجود الطبيعة العتيقة في داخلك، بميولها الشريرة وإمكانياتها لإرتكاب الخطية، لقد ضللت الكثيرين الفكرة القائلة بأن أصل الخطية قد أُنتزع من حياتهم ولذلك فإنهم لا يمكن أن يعودوا ثانية للخطية، وكانت نتيجة هذه الفكرة أنهم أصيبوا بالإهمال، والتراخي، وعدم السهر، وأمام ثورة (الإنسان العتيق) فيهم فجأة سقطوا وإمتلأوا حزناً وخزياً ».

هناك فرق بين (جسد الخطية) وبين (الخطايا)، فجسد الخطية هو أصل ومنبع الشر، هو حياة الذات القديمة، ويمكن إخضاع جسد الخطية بالنعمة، وإماتة أعماله بالروح القدس، لكنه يبقى فينا إلى أن نترك العالم الحاضر … أما الخطايا فهي ( أعمال جسد الخطية) هي المظاهر العملية للطبيعة القديمة التي في الداخل، ونحن نستطيع أن نخلص من هذه الخطايا يومياً بواسطة نعمة المسيح المخلص الذي قال عنه ملاك الرب ليوسف في الحلم ” فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ” (مت 1 :21).

وفي عبارة واحدة نقول «إن الإنسان العتيق لا يموت فينا، وإنما نستطيع بالروح القدس أن نُميت أعماله، وأن نموت نحن عن الخطية، وبذلك لا تُثمر في حياتنا ثمارها المريرة اللعينة».

 

الحقيقة الثانية هي : أن الميلاد الثاني لا يحدث سوى مرة واحدة لا تتكرر في حياة المؤمن:

 

إن الميلاد الثاني لا يتكرر … إنه يحدث مرة واحدة فقط في حياة المؤمن، فكما يُولد الإنسان مرة واحدة ولادة طبيعية من الجسد، كذلك يولد كل من يقبل الرب يسوع المسيح بإيمان قلبي كمخلصه الشخصي مرة واحدة من الروح القدس.

وبما أن المؤمن قد صار ابناً لله بالميلاد الثاني فمن الخطأ أن يُصلي قائلاً « يارب إجعلني أن أكون ابناً لك» … تصور أن ابنك يأتي إليك متوسلاً : «يا بابا أرجوك أن تجعلني ابناً لك». بماذا تُجيبه؟ إنك ستقول له حتماً :« أنت إبني يا ولدي من اليوم الذي وُلدت فيه فلا معنى أبداً لطلبك هذا».

إن المولود من الله ينبغي أن تكون صلاته «يا ابانا السماوي، إجعلني مُطيعاً لإرادتك لأكون ابناً يُفرح قلبك».

 

الحقيقة الثالثة هي : أن عقيدة الميلاد الثاني بالمعمودية لا أساس لها البتة في الكلمة الإلهية:

 

يقول جون وتشي في كتابه (Foundation Trutbs) «إن الذين يؤمنون بالتجديد العمادي ينكرون كل الحقائق الكتابية الخاصة بالميلاد الثاني، فعقيدة التجديد العمادي تقول إن الميلاد الثاني يحدث للطفل الذي لا يعي ولا يُدرك عن طريق ماء المعمودية، والواقع أن معمودية الأطفال لا يمكن أن تكون وسيلة للميلاد الثاني كما أنها لا سند لها في الكتاب المقدس إطلاقاً، لا في أوامر الرب الصريحة، ولا في المثال الذي مارسه الرسل، ولكنها عمل إخترعته الكنيسة المرتدة حين إبتعدت عن التعاليم الأساسية للإنجيل، وانحرفت عن الكتاب المقدس مفضلة عليه تقاليدها الخاصة.

 

كيف يمكن لإنسان أن يُمارس هذا العمل الخادع، ثم يقول في ذات الوقت إنه يؤمن بالكتاب المقدس؟ … هذا ما يُحيرني!!

وكيف يمكن لإنسان يعتقد أنه وُلد الميلاد الثاني بالمعمودية أن يستمع بجد وتفكير عندما يكبر إلى صوت الرب القائل “لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ” (يو 3 :7)؟

 

إن القديسين المُخلصين للرب يرفضون بشدة كل تعليم مخالف لكلمته، ويعودون في إتضاع إلى الكتاب المقدس ليطلبوا نوره وإرشاده في كل ما يخص حياتهم الروحية والأبدية.

والكتاب المقدس يؤكد أن الذي لا يولد الميلاد الثاني، لا بدّ أن يموت الموت الثاني الذي يعني الطرح في بحيرة النار “وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي. وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ” (رؤ 20 : 14 -15).

 

ويعلن أن الطريق الوحيد الذي به نصير أولاداً لله هو الإيمان بالمسيح يسوع “لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غل 3 :26).

هذا هو خلاص الله الثمين في وجهيه، وهو يعني في وجهه الأول (غفران الخطايا) وفي وجهه الثاني (الميلاد الثاني من الروح القدس) فما أعظم هذا الخلاص وما أمجده.

 

– 3-

المعنى الثالث للخلاص هو الإنقاذ
من سلطان الشيطان

 

عندما ظهر الرب يسوع المسيح لشاول الطرسوسي في طريق دمشق سقط شاول أمام لمعان نوره الإلهي على الأرض فقال له الرب :

 

“وَلكِنْ قُمْ وَقِفْ عَلَى رِجْلَيْكَ لأَنِّي لِهذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا بِمَا رَأَيْتَ وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ، مُنْقِذًا إِيَّاكَ مِنَ الشَّعْبِ وَمِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أَنَا الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِالإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ” (أع 26 : 16 -18).

فكما يتضمن خلاص الله (غفران الخطايا) و (الميلاد الثاني) كذلك يتضمن (الإنقاذ من سلطان الشيطان).

 

ويجدر بنا في هذا المقام أن نعرف شيئاً عن أصل الشيطان وسر سقوطه، ومصيره النهائي ويُعطينا حزقيال النبي وصفاً للشيطان قبل سقوطه في هذه العبارات:

“وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلًا: يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ مَرْثَاةً عَلَى مَلِكِ صُورَ وَقُلْ لَهُ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: أَنْتَ خَاتِمُ الْكَمَالِ، مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ الْجَمَالِ. كُنْتَ فِي عَدْنٍ جَنَّةِ اللهِ. كُلُّ حَجَرٍ كَرِيمٍ سِتَارَتُكَ، عَقِيقٌ أَحْمَرُ وَيَاقُوتٌ أَصْفَرُ وَعَقِيقٌ أَبْيَضُ وَزَبَرْجَدٌ وَجَزْعٌ وَيَشْبٌ وَيَاقُوتٌ أَزْرَقُ وَبَهْرَمَانُ وَزُمُرُّدٌ وَذَهَبٌ. أَنْشَأُوا فِيكَ صَنْعَةَ صِيغَةِ الفُصُوصِ وَتَرْصِيعِهَا يَوْمَ خُلِقْتَ. أَنْتَ الْكَرُوبُ الْمُنْبَسِطُ الْمُظَلِّلُ، وَأَقَمْتُكَ. عَلَى جَبَلِ اللهِ الْمُقَدَّسِ كُنْتَ. بَيْنَ حِجَارَةِ النَّارِ تَمَشَّيْتَ. أَنْتَ كَامِلٌ فِي طُرُقِكَ مِنْ يَوْمَ خُلِقْتَ حَتَّى وُجِدَ فِيكَ إِثْمٌ” (حز 28 :11 -15).

ويكشف لنا إشعياء النبي الستار عن سر سقوط هذا الكروب الكامل الجمال قائلاً :
“كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ، بِنْتَ الصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ يَا قَاهِرَ الأُمَمِ؟ وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ، وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشَّمَالِ. أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ” (إش 14 :12 -14).

 

فإبليس قال في قلبه أن يرفع كرسيه فوق كواكب الله، ويصير مثل العلي، ولكنه بدلاً من أن يصير مثل العلي سقط من مركزه الكبير وأصبح عدواً لله، وأسقط معه جمهوراً من الملائكة.

ويبدو أن الله لكي يُظهر عدالته للملائكة القديسين سمح في حكمته التي يعسر على الإنسان فهمها أن يُعطي للشيطان فرصة يؤسس فيها لنفسه منطقة نفوذ، ويصبح هو رأسها، ويمكننا أن نقول إن منطقة نفوذ الشيطان هي الحكومة المُعادية لله المكونة من جماهير الملائكة الذين سقطوا معه.

ويقول J.F. Strombeck في كتابه خلاص الله العظيم :
«جاء الوقت الذي فيه خلق الله الإنسان، وكان الإنسان حين خُلق أحد رعايا حكومة الله. وقد أعطى الله للإنسان الذي خلقه قوة للتسلط على الأرض التي أعاد تنظيمها وتجديدها، وأخضع كل شيء تحت قدميه كما يقرر ذلك كاتب سفر التكوين في الكلمات:  “فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ” (تك 1 :27 -28).

 

وعاش الإنسان فترة قصيرة من الزمن خاضعاً لخالقه، مُقدماً كل الولاء لشخصه العظيم القدوس … ثم دخل الشيطان الجنة وخدع الإنسان ليتمرد على الله، ويعصي وصيته، ولا يصدق كلامه.

 

وعصى الإنسان الله!

وبهذا العصيان أعلن استقلاله عن خالقه، وإعتماده على ذاته. لقد كان عصيانه تمرداً صريحاً ضد حكومة الله.

وبغير شك أنه عندما سمع الإنسان لصوت الشيطان، أخضع نفسه لتأثيره، وأصبح تحت حكمه وسلطانه.

لقد نقل ولاءه من الله إلى الشيطان، وبهذه الكيفية سلم الإنسان الأرض التي سلطه عليها الله للشيطان. ومن ذلك الوقت صار الإنسان جزءاً من الحكومة المُعادية لله.

 

وليس في وسعنا أن ننكر سيادة الشيطان على ممالك العالم، فهذه السيادة تبدو واضحة في كلمات الشيطان للمسيح حين جربه في البرية. إذ قال له بعد أن أراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان “وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: لَكَ أُعْطِي هذَا السُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ، لأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ، وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ. فَإِنْ سَجَدْتَ أَمَامِي يَكُونُ لَكَ الْجَمِيعُ” (لو 4 : 6-7).

ولم يُعارض الرب يسوع إدعاء الشيطان في سيادته على ممالك المسكونة، لأن هذه الممالك صارت للشيطان حين أخضع الإنسان نفسه لحكمه، ولهذا يكتب يوحنا الرسول قائلاً “نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ اللهِ، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1يو 5 :19).

 

ويطلق الكتاب على الشيطان عدة تسميات فهو:

 

(سلطان الظلمة) “الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ” (كو 1 :13).

و (الكذاب) “أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ” (يو 8 :44).

و (رئيس هذا العالم) “لاَ أَتَكَلَّمُ أَيْضًا مَعَكُمْ كَثِيرًا، لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ” (يو 14 :30).

 

و (رئيس سلطان الهواء) “وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلًا حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ” (أف 2 : 1 -2 ).

 

و (الروح الذي يعمل في أبناء المعصية) “الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلًا حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ” (أف 2 :2).

 

و(التنين العظيم) و (الحية القديمة) و (إبليس) “فَطُرِحَ التِّنِّينُ الْعَظِيمُ، الْحَيَّةُ الْقَدِيمَةُ الْمَدْعُوُّ إِبْلِيسَ وَالشَّيْطَانَ، الَّذِي يُضِلُّ الْعَالَمَ كُلَّهُ، طُرِحَ إِلَى الأَرْضِ، وَطُرِحَتْ مَعَهُ مَلاَئِكَتُهُ” (رؤ 12 :9).

و (المشتكي على الإخوة) “وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا قَائِلًا فِي السَّمَاءِ: الآنَ صَارَ خَلاَصُ إِلهِنَا وَقُدْرَتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُ مَسِيحِهِ، لأَنَّهُ قَدْ طُرِحَ الْمُشْتَكِي عَلَى إِخْوَتِنَا، الَّذِي كَانَ يَشْتَكِي عَلَيْهِمْ أَمَامَ إِلهِنَا نَهَارًا وَلَيْلًا” (رؤ 12 :10).

 

و (قتال الناس) “أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ” (يو 8 :44).

 

ومنطقة نفوذ الشيطان يحكمها الكذب كما قال الرب “أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ” (يو 8 :44). لقد استطاع الشيطان بكذبه أن يربح ولاء الإنسان.

وهناك صفة أخرى لمنطقة نفوذ الشيطان وهي ( الظلمة) فهو سلطان الظلمة “الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ” (كو 1 :13) ، والخاضعون لنفوذهم هو أيضاً ظلمة كما يقول بولس للقديسين في أفسس “أَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلًا ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ” (أف 5 : 8).

 

وأعمال الناس الذين يخضعون لحكمه تُسمى (أعمال الظلمة) “وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا” (أف 5 :11).

 

ونجد في الكتاب المقدس عدة تسميات للبشر بإعتبارهم خاضعين لنفوذ الشيطان فهم :

(أبناء المعصية) “الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلًا حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ” (أف 2 :2)

و (أبناء الغضب) “الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلًا بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا” (أف 2 :3).

 

و(أولاد إبليس) “بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ وَأَوْلاَدُ إِبْلِيسَ: كُلُّ مَنْ لاَ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ، وَكَذَا مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ” (1يو 3 :10).

وهذه التسميات تنطبق على جميع الذين يعيشون في دائرة نفوذ الشيطان وتحت سلطانه، وهي لا تُشير إلى الناس الأشرار جداً كما قد يحسب البعض، ولكنها تُشير إلى كل من لم ينل خلاص الله، ولم ينتقل بنعمته إلى ملكوت ابن محبته، ولذا فقد قال الرب له المجد للفريسيين وقد كانوا أكثر الناس تديناً، وإحتراماً، وتكريماً “أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ” (يو 8 :44).

وينبغي أن لا يغرب عن ذهننا أن الشيطان مخلوق كامل الجمال وأنه يستطيع حتى بعد سقوطه أن يُغير شكله إلى شبه ملاك نور “وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ” (2 كو 11 :14). ولذا فليس بغريب أن يجعل من أولئك الذين يخضعون لنفوذه أناساً مهذبين، مؤدبين، مُثقفين، لطفاء، ليظهروا كاملين في أعين الناس، كما يقول بولس الرسول “فَلَيْسَ عَظِيمًا إِنْ كَانَ خُدَّامُهُ أَيْضًا يُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ كَخُدَّامٍ لِلْبِرِّ. الَّذِينَ نِهَايَتُهُمْ تَكُونُ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ” (2 كو 11 :15).

 

ويؤثر الشيطان في أولئك الخاضعين له تأثيراً مُخيفاً فيعمي أذهانهم لئلا تُضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح، وهذا ما يقرره بولس في الكلمات “وَلكِنْ إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُومًا، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي الْهَالِكِينَ، الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ” (2 كو 4 :3 -4).

وكم من مرة يتقابل خادم الله الأمين مع أناس قد وصلوا إلى أعلى درجات الثقافة العلمية، ولكنهم من الناحية الروحية عميان، قد طُمست أذهانهم حتى لا يفهموا حقيقة الخلاص بالإيمان بالرب يسوع المسيح. إله هذا الدهر قد أعمى أذهانهم حتى لا يقبلوا رسالة الإنجيل.

 

من كل ما تقدم نرى أن عصيان الإنسان لله في جنة عدن لم يكون مجرد إبتعاد عن الله، وعن الإعتماد عليه، ولكنه كان نقطة تحول إلى الشيطان، وقبولاً لسيادته لنفسه ولنسله من بعده، وهكذا صار الجنس البشري كله خاضعاً لدائرة نفوذ الشيطان المظلمة.

وكان لا بدّ إذن أن يرتب الله طريقاً لخلاص الإنسان من حكم الشيطان، حتى يُعيده لنفسه.
وكان الله قد رتب كل شيء في حكمته الأزلية قبل تأسيس العالم كما يقول بطرس الرسول “عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ” (1بط 1 :18).

 

وعندما سقط الإنسان في جنة عدن، وردت أول إشارة عن خلاصه بواسطة المخلص الآتي الذي سيسحق رأس الحية، ونجد هذا الوعد بخلاص الإنسان من سلطان الشيطان في الحكم الذي نطق به الرب على الحية بعد أن تسببت في سقوط الإنسان إذ قال لها “وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ” (تك 3 :15).

ويُدرك القارىء الفطن أن الرأس هو مكان التفكير، والسيادة، وقوة السلطان، ولذا فإن الكلمات (هو يسحق رأسك) تعني تحطيم قوة الشيطان، وإنقاذ الإنسان من سلطانه الرهيب القتال.
ولا جدال في أن (نسل المرأة) هو الشخص الذي يولد من عذراء، لأن البشر أجمعين من نسل الرجل وإن كانوا مولودين من المرأة.
أما الرب يسوع المسيح فهو وحده (نسل المرأة ) الذي حُبل به من الروح القدس بكيفية معجزية، وولد من مريم العذراء كما لم يولد إنسان، وكما لا يمكن أن يولد إنسان من إمرأة، وفيه وحده تتم النبوة القائلة “وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ” (إش 7 :14).

 

فالرب يسوع المسيح هو المخلص الموعود به لإنقاذنا، ولذا فقد أخذه سمعان الشيخ على ذراعيه وبارك الله وقال “أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ” (لو 2 : 28 – 31).

 

وعندما بدأ الرب يسوع خدمته الجهرية، دخل المجمع حسب عادته في يوم السبت وقام ليقرأ. قد دُفع إليه سفر إشعياء النبي “وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى. وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ، فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ. وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا فِيهِ: رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ (الذين أسرهم الشيطان) بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ” (لو 4 : 16 -18).

 

وقد تمت هذه الكلمات في (مجنون كورة الجدريين) الذي رحمه الرب فوهبه خلاصه الثمين، وأنقذه بهذا الخلاص من سلطان الشيطان، ويسجل لوقا البشير قصة هذا المجنون قائلاً :
“وَسَارُوا إِلَى كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ الَّتِي هِيَ مُقَابِلَ الْجَلِيلِ. وَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الأَرْضِ اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ فِيهِ شَيَاطِينُ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيل، وَكَانَ لاَ يَلْبَسُ ثَوْبًا، وَلاَ يُقِيمُ فِي بَيْتٍ، بَلْ فِي الْقُبُورِ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ صَرَخَ وَخَرَّ لَهُ، وَقَالَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: مَا لِي وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللهِ الْعَلِيِّ؟ أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ لاَ تُعَذِّبَنِي!. لأَنَّهُ أَمَرَ الرُّوحَ النَّجِسَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الإِنْسَانِ. لأَنَّهُ مُنْذُ زَمَانٍ كَثِيرٍ كَانَ يَخْطَفُهُ، وَقَدْ رُبِطَ بِسَلاَسِل وَقُيُودٍ مَحْرُوسًا، وَكَانَ يَقْطَعُ الرُّبُطَ وَيُسَاقُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَى الْبَرَارِي. فَسَأَلَهُ يَسُوعُ قِائِلًا: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: لَجِئُونُ. لأَنَّ شَيَاطِينَ كَثِيرَةً دَخَلَتْ فِيهِ. وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ لاَ يَأْمُرَهُمْ بِالذَّهَابِ إِلَى الْهَاوِيَةِ. وَكَانَ هُنَاكَ قَطِيعُ خَنَازِيرَ كَثِيرَةٍ تَرْعَى فِي الْجَبَلِ، فَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَأَذِنَ لَهُمْ. فَخَرَجَتِ الشَّيَاطِينُ مِنَ الإِنْسَانِ وَدَخَلَتْ فِي الْخَنَازِيرِ، فَانْدَفَعَ الْقَطِيعُ مِنْ عَلَى الْجُرُفِ إِلَى الْبُحَيْرَةِ وَاخْتَنَقَ. فَلَمَّا رَأَى الرُّعَاةُ مَا كَانَ هَرَبُوا وَذَهَبُوا وَأَخْبَرُوا فِي الْمَدِينَةِ وَفِي الضِّيَاعِ، فَخَرَجُوا لِيَرَوْا مَا جَرَى. وَجَاءُوا إِلَى يَسُوعَ فَوَجَدُوا الإِنْسَانَ الَّذِي كَانَتِ الشَّيَاطِينُ قَدْ خَرَجَتْ مِنْهُ لاَبِسًا وَعَاقِلًا، جَالِسًا عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ، فَخَافُوا. فَأَخْبَرَهُمْ أَيْضًا الَّذِينَ رَأَوْا كَيْفَ خَلَصَ الْمَجْنُونُ. فَطَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ جُمْهُورِ كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُمْ، لأَنَّهُ اعْتَرَاهُمْ خَوْفٌ عَظِيمٌ. فَدَخَلَ السَّفِينَةَ وَرَجَعَ. أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ، وَلكِنَّ يَسُوعَ صَرَفَهُ قَائِلًا:ارْجعْ إِلَى بَيْتِكَ وَحَدِّثْ بِكَمْ صَنَعَ اللهُ بِكَ. فَمَضَى وَهُوَ يُنَادِي فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا بِكَمْ صَنَعَ بِهِ يَسُوعُ” (لو 8 :26 -39).

 

والصورة تُرينا ماذا يفعل الشيطان حين يمتلك الإنسان، إنه يصيبه بالجنون ويُعريه من الفضيلة، ويجعل مسكنه مع الموتى في القبور، ولا يستطيع أحد أن يقيده أو يحد من عدواته.

ويقول عنه مرقس البشير إنه “وَكَانَ دَائِمًا لَيْلًا وَنَهَارًا فِي الْجِبَالِ وَفِي الْقُبُورِ، يَصِيحُ وَيُجَرِّحُ نَفْسَهُ بِالْحِجَارَةِ” (مر 5 :5).
فحين يملأ الشيطان حياة إنسان، يجعله دائم الصراخ والصياح، ويدفعه إلى تجريح جسده بالحجارة، وفي عبارة واحدة نقول إنه يسلب منه إنسانيته، وينحدر به إلى مستوى أحط من مستوى الحيوان.

لكن هذا المجنون تقابل مع الرب الذي جاء لكي يخلص الإنسان من سلطان الشيطان كما يقول يوحنا الرسول “مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ، لأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَدْءِ يُخْطِئُ. لأَجْلِ هذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ” (1يو 3 :8).

وأنقذه الرب من قوة الشيطان، وتغير الرجل المجنون وصار إنساناً جديداً ورآه الذين عرفوه في ماضيه الأليم بعد أن خلص “فَخَرَجُوا لِيَرَوْا مَا جَرَى. وَجَاءُوا إِلَى يَسُوعَ فَوَجَدُوا الإِنْسَانَ الَّذِي كَانَتِ الشَّيَاطِينُ قَدْ خَرَجَتْ مِنْهُ لاَبِسًا وَعَاقِلًا، جَالِسًا عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ، فَخَافُوا” (لو 8 :35).

 

ويصور المهندس (لندزي جلج) عودة هذا الرجل إلى بيته بعد أن خلصه الرب يسوع من أسر الشيطان قائلاً :

«نظرت زوجته فرأته آتياً في الطريق، فإمتلأ قلبها رعباً … وطلبت من أولادها أن يختبئوا وراء الأبواب، وتحت الآسرة … وحتى القطة التي كانت في البيت أخذتها بعيداً حتى لا يعتدي عليها بجنونه … أما هي فوقفت ترتعد داخل البيت …وسمعت دقاته على الباب … كانت دقات خفيفة رقيقة لم تعتاد عليها منه … وتساءلت : ماذا … أهذا نوع جديد من الجنون؟ وتقدمت إلى الباب وقالت : من الطارق؟ وسمعت صوته … كان لطيفاً متزناً … هادئاً يناديها : افتحي يا زوجتي الحبيبة.
وفتحت الباب وتأملت وجه زوجها وعينيه … كانت نظراته ثابتة رزينة ممتلئة بالحنان … وكانت سمات وجهه تحمل كل معاني العقل والإتزان … وهمست الزوجة الخائفة: ماذا حدث لك؟
وشعر الرجل الذي أعاد الرب إليه عقله بخوفها، فقال ليهدىء من روعها : لا تخافي مني … لقد قابلت يسوع الناصري … وقد حررني، وخلصني من سلطان الشيطان، وأخرج اللجئون الذي كان يسكن جسدي.
وانحدرت دموع الفرح من عينيه واستطرد قائلاً : تصوري يا زوجتي الحبيبة أن هذا الجسد كان يحوي من الأرواح النجسة مالم يحتمله قطيع كبير من الخنازير.
لقد حررني مخلصي وطلب مني أن أخبر بيتي وأهلي بكم صنع بي الرب ورحمني … والآن نادِ أولادي لأُقبلهم بعد طول غياب … ودعيني أحس سعادة الحرية، وفرحة الخروج من الأسر.

وكأنما شعرت القطة التي في البيت بالتغيير الذي حدث له، فأسرعت إليه تتمسح في قدميه. وخرج أولاده الخائفون يرتمون في أحضانه ويستمتعون بقبلات شفتيه. لقد سحق الرب له المجد رأس الحية، وحطم قوة الشيطان، ولكنه عمل ذلك بموته على الصليب إذ سحقت الحية عقبه، وهكذا يُقرر كاتب الرسالة إلى العبرانيين هذه الحقيقة في الكلمات:

“فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ” (عب 2 :14 -15).

 

فالمؤمن المتجدد قد نال غفراناً كاملاً لخطاياه، وميلاداً ثانياً من الله، وإنقاذاً من سلطان الشيطان، ومع أنه يعيش في العالم الذي وُضع كله في الشرير إلا أنه ليس من هذا العالم كما قال ربنا عن تلاميذه ” لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ” (يو 17 :16).

لأن سيرته قد أصبحت في السموات “فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (في 3 :20).

ولذا فيحق له أن يضم صوته مع المفديين مُردداً كلمات بولس الرسول “شَاكِرِينَ الآبَ الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِينَ فِي النُّورِ، الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ” (كو 1 :12 -13).

 

ولأن الشخص الذي نال خلاص الله قد خرج من منطقة نفوذ الشيطان، إذن لا بدّ أن يتوقع صراعاً مريراً مع قوات الظلام، سيحاول الشيطان أن يحاربه بمختلف الأساليب، تارة بالزئير المخيف “اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ” (1 بط 5 :8).

 

وتارة بخداع الحية الناعمة “وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ” (2 كو 11 :3).

 

وتارة بخدامه الذين يغيرون شكلهم كخدام للبر “فَلَيْسَ عَظِيمًا إِنْ كَانَ خُدَّامُهُ أَيْضًا يُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ كَخُدَّامٍ لِلْبِرِّ. الَّذِينَ نِهَايَتُهُمْ تَكُونُ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ” (2 كو 11 : 15).

 

وتارة بالمكايد “الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ” (أف 6 :11).

 

وتارة بالسهام الملتهبة “حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ” (أف 6 :16 ).

وحين يفشل في حيله يمتلىء غيظاً فيدخل مع المؤمن في صراع شديد مع كل قوى الشر.

ولذا فقد سبق الروح القدس، وأعلن لنا صورة المعركة الشديدة، وأعد لنا كل أسلحة النصرة.

 

فتعال معي لتسمع كلمات بولس الرسول وهويقول للقديسين في أفسس :

“أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا. فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ، وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ. حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ” (أف 6 : 10 -18).

 

إن الوعد المُعطى للمؤمن الذي يلبس سلاح الله الكامل، ويثق في فاديه هو “وَإِلهُ السَّلاَمِ سَيَسْحَقُ الشَّيْطَانَ تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ سَرِيعًا. نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَكُمْ. آمِينَ” (رو 16 :20).

 

إن صراع المؤمن مع الشيطان وجنوده صراع جبار، ولكن الحرب فيه للرب كما قال موسى في القديم وهو يرى الشعب الخائف من فرعون وجنوده ” فَقَالَ مُوسَى لِلشَّعْبِ: لاَ تَخَافُوا. قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ الَّذِي يَصْنَعُهُ لَكُمُ الْيَوْمَ. فَإِنَّهُ كَمَا رَأَيْتُمُ الْمِصْرِيِّينَ الْيَوْمَ، لاَ تَعُودُونَ تَرَوْنَهُمْ أَيْضًا إِلَى الأَبَدِ. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ” (خر 14 :13 – 14).

 

وفي سفر الرؤيا نجد المفتاح الذهبي للنصرة على الشيطان في هذه الكلمات “وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ، وَلَمْ يُحِبُّوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى الْمَوْتِ” (رؤ 12 :11).

ويقول مستر وارنر وهو أحد خطباء مؤتمر كزك عام 1931 «أن طريق النصرة على الشيطان في هذه الآية في ثلاث خطوات :

 

الخطوة الأولى : ثق في دم يسوع “وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ” فعندما يأتي إليك الشيطان ليذكرك بخطاياك الماضية، إهتف في وجهه أن دم يسوع المسيح قد طهرك من كل خطية… وفي حياتك اليومية عش بالقرب من الينبوع المفتوح، ينبوع دم الحمل لتعيش منتصراً.

 

الخطوة الثانية : إشهد للرب بقوة “وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ” عندما أنكر بطرس الرب، كان هذا يعني أنه هُزم أمام الشيطان … ولكن بطرس بعدئذ غلب الشيطان بكلمة شهادته إذ قال في المجمع الذي ضم رؤساء اليهود وشيوخهم وكتبتهم ورئيس كهنتهم وهو يتحدث عن الرب يسوع المسيح “وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ” (أع 4 :12).

 

وهكذا إنتصر بطرس على الخوف، وغلب بكلمة شهادته عن الرب أمام الآخرين. فإن أردت أن تنتصر إفعل مثله.

 

الخطوة الثالثة: كن مكُرساً بالتمام “وَلَمْ يُحِبُّوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى الْمَوْتِ” هذا هو التكريس الكامل للرب … وبهذا التكريس تنتصر.

 

حدثنا دكتور جوردون بهذه القصة قال : جاءتني هذه القصة من إفريقيا، من مرسل إنجليزي عاش هناك سنوات كثيرة، وقاد كثيرين إلى قبول المخلص. وعندما إقترب عيد الميلاد علم الناس عن ضرورة تقديم عطايا للكنيسة لتستخدم في توصيل رسالة الخلاص إلى القبائل المحيطة التي لم تسمع بعد عن إسم يسوع المبارك.

 

وجاء مساء العيد، وإجتمع المؤمنون في الكنيسة الصغيرة، ووضعوا مائدة أمام المنبر وكان كل واحد يأتي ويضع عطيته على المائدة … كانت عطايا بسيطة من المزروعات، ولكنها كانت علامة الحب للرب.
هذا رجل قد أحضر سلة من القمح ووضعها على المائدة … وهذه سيدة قد جاءت بكمية من الفاكهة … وذاك شخص قد أحضر مقداراً من الذرة … عطايا متواضعة للغاية.
أخيراً رأى المرسل فتاة شابة، تتقدم في خجل في ممر الكنيسة كأنها تخشى أن يلاحظها أحد، وبسرعة وصمت وضعت شيئاً على المائدة، ثم رجعت بهدوء إلى مكانها.
إمتلأ المرسل بالدهشة وهو يرى عطيتها لقد كانت ثلاث شلنات، وست دولارات، وقد يبدو هذا المبلغ صغيراً بالنسبة إلينا، لكنه بالنسبة لأولئك الأفريقيين كان يُعتبر ثروة ضخمة، كان المرسل يعرف الفتاة، وكان من الطبيعي أن يُدهش ويتسائل من أين جاءت بهذا المبلغ!! وشعر أنه يحب أن يتحدث معها حين تأتيه الفرصة حديثاً رقيقاً بروح الأبوة.

وحانت الفرصة أخيراً، حين قابلها ذات يوم وقال لها «لقد رأيت عطيتك الثمينة، ولكن من أين أتيتِ بهذا المبلغ الكبير؟»
لمعت عينا الفتاة، وبدأ الخجل على وجهها وقالت :«لم يكن لدي شيء لأقدمه. ولكن الرب يسوع عزيز على قلبي جداً … إنه كل شيء لي … وقد ثقل قلبي بإحساس المسئولية بالنسبة لأولئك الناس الذين لم يسمعوا عنه. وحز في قلبي أن ليس لدي ما أعطيه لتوصيل الرسالة لهم … وأخيراً وجدت رجلاً في قبيلة مجاورة يريد أن يشتري جارية، وبعت نفسي له، والمبلغ الذي وضعته على المائدة ليلة عيد الميلاد هو ثمني. ولمعت عيناها ثانية بفرح عجيب وقالت : لقد أعطاني الرب يسوع كل شيء… ولذا فأنا سعيدة أن أبيع نفسي من أجله حتى يسمع الآخرون عن خلاصه».
لقد قبلت هذه الفتاة أن تحتمل ذل العبودية راضية لتوصيل رسالة الخلاص للآخرين.

 

هذا هو التكريس الصحيح، تكريس الوقت، والفكر، والوزنات، والحياة كلها للرب يسوع المسيح، وبهذا التكريس نغلب قوى الشيطان.

 

في الحرب مع الشهوات يقول بولس لتيموثاوس “أَمَّا الشَّهَوَاتُ الشَّبَابِيَّةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا، وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلاَمَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الرَّبَّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ” (2 تي 2 :22).

أما في الحرب مع الشيطان فيقول يعقوب ” فَاخْضَعُوا للهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ” (يع 4 :7).

ويقول بطرس الرسول ” اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ، عَالِمِينَ أَنَّ نَفْسَ هذِهِ الآلاَمِ تُجْرَى عَلَى إِخْوَتِكُمُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ” (1بط 5 :8 -9).

 

ولنذكر ثلاث حقائق هامة بخصوص نهاية الشيطان :

 

الحقيقة الأولى : إن الشيطان سيُقيد ألف سنة في المُلك الألفي السعيد كما يقول يوحنا في سفر الرؤيا “وَرَأَيْتُ مَلاَكًا نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُ مِفْتَاحُ الْهَاوِيَةِ، وَسِلْسِلَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى يَدِهِ. فَقَبَضَ عَلَى التِّنِّينِ، الْحَيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَالشَّيْطَانُ، وَقَيَّدَهُ أَلْفَ سَنَةٍ، وَطَرَحَهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ لِكَيْ لاَ يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ، حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. وَبَعْدَ ذلِكَ لاَبُدَّ أَنْ يُحَلَّ زَمَانًا يَسِيرًا” (رؤ 20 :1 -3).

 

الحقيقة الثانية : إن الشيطان سيُطرح في بحيرة النار ويُعذب إلى أبد الآبدين، وهذا ما نقرأه في سفر الرؤيا، “وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلًا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ” (رؤ 20 :10).

 

الحقيقة الثالثة : إن النار الأبدية قد أُعدت لإبليس وملائكته، وأن الذين سيذهبون إلى هناك، هم الذين رفضوا خلاص الله المجاني المقدم لهم بالإيمان بالرب يسوع المسيح كما نقرأ :

“ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ …فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ” (مت 25 :41 ،46).

والآن ما هو موقفك يا قارئي المحبوب بعد أن عرفت هذه الحقائق؟ هل ستستمر في صداقتك للشيطان وعدائك لله؟ إن الشيطان يكرهك … إنه عدوك الأكبر الذي يُريد لك الهلاك … بينما الله يُحبك وقد بين محبته لك بموت المسيح لأجل خطاياك.

 

مد يدك وصافح يده الممدودة لمصالحتك، فالنداء الذي يُنادي به كل خدام الله الأمناء للخطاة المُعادين لله هو “إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ” (2 كو 5: 20).

واحذر أن تستمر في عدائك لخالقك … وفي عناد قلبك لئلا تقضي أبديتك مع الشيطان في الجحيم.

 

-4-

 

المعنى الرابع للخلاص هو تغيير الجسد الترابي

 

هل غفران الخطايا، والميلاد الثاني، والإنقاذ من سلطان الشيطان، كل هذه البركات الثمينة هي كل ما يحتويه خلاص الله، أم أن هناك جزءاً جوهرياً من هذا الخلاص العظيم ما زال وراء الستار؟

 

يُجيبنا الرسول يوحنا قائلاً “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ” (1 يو 3 :2).

 

ويشاركه في هذا الرسول بولس قائلاً “فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ” (في 3 :20 -21).

 

فخلاص المؤمن يكتمل حين يأتي الرب يسوع المسيح من السماء، ويُغير جسده الترابي ليكون على صورة جسد مجده. ويسمى اللاهوتين هذا الخلاص الذي سيتم في المستقبل (بإسم التمجيد).

 

حين يموت أحد المفديين الآن يعود جسده إلى التراب، أما روحه فتذهب لتكون مع المسيح، وفي الكتاب المقدس عدة آيات تؤكد هذه الحقيقة:

فكاتب سفر الجامعة يقول “فَيَرْجعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرْضِ كَمَا كَانَ، وَتَرْجعُ الرُّوحُ إِلَى اللهِ الَّذِي أَعْطَاهَا” (جا 12 :7).

 

وبولس الرسول يكتب في رسالته إلى فيلبي قائلاً “لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. وَلكِنْ إِنْ كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا” (في 1 : 21 -23).

ويكتب مرة أخرى إلى القديسين في كورنثوس قائلاً :

“فَإِذًا نَحْنُ وَاثِقُونَ كُلَّ حِينٍ وَعَالِمُونَ أَنَّنَا وَنَحْنُ مُسْتَوْطِنُونَ فِي الْجَسَدِ، فَنَحْنُ مُتَغَرِّبُونَ عَنِ الرَّبِّ…. فَنَثِقُ وَنُسَرُّ بِالأَوْلَى أَنْ نَتَغَرَّبَ عَنِ الْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ الرَّبِّ” (2 كو 5 :6 ،8).

ويصف الرسول بولس حالة المؤمن حين (يتغرب عن الجسد) و (يستوطن عند الرب) أنها (أفضل جداً) “فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا” (في 1 :23). من حالته وهو في الجسد، وهذا لا يدع مجالاً لعقيدة عذابات (المطهر) ولا لعقيدة فقدان الشعور والإدراك، لأن الواضح من كلمات الرسول أن (التغرب عن الجسد ) يعني أن (نستوطن عند الرب)، وهو يُسر أن يتغرب عن الجسد ويستوطن عند الرب إذ يكون معه في الفردوس كما قال للص على الصليب “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو 23 :43).

 

ولكن لا يجب أن يَغرُب عن بالنا أن (الموت) ليس هو إكتمال خلاص المؤمن، إذ أن إكتمال هذا الخلاص لا يكون إلا بتغيير الجسد الترابي إلى جسد سماوي على صورة جسد مجد المسيح.

وهذا ما يقرره بولس في الكلمات “لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ. فَإِنَّنَا فِي هذِهِ أَيْضًا نَئِنُّ مُشْتَاقِينَ إِلَى أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا مَسْكَنَنَا الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ. وَإِنْ كُنَّا لاَبِسِينَ لاَ نُوجَدُ عُرَاةً. فَإِنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ فِي الْخَيْمَةِ نَئِنُّ مُثْقَلِينَ، إِذْ لَسْنَا نُرِيدُ أَنْ نَخْلَعَهَا بَلْ أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا، لِكَيْ يُبْتَلَعَ الْمَائِتُ مِنَ الْحَيَاةِ” (2 كو 5 :1 -4).

 

يسمى الرسول بولس (تغيير جسد المؤمن) (فداء الجسد) فيقول في رسالته إلى أهل رومية “فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا.لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ – لَيْسَ طَوْعًا، بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا – عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا” (رو 8 : 18 -23).

 

فمتى يحصل المؤمن من الله على هذا الخلاص المجيد؟

 

إن كلمة الله تؤكد لنا أن المؤمن سيتمتع بالجسد المُمجد حين يأتي الرب يسوع من السماء، في لحظة الإختطاف السعيد، وهذا ما يقرره بولس في رسالته إلى أهل تسالونيكي قائلاً :

“ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ. فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ” (1 تس 4 : 13 -17).

 

ونجد ذات الحقيقة مقررة في كلماته إلى أهل كورنثوس إذ يقول لهم :

“هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ” (1 كو 15 : 51 -52).

 

والبوق الأخير المذكور في هذه الآية هو آخر بوق سيسمعه المفديون في الأرض ليُلبوا نداء الإختطاف السعيد، وقد خلط البعض بين هذا (البوق الأخير) وبين بوق الملاك السابع المذكور في سفر الرؤيا والذي نقرأ عنه الكلمات :

” ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً: قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا الْجَالِسُونَ أَمَامَ اللهِ عَلَى عُرُوشِهِمْ، خَرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا لله، قَائِلِينَ: نَشْكُرُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، لأَنَّكَ أَخَذْتَ قُدْرَتَكَ الْعَظِيمَةَ وَمَلَكْتَ. وَغَضِبَتِ الأُمَمُ، فَأَتَى غَضَبُكَ وَزَمَانُ الأَمْوَاتِ لِيُدَانُوا، وَلِتُعْطَى الأُجْرَةُ لِعَبِيدِكَ الأَنْبِيَاءِ وَالْقِدِّيسِينَ وَالْخَائِفِينَ اسْمَكَ، الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، وَلِيُهْلَكَ الَّذِينَ كَانُوا يُهْلِكُونَ الأَرْضَ. وَانْفَتَحَ هَيْكَلُ اللهِ فِي السَّمَاءِ، وَظَهَرَ تَابُوتُ عَهْدِهِ فِي هَيْكَلِهِ، وَحَدَثَتْ بُرُوقٌ وَأَصْوَاتٌ وَرُعُودٌ وَزَلْزَلَةٌ وَبَرَدٌ عَظِيمٌ” (رؤ 11 : 15 -19). وظنوا أنهما بوق واحد.

 

وهنا يجدر بنا أن نذكر عدة ملاحظات تبين الفرق بين البوق الأخير وبين بوق الملاك السابع: البوق الأخير المذكور في : “هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ” (1 كو 15 : 51 -52).

 

بوق الملاك السابع المذكور في : “ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً: قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ” (رؤ 11 :15).2- سميَّ بوق الله “لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا” (1 تس 4 :16)

 

بوق الملاك السابع البوق الأخير
             يضرب بعد الإختطاف

ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً: قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا الْجَالِسُونَ أَمَامَ اللهِ عَلَى عُرُوشِهِمْ، خَرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا لله (رؤ 11 : 15 ،16)

يضرب قبل الإختطاف

فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ (1 كو 15 :52)

سميَّ بوق الملاك السابع

ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً: قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ (رؤ 11 :15)

 سميَّ بوق الله

لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا (1 تس 4 :16)

 

سيضرب وتعقبه أصوات عظيمة في

السماء

 

سيضرب في الهواء وتعقبه قيامة الأموات في المسيح وإختطاف المؤمنين الأحياء

بعده لا تأخير في إتمام سر الله “وَأَقْسَمَ بِالْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَمَا فِيهَا وَالأَرْضَ وَمَا فِيهَا وَالْبَحْرَ وَمَا فِيهِ: أَنْ لاَ يَكُونَ زَمَانٌ بَعْدُ” (رؤ 10 :6) بعده يذهب المفديون لملاقاة الرب في الهواء
هو بوق ويل، ودينونة وغضب على الأمم “وَغَضِبَتِ الأُمَمُ، فَأَتَى غَضَبُكَ وَزَمَانُ الأَمْوَاتِ لِيُدَانُوا، وَلِتُعْطَى الأُجْرَةُ لِعَبِيدِكَ الأَنْبِيَاءِ وَالْقِدِّيسِينَ وَالْخَائِفِينَ اسْمَكَ، الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، وَلِيُهْلَكَ الَّذِينَ كَانُوا يُهْلِكُونَ الأَرْضَ” (رؤ 11 :18) هو بوق نداء للمفديين من الراقدين والأحياء

 

فالإختطاف سيتم حين يضرب (البوق الأخير) الخاص بالتدبير الحاضر، وعندئذ سيقوم المفديون الراقدون في المسيح، ويَختطف الرب المؤمنين الأحياء.

 

وقد سأل بولس الرسول وهو يُعالج موضوع القيامة هذا السؤال:

لكن يقول قائل : كيف يُقام الأموات وبأي جسم يأتون؟

ويجيب رسول الأمم بالروح القدس قائلاً “لكِنْ يَقُولُ قَائِلٌ: كَيْفَ يُقَامُ الأَمْوَاتُ؟ وَبِأَيِّ جِسْمٍ يَأْتُونَ؟ يَا غَبِيُّ! الَّذِي تَزْرَعُهُ لاَ يُحْيَا إِنْ لَمْ يَمُتْ. وَالَّذِي تَزْرَعُهُ، لَسْتَ تَزْرَعُ الْجِسْمَ الَّذِي سَوْفَ يَصِيرُ، بَلْ حَبَّةً مُجَرَّدَةً، رُبَّمَا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ أَحَدِ الْبَوَاقِي. وَلكِنَّ اللهَ يُعْطِيهَا جِسْمًا كَمَا أَرَادَ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبُزُورِ جِسْمَهُ” (1 كو 15 :35 -38).

ويقيناً أن هذه الكلمات تؤكد لنا أن جسد القيامة ليس هو ذات الجسد الذي وضع في القبر، لأن الجسد الذي سيقوم به المفديون سيتميز بهذه الصفات :

 

(1) سيكون جسداً عديم الفساد، غير خاضع للفناء والإنحلال :
” وَلكِنْ إِنْ كَانَ الْمَسِيحُ يُكْرَزُ بِهِ أَنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَكَيْفَ يَقُولُ قَوْمٌ بَيْنَكُمْ إِنْ لَيْسَ قِيَامَةُ أَمْوَاتٍ” (1 كو 15 :12)

 

(2) سيكون جسداً ممجداً :
” يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ. يُزْرَعُ فِي ضَعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ” (1 كو 15 :43).

 

(3) سيكون جسداً قوياً :
“وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ: الْمَسِيحُ بَاكُورَةٌ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْمَسِيحِ فِي مَجِيئِهِ” (1 كو 15 :23)

وهذا يعني أن أيام التعب، والمرض، والضعف ستنتهي إلى الأبد، وأن الجسد الممجد سيكون قوياً قادراً على إتمام كل مقاصد الروح.

 

(4) سيكون جسداً سماوياً :
“الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ. كَمَا هُوَ التُّرَابِيُّ هكَذَا التُّرَابِيُّونَ أَيْضًا، وَكَمَا هُوَ السَّمَاوِيُّ هكَذَا السَّمَاوِيُّونَ أَيْضًا. وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ التُّرَابِيِّ، سَنَلْبَسُ أَيْضًا صُورَةَ السَّمَاوِيِّ” (1كو 15 :47 -49).

 

(5) سيكون جسداً مُضيئاً باهراً كالشمس :
“حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ” (مت 13 :43).
“وَالْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ كَضِيَاءِ الْجَلَدِ، وَالَّذِينَ رَدُّوا كَثِيرِينَ إِلَى الْبِرِّ كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ” (دا 12 : 3)

 

(6) سيكون جسداً مكوناً من لحم وعظام :
عندما قام الرب يسوع من الأموات، قام بجسد من لحم وعظام ويسجل لوقا البشير هذه الحقيقة بالكلمات “وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسْطِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ.فَجَزِعُوا وَخَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا. فَقَالَ لَهُمْ: مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ، وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟ اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي” (لو 24 : 36 – 39).

 

(7) سيكون جسداً خالياً من الدم :
“فَأَقُولُ هذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ: إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ، وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ” (1 كو 15 :50).

 

ويكتب مؤلف كتاب (أين هم الموتى؟) تعليقاً على هذه الآية قائلاً : «لن يكون جسد الأبرار المقام من (لحم ودم) لأن الكتاب يقول : إن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولكن هذا الجسد سيكون من لحم وعظام، مثل الجسد الذي ظهر به الرب لتلاميذه “اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي” (لو 24 :39).

 

فالرب قال إن جسده من لحم وعظام ولكنه لم يذكر الدم إطلاقاً، وعلى هذا فإن الأجساد الممجدة ستكون بلا دم .
والأجساد الممجدة ستكون (بلا دم) لأنها لن تكون في حاجة إلى الدم في المستقبل، فالغرض من وجود الدم هو تغذية وبناء الخلايا التالفة التي تحتاج إلى تجديد مستمر، والجسد الممجد لن تتلف خلاياه، ولن يحتاج إلى(ليل) للراحة لتجديد هذه الخلايا. ولذا فنحن نقرأ عن المدينة الجديدة “وَأَبْوَابُهَا لَنْ تُغْلَقَ نَهَارًا، لأَنَّ لَيْلًا لاَ يَكُونُ هُنَاكَ” (رؤ 21 :25).

 

إن الجسد الممجد لن يمرض، ولن يحتاج إلى الراحة، ولن يموت، وهذا يعني أن خلاياه لن تتلف قط، ولذا فهي لن تكون بحاجة إلى الدم الذي يغذيها ويجددها ويُصلح العطب الذي يصيبها.

وفوق كل ما تقدم نذكر أن المفديين حين يقومون من الأموات سيكونون مثل الملائكة، لا يزوجون، ولا يتزوجون، ولا يستطيعون أن يموتوا، ونجد هذا واضحاً في كلمات ربنا القائلة “لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللهِ فِي السَّمَاءِ” (مت 22: 30).
“وَلكِنَّ الَّذِينَ حُسِبُوا أَهْلًا لِلْحُصُولِ عَلَى ذلِكَ الدَّهْرِ وَالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ، إِذْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَمُوتُوا أَيْضًا، لأَنَّهُمْ مِثْلُ الْمَلاَئِكَةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ، إِذْ هُمْ أَبْنَاءُ الْقِيَامَةِ” (لو 20 :35 -36).

 

هذا يقودنا إلى سؤال جديد هو : هل سيكون الإختطاف لفئة قليلة من المفديين، أم سيشمل جميع القديسين؟

 

لقد شاعت في الأيام الأخيرة نظرية يُنادي أصحابها بالإختطاف الجزئي، وهي نظرية تقلق خواطر أولاد الله، ويقول أصحاب هذه النظرية إن القديسين الساهرين، الصابرين، الخادمين، المنتظرين، هم فقط الذين سيُختطفون.

ومع أننا ننادي بأن كل قديس في المسيح يجب أن يكون ساهراً، صابراً، خادماً، منتظراً، إلا أننا لا نجد أساساً في الكتاب لنظرية الإختطاف الشرطي، أو الإختطاف الجزئي، ولكننا نؤمن بأن الإختطاف سيشمل جميع المفديين.

وتعال معي لنرى هذا الحق الواضح في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس، فأعضاء كنيسة كورونثوس كانت عيوبهم كثيرة، ولو كان الإختطاف على أساس أهليتهم الذاتية، واجتهادهم الشخصي، لما كان لهؤلاء الأعضاء أي حق في هذا الإختطاف السعيد.

 

تتبع معي سلسلة عيوبهم:
لقد كانت بينهم خصومات كما يقول لهم الرسول الجليل “لأَنِّي أُخْبِرْتُ عَنْكُمْ يَا إِخْوَتِي مِنْ أَهْلِ خُلُوِي أَنَّ بَيْنَكُمْ خُصُومَاتٍ” (1 كو 1 :11).

وكانوا مؤمنين جسديين كما يكتب لهم الرسول قائلاً “وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَال فِي الْمَسِيحِ، سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ، بَلِ الآنَ أَيْضًا لاَ تَسْتَطِيعُونَ، لأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ. فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَرِ” (1 كو 3 : 1 -3).

وكانوا يحاكمون بعضهم بعضاً عند الظالمين وهذا ما يوبخهم الرسول عليه بالكلمات “لكِنَّ الأَخَ يُحَاكِمُ الأَخَ، وَذلِكَ عِنْدَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ! فَالآنَ فِيكُمْ عَيْبٌ مُطْلَقًا، لأَنَّ عِنْدَكُمْ مُحَاكَمَاتٍ بَعْضِكُمْ مَعَ بَعْضٍ. لِمَاذَا لاَ تُظْلَمُونَ بِالْحَرِيِّ؟ لِمَاذَا لاَ تُسْلَبُونَ بِالْحَرِيِّ” (1 كو 6 : 6 -7).

وكانوا يمارسون عشاء الرب بكيفية غير سليمة حتى كتب لهم الرسول يقول “فَحِينَ تَجْتَمِعُونَ مَعًا لَيْسَ هُوَ لأَكْلِ عَشَاءِ الرَّبِّ” (1 كو11 :20).

وإلى جوار ذلك فقد كانت النساء في كنيسة كورنثوس يشوشن على العبادة ولذا كتب لهم الرسول قائلاً “لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلهُ سَلاَمٍ، كَمَا فِي جَمِيعِ كَنَائِسِ الْقِدِّيسِينَ. لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضًا. وَلكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئًا، فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ” (1 كو 14 : 33 -35).

 

ومع كل العيوب التي كانت موجودة في أعضاء كنيسة كورنثوس فإنها لم تحرم أولئك الأعضاء من إمتياز الإختطاف السعيد ولذا فإن الرسول العظيم يكتب لأولئك الأعضاء بالذات قائلاً :
“هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ” (1 كو 15 :51 -52).

إن أصحاب نظرية الإختطاف الشرطي يبنون نظريتهم على الآية القائلة :
“وَلكِنَّ الَّذِينَ حُسِبُوا أَهْلًا لِلْحُصُولِ عَلَى ذلِكَ الدَّهْرِ وَالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ، إِذْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَمُوتُوا أَيْضًا، لأَنَّهُمْ مِثْلُ الْمَلاَئِكَةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ، إِذْ هُمْ أَبْنَاءُ الْقِيَامَةِ” (لو 20 : 35 – 36).

 

وقد شرح (جورج جودمان) هذه الآية بتعليق جميل، نسجله فيما يلي مُضيفين إليه ما يؤكده من كلمة الله قال:

 

1- إن هذه الآية تشير إلى ( أبناء الله) ونحن نعلم بكل يقين من هم أبناء الله، وكيف صاروا كذلك … فالكتاب المقدس يقول بوضوح “لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غل 3 :26). فكل من قبل الرب يسوع مخلصاً شخصياً بالإيمان صار ابناً لله وبالتالي صار ابناً من أبناء القيامة.

 

2- تذكر الآية أن أولئك الذين حسبوا أهلاً للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات، حسبوا كذلك لكونهم أبناء لله، ولا تذكر الآية أية شروط للإستحقاق الشخصي أو الأهلية الذاتية.

 

3- تقول الآية أن أبناء القيامة هؤلاء حسبوا أهلاً للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات، وكل مؤمن بالرب يسوع المسيح، قد حُسب باراً بإيمانه، كما نقرأ عن إبراهيم “لأَنَّهُ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا” (رو 4 :3).

ونحن نرى إبراهيم في “وَأَمَّا أَنَّ الْمَوْتَى يَقُومُونَ، فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ مُوسَى أَيْضًا فِي أَمْرِ الْعُلَّيْقَةِ كَمَا يَقُولُ: اَلرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ. وَلَيْسَ هُوَ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ، لأَنَّ الْجَمِيعَ عِنْدَهُ أَحْيَاءٌ” (لو 20 : 37 -38) .

كأحد أبناء القيامة إذ يقول الرب له المجد، وأما أن الموتى يقومون فقد دل عليه موسى أيضاً في أمر العليقة كما يقول الرب إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب وليس هو إله أموات بل إله أحياء لأن الجميع عنده أحياء، فإبراهيم تبرر أو حسب باراً أمام الله ليس بالأعمال بل بالإيمان، وبهذا البر المحسوب صار أهلاً للحصول على القيامة من الأموات.

 

4- لا يظهر في الآية ما يبين أن هناك طبقتين من أولاد الله ستقوم كل طبقة منهما قيامة خاصة، طبقة تقوم على أساس النعمة، والثانية على أساس الإجتهاد والأهلية الشخصية.

 

5- إن كلمة الحصول وهي الكلمة اليونانية (Tugchano) لا تحتم معنى إمتلاك الشيء بالأهلية الشخصية، وهنا “فَإِذْ حَصَلْتُ عَلَى مَعُونَةٍ مِنَ اللهِ، بَقِيتُ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، شَاهِدًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. وَأَنَا لاَ أَقُولُ شَيْئًا غَيْرَ مَا تَكَلَّمَ الأَنْبِيَاءُ وَمُوسَى أَنَّهُ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ” (أع 26 :22)

 

تتكرر الكلمة إذ يقول بولس “فَإِذْ حَصَلْتُ عَلَى مَعُونَةٍ مِنَ اللهِ” ولا تعني هذه الكلمات أنه حصل على هذه المعونة عن طريق الإستحقاق.

ونقرأ في “لأَجْلِ ذلِكَ أَنَا أَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ، لِكَيْ يَحْصُلُوا هُمْ أَيْضًا عَلَى الْخَلاَصِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، مَعَ مَجْدٍ أَبَدِيٍّ” (2 تي 2 : 10).

 

ويقيناً أن حصول المختارين على الخلاص لا يمكن أن يكون على أساس إستحقاقهم.

 

إنه شيء خطير أن يقال إن قيامة المؤمنين من الأموات ستكون على أساس إجتهادهم وأهليتهم، فالواقع أن هذه القيامة ستحدث على أساس النعمة “لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ، فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1 بط 1 : 13).

 

لقد خلصنا الله من خطايانا بحسب رحمته الكثيرة، وبحسب هذه الرحمة عينها سيخلصنا من الجسد الترابي ولذا يهتف بطرس الرسول قائلاً “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ” ( 1بط 1 : 3- 5).

 

إن الذين يقولون إن الساهرين فقط هم الذين سيختطفون، ينسون أن العذارى الحكيمات قيل عنهن “وَفِيمَا أَبْطَأَ الْعَرِيسُ نَعَسْنَ جَمِيعُهُنَّ وَنِمْنَ” (مت 25 :5) ولكنهن دخلن مع العريس إلى العرس.

 

وفي رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكي يحث الرسول المؤمنين قائلاً :

 

“فَلاَ نَنَمْ إِذًا كَالْبَاقِينَ، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ” (1 تس 5 :6) والنوم هنا لا يُشير إلى الموت. لأنه لو كان كذلك لما أمر الرسول القديسين في تسالونيكي قائلاً : “فلا ننم “ لأنه ليس في قدرة أحد أن ينجي نفسه من الموت. ومع ذلك فهو يتابع حديثه لهم قائلاً “لأَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلْغَضَبِ، بَلْ لاقْتِنَاءِ الْخَلاَصِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي مَاتَ لأَجْلِنَا، حَتَّى إِذَا سَهِرْنَا أَوْ نِمْنَا نَحْيَا جَمِيعًا مَعَهُ” (1 تس 5 : 9 -10).

 

ويُضيف الرسول على هذا قوله “لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَابْنُوا أَحَدُكُمُ الآخَرَ، كَمَا تَفْعَلُونَ أَيْضًا” (1 تس 5 :11).

 

ولماذا يقول بولس هذا الكلام ؟ إن السبب هو أن النعمة التي تنشأ من حقيقة إختطاف جميع المؤمنين ليكونوا مع الرب لها أثر أقوي على دفع المؤمنين للسهر، وحياة القداسة، والتدقيق، والخدمة أكثر من الخوف من إحتمال ترك بعض المؤمنين في العالم ليجتازوا الضيقة العظيمة.

 

إن كلمة الله تقول بكل وضوح ” ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ” (1 تس 4 :17)

 

وعبارة (سنخطف جميعاً) تعني أن جميع المفديين بلا استثناء سيختطفون لملاقاة الرب في الهواء، ولن يبقى منهم أحد ليجتاز آلام الضيقة العظيمة.

 

الظهور أمام كرسي المسيح :

 

وهناك حقيقة كبرى يجب أن لا تغيب عن ذهن المؤمن المولود من الله وهي حقيقة (الظهور أمام كرسي المسيح) لننال المكافآت والأكاليل، فهذه الحقيقة كافية لأن تجعل المؤمن دائم السهر، والخدمة، والصلاة، يعيش في سيرة مقدسة وتقوى ويطلب وينتظر سرعة مجىء يوم الرب.

ويؤكد بولس الرسول هذه الحقيقة بالكلمات “لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا “ (2 كو 5: 10).

 

فكل مؤمن سوف يظهر أمام كرسي المسيح ليأخذ مكافأة من الرب على أتعابه كما قال الرب “وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ” (رؤ 22 :12).

ولذا فإن الرسول يكتب للقديسين في كورنثوس قائلاً ” لِذلِكَ نَحْتَرِصُ أَيْضًا ­مُسْتَوْطِنِينَ كُنَّا أَوْ مُتَغَرِّبِينَ أَنْ نَكُونَ مَرْضِيِّينَ عِنْدَهُ” (2 كو 5 :9).

 

بل ويحثهم على الإستمرار في الخدمة بثبات قائلاً “إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرَّبِّ” (1 كو 15 :58).

أجل، سيقف القديسون جميعاً بلا إستثناء أمام كرسي المسيح ليُحاسبهم ويكافئهم على أتعابهم .

 

سيكون هناك من سيأخذ أجرته :

 

ويكتب بولس الرسول عن هذه الحقيقة قائلاً :

“وَالْغَارِسُ وَالسَّاقِي هُمَا وَاحِدٌ، وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ. فَإِنَّنَا نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ، وَأَنْتُمْ فَلاَحَةُ اللهِ، بِنَاءُ اللهِ. حَسَبَ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي كَبَنَّاءٍ حَكِيمٍ قَدْ وَضَعْتُ أَسَاسًا، وَآخَرُ يَبْنِي عَلَيْهِ. وَلكِنْ فَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ كَيْفَ يَبْنِي عَلَيْهِ. فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ، الَّذِي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدُ يَبْنِي عَلَى هذَا الأَسَاسِ: ذَهَبًا، فِضَّةً، حِجَارَةً كَرِيمَةً، خَشَبًا، عُشْبًا، قَشًّا، فَعَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ سَيَصِيرُ ظَاهِرًا لأَنَّ الْيَوْمَ سَيُبَيِّنُهُ. لأَنَّهُ بِنَارٍ يُسْتَعْلَنُ، وَسَتَمْتَحِنُ النَّارُ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ. إِنْ بَقِيَ عَمَلُ أَحَدٍ قَدْ بَنَاهُ عَلَيْهِ فَسَيَأْخُذُ أُجْرَةً. إِنِ احْتَرَقَ عَمَلُ أَحَدٍ فَسَيَخْسَرُ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيَخْلُصُ، وَلكِنْ كَمَا بِنَارٍ” (1 كو 3 : 8 -15).

 

وفي هذه الآيات يُرينا الرسول أن الأعمال التي سيأخذ عنها المؤمن أجرة هي التي يُشير إليها ( بالذهب والفضة والحجارة الكريمة) وهذه هي الأعمال التي يعملها المؤمن بالروح القدس، وبإسم المسيح، ومن القلب، ولمجد الله.

 

إنها الأعمال التي يعملها المؤمن بالروح القدس :

 

” لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ” (في 2 :13).
“وَأَنْوَاعُ أَعْمَال مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ، الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ” (1 كو 12 :6).

 

إنها الأعمال التي يعملها المؤمن بإسم المسيح :

 

“وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْل أَوْ فِعْل، فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، شَاكِرِينَ اللهَ وَالآبَ بِهِ” (كو 3 :17).

 

إنها الأعمال التي يعملها المؤمن من القلب :

 

“فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ” (1 كو 10 :31)
وعلى هذه الأعمال التي يرمز إليها بولس الرسول (بالذهب والفضة والحجارة الكريمة) وكلها معادن وجواهر ثمينة، يُكافىء الرب المؤمن بحسب تعبه، وهناك خمسة أكاليل سينالها كل من يستحق أجرة على عمله، سنذكرها كما وردت في كلمة الله.

 

(1) إكليل الحياة:

 

“طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ” (يع 1 :12).

“لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ. هُوَذَا إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا، وَيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ” (رؤ 2 : 10).

 

(2) إكليل ضبط النفس :

 

” أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا. وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَمَّا أُولئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إِكْلِيلًا يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلًا لاَ يَفْنَى” (1 كو 9 : 24 -25).

 

(3) إكليل ربح النفوس للمسيح :

 

“لأَنْ مَنْ هُوَ رَجَاؤُنَا وَفَرَحُنَا وَإِكْلِيلُ افْتِخَارِنَا؟ أَمْ لَسْتُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا أَمَامَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي مَجِيئِهِ” (1 تس 2 :19).

 

(4) إكليل المجد :

 

“أَطْلُبُ إِلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ، أَنَا الشَّيْخَ رَفِيقَهُمْ، وَالشَّاهِدَ لآلاَمِ الْمَسِيحِ، وَشَرِيكَ الْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُعْلَنَ، ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّارًا، لاَ عَنِ اضْطِرَارٍ بَلْ بِالاخْتِيَارِ، وَلاَ لِرِبْحٍ قَبِيحٍ بَلْ بِنَشَاطٍ، وَلاَ كَمَنْ يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ، بَلْ صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ. وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى” (1 بط 5 : 1 -4).

 

(5 ) إكليل البر :

 

“قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا” (2 تي 4 :7 -8).

 

فما هي الأكاليل التي ستكون من نصيبك أيها الأخ المؤمن المحبوب؟

 

وسيكون هناك من يخسر أجرته :

 

“إِنِ احْتَرَقَ عَمَلُ أَحَدٍ فَسَيَخْسَرُ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيَخْلُصُ، وَلكِنْ كَمَا بِنَارٍ” (1كو 3 :15)

والأعمال التي ستحترق هي التي يشبهها الرسول (بالخشب والعشب والقش) “وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدُ يَبْنِي عَلَى هذَا الأَسَاسِ: ذَهَبًا، فِضَّةً، حِجَارَةً كَرِيمَةً، خَشَبًا، عُشْبًا، قَشًّا” (1 كو 3 :12) وهي الأعمال التي يعملها المؤمن بدوافع جسدية وليست لمجد الله، بل لإظهار ذاته وتمجيد نفسه.

 

وسيرى المؤمن الذي يخسر أجرته أعماله وهي تحترق أمام عينيه، ولن ينال أجرة أو يأخذ إكليلاً، ولكنه سيخلص كما بنار … سيخلص كما خلص لوط من نار سدوم وعمورة بعد أن إحترقت جميع ممتلكاته، ويقيناً أن مؤمناً من هذا الطراز لا بدّ أن تدمع عيناه أمام كرسي المسيح وهو يرى أعماله تحترق بنار الإمتحان الإلهي.

 

وسيكون هناك من سينال مدحاً من الله:

 

وهذا ما يقوله بولس الرسول “إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، حَتَّى يَأْتِيَ الرَّبُّ الَّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ اللهِ” (1 كو 4 :5).

 

إن المؤمن الذي لم يكن الروح القدس هو المحرك له في العبادة والسلوك والخدمة، لأنه لم يسمح له بالسيادة على حياته، لن يُمدح.
إن الله سيمدح المؤمن بعد أن ينير خفايا حياته، ويُظهر الدوافع التي كانت تسيطر عليه. أجل سيمدح الرب المؤمن الذي تاجر بوزناته فربح قائلاً له “فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ” (مت 25 : 21).

 

وسيكون هناك من سيخجل في حضرة مخلصه :

يقول يوحنا الرسول الحبيب “وَالآنَ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، اثْبُتُوا فِيهِ، حَتَّى إِذَا أُظْهِرَ يَكُونُ لَنَا ثِقَةٌ، وَلاَ نَخْجَلُ مِنْهُ فِي مَجِيئِهِ” (1 يو 2 :28).

وكم من مؤمنين سيخجلون في يوم الظهور أمام كرسي المسيح؟!
سيخجلون بسبب الأوقات التي ضاعت بلا خدمة ولا صلاة.
سيخجلون بسبب الفرص التي أهملوا فيها حضور الإجتماعات.
سيخجلون بسبب إهمال دراسة الكتاب المقدس .
سيخجلون بسبب معاملتهم غير المسيحية لأحبائهم.

 

فهل ستخجل عندما يأتي الرب ليغير شكل جسد تواضعك ليكون على صورة جسد مجده؟ أم ستكون مشرق الوجه لامع العينين؟

 

إستمع إلى صوت بولس الرسول وهو ينادي القديسين في رومية قائلاً “هذَا وَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ الْوَقْتَ، أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا. قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ. لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ: لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ، لاَ بِالْمَضَاجعِ وَالْعَهَرِ، لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ. بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ” (رو 13 : 11 -14).

 

وإصغ إلى كاتب الرسالة إلى العبرانيين وهو يقول “هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ” (عب 9 :28).
ثم يعود مؤكداً “لأَنَّهُ بَعْدَ قَلِيل جِدًّا سَيَأْتِي الآتِي وَلاَ يُبْطِئُ” (عب 10 :37).

 

فهل أدركت أيها المؤمن المولود من الله معنى الخلاص الثمين؟

 

إن الخلاص يعني أن الله قد غفر كل خطاياك بدم المسيح، وأنه ولدك ميلاداً ثانياً لأنك قبلت المسيح.
وأنه أنقذك من سلطان الشيطان بقوة صليب المسيح.
وأنه سيغير شكل جسدك الترابي ليكون على صورة جسد مجد المسيح.

 

أفلا يحق لك أن تهتف مع داود قائلاً “اِنْتِظَارًا انْتَظَرْتُ الرَّبَّ، فَمَالَ إِلَيَّ وَسَمِعَ صُرَاخِي، وَأَصْعَدَنِي مِنْ جُبِّ الْهَلاَكِ، مِنْ طِينِ الْحَمْأَةِ، وَأَقَامَ عَلَى صَخْرَةٍ رِجْلَيَّ. ثَبَّتَ خُطُوَاتِي، وَجَعَلَ فِي فَمِي تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً، تَسْبِيحَةً لإِلهِنَا. كَثِيرُونَ يَرَوْنَ وَيَخَافُونَ وَيَتَوَكَّلُونَ عَلَى الرَّبِّ” (مز 40 : 1 -3).

 

 

الفصل الثاني

 

طريق نوال الخلاص

 

هل الخلاص بالإيمان أو بالأعمال أو بالإيمان والأعمال معاً ؟

 

حاول أن تسأل الكثيرين من المسيحيين الإسميين هذا السؤال، وستسمع ألواناً من الإجابات الخاطئة تتردد على شفاهم :

يجيبك واحد قائلاً : إن الشخص ينال الخلاص بأعمال البر والصلاح … وأنه ليس على المرء إلا أن يصوم ويصلي ويدفع صدقات للفقراء والمساكين، ويعمل الخير للناس، ثم ينتظر بعد ذلك الرحمة من الله، فإما أن يرسله إلى السماء أو يلقي به في الجحيم … ويقول لك آخر : إن الإنسان يخلص إذا حفظ ناموس الوصايا العشر ولم يحد عنها … ويقول لك ثالث : إن الإنسان يخلص بالإيمان والأعمال معاً .

 

فهل هذه الإجابات تتفق مع طريق الله المعلن في كلمته لخلاص الإنسان؟

 

إن السبيل الوحيد لمعرفة طريق الله للخلاص هو ( العودة إلى الكتاب المقدس)، فكل طريق يبتكره الذهن البشري، أو يخترعه الإستحسان الإنساني، يعرض المرء لخطر الهلاك الأبدي وإن بدا مستقيماً أمام العيون كما يقول كاتب سفر الأمثال “تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً، وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ” (أم 14 : 12).

حدثنا أحدهم عن سيده في بلاد الغرب، كانت مسافرة بالقطار إلى قرية صغيرة وهي تحمل طفلها الرضيع على ذراعيها، وكان الوقت شتاء والأيام شديدة البرودة، ولما جاء الكمساري أخبرها أن المحطة التي ترغب في النزول فيها قد إقتربت، فطلبت منه أن ينبهها حين يصل القطار إليها …. لكن أحد المسافرين قال لها : لا تقلقي ياسيدتي فسأنبهك إلى المحطة التي تريدين … وبعد قليل وقف القطار. فقال لها المسافر : هاهي المحطة التي تريدين … إنزلي هنا.

 

نزلت المرأة وهي تحمل طفلها، وسار القطار في طريقه … وبعد نصف ساعة جاء الكمساري يسأل : أين السيدة التي كانت هنا؟ فقال ذلك المسافر : نزلت في المحطة السابقة .

 

فقال الكمساري بحزن عميق : نزلت … لقد ذهبت إلى الموت، إن القطار لم يقف في محطة بل وقف بسبب عطل مفاجيء أصابه … وقف في مكان موحش … مظلم … مليء بالثلوج والأعاصير.

أخطر (الكمساري) عن السيدة المسكينة، ووجدها رجال الشرطة ميتة من شدة البرد هي وطفلها.

 

لقد أطاعت المسكينة ارشادات خاطئة فهلكت :

وهكذا في أمر خلاصنا، وحياتنا الأبدية إذا أطعنا الأفكار البشرية نهلك هلاكاً أبدياً.
والآن … هلم بنا لنقلب صفحات الكتاب المقدس، ولنسمع ماذا يقول الكتاب عن طريق نوال خلاص الله.

 

 

الخلاص ليس بأعمال البر

 

والحقيقة الكبرى التي تؤكدها كلمة الله، ويرفضها الذهن الجسدي هي : أن الخلاص ليس بأعمال البر.

 

فتعال معي لنقرأ معاً الآيات اللامعة التي تقرر هذه الحقيقة:

 

هاهو إشعياء النبي يقول :
“وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا، وَقَدْ ذَبُلْنَا كَوَرَقَةٍ، وَآثَامُنَا كَرِيحٍ تَحْمِلُنَا” (إش 64 :6).

فإشعياء يصف (أعمال برنا ) بأنها كثوب عدَّة و (عدَّة ) المرأة أيام طمثها، فأعمال برنا كخرقة المرأة في طمثها، وما أظن أن هناك وصفاً مرعباً مثل هذا الوصف.
وإذا كانت (أعمال برنا) أي اعمالنا الصالحة (كخرقة الطمث) فكم بالحري أعمال شرنا وفجورنا؟!

 

والآن تعال لنسمع بولس الرسول وهو يقول للقديسين في أفسس :

” لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ.لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ (أف 2 : 8 -9).ثم

 

أصغ إليه وهو يكتب لابنه الحبيب تيموثاوس قائلاً :

“فَلاَ تَخْجَلْ بِشَهَادَةِ رَبِّنَا، وَلاَ بِي أَنَا أَسِيرَهُ، بَلِ اشْتَرِكْ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ بِحَسَبِ قُوَّةِ اللهِ، الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ” (2 تي 1 : 8 -9).

وانتبه إلى كلماته التي كتبها إلى تيطس وهو يقول :

“وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ. لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (تي 3 : 4 -5).

 

من كل هذه الآيات يتبين لنا أن الكتاب المقدس يؤكد تأكيداً قاطعاً أن الخلاص ليس بأعمال البر والصلاح، بل هو بالنعمة بالإيمان بالمسيح يسوع ، فلا مكان لإستحقاق الإنسان أو عمله أو صلاحه في نوال خلاص الله الأبدي.

 

منذ سقط الإنسان في الخطية، وقد إنقسمت البشرية إلى فريقين، فريق يؤمن بأن الخلاص بالإيمان بالرب يسوع المسيح، وفريق يؤمن بأن الخلاص بأعمال البر.

 

ونرى الفريقين بكل وضوح في قصة (قايين وهابيل) وعنهما يكتب كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً “بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ للهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ. فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ” (عب 11 :4).

 

ويمكننا أن نتصور (آدم) بعد أن سقط في الخطية، وولدت له حواء (قايين وهابيل)، وقد جلس مع ولديه بعد أن كبرا يحدثهما عن سقطته الكبرى، ويعلن لهما طريق خلاص الله.

تعال معي لننصت إليه وهو يقول لولديه :

«عندما سقطنا أنا وأمكما في الخطية، وعصينا إرادة الخالق القدوس، أحس كل منا بعريه، وحين جاء الله كعادته ليتحدث إلينا عند هبوب ريح النهار، أسرعنا للإختباء وراء الأشجار … ولم تصلح الأشجار لسترنا عن عيني القادر على كل شىء … وهكذا خرجنا في عرينا ووقفنا أمام الله العظيم القدوس … ولأول مرة في تاريخ وجودنا رأينا منظر الدم القاني … فقد أمسك الله حملاً وديعاً وذبحه، وغطى عُرينا بجلده … وأدركنا يومئذ أن الطريق الوحيد لسترنا هو (الدم). وقبل أن يطردنا الله من جنة عدن تكلم إلى الحية التي كانت سبب سقوطنا قائلاً : “وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ” (تك 3 : 15).

 

وكان هذا هو الوعد الإلهي بمجيء المخلص الذي سيسحق رأس الشيطان ويطلق أسراه.

ويسكت (آدم ) لحظة ثم يستطرد قائلاً : «إن الطريق للغفران، والتطهير، والستر يا ولديَّ هو (طريق الدم) و بدون سفك دم لا تحصل مغفرة “وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” (عب 9 : 22).

 

وآمن هابيل بكلمات أبيه، أما قايين فلم يستحسن (طريق الدم) لأن “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ” (1 كو 1: 18).

وجاء هابيل إلى الله بالإيمان في قوة الدم الغافرة، الساترة، المُطهرة، وقدم ذبيحة “وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ” (تك 4 :4).

 

أما قايين فقد ذهب إلى الله في الطريق الذي استحسنه ذهنه الجسدي، طريق الأعمال “وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أَنَّ قَايِينَ قَدَّمَ مِنْ أَثْمَارِ الأَرْضِ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ” (تك 4 :3).

 

وبغير شك أن قايين تكلف جهداً كبيراً لم يتكلفه هابيل، فقد حرث الأرض، وزرعها، وسقاها، وحصدها، وطحن ثمارها … عمل مجهوداً كبيراً ليقدم قرباناً للرب … في حين أن هابيل لم يقم بأي مجهود سوى أنه أخذ ذبيحة من أبكار غنمه … إن طريق الإيمان بسيط ومريح وسهل.

“وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ،وَلكِنْ إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ. فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدًّا وَسَقَطَ وَجْهُهُ” (تك 4 : 4 -5).

 

وما السبب ؟

إن السبب هو أن هابيل جاء للرب بالإيمان في المخلص الآتي الذي سيسفك دمه لأجل خطاياه. عرف أن “أَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 6 :23). وأن الله لا يغفر الخطية إلا عن طريق الدم الذي يمثل الموت.

 

أما قايين فجاء عن طريق الأعمال، وكأنه يريد أن يستبدل حكم الموت الذي أوقعه الله على الخاطىء ببعض أعمال البر التي يعملها الخاطىء. ولو كانت أعمال البر تخلص الإنسان من خطاياه لحق للإنسان أن يفتخر ببره أمام الله ولكان موت المسيح بلا سبب، ولذا قال الرسول بولس “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” (أف 2 :8-9).

 

وقد أهمل قايين هذا المبدأ الإلهي، واختار طريقه البشري، طريق الإفتخار بالبر الذاتي، والمجهود الشخصي … طريق تقديم ثمار الأرض التي لعنها الرب حين قال لآدم “وَقَالَ لآدَمَ: لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ” (تك 3 :17).

 

ويقيناً أن كل ثمر تخرجه الأرض الملعونة هو ثمر ملعون مثلها … فهل يمكن أن ينال المرء خلاصاً عن طريق ثمر ملعون ؟!

إن طريق الله للخلاص هو (طريق الإيمان) وليس (طريق الأعمال) وكل من يسلك في طريق الأعمال له الويل كما يقول يهوذا في رسالته “وَيْلٌ لَهُمْ! لأَنَّهُمْ سَلَكُوا طَرِيقَ قَايِينَ، وَانْصَبُّوا إِلَى ضَلاَلَةِ بَلْعَامَ لأَجْلِ أُجْرَةٍ، وَهَلَكُوا فِي مُشَاجَرَةِ قُورَحَ” (يه 11).

 

إن كل الذين سيذهبون إلى السماء، سيذهبون عن طريق الإيمان الشخصي بالرب يسوع المسيح ولذا فإنهم يرددون مع يوحنا الحبيب قائلين “وَمِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ: الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ” (رؤ 1 :5 -6)

بل إن ترنيمتهم الحلوة في المجد الأسنى ستكون :
“وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ” (رؤ 5 :9).

 

فهل يمكن لشخص خَلُص بأعمال بره أن يردد هذه الترنيمة … يقيناً أن أولئك الذين يعتمدون على أعمالهم الصالحة للخلاص أن تكون لهم ترنيمة في الأبدية، إنهم بكل يقين سيهلكون.

 

يحتفظ لنا التاريخ بقصة قصها أحد خدام الله الأمناء قال :«سألت مريضاً كان في أيامه الأخيرة : هل أنت ذاهب إلى السماء ؟ قال : أفتكر أنني ربما أذهب إلى السماء لأنني عاملت زوجتي وأولادي معاملة طيبة، ولم أتعرض لأحد من الناس بأذى».

قلت له : حين يجتمع المفديون في المجد الأسنى فما هي الترنيمة التي يرنمونها … أتحب أن أقرأها لك؟ ولما وافق، قرأت له الترنيمة الحلوة “مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ” (رؤ 5 :9)

وسكت قليلاً ثم قلت للرجل المريض : هل لاحظت أن المفديين لا يذكرون شيئاً عن أعمالهم الصالحة، إنهم يترنمون لمن أحبهم وغسلهم من خطاياهم بدمه، واشتراهم لله أبيه …. فإذا ذهبت أنت للسماء فستكون الشخص الوحيد الذي دخل بواسطة أعماله الصالحة، ولم يغتسل بدم المسيح الكريم، وهذا يعني أنك لن تشترك مع المفديين في الترنيم.

وسادت لحظة صمت كان المريض يتأمل فيها هذا الحق الثمين، وقد أشرق عليه الروح القدس بالنور، فإعترف أنه مع أخلاقه الطيبة، فهو إنسان خاطىء يستحق دينونة الله.

وعندئذ قرأت له الكلمات :
“صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا” (1 تي 1 : 15).

فآمن الرجل بالرب وهو على فراش مرضه، وقال ووجهه يتهلل بالفرح، حين إجتمع مع المفديين في المجد سأرنم معهم الترنيمة العذبة ” لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ”».

في الإصحاح الثامن عشر من إنجيل لوقا يقدم لنا الرب له المجد صورة البشرية في:
إنسانين أحدهما إعتمد على بره الذاتي فهلك والآخر آمن في رحمة الله فتبرر بالإيمان …ورحمة الله قد تجلت بصورة واضحة في موت ابنه الحبيب على الصليب.

 

ويسجل لوقا البشير قصة هذين الإنسانين في هذه الكلمات :

 

“وَقَالَ لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ هذَا الْمَثَلَ: إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ. أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هكَذَا: اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلًا: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ. أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ” (لو 18 : 9 -14).

 

فهل تيقنت أن خلاص الله ليس بالأعمال الصالحة، وأن كلمة الله تؤكد بكل وضوح أن الخلاص ” لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَد” (أف 2 :9)؟

 

الخلاص ليس بأعمال الناموس

 

هل يستطيع الإنسان الطبيعي أن يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به؟

يقيناً : لا …. ولأنه من المستحيل على الإنسان أن يحفظ الناموس بأكمله لذلك قال بولس الرسول في رسالته إلى كنائس غلاطية “إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا” (غل 2 : 16).

 

إن الناموس كالمرآة يُظهر لنا عيوبنا، ولكنه لا يغسل هذه العيوب، وقد لعن الله صاحب الطاعة الناقصة للناموس قائلاً ” لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ. وَلكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا” (غل 3 : 10 -11) .

ويقول يعقوب في رسالته “لأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ النَّامُوسِ، وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُجْرِمًا فِي الْكُلِّ” (يع 2 :10).

 

وأين هو الشخص الذي عاش على أرضنا وحفظ كل الناموس؟

 

لا أحد سوى الرب يسوع المسيح. ولذا قال الله عن بني آدم ” إِنَّمَا بَاطِلٌ بَنُو آدَمَ. كَذِبٌ بَنُو الْبَشَرِ. فِي الْمَوَازِينِ هُمْ إِلَى فَوْقُ. هُمْ مِنْ بَاطِل أَجْمَعُونَ” (مز 62 :9).

 

بحق قال بولس الرسول في منطق قوي سليم رائع ” لَسْتُ أُبْطِلُ نِعْمَةَ اللهِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِالنَّامُوسِ بِرٌّ، فَالْمَسِيحُ إِذًا مَاتَ بِلاَ سَبَبٍ” (غل 2 : 21).

 

قال لي أخ مؤمن يحب الرب: «إن الشخص الذي يتكل على أعمال الناموس لنوال الخلاص، هو شخص يقف متأملاً في آلام المسيح وهو على الصليب … يرى المسامير في يديه ورجليه، وإكليل الشوك على رأسه … والدم الذكي الثمين ينزف من جراحاته ويقول : إنك أيها المسيح لم تمت لأجلي أنا، ولا لأجل خطايا البشرية… إنك مت بغير سبب . وهل هناك إهانة توجه إلى المسيح المصلوب أكبر من هذه الإهانة »؟

 

إن موت المسيح على الصليب يؤكد أن الخلاص لا يمكن الحصول عليه بأعمال الناموس.

 

الخلاص ليس بالإيمان والأعمال

 

هذه هي الحقيقة اللامعة التي يقررها بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية فيقول :
“وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ، وَلكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا” (رو 4 :5)

وهنا قد يسأل سائل : ألا نقرأفي رسالة يعقوب الكلمات :

“وَلكِنْ هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَعْلَمَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الْبَاطِلُ أَنَّ الإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ؟ أَلَمْ يَتَبَرَّرْ إِبْرَاهِيمُ أَبُونَا بِالأَعْمَالِ، إِذْ قَدَّمَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ؟ فَتَرَى أَنَّ الإِيمَانَ عَمِلَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَبِالأَعْمَالِ أُكْمِلَ الإِيمَانُ” (يع 2 : 20 – 22).

 

ألا تُرينا هذه الكلمات أن الخلاص بالإيمان والأعمال؟! وإذا لم يكن للأعمال أي دخل في خلاصنا فما قيمة الأعمال الصالحة إذن؟

وقد كتب الدكتور سكوفيلد الذي ترجم الكتاب المقدس إلى اللغة الإنجليزية رسالة هامة للرد على هذه الأسئلة، ترجمها أخ محبوب ننقلها هنا لثقتنا بنفعها للكثيرين.

 

قال دكتور سكوفيلد : نقرأ في العهد الجديد آيتين تقول الأولى :
” لأَنَّهُ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا” (رو 4 :3).

وتقول الآية الثانية :
“أَلَمْ يَتَبَرَّرْ إِبْرَاهِيمُ أَبُونَا بِالأَعْمَالِ، إِذْ قَدَّمَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ” (يع 2 : 21)

 

ولدى القراءة السطحية لهاتين الآيتين قد يتسائل أحدهم قائلاً : «هل الكتاب المقدس بات منقسماً على ذاته؟ وهل يعلم بأمر في موضع ثم يُعلم بعكسه في موضع آخر؟

 

وكلام كهذا كلام منطقي معقول، ويقيناً إننا نريد أن يكون لنا الإيمان الحي في الكتاب المقدس، لا مجرد الإيمان الوهمي أو التقليدي، إذ أنه لا توجد فائدة من الإيمان بما ليس حقاً بل الواقع أن الإيمان بما ليس حقاً يضر المرء ضرراً بليغاً.

 

في هاتين الآيتين نجد قولين عن التبرير أحدهما ينسبه (للإيمان) والآخر (للأعمال ) ومما يزيد حيرتنا أن كلا هذين الكاتبين يجدان في الشخص الواحد حجتهما :

فبولس يقول أن إبراهيم قد تبرر بالإيمان ” فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا” (رو 4 :3)
ويعقوب يقول إنه قد تبرر بالأعمال فيكتب قائلاً : ” أَلَمْ يَتَبَرَّرْ إِبْرَاهِيمُ أَبُونَا بِالأَعْمَالِ، إِذْ قَدَّمَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ” (يع 2 : 21).

 

علينا إذن أن نواجه هذه المشكلة، وسنرى بوضوح أن المشكلة لا يمكن أن تُحل بالجمع بين المبدأين إذ أن أول ما يخطر لنا هو أن نقول إن ما علينا إلا أن نجمع بين الأمرين فنحصل على التعليم الحقيقي وهو : إن الخطاة يتبررون بالإيمان والأعمال معاً ولا بدّ من إقترانهما ليتم التبرير.

 

لكننا نجد أنه لا سبيل لهذا الزعم، إذ لا يترك بولس مجالاً البتة للأعمال في التبرير ولا يوافق على الإيمان والأعمال معاً كوسيلة لتبرير المرء أمام الله، فيقول بلغة صريحة “وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ، وَلكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا” (رو 4 :5).

 

ولقد كُتبت رسالة غلاطية للرد على الرأي القائل بأن التبرير بالإيمان والأعمال، وهكذا نجد بولس بكل ما لديه من قوة ينفي الأعمال كلية من تعليمه عن التبرير، بينما يشدد يعقوب الرسول في أن ( إبراهيم قد تبرر بالأعمال، فكيف نواجه هذه المشكلة الكتابية؟)

إن دراسة مدققة للكلمة المقدسة سترينا إنها مشكلة ظاهرية بسيطة سهلة الحل:

(1) ليلاحظ القارىء أول كل شيء، أنه بينما يتكلم الرسولان عن إبراهيم يختار كل منهما حادثة مختلفة في حياته للتدليل بها على قوله. فبولس يحدثنا عن إبراهيم الشيخ الذي أصبح في عداد الأموات، وإمرأته التي كبرت إذ كان كلاهما قد قارب المئة عام، وإذ بهذا الرجل في هذه السن من حياته، وبالرغم من شيخوخته، وتقدم زوجته في العمر، يقبل الوعد الغريب من الله بأنها ستلد له ابناً يكون وارثاً له.

 

هذه هي الحادثة التي يشير إليها بولس قائلاً : إن إبراهيم لم يشك في الوعد مع شدة غرابته، بل آمن بالله فحسب له براً “لأَنَّهُ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا” (رو 4 :3).

 

ولكن يعقوب يشير إلى حادثة تختلف عن هذه تمام الإختلاف حدثت في ظروف أخرى وفي زمن آخر!

نعم إن ابراهيم هو (إبراهيم) ولكنه إبراهيم بعد مضي عشرين عاماً من الوقت الذي أشار إليه بولس، فيرينا يعقوب ذات الرجل يقبل من الله، لا وعداً غريباً ولكن أمراً لا يزيد عليه في الغرابة“فَقَالَ: خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ” (تك 22 :2).

 

اسحق الذي كان إبراهيم يعلم أن بحياته قد ارتبطت كل مواعيد الله الخاصة بفداء هذا العالم … اسحق ابن الموعد … اسحق الذي آمن بمولده قبل أن يولد، الابن الذي إجتمعت فيه كل مشورات الله، يجب أن يقدم محرقة ويذبح!

 

أمر غريب وعجيب جداً، ما في ذلك شك! لكن إبراهيم لم يتردد أمام هذا الأمر أكثر من تردده أمام ذلك الوعد، ففي الحال أطاع كل ما أمر به، ويقول يعقوب الرسول إنه (تبرر) بهذا العمل.

بولس يقول إنه (تبرر) قبل هذا التاريخ بزمن طويل إذ قبل الوعد، ويعقوب يقول إنه (تبرر) إذ أطاع الأمر.

 

فما هذا التناقض إذن؟ لا تناقض في الأمر وحل المشكلة هو في :

إن بولس يستخدم ثقة إبراهيم في الله ليصور لنا تبرير الخاطىء أمام الله، ويستخدم يعقوب طاعة إبراهيم لله ليصور لنا تبرير المؤمن أمام العالم.

 

وهذا هو الفرق بين التبريرين … يؤمن الخاطىء فيما عمله الله لأجله على الصليب فيقول الله إنه قد (تبرر) ويعمل المؤمن مطيعاً لله فيقول العالم : (حقاً تبرر) … ينظر الخاطىء من وسط خطاياه وشكوكه إلى المسيح مصلوباً ويقول : «إني واثق بتطهير دم الصليب» فيجيبه الله :«إذن أنت مسيحي حقيقي» فيقوم بقوة هذه العلاقة الجديدة ليحيا حياة الطاعة للرب فيقول العالم «نعم أنه مسيحي بالحق» .

 

فالله يرى (الإيمان) والعالم يرى (الأعمال) فأولهما هو (تبرير الخاطىء أمام الله) وثانيهما هو (تبرير المؤمن أمام الناس).

 

(2)وهناك ملاحظة ثانية نلفت إليها نظر القارىء وهي أنه في كلا الإصحاحين في رومية ويعقوب اللذين نجد فيهما هذين القولين المتناقضين ظاهرياً، نجد كلمتين هما الدليل الذي يجب أن يحفظنا من هذه المشكلة المزعومة، ففي الإصحاح الرابع من رسالة رومية يقول بولس “لأَنَّهُ إِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ تَبَرَّرَ بِالأَعْمَالِ (أي أنه إن كان ابراهيم قد تبرر كخاطىء أمام الله بالأعمال )… فَلَهُ فَخْرٌ، وَلكِنْ لَيْسَ لَدَى اللهِ” (رو 4 :2)

وهذه العبارة هي الدليل الأكبر الذي ينفي نفياً باتاً قاطعاً تبرير الخاطىء بالأعمال لدى الله.

 

ويستخدم يعقوب أيضاً كلمة لها نفس الأهمية، وهي تُرينا بأن كلمة الله كاملة كمالاً سماوياً وتثبت أمام أدق الإمتحانات، وكلما دققنا النظر فيها رأينا أنها حقاً كلمة الله إذ فيها كمال سماوي يفوق كل حكمة بشرية.

 

يكتب يعقوب في رسالته قائلاً : تَرَوْنَ إِذًا أَنَّهُ بِالأَعْمَالِ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ، لاَ بِالإِيمَانِ وَحْدَهُ” (يع2 : 24) . وهنا يستخدم يعقوب كلمة (ترون) وهي كلمة تتعلق بالناس، فالناس لا يستطيعون أن يروا إيمان الإنسان، ولكنهم (يرون) أعمال المؤمن ويقولون (حقاً تبرر).

فقد يتحدث الناس عن إيمانهم، وأنا لا أستطيع رؤيته، ولكني أستطيع أن أرى أعمالهم.
فكلمة (ترون) هذه هي مفتاح الإصحاح الثاني من رسالة يعقوب، كما أن عبارة (ليس لدى الله) هي مفتاح الإصحاح الرابع من رسالة رومية. فإحداهما تشير إلى ما يراه الله، والثانية تشير إلى ما يراه الناس، والناس لا يؤمنون بخلاص الخاطىء وتبريره أمام الله إلا بعد أن يروا أعماله الحسنة أمام عيونهم.

 

وخير إيضاح لهذا موجود في الإصحاح السابع من إنجيل لوقا، فهناك نرى الرب وقد ذهب لتناول الطعام في بيت رجل فريسي، إنسان إعتقد أنه تبرر ببره الذاتي، إنسان كان يتمم كل الأمور الخارجية المرسومة في الطقوس والفرائض، وعلى ذلك كان يعتبر نفسه أفضل من أي شخص يخطىء جهاراً.

وإذ بإمرأة نجسة كانت تُخطيء جهاراً، ولم يكن هناك شك في إثمها تدخل بيته، وبهدوء وصمت تسعى إلى قدمي المخلص وتغسلهما بالدموع، وتمسحهما بشعر رأسها، فكان الخاطر الذي شغل عقل الفريسي هو : «إن لمس هذه المرأة الأثيمة يُنجس لأنها خاطئة».

 

فيجيب الرب فاحص القلوب على خواطر الفريسي بمثل صغير جميل هو مثل المديونين ويستخدم الفريسي والمرأة لتصوير حاليهما، وما يجب ملاحظته بشكل خاص هو الطريقة التي يفرق بها ربنا المبارك بين هذين التبريرين.

 

الأول أمام الله بالإيمان، والثاني أمام الناس بالأعمال :

 

إذ نقرأ “ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ وَقَالَ لِسِمْعَانَ: أَتَنْظُرُ هذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ. بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلًا. ثُمَّ قَالَ لَهَا: مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ. فَابْتَدَأَ الْمُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: مَنْ هذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضًا؟. فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ” (لو 7 : 44 -50).

 

فهل ترى إذن، أنه عندما أراد المسيح له المجد أن يقنع الفريسي أن المرأة قد غُفرت خطاياها كيف أشار إلى أعمال محبتها، فكان البرهان الذي قدمه للفريسي هو ما كانت تفعله… هو نوع الحياة التي شرعت تحياها … والخدمة التي كانت تعملها للمسيح يسوع، ولكن لاحظ أنه لم يقل ولا كلمة واحدة للمرأة عن أعمالها.

 

لقد عرف الرب أن سمعان لا يستطيع أن يرى إيمان المرأة فكان لا بدّ أن تُبرر أمام سمعان (بأعمالها). أما أمام الرب فقد كان إيمانها وحده هو سبب خلاصها ولذا فقد قال لها الرب له المجد “إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ” ولم يقل لها كلمة واحدة عن أعمالها، كما لم يقل للمتكئين كلمة واحدة عن إيمانها.

ومن هنا نرى أن يقين خلاصنا يرتكز على ما يقوله الله عن إيماننا المبرر، أما قيمة شهادتنا فتتوقف على ما يراه الناس من أعمالنا المبررة، وما أقل تقدير الناس لشهادة مسيحي لا يحيا الحياة التي يجب على المسيحي أن يحياها. وما أعظم تأثير المسيحي الذي يحيا الحياة السماوية التي نالها بالإيمان.

 

فالإيمان لله … والأعمال للإنسان .

الأول يُعطي طمأنة للقلب، والثانية تجعل لشهادتنا تأثيراً وقيمة.

وهذا يأتي بنا إلى تقرير هذين المبدأين على أساس كلمة الله.

 

المبدأ الأول : الإيمان والإيمان فقط هو الذي يبرر الخاطىء أمام الله:

وهنا دعني أشدد في توكيد كلمة (فقط)، فكثيراً ما يخطىء القلب البشري في هذا الأمر بالذات إن عمداً أو جهلاً .

فالإنسان المستقيم المهذب يشعر أن استقامته وتهذيبه لهما نصيب في خلاصه، إذ تسهل على الله أمر خلاصه، وإذ يقارن نفسه بالخطاة الذين يحيون حياة النجاسة والسكر يقول : «لا شك أني أحتاج إلى مخلص لأني خاطىء من بعض الوجوه، ولكنه أيسر جداً على الله أن يخلصني من أن يخلص ذلك الإنسان الشرير جداً» .

وهذا خطأ ضار جداً، وهو يقف حائلاً بين نفوس كثيرة وبين الخلاص، إذ أن الله لا يوضح لنا أمراً أكثر من هذا الأمر وهو : أنه لا قيمة البتة للبر الإنساني في مسألة تصفية حساب الخطية إذ يقول إشعياء “وَقَدْ صِرْنَا كُلُّنَا كَنَجِسٍ، وَكَثَوْبِ عِدَّةٍ كُلُّ أَعْمَالِ بِرِّنَا، وَقَدْ ذَبُلْنَا كَوَرَقَةٍ، وَآثَامُنَا كَرِيحٍ تَحْمِلُنَا” (إش 64 :6).

ويقول بولس “وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ، وَلكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا “ (رو 4 :5).

وفي رسالة أفسس نقرأ “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” (أف 2 : 8 -9).

فنحن نكرز للخطاة البعيدين عن التبرير بالإيمان وحده دون دخل للأعمال، إذ أن أي جزاء أو عطاء لشراء الخلاص يفسد عطية الله “لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 6 : 23).

أجل إن الله يكلفه أن يفدي أكثر الناس أدباً واستقامة وتهذيباً، ما يكلفه فداء أكثر الخطاة إنحطاطاً وفجوراً “بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو 3 : 22 – 24).

فالثمن الذي دُفع لتبرير الخاطىء هو دم المسيح الكريم والله لا يزن قليلاً من دم ابنه لأجل خطية صغيرة ثم يضع معه القليل من أعمال الشخص الصالحة واستقامته لتكملة الميزان. كلا فإن أجرة الخطية هي موت، مهما كانت صغيرة أو كبيرة.

نفترض أن شخصين يغرقان، ولا سبيل لنجاتهما إلا بمخاطرة واحد منهم بحياته، فأية أهمية إن كان أحدهما يستطيع أن يسبح قليلاً ؟ وفي هذه الحالة على الشخص المُخاطر أن يموت لأجله كما يموت لأجل الشخص الذي لا يعرف السباحة مطلقاً .

فهل تركت كل فكر عن استحقاقك الشخصي؟ هل أنت متكل بالإيمان وحده على رحمة الله التي ظهرت في ذبيحة الصليب ؟

 

المبدأ الثاني : هو أن الأعمال والأعمال وحدها هي التي تبرر المؤمن أمام الناس :

ولا بدّ هنا من تعريف (الأعمال الصالحة) حسب الكتاب المقدس، فالأعمال الصالحة هي التي تعمل في طاعة إرادة الله (فإبراهيم أطاع إذ قدم ابنه على المذبح).

فأعمالنا لا تصبح أعمال صالحة إلا إذا تخطت حدود إرضاء الذات وتعلقت بطاعة إرادة الله “لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا (أف 2 :10).

فالأعمال الصالحة هي أعمال القديسين لإرضاء الله، لأنه أمرهم بعملها، ولنلاحظ هذا الفرق :

يعمل (الفريسي) لكي يمدحه الناس وما أعظم خيبته إن لم يصل إلى ذلك، فهو يجول معلناً عما يفعله، وما أعظم المرارة والغضب اللذان يملآن نفسه إن لم يُقابل بشىء من المدح … هذه هي فكرة الفريسي عن الأعمال الصالحة كما وصفها ربنا المبارك قائلاً عن المرائين:

“فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ” (مت 6 :2).

أما الشخص المؤدب الذي يحيا بإستقامة خارجية، فهو يفعل ذلك إشباعاً لكبريائه حتى يستطيع أن يوفق بين حياته وبين مثله الأعلى فيحس بالرضا عن نفسه.
ولكن المؤمن المستنير فإنه يسعى لمعرفة إرادة الله في كلمته، وطاعة هذه الإرادة الإلهية ليُرضي ذاك الذي دعاه من الظلمة إلى نوره العجيب. وانسان مثل هذا يتلألأ نوره فيرى الناس أعماله الحسنة ويمجدوا الآب الذي في السموات.

هل سمعت مطلقاً أن شخصاً مجد الله لأجل عمل صالح يعمله شخص مؤدب؟ إن الخدمة الحقيقية هي التي تعمل لإرضاء الرب، ومثل هذه الخدمة تستحق أن يقال عن صاحبها ( هذا مسيحي حقاً) .

 

وهناك ثلاثة أمور يقولها الكتاب المقدس عن تبرير المؤمن بالأعمال وهي :

 

أولاً : المسيحي الذي يعمل أعمالاً صالحة يبرر ويمجد الله الذي خلصه:

نفترض أنني أخذت من أحد السجون مجرماً خطيراً وقلت له : «تعال إلى بيتي وإجلس إلى مائدتي، وكن لي ابناً » وبدأت هذه المعاملة الطيبة تحرك هذا القلب الوضيع بكل عوامل المحبة ومؤثرات الحنو والرقة، فإن أصدقائي لا بدّ أن يقولوا إنني صنعت أمراً غبياً ! إذ أخذت ذلك المجرم إلى بيتي … ويقول أعدائي : «ياله من أمر مخجل أن يقبل ذلك الرجل في بيت محترم مجرماً كهذا».

ثم لنفترض أن هذا المجرم تغيرت حياته، وبعد أن كان كاسراً للقانون أصبح مُدافعاً عنه وحامياً له، فإنه لا بدّ أن يأتي اليوم الذي يقول فيه الناس : لقد كنت مُحقاً فيما فعلت .
هكذا أيضاً عندما يضع الرب يسوع يده علينا، ويأتي بنا إلى حظيرة الله، يُدهش الناس لعمله، ولكنهم عندما يروننا نعيش لله، تزول دهشتهم ويتمجد الله في خلاصنا.

 

ثانياً : إيمان المؤمن المولود من الله يكمل بأعماله :

يقول يعقوب في رسالته “فَتَرَى أَنَّ الإِيمَانَ عَمِلَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَبِالأَعْمَالِ أُكْمِلَ الإِيمَانُ” (يع 2 : 22).

فما معنى هذا ؟ ألا تظن أن إبراهيم بعد أن نزل من ذلك الجبل، وسمع صوت الرب وهو يناديه “فلاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي” (تك 22 : 12).

كان أكثر إيماناً مما كان عند صعوده إلى الجبل ؟ يقيناً أن إيمانه قد إزداد .
فهل أنت مسيحي كثير الشكوك والريب، إعمل إذاً لله، أطع الرب في وصاياه فإن إيمانك سيقوي ويكمل.

 

ثالثاً : سنُعطى مكافآت عظيمة وثمينة لمن يعملون ويخدمون :

لا مكافأة على الإيمان … ولكن توجد هبة للإيمان وهي هبة الخلاص، لكن المجازاة والمكافآت تُعطى لمن يتممون خلاصهم بحياة جميلة مثمرة “نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. أَشْكُرُ إِلهِي فِي كُلِّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لَكُمْ فِي يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1 كو 1 : 3 – 4). ودعنا في الختام نذكر هذا الأمر الهام :
إن الإيمان يبرر الخاطىء أمام الله والأعمال تبرر المؤمن أمام الناس، إذن فالأعمال تكمل الإيمان وتمجد الله وتخلص الآخرين.

فهل أنت مؤمن في قوة الدم وحده لتبريرك أمام الله؟

وهل تعمل لتتبرر أمام الناس، وتشهد لمن فداك وخلصك؟

هذه هي كلمة الرب ” لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 : 16).

 

طريق الله للخلاص

والآن بعد أن تم التوضيح لنا أن الخلاص ليس بأعمال البر، ولا بأعمال الناموس، ولا بالإيمان والأعمال معاً … فما هو طريق الله للخلاص؟

 

الخلاص بالنعمة

يقول بولس الرسول “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” (أف 2 : 8 -9).

فالخلاص عطية مجانية يعطيها الله من مجرد نعمته … وتعني كلمة نعمة (لطف الله ورحمته الغنية من نحو الخاطىْ) … وهذه النعمة هي التي خلصت شاول الطرسوسي، الذي صار فيما بعد بولس الرسول.

وإزاء غنى هذه النعمة هتف بولس قائلاً : “وَأَنَا أَشْكُرُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ رَبَّنَا الَّذِي قَوَّانِي، أَنَّهُ حَسِبَنِي أَمِينًا، إِذْ جَعَلَنِي لِلْخِدْمَةِ، أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلًا مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ. وَتَفَاضَلَتْ نِعْمَةُ رَبِّنَا جِدًّا مَعَ الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا” (1 تي 1 : 12 -15).

وفي رسالته إلى تيطس كتب يقول ” لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ، مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِرِ، مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (تي 2 : 11 -13).

وهنا نرى أن النعمة قادرة أن تخلص جميع الناس، وأنها بعد أن تخلصنا تعلمنا حياة القداسة، وانتظار المجيء الثاني للمسيح.

زار بلادنا في شهر سبتمبر 1951 الدكتور (ليلا ند وانج) وهو أحد الصينيين الذين إفتقدتهم نعمة الله، وقد قابلته مساء الإثنين 24 سبتمبر 1951 وسمعته يتكلم في مجتمع الخدام الإنجيليين. وإهتز قلبي وأنا أسمعه يقول ( أنا صيني بالميلاد الطبيعي ولكنني مسيحي بالنعمة التي خلصتني ).

وقد ذهبت إليه بعد إنتهاء الخدمة وسألته قائلاً : «يا دكتور وانج هل يمكن أن تخبرني كيف عرفت المسيح ونلت الخلاص؟» وإبتسم الرجل المسيحي الذي يتكلم الإنجليزية إبتسامة جميلة وقال : سأرسل إليك إختباري مكتوباً.

وقد أرسل لي الدكتور ليلاند وانج إختباره الذي كتب فيه يقول :
“هَلُمَّ اسْمَعُوا فَأُخْبِرَكُمْ يَا كُلَّ الْخَائِفِينَ اللهَ بِمَا صَنَعَ لِنَفْسِي” (مز 66 : 16).

ولدت في فوشو في بيت غير مسيحي، وأول كتاب مقدس وقع في يدي كان هدية لوالدي من أحد أصدقائه، وإن كان لم يقرأه، ووقع نظري على هذا الكتاب الجميل مرة على مكتب والدي، فقلت له : «أيمكن أن آخذ هذا الكتاب ؟» وأجابني بنعم، وإبتدأت أقرأ الكتاب المقدس ولكنني لم أفهم منه كلمة، وظننت أنه كتاب لا فائدة منه، وكولد صغير كنت أحب جمع طوابع البريد فإستعملت الكتاب كألبوم للطوابع، ولكني أستطيع أن أقول اليوم إن الكتاب المقدس هو لذتي.

وسأعطي القارىء صورة عن شري في طفولتي : كانت عائلتنا تملك متجراً في فوشو، وكانت النقود الواردة توضع في صندوق كبير في نهاية المتجر، ولكن حين كانت العملة الصغيرة ترد، لم يكونوا حريصين عليها كل الحرص، فكانت تتدحرج على الأرض.

ولقد كان منظر النقود الصغيرة على الأرض تجربة شديدة لي، قلت في نفسي:

«لو طلبت منهم أن يعطوني بعض القروش لشراء الحلوى لرفضوا، لذلك فلا بدّ أن أحصل عليها بنفسي» وهكذا دبرت حيلة شيطانية فوضعت قليلاً من الغراء في نعل حذائي، وكنت أجول في أنحاء المتجر فتلتصق النقود الصغيرة بحذائي، وكنت أهدىء ضميري بالقول «ما دمت لم أمد إليها يدي، فأنا لم أسرقها» وقد كان ضميري مستيقظاً، ولكن لم تكن نفسي متجددة إذ لم أكن قد آمنت بالرب يسوع المسيح.

في الرابعة عشرة من عمري درست كتب البوذية، والكنفوشية، والطائية، ولكن هذه الديانات لم تُشبع قلبي … بعد سنين ذهبت إلى تشيفو، وهناك ملأت الأفكار عقلي وتساءلت «من أين جاء البشر؟! – إلى أين نذهب بعد الموت؟ – ما هو الغرض الحقيقي للحياة؟» .

ولم أستطع أن أحل هذه المعضلات، فعزمت على أن أجعل غرض حياتي البحث عن الملذات … وهكذا إنحدرت إلى السكر والقمار.

إنتهيت من دراستي، وبدأت الإستعداد للزواج فخطبت لنفسي فتاة تجددت أثناء مدة الخطوبة في إجتماع كانت تعقده (مس روث باكسون) وأخبرتني بذلك … وبعد مدة عقدنا زواجنا في قاعة أجنبية وكان زواجنا مسيحياً رغم إنني لم أكن أعرف شيئاً عن المسيحية في إختباري الشخصي … طلبت مني زوجتي في أحد أيام الآحاد أن أذهب معها إلى كنيستها فذهبت … لم أستطع أن أفهم كلمة مما يقولها الواعظ ولكنني تأثرت من الترنيمة الأخيرة (يارب أقرب فأقرب).

وقلت لنفسي :«هؤلاء الناس يريدون الإقتراب من الإله الذي يعبدونه، فلا بدّ أن إلههم إله طيب ومحب … إن الناس الذين يعبدون الأصنام يخافون منها وإذا فرض وقلت لأحدهم الصنم معك، لخاف واضطرب، ولكن هؤلاء المسيحيين يحبون كلمة (الله معك) فهي مصدر قوة وتعزية لهم»… بعد الإجتماع صافحني الجميع، وقالوا إنهم يتمنون رؤيتي في الأحد القادم، وطلبت زوجتي منهم أن يصلوا لأجلي، فقلت لنفسي لنرى إن كان الله يستجيب صلاتهم أم لا … فما كنت أعتقد في قوة الصلاة … ولكن الله إستجاب وسمع .

ذات يوم دار بذهني هذا الفكر، كيف دخلت المسيحية إلى الصين، ما الذي يجعل هؤلاء المسيحيين يفتحون المدارس للأطفال والمستشفيات للمرضى؟ إن هذه الأعمال عظيمة وجليلة، وإن كانت الثمار جيدة، فلا بدّ أن يكون يسوع المسيح رجلاً عظيماً وطيباً … وفكرت في التاريخ الميلادي. فلماذا لم يؤرخ العالم تاريخه قبل أو بعد ميلاد المسيح؟
وعزمت أن أعرف تاريخ حياة يسوع، وهكذا بدأت بقراءة العهد الجديد إذ قالوا لي أنه أحسن كتاب يُخبرني عن حياة يسوع.

بدأت قراءة الإصحاح الأول من إنجيل متى “إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ” (مت 1 :2).

وكدت أيأس لأن هذه الأسماء لم تكن تهمني، ولكني مضيت في القراءة إلى أن وصلت للموضع الذي يقول فيه يسوع “طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ” (مت 5 :8). وقلت لنفسي «كيف أتوقع أن أرى الله وأنا أعرف حالة قلبي جيداً؟» وقرأت أيضاً هذه الكلمات “وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ” (مت 6 :3).

وفكرت قائلاً «يالها من مبادىء عليا. إنني إن عملت عملاً حسناً أتمنى أن يعرف ذلك كل إنسان» وهكذا إبتدأت تعاليم يسوع تسترعى إنتباهي وكلما تعمقت في القصة كلما أدركت أنه لا بدّ أن يكون هناك إله حقيقي هو خالق العالم، وظهر لي أن يسوع هو ابن الله وهو الوسيط الوحيد بيني وبين الله، وأنه مات لأجل خطايانا على الصليب، وأنه قادر أن يخلص إلى التمام جميع الذين يتقدمون به إلى الله، وعملت نعمة الله في قلبي، وقبلت المسيح مخلصاً ورباً وسيداً سنة 1918.

وبعد أن نلت الخلاص إهتممت إهتماماً بالغاً بخلاص عائلتي، وشكرا لله لأن الوعد هو “آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ” (أع 16 : 31).
وشرعت أصلي لأجل أفراد أسرتي واستجاب الرب … فتجددت أمي، وخالي وجميع أفراد عائلتي.
وفي سنة 1920 أتممت فريضة المعمودية بالماء فإعتمدت بالتغطيس إطاعة لوصية الرب “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ” (مر 16 :16).

وفي سنة 1921 دعاني الرب لأبشر، وجاءتني الدعوة إذ كنت أقرأ الكتاب المقدس وقادني الرب إلى “اِعْتَزِلُوا، اعْتَزِلُوا. اخْرُجُوا مِنْ هُنَاكَ. لاَ تَمَسُّوا نَجِسًا. اخْرُجُوا مِنْ وَسَطِهَا. تَطَهَّرُوا يَا حَامِلِي آنِيَةِ الرَّبِّ. لأَنَّكُمْ لاَ تَخْرُجُونَ بِالْعَجَلَةِ، وَلاَ تَذْهَبُونَ هَارِبِينَ. لأَنَّ الرَّبَّ سَائِرٌ أَمَامَكُمْ، وَإِلهَ إِسْرَائِيلَ يَجْمَعُ سَاقَتَكُمْ” (إش 52 : 11 -12).

وشعرت أن الرب يريد مني أن أعتزل لخدمة الإنجيل وأطعت أمره بسرور فائق، وخرجت للخدمة بالإيمان معتمداً على الإله الذي وعد أن يملأ احتياجاتنا بحسب غناه في المجد في المسيح يسوع “فَيَمْلأُ إِلهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.” (في 4 : 17).

فهل رأيت كيف تعمل نعمة الله في قلوب الخطاة لتخلصهم؟

 

طريق الله للخلاص

 

والآن ما هي الخطوات التي يجب أن تسير فيها لتنال خلاص الله؟

إن الله في محبته العظيمة العجيبة للخطاة قد جعل طريق الخلاص بسيطاً جداً … وهذه هي الخطوات التي توصلك لهذا الإختبار المجيد.

 

(1) تأكد أنك خاطىء هالك تحت حكم دينونة الله العادلة :

 

هذه هي الحقيقة التي يؤكدها بولس الرسول قائلاً ” أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ” (رو 3 : 10 -12).

“بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رو 3 : 22 -23).

“مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ” (رو 5 : 12).

“لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 6 : 23).

لقد كان آدم هو (نبع النهر البشري) وقد تلوث النبع بميكروب الخطية وكان معنى هذا أن ماء النهر كله قد تلوث بذات الميكروب.
“اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ” (يو 3 : 6).

“هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مز 51 : 5).

ومع وراثة الإنسان للخطية، فقد فعل الخطية كذلك … ولكي تتأكد أنك فعلت الخطية … وأنك تستحق دينونة الله العادلة يجب أن تقيس نفسك على المقاييس الإلهية للخطية، إن أكبر خطأ يقع فيه الناس أنهم يقيسون خطاياهم على المقاييس البشرية، وإذ هم “أَنَّنَا لاَ نَجْتَرِئُ أَنْ نَعُدَّ أَنْفُسَنَا بَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الَّذِينَ يَمْدَحُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَلاَ أَنْ نُقَابِلَ أَنْفُسَنَا بِهِمْ. بَلْ هُمْ إِذْ يَقِيسُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيُقَابِلُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، لاَ يَفْهَمُونَ” (2 كو 10 : 12).

 

فتعال معي لترى المقاييس الإلهية للخطية:

 

فالخطية هي التعدي على وصايا الله :

“كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضًا. وَالْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي” (1 يو 3 :4)

 

والخطية هي إهمال عمل الخير :

“فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (يع 4 : 17)

 

والخطية هي كل تصرف ليس من الإيمان :

“وَأَمَّا الَّذِي يَرْتَابُ فَإِنْ أَكَلَ يُدَانُ، لأَنَّ ذلِكَ لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ فَهُوَ خَطِيَّةٌ” (رو 14 : 23).

 

والخطية هي فكر الحماقة :

” فِكْرُ الْحَمَاقَةِ خَطِيَّةٌ، وَمَكْرَهَةُ النَّاسِ الْمُسْتَهْزِئُ” (أم 24 :9).

 

والخطية هي كل عمل يصدر عن القلب غير المتجدد :

“طُمُوحُ الْعَيْنَيْنِ وَانْتِفَاخُ الْقَلْبِ، نُورُ الأَشْرَارِ خَطِيَّةٌ” (أم 21 : 4).

 

فهل تخلو حياتك من خطية من هذه الخطايا؟ ألم تتعدَ وصايا الله؟ ألم تهمل مرة عمل الخير؟ ألم تتصرف مرة بعدم إيمان؟ ألم يأتيك فكر حماقة؟ ألم تحاول إرضاء الله بأعمال برك وأنت لم تتجدد بعد؟

إذن فأنت خاطىء، وقانون الله عادل وصريح “هَا كُلُّ النُّفُوسِ هِيَ لِي. نَفْسُ الأَبِ كَنَفْسِ الابْنِ، كِلاَهُمَا لِي. اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ” (حز 18 : 4).

“لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 6 : 23).

فأنت إذن تحت حكم دينونة الله العادلة مهما كان نوع خطيتك!

“أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ” (1 كو 6 : 9 -10).

فهل رأيت كيف يدين الله الخطية الصغيرة كما يدين الخطية الكبيرة؟

وهناك إمتحان آخر يُريك مدى شر قلبك وبشاعة خطاياك، وهو أن تواجه قداسة الله.
ذات يوم رأى إشعياء رؤيا أظهرت له حقيقة حالته … إصغِ إليه وهو يسجل هذه الرؤيا بكلماته فيقول :

“فِي سَنَةِ وَفَاةِ عُزِّيَّا الْمَلِكِ، رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ. السَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ، لِكُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ، بِاثْنَيْنِ يُغَطِّي وَجْهَهُ، وَبِاثْنَيْنِ يُغَطِّي رِجْلَيْهِ، وَبَاثْنَيْنِ يَطِيرُ. وَهذَا نَادَى ذَاكَ وَقَالَ: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ. فَاهْتَزَّتْ أَسَاسَاتُ الْعَتَبِ مِنْ صَوْتِ الصَّارِخِ، وَامْتَلأَ الْبَيْتُ دُخَانًا. فَقُلْتُ: وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ “ (إش 6 : 1 -5).

لقد عرف إشعياء أنه شخص خاطىء، هالك، يستحق دينونة الله. عرف نجاسة شفتيه لأنه رأى قداسة الله فصرخ مُرتعباً في محضر الله القدوس.

 

وحيت إعترف بحقيقة حالته يستطرد قائلاً :
“فَطَارَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّرَافِيمِ وَبِيَدِهِ جَمْرَةٌ قَدْ أَخَذَهَا بِمِلْقَطٍ مِنْ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَمَسَّ بِهَا فَمِي وَقَالَ: إِنَّ هذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ، فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ، وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ” (إش 6 : 6 -7).

فهل تأكدت حقيقة حالتك أمام المقاييس الإلهية للخطية، وأمام نور قداسة الله، وصرخت مع إشعياء قائلاً : “وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ”

هذه أول خطوة في طريق خلاص الله ويوم تصل إليها لن ترتاح إلا بعد أن ترتمي في أحضان الرب الحبيب. لأن معرفتك بأن الموت الذي هو أجرة الخطية يعني انفصال الروح والجسد عن الله في الجحيم إلى الأبد، ستدفعك للإلتجاء إلى جنب المسيح المطعون لتختبىء فيه من دينونة الله العادلة.

 

(2) تب توبة حقيقية :

 

إن الإنسان لا يصبح مستعداً للإيمان بإنجيل الخلاص إلا إذا كان مستعداً للتوبة الحقيقية عن كل خطاياه.

وأقول التوبة الحقيقية لأن هناك توبة زائفة، فالشخص الذي يصرخ طالباً رحمة الله لخوفه من الموت في غارة جوية، لا يعتبر خوفه توبة حقيقية … لما أرسل الله ضربة البرد على فرعون وعلى عبيده وبهائمه، أرسل فرعون ودعا موسى وهارون وقال لهما :

“فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ وَدَعَا مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالَ لَهُمَا: أَخْطَأْتُ هذِهِ الْمَرَّةَ. الرَّبُّ هُوَ الْبَارُّ وَأَنَا وَشَعْبِي الأَشْرَارُ. صَلِّيَا إِلَى الرَّبِّ، وَكَفَى حُدُوثُ رُعُودِ اللهِ وَالْبَرَدُ، فَأُطْلِقَكُمْ وَلاَ تَعُودُوا تَلْبَثُونَ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: عِنْدَ خُرُوجِي مِنَ الْمَدِينَةِ أَبْسِطُ يَدَيَّ إِلَى الرَّبِّ، فَتَنْقَطِعُ الرُّعُودُ وَلاَ يَكُونُ الْبَرَدُ أَيْضًا، لِكَيْ تَعْرِفَ أَنَّ لِلرَّبِّ الأَرْضَ …… أرسل فرعون ودعا موسى وهرون فَخَرَجَ مُوسَى مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ لَدُنْ فِرْعَوْنَ وَبَسَطَ يَدَيْهِ إِلَى الرَّبِّ، فَانْقَطَعَتِ الرُّعُودُ وَالْبَرَدُ وَلَمْ يَنْصَبَّ الْمَطَرُ عَلَى الأَرْضِ. وَلكِنْ فِرْعَوْنُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْمَطَرَ وَالْبَرَدَ وَالرُّعُودَ انْقَطَعَتْ، عَادَ يُخْطِئُ وَأَغْلَظَ قَلْبَهُ هُوَ وَعَبِيدُهُ” (خر 9 : 33 -34).

 

وكل توبة من هذا الطراز هي توبة زائفة نُسميها (توبة فرعون).
والتوبة الزائفة أيضاً ليست هي محاولة إصلاح نتائج خطايانا، لقد أخطأ يهوذا وباع سيده، ثم ندم واعترف لرؤساء الكهنة بخطيته، ورد الثلاثين من الفضة إليهم، ولكنه في الواقع لم يتب توبة حقيقية ولذا ظل طريداً وشريداً وأخيراً “فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ” (مت 27 :5).

 

والتوبة الزائفة كذلك ليست هي الإتضاع أمام الرب بسبب الخوف من العقاب، فقد قتل آخاب الملك نابوت اليزرعيلي ليأخذ كرمه ولما عرّفه إيليا بعقاب الله له “وَلَمَّا سَمِعَ أَخْآبُ هذَا الْكَلاَمَ، شَقَّ ثِيَابَهُ وَجَعَلَ مِسْحًا عَلَى جَسَدِهِ، وَصَامَ وَاضْطَجَعَ بِالْمِسْحِ وَمَشَى بِسُكُوتٍ” (1 مل 21 :27).

 

ولكن هذا الإتضاع كان إلى حين، ولم تكن توبته توبة حقيقية لذلك مات ولحست الكلاب دمه حسب كلام الرب الذي تكلم به “وَغُسِلَتِ الْمَرْكَبَةُ فِي بِرْكَةِ السَّامِرَةِ فَلَحَسَتِ الْكِلاَبُ دَمَهُ، وَغَسَلُوا سِلاَحَهُ. حَسَبَ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ” (1 مل 22 : 38).

 

إن التوبة الحقيقية نعمة عظمى من الله كما قيل “فَلَمَّا سَمِعُوا ذلِكَ سَكَتُوا، وَكَانُوا يُمَجِّدُونَ اللهَ قَائِلِينَ: إِذًا أَعْطَى اللهُ الأُمَمَ أَيْضًا التَّوْبَةَ لِلْحَيَاةِ” (أع 11 :18). ونحن نجد أنها المطلب الذي طلبه الله من جميع الراجعين إليه.

 

فيوحنا المعمدان كان يكرز قائلاً : “تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ” (مت 3 :2).
والرب يسوع المسيح بدأ خدمته الجهرية بالقول “مِنْ ذلِكَ الزَّمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ” (مت 4 : 17).

وحذر الناس قائلاً : “كَلاَّ! أَقُولُ لَكُمْ: بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ” (لو 13 :5).

وبطرس الرسول قال للذين نخسهم الروح القدس في يوم الخمسين “تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع 2 :38).

وبعد حادثة شفاء الأعرج قال لسامعيه “فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ” (أع 3 : 19).

وقال بولس الرسول لسكان أثينا “فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ” (أع 17 : 30).

وقبل ذلك نادى إشعياء النبي قائلاً “اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ.لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ” (إش 55 : 6 -7).

 

فالتوبة الحقيقية أمر هام لنوال خلاص الله.

 

ولكن ما هي التوبة الحقيقية؟

 

التوبة الحقيقية هي تغيير الطريق الخاطىء :

“لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ” هذه هي التوبة الصحيحة، ترك الطريق الخاطىء الشرير المعوج نهائياً والعودة إلى الرب من كل القلب.

 

والتوبة الحقيقية هي تغيير الفكر الآثيم:

“لِيَتْرُكِ … وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ” كل فكر شرير عن الرب يجب أن يترك في الحال كل فكر شرير عن الناس يجب أن يطرد تماماً من الذهن … لا بدّ من طرد كل فكر أثيم من الذهن والقلب.

في إنجيل متى تحدث الرب له المجد بهذا المثل “مَاذَا تَظُنُّونَ؟ كَانَ لإِنْسَانٍ ابْنَانِ، فَجَاءَ إِلَى الأَوَّلِ وَقَالَ: يَا ابْنِي، اذْهَب الْيَوْمَ اعْمَلْ فِي كَرْمِي. فَأَجَابَ وَقَالَ: مَا أُرِيدُ. وَلكِنَّهُ نَدِمَ أَخِيرًا وَمَضَى” (مت 21 : 28 -29 ).

فهذا الابن يُرينا أجمل مثال لتغيير الفكر، فبعد أن قال لأبيه ( ما أريد) غيرّ فكره وندم على موقفه تجاه أبيه (ومضى) ليخدم في كرم هذا الأب الطيب، لقد ترك فكره الأثيم العاصي وفكر تفكيراً سليماً من نحو أبيه وأطاع إرادته.

 

والتوبة الحقيقية لا بدّ أن يصحبها حزن على الخطية:

يكتب بولس إلى الكنيسة في كورنثوس قائلاً “اَلآنَ أَنَا أَفْرَحُ، لاَ لأَنَّكُمْ حَزِنْتُمْ، بَلْ لأَنَّكُمْ حَزِنْتُمْ لِلتَّوْبَةِ. لأَنَّكُمْ حَزِنْتُمْ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ لِكَيْ لاَ تَتَخَسَّرُوا مِنَّا فِي شَيْءٍ. لأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ، وَأَمَّا حُزْنُ الْعَالَمِ فَيُنْشِئُ مَوْتًا” (2 كو 7 : 9 -10).

فالشخص الذي يتوب توبة حقيقية يُدرك ما عملته الخطية في فاديه ويحزن حزناً قلبياً على خطاياه … حين جاءت المرأة الخاطئة إلى بيت سمعان الفريسي نقرأ عنها أنها جاءت من وراء المسيح باكية … وليس من الضروري أن يبكي الخاطىء التائب بالدموع، ولكن التوبة الحقيقية لا بدّ أن تكون مصحوبة بالحزن على إرتكاب الخطية.

 

والتوبة الحقيقية لا بدّ أن يصحبها إحساس بكراهية الخطية:

وأي فرد يرى المسيح له المجد، وهو مُعلق بين السماء والأرض فوق صليب الجلجثة، والدماء تنزف من جراحاته، ووجهه الكريم مُلطخ بالعرق والدم ولا يكره الخطية التي كانت السبب في صلب رب المجد؟

 

والتوبة الحقيقية أخيراً لا بدّ أن تكون توبة مثمرة:

لقد قال يوحنا المعمدان للفريسيين والصدوقيين الذين جاءوا إلى معموديته “فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ” (مت 3 :8).

وثمار التوبة هي إصلاح الأضرار، ورد المغتصب، فإذا كنت قد تسببت في ضرر ما في حق إنسان، أو أخذت مالاً ليس من حقك، فإن عليك أن تُصلح الضرر، وتُعيد المال إلى صاحبه قبل أن تتوقع غفران الله.

حدثنا دوايت لايمان مودي في كتابه (The way to God) قال : «جاء إليَّ شخص كان شعره كله قد علاه الشيب، مع أنه لم يكن يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره وقال لي : لعلك تُلاحظ أن الشيب قد غطى شعري، رغم إنني لم أتجاوز الثانية والثلاثين، وذلك لأنني أحمل حملاً ثقيلاً على ضميري منذ إثنتي عشرة سنة.

قلت : حسناً ما هذا الحمل الذي أتعبك كل هذه السنين؟

دار بعينيه في المكان، كمن يخاف أن يسمعه أحد ثم استطرد قائلاً : مات والدي، وترك لنا الصحيفة التي كان يُصدرها، لكن حدث بعد موته بفترة قصيرة أن هبط توزيع الصحيفة، وابتدأنا نُعاني من الفقر والحاجة.

كانت الصحيفة ومبناها مُؤمناً عليهما بمبلغ ألف دولار، وكان عمري وقتذاك عشرين عاماً، أشعلت النار في المبنى وحصلت على قيمة التأمين وسلمتها لأمي. ومنذ إثنتي عشرة سنة وهذه الخطية تُطاردني … لقد حاولت أن أتخلص من إحساسي بخطيتي، بالإنغماس في الملذات والنجاسات … لعنت الله … صرت مُلحداً … حاولت أن أقول لنفسي أن الكتاب المقدس غير صحيح، عملت كل ما أستطيع، ورغم هذا فقد عشت مُعذباً كل هذه السنين.
قلت: توجد طريق للخلاص من هذا العذاب.
قال : كيف؟
قلت : رد المُغتصب … دعنا نجلس معاً ونحسب المبلغ وفوائده، ثم نرد لشركة التأمين المبلغ الذي أخذته منها دون حق، ومعه فوائده عن هذه المدة.

 

يقيناً أنك كنت تفرح جداً، لو رأيت النور الذي أشرق على وجه ذلك الرجل، عندما عرف أنه يستطيع أن ينال الغفران … وأظهر استعداده بسرور لتسديد المبلغ وفوائده … ونال خلاص الله».

 

كم من أناس يعيشون في حالة اليأس، يحيط بهم الظلام لأنهم لا يريدون أن يعترفوا بخطاياهم ويتوبوا عنها “مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ” (أم 28 : 13).

 

إن الرسول بولس يُحذر كل شخص غير تائب قائلاً “أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ” (رو 2 : 4 -5).

 

فهل تعزم من الآن أن تتوب توبة حقيقية من القلب؟ أصرخ إلى الله حالاً وقل له “سَمْعًا سَمِعْتُ أَفْرَايِمَ يَنْتَحِبُ: أَدَّبْتَنِي فَتَأَدَّبْتُ كَعِجْل غَيْرِ مَرُوضٍ. تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ، لأَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ إِلهِي” (إر 31 : 18).

 

(3) آمن إيماناً قلبياً بالرب يسوع المسيح واعترف به إعترافاً علنياً :

إن التوبة الحقيقية يجب أن يصحبها إيمان حقيقي بالرب يسوع المسيح، لأن التوبة بدون إيمان بالمسيح تعني قلب صفحة جديدة مع إبقاء الصفحات القديمة مُلطخة بدين الخطية الثقيل “أَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 6: 23).

أما الإيمان بالمسيح فهو يعني محو جميع خطايا المؤمن التائب بدمه إذ سدد بموته على الصليب دين خطايانا الرهيب، بل يعني أكثر من ذلك نوال العفو من الدينونة نهائياً “أَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 6: 23).

 

ويؤكد بولس الرسول أن الطريق الوحيد للخلاص هو الإيمان القلبي بالرب يسوع المسيح في هذه الكلمات “أَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ” (رو 10 :9 ).

 

ولنلاحظ أن الله يطلب إيماناً قلبياً، فالإيمان العقلي الذي يعني مجرد المعرفة لا يخلص الإنسان “أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ” (يع 2 : 19). وإذن فلا بدّ من إيمان قلبي يغير الحياة ويُسيطر عليها، ويظهر فيها “لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ” (غل 5 : 6).

 

إن الإيمان الذي يُخلص الإنسان، هو الإيمان المبني على معرفة كلمة الله وتصديقها، بل هو الإيمان الذي يخصص موت المسيح للنفس، ويقبل المسيح كما تُعلنه الكلمة المقدسة.

فالمسيح في الكتاب المقدس يقدم نفسه كحامل لخطايانا، والإيمان الذي يُخلص يقبله هكذا ويضع كل ثقته في دمه الثمين لنوال الغفران، وهو يقدم نفسه كالمحرر لنا من سلطان الخطية والشيطان “أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. وَالْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ، أَمَّا الابْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ. فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا” (يو 8 : 34 -36).

والإيمان الذي يُخلص يقبله هكذا ويتكل عليه تماماً، ويأخذ منه الحرية الكاملة … وهو يُقدم نفسه كمعلمنا وسيدنا “أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ” (يو 13 : 13).

والإيمان الذي يُخلص يقبله هكذا ويُخضع العقل لتعليمه بلا قيد، ويسلم الحياة كلها لسيادته المطلقة.

والإيمان الذي يُخلص هو الإيمان الذي يثق أن الرب يسوع المسيح هو ابن الله كما يقول يوحنا “وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ” (يو 20 : 31).

 

والإيمان الي يُخلص هو الإيمان بالإنجيل، وقد يسأل واحد قائلاً : وما هو الإنجيل ؟

ويجيب بولس قائلاً : “وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ، وَبِهِ أَيْضًا تَخْلُصُونَ، إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلاَمٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلاَّ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثًا! فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ” (1 كو 15 : 1 -4).

فإنجيل الخلاص “لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ” (رو 1 : 16). يحوي هذه الحقائق الثلاث :

إن المسيح مات من أجل خطايانا … وأنه دفن … وأنه قام … إنه بشارة الخلاص من دين الخطية، والنجاة الأبدية من دينونة الله، والتبرير الكامل للخطاة الذين يقبلون الرب يسوع المسيح كمخلصهم الشخصي.

 

يحتفظ لنا التاريخ بقصة خلاص الواعظ المعمداني الأشهر تشارلس هادون سبرجن :

نشأ تشارلس في بيت مسيحي، كان أبوه مبشراً، وكان جده مُبشرا، وقد تعلم في طفولته ترنيمات كثيرة، وقرأ كتباً كثيرة عميقة عن الله، ولكنه تأكد أنه ليس متجدداً، واشتاق من قلبه وهو في سن السابعة أن ينال خلاص الله. وفي البداية ظن (تشارلس) أن الخلاص بالأعمال، فحفظ يوم الرب، وواظب على حضور الكنيسة، وحاول أن يكون صالحاً، ولكن إحساسه بثقل خطاياه إزداد، وكان في بعض الأحيان يصلي بحرارة شديدة لله ليرحمه من وطأة إحساسه بهذا الحمل الثقيل.

 

لقد رأى تشارلس فظاعة خطاياه، ولكنه لم يكن يعرف الطريق الذي أعده الله للخلاص.
ولمدة خمس سنوات تعذب تشارلس من حمل الخطية على قلبه، وكان يذهب كل يوم أحد إلى كنيسة مختلفة عسى أن يجد واعظاً يخبره عن كيفية نوال الخلاص.

 

وفي يوم أحد، خرج تشارلس كعادته ليذهب إلى كنيسة من الكنائس الكبرى، لكن عاصفة ثلجية منعته من الذهاب إلى تلك الكنيسة العظيمة التي كان يرغب في الحضور فيها، وهكذا استدار جانباً ودخل إلى إجتماع صغير في شارع ضيق. كان عدد الحاضرين لا يزيد عن خمسة عشر شخصاً ولم يستطع الراعي أن يحضر بسببب العاصفة.

 

وهناك وقف رجل طويل نحيل … لا يعرف أحد صناعته ليعظ وكانت الآية التي إختارها “اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ” (إش 45 : 22). وقال في حديثه أن كل ما نحتاجه لنوال الخلاص هو أن ننظر بإيمان إلى الرب يسوع الذي مات على الصليب لأجل خطايانا، وإننا إذا نظرنا بالإيمان إليه كمن مات لأجلنا ننال الخلاص.

ورأى الرجل (تشارلس سبرجن) جالساً في آخر مقعد في الإجتماع فأشار إليه بإصبعه الطويل قائلاً : « أيها الشاب الصغير …إنك تبدو حزيناً … لماذا لا تنظر إلى الرب يسوع المسيح كمن مات لأجلك شخصياً وتخلص … أنظر … أنظر … أنظر».

 

وهنا نظر تشارلس إلى المسيح المصلوب لأجله … ووثق أن المسيح مات على الصليب ليفديه … وتأكد أن خطاياه قد غُفرت وأنه نال خلاص الله.

وقد كتب سبرجن في مذكراته يقول «لقد نظرت إلى المسيح المصلوب لأجلي بكل قلبي … وبكل عينيَّ … وتيقنت من أنني نلت الخلاص».

ولقد إستخدم الرب هذا الواعظ المعمداني العظيم في خلاص الألوف، وفي كتابة الكتب العميقة الدسمة، وقد بيع من عظاته أكثر من خمسين مليوناً من النسخ، وفي عمره الذي لم يكن طويلاً إذ عاش من سنة (1834 – 1892) خدم الرب أكثر من الكثيرين.

 

فهل تنظر للمسيح المصلوب لأجلك وتنال الخلاص بالإيمان؟

حين تذمر شعب الله القديم على الله وأرسل عليهم الرب الحيات المحرقة لتلدغهم “فَأَتَى الشَّعْبُ إِلَى مُوسَى وَقَالُوا: قَدْ أَخْطَأْنَا إِذْ تَكَلَّمْنَا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَيْكَ، فَصَلِّ إِلَى الرَّبِّ لِيَرْفَعَ عَنَّا الْحَيَّاتِ. فَصَلَّى مُوسَى لأَجْلِ الشَّعْبِ. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: اصْنَعْ لَكَ حَيَّةً مُحْرِقَةً وَضَعْهَا عَلَى رَايَةٍ، فَكُلُّ مَنْ لُدِغَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا يَحْيَا. فَصَنَعَ مُوسَى حَيَّةً مِنْ نُحَاسٍ وَوَضَعَهَا عَلَى الرَّايَةِ، فَكَانَ مَتَى لَدَغَتْ حَيَّةٌ إِنْسَانًا وَنَظَرَ إِلَى حَيَّةِ النُّحَاسِ يَحْيَا” (عد 21 :7 – 9).

إن نظرة الملدوغ للحية النحاسية كانت تعني الإيمان … كانت تعني تصديق الله … وهذه النظرة كان فيها الخلاص الأكيد من الموت المحقق وقد قال الرب يسوع لنيقوديموس “وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 : 14 -15).

 

لما سأل حافظ السجن في فيلبي بولس وسيلا “يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟ فَقَالاَ: آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ” (أع 16 :30 – 31).
فآمن الآن بالرب يسوع كمخلصك الشخصي واستمتع بخلاص الله “لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ غُفْرَانَ الْخَطَايَا” (أع 10 : 43).
“وَبِهذَا يَتَبَرَّرُ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تَتَبَرَّرُوا مِنْهُ بِنَامُوسِ مُوسَى” (أع 13 : 39).

 

فهل خصصت موت المسيح لنفسك؟ وهل تقدر أن تقول بحق ويقين “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2 : 20).

 

هناك خطوة تالية للإيمان هي خطوة الإعتراف العلني بالرب. إذا كنت قد آمنت فيجب أن تعترف إعترافاً علنياً “فَإِذْ لَنَا رُوحُ الإِيمَانِ عَيْنُهُ، حَسَبَ الْمَكْتُوب: آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ، نَحْنُ أَيْضًا نُؤْمِنُ وَلِذلِكَ نَتَكَلَّمُ أَيْضًا” (2 كو 4 : 13).

 

فالإعتراف العلني هو دليل صدق إيمان القلب، لأن الإنسان متى آمن حقاً وقبل الرب يسوع وولد ثانية، يصير الإعتراف بالرب وبالإيمان به هو الخطوة الحتمية التالية، والإعتراف بالفم مرتبط بالإيمان القلبي في تدبير الله للخلاص، والإيمان يأتي أولاً ويتبعه الإعتراف. فالإيمان والإعتراف مرتبطان معاً إذ يعتبر الإعتراف دليلاً على الإيمان.

 

فهل تعرف بالرب يسوع كمخلصك الشخصي أمام الآخرين إقرأ لبركة نفسك :

 

“فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، وَلكِنْ مَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 10 : 32 -33).

 

“وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِيًا بِقَتْلِهِ. وَحَدَثَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَشَتَّتَ الْجَمِيعُ فِي كُوَرِ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ، مَا عَدَا الرُّسُلَ. وَحَمَلَ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ اسْتِفَانُوسَ وَعَمِلُوا عَلَيْهِ مَنَاحَةً عَظِيمَةً. وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَسْطُو عَلَى الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ يَدْخُلُ الْبُيُوتَ وَيَجُرُّ رِجَالًا وَنِسَاءً وَيُسَلِّمُهُمْ إِلَى السِّجْنِ. فَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ” (أع 8 : 1 -4).

 

لا تؤجل أمر خلاصك

 

 

هذا يقودنا إلى سؤال هام وخطير هو : متى يجب أن يخلص الإنسان؟

يقول الكتاب المقدس “فِي وَقْتٍ مَقْبُول سَمِعْتُكَ، وَفِي يَوْمِ خَلاَصٍ أَعَنْتُكَ. هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ” (2 كو 6 : 2)

“لِذلِكَ كَمَا يَقُولُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ. فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ، كَمَا فِي الإِسْخَاطِ، يَوْمَ التَّجْرِبَةِ فِي الْقَفْرِ” (عب 3 : 7 -8 ).

لقد سمع فيلكس الوالي بولس الرسول “وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ، ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ، وَأَجَابَ: أَمَّا الآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ” (أع 24 : 25). وبتأجيله أمر خلاصه مات وذهب إلى الجحيم. فلا تؤجل أمر خلاصك.

 

ذكر خادم من خدام الرب في كتاب له خمسة أمور تُرينا خطر تأجيل الخلاص نذكرها بإختصار مضيفين إليها بعض التعليق:

 

1- التأجيل خطر لأن كل يوم يُقضى في الخطية هو يوم ضائع من العمر فالحياة الحقيقية هي الحياة مع المسيح “لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ” (في 1 : 21).

 

2- التأجيل خطر لأنه يضاعف عدد المشاكل التي لا يمكن حلها، فالله يغفر الخطية لأجل خاطر المسيح، ولكن آثارها السيئة تستمر في الجسد، لقد غفر المسيح خطية اللص وجدد قلبه، ولكنه لم ينزله من على الصليب ولم ينقذه من الموت الجسدي الذي كان عقاباً  عادلاً لخطاياه … وكم من أناس يؤجلون أمر خلاصهم فتفسد الخمر صحتهم، وتهد النجاسة أجسادهم، وتملأ المشاكل أيامهم.

 

3- التأجيل خطر لأنه من المحتمل أن تفقد النفس في أية لحظة الإقتناع بفظاعة الخطية إذ لا يعود الله يكلم الخاطىء بروحه القدوس، وكم من أشخاص قاوموا الروح القدس طويلاً حتى وصلوا إلى حالة قساوة القلب، ورفض التحذيرات مثل فرعون.

 

4- التأجيل خطر لأنك قد تموت قبل حلول الغد. قال داود “إِنَّ أَبَاكَ قَدْ عَلِمَ أَنِّي قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ، فَقَالَ: لاَ يَعْلَمْ يُونَاثَانُ هذَا لِئَلاَّ يَغْتَمَّ. وَلكِنْ حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ، وَحَيَّةٌ هِيَ نَفْسُكَ، إِنَّهُ كَخَطْوَةٍ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَوْتِ” (1 صم 20 : 3)

فربما قبل أن يأتي الغد، يتوقف قلبك ، وتُغلق شفتاك، وتمضي إلى القبر بلا مسيح.

 

5- التأجيل خطر لأن الرب يسوع  قد يأتي قبل الغد ففي ساعة لا تظنها سينتهي يوم النعمة ويبدأ يوم النقمة لأولئك الذين رفضوا خلاص الله.

 

ونضيف أن التأجيل يُضيع وقت خدام الله الأمناء، ويجعل الخاطىء مثلاً سيئاً للأخرين.

لذلك يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين “فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟ قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا” (عب 2 : 3).

 

ويقول الرب في سفر الأمثال “لأَنِّي دَعَوْتُ فَأَبَيْتُمْ، وَمَدَدْتُ يَدِي وَلَيْسَ مَنْ يُبَالِي، بَلْ رَفَضْتُمْ كُلَّ مَشُورَتِي، وَلَمْ تَرْضَوْا تَوْبِيخِي. فَأَنَا أَيْضًا أَضْحَكُ عِنْدَ بَلِيَّتِكُمْ. أَشْمَتُ عِنْدَ مَجِيءِ خَوْفِكُمْ. إِذَا جَاءَ خَوْفُكُمْ كَعَاصِفَةٍ، وَأَتَتْ بَلِيَّتُكُمْ كَالزَّوْبَعَةِ، إِذَا جَاءَتْ عَلَيْكُمْ شِدَّةٌ وَضِيقٌ. حِينَئِذٍ يَدْعُونَنِي فَلاَ أَسْتَجِيبُ. يُبَكِّرُونَ إِلَيَّ فَلاَ يَجِدُونَنِي” (أم 1 : 24 -28).

 

تحدث أحد المؤمنين مع صديقه قائلاً : عندي ثلاثة أسئلة أريدك أن تجيب عليها بصراحة! فوعده صديقه بذلك فقال :

السؤال الأول هو :هل تثق أن الله يقدر أن يخلصك ويطهرك بدم المسيح الكريم؟

أجاب : أنا واثق أنه يقدر.

فقال : السؤال الثاني هو : هل تثق أن الله يريد أن يخلصك؟

فأجاب : أنا أثق ان الله يريد أن يخلصني.

فقال : السؤال الثالث هو : هل تثق أن الله يقدر أن يخلصك الآن؟

بقي الصديق لحظة ساكتاً … وأخيراً قال : نعم إنه يقدر أن يخلصني الآن ….. وأحني ركبتيه وطلب الخلاص … ونال الخلاص.

 

فيا صديقي المحبوب : تعال إلى الرب الآن، وخذ منه راحة الغفران فهو الذي نادى الخطاة المتعبين من ثقل الخطية قائلاً “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت 11 : 28).

 

ماذا بعد الخلاص؟

بعد أن تنال خلاص االله، لا تتوانى عن أن تعتمد بالماء … إن خطوات الحياة المسيحية هي الصلب … والدفن … والقيامة مع المسيح والشخص الذي قبل المسيح المصلوب كمخلصه الشخصي يستطيع أن يقول “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2 : 20).

والشخص الذي إعتمد بالماء بالتغطيس يستطيع أن يقول «مع المسيح دفنت» إقرأ لبركة نفسك :
“أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ” (رو 6 : 3 -4).

“مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ” (كو 2 : 12).

وحين يخرج من ماء المعمودية يستطيع أن يقول «مع المسيح قمت» إقرأ :

“مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ” (كو 2 : 12).

فأسرع بعد تجديدك واعتمد بالماء، وثق أن فرحاً سماوياً سيملأ قلبك، وسروراً فياضاً سيغمر نفسك لأنك ستتحد بالمسيح في موته وقيامته.

واذكر أن المعمودية بعد الإيمان هي وصية الرب الصريحة إذ قال بفمه المبارك “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ” (مر 16 : 16).

عندما تجدد شاول الطرسوسي قال له حنانيا “وَالآنَ لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ دَاعِيًا بِاسْمِ الرَّبِّ” (أع 22 : 16).

وقام واعتمد “فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ” (أع 9 : 18).

فهل تفعل كما فعل ذلك الرسول العظيم؟ وهل تقدر أن تقول بحق «مع المسيح صلبت و دفنت و قمت ».

إحذر من أن ترفض حق الله بخصوص معمودية الماء، فهو حق كتابي ثمين وأذكر كلمات الرب يسوع ” أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا “ (يو 14 : 23).

 

الفصل الثالث

يقين الخلاص

 

هل يمكن لمن يؤمن إيماناً قلبياً بالرب يسوع المسيح أن يتيقن تماماً من نواله الخلاص وهو يعيش على هذه الأرض؟

يقيناً أن إمتياز كل مؤمن مولود من الله هو الحصول على يقين كامل ومعرفة أكيدة ترتفع فوق كل شك بأنه قد نال خلاص الله.

والشخص الذي يراوده الشك من جهة خلاصه لا يصلح البتة في خدمة الله، إذ كيف يمكن لمثل هذا الشخص أن يربح نفوساً للمسيح؟!

حين دعا الرب موسى قائلاً “فَالآنَ هَلُمَّ فَأُرْسِلُكَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَتُخْرِجُ شَعْبِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ” (خر 3 :10).

لم يرد موسى أن يذهب إلا بعد أن تيقن تماماً من دعوته إذ أجاب الرب قائلاً :

“فَأَجَابَ مُوسَى وَقَالَ: وَلكِنْ هَا هُمْ لاَ يُصَدِّقُونَنِي وَلاَ يَسْمَعُونَ لِقَوْلِي، بَلْ يَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ لَكَ الرَّبُّ” (خر 4 : 1).

وأعطاه الرب ثلاث آيات أكد له بها دعوته ثم قال له : “فَتُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ، وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَمَعَ فَمِهِ، وَأُعْلِمُكُمَا مَاذَا تَصْنَعَانِ” (خر 4 : 15).

وبهذا اليقين الشديد ذهب موسى ونجح في الخدمة التي أرسله الله إليها.

ولا يمكن أن يوجد شخص لم يتيقن خلاصه يرضى بأن يبذل من وقته وقلبه لعمل الله، ولقيادة الآخرين للصليب، فالشخص المثقل بالشك لا يستطيع أن يساعد الخطاة المثقلين بأعمال الخطية، ولذا فإن الله في محبته يريد أن كل شخص ينال بالميلاد الثاني ويدخل في أسرته ويخلص بنعمته يتأكد تماماً من نواله الخلاص وهو على هذه الأرض “كَتَبْتُ هذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلِكَيْ تُؤْمِنُوا بِاسْمِ ابْنِ اللهِ” ( 1يو 5 : 13)

 

ويشمل يقيننا كمؤمنين بالرب يسوع المسيح أربع دوائر هما :

 

الدائرة الأولى هي دائرة يقين مقامنا :

 

فنحن مخلصون “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ” (1 كو 1 : 18).

وقد غُفرت خطايانا “أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لأَنَّهُ قَدْ غُفِرَتْ لَكُمُ الْخَطَايَا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ” (1 يو 2 : 12).

وقد إغتسلنا “وَهكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ. لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا” (1 كو 6: 11).

وتقدسنا “وَهكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ. لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا” (1 كو 6: 11).

وتبررنا “وَهكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ. لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا” (1 كو 6: 11).

وصرنا أولاداً لله “اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ! مِنْ أَجْلِ هذَا لاَ يَعْرِفُنَا الْعَالَمُ، لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُهُ” (1 يو 3 : 1).

وأصبحنا مملوئين في المسيح “وَأَنْتُمْ مَمْلُوؤُونَ فِيهِ، الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ” (كو 2 : 10)

 

الدائرة الثانية هي دائرة يقين ما لنا :

 

فنحن لنا الفداء ” الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أف 1 : 7).

ولنا سلام مع الله “فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو 5 : 1).

ولنا حياة أبدية “لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 : 15)

ولنا الروح القدس “وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ” (1 كو 2 : 12).

ولنا كلمة الله “أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كَلاَمَكَ، وَالْعَالَمُ أَبْغَضَهُمْ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ، كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ” (يو 17 : 14).

ولنا رئيس كهنة “وَأَمَّا رَأْسُ الْكَلاَمِ فَهُوَ: أَنَّ لَنَا رَئِيسَ كَهَنَةٍ مِثْلَ هذَا، قَدْ جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ الْعَظَمَةِ فِي السَّمَاوَات” (عب 8 : 1).

ولنا شفيع عند الآب “وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا” (1 يو 2 : 2).

 

الدائرة الثالثة هي دائرة يقين علمنا :

 

فنحن نعلم أننا من الله “نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ اللهِ، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ” (1يو 5 : 19).

وأننا إنتقلنا من الموت إلى الحياة “نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ” (1يو 3 : 14).

وأننا من الحق “وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا مِنَ الْحَقِّ وَنُسَكِّنُ قُلُوبَنَا قُدَّامَهُ” (1 يو 3 : 19).

وأننا في المسيح “وَأَمَّا مَنْ حَفِظَ كَلِمَتَهُ، فَحَقًّا فِي هذَا قَدْ تَكَمَّلَتْ مَحَبَّةُ اللهِ. بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا فِيهِ” (1 يو 2 : 5).

وأن المسيح يثبت فينا “وَمَنْ يَحْفَظْ وَصَايَاهُ يَثْبُتْ فِيهِ وَهُوَ فِيهِ. وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِينَا: مِنَ الرُّوحِ الَّذِي أَعْطَانَا” (1 يو 3 : 24).

 

وأن لنا حياة أبدية “وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ” (1 يو 5 :11).
وأن لنا في السموات بناء من الله “لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ” (2 كو 5 : 1).

 

الدائرة الرابعة هي دائرة يقين مستقبلنا :

 

فنحن متيقنون أننا سنقوم حين يأتي الرب “لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا” ( 1 تس 4 : 16).

وأننا سنتغير “فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ” ( 1 كو 15 :52).

وأننا سنختطف ” ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ” ( 1تس 4 : 17).

وأننا سنراه “لَيْسَ كَمَا كَانَ قَايِينُ مِنَ الشِّرِّيرِ وَذَبَحَ أَخَاهُ. وَلِمَاذَا ذَبَحَهُ؟ لأَنَّ أَعْمَالَهُ كَانَتْ شِرِّيرَةً، وَأَعْمَالَ أَخِيهِ بَارَّةٌ” (1يو 3 :12).

وأننا سنكون مثله “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ” (1 يو 3 :2).

وأننا سنكون معه “ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ” (1 تس 4 : 17).

وأننا سنشبع برؤياه “أَمَّا أَنَا فَبِالْبِرِّ أَنْظُرُ وَجْهَكَ. أَشْبَعُ إِذَا اسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ” ( مز17 : 15).

 

وبغير شك أن جميع المؤمنين في كنائس العصر الرسولي قد إستمتعوا باليقين الكامل من جهة خلاصهم ولذا إستطاعوا أن يهتفوا مرددين كلمات الرسول بولس “فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو 5 : 1).

وكذلك إستمتع المؤمنون في العهد القديم على أساس إيمانهم بالمخلص الآتي بهذا اليقين.

فأيوب كان ممتلئاً باليقين من جهة خلاصه حتى قال “أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي (أي فاديّ ) حَيٌّ، وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ، وَبَعْدَ أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هذَا، وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ. الَّذِي أَرَاهُ أَنَا لِنَفْسِي، وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ وَلَيْسَ آخَرُ. إِلَى ذلِكَ تَتُوقُ كُلْيَتَايَ فِي جَوْفِي” (أي 19 : 25 -27).

 

وداود الملك إمتلأ بذات اليقين حتى هتف “كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا” (مز 103 : 12)

وإشعياء نال هذا اليقين حين قال له واحد من السرافيم “وَمَسَّ بِهَا فَمِي وَقَالَ: إِنَّ هذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ، فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ، وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ” (إش 6 : 7).

وبولس كان له اليقين البهيج حتى قال ” لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ” ( 2 كو 5 : 1)

 

ويوحنا فاض اليقين في قلبه فهتف مردداً “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ” ( 1يو 3 : 2).

وبطرس غمره نور اليقين فكتب قائلاً ” أَطْلُبُ إِلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ، أَنَا الشَّيْخَ رَفِيقَهُمْ، وَالشَّاهِدَ لآلاَمِ الْمَسِيحِ، وَشَرِيكَ الْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُعْلَنَ” (1 بط 5 :1).

 

والمؤمنون في كولوسي إستمتعوا بذات اليقين حتى كتب لهم الرسول بولس قائلاً “شَاكِرِينَ الآبَ الَّذِي أَهَّلَنَا لِشَرِكَةِ مِيرَاثِ الْقِدِّيسِينَ فِي النُّورِ، الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ” ( كو 1 : 12 -13).

واسطفانوس لمع وجهه بنور اليقين فهتف أمام مضطهديه قائلاً : “هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ” (أع 7 : 56).

 

إن يقين الخلاص هو القوة التي عضدت المؤمنين والشهداء في كنائس العصر الرسولي، ليقابلوا الموت، والإضطهاد ، والحرمان بفرح، ولا يعقل أن هؤلاء الأبطال العظام كان في داخلهم أقل شك من جهة خلاصهم، وذهابهم إلى السماء.

إذ ليس في مقدور من يراوده الشك من جهة خلاصه وذهابه إلى السماء أن يرضى بالموت والحرق بالنار، وتسليم جسده للوحوش المفترسة، وهو ليس متيقناً تماماً من جهة أبديته.

 

إن الشك في (يقين الخلاص) قد يأتي لبعض أولاد الله الأعزاء بسبب ظنهم أنهم ما زالوا عبيداً مع أن الرب له المجد يقول لتلاميذه “لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي” (يو 15 : 15).

وقد يأتي بسبب النظر إلى الذات، والنظر إلى الذات يملأ الإنسان بالحزن والكآبة …. قال قديس قديم «هناك ثلاث إتجاهات يمكنك أن تنظر إليها … إن أردت أن تكون تعساً أنظر داخلك، وإن أردت أن تكون حائراً أنظر حولك، وإن أردت أن تمتلىء سلاماً أنظر فوقك».

لقد نظر بطرس حوله، ولم ينظر إلى الرب فإبتدأ يغرق وقال له الرب “فَفِي الْحَالِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ” (مت 14 : 31).

لقد أمره الرب أن يأتي إليه، وكان يجب أن يثق تماماً في كلمته التي هي أقوى من الجرانيت، وأشد متانة من الحديد ولكنه حوّل عينيه عن مخلصه.

 

يقول إشعياء النبي “ذُو الرَّأْيِ الْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا، لأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ” (إش 26 : 3).

فلا تنظر إلى ذاتك (بل مكن عقلك في الرب ) “نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ” ( عب 12 :2).

وهناك سبب ثالث للشك هو الإرتداد ولذا يقول بطرس الرسول ” وَلِهذَا عَيْنِهِ وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً. لأَنَّ هذِهِ إِذَا كَانَتْ فِيكُمْ وَكَثُرَتْ، تُصَيِّرُكُمْ لاَ مُتَكَاسِلِينَ وَلاَ غَيْرَ مُثْمِرِينَ لِمَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. لأَنَّ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ هذِهِ، هُوَ أَعْمَى قَصِيرُ الْبَصَرِ، قَدْ نَسِيَ تَطْهِيرَ خَطَايَاهُ السَّالِفَةِ” (2 بط 1 : 5 -9).

 

أما السبب الأخير للشك فهو التعاليم غير الكتابية، فكم من رجال دين في مراكز كبرى يقولون لسامعيهم بكل جسارة إن أحداً لا يستطيع التيقن من خلاصه في هذه الحياة، وإن الإعتراف بنوال الخلاص هو غرور وكبرياء.

وهذا تعليم خطر يناقض تماماً كلمة الله النقية الصافية، ومع ذلك فقد خدع هذا التعليم الكثيرين. ولقد دخلت تعاليم غريبة من هذا الطراز إلى كنائس غلاطية حتى كتب لهم بولس بالروح القدس قائلاً “أَيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ، مَنْ رَقَاكُمْ حَتَّى لاَ تُذْعِنُوا لِلْحَقِّ؟ أَنْتُمُ الَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ مَصْلُوبًا” (غل 3 : 1).

“كُنْتُمْ تَسْعَوْنَ حَسَنًا. فَمَنْ صَدَّكُمْ حَتَّى لاَ تُطَاوِعُوا لِلْحَقِّ؟ هذِهِ الْمُطَاوَعَةُ لَيْسَتْ مِنَ الَّذِي دَعَاكُمْ. خَمِيرَةٌ صَغِيرَةٌ تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ” (غل 5 : 7 -9).

 

إن التعليم بأن المؤمنين المولودين من الله يجب أن (يعشموا ) في نوال الحياة الأبدية هو تعليم خطر يفقد النفس سلامها، فأنا لا (أتعشم) أن أكون (مصرياً) بل أنا أعلم أنني مصري بالولادة، ولا (أتعشم) أن أتزوج فقد تزوجت فعلاً، والأمور التي تمت وإنتهت يجب أن نتيقن منها تماماً، والمؤمن الذي قبل الرب يسوع المسيح يجب أن يتأكد بيقين كامل خلاصه الأبدي، فاليقين هو المستوى الصحيح لكل مؤمن بحسب تعليم كلمة الله.

 

والآن ماهي الأسس التي يبنى عليها المؤمن المولود من الله يقين خلاصه الأبدي؟

 

إن يقين الخلاص لا يُبنى على أساس الشعور الشخصي بالفرح، فالشعور يتغير، ولقد قال الرب له المجد في مثل الزارع، عن المزروع على الأماكن المحجرة، إنه يمثل الشخص “وَالْمَزْرُوعُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، وَحَالًا يَقْبَلُهَا بِفَرَحٍ، وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ إِلَى حِينٍ. فَإِذَا حَدَثَ ضِيقٌ أَوِ اضْطِهَادٌ مِنْ أَجْلِ الْكَلِمَةِ فَحَالًا يَعْثُرُ” (مت 13 : 20 -21).

 

فالفرح الوقتي الناجم عن سماع كلمة الله ليس هو أساس يقين الخلاص. بل أنه من الخطأ أن نعتمد على مشاعرنا المتقلبة في تأكيد حقيقة خلاصنا.

 

فما هي أسس يقين الخلاص إذن؟

 

أولاً : اليقين على أساس عمل المسيح الكامل لأجلنا:

 

كان العبراني حين يخطىء ينال الصفح بواسطة ذبيحة الخطية التي يقدمها، وهذا ما نقرأه في الكلمات “وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ مِنْ عَامَّةِ الأَرْضِ سَهْوًا، بِعَمَلِهِ وَاحِدَةً مِنْ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا، وَأَثِمَ، ثُمَّ أُعْلِمَ بِخَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا، يَأْتِي بِقُرْبَانِهِ عَنْزًا مِنَ الْمَعْزِ أُنْثَى صَحِيحَةً عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ. وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ، وَيَذْبَحُ ذَبِيحَةَ الْخَطِيَّةِ فِي مَوْضِعِ الْمُحْرَقَةِ. وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنْ دَمِهَا بِإِصْبَعِهِ وَيَجْعَلُ عَلَى قُرُونِ مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ، وَيَصُبُّ سَائِرَ دَمِهَا إِلَى أَسْفَلِ الْمَذْبَحِ. وَجَمِيعَ شَحْمِهَا يَنْزِعُهُ كَمَا نُزِعَ الشَّحْمُ عَنْ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ، وَيُوقِدُ الْكَاهِنُ عَلَى الْمَذْبَحِ رَائِحَةَ سَرُورٍ لِلرَّبِّ وَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ فَيُصْفَحُ عَنْهُ” (لا 4 : 27 -29)

 

فبمجرد أن يضع الخاطىء يده على رأس ذبيحة الخطية، وتذبح الذبيحة ويوضع من دمها على قرون مذبح المحرقة، ويحرق شحمها على المذبح (يصفح عن الخاطىء) ولو إنك قابلت أحد العبرانيين بعد تقديمه ذبيحة الخطية وسألته : هل أنت واثق أن الله قد صفح عنك وغفر خطيتك؟ لأجاب بيقين: أجل أنا واثق كل الثقة.
– وعلى أي أساس ؟
– على أساس موت ذبيحة الخطية عوضاً عني.

 

إن أجرة الخطية هي موت … وموت الخطية مزدوج نراه بصورة واضحة في ذبائح العهد القديم، فالذبح يعني الموت الجسدي للذبيحة، والحرق بالنار على المذبح، يعني الطرح في جهنم البحيرة المتقدة بالنار والكبريت.

 

ولكن المؤمن الذي قبل الرب يسوع المسيح كمن مات لأجله على الصليب قد نجا من دينونة الله نهائياً “إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ” (رو 8 : 1). وأساس نجاته هو ما عمله الرب يسوع لأجله على الصليب.

 

حين كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود جاء يسوع بعد قيامته ووقف في الوسط وقال لهم “وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ! وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ” (يو 20 : 19 -20).

فأساس يقيننا وسلامنا هو فيما عمله المسيح لأجلنا ” أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ” فموت المسيح قد سدد مطاليب الله من كل جهة.

 

فهل يمكن أن يطالبنا الله بتسديد دين الخطية الذي سدده عنا الرب يسوع؟ وإذا كان المسيح له المجد قد حمل خطاياي في جسده على الخشبة فهل يمكن أن يُحاسبني الله مرة ثانية على تلك الخطايا؟

 

عندما كان شعب الله القديم في أرض مصر قال لهم الرب ” فَإِنِّي أَجْتَازُ فِي أَرْضِ مِصْرَ هذِهِ اللَّيْلَةَ، وَأَضْرِبُ كُلَّ بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ. وَأَصْنَعُ أَحْكَامًا بِكُلِّ آلِهَةِ الْمِصْرِيِّينَ. أَنَا الرَّبُّ. وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ حِينَ أَضْرِبُ أَرْضَ مِصْرَ” (خر 12 : 12 -13).

كان لا بدّ من أن تقع الضربة على الأبكار، ولكن أبكار شعب الله القديم كانوا في أمان كامل … كانوا في يقين تام من جهة خلاصهم من ضربة الهلاك.

 

فعلى أي أساس ملأهم هذا اليقين البهيج؟

 

على أساس الدم المسفوك الموضوع على العتبة العليا والقائمتين.
وتعال معي لندخل بيتاً من بيوت شعب الله … إننا نرى علامات الإطمئنان والفرح والسلام تغمر وجوه أفراد الأسرة … وكلهم أحذيتهم في أرجلهم وعصيهم في أيديهم وهم يأكلون من لحم خروف الفصح، دعنا نسألهم : ما سر فرحكم وإطمئنانكم وسلامكم؟

 

إنهم يجيبون وعيونهم تلمع بنور الرجاء : هذه ليلة حريتنا … إننا سنخرج من بيت العبودية إلى الأبد.
ونسألهم للمرة الثانية: ولكن، ألا تعلمون أن الرب سيجتاز الليلة ليضرب كل بكر في أرض مصر؟

ويجيبون قائلين : أجل نعلم هذا، ولكن بكرنا لن يصاب بسوء لأن الذبيحة قد ماتت عوضاً عنه … ونحن قد وضعنا الدم على العتبة العليا والقائمتين حسب أمر إلهنا، وهو قد قال لنا “وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ حِينَ أَضْرِبُ أَرْضَ مِصْرَ” (خر 12 : 13 ).

إن (الدم ) هو أساس فرحنا ويقيننا. وشكراً لله إلى الأبد، لأننا نثق في قدرة دم المسيح المسفوك لأجلنا، ونعلم أننا في أمان كامل تماماً كما كان العبرانيون قديماً في بيوتهم في مصر بعد أن وضعوا الدم كما أوصاهم الله ” لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ” (2 كو 5 : 21).

 

منذ عدة سنين تجددت فتاة إسمها (فيبي) في إجتماع من إجتماعاتنا وبعد تجديدها ملأها الشيطان بالشك في أمر خلاصها، والشيطان دائماً يعمل ثلاثة أشياء :

 

فهو أولاً يعبىء كل جنوده لإبعادنا عن المسيح، وإذا فشل فهو يعبىء قواه لإلقائنا في (قصر الشك الرهيب) وإذا رأى فينا يقيناً مشرقاً، وشهادة لامعة لفادينا فهو يحاول عندئذ أن يشوه سمعتنا، ويكذب شهادتنا.

ذهبت إلى (فيبي) فوجدتها تبكي، لقد ظنت أن الرب قد أخذ خلاصه منها بعد أن وهبه لها مع أن ” لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ” (رو 11 : 29).

وعندئذ أريتها ما عمله الرب لأجلها وقرأت لها من كلمة الرب هذه الآية المباركة ” كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا” (إش 53 : 6). ولما وثقت فيما عمله الرب لأجلها، وكيف حمل هو نفسه خطاياها في جسده على الصليب، أشرق وجهها بالفرح، وإلى اليوم ما زالت مبتهجة بخلاصها.

 

فهل قبلت المسيح كمخلصك الشخصي؟ وهل لك اليقين الكامل على أساس ما عمله الرب لأجلك على الصليب؟

 

ثانياً : اليقين على أساس كلمة الله الثابتة :

 

كتب بطرس الرسول قائلاً : ” لأَنَّ كُلَّ جَسَدٍ كَعُشْبٍ، وَكُلَّ مَجْدِ إِنْسَانٍ كَزَهْرِ عُشْبٍ. الْعُشْبُ يَبِسَ وَزَهْرُهُ سَقَطَ، وَأَمَّا كَلِمَةُ الرَّبِّ فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ. وَهذِهِ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي بُشِّرْتُمْ بِهَا” (1 بط 1 : 24 – 25).

تعال معي لندخل مرة ثانية أحد بيوت العبرانيين القدماء ونسأل البكر هذا السؤال :

هل أنت متيقن من نجاتك من الملاك المهلك ومتأكد تماماً من خلاصك من الموت هذه الليلة؟

إسمعه وهو يجيب : أجل أنا واثق تماماً من خلاصي ونجاتي؟
– وعلى أي أساس؟
– على أساس كلمة الله، لقد وعد ” وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ حِينَ أَضْرِبُ أَرْضَ مِصْرَ” (خر 12 : 13 ). وهو صادق في وعده.
– ولكن ألا يعتريك الخوف؟
– الخوف … كلا أنا لست خائفاً لأنني أثق في كلمة الله وأصدق وعد الله.

 

وكل مؤمن يثق في كلمة الله لا بدّ أن يتيقن خلاصه الأبدي، ولكن عدم تصديق كلمة الله يعني إننا نجعل الله (كاذباً) أما تصديق كلمة الله فتعني إيماننا الصحيح بالله.

إصغ إلى كلمات يوحنا الحبيب وهو يقول “إِنْ كُنَّا نَقْبَلُ شَهَادَةَ النَّاسِ، فَشَهَادَةُ اللهِ أَعْظَمُ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ شَهَادَةُ اللهِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا عَنِ ابْنِهِ. مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. مَنْ لاَ يُصَدِّقُ اللهَ، فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا اللهُ عَنِ ابْنِهِ. وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ. مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ” (1 يو 5 : 9 – 12).

 

فهل تصدق شهادة الله عن ابنه؟ هل قبلت ابن الله في قلبك؟ في الإصحاح الخامس من إنجيل يوحنا نقرأ كلمات ربنا القائلة “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ” (يو 5 : 24) وهذه الآية تحوي خمس حقائق.

 

الحقيقة الأولى : حقيقة السماع، والسماع ضروري للإيمان “فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ” (رو 10 : 14).

الحقيقة الثانية : حقيقة الإيمان، والإيمان ضروري للخلاص “آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ” (أع 16 : 31).

الحقيقة الثالثة : حقيقة إمتلاك الحياة الأبدية ” فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ”

الحقيقة الرابعة : حقيقة النجاة من الدينونة ” وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ”.

الحقيقة الخامسة : حقيقة الإنتقال من الموت إلى الحياة ” بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ”.

فالمؤمن المولود من الله إنتقل نهائياً من الموت إلى الحياة، ولا يمكن أن يعود للموت مرة أخرى، لأن له حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة .

 

فهل تضع يقينك على أساس أحاسيسك ومشاعرك المتقلبة التي تتغير، بالفرح والحزن، وتؤثر فيها تجارب الحياة ومفاجآتها، أم تضع يقينك على أساس مواعيد الله الثابتة؟

إذا نال أحدهم (ليسانس في الآداب) وسألته : هل تحمل ليسانس الآداب؟ وأجابك : نعم.
فقلت له : أين هو الدليل على نوالك هذه الشهادة العليا؟ فأجابك : إنني أشعر بفرح وهذا دليل على أنني حصلت على الليسانس.

ألا تضحك من قلبك على مثل هذه الإجابة؟

إن الدليل القوي الثابت : هو الشهادة ذاتها … هو الكلمة المكتوبة … ويقين خلاص المؤمن المولود من الله مبني على أساس كلمة الله لا على أساس الشعور والإحساس.

 

حدثنا دكتور إيرنسيد الواعظ والمؤلف الأمريكي المشهور بهذه القصة الواقعية قال :
«منذ سنوات كنت أعقد سلسلة إجتماعات خاصة بالكنيسة المعمدانية بلوس جاتوس بكاليفورنيا، وكانت رسالة أول أحد في الصباح آية :

“أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهاَ: كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا. وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ” (يو 4 : 13 – 14).

 

وإسترعت إنتباهي فتاة شاحبة الوجه، سوداء العينين تجلس في المقعد الأول، وكانت تصغي للرسالة في شوق، وبعد الخدمة سألت راعي الكنيسة : من هذه الفتاة ذات الوجه المريض الجميل التي كانت تجلس في المقعد الأول؟.

أجاب : « إنها فتاة مهذبة، ولكنها منذ سنوات مضت ، ألقت بالمسيحية جانباً، وسارت في سيرة عالمية، محاولة أن تجد الشبع والسلام في مباهج العالم الحاضر، مع أنها تربت في بيت مسيحي، ولكنها منذ خمسة شهور أصيبت بنوع شديد من السل الرئوي، ولم يبق أمامها سوى زمن قصير للحياة على هذه الأرض، إنها تفقد قواها يوماً بعد الآخر، وقد قال الطبيب إنها ستنتهي قريباً، وهي الآن فتاة تعسة فقدت سعادتها.

صليت من أجلها … وكنت أتطلع كل ليلة بين الجمهور وأنا أرجو أن أراها وقد جاءت لتسمع رسالة الإنجيل ولكنني لم أرها … وبعد ثلاثة أسابيع إتصلت بي سيدة وقالت : هل تذكر أنك قابلت مس هـــــ ؟ فتذكرت أنها الفتاة المريضة، واستطردت محدثتي تقول إنها مريضة جداً، والسل يقربها من الموت، وقد إستمعت لك في أول خدمة قمت بها هنا، وكانت ترغب أن تستمر في سماعك لولا ضعفها الشديد، وقد أرسلت تدعوك لزيارتها »

 

ذهبت معها على الفور، ورأيت الفتاة المسكينة في غرفتها، وقد إعتذرت لنا لأنها لم تقو على الوقوف لمصافحتنا، قلت لها : إنني سعيد لأنك أرسلتِ تطلبينني.

قالت : «دكتور إيرنسيد، لقد أخبرني الطبيب بالأمس أن كل مدتي في الحياة هي ثلاثة أسابيع، وأنا لم أنل الخلاص، وأريد أن أعرف المسيح، فهل تظن أنه يقبل فتاة مثلي رفضته بمحض إختيارها لما كانت في ملء الصحة. ونريد أن تعود إليه بعد أن حطمها المرض تماماً؟ هل تعتقد أن هناك أي رجاء لي؟ … إن نظرة الإنسان تتغير للحياة عندما يعلم أنه ليس أمامه سوى ثلاثة أسابيع ليعيشها على الأرض … إن إهماله عندئذ يذوب عندما يذكر أنه سيقابل الله.

أجبتها : «لقد سمعت أنك تمتعت بكثير من مباهج الحياة وأن العالم قد قدرك كل التقدير».
قالت بسرعة :«أرجوك، لا تذكر هذا الآن، إنني بعت نفسي في سبيل الشهرة العالمية، لقد ظننت أنني سأجد في ذلك السعادة والفرح، ولكن العالم لم يعطني سلاماً، ولا شبعاً، وها أنذا أواجه الأبدية، ليس أمامي إلا ثلاثة أسابيع ثم أقابل الله لأعطي حساباً عن نفسي والشيء المخيف هو أنني لم أنل الخلاص».

 

كانت فرصة مليئة بالفرح لنفسي، وأنا أشرح لهذه الفتاة كيف أن الرب يسوع المبارك قد ترك السماء وأمجادها وجاء إلى الأرض ثم ذهب إلى الجلجثة إلى أعماق اللعنة لكي يفديها، وكيف أنها لو وثقت فيه بقلبها وإعترفت بذنبها له، فإنه سيمحو كل خطاياها الماضية، وقدتها إلى الآية الموجودة في “اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ” (يو 3 : 18).

ثم سألتها : هل تؤمنين أن يسوع المسيح هو ابن الله؟ أجابت : نعم
سألتها : هل تؤمنين أن الله الآب أرسله إلى العالم ليموت لأجل الخطاة؟ أجابت : نعم هذا موجود في الكتاب المقدس وأنا أؤمن به .

سألتها : هل تؤمنين أنه كان يعنيك أنت بالذات عندما قال “كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا “ (يو 6 : 37).
أجابت: إن هذه الآية تعني كل إنسان أليس كذلك ؟ قلت : نعم ” لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 : 16).

قلت لها : هل عبارة (كل من) تعنيك أنت أيضاً ؟ قالت : نعم إنها تعنيني بلا شك

قلت لها : إذن أخبريني ماذا يقول الرب يسوع عنك ؟ تأملي في ” اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ” (يو 3 : 18).

 

ولا حظي أنه لا يوجد سوى فريقين من الناس، الفريق الأول هو (الذي يؤمن به) والفريق الثاني هو (الذي لا يؤمن به) ولاحظي أنه يوجد نتيجة لكل من الفريقين، فعن الفريق الأول قال (الذي يؤمن به لا يدان).

وعن الفريق الثاني يقول (والذي لا يؤمن قد دين) والآن قبل أن أسألك من أي الفريقين أنتِ دعينا نركع ونصلي … لم يكن في مقدورها الركوع، ولكني ركعت مع صديقتها وصلينا، وطلبنا من الله أن يفتح أمامها الكلمة المقدسة بالروح القدس، وأن يجعلها تقبلها بقوة في قلبها.

 

قمنا من الصلاة ثم قلت لها : إقرئي الآية ثانية، هل لا حظت الفريقين … من أي فريق أنتِ؟ سكتت مدة طويلة بينما كنا نصلي، وبعدها رفعت عينيها إلى فوق ولمعت الدموع في هاتين العينين الجميلتين وقالت : إنني من الفريق الأول، فقلت لها : كيف عرفتِ ذلك؟ قالت : لإنني أؤمن بالرب يسوع … والآية لا تقول إنه سيرفضني لأنني جئت متأخرة … كلا … لقد أتيت وأنا أؤمن به من قلبي ، فقلت : وماذا لك بعد ذلك؟ فتأملت الآية ثم همست (لا أدان) سألتها : هل هذا يكفيك كأساس لمقابلة الله؟ أجابت ( نعم . لن أُدان).

 

كانت على بعد ثلاثة أسابيع من الأبدية ولكنها إستراحت على كلمة الله! وقد رأيتها مرتين بعد ذلك، وإنتهت إجتماعاتي، وبعد خمسة أسابيع قابلت الراعي المعمداني في الطريق فقال لي : «هل تذكر مس هـ ؟ وهل تعلم أنه بعد أن قدتها للرب بثلاثة أسابيع، دعوني إلى جوار فراشها وهي تحتضر » سألتها : هل تسمعيني ؟ أجابت : نعم قلت : هل تؤمنين بالرب يسوع كمخلصك الشخصي ؟ أجابت : نعم . قلت لها : وماذا قال عنك ؟ وهمست : (لن أُدان ) ثم استطردت قائلة : إذا قابلت دكتور إيرنسيد قل له إنني لن أُدان وكل شيء جميل. وانطلقت بعد ذلك إلى المجد.

 

هذه قصة حقيقية لفتاة وثقت في كلمة الله وهي في أيامها الأخيرة على الأرض، وتيقنت على أساس وعد الرب الصريح من خلاصها الأبدي وذهبت للسماء.

 

يحتفظ لنا التاريخ الإنجليزي بإختبار فريد في حياة الملكة فيكتوريا فقد كانت الملكة تُصلي ذات يوم في إحدى كنائس لندن، وبعد سماع الرسالة سألت راعي الكنيسة : «هل يمكن لمن يؤمن إيماناً قلبياً بالرب يسوع المسيح أن يتيقن تماماً من خلاصه الأبدي وهو على هذه الأرض؟» وأجابها الراعي : إنه لا يعرف بحسب دراسته كيف يمكن للإنسان أن يتأكد تماماً من خلاصه الأبدي وأن على الإنسان أن ينتظر حتى يقف أمام الله … ولما ظهر هذا الحديث في النشرة الملكية قرأه رجل إسمه ( يوحنا تونسند) كان كإستفانوس مملوءاً من الروح القدس، وبعد صلوات وتأملات كثيرة كتب ( يوحنا تونسند) للملكة ( فيكتوريا) خطاباً هذا نصه :

«إلى جلالة ملكتنا المعظمة فيكتوريا من أحد رعاياها المخلصين :
بيدين مرتجفتين، ولكن بقلب مفعم بالمحبة، أكتب إليكِ هذا الخطاب لأنني واثق وموقن أننا نقدر أن نتأكد تماماً في هذه الحياة من خلاصنا الأبدي، وذهابنا لذلك المكان الذي أعده الرب يسوع لأجلنا في بيت الآب ….. إنني أرجو من جلالتك أن تقرأين هذه الأجزاء الثمينة من كلمة الله :

“لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 : 16)
“لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ. لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ” (رو 10 : 9 -10)

 

وستجدين أن هذه الآيات تؤكد لنا الخلاص التام بالإيمان بالمسيح يسوع للذين يؤمنون بعمله الفدائي الكامل، ويقبلونه كالمخلص الذي مات لأجلهم على الصليب.
من خادمك لأجل المسيح يوحنا تونسند».

 

وبعد أن أرسل الرجل التقي هذه الخطاب للملكة فيكتوريا، صلى مع بعض أصدقائه من أجل هذا الموضوع الخطير، وبعد حوالي أسبوعين تسلم خطاباً من الملكة فيكتوريا به الرد التالي:

 

«إلى الأخ يوحنا تونسند :

وصلني خطابك المبارك، ورداً عليه أبلغك إنني قرأت بإمعان وصلاة الأعداد التي لفتَّ نظري إليها، وقد قادتني إلى الإيمان الحق بعمل المسيح الكفاري لأجلي على الصليب، وأثق أنني سأقابلك بنعمته في ذلك المنزل الذي أعده لنا.
فيكتوريا ».

 

فهل تثق في كلمة الله الثابتة وتتأكد من خلاصك؟ لقد قال الرب يسوع المسيح “كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا” (يو 6 : 37) فهل أقبلت إليه؟

 

وقال أيضاً “أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى” (يو 10 : 9) فهل دخلت من باب الخلاص الوحيد وتيقنت خلاصك؟.

 

كتب يوحنا الحبيب في الإصحاح العشرين من بشارته قائلاً : “وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ” (يو 20 : 30 -31). فهل آمنت بأن المسيح هو ابن الله الذي حمل خطاياك وامتلكت الحياة الأبدية ؟

 

تعال معي لنقابل المرأة الخاطئة التي دخلت إلى بيت سمعان، تأملها وهي داخلة ترى الدموع في عينيها، والكآبة تغطي وجهها، وتأملها وهي خارجة بعد مقابلة الرب تجد في عينيها فرح الرجاء، وعلى وجهها سلام الغفران.

تعال نسألها : هل أنتِ متيقنة من نوالك الخلاص يا إمرأة؟
نعم بكل يقين.

 

على أي أساس تبنين يقين خلاصك … هل على أساس شعورك بالفرح ؟، أو على أساس كلمة الرب لكِ؟

 

إنني أبني يقين خلاصي على أساس كلمة الرب لي … إنه قال “مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ. فَابْتَدَأَ الْمُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: مَنْ هذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضًا؟ فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ” (لو 7 : 48 و 50). وقد تجددت في لحظة في طرفة عين … وأنا أثق تماماً في كلمته. وهذه الثقة هي سر فرحي وسلامي ويقين خلاصي.

فلا تعتمد على شعورك يا صديقي القارىء، بل ثق تماماً في صدق كلمة الله.

 

ثالثاً : اليقين على أساس شهادة الروح القدس:

 

يقرر بولس الرسول هذه الحقيقة في رسالته إلى أهل رومية قائلاً : “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذلِكَ لَيْسَ لَهُ ( أي ليس للمسيح ) … وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ … لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا الآبُ. اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ” (رو 8 : 9 و 11 و 14 – 16).

 

ويقرر ذات الحقيقة يوحنا الرسول قائلاً : “وَمَنْ يَحْفَظْ وَصَايَاهُ يَثْبُتْ فِيهِ وَهُوَ فِيهِ. وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِينَا: مِنَ الرُّوحِ الَّذِي أَعْطَانَا” ( 1 يو 3 : 24)

“بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ” (1 يو 4 : 13).

 

فبمجرد أن يولد الإنسان ميلاداً ثانياً يسكن الروح القدس فيه ويشهد لروحه أنه صار ابناً لله “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ” (1 كو 3 : 16).

 

وهناك محك كتابي يُريك إن كان الروح القدس يسكن فيك أم لا ، تجده في رسالة غلاطية الإصحاح الخامس إذ يقول بولس الرسول “وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ” (غل 5 : 22 -23).

 

فإذا كان فيك ثمر الروح فلا شك أن الروح يسكن فيك، فهل لك محبة وفرح وسلام مع الله؟ وهل لك طول أناة ولطف وصلاح مع الناس؟ وهل لك إيمان ووداعة وتعفف في حياتك الشخصية؟ إذن فروح الله في قلبك يشهد لروحك أنك أحد أولاد الله. إنك لا تستطيع أن تحصل على ثمر الروح بدون الروح القدس، كما أنك لا تستطيع الحصول على ثمرة البرتقال ما لم تكن هناك شجرة برتقال. وقد قال لنا ربنا المبارك “فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ” (مت 7 :20) ومن الثمر تعرف الشجرة.

 

فهل يسكن فيك روح الله؟ وهل يشهد لروحك؟ قد تقوم بكل الفرائض الكنسية، ولكن ما لم تولد من الروح ويسكن الروح في قلبك فأنت هالك ومسكين.

أذكر كلمات بولس الرسول ” لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ” (رو 8 : 14) فكما يقود الضابط الجندي، وكما يقود الأستاذ الطالب، وكما يقود الدليل السائح كذلك الروح القدس يقود كل مؤمن حقيقي قيادة صريحة واضحة.

 

رابعاً : اليقين على أساس الحياة المتجددة :

 

يقول بولس الرسول : “إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا” (2 كو 5 : 17).

 

ويقول يوحنا الرسول “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ: مَنْ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ، كَمَا أَنَّ ذَاكَ بَارٌّ. مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ فَهُوَ مِنْ إِبْلِيسَ، لأَنَّ إِبْلِيسَ مِنَ الْبَدْءِ يُخْطِئُ. لأَجْلِ هذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ. كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ” (1 يو 3 : 7 -9).

إن الحياة الجديدة التي زرعها الله فيك بالإيمان بالمسيح يسوع، هي دليل قاطع على نوالك خلاص الله … فقبل التجديد لم تكن تحب الكتاب المقدس، ولم تكن تدرسه بإهتمام، أما بعد التجديد فإنك تحب الكتاب المقدس، وتتلذذ بدراسته، وتبحث فيه عن الحق لتتبعه، وتطيع كلمة الله وحدها.

 

قبل التجديد كنت تعتقد أنك لا تستطيع أن تعيش بدون التمتع ببعض الملذات العالمية، كانت لذتك في الملاهي، وسماع الأغاني المبتذلة، وقراءة الروايات العاطلة.

أما بعد التجديد فيالغرابة ما حدث لك، لقد تغيرت عواطفك ورغباتك فصرت تكره ما كنت تحب، وتحب ما كنت تكره … لقد صارت لذتك في الترنيم، وإجتماعات الصلاة، وخدمة الرب.

 

قبل التجديد كان أصدقاؤك شرذمة من الأشخاص العالميين، السكريين، الكاذبين، النجسين، كان بيتك مكاناً مختاراً للرقص وحفلات الكوكتيل.
أما بعد التجديد فصار الأمر متغيراً تماماً إذ أصبح شعارك “فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ” (مز 122 : 1).

 

قبل التجديد كنت تعتمد على ديانة وراثية لا حياة فيها، وتطيع وصايا وتقاليد وتعاليم الناس، أما بعد التجديد فإن شعارك هو كلمات صاحب المزمور “تَفَكَّرْتُ فِي طُرُقِي، وَرَدَدْتُ قَدَمَيَّ إِلَى شَهَادَاتِكَ. أَسْرَعْتُ وَلَمْ أَتَوَانَ لِحِفْظِ وَصَايَاكَ” (مز 119 : 59 -60).

إن الحياة المتجددة هي أساس متين ليقين الخلاص.

ذكر القس جون ما كبيث أحد الواعظين في مؤتمر كزك إختباره قال « إنني سمعت واعظاً وأنا في الثانية عشرة من عمري يقول : إنه إذا لم تتذكر السنة والشهر واليوم والساعة التي تجددت فيها فأنت لم تتجدد بعد».

إمتلأت بالشك من جهة تجديدي لأني لم أكن أذكر يوم تجديدي بالتحديد، ولكن الرب قادني إلى إجتماع (تشارلس هادون سبرجن) ذلك الراعي المعمداني العظيم، وسمعت أمير الواعظين يقول : «إن البعض يظنون أنه يجب أن يعرف الشخص المتجدد اليوم والسنة والساعة التي ولد فيها ولادة ثانية وإلا يحسب أنه لم يحصل على هذه البركة.

 

وأنا أسألكم يا من تسمعونني اليوم : هل كل واحد منكم يذكر تاريخ ميلاده الجسدي؟ من لا يتذكر تاريخ ميلاده فليتفضل يرفع يده … ورفع الكثيرون أيديهم واستطرد الواعظ العظيم قائلاً :إذاً أنتم لم تولدوا بالجسد على الأرض لأنكم لا تذكرون متى ولدتم! فهل هذا معقول؟ … إنه ليس معقولاً … والدليل على حقيقة ميلادكم أنكم حاصلون على الحياة، وأنكم هنا في هذا الإجتماع اليوم، وتابع اسبرجن حديثه فقال: إن كثيرين من الذين نشأوا في عائلات مسيحية لا يعرفون متى ولدوا الميلاد الثاني، لكن حياتهم المتجددة ومحبتهم للرب أعظم برهان على أنهم ولدوا من الله … ».

 

ويقول (جون ما كبيث) «عندما سمعت كلمات سبرجن خرجت وأنا أحمد الله وأشكره، لأني كنت لا أذكر يوم ميلادي الثاني ولكنني كنت واثقاً من حياتي المتجددة، وبهذا تيقنت من نوالي خلاص الله».

 

فهل أنت متيقن من تجديدك يا قارئي الحبيب ؟

 

حدث أن رجلاً وثنياً في بلاد الصين مرض فذهب إلى مدينة (أموي) ليعالج في المستشفى على يد طبيب أمريكي، وفي مدة إقامته هناك كان يسمع التبشير بالإنجيل كل يوم، وقد عملت فيه كلمة الرب حتى آمن بالرب يسوع المسيح، وإقتنع المسيحيون بأنه لم يشف من مرضه الجسدي فقط بل من مرضه الروحي أيضاً. وحينما رجع إلى بيته تعجبت إمراته الوثنية من التغيير الذي حدث له، واعتقدت بأن عقله قد اختل وقالت لجيرانها أن زوجها مع أنه شفي من مرض جسده فقد خسر عقله، وأن هناك ثلاثة براهين على جنونه:

 

البرهان الأول:  هو أنه قبل ذهابه إلى المستشفى كان يضربها ويشتمها ويعتدي عليها ويصيح بأعلى صوته، ولكنه الآن كفَّ عن ذلك وصار يفرح بكل شيء تعمله، وهو لا يشتمها البتة ولا يضربها بل يعاملها باللطف والحنو والمحبة … لقد إختفت كل تصرفاته القديمة، ولسبب هذا التغيير الكلي فيه إعتقدت أنه قد إختل عقله.

 

البرهان الثاني :  هو أنه لم يكن محباً لدرس الكتب قبل ذهابه للمستشفى، ولكنه صار بعد رجوعه يحب مطالعة الكتب على إنفراد، ويصرف وقتاً خاصاً طويلاً كل يوم في قراءة كتاب واحد يسميه الكتاب المقدس، وبعد ذلك يرتل بصوت منخفض، ثم يركع على الأرض ويتكلم مع شخص لا أقدر أن أراه، وهكذا تحققت أنه قد جن.

 

البرهان الثالث : وهو البرهان القاطع الأعظم عندها، هو أنها رأته بعد رجوعه إلى بيته، جائلاً في البيت ومفتشاً على جميع الآلهة والأصنام التي كان يتعبد لها، وقد جمعها ووضعها كلها في كيس ولما رأته يفعل ذلك فرحت جداً لأنها ظنت أنه سيأخذها ليطليها بالذهب علامة شكره لها لأجل شفائه من مرضه، ولكنها تعجبت جداً عندما رأته يضع كيس الأصنام على كتفه وينزل به إلى قاربه في النهر، ويبتعد عن الشاطىءإلى العمق ثم يرمي بالكيس والأصنام في النهر، وهكذا غرقت ولم تظهر فيما بعد …وقد قالت السيدة لجيرانها «كيف يمكن لإنسان أن يعامل آلهته هكذا إن لم يكن مجنوناً ؟ وكيف يمكن أن إنساناً يعبد أصناماً زماناً طويلاً ثم يرميها في النهر إن لم يكن قد فقد عقله».

 

فيا صديقي القارىء الحبيب، هل تغيرت حياتك عن ذي قبل، وألقيت بأصنامك بعيداً عنك؟ إن يوحنا الرسول يختم رسالته بالكلمات “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الأَصْنَامِ” (1 يو 5 : 21) .

 

فهل حياتك متجددة، لقد كتب الرسول بولس للكنيسة في كورنثوس يقول :

“جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ فِيكُمْ، إِنْ لَمْ تَكُونُوا مَرْفُوضِينَ” (2 كو 13 : 5).

 

فإمتحن ديانتك، ضعها على محك التجربة، فهذا هو الطريق الذي به تتيقن خلاصك … هل تستطيع أن تغفر الإساءة، أو تتحمل الإهانة كما تحملها المسيح؟ هل يمكن أن تُلام لأنك عملت الخير ولا تتذمر؟ هل يمكن أن تُدان ظلماً ، ويساء فهمك وتحتفظ مع ذلك بروح كروح المسيح؟

إن كانت حياتك كذلك فقد صرت خليقة جديدة في المسيح وينبغي أن نتيقن خلاصك الأبدي.

 

خامساً : اليقين على أساس المحبة للإخوة :

 

سجل يوحنا البشير في بشارته ما عمله المسيح لأجلنا على الصليب، وسجل في رسالته ما يعمله المسيح لنا في السماء كشفيع، وتتميز رسالة يوحنا باليقين، وقد قمت مؤخراً بدراسة هذه الرسالة الثمينة ووجدت أنها تحوي كلمة (نعرف ونعلم وتعلمون) حوالي عشرين مرة في أصحاحاتها الخمسة.

ففي الإصحاح الثالث يقول “وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ” (1 يو 3 : 5) إذن فليس ماعملته أنا هو الذي يخلصني، بل ما عمله هو، وابن الله المبارك رفع خطايانا كما قال عنه يوحنا المعمدان “وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ” (يو 1 : 29).

 

وفي العدد التاسع عشر من ذات الإصحاح يقول “وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا مِنَ الْحَقِّ وَنُسَكِّنُ قُلُوبَنَا قُدَّامَهُ” (1 يو3 : 19) نحن نعرف أننا من الحق، وإذا كان الحق يحررنا، فنحن أحرار فعلاً “فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا” (يو 8 : 36).

 

ولكننا نأتي إلى قلب الإصحاح الثالث حين نصل إلى الكلمات ” نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ” ( 1يو 3 : 14).

إن الشخص غير المتجدد لا يحب المتجددين الأنقياء، ولا يهتم أن يكون في صحبتهم ” مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ” (1 يو 3 : 14) وما دليل محبتنا للإخوة؟ يقول يوحنا الرسول الحبيب:

” بِهذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، فَنَحْنُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَةِ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ لَهُ مَعِيشَةُ الْعَالَمِ، وَنَظَرَ أَخَاهُ مُحْتَاجًا، وَأَغْلَقَ أَحْشَاءَهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَحَبَّةُ اللهِ فِيهِ؟ يَا أَوْلاَدِي، لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ!وَبِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا مِنَ الْحَقِّ وَنُسَكِّنُ قُلُوبَنَا قُدَّامَهُ” (1 يو 3 : 16 -19).

لقد سرى تيار الحب الأخوي في قلوب أعضاء الكنيسة المحلية في أورشليم حتى أننا نقرا عنهم الكلمات ” وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُول أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ، فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ” ( أع 4 : 32 – 35).

 

فهل رأيت ماذا تستطيع المحبة الأخوية أن تفعل ؟

 

تعال معي لتسمع أغنية المحبة ينشدها بولس الرسول في الإصحاح الثالث عشر من رسالته إلى الكنيسة في كورنثوس فيقول ” الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّوءَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا. وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ” ( 1 كو 13 : 4 -8)

فهل تحب الإخوة؟ إذن إهتف مع يوحنا في يقين كامل قائلاً : “نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ” ( 1يو 3 : 14). وأعلم أنه في المجد الأسنى، ستبقى المحبة في عظمتها الرائعة سائدة في ظلال الأبدية السعيدة.

 

والآن ينبغي أن نختتم حديثنا بكلمة عن بركات يقين الخلاص.

 

وأول بركة من بركات اليقين هي بركة الفرح :

 

إن المؤمن لا يمكن أن يفرح فرحاً حقيقياً في الرب إلا إذا تيقن خلاصه الأبدي، والفرح في ذاته قوة للشهادة وللخدمة ولذا قال نحميا للعاملين معه ” اذْهَبُوا كُلُوا السَّمِينَ، وَاشْرَبُوا الْحُلْوَ، وَابْعَثُوا أَنْصِبَةً لِمَنْ لَمْ يُعَدَّ لَهُ، لأَنَّ الْيَوْمَ إِنَّمَا هُوَ مُقَدَّسٌ لِسَيِّدِنَا. وَلاَ تَحْزَنُوا، لأَنَّ فَرَحَ الرَّبِّ هُوَ قُوَّتُكُمْ” (نح 8 : 10).

 

البركة الثانية من بركات اليقين هي بركة خوف الله :

 

وهذا ما يقرره صاحب المزمور قائلاً ” لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ” (مز 130 : 4) فعندما نتيقن خلاصنا سنخاف الرب أكثر من الماضي.

عاش في بلد من بلاد الغرب أخ مؤمن كان مخلصاً جداً في حداثة تجديده وإيمانه بالرب، ولكنه ذات يوم إرتكب خطية فقال له الشيطان « لقد هلكت ، وانقطعت صلتك بالرب » وصدق الأخ كذبة الشيطان، واستمر يبتعد عن الله أكثر فأكثر، ولكن أحد خدام الرب الأمناء تقابل معه وأراه من كلمة الله أن خلاصه خلاص أبدي، وأن صلته بالله كابن لا يمكن أن تنفصم، فقام واعترف بخطاياه، وعاد إلى شركته مع الآب من جديد.
إن جهله بحقيقة ثبات المخلصين الأبدي قد منعه لمدة من الزمن من العودة إلى الرب الذي أحب خاصته الذين في العالم أحبهم إلى المنتهى.

 

البركة الثالثة من بركات اليقين هي بركة التقدم إلى الكمال :

 

يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين ” لِذلِكَ وَنَحْنُ تَارِكُونَ كَلاَمَ بَدَاءَةِ الْمَسِيحِ، لِنَتَقَدَّمْ إِلَى الْكَمَالِ، غَيْرَ وَاضِعِينَ أَيْضًا أَسَاسَ التَّوْبَةِ مِنَ الأَعْمَالِ الْمَيِّتَةِ، وَالإِيمَانِ بِاللهِ” ( عب 6 : 1)

وما هو كلام بداءة المسيح ؟ إنه الكلام المختص بالخلاص وبكل ما يتعلق به، فإذا لم يتيقن المؤمن خلاصه فكيف يتقدم في حياة التكريس والخدمة والحياة المقدسة؟
وإذا لم يتيقن المؤمن أن له حياة أبدية فكيف ينمو بغير هذا اليقين؟ إن سر تأخر نمو الكثيرين من أولاد الله وبناته يعود إلى جهلهم بحقيقة يقين الخلاص الأبدي.

 

البركة الرابعة من بركات اليقين هي بركة الشهادة المؤثرة :

 

لقد كانت شهادة الرسل شهادة قوية لأنها كانت مبنية على اليقين الكامل.

إسمع يوحنا الرسول وهو يقول : ” اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ. فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا. الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلًا” (1 يو 1 : 1 – 4).

 

وإصغ إلى كلمات بولس الرسول وهو يكتب لكنيسة تسالونيكي قائلاً ” عَالِمِينَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ اللهِ اخْتِيَارَكُمْ، أَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِالْكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ بِالْقُوَّةِ أَيْضًا، وَبِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَبِيَقِينٍ شَدِيدٍ، كَمَا تَعْرِفُونَ أَيَّ رِجَال كُنَّا بَيْنَكُمْ مِنْ أَجْلِكُمْ” (1 تس 1 : 4 -5 ).

إن المؤمن الذي لم يتيقن خلاصه لا يستطيع أن يُبشر إنساناً غير متجدد. لكن حين يمتلىء المؤمن بيقين الخلاص ينجح تماماً في خدمته.
بعد أن خلص الرب مجنون كورة الجدريين من الشياطين التي كانت تسكنه قال له ” فَلَمْ يَدَعْهُ يَسُوعُ، بَلْ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ وَإِلَى أَهْلِكَ، وَأَخْبِرْهُمْ كَمْ صَنَعَ الرَّبُّ بِكَ وَرَحِمَكَ” (مر 5 : 19).

 

فما لم يكن الرجل قد تجدد، وما لم يكن الرب قد عمل فيه عملاً عظيماً، فأي شهادة كان يمكنه أن يقدمها لبيته وأهله؟
حدثنا الواعظ الأمريكي Paul Levin قال : «كنت أعظ في معسكر للشباب، وذات ليلة تقدم كثيرون ليقبلوا المسيح علانية، وبين الذين تقدموا رأيت سيدة شابة تتقدم وتركع معهم طالبة الخلاص، مع أنني كنت أعتقد أنها متجددة من سنين … وفجأة قامت من ركوعها وطلبت أن نسمح لها بالكلام ….. أوقفنا الترنيم وجاءت هي إلى الميكروفون وقالت : أن زوجة أحد خدام الرب، وأنا متزوجة منذ أربع سنوات، وزوجي هنا بين الحاضرين … وفي صباح اليوم الماضي حين كان الواعظ يتحدث عن ( كيف تستطيع أن تتأكد تماماً من نوالك الخلاص؟ ) إكتشفت إنني لم أنل الخلاص أبداً .

وتستطيع أن نتصور تأثير كلام هذه السيدة على الحاضرين … تركزت العيون في وجهها، وأصغت الآذان لصوتها، واستطردت السيدة تقول : لقد عزمت الليلة أن أكون مع أولئك الذين تقدموا لقبول الرب يسوع، وقد قبلت الرب الآن فقط، وهذه أول مرة في حياتي أعترف فيها بالرب يسوع المسيح علانية كمخلصي وربي.

وبينما كانت تتكلم كانت تبتسم من خلال دموعها، ووجهها يلمع بنور الفرح والسلام واليقين لأنها كانت قد نالت خلاص الله. لقد كانت هذه السيدة زوجة خادم من خدام الرب، ولكنها لم تستطع أن تشهد للرب شهادة مباركة إلا بعد أن تيقنت من خلاصها».

 

فهل تفتح قلبك اليوم لمخلصك، وأنت تقرأ هذه السطور وتستمتع بيقين الخلاص فتهتف مردداً مع بولس “لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا. لكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ” (2 تي 1 : 12).

لقد قال الرب يسوع لليهود “فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي” (يو 5 : 39). ويكتب Paul J. Levin الواعظ الأمريكي تعليقاً على هذه الآية قائلاً: إن اليهود ظنوا قائلين «إن لنا الإله الحق، ولنا الكتاب الحق الكتاب المقدس». ولذا فنحن على حق ، ولنا حياة أبدية، إنهم لم يكونوا ملحدين، ولا وثنيين، وقد ظنوا أن لهم حياة أبدية لأنهم يؤمنون بالله ويمتلكون الكتاب المقدس.

 

ولكن ربنا المبارك قال لهم “لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً” أو بعبارة أخرى (أنتم ليس لكم حياة أبدية حتى مع إمتلاككم للكتاب المقدس) ولكن لماذا قال لهم هذا ؟ لقد قال لهم هذا لسبب هام ضعه في فكرك جيداً وهو : إن الحياة الأبدية ليست في كتاب ولكنها في شخص، وهذا الشخص هو الرب يسوع نفسه.

إن الحياة الأبدية ليست في الكتاب المقدس، ولكن الكتاب المقدس يخبرك أين تجدها وأين مكانها؟ وهذا ما يقوله الكتاب المقدس “وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ” ( 1يو 5 : 11).

 

هؤلاء الناس كان الكتاب المقدس في أيديهم ولكنه لم يكن في قلوبهم، وهذا هو سر رفضهم للرب يسوع، لأنهم لو آمنوا بكتابهم المقدس لقبلوا الرب يسوع لأن كتابهم يتكلم عنه. ولذا قال لهم الرب “وَلَيْسَتْ لَكُمْ كَلِمَتُهُ ثَابِتَةً فِيكُمْ، لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ لَسْتُمْ أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِهِ” (يو 5 : 38).

 

ومرة ثانية قال لهم “لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي” ( يو5 : 46)

إن الحياة الأبدية التي ظنوا أنها لهم لأن لهم الكتب المقدسة، لم تكن توجد إلا في شخص واحد هو الرب يسوع المسيح، ولو آمنوا بكتبهم المقدسة لآمنوا بالرب يسوع الذي تشهد عنه  هذه الكتب، ولكن لأنهم رفضوه، وأداروا ظهورهم له لم يكن لهم حياة أبدية.

فهل أنت متيقن أن لك حياة أبدية في المسيح يسوع ربنا، أو تظن على أساس تدين سطحي أن لك حياة أبدية؟ ما أعظم الفرق بين ( الظن) و ( اليقين).

 

البركة الأخيرة بركة سرور قلب الرب:

 

إن المؤمن المتيقن خلاصه يُسر قلب الرب، لأنه وثق على أساس كلمته الصادقة أنه غفر خطاياه، وجدد قلبه، وأعطاه من روحه.

أما المؤمن الذي يخضع للشك، فهو يقيناً يُحزن قلب فاديه الذي مات لأجله على الصليب، وتتشوه خدمته، ويتوقف نموه، وتُخنق شهادته، ويُحرم من سلام الله الذي يفوق كل عقل، وتصير إختباراته المسيحية ثقلاً، ويصير قليل النفع لعمل الله.

فهل تطرح عنك اليوم كل عوامل الشك، وتأتي واثقاً تماماً في فاديك، مرتمياً عند صليب مخلصك وتهتف مردداً مع بولس “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ” (1 كو 1 : 18).

لقد فصل الصليب بين (المخلصين) و (الهالكين) فمن أي الفريقين أنت؟

هل أنت ممتلىء بفرح اليقين؟ إذن فإهتف مُرنماً :

 

يسوع ربي قد حباني              ذا السلام التام
فاض سرور مالئاً                    قلبي إلى التمام
قلبي دوماً يفيض سلام                ولو هاجت جيوش الظلام
فهو لي                         يسوع لي

 

++++++++++++++++++++++++++++

 

 

الفصل الرابع

 

الإرتـــــــــــــــداد

 

ما هي أسباب إرتداد المؤمن ؟ وما هي حالة المؤمن المرتد؟ وكيف يعالج الله إرتداد المرتدين؟ وهل يفقد المؤمن خلاصه إذا إرتد؟

 

لكي نُجيب على هذه الأسئلة يجدر بنا أولاً أن نضع تعريفاً واضحاً لمعنى الإرتداد، فالشخص المرتد هو الشخص المولود من الله الذي يسقط في الخطية، وبناء على هذا فإن الخاطىء الذي أصلح حياته إصلاحاً ظاهرياً دون تجديد حقيقي، ثم عاد بعد فترة من الزمن إلى الخطية لا يُعتبر مرتداً، إذ المرتد هو الشخص الذي ولد من الله حقاً ثم سقط في الخطية.

وليس من الضروري أن يرتكب المؤمن خطايا علنية فظيعة كالزنا، والقتل، والسرقة ليكون مُرتداً، إذ يكفي جداً أن يترك محبته الأولى للرب، وأن يصبح فاتراً في علاقته به، وعندئذ يكون الإرتداد في قلبه حتى ولو نجح تحت ستار التقوى الظاهرية في إخفائه وعن مثل هذا الشخص يقول صاحب الأمثال ” اَلْمُرْتَدُّ فِي الْقَلْبِ يَشْبَعُ مِنْ طُرُقِهِ، وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ مِمَّا عِنْدَهُ” (أم 14 : 14).

والمؤمن الذي يرتد في قلبه يتدنس ضميره، ويفقد الحق سلطانه على قلبه، وتبهت شهادته، وعندئذ يسير في طرقه التي يختارها لنفسه، كما إختار لوط لنفسه ويشبع من الآلام التي لا بدّ أن تلحق به نتيجة إرتداده .

 

يهوذا لم يرتد :

 

إننا لا يمكن أن نقول عن يهوذا إنه إرتد، لأن يهوذا لم يولد من الله إطلاقاً.
فيهوذا لم يولد بالرب يسوع المسيح : وهذا ما تؤكده كلمات إنجيل يوحنا ” وَلكِنْ مِنْكُمْ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّ يَسُوعَ مِنَ الْبَدْءِ عَلِمَ مَنْ هُمُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُهُ” ( يو6 : 64).

 

ويهوذا كان شيطاناً : وهذا ما قاله الرب لتلاميذه “أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، الاثْنَيْ عَشَرَ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ” ( يو 6 : 70).

 

ويهوذا كان سارقاً : وهذا مايقرره البشير يوحنا قائلاً ” فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، وَهُوَ يَهُوذَا سِمْعَانُ الإِسْخَرْيُوطِيُّ، الْمُزْمِعُ أَنْ يُسَلِّمَهُ: لِمَاذَا لَمْ يُبَعْ هذَا الطِّيبُ بِثَلاَثَمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَ لِلْفُقَرَاءِ؟ قَالَ هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ” ( يو 12 : 4 -6)

لقد عاش يهوذا مع الرب عدة سنوات، وسمع كلامه الجميل عن نعمة الله المخلصة، ولكنه لم يتأثر، ولم يتب، ولم يؤمن، ولو يولد من الله، وأخيراً إرتكب خطيته العظمى إذ خان السيد له المجد وباعه بثلاثين من الفضة ثم مضى وخنق نفسه، وتمت فيه كلمات المزمور ” َأَحَبَّ اللَّعْنَةَ فَأَتَتْهُ، وَلَمْ يُسَرَّ بِالْبَرَكَةِ فَتَبَاعَدَتْ عَنْهُ” (مز 109 : 17).

 

الإصحاح السادس من الرسالة إلى العبرانيين :

 

هنا قد يسأل سائل : ألا يمكن أن يرتد المؤمن الحقيقي ويهلك؟ أو ليست الآيات المذكورة في الرسالة إلى العبرانيين تؤكد هذا ؟

تعال معي لنقرأ هذه الآيات “لأَنَّ الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا مَرَّةً، وَذَاقُوا الْمَوْهِبَةَ السَّمَاوِيَّةَ وَصَارُوا شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَذَاقُوا كَلِمَةَ اللهِ الصَّالِحَةَ وَقُوَّاتِ الدَّهْرِ الآتِي، وَسَقَطُوا، لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أَيْضًا لِلتَّوْبَةِ، إِذْ هُمْ يَصْلِبُونَ لأَنْفُسِهِمِ ابْنَ اللهِ ثَانِيَةً وَيُشَهِّرُونَهُ” ( عب 6 : 4 -6)

وقبل أن نشرح هذه الآيات نقول : إن دارس الكتاب المقدس يعلم يقيناً، أنه إذا سقط مؤمن متجدد في الخطية، ورجع إلى الرب معترفاً بها فإن الرب يغفرها له ويطهره من كل إثم وهذا ما يقوله يوحنا الرسول ” إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ” ( 1يو 1 :9).

 

ولكننا نقرأ في آيات الإصحاح السادس من الرسالة إلى العبرانيين عن أناس ” وَسَقَطُوا، لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أَيْضًا لِلتَّوْبَةِ، إِذْ هُمْ يَصْلِبُونَ لأَنْفُسِهِمِ ابْنَ اللهِ ثَانِيَةً وَيُشَهِّرُونَهُ” ( عب 6 :6). فهل هؤلاء الأشخاص كانوا مولودين من الله ثم سقطوا وفقدوا خلاصهم الأبدي؟ وهل يناقض الكتاب المقدس نفسه فيقول إن المؤمن إذا سقط في الخطية وعاد معترفاً بها فإن الله الأمين العادل يغفرها له ويطهره من كل إثم، ثم يقول هنا عن أناس سقطوا ولا يمكن تجديدهم أيضاً للتوبة؟ أم أن حديث كاتب العبرانيين هو عن أناس سمعوا عن المسيح. وإعترفوا به إعترافاً ظاهرياً، ثم إرتكبوا الخطية التي لا غفران لها، وهي خطية التجديف على الروح القدس؟

 

إن دراسة مدققة للإصحاحين الخامس والسادس من الرسالة إلى العبرانيين تُرينا أن أولئك الذين يوجه لهم الكاتب الحديث، كانوا متباطئي المسامع، وأنهم بعد أن تركزوا ظلال ورموز اليهودية صاروا في خطر الرجوع إليها، أو بمعنى أدق صاروا في خطر إنكار قيمة ذبيحة المسيح الكاملة والعودة إلى الذبائح الحيوانية التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية.

وينبغي أن لا يغيب عن ذهننا أن كل العبرانيين الذين اعترفوا بإيمانهم بالمسيح المصلوب حتى ولم يكونوا مولودين من الله، قد اشتركوا بنصيب ما في عار المسيح المرفوض من الأمة الإسرائيلية فإذا كان أحد هؤلاء المعترفين يرجع عن ما إعترف به، ويرفض ذبيحة المسيح الكفارية ويعود إلى تقديم الذبائح الرمزية الأولى، فهو بهذا يرفض توسلات الروح القدس بعناد وإصرار، ويعلن أنه لم يخلص بدم الصليب، وكأنه بإرادته يصلب المسيح ثانية ويشهر به.

 

والآن لنفحص حالة أولئك الذين ذكرهم كاتب الرسالة إلى العبرانيين وسنجد :

 

1) إنهم ( إستناروا مرة) أي إنفتحت أعينهم نتيجة التعليم الصحيح لبعض الحقائق الثمينة بخصوص الرب وعمله الكامل على الصليب، وهم في هذا مثل بلعام الذي قيل عنه ” ثُمَّ نَطَقَ بِمَثَلِهِ وَقَالَ: وَحْيُ بَلْعَامَ بْنِ بَعُورَ. وَحْيُ الرَّجُلِ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنَيْنِ. وَحْيُ الَّذِي يَسْمَعُ أَقْوَالَ اللهِ وَيَعْرِفُ مَعْرِفَةَ الْعَلِيِّ. الَّذِي يَرَى رُؤْيَا الْقَدِيرِ سَاقِطًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ” (عد 24 : 15 -16).

والإستنارة هي صفة المؤمن المولود من الله، وهي كذلك صفة الشخص غير المتجدد والذي يعرف عقلياً حق الإنجيل الثمين.

 

2) إنهم ( ذاقوا الموهبة السماوية) أي أنهم إختبروا قوة الروح القدس العاملة في الرسل في إعلان الحق الخاص بابن الله، وكذلك ( ذاقوا كلمة الله الصالحة) وهذا يضع عليهم مسئولية كبرى تجاه كلمة الله التي وصلت إليهم فتذوقوا حلاوتها، وأدركوا معناها، وكان يجب أن تتأصل فيهم لتجددهم، ولكنهم أصبحوا مثل أولئك الذين شبههم الرب بالأرض المحجرة إذ قال ” وَالْمَزْرُوعُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، وَحَالًا يَقْبَلُهَا بِفَرَحٍ، وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ إِلَى حِينٍ. فَإِذَا حَدَثَ ضِيقٌ أَوِ اضْطِهَادٌ مِنْ أَجْلِ الْكَلِمَةِ فَحَالًا يَعْثُرُ” ( مت 13 : 20 -21).

 

فهؤلاء لم يكن لهم أصل في ذواتهم، ولم تتعمق كلمة الله في قلوبهم لتثمر، بدليل أن كاتب الرسالة إلى العبرانيين يشبههم بأرض قد شربت المطر الآتي عليها مراراً كثيرة ، ولكنها أخرجت شوكاً وحسكاً بدلاً من العشب الصالح، ونحن نعلم من مثل الزارع أن الثمر هو دليل الميلاد الثاني، وأن الأرض التي لم تثمر لم تتأصل فيها في الواقع كلمة الله، وعلى هذا فهي تشير إلى الأشخاص الذين لم يولدوا من الله.

 

3) إنهم صاروا شركاء الروح القدس، وهذا لا يعني أنهم ولدوا الميلاد الثاني بل يعني أنهم شاركوا الروح القدس في عمله لتوصيل الحق للناس، وكم من أناس غير متجددين عملوا على توصيل الحق للناس، ولكنهم هلكوا في النهاية لأنهم لم يقبلوا المسيح بحق في قلوبهم وقد قال عنهم الرب نفسه ” لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ” (مت 7 : 21 – 23).

 

والقارىء الفطن يلاحظ عبارة ( إني لم أعرفكم قط، فهؤلاء الناس لم يخلصوا ثم هلكوا … كلا ولكن الرب يقول لهم بوضوح : إنه لم يعرفهم قط في يوم من أيام حياتهم مع أنهم صاروا شركاء الروح القدس في عمله لخلاص الناس كما كان يهوذا التلميذ الخائن ينادي بالخلاص وهو نفسه لم يكن متجدداً.

 

4) إنهم ذاقوا قوات الدهر الآتي : أي القوات المعجزية التي رأوا صورة منها فيما فعله الرسل إذ قيل عنهم ” شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ” (عب 2 : 4) وبها نثبت لهم خبر الخلاص العظيم، وهي ذات القوات التي ستكون إختباراً عادياً في ملك المسيح الألفي السعيد.

 

وعلى هذا فنحن لا نقرأ عن هؤلاء الأشخاص أنهم (ولدوا ثانية) أو (تطهروا بالدم الثمين) أو ( كان لهم الإيمان الحقيقي بالرب يسوع المسيح) ولكننا فقط نقرأ عنهم (استنيروا ) و (ذاقوا) و ( صاروا شركاء الروح القدس) ثم سقطوا في خطية لا يمكن غفرانها هي خطية التجديف على الروح القدس، أي عناد القلب عن معرفة وإصرار أمام توسلات روح الله للإيمان بالمسيح كمخلص شخصي، ولذا سقطوا في الخطية التي لا تغفر وأصبح من غير الممكن تجديدهم للتوبة، ويقيناً أن خطية التجديف على الروح القدس لا يمكن أن يرتكبها شخص مولود من الله ومختوم بالروح القدس ” الَّذِي فِيهِ أَيْضًا أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ، الَّذِي فِيهِ أَيْضًا إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ” (أف 1 : 13)، لأن الروح القدس يسكن في قلبه ولذا يستحيل عليه أن يجدف عليه.

 

وعلى هذا فإن هذا الجزء من كلمة الله لا يتحدث عن سقوط مؤمن مولود من الله وهلاكه هلاكاً أبدياً، بل عن سقوط شخص سمع عن الرب، وإعترف به إعترافاً ظاهرياً في الخطية التي لا تغفر ” لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا التَّجْدِيفُ عَلَى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ. وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هذَا الْعَالَمِ وَلاَ فِي الآتِي” (مت 12 : 31 -31).

 

والآن لنتقدم قليلاً لكي ندرس موضوع الإرتداد درساً مفصلاً وأول ما يجب أن ندرسه هو :

 

أسباب إرتداد المؤمن :

 

وهناك عدة أسباب تعمل على إرتداد المؤمن إذا لم يتحفظ منها نذكرها فيما يلي من حديث:

 

السبب الأول هو وجود الطبيعة الآدمية العتيقة :

 

قبل أن يتجدد الإنسان تكون فيه طبيعة واحدة هي الطبيعة الآدمية الساقطة التي يسميها الكتاب المقدس (الإنسان العتيق) ” عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ” (رو 6 : 6)

 

و ( الجسد) ” لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ” (رو 8 :6) ، ولكنه بعد أن يولد من الله تُخلق فيه طبيعة جديدة تكره الخطية يسميها الكتاب المقدس (الإنسان الجديد) .

” وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ” (أف 4 : 24)، مع بقاء الطبيعة العتيقة فيه، ومن هنا ينشأ الصراع الذي عبر عنه بولس الرسول بالقول :
” لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ” (غل 5 : 17).

 

ولاحظ أن الجسد (يشتهي ) أما الروح فهو لا يشتهي ولكنه (ضد الجسد) في شهواته وأمياله الشريرة ؟

وهذه الطبيعة الآدمية العتيقة الموجودة في المؤمن هي سبب إرتداده، إذا لم يعطِ الروح القدس فرصة لإماتة أعمالها.
صل داود الملك، ومرنم إسرائيل الحلو، ومسيح إله يعقوب، وكاتب الكثير من المزامير عن سبب سقوطه وارتداده يقول لك “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مز 51 :5).

 

فالإنسان العتيق الذي ورثه عن آدم الساقط بأمياله الفاسدة كان سر سقوطه في الخطية.

 

وكما أسقط الإنسان العتيق داود، كذلك أسقط نوح من قلبه فسكر وتعرى داخل خبائه “وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ” (تك 9 : 21). وأسقط شمشمون وأسقط لوط، وأسقط إيليا، وأسقط بطرس.

 

وهذا ذات ما يقوله بولس الرسول في الإصحاح السابع من رسالته إلى القديسين في رومية :

” فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ، وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ. لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ، إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ، فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ. فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ، أَيْ فِي جَسَدِي، شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي، وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ، فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَلِ الْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. إِذًا أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي. فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟ أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا! إِذًا أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّةِ” (رو 7 : 14 -25).

 

فبولس يقرر وجود الطبيعة العتيقة فيه، ويسميها (الخطية) وهو في هذا الإصحاح يرسم صورة للمسيحي الجسدي، ففي عشرة أعداد فقط يستخدم لفظ (أنا ) خمساً وعشرين مرة، بينما لا يذكر الروح القدس ولا مرة واحدة، أما في الإصحاح الثامن فلا يستخدم لفظ ( أنا) إلا مرتين فقط حيث لزم إستخدامها، بينما ذكر الروح القدس ست عشرة مرة، وهكذا يأتي بالمؤمنين إلى سر النصرة قائلاً “لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ” (رو 8 : 13).

 

فالجسد موجود في المؤمن ولكن يمكن إماتة أعماله بالروح القدس، وعدم الإنتباه إلى هذا الحق قد تسبب في فشل الكثيرين، فليت كل مؤمن يُميت بالروح القدس أعمال الجسد الساكن فيه.

 

إن الشيطان يُهاجم المؤمن في أقوى نقطة في حياته، فإبراهيم رجل الإيمان العظيم سقط في خطية الكذب إذ قال لسارة زوجته ” قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي، لِيَكُونَ لِي خَيْرٌ بِسَبَبِكِ وَتَحْيَا نَفْسِي مِنْ أَجْلِكِ” (تك 12 : 13).

 

وموسى الحليم الذي قيل عنه ” وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ” (عد 12 : 3).

 

سقط في خطية الغضب إذ ضرب الصخرة مرتين بدلاً من أن يكلمها كما أمره الرب ” وَجَمَعَ مُوسَى وَهَارُونُ الْجُمْهُورَ أَمَامَ الصَّخْرَةِ، فَقَالَ لَهُمُ: اسْمَعُوا أَيُّهَا الْمَرَدَةُ، أَمِنْ هذِهِ الصَّخْرَةِ نُخْرِجُ لَكُمْ مَاءً؟. وَرَفَعَ مُوسَى يَدَهُ وَضَرَبَ الصَّخْرَةَ بِعَصَاهُ مَرَّتَيْنِ، فَخَرَجَ مَاءٌ غَزِيرٌ، فَشَرِبَتِ الْجَمَاعَةُ وَمَوَاشِيهَا. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى وَهَارُونَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمَا لَمْ تُؤْمِنَا بِي حَتَّى تُقَدِّسَانِي أَمَامَ أَعْيُنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِذلِكَ لاَ تُدْخِلاَنِ هذِهِ الْجَمَاعَةَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا” (عد 20 : 10 -12).

 

وإيليا النبي الشجاع إمتلأ خوفاً وهرب من تهديدات إمرأة ” وَأَخْبَرَ أَخْآبُ إِيزَابَلَ بِكُلِّ مَا عَمِلَ إِيلِيَّا، وَكَيْفَ أَنَّهُ قَتَلَ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ بِالسَّيْفِ. فَأَرْسَلَتْ إِيزَابَلُ رَسُولًا إِلَى إِيلِيَّا تَقُولُ: هكَذَا تَفْعَلُ الآلِهَةُ وَهكَذَا تَزِيدُ، إِنْ لَمْ أَجْعَلْ نَفْسَكَ كَنَفْسِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَحْوِ هذَا الْوَقْتِ غَدًا. فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ قَامَ وَمَضَى لأَجْلِ نَفْسِهِ، وَأَتَى إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ الَّتِي لِيَهُوذَا وَتَرَكَ غُلاَمَهُ هُنَاكَ. ثُمَّ سَارَ فِي الْبَرِّيَّةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، حَتَّى أَتَى وَجَلَسَ تَحْتَ رَتَمَةٍ وَطَلَبَ الْمَوْتَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ. خُذْ نَفْسِي لأَنَّنِي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي” ( 1 مل 19 : 1 -4).

 

فينبغي أن تسهر على نقطة القوة في حياتك، وإحذر أن تعتمد على ذاتك، وأذكر أن الطبيعة العتيقة تميل إلى الإرتداد عن الرب كما يقول هوشع النبي ” وَشَعْبِي جَانِحُونَ إِلَى الارْتِدَادِ عَنِّي، فَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الْعَلِيِّ وَلاَ أَحَدٌ يَرْفَعُهُ” (هو 11 :7).

فإعط للروح القدس السيادة الدائمة عليها ليميت أعمالها، وأذكر تحذير بولس الرسول القائل ” إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ” (1 كو 10 : 12).

 

السبب الثاني هو النوم عن الصلاة :

 

إننا نجد في قصة سقوط بطرس كل أسباب الإرتداد فهو حين قال للرب ” فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا “ (مت 26 : 33)، كان أول سبب لسقوطه هو ثقته في ذاته، ثم جاء السبب الثاني وهو نومه عن الصلاة هذا النوم الذي وبخه الرب في محبته عليه قائلاً ” ثُمَّ جَاءَ وَوَجَدَهُمْ نِيَامًا، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: يَا سِمْعَانُ، أَنْتَ نَائِمٌ! أَمَا قَدَرْتَ أَنْ تَسْهَرَ سَاعَةً وَاحِدَةً؟ اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ” (مر 14 : 37 -38).

والمؤمن الذي يهمل مخدعه، وينسى فرصة الصلاة يتعرض للإرتداد والسقوط، بحق قال أحد خدام الرب : «إذا إرتفع مقياس الصلاة عندي إرتفعت حياتي، وإذا إنخفض مقياس الصلاة عندي إنخفضت حياتي».

 

السبب الثالث هو إستخدام السلاح الجسدي:

 

يقول بولس الرسول ” إِذْ أَسْلِحَةُ مُحَارَبَتِنَا لَيْسَتْ جَسَدِيَّةً، بَلْ قَادِرَةٌ بِاللهِ عَلَى هَدْمِ حُصُونٍ. هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ” (2 كو 10 : 4 ،5).

 

ولكن بطرس نسى هذا، وإستخدم السلاح الجسدي إذ نقرأ عنه ” ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ” (يو 18 : 10).

 

” فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ: دَعُوا إِلَى هذَا! وَلَمَسَ أُذْنَهُ وَأَبْرَأَهَا” (لو 22 : 51). ثم أعطى لبطرس درساً هاماً قائلاً ” فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ” (مت 26 :52).

 

فلا تستخدم السلاح الجسدي، في حربك ضد (الذات) و (العالم) و (الشيطان) لا تستخدم الحيل الإنسانية، والمكر، والخبث، والخداع، لئلا تخسر معركتك وتُهزم أمام قوات الشر.

 

السبب الرابع هو إتباع الرب من بعيد :

 

لقد أسقط هذا التصرف بطرس إذ نقرأ عنه هذه الكلمات ” وَأَمَّا بُطْرُسُ فَتَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَدَخَلَ إِلَى دَاخِل وَجَلَسَ بَيْنَ الْخُدَّامِ لِيَنْظُرَ النِّهَايَةَ” (مت 26 :58).

هل أراد بطرس أن يتلاعب مع سيده؟ هل خالجه الفكر أن يتبعه من بعيد حتى إذا أدانه بيلاطس يهرب لحياته، وإذا حكم بإطلاقه يسرع إليه قائلاً «ها أنذا لم أتركك …» ربما. إنه تبعه من بعيد على كل حال مع أنه كان قد تعهد أن يمضي معه إلى السجن وإلى الموت.

فهل أنت تتبع الرب من بعيد؟ هل أصبحت تعرج بين الفرقتين فأنت تارة مع العالم وتارة مع المسيح؟ هل صرت متراخياً في صلاتك السرية؟ هل إعتدت أن تنسى دراسة كتابك المقدس، وإن لا تصحب الرب في كل مكان تذهب إليه؟ أنت إذاً في طريق الإرتداد .

 

السبب الخامس هو الإختلاط بالناس العالميين:

 

يكتب لوقا البشير عن بطرس قائلاً ” وَلَمَّا أَضْرَمُوا نَارًا فِي وَسْطِ الدَّارِ وَجَلَسُوا مَعًا، جَلَسَ بُطْرُسُ بَيْنَهُمْ” (لو 22 :55) في الوقت الذي كان الرب يجتاز فيه محنة قاسية قبل أن يُصلب، جلس بطرس يصطلي جلس مع أناس عالميين لا يحبون الرب، ولا يهتمون بآلامه، مع أنه مكتوب ” طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ” (مز 1 :1).

 

فهل أنت في هذا الموقف ؟ هل رجعت إلى العالم وبدلاً من مصادقتك لشعب الله، أصبح أقرب الأصدقاء إلى قلبك هم أولئك الذين لا يحبون الرب يسوع، والذين لا وقت له ولا مكان في قلوبهم أو بيوتهم،أو خططهم ، أو مسراتهم؟

هل أنت مسيحي عالمي؟ وهل أنت جالس أمام نار العالم تصطلي مع أبناء العالم؟ هل تنطبق عليك الكلمات ” أَفْرَايِمُ يَخْتَلِطُ بِالشُّعُوبِ. أَفْرَايِمُ صَارَ خُبْزَ مَلَّةٍ لَمْ يُقْلَبْ” (هو 7 :8).

 

أذكر كلمات الرسول بولس “لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ، وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ” (2 كو 6 : 14 -18).

 

السبب السادس هو الخوف من الشهادة للمسيح:

 

كان سقوط بطرس تدريجياً، وقد إنحدر من ردىء إلى أردأ حتى وصل أخيراً إلى الخوف من الشهادة لابن الله “فَرَأَتْهُ جَارِيَةٌ جَالِسًا عِنْدَ النَّارِ فَتَفَرَّسَتْ فيهِ وَقَالَتْ: وَهذَا كَانَ مَعَهُ!. فَأَنْكَرَهُ قَائِلًا: لَسْتُ أَعْرِفُهُ يَا امْرَأَةُ” (لو 22 :56 -57).

 

“فَأَنْكَرَ أَيْضًا. وَبَعْدَ قَلِيل أَيْضًا قَالَ الْحَاضِرُونَ لِبُطْرُسَ: حَقًّا أَنْتَ مِنْهُمْ، لأَنَّكَ جَلِيلِيٌّ أَيْضًا وَلُغَتُكَ تُشْبِهُ لُغَتَهُمْ!. فَابْتَدَأَ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: إِنِّي لاَ أَعْرِفُ هذَا الرَّجُلَ الَّذِي تَقُولُونَ عَنْهُ” (مر 14 : 70 -71)

 

وهل هناك صورة مخجلة أكثر من هذه الصورة؟ أن يخاف المؤمن المولود من الله من الشهادة لمن مات لأجله على الصليب؟ … لقد تمت المأساة وسقط بطرس سقوطه المشين.

 

السبب السابع هو عدم السرور بكلمة الله:

 

في سفر إرميا يُرينا الرب سبباً قوياً من أسباب الإرتداد قائلاً ” هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: تَعْلِيلًا يُعَلِّلُونَ، كَجَفْنَةٍ، بَقِيَّةَ إِسْرَائِيلَ. رُدَّ يَدَكَ كَقَاطِفٍ إِلَى السِّلاَلِ. مَنْ أُكَلِّمُهُمْ وَأُنْذِرُهُمْ فَيَسْمَعُوا؟ هَا إِنَّ أُذْنَهُمْ غَلْفَاءُ فَلاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَصْغَوْا. هَا إِنَّ كَلِمَةَ الرَّبِّ صَارَتْ لَهُمْ عَارًا. لاَ يُسَرُّونَ بِهَا” (إر 6 : 9 -10).

 

فسبب إرتداد المؤمن هو عدم الإصغاء لكلمة الله، والإصغاء لصوت المجرب، إن لغة المرتدين إزاء كلمة الله هي “وَتَكَلَّمَ الشَّعْبُ عَلَى اللهِ وَعَلَى مُوسَى قَائِلِينَ: لِمَاذَا أَصْعَدْتُمَانَا مِنْ مِصْرَ لِنَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ؟ لأَنَّهُ لاَ خُبْزَ وَلاَ مَاءَ، وَقَدْ كَرِهَتْ أَنْفُسُنَا الطَّعَامَ السَّخِيفَ” (عد 21 :5).

فهل أنت لا تسر بكلمة الله؟ ولا تحب الإصغاء إليها؟ وقد صارت لك عاراً بعد أن كنت تتغذى بها، وتتلذذ بدراستها ومعرفة مكوناتها ؟ إذن أنت في خطر الإرتداد عن الرب.

 

أضرار الإرتداد :

 

مسكين ذلك المؤمن الذي يرتد، لأن إرتداده معناه أنه قد ترك إلهه ينبوع المياه الحية، ونسى مخلصه الذي مات لأجله على الصليب وهذا ما يقوله الرب في سفر إرميا ” لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً” (إر 2 : 13) .

” هَلْ تَنْسَى عَذْرَاءُ زِينَتَهَا، أَوْ عَرُوسٌ مَنَاطِقَهَا؟ أَمَّا شَعْبِي فَقَدْ نَسِيَنِي أَيَّامًا بِلاَ عَدَدٍ” (إر 2 : 32).

 

إن المرتد هو شخص قد ترك الله ونسى إحساناته عليه، ولكن لنضع في قلوبنا أن الله لم يتركه، والدليل الأكبر على ذلك أنه يرسل له محذراً ، ويناديه في رحمته ونعمته أن يعود إلى محبته الأولى، وأن يذكر من أين سقط ويتوب.
ويسجل الكتاب المقدس عدة أضرار تلحق بالمؤمن المرتد.

 

الضرر الأول هو مرارة الإبتعاد عن الرب :

 

يكتب إرميا في سفره الذي يمكن أن نسميه (سفر المرتدين) قائلاً:

” هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: مَاذَا وَجَدَ فِيَّ آبَاؤُكُمْ مِنْ جَوْرٍ حَتَّى ابْتَعَدُوا عَنِّي وَسَارُوا وَرَاءَ الْبَاطِلِ وَصَارُوا بَاطِلًا؟ … يُوَبِّخُكِ شَرُّكِ، وَعِصْيَانُكِ يُؤَدِّبُكِ. فَاعْلَمِي وَانْظُرِي أَنَّ تَرْكَكِ الرَّبَّ إِلهَكِ شَرٌّ وَمُرٌّ، وَأَنَّ خَشْيَتِي لَيْسَتْ فِيكِ، يَقُولُ السَّيِّدُ رَبُّ الْجُنُودِ” (إر 2 : 5 ، 19).

 

والكلمات تُرينا أن المؤمن المرتد يسير وراء الباطل …. وراء الأمور المادية التي لا تشبع القلب، والتي إختبرها سليمان فقال في حزن وأسى ” ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ” (جا 2 : 11). وسير المؤمن وراء الأمور الباطلة يملأ حياته بالشر والمرارة.
حين إبتعد لوط عن الرب، ولم يشهد له بامأنة في سدوم الشريرة، كان يعيش في العذاب يومياً ” إِذْ كَانَ الْبَارُّ، بِالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَهُوَ سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، يُعَذِّبُ يَوْمًا فَيَوْمًا نَفْسَهُ الْبَارَّةَ بِالأَفْعَالِ الأَثِيمَةِ” ( 2بط 2 :8).

 

ويقيناً أن المؤمن المولود من الله لا يستطيع أن يجد لذته وسعادته في الخطية، إنه كحمامة نوح التي أرسلها فلم تجد في العالم مقراً لرجلها فعاد إليه إلى الفلك ” فَلَمْ تَجِدِ الْحَمَامَةُ مَقَرًّا لِرِجْلِهَا، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ إِلَى الْفُلْكِ لأَنَّ مِيَاهًا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ. فَمَدَّ يَدَهُ وَأَخَذَهَا وَأَدْخَلَهَا عِنْدَهُ إِلَى الْفُلْكِ” (تك 8 :9). وحين يرتد المؤمن فلا بدّ أن يعلم أن تركه الرب شر ومر … وهل هناك أشر وأمر من الإبتعاد عن الرب؟

 

يظن البعض خطأ أن الكلمات المذكورة في رسالة بطرس الرسول الثانية والتي تقول ” قَدْ أَصَابَهُمْ مَا فِي الْمَثَلِ الصَّادِقِ: كَلْبٌ قَدْ عَادَ إِلَى قَيْئِهِ، وَخِنْزِيرَةٌ مُغْتَسِلَةٌ إِلَى مَرَاغَةِ الْحَمْأَةِ” (2 بط 2 : 22).

 

تنطبق على المؤمن المتجدد حين يرتد، والواقع أن هذه الآية لا تنطبق بأي حال على المؤمن المولود من الله، لأن الرب لم يشبه شعبه بالكلاب والخنازير إطلاقاً بل شبههم بالحملان قائلاً ” اِذْهَبُوا! هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ” (لو 10 :3).

ولكننا نراه في إشعياء يشبه الرعاة الجهلاء بالكلاب قائلاً ” مُرَاقِبُوهُ عُمْيٌ كُلُّهُمْ. لاَ يَعْرِفُونَ. كُلُّهُمْ كِلاَبٌ بُكْمٌ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَنْبَحَ. حَالِمُونَ مُضْطَجِعُونَ، مُحِبُّو النَّوْمِ. وَالْكِلاَبُ شَرِهَةٌ لاَ تَعْرِفُ الشَّبَعَ. وَهُمْ رُعَاةٌ لاَ يَعْرِفُونَ الْفَهْمَ. الْتَفَتُوا جَمِيعًا إِلَى طُرُقِهِمْ، كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى الرِّبْحِ عَنْ أَقْصَى” (إش 56 : 10 -11).

 

ثم يتحدث الرب عن الكلاب والخنازير في عظة الجبل قائلاً “لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب، وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ، لِئَلاَّ تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ” (مت 7 : 6). والكلاب والخنازير هنا يرمزون للناس الذين يعتبرون الرسالة الصالحة والتوبيخ الصحيح وهذه كأنها أحجار آلمتهم ومن ثم يبغضون العلاج ويهربون من وجه الذين يظهرون لهم خطر خطاياهم بل ويمزقون سمعة خدام الله الأمناء بلا وخز من الضمير، وهؤلاء يقيناً لم يختبروا الميلاد الثاني، وإن كان في مقدورهم إدعاء الإيمان والتقوى إلى حين ثم إذ تتمزق الستائر المصطنعة التي تسترهم يظهر كل واحد منهم على حقيقته (كَلْبٌ قَدْ عَادَ إِلَى قَيْئِهِ) وتظهر كل واحدة منهن على حقيقتها ( خِنْزِيرَةٌ مُغْتَسِلَةٌ إِلَى مَرَاغَةِ الْحَمْأَةِ) .

ولاحظ جيداً أن (الكلب ) ما زال كلباً وأن (الخنزيرة) رغم إغتسالها الظاهري ما زالت خنزيرة في طبيعتها فالحديث ليس عن المؤمنين المتجددين الذين شبههم الرب (بالحملان) بل عن المتظاهرين بالدين وهم في حقيقتهم (كلاب وخنازير) ولذا يقول كاتب سفر الأمثال “كَمَا يَعُودُ الْكَلْبُ إِلَى قَيْئِهِ، هكَذَا الْجَاهِلُ يُعِيدُ حَمَاقَتَهُ” (أم 26 : 11). فالكلب هنا ليس هو المؤمن بل الجاهل الذي لم يعرف الرب ولم يختبر عمل نعمته في قلبه.

حين إبتعد لوط عن الرب ( تعذب) تماماً ثم جاء اليوم الذي خسر فيه ممتلكاته، وخسر فيه بناته، وحاول أن ينذر أصهاره ” فَخَرَجَ لُوطٌ وَكَلَّمَ أَصْهَارَهُ الآخِذِينَ بَنَاتِهِ وَقَالَ: قُومُوا اخْرُجُوا مِنْ هذَا الْمَكَانِ، لأَنَّ الرَّبَّ مُهْلِكٌ الْمَدِينَةَ. فَكَانَ كَمَازِحٍ فِي أَعْيُنِ أَصْهَارِهِ” (تك 19 : 14). وتحولت زوجته إلى عمود ملح، وأتت النيران على كل ما كان له وعلى مجهودات عمره، وهكذا عرف أن تركه الرب شر ومر.

 

حدثنا الواعظ الأمريكي د . ل . مودي قال :«أذكر أنه جاءني ذات ليلة شخص مرتد، تحدثت معه إلى ما بعد منتصف الليل، كان قد عرف الرب ولكنه إرتد لمدة سنوات، وهام على جبال الخطية القاحلة، ولكنه في تلك الليلة أراد أن يعود إلى شركته الأولى مع إلهه … ركعنا وصلينا … وإستمررنا في الصلاة حتى أشرق النور على حياته وخرج ممتلئاً بالفرح.

 

في الليلة التالية جلس أمامي بينما كنت أعظ، ولم أر في حياتي إنساناً حزيناً كئيباً كما كان ذلك الرجل في تلك الليلة … تبعني إلى غرفة الصلاة … سألته: هل إبتعدت عيناك عن الرب؟ قال: لا. ثم تابع حديثه قائلاً : إنني لم أذهب إلى عملي اليوم، ولكنني قضيت كل النهار في زيارة أولادي … كلهم متزوجون في هذه المدينة … وقد ذهبت إلى بيوتهم … وكلهم إستهزأوا بي … إن هذا اليوم هو أشد الأيام ظلاماً في حياتي … لقد إنتبهت إلى ما فعلت … وأدركت شر ما عملت … أخذت أولادي إلى العالم ولكنني لا أستطيع الآن إخراجهم منه … لقد رد له الرب بهجة خلاصه، ولكنه عرف أن تركه الرب شر ومر ».

 

الضرر الثاني هو إنقطاع الشركة مع الله :

 

إن الإرتداد يعطل شركة المؤمن مع أبيه السماوي، عندما سقط داود في خطيته المشهورة تعطلت شركته مع الله … لم تكن هناك صلاة … ولم تعد له الإختبارات الحلوة في ساعات الشركة، ولم يعد يختبر إستجابة صلواته، إن لسان حال كل مؤمن مرتد هو ماقاله إرميا في مراثيه في حديثه لله “الْتَحَفْتَ بِالسَّحَابِ حَتَّى لاَ تَنْفُذَ الصَّلاَةُ” (مرا 3 : 44).

عندما ترك الابن الضال بيت أبيه، لم يفقد بنويته، ولكنه فقد شركته مع أبيه حتى عاد إليه معترفاً بخطيته.
أيها المؤمن المرتد هل تستطيع أن تحتمل إنقطاع شركتك مع إلهك وإلى متى تستمر في بعدك عن أبيك السماوي؟

 

الضرر الثالث هو فقدان بهجة الخلاص:

 

عندما سقط داود في خطيته المشهورة، فقد بهجة خلاصه، ولما رجع للرب بعد إرتداده صلى قائلاً “رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ اعْضُدْنِي” (مز 51 : 12 ).

إنه لم يقل (رد لي خلاصك) لأن المؤمن لا يفقد خلاصه أبداً … ولكنه يفقد بالإرتداد بهجة خلاصه، يفقد الفرح الغامر الذي كان يملأ قلبه، والمؤمن الذي يعيش بلا بهجة ولا فرح مؤمن حزين كئيب مسكين، يُنفر الخطاة ويرسم لهم صورة مظلمة عن الحياة مع الله.

ولقد صور داود في المزمور الثاني والثلاثين إختبار المؤمن المرتد الذي لا يسرع بالإعتراف بخطاياه للرب قائلاً “لَمَّا سَكَتُّ بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي الْيَوْمَ كُلَّهُ، لأَنَّ يَدَكَ ثَقُلَتْ عَلَيَّ نَهَارًا وَلَيْلًا. تَحَوَّلَتْ رُطُوبَتِي إِلَى يُبُوسَةِ الْقَيْظِ” ( مز 32 : 3 -4) .

لقد فقد فرحه، وبهجته، وأصبح الأنين هو لغته والزفير الخارج من صدره المتضايق هو النغمة الوحيدة في حياته.

فهل ترضى أيها المؤمن أن تعيش في هذه الحالة التعسة؟

 

الضرر الرابع هو توقف الشهادة للمسيح :

 

حين يسقط المؤمن في الخطية تتوقف شهادته وتتعطل … لقد توقفت شهادة داود حتى عاد معترفاً لإلهه وقائلاً ” رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ اعْضُدْنِي. فَأُعَلِّمَ الأَثَمَةَ طُرُقَكَ، وَالْخُطَاةُ إِلَيْكَ يَرْجِعُونَ” (مز 51 : 12 -13).

 

فالمؤمن المرتد لا يستطيع أن يشهد للمسيح شهادة مؤثرة، إن الكلمات تخرج ميتة من بين شفتيه، وهو قد يحاول ستر إرتداده بحديث مغلف بكلمات روحية، ولكن هذا الستار لا بدّ أن يتمزق، ويعرف المرتد أن الخطية تطفىء نور شهادته حتى يعود لإلهه معترفاً بخطاياه.

لذلك ينبه الرب ملاك كنيسة أفسس قائلاً ” أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَحْتَمِلَ الأَشْرَارَ، وَقَدْ جَرَّبْتَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا رُسُلًا، فَوَجَدْتَهُمْ كَاذِبِينَ.وَقَدِ احْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ. لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى. فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى، وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ” (رؤ 2 : 2 – 5).

 

إن القلب الممتلىء بلهيب المحبة للرب هو الذي يستطيع أن يربح النفوس الهالكة للمسيح، أما حين يفقد المؤمن محبته الأولى فإن شهادته للرب تصبح فاترة وغير مثمرة.

 

الضرر الخامس هو شماتة أعداء الرب :

 

حين يقبل الخاطىء الرب يسوع كمخلص شخصي له، وينتقل إلى ملكوته، تتجه إليه الأنظار كما يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى الكنيسة التي في كورنثوس “فَإِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ، كَأَنَّنَا مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ. لأَنَّنَا صِرْنَا مَنْظَرًا لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ” (1 كو 4 :9)

وحين يسقط بعد تجديده في الخطية يجعل أعداء الرب يشمتون، وهذا ما قاله ناثان لداود حين سقط سقطته الكبرى “غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ بِهذَا الأَمْرِ أَعْدَاءَ الرَّبِّ يَشْمَتُونَ، فَالابْنُ الْمَوْلُودُ لَكَ يَمُوتُ” (2 صم 12 : 14). فالمؤمن المرتد يجعل الشيطان والأشرار يشمتون، وياله من أمر مخجل معيب.

 

الضرر السادس هو خسارة الإكليل :

 

يكتب بولس إلى القديسين في كورنثوس قائلاً “أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا. وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَمَّا أُولئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إِكْلِيلًا يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلًا لاَ يَفْنَى. إِذًا، أَنَا أَرْكُضُ هكَذَا كَأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ غَيْرِ يَقِينٍ. هكَذَا أُضَارِبُ كَأَنِّي لاَ أَضْرِبُ الْهَوَاءَ. بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا” (1 كو 9 : 24 -27).

والرسول بولس لا يتحدث هنا عن رفضه من الدخول إلى السماء، ولكنه يتحدث عن رفضه من نوال الإكليل، وهذا ما تتحدث به قرينة الآية.

 

فالحديث عن سباق لأجل نوال الإكليل وليس عن الخلاص ونوال الحياة الأبدية، فنوال الحياة الأبدية هبة مجانية لا نأخذها بالركض والجهاد بل من مجرد نعمة الله

وبولس يقول “بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا” (1 كو 9 : 27).

أي أن ضبطه لنفسه في مثابرة وجهاد سيعطيه الحق في نوال الإكليل، ولكنه إذا لم يفعل خسر إكليل ضبط النفس. فالمؤمن الذي يعيش في حياة التراخي والإستهانة لا بدّ أن يخسر إكليل ضبط النفس.

ولذا يتحدث الرب إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا قائلاً “هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا. تَمَسَّكْ بِمَا عِنْدَكَ لِئَلاَّ يَأْخُذَ أَحَدٌ إِكْلِيلَكَ” (رؤ 3 : 11). فهل تريد أن تخسر إكليلك أيها المؤمن لأجل نزوة عارضة أو ربح وقتي؟ إحذر من الإرتداد لئلا تخسر إكليل الجهاد.

 

أخيراً يقع المؤمن المرتد تحت تأديب القدير:

 

إن الله يكره الخطية … يكرهها في الخاطىء الهالك كما يكرهها في أولاده المخلصين، وحين ينحرف أحد أولاده بعيداً عنه ولا يعود معترفاً بخطيته، فإن الآب السماوي لا بدّ أن يؤدبه ليرجعه.

وفي الرسالة إلى العبرانيين تتجلى لنا هذه الحقيقة في الكلمات “لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ، وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ: يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ. لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ. إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟ وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ. ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلاَ نَخْضَعُ بِالأَوْلَى جِدًّا لأَبِي الأَرْوَاحِ، فَنَحْيَا؟ لأَنَّ أُولئِكَ أَدَّبُونَا أَيَّامًا قَلِيلَةً حَسَبَ اسْتِحْسَانِهِمْ، وَأَمَّا هذَا فَلأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ، لِكَيْ نَشْتَرِكَ فِي قَدَاسَتِهِ. وَلكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرٍّ لِلسَّلاَمِ” (عب 12 : 4 -11).

 

فالمؤمن الذي يرتد يقع تحت التأديب، فعندما إنحرف المؤمنون في كورنثوس في سلوكهم وتعليمهم أدبهم القدير، وكتب لهم بولس الرسول قائلاً “مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ. لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا، وَلكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا، نُؤَدَّبُ مِنَ الرَّبِّ لِكَيْ لاَ نُدَانَ مَعَ الْعَالَمِ” (1 كو 11 : 30 – 32 ).

إن المؤمن لا يستطيع أن يخلص من التأديب إلا بالجهاد ضد الخطية بالإعتماد على نعمة الله، وهذا هو (الخلاص) الذي تحدث عنه بطرس في رسالته الأولى، فهو لم يتحدث عن الخلاص من الخطية بل عن الخلاص من (التأديبات الإلهية) فقال “لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ. فَإِنْ كَانَ أَوَّلًا مِنَّا، فَمَا هِيَ نِهَايَةُ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ اللهِ؟ وَإِنْ كَانَ الْبَارُّ بِالْجَهْدِ يَخْلُصُ، فَالْفَاجِرُ وَالْخَاطِئُ أَيْنَ يَظْهَرَانِ؟” (1 بط 4 : 17 -18).

 

إن الآب السماوي يستخدم عدة وسائل في تأديب أولاده المنحرفين عنه، وهو يؤدبهم لأن الزمن الوحيد الذي يعاقبهم فيه على إرتدادهم هو هنا على الأرض لأنه لن يدينهم فيما بعد، كما وعد الرب يسوع كل من يؤمن قائلاً “إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ” (يو 5 : 24).

 

والآن تعال معي لنستعرض الوسائل التي يستخدمها الآب القدوس في تأديب أولاده.

 

إنه يؤدبهم بالعصا :

 

كما نقرأ في سفر الأمثال “اَلْجَهَالَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِقَلْبِ الْوَلَدِ. عَصَا التَّأْدِيبِ تُبْعِدُهَا عَنْهُ” (أم 22 : 15).

وكما نقرأ في سفر المزامير “إِنْ تَرَكَ بَنُوهُ شَرِيعَتِي وَلَمْ يَسْلُكُوا بِأَحْكَامِي، إِنْ نَقَضُوا فَرَائِضِي وَلَمْ يَحْفَظُوا وَصَايَايَ، َأفْتَقِدُ بِعَصًا مَعْصِيَتَهُمْ،، وَبِضَرَبَاتٍ إِثْمَهُمْ” (مز 89 : 30 -32).

كان داود ابناً لله، ولكنه سقط وإرتكب خطية الزنا، وحاول أن يستر خطيته بالخداع، فلما لم يفلح لجأ إلى القتل، وكانت خطيته سباعية التركيب، فقد أخطأ ضد أوريا، وأخطأ ضد بثشبع، وأخطأ ضد الإنسانية، وأخطأ ضد التاج، وأخطأ ضد الدولة، وأخطأ ضد الجيش، وأخطأ قبل كل شيء ضد الله، وقد ظن داود أن الملك يستطيع أن يُخطىء وهو بمنجاة من العقاب، لكنه نسى عين الآب الساهرة، فأوقع نفسه تحت تأديب الآب السماوي الذي أراه أن :

“فِي شَفَتَيِ الْعَاقِلِ تُوجَدُ حِكْمَةٌ، وَالْعَصَا لِظَهْرِ النَّاقِصِ الْفَهْمِ” (أم 10 : 13).

وتعال معي لنسمع ناثان وهو يُعلن للملك داود سلسلة تأديبات القدير، إن رجل الله يقول لذلك الابن المرتد :

“لِمَاذَا احْتَقَرْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ لِتَعْمَلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيْهِ؟ قَدْ قَتَلْتَ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ بِالسَّيْفِ، وَأَخَذْتَ امْرَأَتَهُ لَكَ امْرَأَةً، وَإِيَّاهُ قَتَلْتَ بِسَيْفِ بَنِي عَمُّونَ. وَالآنَ لاَ يُفَارِقُ السَّيْفُ بَيْتَكَ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّكَ احْتَقَرْتَنِي وَأَخَذْتَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ لِتَكُونَ لَكَ امْرَأَةً. هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الشَّرَّ مِنْ بَيْتِكَ، وَآخُذُ نِسَاءَكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَأُعْطِيهِنَّ لِقَرِيبِكَ، فَيَضْطَجعُ مَعَ نِسَائِكَ فِي عَيْنِ هذِهِ الشَّمْسِ. لأَنَّكَ أَنْتَ فَعَلْتَ بِالسِّرِّ وَأَنَا أَفْعَلُ هذَا الأَمْرَ قُدَّامَ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ وَقُدَّامَ الشَّمْسِ” (2 صم 12 : 9 -12).

 

والذي يقرأ حوادث حياة داود بعد سقطته يرى مقدار تأديب الرب له … يرى كيف أذل أمنون ابنه ثامار أخته “فَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَسْمَعَ لِصَوْتِهَا، بَلْ تَمَكَّنَ مِنْهَا وَقَهَرَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا. ثُمَّ أَبْغَضَهَا أَمْنُونُ بُغْضَةً شَدِيدَةً جِدًّا، حَتَّى إِنَّ الْبُغْضَةَ الَّتِي أَبْغَضَهَا إِيَّاهَا كَانَتْ أَشَدَّ مِنَ الْمَحَبَّةِ الَّتِي أَحَبَّهَا إِيَّاهَا. وَقَالَ لَهَا أَمْنُونُ: قُومِي انْطَلِقِي” (2 صم 13 : 14 -15).

وكيف قتل أبشالوم أخاه أمنون “فَأَوْصَى أَبْشَالُومُ غِلْمَانَهُ قَائِلًا: انْظُرُوا. مَتَى طَابَ قَلْبُ أَمْنُونَ بِالْخَمْرِ وَقُلْتُ لَكُمُ اضْرِبُوا أَمْنُونَ فَاقْتُلُوهُ. لاَ تَخَافُوا. أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا أَمَرْتُكُمْ؟ فَتَشَدَّدُوا وَكُونُوا ذَوِي بَأْسٍ” (2 صم 13 : 28).

 

وكيف إضطجع أبشالوم مع سراري أبيه في عين الشمس “فَقَالَ أَخِيتُوفَلُ لأَبْشَالُومَ: ادْخُلْ إِلَى سَرَارِيِّ أَبِيكَ اللَّوَاتِي تَرَكَهُنَّ لِحِفْظِ الْبَيْتِ، فَيَسْمَعَ كُلُّ إِسْرَائِيلَ أَنَّكَ قَدْ صِرْتَ مَكْرُوهًا مِنْ أَبِيكَ، فَتَتَشَدَّدَ أَيْدِي جَمِيعِ الَّذِينَ مَعَكَ” (2 صم 16 : 21).

 

وكيف سب شمعي بن جيرا داود الملك ورشقه بالحجارة “وَلَمَّا جَاءَ الْمَلِكُ دَاوُدُ إِلَى بَحُورِيمَ إِذَا بِرَجُل خَارِجٍ مِنْ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَةِ بَيْتِ شَاوُلَ، اسْمُهُ شِمْعِي بْنُ جِيرَا، يَسُبُّ وَهُوَ يَخْرُجُ، وَيَرْشُقُ بِالْحِجَارَةِ دَاوُدَ وَجَمِيعَ عَبِيدِ الْمَلِكِ دَاوُدَ وَجَمِيعُ الشَّعْبِ وَجَمِيعُ الْجَبَابِرَةِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ” ( 2 صم 16 : 5 -6).

لقد أدب الرب داود تأديباً كاملاً على خطيته التي فعلها، وهو يفعل هذا بكل ابن من أولاده يبتعد عنه لأنه إله قدوس يكره الخطية.

 

والآن تعال لترى مثالاً آخر للتأديب الإلهي في حياة شمشون، ذلك الرجل الذي كان نذيراً لله من بطن أمه، ولكنه تراخى في حياته وسار وراء شهوات عينيه، وأحب دليلة المرأة الزانية، ونام على ركبتيها، وأفشى لها سره العظيم .

 

وانظر كيف أدبه الآب السماوي على خطيته، هذا التأديب الشديد الذي نقرأ عنه في الكلمات:
“وَأَنَامَتْهُ عَلَى رُكْبَتَيْهَا وَدَعَتْ رَجُلًا وَحَلَقَتْ سَبْعَ خُصَلِ رَأْسِهِ، وَابْتَدَأَتْ بِإِذْلاَلِهِ، وَفَارَقَتْهُ قُوَّتُهُ. وَقَالَتِ: الْفِلِسْطِينِيُّونَ عَلَيْكَ يَا شَمْشُونُ. فَانْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ وَقَالَ: أَخْرُجُ حَسَبَ كُلِّ مَرَّةٍ وَأَنْتَفِضُ. وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ فَارَقَهُ. فَأَخَذَهُ الْفِلِسْطِينِيُّونَ وَقَلَعُوا عَيْنَيْهِ، وَنَزَلُوا بِهِ إِلَى غَزَّةَ وَأَوْثَقُوهُ بِسَلاَسِلِ نُحَاسٍ. وَكَانَ يَطْحَنُ فِي بَيْتِ السِّجْنِ” (قض 16 : 19 -21).
فهل تريد أن يؤدبك الرب بعصاه المؤلمة، أذكر ما قاله لداود عن سليمان ابنه “أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا. إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ بِقَضِيبِ النَّاسِ وَبِضَرَبَاتِ بَنِي آدَمَ” (2 صم 7 : 14).

وسر زمان غربتك بخوف.

 

إنه يؤدبهم بالمرض :

 

يكتب بولس للمؤمنين المنحرفين في كورنثوس قائلاً “مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ” (1 كو 11 :30).
وفي سفر أيوب نقرأ الكلمات ” أَيْضًا يُؤَدَّبُ بِالْوَجَعِ عَلَى مَضْجَعِهِ، وَمُخَاصَمَةُ عِظَامِهِ دَائِمَةٌ، فَتَكْرَهُ حَيَاتُهُ خُبْزًا، وَنَفْسُهُ الطَّعَامَ الشَّهِيَّ. فَيَبْلَى لَحْمُهُ عَنِ الْعَيَانِ، وَتَنْبَرِي عِظَامُهُ فَلاَ تُرَى” (أي 33 : 19 -21).

 

وفي سفر التثنية نقرأ سلسلة الأمراض التي يؤدب بها الرب شعبه في الكلمات “يُلْصِقُ بِكَ الرَّبُّ الْوَبَأَ حَتَّى يُبِيدَكَ عَنِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا. يَضْرِبُكَ الرَّبُّ بِالسِّلِّ وَالْحُمَّى وَالْبُرَدَاءِ وَالالْتِهَابِ وَالْجَفَافِ وَاللَّفْحِ وَالذُّبُولِ، فَتَتَّبِعُكَ حَتَّى تُفْنِيَكَ…. يَضْرِبُكَ الرَّبُّ بِقُرْحَةِ مِصْرَ وَبِالْبَوَاسِيرِ وَالْجَرَبِ وَالْحِكَّةِ حَتَّى لاَ تَسْتَطِيعَ الشِّفَاءَ” (تث 28 : 21 ، 22 ، 27).

 

فهل رأيت إلى أي مدى يكره الله الخطية في أولاده، ويوقع عليهم التأديب بسببها إذا لم يتوبوا ويرجعوا إليه؟

 

إنه يؤدبهم بتسليم أجسادهم للشيطان :

 

حين إرتكب أحد أعضاء كنيسة كورنثوس خطية الزنا كتب لهم بولس عنه قائلاً “فَإِنِّي أَنَا كَأَنِّي غَائِبٌ بِالْجَسَدِ، وَلكِنْ حَاضِرٌ بِالرُّوحِ، قَدْ حَكَمْتُ كَأَنِّي حَاضِرٌ فِي الَّذِي فَعَلَ هذَا، هكَذَا .بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ . إِذْ أَنْتُمْ وَرُوحِي مُجْتَمِعُونَ مَعَ قُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ” (1 كو 5 : 3 -5).

 

وحين يُسلم جسد المؤمن للشيطان، فإن الشيطان يُعذب هذا الجسد بشتى الضربات، لقد سمح الرب بأن يُسلم جسد أيوب للشيطان “فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ، وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ” (أي 2 :7) فكم بالحري حين يُسلم المؤمن المرتد للشيطان، إن الرب قد يسمح له أن يضربه حتى يهلك جسده.

 

إنه يؤدبهم بأشواك الحياة :

 

إسمع ماذا يقول الرب في سفر هوشع “لِذلِكَ هأَنَذَا أُسَيِّجُ طَرِيقَكِ بِالشَّوْكِ، وَأَبْنِي حَائِطَهَا حَتَّى لاَ تَجِدَ مَسَالِكَهَا. فَتَتْبَعُ مُحِبِّيهَا وَلاَ تُدْرِكُهُمْ، وَتُفَتِّشُ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَجِدُهُمْ. فَتَقُولُ: أَذْهَبُ وَأَرْجعُ إِلَى رَجُلِي الأَوَّلِ، لأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَانَ خَيْرٌ لِي مِنَ الآنَ” (هو 2 : 6 -7).

فهل سيج الرب طريقك بالشوك لأنك إبتعدت عنه؟ هل أقفل في وجهك أبواب الرزق؟ هل أحاط حياتك بالمضايقين ؟ أسرع وعُد إلى الرب.

إن الرب يؤدب أولاده بشدة لأنه يريد أن يراهم كما يحب قلبه، وهو يقول في سفر هوشع:

“وَقَدْ تَوَغَّلُوا فِي ذَبَائِحِ الزَّيَغَانِ، فَأَنَا تَأْدِيبٌ لِجَمِيعِهِمْ” (هو 5 : 2).
“فَأَنَا لأَفْرَايِمَ كَالْعُثِّ، وَلِبَيْتِ يَهُوذَا كَالسُّوسِ” (هو 5 : 12).
“لأَنِّي لأَفْرَايِمَ كَالأَسَدِ، وَلِبَيْتِ يَهُوذَا كَشِبْلِ الأَسَدِ. فَإِنِّي أَنَا أَفْتَرِسُ وَأَمْضِي وَآخُذُ وَلاَ مُنْقِذٌ. أَذْهَبُ وَأَرْجعُ إِلَى مَكَانِي حَتَّى يُجَازَوْا وَيَطْلُبُوا وَجْهِي. فِي ضِيقِهِمْ يُبَكِّرُونَ إِلَيَّ” (هو 5 : 14 -15).

فيا أيها المرتد المسكين حتى متى تبقى تحت تأديب الرب؟ أسرع إليه وخذ منه الغفران والشفاء .

 

طريق عودة المؤمن المرتد :

 

ما هو الطريق الكتابي لعودة المؤمن المرتد ؟

 

1) إعرف إثمك : إن أول خطوة أن يعرف المرتد إثمه، وهذا ما نقرأه في سفر إرميا

“اِذْهَبْ وَنَادِ بِهذِهِ الْكَلِمَاتِ نَحْوَ الشِّمَالِ، وَقُلِ: ارْجِعِي أَيَّتُهَا الْعَاصِيَةُ إِسْرَائِيلُ، يَقُولُ الرَّبُّ. لاَ أُوقِعُ غَضَبِي بِكُمْ لأَنِّي رَؤُوفٌ، يَقُولُ الرَّبُّ. لاَ أَحْقِدُ إِلَى الأَبَدِ. اِعْرِفِي فَقَطْ إِثْمَكِ أَنَّكِ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكِ أَذْنَبْتِ، وَفَرَّقْتِ طُرُقَكِ لِلْغُرَبَاءِ تَحْتَ كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، وَلِصَوْتِي لَمْ تَسْمَعُوا، يَقُولُ الرَّبُّ” (إر 3 : 12 -13).

عندما رجع داود إلى الرب قال له “لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا. إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ، وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ” (مز 51 : 3- 4 )
ومع أن خطية داود كانت متعددة النواحي إلا أنها كانت أولاً وآخراً (ضد الله) الذي كسر داود ناموسه وعصى وصاياه.

فإعرف أيها المؤمن خطيتك، إعرف ضربة قلبك “فَكُلُّ صَلاَةٍ وَكُلُّ تَضَرُّعٍ تَكُونُ مِنْ أَيِّ إِنْسَانٍ كَانَ مِنْ كُلِّ شَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كُلُّ وَاحِدٍ ضَرْبَةَ قَلْبِهِ، فَيَبْسُطُ يَدَيْهِ نَحْوَ هذَا الْبَيْتِ” ( 1مل 8 :38).

 

2)إرجع إلى إلهك : في سفر هوشع نقرأ الكلمات “هَلُمَّ نَرْجعُ إِلَى الرَّبِّ لأَنَّهُ هُوَ افْتَرَسَ فَيَشْفِينَا، ضَرَبَ فَيَجْبِرُنَا” (هو 6 :1).

وفي مراثي إرميا يُنادي النبي الشعب المرتد قائلاً ” لِمَاذَا يَشْتَكِي الإِنْسَانُ الْحَيُّ، الرَّجُلُ مِنْ قِصَاصِ خَطَايَاهُ؟ لِنَفْحَصْ طُرُقَنَا وَنَمْتَحِنْهَا وَنَرْجعْ إِلَى الرَّبِّ” (مرا 3 : 39 – 40).

فيا أيها المرتد المسكين إرجع إلى نفسك، وعد إلى الرب كما رجع الابن الضال إلى نفسه وعاد إلى أبيه.

 

3) إعترف لله بخطيتك : حين يرجع المرتد إلى الرب فبأي كيفية يرجع؟ هنا يُرينا هوشع كيفية الرجوع قائلاً :
“اِرْجِعْ يَا إِسْرَائِيلُ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكَ، لأَنَّكَ قَدْ تَعَثَّرْتَ بِإِثْمِكَ. خُذُوا مَعَكُمْ كَلاَمًا وَارْجِعُوا إِلَى الرَّبِّ. قُولُوا لَهُ: ارْفَعْ كُلَّ إِثْمٍ وَاقْبَلْ حَسَنًا، فَنُقَدِّمَ عُجُولَ شِفَاهِنَا” (هو 14 : 1 -2 ).
ويشاركنا يوحنا الرسول في ذات الوسيلة قائلاً : “إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ” (1 يو 1 :9).

 

إن المؤمن الذي يُخطىء ضد أبيه السماوي بالفكر أو بالقول أو بالعمل، تتعطل شركته إلى أن يعترف بخطئه ويحكم على نفسه حكماً مؤسساً على حقيقة عمل المسيح على الصليب، وشفاعته في السماء، والله أمين وعادل حتى يغفر له هذا الخطأ ويرد نفسه ويُعيد إليه شركته وبهجة خلاصه، ويطهر ضميره من الدنس الذي علق به.

حين عاد الابن الضال إلى أبيه أخذ معه كلاماً وقال “أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ” (لو 15 : 18 -19) وقد قبله أبوه وأعاد له شركته وبهجة وجوده معه.

 

فيا أخي المؤمن إحذر أن تمضي حياتك بضمير ملوم مُثقل بأخطاء لم تعترف بها، لئلا يتبلد إحساسك الأدبي بالخطية، وعندئذ تقع بين يدي الله لتأديبك، و “مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ” (عب 10 : 31).

لقد وعد الرب في سفر هوشع قائلاً “أَنَا أَشْفِي ارْتِدَادَهُمْ. أُحِبُّهُمْ فَضْلًا، لأَنَّ غَضَبِي قَدِ ارْتَدَّ عَنْهُ” (هو 14 : 4).

وحين شفى الرب إرتداد بطرس طلب إليه أن يرعى غنمه، وأن يرعى خرافه، فالمؤمن المرتد حين يعود للرب يجد خدمة عُظمى تنتظره كما قال الرب لسمعان “وَقَالَ الرَّبُّ: سِمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ.وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ” (لو 22 : 31 -32).

 

ويالا العجب أن يصبح بطرس الجبان المرتد الذي أنكر سيده بعد بكائه المر واعترافه بخطيته بركة لتثبيت الضعفاء من إخوته. ولكنها النعمة التي خلصتنا وهي ذاتها التي تقوينا، وتحفظنا.

فلنذكر دوماً كلمات كاتب الرسالة إلى العبرانيين وهو يتحدث عن المؤمنين قائلاً “وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا مِنَ الارْتِدَادِ لِلْهَلاَكِ، بَلْ مِنَ الإِيمَانِ لاقْتِنَاءِ النَّفْسِ” (عب 10 : 39).

 

 

الفصل الخامس

 

خلاص إلى التمام

 

هل يمكن أن يفقد أحد المولودين من الله خلاصه الأبدي ؟

يقيناً: لا . فكل الكتاب المقدس يتحدث عن الضمان الأبدي للقديسين، وحين نقول القديسين فنحن نعني المؤمنين الحقيقيين “إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَهُمْ وَلَنَا. نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1كو 1 :2 -3).

 

فهم وحدهم الذين يثابرون حتى النهاية، وتعلقهم المستديم بالمسيح هو العلامة الكبرى التي تميزهم عن المعترفين ظاهرياً، وهناك عناية خاصة تسهر عليهم، وحتى وإن فشلوا عملياً في بعض الأحيان في تطبيق الحق، فإنهم لن يتخلوا كلية عن الحق إلى درجة إنكار الرب الذي إشتراهم.

إن المؤمن المولود من الله تخدمه ملائكة السماء كما يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين “أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ” (عب 1 : 14).

 

وتعمل كل الأشياء لخيره كما يقول بولس الرسول “وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ” (رو 8 : 28).

وهو محروس بقوة الله كما يقول بطرس الرسول “أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ” (1 بط 1 :5).

وقد أحصى الله شعر رأسه كما قال الرب له المجد “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ” (مت 10 : 30).
أو في عبارة واحدة أن مركزه لدى الآب السماوي مركز ممتاز عظيم “إِذْ صِرْتَ عَزِيزًا فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّمًا، وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ. أُعْطِي أُنَاسًا عِوَضَكَ وَشُعُوبًا عِوَضَ نَفْسِكَ” (إش 43 : 4).

 

سبعة أمور لا بدّ أن تحدث قبل أن يهلك أحد المخلصين :

 

1)لا بدّ أن يخطف أحدهم المؤمن من يد الآب نفسه :

لقد أعطى الرب للمؤمنين هذا الوعد الثمين “خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي” (يو 10 : 27 -29).

 

فهل هناك من يقدر أن يخطف المؤمن من يد الرب يسوع، ومن يد الآب؟ وإلا يكون معنى ذلك أن الآب القدوس القادر على كل شيء لم يستطع أن يحفظ ما له؟ حاشا أن يهلك أحد خراف المسيح.

 

2)لا بدّ أن يُزيل أحدهم ختم الملكية الذي ختم به الرب المؤمن تأكيداً لمكيته له:

يكتب بولس للقديسين في أفسس قائلاً “الَّذِي فِيهِ أَيْضًا أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ، الَّذِي فِيهِ أَيْضًا إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ، الَّذِي هُوَ عُرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ” (أف 1 : 13 -14).

 

عندما يختم أحدهم شيئاً إشتراه بخاتمه فهذا يعني ملكيته له، وهكذا عندما إشترانا الآب بدم ابنه ختمنا بالروح القدس، وهو العربون الذي أعطاه لنا حتى يأتي وقت فداء أجسادنا. فمن يستطيع أن يُزيل ختم ملكية الله من قلب أي مؤمن؟ لا أحد …. فالمؤمن إذاً لا يمكن البتة أن يفقد حياته الأبدية.

 

3)لا بدّ أن ينزع أحدهم روح الله الساكن في المؤمن :

يقول بولس الرسول للقديسين في كورنثوس “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ” (1 كو 3 : 16)

وقد وعد الرب في إنجيل يوحنا تلاميذه قائلاً “وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ” (يو 14 : 16).

وعبارة (يمكث معكم إلى الأبد) تعني أن الروح القدس يمكث في المؤمن ولا يستطيع أحد أن ينزعه منه أبداً، وقبل أن يهلك المؤمن لا بدّ أن ينزع أحدهم روح الله الساكن فيه، وهذا أمر يتعارض مع وعد الرب “وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ” (يو 14 : 16) إنه أمر مستحيل الحدوث.

 

4)لا بدّ أن يفصل أحدهم المؤمن عن محبة المسيح :

يهتف بولس الرسول بفرح قائلاً “مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ. وَلكِنَّنَا فِي هذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا. فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 8 : 35 -39).

فهل توجد قوة تقدر أن تفصل المؤمن عن محبة المسيح ؟
يقيناً : لا . وإذن فالمؤمن لا يمكن أن يهلك.

 

5)لا بدّ أن يصعد أحدهم إلى السماء ليمحو إسم المؤمن من سفر الحياة :

لقد كتب الرب أسماء المؤمنين في سفر الحياة، في السموات، وهذه هي الآيات التي تؤكد هذا الحق الثمين :

“وَلكِنْ لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ” (لو 10 : 20).
“نَعَمْ أَسْأَلُكَ أَنْتَ أَيْضًا، يَا شَرِيكِي الْمُخْلِصَ، سَاعِدْ هَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ جَاهَدَتَا مَعِي فِي الإِنْجِيلِ، مَعَ أَكْلِيمَنْدُسَ أَيْضًا وَبَاقِي الْعَامِلِينَ مَعِي، الَّذِينَ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ” (في 4 : 3).

“وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا وَكَذِبًا، إِّلاَّ الْمَكْتُوبِينَ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوفِ” (رؤ 21 : 27).
فمن ذا يستطيع أن يصعد إلى السماء ليمحو إسم المؤمن من سفر الحياة ؟
إنه أمر مستحيل ولذا من المستحيل كذلك أن يهلك المؤمن

 

6) لا بدّ أن يفصل أحدهم رابطة البنوية القائمة بين المؤمن والآب السماوي :

نقرأ في إنجيل يوحنا الكلمات “وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ” (يو 1 : 12 -13).

 

فهل يمكن أن يكون المؤمن اليوم إبناً لله وغداً يفقد هذه البنوية؟

إن البنوية هي صلة لا يمكن أن تُفقد أبداً، ومقام لا يتغير إطلاقاً، وبما أن المؤمن هو ابن لله فهو وارث لله بالمسيح “إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ابْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ابْنًا فَوَارِثٌ للهِ بِالْمَسِيحِ” (غل 4 :7).

 

7) لا بدّ أن يغير الله مواعيده الصادقة التي وعد بها المؤمن :

إن كل إمتيازات المؤمن مبنية على أمانة الله المكتوب عنه “لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَلْ يَقُولُ وَلاَ يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلَّمُ وَلاَ يَفِي” (عد 23 : 19).
“لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ” (رو 11 : 29)

وهو قد قال “أَمَّا رَحْمَتِي فَلاَ أَنْزِعُهَا عَنْهُ، وَلاَ أَكْذِبُ مِنْ جِهَةِ أَمَانَتِي. لاَ أَنْقُضُ عَهْدِي، وَلاَ أُغَيِّرُ مَا خَرَجَ مِنْ شَفَتَيَّ” (مز 89 : 33 -34).
“فَإِنَّ الْجِبَالَ تَزُولُ، وَالآكَامَ تَتَزَعْزَعُ، أَمَّا إِحْسَانِي فَلاَ يَزُولُ عَنْكِ، وَعَهْدُ سَلاَمِي لاَ يَتَزَعْزَعُ، قَالَ رَاحِمُكِ الرَّبُّ” (إش 54 : 10).

وقال أيضاً “لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ فَأَنْتُمْ يَا بَنِي يَعْقُوبَ لَمْ تَفْنُوا” (ملا 3 : 6).

لقد إنتهت قضية المؤمن إلى التمام وهو لا يمكن أن يهلك أو يفقد خلاصه تحت أي ظرف من ظروف الحياة.

وتعال معي لتسمع ما يقوله بولس في رسالته إلى أهل رومية “لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ” (رو 5 : 10).

لقد صالحنا المسيح مع الله بموته على الصليب، لكن بالأولى كثيراً أن ننال تمام خلاصنا بحياته.

 

لكن ماذا تعني العبارة (نخلص بحياته)؟ إنها لا تعني الخلاص بحياة المسيح على الأرض وإتباع مثاله. كلا. ولكنها تعني الخلاص بحياته الآن لأجل المؤمنين في السماء كشفيع لهم عند الآب كما يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين “وَأَمَّا هذَا فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ. فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ” (عب 7 : 24 -25).

 

فالرب يسوع بعد أن مات على الصليب صعد إلى السماء، وهو حي هناك ليشفع في المؤمنين به الذين وثقوا في عمل صليبه، وحياته هناك هي ضمان خلاص المؤمنين الأبدي لأنه قادر ( أن يخلص أيضاً إلى التمام ) فخلاصهم ليس إلى وقت من الزمن بل هو خلاص أبدي … خلاص إلى التمام.

 

وهو خلاص مؤسس على موت المسيح وشفاعته (إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم)  وأي نوع من الشفاعة هذه التي يقدمها المسيح لأجل مفدييه ؟

إنه يطلب أن لا يفنى إيمانهم كما طلب لأجل بطرس “وَقَالَ الرَّبُّ: سِمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ!وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ” (لو 22 : 31 -32).

 

وهو يطلب أن يحفظهم الآب في إسمه “وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ، وَأَمَّا هؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ، وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ” (يو 17 : 11)

 

وهو يطلب أن يحفظهم الآب من الشرير “لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ” (يو 17 : 15). وهذا لا يعني أنهم لا يسقطون في الخطية بل يعني أنهم لن يستمروا في هزيمتهم أمام الشيطان، فقد يسقطون كما سقط بطرس ثم يقومون ظافرين منتصرين.

 

وهو يطلب أن يكون المفديون معه في مجده “أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ” (يو 17 : 24).

 

فهل من الممكن أن لا تُجاب شفاعة الرب يسوع لأجل المؤمنين ؟! حاشا …

إنه الضامن الإلهي لخلاصهم الأبدي ولذا قال يوحنا الرسول “يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا” (1يو 2 : 1 -2).

وهناك حقيقة عظمى يجب أن لا تغيب عن ذهننا وهي، أنه إذا كان من الممكن أن يهلك المؤمن، فلماذا يؤدبه الآب السماوي هذا التأديب المؤلم تارة بالمرض، وأخرى بأشواك الحياة، وثالثة بالعصا، وبغير ذلك من التجارب والآلام؟

 

إن تأديب الله لأولاده يعني بغير جدال أنهم لا يمكن أن يهلكوا كما يقول بولس الرسول للمؤمنين في كورنثوس “وَلكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا، نُؤَدَّبُ مِنَ الرَّبِّ لِكَيْ لاَ نُدَانَ مَعَ الْعَالَمِ” (1 كو 11: 32).

 

فتأديب الرب معناه أن المؤمن لا يُدان مع العالم، كما يقرر كاتب سفر الأمثال بالروح القدس قائلاً “هُوَذَا الصِّدِّيقُ يُجَازَى فِي الأَرْضِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الشِّرِّيرُ وَالْخَاطِئُ” (أم 11 : 31).
لقد حمل الرب يسوع المسيح دينونة خطية المؤمن في جسده على الصليب، وهو الآن حي في السماء ليشفع في المفديين، ولذا فإن خلاصهم خلاص إلى التمام.
هذا هو خلاص الله العظيم في معناه، وفي طريقة الحصول عليه، وفي يقينه، وفي ضمان دوامه الأبدي.

فهل هناك ما هو أمجد من هذا الخلاص؟

إبتهج أيها المؤمن وإفرح بخلاصك.
وتعال إيها الخاطىء إلى صليب المسيح، وإقبله مخلصاً شخصياً لك، لتستمتع بيقين الخلاص وتهتف مُردداً مع الرسول الجليل حين قال :
“لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا. لكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ” (2 تي 1 : 12).

 

بل لتردد مُرنماً

إن إسمي في سفر الحياة مُبارك إسم الرب

وبالإيمان إسمي أراه فيه بلا ريب

مجـــــــــــــداً لله إسمي هناك

ربي يــــــــــــســــــــوع كتبه هناك

 

ففي هذا اليقين الأكبر
مفتاح الغد السعيد

++++++++++++++++++++++

 

شبرا مصر

                                                    أول أغسطس  1962

 

عزيزي القارىء

 

لقد كتبنا هذا الكتاب لبركة نفسك …. كتبناه لنشرح لك طريق الخلاص كما هو واضح في الكتاب المقدس …. كتبناه لنساعدك بنعمة الله لتستمتع بفرح اليقين، وسلام الغفران، وبهجة الخلاص، نُصلي أن تكون كلماته قد مست قلبك وليتك تحاول وتريد أن تعرف شيئاً أكثر من مشورة الله.

 

مجلة الأخبار السارة
صندوق بريد رقم 28 شبرا – مصر
الجمهورية العربية المتحدة
أسسها سنة

1952
القس لبيب ميخائيل

المجلة المسيحية التي تقدم لك الإنجيل الكامل
مشتركوها يزدادون سنة بعد سنة

تقرأ فيها

أجمل الإختبارات – وأعمق الدراسات

وأحلى العظات

كل مشتركيها يقولون

إنها بركة عظمى للبيت المسيحي

 

 

مجموعة مؤلفات القس لبيب ميخائيل

 

1- عقدة العقد

2- عالم الخلود حقيقة أم خيال

3- زهور السعادة الزوجية

4- حقيقة التجسد

5- حقيقة معمودية الماء

6- حقيقة الصلة بين المسيحي والناموس

7- حقيقة عقيدة التثليث

8- حقيقة إختبار الميلاد الثاني

9- مفاجآت المجيء الثاني

10- صوت الإختبار

11- مؤتمر القديسين

12- قضية الصليب

13- طريق الحياة الأبدية

14- عظيم إيمانك

15- طريقك إلى السلام

16- مشكلة الألم (الطبعة الثانية المنقحة)

17- تحضير الأرواح

18- المسيحية والسعادة النفسية

19- معمودية الماء في الكتاب المقدس

20- كأس الخمر حلال أم حرام

21- يقين الخلاص

 

 

محتويات الكتاب

 

تقديم الكتاب

 

الفصل الأول

 

معنى الخلاص  

1- غفران الخطايا
2- الميلاد الثاني
3- الإنقاذ من سلطان الشيطان
4- تغيير الجسد الترابي

الفصل الثاني

 

طريق نوال الخلاص
الخلاص ليس بأعمال البر
الخلاص ليس بأعمال الناموس
الخلاص بالنعمة
طريق الله للخلاص
لا تؤجل أمر خلاصك

 

الفصل الثالث

 

يقين الخلاص

 

الفصل الرابع

 

الإرتداد

 

الفصل الخامس

 

خلاص إلى التمام