طريقك إلى السلام

 

 

Your Road to Peace

تأليف

القس لبيب ميخائيل

صاحب ومحرر مجلة الأخبار السارة
دبلوم دراسة الكتاب المقدس
ودبلوم دراسة العقائد المسيحية
ودبلوم دراسة النبوات من كندا

الطبعة الأولى

سنة 1958

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

إلى الذين يحسون بالضيق وهم مُحاطون بكل أسباب الهناء .

إلى الذين يٌعذبهم الخوف ويحطمهم الشقاء .

إلى أصحاب القلوب المنكسرة .

إلى أصحاب العيون الدامعة.

إلى أصحاب النفوس القلقة.

أهدي هذا الكتاب

 

تقديم الكتاب

يعيش الناس في هذا العصر الذري في دوامة هائلة من الأحداث، تجرفهم في طريقها العاصف، وتتركهم يتعذبون وسط أمواج الخوف، والقلق، والإضطراب …
فأخبار الحروب التي تذخر بها الصحف كل يوم، وانحلال الأخلاق الذي أعقب الحرب العظمى الثانية بشكل مروّع، والثورات التي أطاحت بالنظم القديمة وأقامت نظماً جديدة، وإنهيار المُثل العُليا في الحياة الواقعية، وإنغماس الناس في المشغوليات المادية لدرجة أنستهم الله وأبعدتهم عن الإيمان الحقيقي به …. كل هذه الأمور قد تجمعت فسلبت من الإنسان راحته العقلية، وأفقدته سلامه النفسي.

وقد سألت نفسي وأنا أبصر الآلام التي تكاد تَعصُر الناس عصراً، وأرى الكآبة الخرساء وهي ترسم خطوطها السوداء على وجوههم العزيزة، وأتأمل نظراتهم الحائرة وهي ترنو ساهمة إلى الأفق البعيد لعلها تُبصر خيوط الرجاء :

ماهو واجب رجل الله إزاء الناس الذين يعيشون في هذا العصر الرهيب ؟! هل يتركهم يتخبطون في يأسهم، وخوفهم، وهمومهم، وقلقهم، واضطرابهم، وحيرتهم، مكتفياً بأن يتألم بقلبه ومشاعره معهم …؟!! أو يتقدم مستنداً على نعمة الله لمعونتهم حتى يجدوا طريقهم … إلى السلام؟!

وجاءني الجواب من أعماق الكتاب “وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَا أَجْمَلَ أَقْدَامَ الْمُبَشِّرِينَ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِينَ بِالْخَيْرَاتِ” (رو 10 :15).

وما كدت أقرأ هذه الآية الجليلة حتى خُيل إلىّ إنني انتقلت إلى علية أورشليم، ورأيت نفسي وأنا مع زمرة التلاميذ الخائفين … وفجأة ظهر أمامي شخص المسيح الكريم، وقد انساب صوته يملأ العلية قائلاً “وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسْطِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ “ (لو 24 : 36)!!

وعندئذ تأملته … ورأيت الجروح التي في يديه، وآثار إكليل الشوك على جبينه، وعلامات المسامير في رجليه، وعاد صوته المهدىء اللطيف يردد ” سَلاَمٌ لَكُمْ ” وأحسست وأنا أسمع رنين هذا الصوت الجميل في أصداء نفسي بينابيع السلام وقد انفتحت في قلبي، وبتيار من السلام العميق قد جرى في عروقي وملأ كل كياني ….

وفي ذلك المكان المقدس غمرني إحساس سعيد، وأدركت وأنا أتأمل جراحات يسوع أنني قد وجدت ينابيع السلام العظيم .

وقليلاً قليلاً عدت إلى نفسي، وأمسكت بقلبي الضعيف محاولاً بأن أصور على صفحات هذا الكتاب صورة لشخص يسوع المجيد … مُزيل الخوف …. مُريح التعابى …. مُهدىء الإضطراب، ولأسجل بعض تعاليمه القديمة الخالدة وفيها ستجد بنعمته (طريقك إلى السلام) .

 

القس لبيب ميخائيل

شبرا مصر في 23 سبتمبر  1958

 

الفصل الأول

أنت في حاجة إلى السلام

 

ما هي حاجة الإنسان العظمى في هذه الحياة ؟

إن الجواب الأوحد الذي تسمعه يتردد على لسان كل فرد هو :

إن الإنسان في حاجة إلى السلام.

فالسلام هو حلم الإنسانية المتعبة، وأمل النفس الخائفة المضطربة، والرجاء الباسم الذي يتطلع إليه عالم اليوم !.

إنه حاجة الغني والفقير، حاجة المتعلم والجاهل، حاجة العظيم والحقير، حاجة البشرية جمعاء بغير استثناء.

ولا جدال في أن السلام هو أسمى الأحاسيس في هذا الوجود، إنه أحلى من اللذة، وأرقى من السعادة .

فاللذة كما قال فيها أحدهم، إحساس فطري يتمشى مع الغرائز البدائية، يشعر به الحيوان حين يأكل بعد جوع، ويستمتع به الطفل حين يستقر على ذراعي أمه ليرضع من ثدييها، فاللذة إذاً تتعلق بالجسد الذي يولد به الإنسان .

والسعادة هي درجة متوسطة بين اللذة والسلام، فهي ترتقي نوعاً ما عن اللذة في أنها ترقى إلى عقل الإنسان فلا يستمتع بها الحيوان غير العاقل، بل يتذوق حلاوتها الإنسان الكامل حين ينضج عقله وتسمو مداركه …. وهيهات أن تدوم السعادة لإنسان على هذه الأرض .

أما السلام فهو إحساس روحي عميق هادىء مقره قلب الإنسان وفكره وروحه، وهو ينساب إلى داخل القلب كأنغام الموسيقى العذبة، فيهدىء عواطف الإنسان، ويضبط تصرفاته، ويغمر نفسه بإحساس هادىء لطيف، وهو بغير شك حاجة البشر العظمى في هذه الحياة إذ يظل الإنسان بدونه قلقاً، خائفاً، مضطرباً يحس الضيق حتى ولو أحيط بكل أسباب الهناء .

ويجدر بنا ونحن في بداية هذا الفصل أن نتحدث قليلاً عن أعداء السلام، حتى إذا عرفهم المرء وأدرك خطورتهم لا يسمح لهم أن ينهشوا حياته، وأن يمنعوا عن قلبه فيض السلام العميق .

 

أعداء السلام

وأول عدو للسلام هو عدم الإيمان بالله :

أمامي وأنا أكتب هذه السطور قصاصة من جريدة الأهرا م الغراء بتاريخ 6 – 7 – 1958 وهي تحوي مأساة رجل فقد إيمانه بالله، ففقد سلامه النفسي وقضى على نفسه وعلى أسرته بموت مريع.

إسم ذلك الرجل (توماس ما كدويل) وكان يشغل منصب المدير لإحدى شركات الأدوية الأمريكية، ويتقاضى مرتباً قدره إثني عشر ألفاً من الدولارات في العام، ولكنه فقد وظيفته فجاة ولم يكن قد اقتصد شيئاً، ولم يرفع بصره إلى الله ليستمد منه العون والقوة والشجاعة على مواجهة ظروف الحياة، كل ما إستطاع أن يصل إليه بصره هو المستقبل بما ينطوي عليه من ذل، وفاقة، وحرمان ! …

وعاد الرجل إلى بيته وهو غارق في اليأس، وكتب بضع كلمات في مذكرته ثم نهض إلى المطبخ حيث أحضر زجاجة من شراب الأناناس، صب فيها قليلاً من مسحوق (السيكونال) السام، ثم وزع أكواباً منها على زوجته وولديه وأمه المريضة، وتناول هو الكوب الأخير! ….

وبعد يومين اكتشف البوليس الجثث الخمس، وعثر المحقق على مذكرة ماكدويل وكانت فيها هذه الكلمات « إنني أحب زوجتي وأولادي، وليست هناك سوى هذه الوسيلة لإنقاذهم بما ينتظرهم في المستقبل، إنني آسف لما سوف أقدم عليه».

ولو أن هذا الرجل التعس المسكين تمسك بالله، وتيقن أنه سينير له سبيل النجاة، وأنه عندما تهب العواصف في بحر ذي الحياة، ويبدو الضيق واضحاً في كل نقطة، ويغمر الظلام كل منافذ الأرض، تبقى الشمس ساطعة خلف الغيمة، وتبقى أبواب السماء مفتوحة للمعذبين في الأرض، لما فقد سلام قلبه وعقله، ولِما أقدم على هذه الجريمة الشنعاء.

والسجل المقدس يحتفظ لنا بإختبار مرير حدث في حياة آسا الملك، ويرينا هذا الإختبار كيف يحرم الإنسان من الإستمتاع بالسلام حين يستند على البشر، ويترك الإستناد على الله القادر العظيم.

بدأ الملك آسا حياته بعمل ما هو صالح ومستقيم في عيني الرب إلهه … نزع المذابح الغريبة والمرتفعات وكسر التماثيل وقطع السواري وقال ليهوذا أن يطلبوا الرب إله آبائهم وأن يعملوا حسب الشريعة والوصية. ونزع من كل مدن يهوذا المرتفعات وتماثيل الشمس واستراحت المملكة أمامه. وبنى مدناً حصينة في يهوذا لأن الأرض استراحت ولم تكن عليه حرب في تلك السنين لأن الرب أراحه.

وقال ليهوذا لنبن هذه المدن ونحوطها بأسوار وأبراج وعوارض ما دامت الأرض أمامنا لأننا قد طلبنا الرب إلهنا. طلبناه فأراحنا من كل جهة فبنوا ونجحوا .

وفي غمرة هذا النجاح الذي أغدقه الرب على آسا ومملكته “فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ زَارَحُ الْكُوشِيُّ بِجَيْشٍ أَلْفِ أَلْفٍ، وَبِمَرْكَبَاتٍ ثَلاَثِ مِئَةٍ، وَأَتَى إِلَى مَرِيشَةَ. وَخَرَجَ آسَا لِلِقَائِهِ وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ فِي وَادِي صَفَاتَةَ عِنْدَ مَرِيشَةَ. وَدَعَا آسَا الرَّبَّ إِلهَهُ وَقَالَ: أَيُّهَا الرَّبُّ، لَيْسَ فَرْقًا عِنْدَكَ أَنْ تُسَاعِدَ الْكَثِيرِينَ وَمَنْ لَيْسَ لَهُمْ قُوَّةٌ. فَسَاعِدْنَا أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُنَا لأَنَّنَا عَلَيْكَ اتَّكَلْنَا وَبِاسْمِكَ قَدُمْنَا عَلَى هذَا الْجَيْشِ. أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْتَ إِلهُنَا. لاَ يَقْوَ عَلَيْكَ إِنْسَانٌ” (2 أخ 14 : 9 -11).

فهل استجاب الرب صلاة آسا المتوكل عليه؟ أجل، وبكل يقين !!

إذ يسجل الوحي هذه الكلمات “فَضَرَبَ الرَّبُّ الْكُوشِيِّينَ أَمَامَ آسَا وَأَمَامَ يَهُوذَا، فَهَرَبَ الْكُوشِيُّونَ. وَطَرَدَهُمْ آسَا وَالشَّعْبُ الَّذِي مَعَهُ إِلَى جَرَارَ، وَسَقَطَ مِنَ الْكُوشِيِّينَ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَيٌّ لأَنَّهُمُ انْكَسَرُوا أَمَامَ الرَّبِّ وَأَمَامَ جَيْشِهِ. فَحَمَلُوا غَنِيمَةً كَثِيرَةً جِدًّا” (2 أخ 14 : 12 -13).

انتصر الملك آسا لأنه إتكل على الرب القادر على كل شيء، وفي وسط أفراح الإنتصار  “وَكَانَ رُوحُ اللهِ عَلَى عَزَرْيَا بْنِ عُودِيدَ، فَخَرَجَ لِلِقَاءِ آسَا وَقَالَ لَهُ: اسْمَعُوا لِي يَا آسَا وَجَمِيعَ يَهُوذَا وَبَنْيَامِينَ. الرَّبُّ مَعَكُمْ مَا كُنْتُمْ مَعَهُ، وَإِنْ طَلَبْتُمُوهُ يُوجَدْ لَكُمْ، وَإِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَتْرُكْكُمْ” (2 أخ 15 : 1 -2) .

وكانت هذه الكلمات الصريحة تحذيراً من الرب لآسا حتى يستمر في إستناده على الرب فيحيا حياة السلام الفياض .

ومرت السنون “فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَالثَّلاَثِينَ لِمُلْكِ آسَا صَعِدَ بَعْشَا مَلِكُ إِسْرَائِيلَ عَلَى يَهُوذَا، وَبَنَى الرَّامَةَ لِكَيْلاَ يَدَعَ أَحَدًا يَخْرُجُ أَوْ يَدْخُلُ إِلَى آسَا مَلِكِ يَهُوذَا” (2 أخ 16 : 1).

فما الذي فعله آسا يومئذ ! … هل استمر واثقاً في إلهه مستنداً على قوته التي لا تنفذ ؟! أو ضعف إيمانه بالله فإتجه إلى البشر يستند عليهم ليعينوه ؟!

لقد ضعف إيمانه بالله !! ويسجل عليه التاريخ المقدس هذه الآيات “وَأَخْرَجَ آسَا فِضَّةً وَذَهَبًا مِنْ خَزَائِنِ بَيْتِ الرَّبِّ وَبَيْتِ الْمَلِكِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَنْهَدَدَ مَلِكِ أَرَامَ السَّاكِنِ فِي دِمَشْقَ قَائِلًا: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ أَبِي وَأَبِيكَ عَهْدًا. هُوَذَا قَدْ أَرْسَلْتُ لَكَ فِضَّةً وَذَهَبًا، فَتَعَالَ انْقُضْ عَهْدَكَ مَعَ بَعْشَا مَلِكِ إِسْرَائِيلَ فَيَصْعَدَ عَنِّي. فَسَمِعَ بَنْهَدَدُ لِلْمَلِكِ آسَا” (2 أخ 16 : 3 – 4).

أتدري ماذا كانت نتيجة هذا التصرف المشين ؟

لقد كان عدم إيمان آسا مكلفاً …. كلفه فضة وذهباً من خزائن بيت الرب ! وعدم الإيمان مكلف في كل الظروف والأحوال، وتكاليفه تتصل دائماً بالماديات والروحيات، فمن الناحية المادية خسر آسا الذهب والفضة.

ومن الناحية الروحية فقد آسا سلامه إذ نقرأ عنه هذه الكلمات “وَفِي ذلِكَ الزَّمَانِ جَاءَ حَنَانِي الرَّائِي إِلَى آسَا مَلِكِ يَهُوذَا وَقَالَ لَهُ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ اسْتَنَدْتَ عَلَى مَلِكِ أَرَامَ وَلَمْ تَسْتَنِدْ عَلَى الرَّبِّ إِلهِكَ، لِذلِكَ قَدْ نَجَا جَيْشُ مَلِكِ أَرَامَ مِنْ يَدِكَ. أَلَمْ يَكُنِ الْكُوشِيُّونَ وَاللُّوبِيُّونَ جَيْشًا كَثِيرًا بِمَرْكَبَاتٍ وَفُرْسَانٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا؟ فَمِنْ أَجْلِ أَنَّكَ اسْتَنَدْتَ عَلَى الرَّبِّ دَفَعَهُمْ لِيَدِكَ. لأَنَّ عَيْنَيِ الرَّبِّ تَجُولاَنِ فِي كُلِّ الأَرْضِ لِيَتَشَدَّدَ مَعَ الَّذِينَ قُلُوبُهُمْ كَامِلَةٌ نَحْوَهُ، فَقَدْ حَمِقْتَ فِي هذَا حَتَّى إِنَّهُ مِنَ الآنَ تَكُونُ عَلَيْكَ حُرُوبٌ” (2 أخ 16 : 7 -9).

إذن فقد ضاع سلام آسا الملك !! ضاع رغم الماضي المجيد الذي كان له، ورغم اختباره الفريد لقوة الله الذي أعطاه نصرة على مليون من الجنود حين استند عليه !! ضاع … لأنه في لحظة من لحظات الضيق فقد إيمانه في إلهه، واستند على قوة الناس.

وهكذا ختم حياته بالصورة التي سجلها الوحي في العبارات “وَمَرِضَ آسَا فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ وَالثَّلاَثِينَ مِنْ مُلْكِهِ فِي رِجْلَيْهِ حَتَّى اشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَفِي مَرَضِهِ أَيْضًا لَمْ يَطْلُبِ الرَّبَّ بَلِ الأَطِبَّاءَ” (2 أخ 16 : 12).

ومازال التاريخ يكرر نفسه في حياة الكثيرين، فيعيشون بلا سلام لأن قلوبهم خالية من الإيمان الحقيقي بقدرة الله، وعناية الله، ومحبة الله.

العدو الثاني للسلام هو الشك :

يقيناً أنه ما من مرة دخل الشك الرهيب فيها من باب قلب الإنسان إلا وخرج السلام من نافذة حياة ذلك الإنسان .
وتعال معي لنرى صورة لتوما وهو يتلظى على نيران الشك، ويبيت لياليه يتقلب على فراش العذاب.
لقد قام الرب منتصراً على الخطية والشيطان والموت، وتقابل مع التلاميذ الخائفين في العلية وقال لهم “وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُم” (يو 20 : 19).

ولم يكن توما معهم، لقد تغيب عن ذلك الإجتماع التاريخي العظيم، وربما كان سبب تغيبه، تلك الكآبة الخرساء التي سادت جو تلك العلية في أورشليم !! أو إنعدام الرجاء بقيامة المسيح في قلبه !! أو اليأس الذي خيم على حياة زملائه من التلاميذ !! إنه تغيب على أية حال، وتغيب مرة واحدة، وفي تلك المرة جاء الرب الظافر المنتصر المقام من الأموات …. وهنا يجدر بنا أن نقف لحظة لنتعلم هذا الدرس الجليل :

درس عدم التغيب عن إجتماعات المؤمنين مهما أحاط بهذه الإجتماعات من ظروف الحزن والأسى والضيق، لأنه في ساعة لا ننتظرها يُشرق الرب بحضوره المبارك، ويُضىء ظلمات اليأس بوجهه الباسم الحبيب .

وعاد توما …. عاد ليجد أن جو العلية قد تغير، وأن موجة من الفرح تغطي وجوه التلاميذ.
ألم يقل يوحنا التلميذ الحبيب في إنجيله “وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ” (يو 20 : 20).

وها هو توما يرى هذا الفرح وهو يتدفق في مشاعر التلاميذ، هذا هو بطرس الذي كان منذ لحظة عابس الوجه كئيب القلب، قد لمعت عيناه بأنوار الرجاء.

وهذه هي المجدلية التي كانت دموعها منذ ساعات تجري على خديها قد أضاء وجهها ببسمة الهناء، وها هو فيلبس ونثنائيل، ويوحنا، ويعقوب كلهم يرنمون في جو من الهدوء والصفاء !! ويدير توما عينيه في أرجاء العلية ثم ينطق بهذا السؤال : ما الذي حدث !؟

ويجيب التلاميذ قائلين “فَقَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ: قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ!. فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ” (يو 20 : 25).

ويبدأ عقل توما في التفكير السريع، هل حقاً رأى التلاميذ الرب؟ ألا يكون هذا الفرح نتيجة إيحاء ذاتي صور لهم أنهم رأوا الرب والرب ما زال في قبره البارد البعيد ؟! وهل يكون توما رجل المنطق، والعقل، والتفكير السديد في مثل انجراف التلاميذ العاطفيين المساكين ؟!

إذن ليستمر في شكه، ولو أن الشك يعذبه ويضنيه !!

ويتكلم توما في تؤده وهدوء قائلاً “إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ” (يو 20 : 25) .

إما العيان الذي يقود إلى الإيمان .
وإلا فلا إيمان .

لكن هل استمتع توما بالسلام الذي استمتع به التلاميذ وهو يتمسك بأصوات الشك التي دوت في قلبه ؟! يقيناً … لا !!
والمرء يستطيع أن يتصور توما المسكين وهو يذهب إلى فراشه في كل مساء محاولاً أن ينادي النوم، والنوم عن أجفانه بعيد .

وتتزاحم الأسئلة في عقله .
هل يمكن أن يكون المسيح قد قام ؟!
وما علة هذا الفرح الغامر الذي أراه في حياة التلاميذ ؟!
من الذي أعاد الرجاء لبطرس الناكر العاثر؟ ومن الذي مسح دموع عيني المجدلية ؟ ومن الذي أعاد الهدوء إلى يوحنا ؟! ومن الذي سكن الخوف في قلب فيلبس والتلاميذ الآخرين ؟
آه يارب ما أفظع عذاب الشك ! ومع ذلك “إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ”

وهكذا يعيش أسبوعاً طويلاً بأيامه ولياليه. وهو يتعذب في صمت، ويصارع مع شكه في عراك رهيب : والشك والسلام لا يجتمعان .

وكم من شخص ملأت الشكوك رأسه، فخُيل إليه أن الحياة قد خلت من عدالة الله، وأن أنغامها نشاز بلا معنى، ولا حكمة، ولا هدف، وقاده الشك إلى عدم الإيمان في عناية الله، وقدرته، ومحبته، ففقد سلام قلبه، وراحة عقله، واستقرار ضميره.

منذ وقت ليس ببعيد كتبت شابة اسمها ( ليلى) رسالة لكاتب إجتماعي رأيت أن أنقلها في هذه السطور لأنها ترسم صورة حية للعقل حين تختلط به المشاعر، وتملأه الشكوك، وتستد عليه مسالك الفكر، فيفقد المرء سلامه، ويقضي عمره متخبطاً في ظلمات الأوهام.

قالت صاحبة الرسالة «إننا جميعاً صنعنا الله، وكلنا يولد تحت نفس القوانين الطبيعية، ولكن ما هي الحكمة الإلهية في أنه يولد كل يوم الغني والفقير، الجميل والدميم، العبقري والعبيط، التافه والعميق.

إن العلم في تقدم مستمر، وقد حطم العلماء الذرة وربما يصلون إلى القمر، ولكن لو إجتمع علماء العالم وأفنوا عمرهم في الدرس والبحث فهل يستطيعون معرفة الأسباب التي تجعل إنساناً ذكياً وغيره أبله، وإنساناً عبقرياً وغيره غبياً ؟ وهل سيكون هذا الإنسان سعيداً أم شقياً؟ إن العقل البشري مهما يؤتَ من فهم وجبروت لا يستطيع خلق الذكاء والسعادة والجمال ولا حتى التنبؤ بها.

وكذلك القلب إن تكوينه واحد في كل البشر لا يتغير، ولكن لماذا ترى قلباً حقوداً وآخر متسامحاً مُحباً، قلباً كبيراً وقلباً مسكيناً، قلباً رحيماً وآخر قاسياً ؟ … ماذا يفرق هذه القلوب ؟

الفلاسفة يقولون إنها التربية والبيئة والوراثة، ولكننا كثيراً ما رأينا أشخاصاً كانت لهم نفس التربية ونفس البيئة دون أن يصبح لهم نفس القلب … لماذا ؟ لست أعلم !
وكلنا يوقن أن الله عادل …. ولكنني كلما بحثت حولي ودققت النظر ، لم أجد لهذا العدل وجوداً !!

إن الذين يطلبون مالاً يمنحهم الله أطفالاً ، والذين يتمنون أطفالاً لا يوهبون ما يريدون … الرجل العاطفي يعطيه الله زوجة مادية … والمرأة المشتعلة يزف إليها القدر رجلاً معتدلاً … الذين ينشدون الإستقرار بكل قواهم لا تستطيع ظروفهم أن تحققه لهم … والذين يكرهون الروتين بطبيعتهم لا يستطيعون التخلص منه … إننا نرى إمرأة تهجر زوجها لأن عمله يتطلب الإنتقال بين بلاد العالم، وأخرى تهرب من الحياة الزوجية لا لشىء إلا لركودها القاتل !!

لماذا يرضى الله بذلك ؟ لماذا يعطينا ما يريده الآخرون، ويعطي الآخرين ما نريده نحن؟ لماذا يهيىء الظروف التي نتوق إليها لغيرنا، ولنا ما يتمناه الآخرون؟ إن قلبي ليتمزق والدموع تنهمر على الرغم مني، لأنني أحب الله وأؤمن به.

لماذا وضع ناموسه على هذا الأساس؟ ما هو هذا العدل؟ ما منطقه؟ ما جوهره ؟ هل هو لون من العدل لا ندركه أو أنها الإرادة الإلهية التي يعجز عن فهمها عقلنا البشري المسكين ؟

إنك لترى رجلاً طيب القلب متدنياً يعطيه الله إبناً فاسداً يُنغص عليه حياته، وآخر مفسوداً له ابن مستقيم نبيل الأخلاق … أي ذنب جناه الأول وعلى ماذا يُكافأ الثاني؟ ونرى إبناً هو قرة عين أبويه يختطفه الموت وهو في عمر الزهور ويترك كهلاً يائساً ليس له أهل ولا ولد !

ماذا لو أعطى الله لكل واحد ما يحبه ويصبو إليه ، حتى ولو بعد جهد أو بالقدر الذي يستحقه …. ألا يصبح العالم أجمل؟ ألا يصبح الإنسان أرقى خلقاً وأنبل روحاً ؟ ألا تظن معي أنه بذلك تختفي السرقة والخيانة والقتل والكذب والنميمة والحسد وكل شرور العالم لأنها ستفقد أسبابها ودوافعها وبذلك تفقد معناها، أم أن الشر في طبيعة الإنسان ولا تستطيع السعادة الكاملة أن تنتزعه منه ؟

وأكاد أتخيلك ستقول لي «إن كل إنسان يجد لذة في حياته، لا تصدقي إنه يوجد إنسان يتعذب على طول الخط» ولكنني لم أقل لك ولم أجعلك تشعر أنني أتعذب في كل وقت، حتى اللحظات التي يسمونها سعيدة، تكون عندي ممزوجة بالألم».

وقد يخيل لمن يقرأ رسالة ( ليلى) قراءة سطحية، أن الشكوك التي تحويها هذه الرسالة، شكوك معقولة طالما غزت العقل، وشوشت سلام الحياة، وينسى أن هذه الشكوك مبنية على أسس غير سليمة، فصاحبة الرسالة تريد من الله أن يهب كل واحد ما يريده ويهواه، بل تريد أن تجعل من البشر مجرد دُمي يلقى بها الله حيث يشاء، وتنسى أن الله تعالت حكمته قد خلق الإنسان حراً في إرادته، وهذه الحرية هي التي تُحدث هذا التناقض الظاهر في الحياة، ولكنها في ذات الوقت تجعل الإنسان مسئولاً ككائن حر عن تصرفاته أمام الله.

وتنسى أيضاً أن السعادة الكاملة لا تستطيع أن تنتزع جذور الشر من قلب الإنسان. فالشر في طبيعة البشر، والسعادة ليس في مقدورها أن تغير هذه الطبيعة الضالة، إذ بينما لم يكن في الأرض سوى قايين وهابيل وأمامهما أطراف الأرض الواسعة، قام قايين على أخيه هابيل وقتله لا لشيء إلا لأن شر قلبه دفعه للقيام بهذه الجريمة المنكرة، فالإنسان لا يصلح بالسعادة وإنما يتغير بقوة روح الله، حين يتجدد بنعمته ويصبح خليقة جديدة في المسيح.

وتنسى كذلك حقيقة كبرى هي :

أن الله لم يخلق الإنسان لهذه الأرض، لم يخلقه ليعيش عمره يجاهد ظروف الحياة ثم يواريه التراب ! لم يخلقه للأكل والشرب والضحك والبكاء !! بل خلقه للأبدية … خلقه ليحيا معه إلى الأبد حيث لا موت، ولا دموع، ولا صراخ، ولا وجع، ولا صراع فيما بعد … وأن مقاييس الله للحياة الأرضية ليست هي مقاييس الغنى والفقر، والذكاء والبلاهة، والعبقرية والغباء، والقلوب الكبيرة والقلوب المسكينة، وكثرة الأولاد أو قلتهم، بل أن مقاييسه جلت قدرته هي مقاييس روحية تؤكد قيمة الإنسان العظمى في نظره مهما كانت ظروفه، ومواهبه، وشخصيته، ومآسي حياته، وتعلن له أنه في خلال الأبدية التي لن تنتهي سنرى مدى التعويضات الإلهية للذين ظلمتهم ظروف الحياة، أو عذبهم أشرار الأرض، أو تألبت عليهم الأحداث فلونت حياتهم بصورة المأساة، فهناك سيعطيهم الإله العادل جمالاً عوضاً عن الرماد، ودهن فرح عوضاً عن النوح، ورداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة.

لكن حين تغيب هذه الحقائق عن العقل البشري، يسلم قياده لظلمة الشك القاتل، فيحيا الإنسان حياته حائراً ، معذباً، مضطرباً بلا سلام .

العدو الثالث للسلام هو الصراع بين ولائين :

ليس منا من لم يتعرض للصراع بين ولائين أو أكثر في حياته، وليس منا من لا تواجهه مواقف الحياة من حين لآخر بضرورة الإختيار بين قيمتين أخلاقيتين أو أكثر ، وقد يدور هذا الصراع على مشهد من عقولنا وانتباهنا، نشعر به وندبر له، وقد يدور في نفوسنا على غفلة منا فإذا نحن نشكو ونتضجر ونفقد سلامنا دون أن نُ درك مصدراً واضحاً لشكوانا ولا لضجرنا ولا لفقدان سلامنا .

منذ وقت قريب أرسل شابان بكلية الحقوق خطاباً إلى كاتب معروف قالا فيه ما يلي :
«نحن شباب هذه الأيام نسبح في دوامة عميقة من القلق، والإضطراب، حائرين بين ما يسمونه القديم والجديد، فإذا استهوانا الجديد بسحره وفتنته، نصغي إلى دعاة التمسك بالقديم فيعترينا الشك وتُرهقنا الحيرة، ففي أي طريق نسير؟».

وقد أجاب الكاتب الكبير على رسالة هذين الشابين قائلاً :

«إن هذه الحيرة ليست خاصة بشباب بلادنا، فإن الشباب في كل أنحاء العالم يُعانيها، فكثير من الموازين والقيم والتقاليد الدينية وغير الدينية يهتز اهتزازاً عنيفاً، وكثير من المقدسات التي اعتادها الناس تنتابها في هذه الأيام موجة من الشك والتلبيس :
الإيمان …. الدين …. العائلة …. الزواج …. الحرية الشخصية …. الحب …. العلاقة بين المواطن وأسرته وأصدقائه ومجتمعه، كل أولئك وأمثاله تزحف عليه آراء فيها طرافة وبريق وسحر، وفيها قبل كل شيء انطلاق من القيود .

وهذه سمة من سمات العهود التي تعقب الحروب الكبيرة ويضطرب فيها العالم بين الخير والشر، فيسري فيه إحساس بالقلق ويستولى على الناس جميعاً ويحملهم على الشك في الحياة ذاتها وقيمتها وهدفها، وهم يرونها أشبه ما تكون باللعبة في يد بضعة أفراد من ساسة الدول وزعمائها ، بل يغريهم هذا الجو المفعم بالشك والحيرة على تفضيل الإنطلاق من القيود والتمتع بالحياة أبعد ما يكون التمتع وأعمقه» أ . هـ

وهنا يأتينا السؤال :  هل يستطيع الناس أن يتحللوا من القيود بالسهولة التي يتصورونها؟  يقيناً لا !!
لقد غرس العالم القديم معاييره في نفوس الأفراد الذين قضوا طفولتهم وبعض شبابهم فيه، فلما تغير العالم حولهم واجهوه بمعايير راسخة، وتقاليد أخذت صورة التقديس، ومن هنا نشأ الصراع في نفوسهم بين ولائين !

وهذا الصراع هو الأساس الكامن وراء ما نشهد اليوم من اضطرابات عنيفة تحدث في نفوس الأفراد والجماعات .

فتغير وضع المرأة في عصرنا من مجرد عنصر ثانوي في بناء الأسرة إلى شخصية لها كيانها وحريتها واستقلالها ، أوجد الصراع في حياة المرأة والرجل على سواء.
والمعايير والقيم التي يتلقنها الأبناء عن آبائهم، ثم عن مدرسيهم، ثم عن زملائهم، خلقت صراعاً نفسياً في حياة الشباب أفقده كل معاني الراحة والسلام، إذ ما أكثر التناقض بين معايير الآباء، ومعايير المدرسين، ومعايير الزملاء، فعلى حين تعتمد معظم المعايير الواردة من الكبار على قاعدة الطاعة والإحترام يؤازرهما الحب والتشجيع أو القمع والتخويف، تعتمد معظم المعايير الواردة من الأصحاب والزملاء على قاعدة تعامل الند للند في جو من التعاون أوالتنافس، ويروق هذا الجو للتلميذ ويجتذبه لأن فيه إعترافاً بشخصيته المستقلة ولأنه يتيح له الفرصة لتحقيق بعض قدراته وتنميتها .

في مثل هذا الجو يسهل على كثير من المعايير أن تنفذ إلى نفس التلميذ حتى لو تعارضت مع ما يتلقاه في الأسرة، وهكذا يبدو من الجلى … كما يقول عالم كبير من علماء النفس في مقال له نشره في مجلة الصحة النفسية … أن جيل الأبناء يواجه مصادر للصراع أكثر وأعقد مما يواجه جيل الآباء، ومن ثم فمن الطبيعي أن يعانوا من الصراع أعنف وأخطر مما يتعرض له جيل الآباء، ومن الطبيعي كذلك أن نتوقع انتشار المرض النفسي فيما بينهم انتشاراً يفوق كثيراً ما هو حادث في جيل الآباء».

إن صورة الصراع بين ولائين كما يقول عالم النفس الكبير تظهر بوضوح في شخصية أنتيجونا وهي توارى أخاها التراب وتؤدي له طقوس الموتى، فقد كانت أنتيجونا تستجيب بذلك لعاطفة إنسانية عميقة الجذور في نفوسنا جميعاً، ولكنها كانت في الوقت نفسه تنتهك أحد قوانين المجتمع الذي تنتمي إليه، لأن هذا المجتمع قد إعتبر أخاها خائناً لوطنه. وكذلك يبدو الصراع بين ولائين في شخصية هاملت التي صورها شكسبير بقلمه الجبار، فعندما كان هاملت يندب سوء الطالع الذي جعل منه متردداً لا يستطيع أن يحزم رأيه على قرار ما أو يعبىء قواه لفعل معين كانت تتوزعه قوى تصدر عن ولائين متعارضين:

ولاءه لأبيه وما يمليه عليه ذلك من ضرورة الإنتقام لخيانته ومقتله.
وولاءه لأمه ولكل ما تُثيره صورة الأم في نفس ابنها من حب وعطف واحترام ورهبة !!
كانت أنتيجونا موطناً لصراع بين معيارين أخلاقيين، كلاهما له القدرة على الإغراء والإلزام، وكان هاملت موطناً لصراع بين معيارين أخلاقيين ، كلاهما له القدرة على الإغراء والإلزام أيضاً، ومن هنا كانت المأساة التي أفقدت كليهما سلام حياته .
والسجل المقدس يرسم لنا صورة للصراع بين ولائين في شخصية ( الشاب الغني) الذي جاء لمقابلة السيد المسيح، وذكر قصته ثلاثة من المبشيرين، يصفه متى البشير فيقول إنه (شاب ) ” فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ الْكَلِمَةَ مَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ” (مت 19 : 22).

ويصفه لوقا الطبيب الحبيب فيقول إنه (رئيس ) “وَسَأَلَهُ رَئِيسٌ قِائِلًا: أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ” (لوقا 18 :18)

ويصفه مرقس البشير فيقول إنه (إنه كان ذا أموال كثيرة) “فَاغْتَمَّ عَلَى الْقَوْلِ وَمَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ” (مر 10 : 22).
شباب زاهر، ومركز عظيم، وغنى وفير !!

لكن هذا الشاب يحس في أعماق قلبه بحاجته إلى شيء أسمى، والإنسان يظل قلقاً، معذباً إلى أن يجد الله، ويمتلىء قلبه به كما يقول أوغسطينوس «يا الله أنت خلقتنا لذاتك ولا تستريح نفوسنا إلا فيك»، وهكذا جاء ذلك الشاب إلى المسيح المجيد وسأله ” أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ” لقد تاق قلبه إلى شيء أرفع من المركز، وأسمى من الغنى، وأبقى من الشباب تاق إلى (الحياة الأبدية) وهنا أوقفه المسيح له المجد موقفاً صريحاً مع نفسه، فأجابه قائلاً “لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ” (لو 18 : 19) أو في عبارة أخرى. هل تؤمن أيها الرئيس الشاب بصلاحي ؟

إذاً وجب عليك أن تؤمن بلاهوتي لأنه “لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ” وبعد أن أعلن له حقيقة شخصه المجيد، طلب منه كل ولائه، فقال له “يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ: اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلًا الصَّلِيبَ” (مر 10 : 21).

وهنا يظهر الصراع بين ولائين جلياً في حياة هذا الشاب .

الولاء لله والأبدية
والولاء للمال الكثير الذي بين يديه !
أيترك أمواله الكثيرة لأجل إلهه وأبديته؟ أم يترك إلهه وأبديته لأجل أمواله ؟
هنا نتقابل مع معيارين كلاهما له القدرة على الإغراء والإلزام

الله       و    المال

ونقف لنرى ذلك الرئيس الغني الشاب، وقد فقد سلامه، واضطربت نفسه وشوش الصراع الدائر في فكره بين ولائين ، فنقرأ عنه الكلمات ” فَاغْتَمَّ عَلَى الْقَوْلِ وَمَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ” (مر 10 : 22).

وكل نفس تجتاز صراعاً من هذا النوع تفقد سلامها وراحتها واستقرارها … فإرفع قلبك لله واطلب منه أن يوحد قلبك في محبته.

العدو الرابع للسلام هو الإنفعالات النفسية الضارة :

سجل رسول الأمم العظيم بولس في الأصحاح الرابع من رسالته إلى أهل أفسس سلسلة الإنفعالات الضارة التي تفقد الإنسان سلامه، ووصفها في هذه الكلمات ” لِذلِكَ اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ، وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ، لأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ الْبَعْضِ. اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا. لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ، وَلاَ تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَانًا. لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلًا الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ. لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ. وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ. لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ. وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ” (أف 4 : 25 – 32).

والرسول يذكر هنا : ( الغيظ …. والمرارة …. والسخط ….. والغضب …. والصياح ….. والتجديف ….. والخبث ) وكلها إنفعالات ضارة تشوش سلام العقل والقلب معاً، وتصيب الإنسان بأخطر أنواع الأمراض.

جاء في كتاب عنوانه ( في التحليل النفسي) أنه منذ نحو خمس وعشرين سنة خلت، إعترى أوساط الأطباء شبه هزة من الدهشة إذ فاجأها رجل من كبار أطباء جراحي العالم، فأعلن في حقل طبي كبير أنه يرى أن قرحة المعدة تنشأ من التوترات الإنفعالية أي من أسباب نفسية، ولم تكن الدهشة لطرافة الفكرة أو لخروجها عن المألوف فحسب، بل لمجيئها على لسان رجل أنفق حياته في دراسة أعضاء الجسم وجراحته، فلم تكن العوامل النفسية وتأثيرها في صحة الجسم مما يعنى به.

وقد كان الرأي الطبي في ذلك الوقت يجمع على أن قرحة المعدة تنشأ من إختلال فحواه أن غشاء المعدة يتآكل من فعل عصيرها الحامضي، مثله في ذلك مثل الطعام، ولكن الأسباب المؤدية إلى هذا الإختلال الوظيفي بقيت غامضة حتى تلاحقت الأدلة في السنوات العشرين الأخيرة تثبت تأثير الإنفعالات النفسية في وظائف المعدة وما تحدثه من اضطراب خطير قد يؤدي في النهاية إلى آفة القرحة.

وقد جاء الدليل الحاسم على صحة هذا الرأي في مشاهدات لحالة فريدة، لصبي إسمه (توم) كان يرقب موعد العشاء في لهفة فدخل المطبخ ورأى حساءً شهياً يغلي على النار، فشرب منه ملعقة ألهبت حلقه واحترق منها المريء، وتطور الأمر حتى إنسد الطريق إلى المعدة إنسداداً تاماً، فإضطر الجراح أن يهيىء له فتحة خارجية في المعدة أشبه شيء بفم معدي، فكان يمضغ طعامه ويصبه في أنبوبة تدخل إلى المعدة عن طريق هذه الفتحة.

ولما تقدمت السن (بتوم) إستضافه طبيب كبير في معمله وأخذ يرصد خلال هذه الفتحة تأثير الإنفعالات في غشاء المعدة وفي حركة جدرانها فتبين له أن الإنفعالات تستثير حركة بالغة وإفرازاً حمضياً عظيماً، وإذا دامت هذه الإنفعالات زمناً طويلاً واشتد تأثيرها ظهرت في غشاء المعدة بقع من النزيف ومظاهر تقرح، لا تلبث إذا طال بها الأمد أن تتحول إلى قرحات حقة.

فالإنفعالات النفسية الضارة، عندما تجد مكانها في إنسان ما، فهي لا شك تهدم سلامه، وتحطم صحته، وتصيبه بأشر الأمراض العصبية والعضوية.
يحدثنا دكتور فيكتور بوشيه في كتابه طريق السعادة قائلاً « إن الحقد له توابع بمثابة الحاشية من الملك، نذكر منها الأقطاب الثلاثة وهي الحسد والغيرة والغضب، فتلك الآفات تنتج سموماً تضر بالصحة وتقضي على جانب كبير من الطاقة والحيوية اللازمتين للتفكير السليم والعمل المنتج .

إن الحسد لا يكسبك شيئاً ولا يقلل قيمة الآخرين في شيء، بيد أنه على العكس يهدم فيك القوة الضرورية لإكتساب ذلك المركز الذي هو موضوع حسدك . كما يضفي على طبعك حدة، وكآبة ، وقلقاً، فتفسد حياتك كلها وتغدو إنساناً مكروهاً ثقيل الظل .
ومنذ وقت قريب كتب كاتب إجتماعي جليل هذه الكلمات « إن الكثرة الغالبة فينا لا تذكر الآخرين في غيبتهم بغير الشر، وفي أضعف الإيمان بالسكوت إذا ذكرهم غيرنا بالشر أو بإيماءة من الرأس أو بسمة من الفم تحمل معاني عديدة ليس فيها الإعتراض على ما نسب إلى الناس من الشر. فإذا حضروا فالتحيات المباركات والإستقبالات التي تدل على الشوق واللهفة والتقدير.

إذا أمكن أن نسمي هذا نفاقاً أو جُبناً، فبماذا نسمي ذكر الآخرين بالشر؟ إنه الكراهية والحقد والشعور بالفردية، وكأن الواحد منا يُريد أن يكون وحده في هذه الدنيا، ما فيها من خير له وحده، وما فيها من شر لغيره، ما فيها من مدح وتقدير له وحده، وما فيها من ذم وتشهير لغيره، ولو عرف أن ما يفعله مع الناس يفعله الناس معه، يذمونه إذا غاب ويبشون في وجهه إذا حضر، لما أحس بالغبطة حينما يسمع ذم الناس في الغائبين، ولقال كلمة خير في حقهم عسى أن يفتح الله على إنسان من الناس أن يقول هو أيضاً كلمة خير في حقه إذا كان غائباً ».

فإذا راودتك أشباح الحسد أو الحقد، فينبغي عليك أن تعمل على طردها فوراً ، وأعلم أن ما تحسد عليه جارك يمكنك أن تحصل عليه لو أعدت تربية إرادتك في الطريق المسيحي الصحيح، فحاول بنعمة الله أن تدرب نفسك على التلذذ بسعادة الآخرين، فهذه خير وسيلة لإكتساب سلام نفسك وراحة بالك، وصحتك، وسعادتك، وما كان الحسود الحقود يوماً سعيداً .

ويجدر بنا ونحن نذكر الإنفعالات النفسية الضارة أن نذكر معها التشاؤم، فالمتشائم كما يقول دكتور بوشيه يرى دائماً الجانب السيء من الأشياء، فإن كان يتنزه على شاطىء الريفييرا لم يلفت نظره إلا جفاف التربة وتغير لون أوراق الشجر، أما شفافية السماء وزرقتها، وجمال البحر، والشمس الساطعة، وإنعكاس الأضواء السحرية على الصخور الملونة. فذلك كله لا يسترعى انتباهه.
وإذا كان في زيارة معرض من معارض التصوير لم يستأثر بإهتمامه إبداع الفنانين بل سوء ذوق المحكمين، أو تلك اللوحات القليلة التي خان أصحابها التوفيق بين عدد كبير من التحف الفنية.

وإن تحدث عن أسرة لم يرَ في أفرادها النبل، والمحبة، والتضحية، بل قال إن أطفالها أهل ضجة وعبث ومرض.

والمتشائم يعتقد أن جميع الممتازين حفنة من الظالمين أو البلهاء، وأن زملاءه دساسون، ومرؤسيه كسالى من فاسدي الذمة.
وللتشاؤم توابع هي : التمرد، وسوء الظن ، وضيق الصدر، وفساد المزاج. ومصدر هذه الصفة إفراط الثقة بالنفس، مع ضعف في الإرادة واضطرابات عضوية لا شك فيها كائن يكون الإنسان مصاباً بإضطراب في المعدة أو الكبد .

والمتشائم لا إنسجام بينه وبين الناس أو الأشياء، فهو يريد العالم كله على أن يتغير ليوافق شخصه مع أنه هو النغمة النشاز في العالم، لهذا قال الله لشعبه في القديم ” لاَ يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ، وَلاَ مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً، وَلاَ عَائِفٌ وَلاَ مُتَفَائِلٌ وَلاَ سَاحِرٌ “ (تث 18 : 10).

فأذكر دائماً أن الإنفعالات النفسية الضارة هي السر في حرمانك من السلام، وأطع كلمات الرسول القائلة “وَأَمَّا الآنَ فَاطْرَحُوا عَنْكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا الْكُلَّ: الْغَضَبَ، السَّخَطَ، الْخُبْثَ، التَّجْدِيفَ، الْكَلاَمَ الْقَبِيحَ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ. لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، إِذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ، حَيْثُ لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ. فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَمُسَامِحِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا إِنْ كَانَ لأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ شَكْوَى. كَمَا غَفَرَ لَكُمُ الْمَسِيحُ هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا. وَعَلَى جَمِيعِ هذِهِ الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَالِ. وَلْيَمْلِكْ فِي قُلُوبِكُمْ سَلاَمُ اللهِ الَّذِي إِلَيْهِ دُعِيتُمْ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ، وَكُونُوا شَاكِرِينَ” (كو 3 : 8 -15).

العدو الخامس للسلام هو القلق :

عندما نطق السيد المسيح له المجد بكلمته الجليلة “فَلاَ تَطْلُبُوا أَنْتُمْ مَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَشْرَبُونَ وَلاَ تَقْلَقُوا” (لو 12 :29) كان يضع يده الرحيمة على مرض عضال في نفوس البشر هو مرض (القلق ) الذي يحرم الناس من التمتع بالسلام الفياض .
ولقد أصبح مرض القلق مركز اهتمام الناس في العالم أجمع بعد أن انتشرت عوامله وعمت مظاهره في الكبار والصغار ، ولا شك أن للحربين العالميتين الأخيرتين دخلاً كبيراً في تفشي ظاهرة القلق بين الناس .

فما هو القلق ؟ وما مظاهره ؟ وما أسبابه وبواعثه ؟

القلق هو عدم الإرتياح، مع ميل إلى عدم الإستقرار، إنه صراع ناتج عن فقدان التوازن وعن فشل في التكيف، إنه في عبارة واحدة (الحرمان من الهدوء ).
وقد يظهر القلق في مظاهر الحياة من نوم وعمل وتفكير وشعور، وفي وظائف الأعضاء من أعصاب وسلوك ومزاج وانتظار واختيار .
ولا يكون القلق دائماً مصبوغاً بصبغة الحزن بل قد يختفي وراء مرح مصطنع، ونشاط ظاهر، وهكذا نجد أغلب الناس يتصنعون السعادة، ولكنهم في الباطن يعانون أمرّ أنواع القلق، والدليل على قلقهم هو اندفاعهم نحو المال، ونحو اللذات، ونحو الشهرة، مما يؤكد عدم وصولهم إلى الشعور بلذة الحياة كحياة، ونعمة الوجود كوجود .
والشخص القلق هو الشخص الذي تعرض لمشكلة تعوقه عن الوصول إلى هدف طبيعي أو أي هدف آخر حدده لنفسه، وأقوى الدلائل على وقوع المرء في حالة قلق هو عدم قدرته على التركيز، واستمرار شعوره بالتعب من الصباح إلى المساء .

ونأتي الآن إلى الحديث عن أسباب القلق :

وأول أسباب القلق هو ( الشعور بالنقص) :

ويتكون هذا الشعور في الإنسان كما يقول أحد علماء النفس من التفكير الخاطىء إما في الطفولة أو من اختبارات مريرة مر بها الفرد فيما بعد، ويمكننا أن نُعرف الشعور بالنقص بهذه العبارة الواضحة (عدم ثقة الإنسان بنفسه ) .

فكيف يتكون الشعور بالنقص في مرحلة الطفولة ؟

يحاول الطفل أن يحمل شيئاً ثقيلاً لا يقوى على حمله، ويتدخل الأهل ويمنعون الطفل من القيام بفعله هذا ويقولون له : «أنت صغير لا تتحمل هذا » وتتكرر هذه المواقف وبتكرارها يكون الطفل عن نفسه فكرة العجز وعدم القدرة دون أن يجرب قدراته، وبناء على ذلك :

إما أن يثور الطفل على أهله ويكون في نفسه رغبة العصيان، وإما أن يخضع خضوعاً مطلقاً دون أن يناقش وبذلك ينطوي على نفسه إنطواء تاماً، ويخاف من كل فعل، وتموت فيه روح الإبتكار، وقبل أن يصل إلى هذه النهاية فإنه يمر بمرحلة قلق ناشئة عن الشعور بالنقص .
ولكي نفهم جيداً العلاقة بين الشعور بالنقص والقلق أذكر المثل التالي وهو قصة شاب ذكي تعرض في طفولته إلى كل الإهانات الممكنة، وكان أهله مهملين في تربيتهم لأولادهم، وعندما كان هذا الشاب يرتكب خطأ من أخطاء الطفولة كان أهله يؤنبونه بعنف ويكررون له الإهانات ويصفونه بالصفات المحقرة، ومرت هذه الحوادث وكأنها انتهت مع الطفولة، لكن الواقع أن هذا الطفل كان يتألم آلاماً نفسية مرة، وكانت أحلامه تدور كلها حول النصر والفوز ومواقف البطولة وإرضاء الجماهير المجتمعة ودفعها إلى الإعجاب به والتصفيق له ….

وبالفعل عندما صار الطفل شاباً كان يقضي كل وقته في الإطلاع على سير العظماء، وكان كل عظيم يوحي إليه بإتجاه يحاوله فعلاً، وهكذا رآه الناس يتعلم العلوم، ثم اللغات، ثم الرياضيات، ثم الرسم، ثم الشعر . ولكنه كان مستعجلاً يرغب في الوصول للقمة في كل فرع من فروع المعرفة بسرعة فائقة لا تمكنه من النضوج، وبذلك كان دائماً يتعرض للسخرية وتهكم الأصدقاء، وأصبح معروفاً بعدم استقراره على إتجاه معين وعدم نجاحه في أي موضوع من الموضوعات التي يشرع في تعلمها .

ولا ننسى أن هذا الشاب عانى كغيره من الشبان أزمات المراهقة وهي أزمات متعبة للجسم والنفس، وإجتماع أزمة المراهقة بأزمة مقاومة الشعور بالنقص عن طريق التعويض، أدت إلى إنهيار في النشاط النفسي وأصبح الشاب عاجزاً عن القيام بأي عمل وأصبح إختياره في أي موضوع شاقاً حتى أنه كان يسأل الناس عما يجب أن يفعله، وهكذا كان شعوره بالنقص يتفاقم واحتقاره لنفسه يزداد وأصبح لا يفكر إلا في إصلاح حالته التي تعقدت تعقداً لا يسهل على أي شخص التغلب عليه .

وفي هذه الحالة ظهر القلق في تصرفاته بأتم مظاهره المعهودة : عدم القدرة على الجلوس في مكان واحد، الخوف من المجهول، إنتظار الخطر وراء أي فعل، كل هذا مع اضطراب النوم وعدم القدرة على التركيز وكثرة النسيان والشك في كل الناس وتوهم الأمراض المختلفة.
وأصبح الشاب المسكين غير قادر على هضم أي طعام، يشعر بآلام مستمرة في المعدة والأمعاء، كما لازمه وجع الرأس الذي لا تؤثر فيه المسكنات …. هذه صورة تُرينا العلاقة بين الشعور بالنقص والقلق .

وفوق هذا فإن القلق يأتي من وجود الشخص في موقف يشبه مواقف الطفولة، كوجود النحيف الضعيف بين الأشداء الأقوياء، أو وجود المتأخر في علم بين المتضلعين فيه، أو وجود الشخص الدميم بين أشحاص أغدق الله عليهم نعمة الجمال، فهذا الفرق يجعل من الصعب على الشخص أن يتكيف، ويولد ظاهرة القلق تواً .
وهنا أرى لزاماً على أن أذكر الوالدين بضرورة مدح أولادهم، وإظهار التقدير لهم، حتى لا يصاب الأولاد بالشعور بالنقص نتيجة إهمالهم وتحقيرهم، ولقد كان قيصر يقول لولده « يا بني أنت أقوى إنسان في العالم … فأنا أحكم إمبراطوية، وأمك تحكمني، وأنت تحكم أمك»

والواقع إننا كلنا أطفال ننتظر كلمة المديح، فقل كلمة المديح لولدك، ولزوجتك، ولزميلك، فهي ترفع معنويات المرء وتعالج فيه إحساسه بنقصه .

السبب الثاني من أسباب القلق هو ( الإسراف الجنسي ):

والإسراف الجنسي هو أهم عامل في هدم الحياة الإنسانية، وأخطر مصدر للأمراض الجسمية والنفسية، وقد إعتقد فرويد أن الجنس هو أساس كل عقدة نفسية وكل اضطراب هستيري، والحقيقة أن نفس السيطرة الجنسية اضطراب يجب تنظيمه بحيث لا يكون الشخص مندفعاً إليه إندفاعاً أعمى يعوقه عن أنواع النشاط الأخرى .

والشخص الذي يقع تحت سيطرة الإسراف الجنسي لا يلبث بعد ذلك أن يندفع إلى التعويض بالأكل وهكذا يقع الكثير من الناس في حلقة مفرغة يدورون حولها من غير توقف إلى أن يصابوا بهزال خطير واضطرابات معقدة تفقدهم معنى الإحساس بالسلام .

ويجب أن يفهم هؤلاء حقيقة الصلة بين النشاط الجنسي وبين وظائف الغدة النخامية، فالغدة النخامية تتعب بالإسراف الجنسي، وبما أنها تقوم بوظائف حيوية أخرى هامة، فإن هذه الوظائف تضطرب اضطراباً ملحوظاً، ومن بين وظائف الغدة النخامية الهامة نجد تنبيه الغدتين فوق الكليتين والبنكرياس . واضطراب الغدتين فوق الكليتين يؤدي إلى اضطراب في إفراز الأدرينالين ويُحدث هذا تعكيراً للمزاج، وظهور الإنفعال بسهولة فيثور الشخص لأدنى سبب ويتعب من أقل مجهود . وهذه أعراض القلق .
وأما اضطراب إفراز خلاصة البنكرياس فيؤدي إلى عجز هضم البروتينات وخصوصاً اللحوم والبقول الناشفة مثل الفول والعدس ولكن المسرف الجنسي لا يعرف هذه الحقائق ويأكل كل ما يقع تحت يده، ويسرف في أكل اللحم والبقول الناشفة، ولا يستطيع هضمها، ويظل في الجسم فضلات وسموم تُحدث آثاراً سيئة في الجهاز العصبي وتولد بدورها قلقاً عصبياً ونفسياً.

لهذا أفرد بولس الرسول أصحاحاً في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس تحدث فيه عن وجوب تنظيم العلاقات الجنسية بين الرجل وزوجته . لكي لا تكون هذه العلاقات سبباً في حياة الضعف، والهزال، والقلق، وفقدان السلام الذي يتبع هذه كلها وإنما تكون الحياة الزوجية، حياة مباركة تسعد كلا الزوجين وتعطيهما المزيد من الهناء والإستقرار والهدوء .
فتعال معي لتسمع حديث بولس الرسول بهذا الخصوص “وَلكِنْ لِسَبَبِ الزِّنَا، لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ، وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا. لِيُوفِ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ حَقَّهَا الْوَاجِبَ، وَكَذلِكَ الْمَرْأَةُ أَيْضًا الرَّجُلَ. لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهَا، بَلْ لِلرَّجُلِ. وَكَذلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهِ، بَلْ لِلْمَرْأَةِ. لاَ يَسْلُبْ أَحَدُكُمُ الآخَرَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوافَقَةٍ، إِلَى حِينٍ، لِكَيْ تَتَفَرَّغُوا لِلصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، ثُمَّ تَجْتَمِعُوا أَيْضًا مَعًا لِكَيْ لاَ يُجَرِّبَكُمُ الشَّيْطَانُ لِسَبَبِ عَدَمِ نَزَاهَتِكُمْ” (1 كو 7 : 2 -5).

والمتأمل في كلمات الرسول الجليل، يلاحظ هذه الحقائق :

1-إن الصلة الجنسية بين الرجل وزوجته صلة مقدسة كما يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين “لِيَكُنِ الزِّوَاجُ مُكَرَّمًا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْمَضْجَعُ غَيْرَ نَجِسٍ. وَأَمَّا الْعَاهِرُونَ وَالزُّنَاةُ فَسَيَدِينُهُمُ اللهُ” (عب 13 : 4).
2-إن هذه الصلة يجب أن تتم بموافقة الطرفين، ويجب أن تخلو من الأنانية .
3- إن هذه الصلة يجب أن تنظم تنظيماً تاماً بين الزوجين، حتى لا يسرفا فيها، فتقضي على سلامهما النفسي، وكذلك تؤثر تأثيراً ضاراً في حياتهما الروحية فيقول في ذلك “لاَ يَسْلُبْ أَحَدُكُمُ الآخَرَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوافَقَةٍ، إِلَى حِينٍ، لِكَيْ تَتَفَرَّغُوا لِلصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، ثُمَّ تَجْتَمِعُوا أَيْضًا مَعًا لِكَيْ لاَ يُجَرِّبَكُمُ الشَّيْطَانُ لِسَبَبِ عَدَمِ نَزَاهَتِكُمْ “ (1 كو 7 : 5).
والرسول هنا يعتبر الإسراف الجنسي سلباً ويحض على ضرورة التفرغ من حين لآخر للصلاة والصوم . ويقيناً أن من يسير على هذا الطريق السليم يقي نفسه من القلق الناتج عن الإسراف الجنسي الضار .

السبب الثالث من أسباب القلق هو ( الشعور بالذنب ) :

يقول إشعياء في الأصحاح الثامن والأربعين من سفره هذه الكلمات “لاَ سَلاَمَ، قَالَ الرَّبُّ لِلأَشْرَارِ” (إش 48 : 22). ثم يعود فيؤكد في الأصحاح السابع والخمسين كلماته قائلاً  “أَمَّا الأَشْرَارُ فَكَالْبَحْرِ الْمُضْطَرِبِ لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ، وَتَقْذِفُ مِيَاهُهُ حَمْأَةً وَطِينًا. لَيْسَ سَلاَمٌ، قَالَ إِلهِي، لِلأَشْرَارِ “ ( إش 57 : 20 -21).

وفي هذه الكلمات الأخيرة يصور لنا إشعياء النبي صورة مجسمة لنفسية الإنسان الشرير، إنها كالبحر المضطرب الذي لا يستطيع أن يهدأ، وتقذف مياهه حمأة وطيناً، ثم يقرر لنا النبي أنه ليس سلام قال إلهي للأشرار، فكل خطية يفعلها الإنسان تترك طابعها الأسود على نفسه وضميره وتفقده سلامه إن آجلاً أو عاجلاً، فتنهش حياته الداخلية أحاسيس الندم، وتقلقه عقدة الشعور بالإثم .

ويحدثنا عالم جليل من علماء النفس عن فتاة توفيت أمها وتركتها طفلة صغيرة دون العاشرة، وحُرمت من حنان الأم وصارت تتعلق بأي إمرأة تحنو عليها، وعندما كبرت فهمت بعض الأسرار العائلية التي أثبتت لها أن أباها كان قاسياً على أمها التي تأثرت أعصابها من كثرة الإنفعالات ومرضت بالقلب والضغط وماتت أثناء خلاف شديد وإنفعال قوي من سوء معاملة زوجها فصارت الفتاة تحقد على والدها وبالتالي على الرجال جميعاً … وصادفت من بين جيرانها إمرأة أغرتها بالسلوك في طريق غير سوي .

لكن هذه الفتاة كانت تشعر بالذنب، لعلمها أن أفعالها خارجة عن الطريق الشريف، ولذلك كانت تبذل طاقة عصبية ونفسية عالية لمواجهة شعورها الداخلي، وكانت تشعر بهبوط بعد كل خطية ترتكبها، وعاشت الفتاة على هذا النحو ثلاث سنوات ثم تعرفت على شاب أعجبها بثقافته وعطفه عليها، وكان اهتمامه بها يثير في نفسها إنزعاجاً يصل أحياناً إلى حد البكاء المبهم السبب، وبكت مرة أمام ذلك الشاب وحاول معرفة السبب وتخيل صراعاً في نفسها بين حبها له وحبها لشاب آخر وبذل كل ما في وسعه ليُنسيها حبها الأول وصارت حالتها النفسية تسوء وبدا التعب واضحاً في ذبول صحتها العامة وهبوط تركيزها إذ أصبحت عاجزة عن قراءة أي سطر. وبدأت ذاكرتها تضعف فكانت تضع الشيء في مكان ولا تجده حتى بعد البحث الطويل، كما أن النوم اضطرب وهاجمتها الأحلام المزعجة، ولم يكن من السهل على طبيب العائلة الوصول إلى تغيير حالتها رغم حبه لها وعطفه عليها .

فما الذي أضاع سلام هذه الفتاة، وأقلق بالها، وحرمها نعمة الهدوء ؟ إنه الشعور بالذنب، ذلك الشعور الذي طغى عليها فأصبحت عديمة القدرة على البت في أي موضوع هام وبالأخص موضوع زواجها .
وقصة هذه الفتاة تذكرنا بشخصية ( قايين) الذي قتل أخاه هابيل وظن أن جريمته سوف تدفن في أعماق النسيان بدفنه جسد أخيه البار، ولكنه فجأة تنبه إلى الحقيقة المروعة، وهي أن خطيته لم تدفن بدفنه لأخيه، وإنما ظلت تدوي في أعماق روحه وتسلب منه راحته وسلامه، فصرخ وهو يسمع الله يقول له “مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ” (تك 4 : 10) قائلاً ” فَقَالَ قَايِينُ لِلرَّبِّ: ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ” (تك 4 : 13) وكان عقابه المريع أن يظل حياته في الأرض تائهاً وهارباً …. بلا سلام .

بحق قال صاحب الأمثال “اَلشِّرِّيرُ يَهْرُبُ وَلاَ طَارِدَ، أَمَّا الصِّدِّيقُونَ فَكَشِبْل ثَبِيتٍ” (أم 28 : 1)
وكل إنسان يستيقظ الإحساس بالذنب في ضميره، ولا يلجأ إلى صليب المسيح لنوال الغفران، يزعجه الشعور بذنبه، وتقلقه عقدة الإثم في حياته فلا يحس بنعمة السلام .
وما دمنا بصدد الحديث عن القلق فلا بد لنا أن نذكر مع ما ذكرنا، أن القلق قد يأتي من بعض أمراض الكبد والمرارة التي تؤثر على الحالة العصبية للإنسان، وقد يأتي نتيجة الوراثة، وقد يأتي من العادات الفاسدة التي يدرك المرء فسادها ويعجز عن التخلص منها، وأهمها عادة السرعة، التي انتشرت في هذا العصر، فإن سرعة التنقل وسرعة الطباعة والكتابة أرهقت الأعصاب الحركية والحسية وأرهقت التفكير بالصور المتلاحقة، كما قللت ملكة الإنتظار، فأفقدت الإنسان قدرته على الصبر وجرته إلى الوقوع في القلق كلما اضطرته ظروف الحياة إلى إنتظار طويل خصوصاً إن لم يكن متحققاً من النتيجة التي ينتظرها .

وهكذا أضاع الإنسان ملكة من أنفس الملكات وهي ملكة الإنتظار فكان ضياعها وما نتج عن هذا الضياع من قلق الثمن الغالي الذي دفعناه من أعصابنا في سبيل السرعة …. ومع هذا كله فقد يأتي القلق نتيجة الصراع الداخلي بين ما يؤمن به المرء من مثل عليا وبين ما يراه في الحياة الواقعية، فيحس بعجزه عن تنفيذ التعاليم الروحية في الوسط الشرير الذي يعيش فيه، ويختلط عليه الأمر حتى يضطر إلى النفاق وهو مصدر للتعب النفسي العميق، ومرات يصاب الإنسان بالقلق بسبب حيرته في مواجهة الأمور، أو لأشياء لم تقع أبداً، لذلك فهناك مثل غربي يقول « لا تحاول عبور الكباري قبل أن تصل إليها» ولكن ما أقل الذين يعملون بهذا المثل الجميل .

منذ وقت ليس ببعيد خرجت علينا الصحف بقصة عن مريض فتح الجراح الكبير بطنه لإخراج حصوة من مرارته، ولكنه اكتشف أنه مصاب بالسرطان، واكتشف أن المرض الخبيث وصل إلى الكبد وإلى البنكرياس .

وأخرج الجراح الحصوة، وركب ماسورة في البنكرياس، وأقفل بطن المريض وقال له :
« مبروك ! نجحت العملية!»
ثم اتصل الجراح بزوجة المريض وصارحها بحقيقة حالة زوجها وقال لها إنه لن يعيش أكثر من تسعين يوماً ! لقد حللنا الدم، وحللنا الأنسجة ! لا فائدة !
وتحسنت صحة المريض، وساءت صحة زوجته ! كان السر الخطير يخطف نضارتها ويسرق نومها ويهد أعصابها !
كان كل يوم يمضي يخطف عاماً من عمر الزوجة القلقة !

ومضت الأيام والزوج يزداد نشاطاً والزوجة تتلوى على جمر القلق … والقلق يهدم الجسد، ويشوش سلام القلب .
ومضى اليوم التسعون ثم المائة ….. ثم مضى عام، ولم يمت الزوج كانت صحته تتحسن يوماً بعد يوم، ولم يكن يشكو إلا من الأنبوبة المعدنية التي دسها الجراح في بطنه !
كان يذهب كل يوم إلى الجراح ويقول له :« أخرجها من بطني ! وكان الجراح يراوغه ! فكيف يخاطر بفتح بطن رجل كان يجب أن يموت بعد تسعين يوماً …. وبعد عام ونصف فتح الجراح بطن المريض، وإذا به يفاجأ بمنظر غريب ! لقد اختفى السرطان ! حدثت معجزة ! استطاعت الهرمونات التي أفرزها جسد المريض أن تقتل خلايا السرطان اللعين!  استطاعت أن تستأصلها عن آخرها !!
وعاش الرجل بصحة جيدة …. بينما كاد القلق على صحته أن يهلك زوجته الطيبة .
فأذكر دائماً في ذهنك أن (القلق ) هو ( عدو السلام الأكبر ) واسمع لكلمات السيد له المجد حين قال “فَلاَ تَطْلُبُوا أَنْتُمْ مَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَشْرَبُونَ وَلاَ تَقْلَقُوا “ ( لو 12 : 29).

العدو السادس للسلام هو الخوف :

عندما سجل يوحنا التلميذ الحبيب كلماته الموحى بها من الله “لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ” (1 يو 4 : 18) كان في الواقع يرفع الستار عن أعدى أعداء السلام في حياة البشر وهو ( الخوف).
ولسنا ننكر أن هناك خوفاً ضرورياً لحياة الإنسان في هذه الأرض، يقيه أن يعرض نفسه للمخاطر والأمراض والهلاك، ولكن هناك نوعاً آخر من الخوف يشوش سلام النفس، ويسلب راحة القلب والعقل، ويعذب الإنسان عذاباً مريراً .
وقد تحدث الكتاب المقدس عن الخوف الواقي للإنسان فقال “بِالإِيمَانِ نُوحٌ لَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ تُرَ بَعْدُ خَافَ، فَبَنَى فُلْكًا لِخَلاَصِ بَيْتِهِ، فَبِهِ دَانَ الْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبُ الإِيمَانِ” (عب 11 : 7).

فنوح قد خاف، لكن خوفه كان خوفاً مقدساً دفعه إلى أن يبني الفلك لخلاص بيته لأنه صدَّق الله.
وقديماً ردد صاحب المزمور كلماته “خَوْفُ الرَّبِّ نَقِيٌّ ثَابِتٌ إِلَى الأَبَدِ. أَحْكَامُ الرَّبِّ حَقٌّ عَادِلَةٌ كُلُّهَا” (مز 19 : 9).
وقال إشعياء “قَدِّسُوا رَبَّ الْجُنُودِ فَهُوَ خَوْفُكُمْ وَهُوَ رَهْبَتُكُمْ” (إش 8 : 13).
ورفع داود صلاته “عَلِّمْنِي يَا رَبُّ طَرِيقَكَ. أَسْلُكْ فِي حَقِّكَ. وَحِّدْ قَلْبِي لِخَوْفِ اسْمِكَ” (مز 86 : 11) وطوبى لمن يمتلىء بهذا الخوف المقدس كما يقول صاحب الأمثال ” بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ، وَمَعْرِفَةُ الْقُدُّوسِ فَهْمٌ” ( أم 9 : 10).

أما الخوف الهدام الذي يدمر الشخصية، ويشل حركتها فهو خوف يجب الإنتصار عليه لأنه يولد في النفس الخجل والقلق، ويقضي على الخصائص الذهنية ويُضعف الصحة بتكوين سموم عضوية في الجسم، ويسمم المعيشة، وينشر حول الشخص جواً من القلق المتصل الذي يضر بصحته وبعمله ومستقبله ويمنع عنه أنهار السلام العميق، والبهجة الحقيقية، والسرور الدائم.

وينشأ هذا النوع من الخوف المدمر لعدة أسباب نذكرها فيما يلي :

السبب الأول للخوف المدمر هو إختبارات الطفولة المزعجة :

حدثنا دكتور ستانلي جونس في مقال له عن ضابط إعتاد أن يقف أثناء الغارات الجوية إبان الحرب فوق سور الخندق بدلاً من أن يأوى إلى المخبأ، وظن البعض أنها شجاعة منه ولكن الحقيقة أن تصرفه كان نتيجة خوف كامن في نفسه ….. خوف من الأماكن الضيقة.
فما الذي كان يُخيف هذا الضابط من الأماكن الضيقة ؟! لقد عرف السبب فيما يعد !! إذ لما كان ذلك الضابط طفلاً مر بطريق ضيق وقابله كلب شرس انقض عليه وكان هذا الإختبار المزعج الذي صادفه في ذلك الطريق الضيق هو الذي ترك عنده عقدة خوف من الأماكن الضيقة .
ويذكر لنا دكتور رونالد براون أنه رأى في طفولته الباكرة طائرة تحترق بركابها وقد أصابه الهول والفزع من ذلك المنظر الفظيع حتى أنه كان في كل مرة يركب طائرة يشعر بالخوف العميق ينهش اطمئنانه ويعذب كيانه، حتى خلصه الله بقوته من هذا الخوف الرهيب .

السبب الثاني للخوف المدمر هو النظر إلى الظروف وانحراف العينين عن النظر إلى الرب:

في حديث الرب عن علامات مجيئه الثاني ذكر إحساسين متباينين إحساس الخوف، وإحساس الفرح والرفعة .
أما إحساس الخوف فهو من نصيب البعيدين عنه من سكان الأرض حين تحيط بهم أهوال الحروب، وترعبهم أنباء فظائعها ووحشيتها، وقد ذكره له المجد في الكلمات “وَالنَّاسُ يُغْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ خَوْفٍ وَانْتِظَارِ مَا يَأْتِي عَلَى الْمَسْكُونَةِ، لأَنَّ قُوَّاتِ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ “ (لو 21 : 26).
وأما إحساس الفرح والرفعة فقد قال عنه السيد “وَمَتَى ابْتَدَأَتْ هذِهِ تَكُونُ، فَانْتَصِبُوا وَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ لأَنَّ نَجَاتَكُمْ تَقْتَرِبُ” (لو 21 : 28).

فالخوف يأتي من مواجهة ظروف الحياة بغير الله، والإطمئنان هو نتيجة حتمية للتوكل عليه.
والسجل المقدس يذكر لنا حادثتين تبينان لنا هذا النوع من الخوف، إحداهما في العهد القديم والثانية في العهد الجديد .
ففي العهد القديم نقرأ عن حرب ملك آرام لشعب الله القديم، وكيف كان إليشع يحذر الملك من مؤمرات وخطط ملك آرام حتى اضطر ملك آرام أن يرسل خيلاً ومركبات وجيشاً ثقيلاً إلى دوثان للقبض على إليشع …. وبكر خادم رجل الله وقام وخرج وإذا جيش محيط بالمدينة وخيل ومركبات . وهنا إمتلأ قلب ذلك الخادم بالخوف لأنه نظر إلى قوة الأعداء وانحرفت عيناه عن النظر إلى إلهه فدخل صارخاً لأليشع وقائلاً ” فَبَكَّرَ خَادِمُ رَجُلِ اللهِ وَقَامَ وَخَرَجَ، وَإِذَا جَيْشٌ مُحِيطٌ بِالْمَدِينَةِ وَخَيْلٌ وَمَرْكَبَاتٌ. فَقَالَ غُلاَمُهُ لَهُ: آهِ يَا سَيِّدِي! كَيْفَ نَعْمَلُ؟” (1 مل 6 : 15).

وعندئذ هدَّأ النبي روعه، وسكن خوفه بالكلمات “فَقَالَ: لاَ تَخَفْ، لأَنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ” (1مل 6 : 16).

“وَصَلَّى أَلِيشَعُ وَقَالَ: يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ. فَفَتَحَ الرَّبُّ عَيْنَيِ الْغُلاَمِ فَأَبْصَرَ، وَإِذَا الْجَبَلُ مَمْلُوءٌ خَيْلًا وَمَرْكَبَاتِ نَارٍ حَوْلَ أَلِيشَعَ” (1مل 6 : 17) وإذ نظر الغلام إلى قوة الرب ذهب خوفه وعادت إليه سكينته .

أما الحادثة الثانية فقد ذكرها متى البشير عن التلاميذ حين ألزمهم يسوع أن يدخلوا السفينة ويسبقوه إلى العبر …. وصارت السفينة في وسط البحر، وإذ الأمواج تثور ، والعاصفة تزأر، والريح تلعب بالسفينة لعب الصهباء بالعود، ويصور متى حالة السفينة في هذه الآية الجليلة
“وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ فِي وَسْطِ الْبَحْرِ مُعَذَّبَةً مِنَ الأَمْوَاجِ. لأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ مُضَادَّةً” (مت 14 : 24).
وبغير شك أن التلاميذ قد حاولوا جهدهم الإحتفاظ بتوازن سفينتهم، حتى أجهدهم التعب، وأضناهم المجهود العنيف، وفي تلك اللحظة التي توترت فيها أعصابهم “وَفِي الْهَزِيعِ الرَّابعِ مِنَ اللَّيْلِ مَضَى إِلَيْهِمْ يَسُوعُ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ. فَلَمَّا أَبْصَرَهُ التَّلاَمِيذُ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ اضْطَرَبُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ خَيَالٌ. وَمِنَ الْخَوْفِ صَرَخُوا” (مت 14 :25 – 26).

رجال يصرخون من الخوف !!

وأي رجال ؟! رجال بحر … رجال إعتادوا العواصف الهوجاء وتقلب الأجواء ! لكنهم في لحظة إجهادهم وتوترهم فقدوا زمام أنفسهم وانحرفت عيونهم عن مخلصهم، فظنوا أن منقذهم هو خيال من أشباح الظلام …. فصرخوا .
وهنا كلمهم يسوع قائلاً ” تَشَجَّعُوا أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا “ (مت 14 : 27).
فهل آمن بطرس ؟! هل صدق أن المتكلم هو نفسه المعلم الصالح ؟!
لقد كان تصرف بطرس عجيباً حقاً، إذ إندفع حقاً “فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ وَقَالَ: يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ، فَمُرْني أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَلَى الْمَاءِ” (مت 14 : 28).
وقال له يسوع ” تَعَالَ. فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ لِيَأْتِيَ إِلَى يَسُوعَ” (مت 14 :29).

وفجأة إنحرف نظره بعيداً عن سيده، وغزت الشكوك عقله :
هل حقاً هذا هو السيد المجيد ؟
ألا يمكن أن يكون خيالاً عابراً ؟
كيف جازفت بإلقاء نفسي إلى البحر وسط هذه العواصف الهوجاء ؟

ويتلفت بطرس لينظر إلى الريح، والعين لا تنظر إلى إتجاهين متضادين في وقت واحد …. “وَلكِنْ لَمَّا رَأَى الرِّيحَ شَدِيدَةً خَافَ” (مت 14 :30).
أجل ! خاف لأن عينيه نظرتا إلى الأمواج المحيطة به، والريح التي تزأر حوله، وانحرفتا عن وجه سيده القادر العظيم …. لذلك خاف وأفقده الخوف توازنه، وجرفته أمواج البحر في طريقها “وَإِذِ ابْتَدَأَ يَغْرَقُ، صَرَخَ قِائِلًا: يَا رَبُّ، نَجِّنِي!. فَفِي الْحَالِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ” (مت 14 : 30 -31).
وكم من أناس تنحرف عيونهم عن إلههم، فيغرقون في لجة الخوف، ويفقدون نعمة السلام والهدوء والإستقرار .

السبب الثالث للخوف المدمر هو المجتمع الذي نعيش فيه :

كتب صاحب الأمثال هذه العبارة ” خَشْيَةُ الإِنْسَانِ تَضَعُ شَرَكًا، وَالْمُتَّكِلُ عَلَى الرَّبِّ يُرْفَعُ” (أم 29 : 25) ولا شك ان هذه الكلمات تعبر عن حقيقة الواقع في الحياة، فالإنسان الذي يخشى الناس … يخشى كلام الناس …. يخشى نقد المجتمع الذي يعيش فيه، ويحاول أن يُجاري هذا المجتمع في كل أساليبه يعيش دائماً في جو من الخوف المدمر، ويفقد سلام قلبه، وراحة عقله.

ولقد واجه بولس الرسول المجتمع الذي عاش فيه، وأدرك أنه لو حاول إرضاء الناس، فسينحرف حتماً عن المبادىء المسيحية الرفيعة العالية، بل أكثر من ذلك إنه سيتحتم عليه المناداة بإنجيل آخر غير إنجيل المسيح، فكتب قائلاً  “أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ” (غل 1 : 10).
يقيناً ! إن إرضاء الناس جميعاً من أصعب الأمور، بل هو أمر غير ممدوح من الرب إذ قال لنا بفمه المبارك “وَيْلٌ لَكُمْ إِذَا قَالَ فِيكُمْ جَمِيعُ النَّاسِ حَسَنًا. لأَنَّهُ هكَذَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ بِالأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ” (لو 6 : 26).

منذ أيام كتب كاتب إجتماعي هذه الكلمات «لا تعبأ بما يقوله الناس عنك، فإنك إذا نجحت في الحياة، تشكك الفاشلون في طريقة نجاحك، وقالوا إنك وصلت إلى قمة الجبل بطرق ملتوية غير شريفة ! وإذا تعثرت في حياتك قال الفاشلون إن الغرور ركبك، وتدحرجت إلى السفح ! وإذا كسبت فقد امتصصَت عرق الكادحين …. وإذا خسرت، فإنك جاهل وغبي ! وإذا امتدحت عملاً، فأنت خائف جبان …. وإذا انتقدت عملاً فأنت حقود وموتور ! وإذا تقربت من الناس، فأنت تحاول تملقهم والتمسح بهم …. وإذا ابتعدت عنهم، فأنت أناني ومتكبر ومغرور ! وإذا تسامحت مع الناس، فأنت ضعيف …. وإذا غضبت وثُرت ، فأنت أحمق ! وإذا اقتصدت بعض مالك، فأنت بخيل …. وإذا أضعت مالك، فهو مال حرام والمال الحرام لا يعيش! وإذا تكلمت فأنت ثرثار …. وإذا سكت فأنت خبيث تحاول أن تجر السذج إلى الكشف عن أسرارهم ! وإذا ضحكت فأنت تحاول إخفاء مصائبك، وإذا لم تضحك فأنت ثقيل الدم ! وإذا فردت يدك وأحسنت إلى بعض المحتاجين، فأنت تحاول أن تشتري قصراً في السماء، وإذا أبقيت يدك في جيبك، فأنت لا قلب لك ولا شعور !
فلا تهتم بما يقوله الناس، إن كل خطوة من خطواتك ستثير ضدك الإتهامات، فإمض في طريقك، فإن الإتهامات هي وقع أقدام الذين يجرون في الحياة». إنها ثمن المجد الذي وصلت إليه.

ولقد أدرك المشرفون على جامعة كمبردج مدى تأثير المجتمع في حياة الأفراد فكتبوا على باب الجامعة هذه الكلمات «أنت تقول ماذا يقول الناس عني؟» ونحن نقول: «دعهم يقولون ما يقولون».
والواقع أن خير علاج للخوف من الناس هو أن تخاف الله، فخوف الله في القلب يرفعك فوق الخوف من الناس، ويُعطيك نصرة على المجتمع الذي تعيش فيه.
ولقد قال رب المجد في عظته الخالدة على الجبل “طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ” (مت 5 : 11 -12).

حدثنا دكتور ستانلي جونس بهذا الإختبار قال « بعد أن قبلت المسيح مخلصاً حدث أنني مررت في الطريق بجماعة من أصدقائي القدماء، فصاح أحدهم ساخراً : «هالو ستانلي هل أنت ذاهب لمقابلة يسوع؟» فأجبت بهدوء أثار دهشتهم : «نعم أنا في طريقي لمقابلة يسوع» ولقد شعرت في قرارة نفسي أنني بذلك حطمت تمثال الخوف من الناس، وتمتعت بالحرية ليس فقط من صحبتهم، ولكن مع إمكانية العودة إليهم ثانية بصحبة ذاك الذي أحبني وحررني».
ويجدر بنا قبل أن نختتم الحديث عن الخوف، أن نذكر بعض المخاوف النفسية التي طالما سيطرت على الناس كما يقول دكتور بوشيه : «لقد أصبح الخوف المزمن شائعاً بين الناس، فنحن نعرف كثيرين يخافون الفقر، أو يخافون الحرب، أو يخافون الضرائب، أو يخافون الشيوعية، أو يخافون المستقبل المجهول، أو يخافون المرض، أو يخافون الموت» وهذه كلها مخاوف تشوش سلام القلب والعقل والحياة.

ونحن نقرأ في الكتاب المقدس عن ذلك العبد الذي خاف الفشل فقال لسيده “فَخِفْتُ وَمَضَيْتُ وَأَخْفَيْتُ وَزْنَتَكَ فِي الأَرْضِ. هُوَذَا الَّذِي لَكَ” (مت 25 :25).
ونعرف أناساً كثيرين يخافون العوز في الشيخوخة، ويخافون مفاجآت الأيام، ووراء كل هذه المخاوف تربض الخطية التي هي السبب الأصيل للخوف المدمر، والتي دفعت آدم الأول أن يقول لإلهه الحنان “سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ” (تك 3 : 10)

بل وراء هذه المخاوف نجد أن الخوف هو العقاب العادل لظلم الإنسان الشرير لأخيه الإنسان البار كما يقول صاحب المزمور “أَلَمْ يَعْلَمْ فَاعِلُو الإِثْمِ، الَّذِينَ يَأْكُلُونَ شَعْبِي كَمَا يَأْكُلُونَ الْخُبْزَ، وَاللهَ لَمْ يَدْعُوا؟ هُنَاكَ خَافُوا خَوْفًا، وَلَمْ يَكُنْ خَوْفٌ، لأَنَّ اللهَ قَدْ بَدَّدَ عِظَامَ مُحَاصِرِكَ. أَخْزَيْتَهُمْ لأَنَّ اللهَ قَدْ رَفَضَهُمْ” (مز 53 : 4 -5).
بل يتجسم وراء هذه المخاوف أيضاً عدم الإيمان بالله المحب كما يقرر ذلك يوحنا الحبيب قائلاً “لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ” (1 يو 4 :18).
فضع في ذهنك أن الخوف عدو للسلام، وحاول أن تعرف أسباب خوفك، ثم اطرحها عند قدمي ذاك الذي قال لتلاميذه الخائفين “فَلِلْوَقْتِ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ قِائِلًا: تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا” (مت 14 : 27).

العدو السابع للسلام هو الأنانية :

ليس في مقدور الشخص الأناني أن يستمتع بالسلام، فهو يحب نفسه … ويحاول دائماً أن يأخذ دون أن يعطي، والشخص الذي يأخذ ولا يعطي ليس سعيداً على الإطلاق، فالسعادة الحقة مصدرها البذل والتضحية كما قال الرب يسوع المسيح “فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَيْتُكُمْ أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنَّكُمْ تَتْعَبُونَ وَتَعْضُدُونَ الضُّعَفَاءَ، مُتَذَكِّرِينَ كَلِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ أَنَّهُ قَالَ: مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ” (أع 20 :35).
والشخص الأناني هو شخص وجداني، والوجداني هو الإنسان الحساس الذي يكون عظيم الإلتفات لكل ما يصدر منه من اعمال وسلوك، وهذا الشخص لا يستطيع أن ينعم بالسلام العميق.
ولقد اتضح من الابحاث التي قامت بها جامعة كاليفورنيا أن الناس الذين يشكون من الإضطرابات الذهنية يكثر من بينهم الوجدانيون كثرة كبيرة تربو على 79 في المئة .
ويقول الدكتور روبرت لندر عالم النفس الأمريكي «إن الإفراط في الإلتفات إلى الذات يقضي بالمرء إلى تركيز ذهنه في قصوره الذاتي وهذا من شأنه أن يحدث الإضطراب في إتزان حياة الإنسان».
فماذا يفعل المرء حتى يتخلص من أنانيته ؟! إن الوسيلة الوحيدة هي أن يصلب ذاته على الصليب، حتى يختبر ذات الإختبار الذي ناله بولس الرسول وعبر عنه بالقول “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2 :20).

ويتميز الإنسان الذي حصل على هذا الإختبار بهذه المميزات :

(1) إنه يجد سروراً في العطاء أكثر مما يجد في الأخذ .
(2) إنه ممتلىء بالولاء في علاقة الأخذ والعطاء مع غيره.
(3) إنه يستغل أوقات فراغه في خدمة الآخرين وإسعادهم .
(4) إنه يتعاون تعاوناً صادقاً مع كل من يقوم بخدمة حقيقية لخير النفوس العزيزة .
(5) إنه يهتم بآلام الآخرين ويحاول تخفيف هذه الآلام .
(6) إنه يسائل نفسه في كل موقف دقيق : ماذا يفعل يسوع لو كان مكاني ؟
(7) إنه إنسان ودود، والإنسان الودود منشرح الصدر ، يحاول دائماً أن يُسعد الآخرين، فيجد السعادة لنفسه بإسعادهم، والإنسان الودود فيه إغراء شديد يجتذب إليه الناس كافة عن غير وعي منهم … إذ يشع من عينيه سحر خاص. وكذلك من صوته وحركاته، بل من شخصه كله … إنه يشع موجات ذات نشاط أثيري تأسر القلب .

ويجب أن تفهم أنه كلما قويت في نفسك صفات المودة رأيت همومك تتلاشى، وكذلك أحزانك وأوجاعك البدنية، وتزداد أفكارك نفاذاً ووضوحاً، وهكذا تمتلىء بالسلام الفياض .

وهذا ينطبق تماماً على ما قاله بطرس الرسول “وَلِهذَا عَيْنِهِ ­وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ­ قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً، وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى، وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً” (2 بط 1 :5 -7).

وهذه كلها صفات لا يمكن أن يتميز بها الشخص الأناني المسكين .
فهل فيك هذه الصفات؟ أم أنت إنسان محب لذاتك لا تحس في قلبك طعم السلام العذب؟!

حدثنا رجل من رجال الله عن سيدة موسرة ذهبت إلى طبيب تشكو آلاماً نفسية وجسدية من غير أن تقوى على تعيين مصدرها الحقيقي، وعرف الطبيب أن داءها هو (الأنانية) التي جعلتها تركز اهتمامها بذاتها، فحرمتها نعمة السلام، فقال لها : «يا سيدتي إن دواءك ليس عندي» قالت له بنغمة أسيفة : «إذن عند من؟» قال لها : «إذهبي يا سيدتي إلى ذلك الشارع الطويل، وبعد أن تسيرين فيه قليلاً تجدين زقاقاً ضيقاً تتفرع منه عطفة صغيرة مظلمة، وفي آخرها تجدين كوخاً حقيراً تسكنه إمرأة بائسة إذهبي إليها فهي تحدثك عن دوائك وترفع عنك علتك»

ولشدة حاجة السيدة الموسرة إلى الشفاء أطاعت قول الطبيب، وإذ وصلت إلى المكان الذي وصفه لها وجدت إمرأة بائسة يحرك منظرها حنان القلب فجلست بجانبها وقدمت لها المساعدة التي تحتاج إليها …. وفي غمرة خدمتها لتلك المرأة البائسة نست نفسها، وإذ حاولت أن ترفع عن المرأة المسكينة همها وآلامها وجدت نفسها مرفوعة على أجنحة السلام. وإذ نجحت في إدخال الفرح إلى قلب غيرها، أضحى قلبها هي مغمور بالسلام.

فسل نفسك اليوم ؟ هل أنت شخص أناني تعيش لذاتك، وتحيا لملذاتك، وتبحث عن السرور لنفسك دون غيرك، وتضحي في سبيل مسراتك بالكثير وتبخل على الآخرين حتى بالقليل هذا هو إذن سبب شقائك وحرمانك من نعمة السلام .

وتعال معي الآن إلى السجل المقدس لترى صورة للأنانية التي أضاعت من صاحبها كل إحساس بالسلام، وصاحب القصة هو ( أبشالوم) ابن داود الملك وقد وصفه الكتاب بالقول “وَلَمْ يَكُنْ فِي كُلِّ إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ جَمِيلٌ وَمَمْدُوحٌ جِدًّا كَأَبْشَالُومَ، مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ حَتَّى هَامَتِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَيْبٌ” (2 صم 14 : 25).

هذا الشاب الجميل كان أنانياً من طراز رهيب فأراد أن يغتصب الملك لنفسه من أبيه الطيب ودفعته أنانيته إلى النفاق … وانظر ما الذي كان يفعله ؟!
“وَكَانَ أَبْشَالُومُ يُبَكِّرُ وَيَقِفُ بِجَانِبِ طَرِيقِ الْبَابِ، وَكُلُّ صَاحِبِ دَعْوَى آتٍ إِلَى الْمَلِكِ لأَجْلِ الْحُكْمِ، كَانَ أَبْشَالُومُ يَدْعُوهُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: مِنْ أَيَّةِ مَدِينَةٍ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: مِنْ أَحَدِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ عَبْدُكَ. فَيَقُولُ أَبْشَالُومُ لَهُ: انْظُرْ. أُمُورُكَ صَالِحَةٌ وَمُسْتَقِيمَةٌ، وَلكِنْ لَيْسَ مَنْ يَسْمَعُ لَكَ مِنْ قِبَلِ الْمَلِكِ. ثُمَّ يَقُولُ أَبْشَالُومُ: مَنْ يَجْعَلُنِي قَاضِيًا فِي الأَرْضِ فَيَأْتِيَ إِلَيَّ كُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ خُصُومَةٌ وَدَعْوَى فَأُنْصِفَهُ؟. وَكَانَ إِذَا تَقَدَّمَ أَحَدٌ لِيَسْجُدَ لَهُ، يَمُدُّ يَدَهُ وَيُمْسِكُهُ وَيُقَبِّلُهُ. وَكَانَ أَبْشَالُومُ يَفْعَلُ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ لِجَمِيعِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا يَأْتُونَ لأَجْلِ الْحُكْمِ إِلَى الْمَلِكِ، فَاسْتَرَقَّ أَبْشَالُومُ قُلُوبَ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ” ( 2 صم 15 : 2 -6).

وإذ ضمن لنفسه قلوب الشعب بالنفاق والرياء والتظاهر بالحب، بدأ يُرتب لإنهاء مُلك أبيه واغتصاب عرشه، وقاده هذا إلى أن يتنجس مع سراري أبيه “فَنَصَبُوا لأَبْشَالُومَ الْخَيْمَةَ عَلَى السَّطْحِ، وَدَخَلَ أَبْشَالُومُ إِلَى سَرَارِيِّ أَبِيهِ أَمَامَ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ” (2 صم 16 : 22) حتى يُشهر راية العصيان ضد الأب الطيب الذي سامحه على جريمة قتل أخيه أمنون !؟

لكن أبشالوم لم يستمتع بما أراد، ولم ينل السلام الذي كان ينشده، إذ إنقلبت عليه الدائرة، ونشب يوآب في قلبه ثلاثة سهام وهو معلق في قلب البطمة وأحاط بها عشرة غلمان حاملوا سلاح يوآب وضربوا أبشالوم وأماتوه، وهذا مصير كل أناني ظهر في التاريخ.

ولما جاء كوشي ليُبشر داود بموت ابنه الذي ناصبه العداء، سأل داود كوشي “وَإِذَا بِكُوشِي قَدْ أَتَى، وَقَالَ كُوشِي: لِيُبَشَّرْ سَيِّدِي الْمَلِكُ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدِ انْتَقَمَ لَكَ الْيَوْمَ مِنْ جَمِيعِ الْقَائِمِينَ عَلَيْكَ. فَقَالَ الْمَلِكُ لِكُوشِي: أَسَلاَمٌ لِلْفَتَى أَبْشَالُومَ؟ فَقَالَ كُوشِي: لِيَكُنْ كَالْفَتَى أَعْدَاءُ سَيِّدِي الْمَلِكِ وَجَمِيعُ الَّذِينَ قَامُوا عَلَيْكَ لِلشَّرِّ” (2 صم 18 : 31 -32).

أجل ! فقد أبشالوم سلامه النفسي، وسلامه القلبي، وقضى حياته في صراع مرير رهيب لأنه كان أنانياً أراد لنفسه كل شيء .
وما زالت الأنانية هي العدو القتال لسلام القلب والعقل، فليتنا نُدرك هذا ونعرف معنى حياة الصلب مع المسيح .

أما أنتِ يا نفسي فماذا تفعلين إزاء أعداء السلام ؟
ليس لكِ إلا أن تدخلي إلى محضر الله .
وترفعي إليه هذه الصلاة
إليك يارب أرفع نفسي
لتخلصني من خطية عدم الإيمان
وتُريحني من عذاب الشك
وتُحررني من الصراع بين ولائين
وتُعطيني قوة للإنتصار على الإنفعالات الضارة
وتُطهرني من إثمي حتى أتحرر من الشعور بالذنب
وتُزيل من قلبي كل إحساس بالخوف
وترفعني فوق عقدة النقص التي في حياتي
وتصلب ذاتي العتيقة على الصليب لأتخلص من أنانيتي
حتى يمتلىء قلبي بسلامك العذب الفياض .

 

الفصل الثاني

سلام القلب والعقل

كيف تحصل على سلام القلب والعقل ؟

كيف تتخلص من خطية عدم الإيمان ؟ …. كيف تتحرر من عذاب الشك ؟ …. كيف تخرج غالباً في معركة الصراع بين ولائين ؟
كيف تحول الإنفعالات النفسية الضارة في حياتك إلى حب وسلام وصفاء ؟ …. كيف تنتصر على القلق ؟ …. كيف تغلب الخوف ؟ … كيف ترتفع فوق الأنانية ؟

إن الإجابة الشافية على هذه الأسئلة هي التي ترسم لك الطريق إلى سلام القلب والعقل، وكثيرون من الناس يضلون هذا الطريق فينهجون مختلف السبل الخاطئة للوصول إلى السلام، فالبعض يظنون أن السلام في المال الوفير، ويظن آخرون أن السلام في الشهرة والمجد، وغيرهم يظنون أن السلام في الحب المحرم، واللهو، والإنغماس في الشهوات وهذه كلها ليست السبل المؤدية إلى السلام .
كتب كاتب إجتماعي عن فنان غنى هذه الكلمات « إن أي خدش لصحته يساوي عنده زوبعة من الرعب …. ومثل صحته فنه …. وممتلكاته وحريته …. إنه لا يطيق أن ينقص شيئاً .

إنه يريد أن يحتفظ بكل شيء حتى عمره … يحاول أن يحتفظ به صغيراً لا يكبر …. ويستخدم في ذلك طب الأطباء … وخبرة الحكماء وما يبقى يكمله بوهمه .

ولكن الواقع قاسي لا يلتفت إلى أوهامنا، ولا يلتفت إلى قلقنا وعشقنا لنفوسنا . والواقع يواجهه كل يوم بأن عمره يكبر …. والجيل حوله يزدحم بالمنافسين …. والدنيا تتغير …. إنه يحس أنه مهدد في جسمه ….. وأمام هذا الإحساس المباشر لا يملك إلا أن يشعر بالخوف ويمتد الخوف فيشمل كل حياته ويشكل تصرفاته دون أن يدري …. فهو يبحث عن الضمانات في الأدوية والعقاقير …. والراحة …. والحياة المنتظمة. ولكن الخوف أكبر من أن تداويه الأقراص ولهذا يبحث عن الضمان في الثروة وأرصدة البنوك .

وهو لا يطلب الثروة لذاتها بديل أنه لا ينفق منها شيئاً . إنه يطلبها لأنها تشعره بمزيد من الضمانات، ولكن خوفه لا يهدأ، وهو لهذا يضع على الثروة ثروة … ثم ثروة … ثم لا يستريح …. لأن أسباب الضمان مهما توفرت لا تبلغ به إلى شاطىء الإطمئنان ….. فالصحة الجيدة والمال والبنون والأصدقاء والنجاح والمجد لا تمنحه السلام المنشود …. لأنه لا يستمد خوفه من الواقع بقدر ما يستمده من التصور .

إنه في الوقت الذي يشعر فيه أنه سليم معافى، يتصور أنه مُعرض للزكام، ثم يبدأ بالخوف من الزكام ثم يحس أنه في طريقه إلى الزكام فيأخذ حقنة فيتامين ج، ويجلس خائفاً في انتظار الزكام. وهكذا يحرك دينامو الخوف كل حياته وتصرفاته .

والواقع أن الصورة التي رسمها هذا الكاتب بقلمه تصور حياة الكثيرين من الذين يبحثون عن سلام القلب والعقل بأساليب وطرق لا يمكن أن تؤدي بهم إلى السلام العذب العميق .
فأين الطريق إلى سلام القلب والعقل ؟!

إن الخطوات التي سنكتبها في هذا الفصل هي في حقيقة الأمر خطوات عملية مجربة، إذا طبقتها على حياتك، ونفذتها تنفيذاً عملياً حصلت بغير شك على سلام القلب والعقل، فتتبع معنا هذه الخطوات العملية، وأنظر بعد أن تتممها كيف أنها ستجعلك كالعصفور المغرد السعيد .

الخطوة الأولى آمن بالرب يسوع المسيح :

هل سمعت هذه الكلمات ووعيتها ووضعتها في أعماق قلبك ؟
“آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ” (أع 16 : 31) فهذا الإيمان البسيط هو الوسيلة الوحيدة لسلام قلبك وعقلك ؟!

فوراء عدم الإيمان الكامن في قلبك، والشك المتسلط على عقلك والصراع الدائر في صدرك، والإنفعالات الضارة التي تشوش سلام حياتك، والقلق الذي يخطف نوم عينيك، والخوف الذي يهد كيانك، والأنانية التي تنهش راحة نفسك، تربض الخطية اللعينة السوداء التي قال عنها بولس الرسول “فَهَلْ صَارَ لِي الصَّالِحُ مَوْتًا؟ حَاشَا! بَلِ الْخَطِيَّةُ. لِكَيْ تَظْهَرَ خَطِيَّةً مُنْشِئَةً لِي بِالصَّالِحِ مَوْتًا، لِكَيْ تَصِيرَ الْخَطِيَّةُ خَاطِئَةً جِدًّا بِالْوَصِيَّةِ” (رو 7 : 13).

وما لم تخلص من عذاب الإحساس بالخطية، ومن خوف دينونتها الرهيبة فلن تنال سلاماً في حياتك كما يقرر ذلك إشعياء قائلاً ” أَمَّا الأَشْرَارُ فَكَالْبَحْرِ الْمُضْطَرِبِ لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ، وَتَقْذِفُ مِيَاهُهُ حَمْأَةً وَطِينًا. لَيْسَ سَلاَمٌ، قَالَ إِلهِي، لِلأَشْرَار “ (أش 57 : 20 -21).

والطريق الوحيد لنوال الخلاص من الخطية هو ( الإيمان البسيط بالرب يسوع المسيح ) .
إن الخطية ثقل على الضمير، وثقل على القلب، وثقل على النفس، قال عنها قايين “فَقَالَ قَايِينُ لِلرَّبِّ: ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحْتَمَلَ “ (تك 4 : 13).

وقال عنها أيوب : “كَمْ لِي مِنَ الآثَامِ وَالْخَطَايَا؟ أَعْلِمْنِي ذَنْبِي وَخَطِيَّتِي … أَنَّكَ كَتَبْتَ عَلَيَّ أُمُورًا مُرَّةً، وَوَرَّثْتَنِي آثَامَ صِبَايَ” (أي 13 : 23 و 26).

وصرخ داود من هول ثقلها قائلاً “لَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي عِظَامِي سَلاَمَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي. لأَنَّ آثامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي. كَحِمْل ثَقِيل أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ” (مز 38 : 3 – 4 ).

وإلتجاء المرء إلى دور السينما يصرف فيها ساعات راحته، أو إلى كأس الخمر يرتشفها ليُغرق فيها همومه، أو إلى الملذات المُحرمة يرتمي بين أحضانها لينسى نفسه، أو إلى الكتب والحفلات والمشاغل العالمية هذه كلها محاولات لنسيان ثقل الخطية، وللهرب من الإحساس بالإثم، وهي محاولات فاشلة بغير جدال .

فالإنسان الخاطىء غريق في بئر عميقة في الظلام والوحدة واليأس، وأصوات ذئاب الخطايا التي إرتكبها تعوي في ضميره، وفحيح أفاعي آثامه التي إقترفها يصل إلى أعماق نفسه، وهو يحاول بشتى الطرق أن يهرب من هذا كله ! ولكن هيهات !

إن السبيل الأوحد هو سبيل الإيمان البسيط بالرب يسوع المسيح لماذا ؟!؟
لأن الرب يسوع هو “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي” (يو 14 : 6).

فهو الطريق الوحيد للباحثين عن الطريق إلى السماء.
وهو الحق المنير الأبلج لمن يريد أن يجد الحق المطلق .
وهو الحياة للأموات بالذنوب والآثام .
وليس أحد يأتي إلى الآب إلا به .

وتعال بنا نتأمل هذا الشخص المجيد، ونقارن بينه وبين موكب الأنبياء، هذا الموكب الذي حوى أفضل شخصيات عاشت على هذه الأرض، ومع ذلك فإننا لا نرى نبياً واحداً فيهم لم تعلق به الأوزار .

إصغ إلى داود النبي وهو يعترف بخطيته قائلاً “إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ، وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ. هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مز 51 : 4 -5).

واستمع إلى إشعياء النبي وهو يصرخ مردداً  “وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ، لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ، وَأَنَا سَاكِنٌ بَيْنَ شَعْبٍ نَجِسِ الشَّفَتَيْنِ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ رَأَتَا الْمَلِكَ رَبَّ الْجُنُودِ” (إش 6 : 5).

وعلى غرار هذين النبيين نرى أن الخطية قد لطخت بسوادها حياة جميع الأنبياء بغير استثناء.

أما الرب يسوع المسيح ، فهو يختلف عن الأنبياء جميعاً كل الإختلاف، يشهد عنه بطرس الرسول الذي عاشره السنوات الطوال قائلاً  “الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ “ (1 بط 2 : 22).

ويسجل عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين هذه الكلمات “لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ” (عب 7 : 26).

ويتحدى له المجد أعداءه بالقول “مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي” (يو 8 : 46). يتحداهم هذا التحدي في ذات الأصحاح الذي قال لهم فيه عندما قدموا له المرأة التي أُمسكت في زنا ” وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ” (يو 8 : 7).

ويصور يوحنا هذا المشهد التاريخي العظيم بالكلمات “وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ، خَرَجُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا، مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسْطِ” (يو 8 :9) .

أجل ! بقى وحده، لأنه الطاهر القدوس الذي لم تلوث حياته مسة من إثم، فهو الشخص الوحيد الذي وطأت قدماه الأرض وعلا فوق خطاياها .

فلماذا إرتفع المسيح فوق جميع الأنبياء، بل فوق البشر أجمعين؟ لقد ولد من إمرأة بغير رجل، هي القديسة العذراء، وكانت الحكمة في هذا لا أن يثبت نبوته ورسالته، فقد أثبت نبوته ورسالته بأعماله وشهادة الآب له والنبوات المذكورة عنه إذ قال “وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي. وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي. لَمْ تَسْمَعُوا صَوْتَهُ قَطُّ، وَلاَ أَبْصَرْتُمْ هَيْئَتَهُ، وَلَيْسَتْ لَكُمْ كَلِمَتُهُ ثَابِتَةً فِيكُمْ، لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ لَسْتُمْ أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِهِ. فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي” (يو 5 : 36 – 39) .

إذن ماذا كانت الحكمة في ولادة المسيح له المجد من إمرأة لم يمسسها بشر؟ لقد كانت الحكمة في هذا أن يأخذ المسيح جسد الإنسان دون أن يرث خطيته، ليقدر أن يكفر بكفايته الذاتية خطايا البشر المذنبين، وليوفي العدل الإلهي حقه الأزلي، هذا الحق الذي يقضي بموت الخاطىء موتاً أبدياً  “لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو 6 : 23).

وهكذا صار للسيد المسيح له المجد الحق في تمثيل الإنسانية كلها والتكفير عن ذنوبها وخطاياها لسببين :

أولهما : إنه صار إنساناً كاملاً ، فقد جُرب كإنسان في البرية كما جُرب آدم رأس العائلة البشرية الأول في جنة عدن، لكنه لم يسقط كآدم أمام إغراء الحية القديمة بل إنتصر نصرة عظمى على كل تجارب إبليس فصار في استطاعته كإنسان منتصر أن يخلص الإنسان الساقط المسكين .

وإن سرنا بحسب قانون الوراثة، وتتبعنا سلسلة نسب المسيح كما وردت في الأناجيل لرأينا أنها تضم أشخاصاً من مختلف الطبقات الإجتماعية، ففيها نجد راحاب المنبوذة لإنحرافها الأدبي، واسحق الشاب الطاهر محب للسلام، وراعوث الموآبية التي إختارت الرب، وقد رتب الله ذلك حتى يكون المسيح بحق (ابن الإنسان) أي ( ابن الإنسانية) سواء كانت الإنسانية الرفيعة أو الإنسانية الوضيعة حتى يستطيع أن ينوب عن الإنسانية جمعاء.

ثانيهما : أن المسيح كان هو الله خالق الإنسان كما شهد عنه يوحنا بالقول ” فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ “ (يو 1 : 1 -4).

وكما قرر عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين ” اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ، الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي” (عب 1 : 1 -3).

وبهذا الإعتبار كان بإمكان المسيح له المجد أن يفدي الخليقة كلها لأنه خالقها وموجدها وهكذا استطاع بكفايته الذاتية أن يدفع دين خطايا البشرية كما يقول بطرس الرسول “الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ” (1 بط 2 : 24).

“فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ” ( 1 بط 3 : 18).

وكما يقرر كاتب الرسالة إلى العبرانيين هذه الحقيقة قائلاً “وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هذِهِ الْخَلِيقَةِ، وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ “ (عب 9 : 11 -14).

ثم يعود مؤكداً “لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا. لِذلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا. بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ. ثُمَّ قُلْتُ: هنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا اَللهُ. إِذْ يَقُولُ آنِفًا: إِنَّكَ ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا وَمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُرِدْ وَلاَ سُرِرْتَ بِهَا. الَّتِي تُقَدَّمُ حَسَبَ النَّامُوسِ. ثُمَّ قَالَ: هنَذَا أَجِيءُ لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا اَللهُ. يَنْزِعُ الأَوَّلَ لِكَيْ يُثَبِّتَ الثَّانِيَ. فَبِهذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً” (عب 10 : 4 – 10).

صار الآن واضحاً لكل ذي عينين، أن البشرية كلها قد أخطات، لا فرق بين أنبيائها وبين الناس العاديين فيها كما يقول إشعياء “كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا” (إش 53 : 6).

وإن السيد المسيح له المجد بموته الكفاري على الصليب، هذا الموت الإختياري الذي أتمه بمحض إرادته كما قال عن نفسه ” لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي” (يو 10 : 17 -18).

بهذا الموت فتح السيد له المجد طريق الفداء والغفران كما يقول بولس الرسول ” الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أف 1 : 7). وصار الإيمان بعمل صليبه أمراً ضرورياً لنوال الخلاص، فبهذا الإيمان البسيط في القلب يحصل الإنسان على السلام، سلام التبرير الذي قال عنه بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية “فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو 5 : 1).

ومن ذا الذي يرى المسيح مُعلقاً على الصليب من أجل معاصيه، ويدرك أن الموت الذي ماته فوق الجلجثة كان لفدائه وتحريره من عقاب خطاياه، وأنه بهذا الدم الذي سال من جراحاته قد تطهر من آثامه ولا يمتلىء قلبه بالسلام الفياض ويهتف مع بولس قائلاً  “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2 : 20).

” صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ وَمُسْتَحِقَّةٌ كُلَّ قُبُول: أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا” (1 تي 1 : 15).

وتعال بنا الآن إلى مقادس كلمة الله لنرى مثالين لشخصين نالا هذا السلام العذب الجميل :

المثال الأول : مثال المرأة ذات الماضي الأسود :

ذات يوم دعا أحد الفريسيين السيد المسيح له المجد إلى طعامه، وإذ هو جالس ينتظر الطعام، إقتحمت عليه الدار في اضطراب وتعثر، إمرأة …. إمرأة استيقظ ضميرها فجأة قرأت أن لذتها المحرمة هي لدغات عقارب تلدغ نفسها المعذبة، وأن خلاعتها واستهتارها هي أنياب حيات تنشب في جسدها ونفسها …. ولم تكد تبصر السيد المسيح له المجد حتى وقعت من ورائه باكية، وقد أرهقها الشعور بالذنب، وحطم نفسها الإنسانية الإحساس بالإثم …. فلم يكفها أن تقف والدموع في عينيها بل إرتمت على قدميه تبللهما بدموعها، وتمسحهما بشعر رأسها، وتقبلهما بشفتيها، ثم تعود فتضمخهما بطيب كان معها .

لقد كانت حزينة على خطاياها …. حزينة على ماضيها الأسود الأثيم، وما أعظم هذا الحزن، لأنه حزن بحسب مشيئة الله …. حزن القلب التائب الراجع ” لأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ، وَأَمَّا حُزْنُ الْعَالَمِ فَيُنْشِئُ مَوْتًا” (2 كو 7 : 10).

ويرى الفريسي ذلك، ويبصر المرأة فيعرفها …. إنها واحدة من بائعات اللذة والهوى …. ويفرك يديه مسروراً، فهذه فرصة مواتية لإختبار المسيح، فإن كان مسيح الله حقاً، فسيعلم من هذه المرأة التي تلمسه وتُقبل قدميه، وما هي !!

ويقرأ السيد له المجد وهو فاحص القلوب والكلى حديث نفسه هذا، ويلقي عليه بل يلقي على الدنيا كلها درساً في غفران الله فيوجه الحديث إليه قائلاً  “يَا سِمْعَانُ، عِنْدِي شَيْءٌ أَقُولُهُ لَكَ” (لو 7 : 40).

ويقول سمعان الفريسي : “قُلْ، يَا مُعَلِّمُ” !!
ويستأنف السيد له المجد حديثه قائلاً  “كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَالَ: أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالأَكْثَرِ” (لو 7 : 41 – 43).

ويستطرد السيد له المجد قائلاً  “بِالصَّوَابِ حَكَمْتَ”

ثم يلتفت شطر المرأة الخاطئة، المرأة التي أتعبتها الخطية، وانقض ثقلها ظهرها فجاءت لتفرغ حملها الثقيل عند قدميه لتنال منه سلام التبرير والغفران. ويتابع حديثه قائلاً “أَتَنْظُرُ هذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ. بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلًا “ (لو 7 : 44 -47).

أجل غُفرت خطاياها الكثيرة، وإنزاح ذلك الحمل الثقيل الذي حطم شخصيتها، وشطرها إلى شخصين متعاركين وقلب ذاتها الداخلية إلى ميدان قتال .

وهاهو السيد المسيح له المجد يقول لها وعلى شفتيه الودودتين ابتسامة كضوء الفجر ” فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ” (لو 7 : 50) إذن هو الإيمان البسيط بشخصه الذي أزال حمل خطاياها !!

فأي قلب حنان كان يحمله يسوع ؟ وأي راحة للضمير البشري يهبها هو للإنسان ؟
دعنا نقابل المرأة الخاطئة بعد خروجها من حضرته .
لقد ارتاحت من عقدة الشعور بالذنب، وتحررت من الصراع الذي كان دائراً في حياتها، وهدأت أصوات الشك التي كانت تدوي في أعماقها، وتخلصت من الإنفعالات النفسية الضارة التي حطمت صحتها وأعصابها، وارتفعت بنعمة المسيح المجيد فوق أنانيتها .
لقد أضاءت عينيها أنوار الإطمئنان، وارتسمت على شفتيها إبتسامة اليقين، وملأ قلبها وفكرها السلام … سلام الغفران .
وفي مقدورك أنت أيضاً أن تنال هذا السلام التام .

المثال الثاني : مثال الرجل الذي كاد ينتحر :

نجد هذا المثال في سفر أعمال الرسل، في شخصية (حافظ سجن فيلبي) إذ يصل إليه ( بولس وسيلا ) مع توصية من الولاة أن يحرسهما بضبط، فيلقيهما الرجل في السجن الداخلي ويضبط أرجلهما في المقطرة .
لكن بولس وسيلا ينتصران على عذاب الجسد، وعلى ظلمة السجن، وعلى الإحساس بالهوان، فيقيما في سجنها الداخلي إجتماع صلاة وترنيم، يصوره كاتب سفر الأعمال بالكلمات “وَنَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ كَانَ بُولُسُ وَسِيلاَ يُصَلِّيَانِ وَيُسَبِّحَانِ اللهَ، وَالْمَسْجُونُونَ يَسْمَعُونَهُمَا” ( أع 16 : 25).

نحو نصف الليل في قلب الظلام، ساعة أن تهدأ الحركة ويبدأ الجسد يحس بأوجاعه … في هذا الوقت أقام الرجلان العظيمان إجتماعاً تاريخياً للصلاة والترنيم ولا شك أن السيد له المجد حضر هذا الإجتماع لأنه وعد قائلاً “لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ” (مت 18 : 20).

فماذ حدث نتيجة صلاة الرجلين الممتلئين بروح الله ؟
تحركت يد القادر على كل شيء، ورجال الصلاة العظام هم دائماً الذين حركوا ذراع القادر على كل شيء على مدى الأجيال !!

وقد تحركت هذه اليد بالقوة … وفي ذات الوقت بالرحمة … فأحدثت زلزلة عظيمة تزعزعت على أثرها أساسات السجن ولكنها لم تهدم السجن، وانفتحت في الحال الأبواب كلها، وانفكت قيود الجميع، وتزعزت مع أساسات السجن كل الأعمدة الواهية التي كان يستند عليها حافظ السجن .

واستيقظ الرجل الذي كان منذ لحظات (سيد الموقف) ليجد نفسه في ( أسوأ موقف ) وبدت أمامه الحقائق واضحة .

إذن فهناك قوة علوية تفوق قوة قيصر، ولا ترهب جنوده، ولا تخشى رماحه وأسلحته.
إذن فهناك الله القادر على كل شيء .
ويقف الرجل حائراً بائساً مسكيناً … يواجه قوة الله العظيم من ناحية، ومسئولياته إزاء القانون الروماني من ناحية أخرى.
وظن حافظ السجن إن المسجونين قد هربوا ، وأنه لا بد أن يقف أمام المحكمة الرومانية ويُحكم عليه بالإعدام .

فماذا يفعل رجل عظيم في موقف كهذا ؟!

لقد ذابت عظمته، وتحطمت قوة شخصيته، وانتهت عجرفته، فإستل سيفه ليقتل نفسه ويُنهي حياته بيده بدل أن يأخذها منه سواه .
فهل واجهت في حياتك موقفاً من هذا الطراز ؟ هل رأيت نفسك فجأة وأنت في قلب الظلام وليس من يسندك ؟!
مسكين حافظ السجن، إنه إنسان بلا سلام، ملأه اليأس أمام حادث من أحداث الحياة الكبرى! وهو لا يجد أمامه إلا سبيل الإنتحار !!

ولكن هل الإنتحار هو أهون السبل حقاً !!

يقيناً ! لا … فقد يقتل الإنسان نفسه بالسيف، أو بالخنق، أو بالرصاص، أو بتجرع السم، أو بإلقاء نفسه من أعلى الأدوار ، لكنه يحب أن يعرف تماماً أنه لا بد أن يُقابل الله .
هذا كان حال حافظ السجن اليائس البائس حين رن في أذنيه صوت عذب جميل حنان يحمل كل معاني السلام يناديه من داخل السجن قائلاً “فَنَادَى بُولُسُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: لاَ تَفْعَلْ بِنَفْسِكَ شَيْئًا رَدِيًّا! لأَنَّ جَمِيعَنَا ههُنَا” (أع 16 : 28).

أي صوت رحيم هذا الصوت ؟!

إنه صوت بولس الذي ألقاه ذلك الرجل القاسي القلب منذ لحظات في السجن الداخلي، وضغط رجليه في المقطرة !!
أجل أيها الخاطىء المسكين لا تفعل بنفسك شيئاً ردياً، لا تحاول أن تتخلص من الحياة … لا تحاول أن تذهب إلى الهلاك بقدميك .

واندفع الرجل إلى داخل وبيده الضوء ، وألقى بنفسه عند رجلي الرجلين المقيدين بولس وسيلا وهو يرتعد، وإذ هدأ قليلاً ، أخرج الرجلين الكريمين وقال “يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ” (أع 16 :30 ).

لقد استيقظ ضميره إذ واجه قوة الله، وتقابل مع رجلين ممتلئين من الروح القدس، ورأى غفران القلب المسيحي يتجسم في تصرفات بولس وسيلا، وهو الآن يبحث عن الخلاص، يبحث عن طريق الراحة والغفران والسلام !! لذلك فهو يسأل أخطر سؤال ينبغي أن يسأله كل فرد .

” مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ ” ؟!؟
وليت نفسك تستيقظ كنفسه، وليت روح الله يتعامل معك كما تعامل معه، وليتك تجري إلى الكلمة المقدسة لتعرف منها طريق الخلاص الوحيد .
واسمع الآن إجابة الرجلين الممتلئين بروح الله .

” آمن … بالرب … يسوع …. المسيح …. فتخلص “

آمن : والإيمان هو الثقة واليقين .

آمن بالرب : أي ثق أن يسوع المسيح هو الرب المخلص الذي قال عنه الملاك لجماعة الرعاة

“لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ. أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ” (لو 2 : 10 – 11).

والذي قال عنه بولس “الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ” (1 كو 2 : 8).

آمن بالرب يسوع : أي الرب المخلص الذي قال عنه الملاك ليوسف “فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ” (مت 1 : 21).

ولقد كلف خلاصنا الرب يسوع الشيء الكثير ، كلفه أن يُخلي نفسه، ويأخذ صورة عبد، ويصير في شبه الناس، ويوجد في الهيئة كإنسان، ويضع نفسه ويُطيع حتى الموت موت الصليب “لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ” (في 2 : 7 -8).

وانظر الصورة التي صوره بها إشعياء حين كان يتمم خلاصنا !!

“نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ” ( إش 53 : 2 -3).

ذاك الذي قال عنه صاحب المزمور “أَنْتَ أَبْرَعُ جَمَالًا مِنْ بَنِي الْبَشَرِ. انْسَكَبَتِ النِّعْمَةُ عَلَى شَفَتَيْكَ، لِذلِكَ بَارَكَكَ اللهُ إِلَى الأَبَدِ” (مز 45 :2).

يتحدث عنه إشعياء وهو يراه في مشهد الفداء قائلاً “نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ” (إش 53 : 2 -3).

لماذا هذا العار وهذا العذاب ؟ يُجيبنا إشعياء بالقول “لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟ وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ” (إش 53 : 4 -9).

فهل تصورت مدى الآلام التي احتملها المسيح من أجلك ؟ وهل تخيلت مدى العذاب الذي جازت فيه نفسه البارة لأجل خطاياك ؟! وهل تعزم من اليوم أن تقبله بتوبة صادقة مخلصاً لنفسك ؟ إذن ردد مُرنماً :

عني سًمر بالصليب ومن أجلي مات الحبيب

فقد ســـــــيق كـــــــــشاة من أجــلي مــــــــات

عني سمـــــــــــــــــــــــــــر بالـــــــصليب

آمن بالرب يسوع المسيح : أجل ! آمن بأنه مسيح الله، الذي مُسح بالروح القدس يوم معموديته من يوحنا، والذي وقف في مجمع الناصرة “فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ. وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا فِيهِ: رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ” (لو 4 : 17 – 19)

نعم ! إنه المسيح الذي جاء خصيصاً للمساكين، جاء ليشفي المنكسري القلوب، جاء لينادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر ويُرسل المنسحقين في الحرية .

آمن بالرب يسوع المسيح، آمن أنه أخذ مكانك، وصار بديلك، ومات عوضاً عنك، فتخلص وتمتلىء بالسلام العظيم … سلام التبرير … وقد آمن السجان الذي أوشك على الإنتحار، واعتمد بالماء في الحال، ونال سلام التبرير، إذ نقرأ عنه الكلمات “وَلَمَّا أَصْعَدَهُمَا إِلَى بَيْتِهِ قَدَّمَ لَهُمَا مَائِدَةً، وَتَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ إِذْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاللهِ” (أع 16 : 34)

أجل ! فقد كان إيمانه بالرب يسوع المسيح هو الإيمان الحق بالله العادل الرحيم، وهذا الإيمان قد وهبه ملء السلام إذ كان هو الوسيلة التي بها تصالحت نفسه الباطنة مع عقله الواعي، فلم يبق شيء بين حنايا ضلوعه عائشاً في الظلام كالخفافيش بل تطهر القلب من كل الذنوب والخطايا والآثام وتصالح حافظ السجن مع الله ونال السلام .

ألا يذكرنا هذا بكلمات بولس الرسول إلى أهل أفسس “لِذلِكَ اذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلًا فِي الْجَسَدِ، الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَانًا مَصْنُوعًا بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلاَ إِلهٍ فِي الْعَالَمِ. وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلًا بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ. لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ . أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلًا بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا، وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلًا الْعَدَاوَةَ بِهِ. فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ. لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إِلَى الآبِ” (أف 2 : 11 -18).

فإن آمنت بالرب يسوع المسيح كما آمن ذلك السجان، واتخذته مُخلصاً شخصياً لنفسك فستُولد من جديد، ويُكتب إسمك في سفر الحياة !

فهل تعرف ما معنى أن تولد من جديد ؟!

(1) إن معنى ذلك أنك ستصبح إنساناً بلا ماضِ، إذ سيمزق الله صحيفة سوابقك، فتهتف كما هتف حزقيا الملك قديماً قائلاً “بِمَاذَا أَتَكَلَّمُ، فَإِنَّهُ قَالَ لِي وَهُوَ قَدْ فَعَلَ. أَتَمَشَّى مُتَمَهِّلًا كُلَّ سِنِيَّ مِن أَجْلِ مَرَارَةِ نَفْسِي. أَيُّهَا السَّيِّدُ، بِهذِهِ يَحْيَوْنَ، وَبِهَا كُلُّ حَيَاةِ رُوحِي فَتَشْفِينِي وَتُحْيِينِي. هُوَذَا لِلسَّلاَمَةِ قَدْ تَحَوَّلَتْ لِيَ الْمَرَارَةُ، وَأَنْتَ تَعَلَّقْتَ بِنَفْسِي مِنْ وَهْدَةِ الْهَلاَكِ، فَإِنَّكَ طَرَحْتَ وَرَاءَ ظَهْرِكَ كُلَّ خَطَايَايَ” (إش 38 : 15 -17). لقد طرح الله خطايا حزقيا وراء ظهره، فهل لله ظهر ؟! كلا إنما هذا يعني أن الله قد طرح خطايا حزقيا في مكان لا يراه، أو بمعنى أوضح أنه قد مزق صحيفته الجنائية، وعندما تولد من الله لا يعود الله يذكر خطاياك فيما بعد ، وهذه الحقيقة تكفي لكي تزيل منك الشعور بالذنب وتملأك بالسلام .

(2) وفوق هذا فإن معنى أن تولد من الله هو أن يهبك الله روحه، روح التبني، الروح الذي به تُصلي إليه قائلاً “يا آبا الآب أو يا بابا الآب “ وهذا الروح يُريحك من الصراع النفسي الدائر في داخلك، ومن الشك الذي يكاد يقتلك، ومن الخوف الذي يقض مضجعك، ومن عقدة الإثم التي تشوش سلام حياتك فتختبر عملياً ما قاله بولس الرسول “لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا الآبُ. اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ” (رو 8 : 14 -16) فهل هناك ما يغمر القلب بالسلام أكثر من هذه الحقيقة ؟!

(3) ومع كل ما ذكرنا فإن معنى أن تولد من الله هو أن تختبر الراحة التي وعد بها المسيح له المجد حين قال “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ” (مت 11 : 28 -29).

وفي هذا الوعد نجد راحة مثلثة هي راحة المجيء إلى المسيح للتمتع بالغفران، وراحة التعلم من المسيح للتدريب على الوداعة والتواضع، وراحة حمل نير المسيح ليشاركنا بل ليحمل عنا أثقال رحلة الحياة الكبرى. وفي هذا نبع السلام العميق العذب.

يحتفظ لنا التاريخ بإختبار مثير سجله أحد رجال الله الأمناء قال «اعتدت أن أعقد إجتماعات تبشيرية في سان فرنسسكو لجماعة من اليهود، وفي أحد الإجتماعات بعد أن انتهيت من إلقاء عظتي أعطيت فرصة للمباحثة مع أي عبراني يرغب في معرفة جواب أي سؤال يستعصي عليه فهمه … أو يُريد أن يقص قصة تجديده إن كان قد إختبر خلاص المسيح ».

وفي أحد هذه الإجتماعات وقف رجل عبراني مُسن وقص هذا الإختبار قال :

« إخواني اليهود ! هذه الأيام هي أيام إسبوع الفصح، ومن مقعدي هنا أفكر في كيفية قيامكم بمراسيمه، إن طقوس الفصح تطالبكم بأن ترفعوا الخمير من بيوتكم، وأن تأكلوا الفطير واللحم المشوي …. لكنكم تنسون أيها الإخوة بأنكم تتممون كل شيء ما عدا الشيء الذي طلبه (يهوه) منكم في القديم … إنه لم يقل لما أرى الخمير معزولاً …. ولما أراكم تأكلون الفطير مع اللحم المشوي، ولما أراكم تذهبون إلى الكنيس أعبر عنكم … بل قال “وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ، فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ حِينَ أَضْرِبُ أَرْضَ مِصْرَ” (خر 12 :13).

آه يا إخوتي ! إنه لمن غير المستطاع أن تستبدلوا ( الدم) بأي شيء آخر … يجب أن يكون لديكم دم ! …. دم ! …. دم !

(دم) يالها من كلمة مخيفة للذي يفتش العهد القديم ويعيش بغير ذبيحة، فلو قرأ أية صفحة أرادها من الكتاب فالدم لا بد أن يواجهه. لكنه لا يجد هذا الدم بحال في الطقوس اليهودية في العصر الحاضر .

وتوقف الرجل المسن لحظة ثم استطرد قائلاً « لقد ولدت في فلسطين منذ سبعين سنة كطفل علموني أن أدرس الناموس والمزامير والأنبياء، فلازمت المجمع من صغري، وتعلمت اللغة العبرانية بواسطة حاخام جليل، وفي البداية صدقت ما قيل لي بأن ديننا هو الدين الوحيد الحق.

لكن لما كبرت ودرست الناموس بتمعن صرت أفكر تفكيراً عميقاً في المكانة التي كانت للدم في كل الإحتفالات المذكورة في العهد القديم. وذهلت لأنني رأيت الدم وقد إختفى تماماً في كل الطقوس التي نجريها والتي ترعرعت في وسطها . ومرة بعد أخرى قرأت الأصحاح الثاني عشر من سفر الخروج، والأصحاحين السادس عشر والسابع عشر من سفر اللاويين، وقد ضاع كل إحساس بالسلام في قلبي عند قراءتي الأصحاحين الأخيرين، وارتعدت وأنا أقرأ فيهما عن ترتيبات يوم الكفارة، ومكانة الدم في هذا اليوم العظيم، وكان العدد القائل “لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ” (لا 17 : 11) كان هذا العدد يدوي في أذني في منامي وصحوي .

كنت أعرف أنني إنسان خاطىء كسرت الناموس، وإنني بحاجة إلى الكفارة، ولكن أين هو دم الكفارة ليكفر عن خطاياي؟

فقدت راحتي، وزال إطمئناني، وكان ضميري يُعذبني …. أخيراً فتحت قلبي في ضيقتي لحاخام متعلم له مقامه، وسألته : أين هو دم يوم الكفارة العظيم ؟ فأجابني بأن الله قد غضب على اليهود، وعلى أورشليم، فإستولى عليها الأمم، ودمروا هيكل سليمان الجميل، وبنى المسلمون على أنقاضه المسجد الأقصي، ولهذا توقف اليهود عن تقديم ذبائحهم لأن البقعة الوحيدة من الأرض التي تجسر على سفك دم الذبيحة فيها كما جاء في سفر التثنية الأصحاح 12 وسفر اللاويين الأصحاح 17 لم تعد لنا، وشعبنا قد تشتت، ولهذا السبب فليس في طقوس يوم الكفارة أي دم في الوقت الحاضر.

الله نفسه قد أغلق الطريق حتى لا نجري الخدمة المقدسة ليوم الكفارة العظيم، وليس علينا الآن إلا أن نرجع إلى التلمود ونتكل على تعاليمه ونثق برحمة الله واستحقاقات الآباء».

حاولت أن أريح نفسي على ما قاله ذلك الحاخام ولكنني لم أقدر وكنت أحس في أعماقي بدوي صوت يقول لي : «بأن الشريعة لم تتغير ولو أن الهيكل قد دمر، وأنه لا شيء سوى الدم يقدر أن يكفر عن النفس.

لكن ما العمل ونحن لا نجسر أن نسفك دماً للتكفير عن نفوسنا في مكان آخر غير المكان الذي إختاره الرب ؟! إذن نحن نعيش بغير كفارة على الإطلاق !! فيالشقاوتنا وتعاستنا !!

ملأني هذا الفكر بالخوف والذعر والقلق، وفي ضيقتي كنت أستشير كل حاخام أقابله، ولم يكن لدي إلا السؤال العظيم : «أين أجد دم الكفارة ؟!؟» .

كان عمري فوق الثلاثين لما غادرت فلسطين إلى القسطنطينية والسؤال العظيم الذي ملأ عقلي لم يزل بغير جواب …. كان في فكري يساورني ولا يبرح مخيلتي، كما أن الإضطرابات إزدادت في نفسي بسبب شعوري بوطأة خطاياي .

وفي ليلة من الليالي كنت أجوب شوارع المدينة وأنا في حيرتي فرأيت لوحة للإعلان عن إجتماعات لليهود، فقادني فضولي إلى الدخول في ذلك الإجتماع، وما كدت أستوي على مقعدي، حتى سمعت رجلاً يقول “وَلكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ” (1 يو 1 :7).

إذن فهنا حديث عن الدم ؟! أصغيت بكل قلبي واستطرد المتكلم قائلاً « لقد قال الله إنه “وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ “ (عب 9 : 22). وهذه هي الحقيقة الكبرى في كل العهد القديم ….وظل المتكلم يتحدث عن كيف بذل الله يسوع المسيح البار ! وكيف أن يسوع المسيح هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم ! وكيف أنه مات على الصليب لهذا الغرض العظيم وأن كل من آمن به تغفر خطاياه وتُمحى آثامه.

ثم إستمر يشرح فأكد أن يسوع المسيح هو مسيا الأصحاح الثالث والخمسين من سفر إشعياء، وأنه البديل المتألم المذكور في المزمور الثاني والعشرين .

وسكت الرجل المسن، وأضاء وجهه بنور عجيب ثم تابع حديثه قائلاً « آه يا إخوتي ! في تلك الليلة وجدت دم الكفارة … دم يسوع المسيح الكريم …. دم الحمل الذي بلا عيب ولا دنس … وآمنت به … وإمتلأ قلبي بسلام عذب عميق» .

فهل وجدت دم الكفارة؟ وهل استراح قلبك على العمل الكامل الذي أجري على الصليب؟ وهل إمتلأت بسلام التبرير ؟ أذكر أن أول خطوة يجب أن تخطوها لتنال سلام القلب والعقل هي : أن تؤمن بالرب يسوع المسيح، وتتخذه مخلصاً شخصياً لنفسك .

الخطوة الثانية : إعترف بالخطية التي ترتكبها بكل سرعة :

عندما يقبل المرء الرب يسوع مخلصاً لنفسه فلا شك أنه يختبر كلمات بطرس الرسول القائلة “الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ” (1 بط 1 : 8) .

ويستمر هذا الفرح الغامر في حياة المؤمن …. ثم في لحظة من لحظات الضعف أو النسيان أو الإهمال أو التجارب المفاجئة يسقط في الخطية وتطير حمامة السلام التي رفرفت في قلبه !

إنه عندئذ يشبه بطرس الرسول الذي إذ خاف على نفسه وسط الأعداء في ليلة الصلب خرج عن إتزانه “فَابْتَدَأَ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: إِنِّي لاَ أَعْرِفُ هذَا الرَّجُلَ الَّذِي تَقُولُونَ عَنْهُ” (مر 14 :71) كذب بطرس !!

فهل يبقى المؤمن الساقط عائشاً في أحزان الخطية والسقوط ؟! وكيف يستطيع أن يسترد شركته مع إلهه، وأن يستعيد سلامه المفقود ؟

إن السبيل إلى ذلك هو (الإعتراف بكل سرعة ) كما يقول يوحنا الرسول “إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ” (1يو 1 : 9).

فالله ( أمين) يكتم السر ولا يفشيه لأحد وهو (عادل ) أخذ حقه بالكامل في الصليب، وليس علينا إلا أن نعترف له بالخطية التي ارتكبناها وهو مستعد أن يغفرها لنا .

وفي مقدورنا أن نعترف للرب في أي مكان، في الشارع …. في المصنع …. في الدكان …. في البيت كل ما علينا أن نرفع قلوبنا إليه معترفين بخطايانا ونحصل منه على التطهير والغفران.

وهذا ما فعله بطرس حين أخطأ وأنكر سيده إذ نقرأ عنه الكلمات “فَخَرَجَ بُطْرُسُ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا “ (لو 22 : 62). فإذا ارتكبت خطية ما فأسرع في ركن وحدك … بعيداً عن الأشرار الذين كانوا سبباً في سقوطك … وإعترف بخطيتك لإلهك .

إن الشخص الذي يكتم خطاياه ولا يعترف بها، يفقد سلام قلبه وعقله، فتتعقد حياته، ويفشل في كل تصرفاته كما يقول صاحب الأمثال “مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ” (أم 28 : 13).

ويقيناً أن الإنسان لا يمكنه أن يستريح من الشعور بالذنب إلا بالإعتراف والغفران، وتعال معي لنسمع إختبار ملك عظيم يؤكد هذه الحقيقة … لقد ارتكب الملك داود خطيته في لحظة من لحظات الإهمال، انجذب وانخدع من شهوته … وبعد أن إرتكب خطيته أراد أن يخفيها عن الناس ويكتمها في قلبه فلا يعترف بها الله، وإصغ إلى كلماته وهو يصف لك العذاب النفسي الذي أحس به ” لَمَّا سَكَتُّ بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي الْيَوْمَ كُلَّهُ، لأَنَّ يَدَكَ ثَقُلَتْ عَلَيَّ نَهَارًا وَلَيْلًا. تَحَوَّلَتْ رُطُوبَتِي إِلَى يُبُوسَةِ الْقَيْظِ.” (مز 32 : 3 -4).

مسكين داود، أراد أن يكتم خطيته ولا يعترف بها لإلهه وإذ بها كبركان ثائر في داخله، أبلت عظامه، وحولت رطوبته إلى يبوسه . وهذا حال كل من لا يعترف بخطيته لله …. إنه يتعذب من عقدة الشعور بالإثم .

وأخيراً يعترف داود ، إسمعه يقول “أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي” (مز 32 :5).

لقد لجأ إلى الإعتراف للرب، فرفع الرب عنه آثام خطيته وهاهو يهتف مردداً “طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً، وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ” (مز 32 : 1 -2).

فإذا ارتكبت خطية فإعترف بها للرب بكل سرعة لتستمتع بحياة السلام .

ومع الإعتراف للرب ينبغي أن تعترف كذلك لمن أسات إليه، وأن تعتذر عن الإساءة التي وجهتها لشخصه، وعن هذا يقول يعقوب الرسول “اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا. طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا” (يع 5 : 16).

يحتفظ لنا مسيحي غير معروف بقصة عن طبيب مُلحد :

«كان زوج أخته طبيباً ممتازاً ، ومسيحياً مُخلصاً ، إلا انه كان عصبي المزاج سريع الإنفعال. كان الطبيب المُلحد يقول دائماً : إن حياته لا تختلف عن حياة زوج أخته . وكان يتحدى الطبيب المسيحي بالقول : ليس فيك من الصفات ما يختلف عني . والواقع أن الطبيب المُلحد كان رجلاً شفوقاً، مُحباً …. كان أكثر رقة من الطبيب المسيحي . ولكي يُثبت للطبيب المسيحي تحديه دعاه في ليلة من الليالي إلى بيته، ودار بينهما نقاش عنيف بخصوص قطعة أرض يملكانها. وفقد الطبيب المسيحي أثناء النقاش أعصابه، ووجه إلى الطبيب الملحد كلاماً قياسياً ثم غادر المنزل وهو في حمو الغضب، وأغلق الباب خلفه بعنف . وترك الملحد يضحك متهكماً بصوت عال .

لكن الطبيب المسيحي لم يستطع أن ينام تلك الليلة وتشوش سلام قلبه وعقله، وأدرك أنه تصرف تصرفاً غير لائق، واعترف بخطيته للرب وطلب منه الغفران ، واستيقظ في الصباح الباكر ثم اتجه إلى بيت الطبيب المُلحد واعتذر له أمام أفراد أسرته جميعاً وأعلن أسفه البالغ على تصرفه غير المسيحي.

وعندئذ تعجب الطبيب الملحد، وقال له بهدوء « يا أخي إنك تتميز بصفة ليست عندي … صفة إلهية … إنني لا أستطيع أن أعتذر بالإسلوب الذي اعتذرت أنت به » وركع الطبيب المُلحد وطلب خلاص الله، كما ركع المسيحي وطلب من الرب أن يخلصه من مزاجه العصبي وسرعة إنفعاله.

فإذا أخطأت إعترف للرب بخطيتك بكل سرعة، واعترف كذلك لمن أسات إليه، وعندئذ ستفيض في نفسك ينابيع السلام العذب .

الخطوة الثالثة : تعلم كيف تذهب إلى بيت الرب :

إن كثيرين من المسيحيين يعيشون في جو مُشبع بالقلق والإضطراب والإرتباك ، لأنهم لم يتعلموا بعد فن الذهاب إلى بيت الرب …. فبعضهم يذهبون إلى بيت الرب كمن يتفضل على الرب بالحضور أو كمن يشعر أنه يؤدي خدمة عظمى لله بذهابه إلى بيته.

والبعض الآخر يذهبون إلى بيت الرب كمجرد عادة إعتادوا عليها ولذا فإن أولئك وهؤلاء لا يأخذون البركة التي يحتاجون إليها ولا يمتلئون بالسلام الذي يُريد الرب أن يملأهم به.

ولقد وضع دكتور (نورمان فنسنت بيل ) في كتابه الحياة الواثقة عدة شروط للذهاب إلى بيت الرب لو طبقتها في حياتك فستمتلىء بالسلام الفياض وإليك هذه الشروط :

(1) فكر في الذهاب إلى بيت الرب كفن يجب أن توليه ذات العناية التي توليها لأي فن آخر .

(2) إذهب إلى بيت الرب بإنتظام ومواظبة، إن ( الروشتة) التي يعطيها لك الطبيب لن تفيدك شيئاً ما لم تواظب على تناول الدواء، واكتفيت بأخذه مرة أو مرتين في السنة .

(3) إقض مساء السبت في هدوء، ونم نوماً عنيقاً، لتستيقظ صباح الأحد بلا توتر لتقابل الرب في بيته .

(4) إذهب إلى بيت الرب في إسترخاء كلي للجسد والعقل، ولا تجري وأنت ذاهب إلى هناك، بل إذهب في الميعاد في ملء الهدوء ، فإن إختفاء التوتر في أعصابك ضرورة لازمة للعبادة المباركة.

(5) إذهب في روح السرور ، فإن بيت الرب ليس مكاناً للكآبة . إن المسيحية هي دين الفرح والبهجة، ويجب أن تستمتع بها .

(6) إجلس مسترخياً في مقعدك، رجلاك على الأرض ، يداك غير مطويتين ، وأترك جسدك يأخذ وضعاً مريحاً في جلسته، وانتظر قوة الله لتغمرك بفيض الفرح والسلام .

(7) لا تأتي إلى بيت الرب وعقلك مليء بالمشاكل، فكر في مشاكلك خلال الإسبوع ، لكن حين تذهب إلى بيت الرب دع مشاكلك تستقر في عقلك . إن سلام الله سيغمرك بقوة مجددة لنشاطك ويساعدك على التفكير الهادىء المتزن ، وستجد هناك نوراً لحل مشاكلك دون أن تدري .

(8) لا تحضر إلى بيت الرب وأنت مشحون بالإنفعالات النفسية الضارة، عليك أن تصلي حتى يطرد الله عنك هذه الإنفعالات ، وصل في بيت الرب لأجل الذين لا تحبهم أو الذين لا يحبونك.

(9) إستخدم عملياً فن التأمل الروحي، ولا تفكر في ذاتك وأنت في بيت الرب … فكر في الرب فكر في الأشياء الجميلة التي أحاطك بها …. إبعد عقلك عن التفكير في العالميات … ودعه يحس بجو السلام والهدوء في حضرة الرب .

(10) إذهب إلى بيت الرب وأنت تتوقع حدوث شيء عظيم في حياتك، وثق أن جو العبادة والخدمة في بيت الرب هو الجو الذي تحدث فيه المعجزات الروحية . إن حياة الكثيرين قد حدث فيها التغيير العجيب في بيت الرب بالإيمان بالرب يسوع . فثق أن نفس المعجزة ممكن أن تحدث في حياتك أنت بالذات .

ثم يذكر دكتور بيل بعد هذه الشروط إختباراً عجيباً لا ينساه عن شخص طلبه بالتليفون ، وألح عليه أن يزوره فذهب لزيارته، كان هذا الشخص رئيساً في مؤسسة تجارية ضخمة، وكان محاطاً بكل ما يحاط به الرجل العظيم من أبهة وعظمة، كان رجلا جليل القدر ، يتمتع بشخصية ذات تأثير عظيم .

ويستطرد دكتور بيل قائلاً « قال لي هذا الرجل العظيم وهو يُصافحني ، لقد حدث في حياتي تغيير كبير ، قلبها رأساً على عقب وقد أردت أن أتحدث إليك عن هذا التغيير لأنه حدث في كنيستك».

وتابع الرجل حديثه «إنني لست من أعضاء الكنيسة، وفي واقع الأمر إنني لم أذهب إلى الكنيسة إلا نادراً خلال العشرين سنة الماضية. لقد لفني العالم بمشغولياته ، وكنت أعتذر لنفسي بأنني كثير الأعمال . لكنني منذ بضع سنين أحسست بفراغ في نفسي مع أنني أملك كل شيء … المال والمركز …. والأصدقاء … والتأثير الإجتماعي …. والقوة …. ولكنك تعلم كيف تشعر في بعض الأوقات أن طعامك ليس لذيذ المذاق … هكذا أحسست أنا …. شعرت أن حياتي ليست لذيذة المذاق … لقد عشت حياة أدبية عالية وليس في حياتي مخاطرات أو مغامرات أندم عليها، وخطاياي ليست من النوع الخطير …. ولكنني فجاة بدأت أحس الخوف ، وأشعر بالإضطراب والتوتر وعدم الإكتفاء …» واستطرد الرجل يقول : «على كل حال ، حدث أنني كنت أسير في الشارع الذي به كنيستك ، فإسترعى إنتباهي عنوان الرسالة المكتوبة على اللافتة الخارجية فدخلت. وكان أول ما أدهشني أنني رأيت الكنيسة ممتلئة تماماً ، لقد كنت أعتقد أن الناس قد كفوا عن الذهاب إلى الكنائس وخصوصاً في مساء الأحد …. وما كدت أستقر على مقعدي حتى وجدت نفسي خاضعاً للهدوء التام الذي ساد الكنيسة وأحسست أن جو العبادة مشبع بالسرور والبهجة، وشعرت بإحساس من السلام يسري في نفسي وخصوصاً وأنت تقول في رسالتك «إذا كان هنا أي إنسان يحمل هماً أو له مشكلة، أو ظرفاً متعباً ، فإن هذه الأشياء تحل إذا وجه الإنسان قلبه وعقله لله» لقد كنت واضحاً في كلامك، وزاد كلامك وضوحاً الإختبارات التي استخدمتها في رسالتك . عدت إلى بيتي وحاولت النوم ، لكن كلمات الرسالة ، ومنظر العبادة في الكنيسة ونغمات الترنيم ، كل هذه لم تبرح مخيلتي ، فقمت من سريري ، وركعت وصليت وقبلت الرب مُخلصاً لنفسي ، وملأ السلام نفسي وقلبي وعقلي ».

لقد نال هذا الرجل البركة في بيت الرب !! فتعلم كيف تذهب إلى بيت الرب ، وعندئذ ستختبر شخصياً كلمات داود النبي “فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ” (مز 122 : 1) بل ستهتف مرنماً من قلبك “مَا أَحْلَى مَسَاكِنَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ! تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ الرَّبِّ. قَلْبِي وَلَحْمِي يَهْتِفَانِ بِالإِلهِ الْحَيِّ. الْعُصْفُورُ أَيْضًا وَجَدَ بَيْتًا، وَالسُّنُونَةُ عُشًّا لِنَفْسِهَا حَيْثُ تَضَعُ أَفْرَاخَهَا، مَذَابِحَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ، مَلِكِي وَإِلهِي. طُوبَى لِلسَّاكِنِينَ فِي بَيْتِكَ، أَبَدًا يُسَبِّحُونَكَ. سِلاَهْ. طُوبَى لأُنَاسٍ عِزُّهُمْ بِكَ. طُرُقُ بَيْتِكَ فِي قُلُوبِهِمْ. عَابِرِينَ فِي وَادِي الْبُكَاءِ، يُصَيِّرُونَهُ يَنْبُوعًا. أَيْضًا بِبَرَكَاتٍ يُغَطُّونَ مُورَةَ. يَذْهَبُونَ مِنْ قُوَّةٍ إِلَى قُوَّةٍ. يُرَوْنَ قُدَّامَ اللهِ فِي صِهْيَوْنَ. يَا رَبُّ إِلهَ الْجُنُودِ، اسْمَعْ صَلاَتِي، وَاصْغَ يَا إِلهَ يَعْقُوبَ. سِلاَهْ. يَا مِجَنَّنَا انْظُرْ يَا اَللهُ، وَالْتَفِتْ إِلَى وَجْهِ مَسِيحِكَ. لأَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا فِي دِيَارِكَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ. اخْتَرْتُ الْوُقُوفَ عَلَى الْعَتَبَةِ فِي بَيْتِ إِلهِي عَلَى السَّكَنِ فِي خِيَامِ الأَشْرَارِ. لأَنَّ الرَّبَّ، اللهَ، شَمْسٌ وَمِجَنٌّ. الرَّبُّ يُعْطِي رَحْمَةً وَمَجْدًا. لاَ يَمْنَعُ خَيْرًا عَنِ السَّالِكِينَ بِالْكَمَالِ. يَا رَبَّ الْجُنُودِ، طُوبَى لِلإِنْسَانِ الْمُتَّكِلِ عَلَيْكَ “ (مز 84 ).

فأذكر جيداً إنك إن أردت أن تستمتع بسلام قلبك وعقلك في عالم مضطرب فعليك أن تتعلم كيف تذهب إلى بيت الرب .

الخطوة الرابعة : توكل على الرب بكل قلبك وسلم لمشيئته تسليماً كاملاً :

ها أنت قد آمنت بالرب يسوع المسيح كمخلص شخصي لك، ووثقت في قوة دمه المطهرة ، ولا شك أن هذا الإيمان قد أراحك من عذاب الشعور بالذنب، وملأ قلبك بالحب لله بعد أن كنت تخافه خوف العبيد ، ولكنك تسير في موكب الحياة، تقابل التجارب والآلام والمضايقات والإضطهادات !

فماذا تفعل لتستمتع بسلام القلب والعقل ؟! إن السبيل الوحيد للإستمتاع بهذا السلام هو أن تتوكل على الرب بكل قلبك وتسلم لمشيئته تسليماً كاملاً !

واسمع الآن ما يقوله إشعياء النبي “ذُو الرَّأْيِ الْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا، لأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ” (إش 26 : 3) وقد جاءت هذه الكلمات في الترجمة اليسوعية كما يلي “أيها الثابت الأفكار إنك ترعى السلام ، السلام لأننا عليك توكلنا ” لكن الترجمة الإنجليزية تعطي للآية قوة رائعة إذ تقول:

“Thou wilt Keep him in perfect peace whose Mind is stayed on thee. because he trusteth in thee”

ومعنى هذه الكلمات “تحفظه في سلام كامل من مكن عقله فيك لأنه متوكل عليك ” فالتوكل على الرب، وتثبيت العقل فيه ، أمران ضروريان لسلام القلب والعقل .

وإقرأ الآن معي هذه الآيات ودعها تأخذ مكاناً ممتازاً في تفكيرك :

“اِذْبَحُوا ذَبَائِحَ الْبِرِّ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى الرَّبِّ” (مز 4 : 5).

“عَلَى اللهِ خَلاَصِي وَمَجْدِي، صَخْرَةُ قُوَّتِي مُحْتَمَايَ فِي اللهِ. تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ فِي كُلِّ حِينٍ يَا قَوْمُ. اسْكُبُوا قُدَّامَهُ قُلُوبَكُمْ. اَللهُ مَلْجَأٌ لَنَا” (مز 62 : 7 -8 ).

“الاحْتِمَاءُ بِالرَّبِّ خَيْرٌ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَى إِنْسَانٍ. الاحْتِمَاءُ بِالرَّبِّ خَيْرٌ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَى الرُّؤَسَاءِ” (مز 118 : 8 -9 ).

“تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ” ( أم 3 : 5 -6)

“هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: مَلْعُونٌ الرَّجُلُ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى الإِنْسَانِ، وَيَجْعَلُ الْبَشَرَ ذِرَاعَهُ، وَعَنِ الرَّبِّ يَحِيدُ قَلْبُهُ. وَيَكُونُ مِثْلَ الْعَرْعَرِ ( العرعر شجرة تنبت في البرية وهي من الأشجار الصنوبرية كثيراً ما يرعاها المعزي فتبقى صغيرة غير مثمرة وأوراقها ملازمة الخراعيب وأغصانها ضئيلة وساقها صغير ) فِي الْبَادِيَةِ، وَلاَ يَرَى إِذَا جَاءَ الْخَيْرُ، بَلْ يَسْكُنُ الْحَرَّةَ ( هي أرض ذات أحجار نخرة سوداء كأنها أحرقت بالنار ) فِي الْبَرِّيَّةِ، أَرْضًا سَبِخَةً وَغَيْرَ مَسْكُونَةٍ. مُبَارَكٌ الرَّجُلُ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى الرَّبِّ، وَكَانَ الرَّبُّ مُتَّكَلَهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عَلَى مِيَاهٍ، واَعَلَى نَهْرٍ تَمُدُّ أُصُولَهَا، وَلاَ تَرَى إِذَا جَاءَ الْحَرُّ، وَيَكُونُ وَرَقُهَا أَخْضَرَ، وَفِي سَنَةِ الْقَحْطِ لاَ تَخَافُ، وَلاَ تَكُفُّ عَنِ الإِثْمَارِ” (أر 17 : 5 -8).

إن كل هذه الآيات هي في الواقع أجراس عالية تدعونا إلى الإيمان الواثق بالله، والتوكل الكلي عليه.

فعلى أي أساس نتوكل على الرب ؟!

1- إننا نتوكل على الرب بإعتباره الآب السماوي الذي أحبنا :

ها هو بولس يخاطب منطق عقولنا قائلاً “فَمَاذَا نَقُولُ لِهذَا؟ إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ عَلَيْنَا؟ اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ” (رو 8 : 31 -32).

ويقيناً ! هل يمكن أن نقرأ كلمات إنجيل يوحنا الفياضة بالحب “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3 : 16) ثم يعترينا شك في محبة الله لنا ؟

إنه أحبنا من قلبه، ومن أجلنا لم يشفق على ابنه يسوع المسيح، وبين محبته لنا ونحن بعد :

خطاة … وأعداء … وضعفاء … وفجار … مات المسيح لأجلنا … فكيف لا يهبنا معه كل شيء؟ كيف لا يهبنا معه الغذاء والكساء ؟ كيف لا يهبنا معه الراحة والعزاء؟ كيف لا يهبنا معه السلام والهناء ؟ كيف لا يهبنا معه الصحة والشفاء ؟ إن عقلي يخضع في هدوء لهذا المنطق السليم ويتوكل على الله على أساس محبته العظمى فهو الذي قال عنه زكريا “لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: بَعْدَ الْمَجْدِ أَرْسَلَنِي إِلَى الأُمَمِ الَّذِينَ سَلَبُوكُمْ، لأَنَّهُ مَنْ يَمَسُّكُمْ يَمَسُّ حَدَقَةَ عَيْنِهِ” (زك 2 : 8).

2 – إننا نتوكل على الرب لأنه يهتم بصغائر حياتنا :

إصغ إلى كلمات السيد له المجد وهو يقوي إيمان تلاميذه قائلاً “وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ. أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ. فَلاَ تَخَافُوا! أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ” (مت 10 : 28 -31).

وأنظر إلى أي مدى يهتم الآب السماوي بصغائر حياتك، إنه يعتني بالعصافير وأنت أفضل من العصافير، ولذا فهو قد أحصى شعر رأسك ! هل تصورت هذا ؟ هل تخيلت أن الآب السماوي قد عد شعر رأسك … شعر رأسك الأبيض والأسود معاً ؟ وأنه وعدنا “وَلكِنَّ شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لاَ تَهْلِكُ” (لو 21 : 18). فإذا كان الآب قد أحصى شعور رؤوسنا، أفلا يهتم بالأمور الكبيرة في حياتنا ؟ أفلا يهتم بسكننا ، وزواجنا ، وإختيار مهنة حياتنا ؟ يقيناً أن إهتمام الله بصغائر حياتنا يجعلنا نتوكل علية بكل قلوبنا .

3 – إننا نتوكل على الرب لإنه عالم بكل حاجاتنا ووعد بأن يسددها لنا :

إسمع كلمات السيد له المجد وهي تنساب كالموسيقى العذبة في ثنايا عظته على جبل قرون حطين ! إنه يهدىء مخاوفنا ، ويزيل اضطرابنا ، ويدعونا أن نطرح الإرتباك والخوف وعدم الإطمئنان ، والتفكير في المستقبل بعيداً عنه فيُنادينا بالكلمات :

“لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعًا وَاحِدَةً؟ وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا. لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ” (مت 6 : 25 -33).

فلا تفكر طويلاً في حاجاتك وضيقاتك المالية ، وظروفك الصعبة ، أن الآب السماوي يعلم، وليس عليك إلا أن تتوكل عليه بكل قلبك وتستند على الوعد القائل ” فَيَمْلأُ إِلهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (في 4 : 19).

4- إننا نتوكل على الرب لأنه قادر على إنقاذنا وتسديد أعوازنا :

لقد وثقنا أن الرب يحبنا ، ويهتم بصغائر حياتنا ، ويعلم حاجاتنا ، ولكنه أكثر من هذا كله قادر على إنقاذنا وتسديد أعوازنا .

قال الملاك جبرائيل للقديسة العذراء مريم “لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ” (لو 1 : 37). وأكد السيد له المجد هذه الحقيقة بقوله ” غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ” (لو 18 : 27).

ويتحدث الله في سفر التثنية في عطف وحنان قائلاً “لاَ تَنْظُرُوا إِلَى الْوُجُوهِ فِي الْقَضَاءِ. لِلصَّغِيرِ كَالْكَبِيرِ تَسْمَعُونَ. لاَ تَهَابُوا وَجْهَ إِنْسَانٍ لأَنَّ الْقَضَاءَ للهِ. وَالأَمْرُ الَّذِي يَعْسُرُ عَلَيْكُمْ تُقَدِّمُونَهُ إِلَيَّ لأَسْمَعَهُ” (تث 1 : 17).

ثم يعود قائلاً في سفر حزقيال “فَتَعْلَمُ الأُمَمُ الَّذِينَ تُرِكُوا حَوْلَكُمْ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ، بَنَيْتُ الْمُنْهَدِمَةَ وَغَرَسْتُ الْمُقْفِرَةَ. أَنَا الرَّبُّ تَكَلَّمْتُ وَسَأَفْعَلُ” (حز 36 : 36).

ويؤكد بولس الرسول قدرة الله على تحويل كل الأشياء للخير للذين يحبونه بالكلمات “وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ” (رو 8 : 28). فالرب يواجه ضعفنا بقوته ، وهو يدعونا لنتقابل معه في (منطقة المستحيل) وشدة الله تظهر في شدائد البشر .

كتب رجل من رجال الله في بلاد الغرب هذه الكلمات « هل وجد الله صعوبة في أمر ما ؟ هل وجد صعوبة في إنقاذ شعبه القديم والجبال محدقة بهم عن اليمين والشمال ، والعدو يطاردهم من خلفهم والبحر يصدهم من الأمام ؟ ألم يحول البحر إلى أرض يابسة وأوقف الأمواج كحراس يشهدون هذا الخروج المظفر؟ من الذي أخرج يوسف من السجن وأجلسه على كرسي السلطان وجعل الظروف الصعبة التي إجتازها درجات سلم إرتقى بها إلى أعلى ذرى المجد؟ أليس هو إله المستحيل؟ من الذي أنقذ الفتية الثلاثة من أتون النار المتقدة؟ أليس هو إله المستحيل ؟ ومن هو الذي إذ ذكر بولس وسيلا في سجن فيلبي هز أساسات السجن عندما صلى إليه الرجلان وسبحاه؟ أليس هو الله إله المستحيل ؟! من الذي أطعم الجموع في البرية حين أدرك الشك والتساؤل قلوب التلاميذ ؟ أليس هو الرب إله المستحيل ؟ ملك بابل جاهد كل النهار حتى غروب الشمس لينقذ دانيال فذهبت جهوده هباء، لكن لما تدخل ملك الملوك في الأمر سد أفواه الأسود . فالإله الذي عبده دانيال على الدوام قد عمل المستحيل ، إن إله المستحيل قادر أن يخلق من إيماننا الضعيف ، ومن ظروفنا المعاكسة أسباباً للظفر حتى يتمجد إسمه جلت قدرته .

لقد جاء يوم شدة على يهوشافاط صرخ فيه مستغيثاً “يَا إِلهَنَا أَمَا تَقْضِي عَلَيْهِمْ، لأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا قُوَّةٌ أَمَامَ هذَا الْجُمْهُورِ الْكَثِيرِ الآتِي عَلَيْنَا، وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ مَاذَا نَعْمَلُ وَلكِنْ نَحْوَكَ أَعْيُنُنَا” (2 أخ 20 : 12).

وحل يوم شدة على أستير الملكة حين تقدمت إلى الملك مخاطرة بحياتها وهي تقول “اذْهَبِ اجْمَعْ جَمِيعَ الْيَهُودِ الْمَوْجُودِينَ فِي شُوشَنَ وَصُومُوا مِنْ جِهَتِي وَلاَ تَأْكُلُوا وَلاَ تَشْرَبُوا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لَيْلًا وَنَهَارًا. وَأَنَا أَيْضًا وَجَوَارِيَّ نَصُومُ كَذلِكَ. وَهكَذَا أَدْخُلُ إِلَى الْمَلِكِ خِلاَفَ السُّنَّةِ. فَإِذَا هَلَكْتُ، هَلَكْتُ” (أس 4 : 16) ولكن الله أعطى النصرة ليهوشافاط ، وأنقذ الملكة أستير ، لأنه أكبر من قرارات الملوك .

إن الله يسر بأن يفاجئنا بعمل المستحيل لأجلنا ، مثلما أدهش الأختين الباكيتين أمام قبر أخيهما إنه لن يتخلى عن العناية بالإنسان الذي يسير معه ونفسه مشبعة بإنتظار المستحيل إن موارده تحت أمرة من يتدربون على المستحيل ، ومخازنه تفتح أبوابها لهم “اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ” (مت 7 : 7).

فتوكل على إله المستحيل !
لقد أبدع العوالم من العدم
وعلى الأرض على لا شيء
فتعمق في التوكل عليه
وعبىء قواك بنعمته لمواجهة المستحيل .

أجل تعلم كيف تتوكل على الرب بكل قلبك، وثق أنك إن فعلت هذا فستتحرر من سلطان الخوف الذي يعذبك ويشل حياتك !!

وتعال معي الآن لتسمع شهادات أولئك الذين اتكلوا على الرب فعاشوا منتصرين بقوته … ها هو داود يغني للرب قائلاً “أَنَا اضْطَجَعْتُ وَنِمْتُ. اسْتَيْقَظْتُ لأَنَّ الرَّبَّ يَعْضُدُنِي. لاَ أَخَافُ مِنْ رِبْوَاتِ الشُّعُوب الْمُصْطَفِّينَ عَلَيَّ مِنْ حَوْلِي” (مز 3 :5 -6)

ثم يعود فيقول “فِي يَوْمِ خَوْفِي، أَنَا عَلَيْكَ أَتَّكِلُ. اَللهُ أَفْتَخِرُ بِكَلاَمِهِ. عَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُهُ بِي الْبَشَرُ” (مز 56 : 3 -4).

“الرَّبُّ لِي فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي الإِنْسَانُ” (مز 118 : 6 ).

واسمع الآن كاتب الرسالة إلى العبرانيين وهو يهتف مردداً ” لِتَكُنْ سِيرَتُكُمْ خَالِيَةً مِنْ مَحَبَّةِ الْمَالِ. كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لأَنَّهُ قَالَ: لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ . حَتَّى إِنَّنَا نَقُولُ وَاثِقِينَ: الرَّبُّ مُعِينٌ لِي فَلاَ أَخَافُ. مَاذَا يَصْنَعُ بِي إِنْسَانٌ” (عب 13 : 5 -6).

وتعال لتقرأ معي كلمات المزمور الحادي والتسعين وإكتبها على لوح قلبك ولتكن عصائب بين عينيك لتعيش متكلاً على الرب متحرراً من الخوف والإضطراب “اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يَبِيتُ. أَقُولُ لِلرَّبِّ مَلْجَإِي وَحِصْنِي. إِلهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ. لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ وَمِنَ الْوَبَإِ الْخَطِرِ. بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ، وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي. تُرْسٌ وَمِجَنٌّ حَقُّهُ. لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ، وَلاَ مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي النَّهَارِ، وَلاَ مِنْ وَبَإٍ يَسْلُكُ فِي الدُّجَى، وَلاَ مِنْ هَلاَكٍ يُفْسِدُ فِي الظَّهِيرَةِ. يَسْقُطُ عَنْ جَانِبِكَ أَلْفٌ، وَرِبْوَاتٌ عَنْ يَمِينِكَ. إِلَيْكَ لاَ يَقْرُبُ. إِنَّمَا بِعَيْنَيْكَ تَنْظُرُ وَتَرَى مُجَازَاةَ الأَشْرَارِ. لأَنَّكَ قُلْتَ: أَنْتَ يَا رَبُّ مَلْجَإِي. جَعَلْتَ الْعَلِيَّ مَسْكَنَكَ، لاَ يُلاَقِيكَ شَرٌّ، وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ. لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ. عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلاَّ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ. عَلَى الأَسَدِ وَالصِّلِّ تَطَأُ. الشِّبْلَ وَالثُّعْبَانَ تَدُوسُ. لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَعَهُ أَنَا فِي الضِّيقْ، أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ. مِنْ طُولِ الأَيَّامِ أُشْبِعُهُ، وَأُرِيهِ خَلاَصِي” (مز 91 ).

فهل تريد شيئاً أكثر من هذه المواعيد المطمئنة ؟ وما الذي يُخيفك بعد أن وعدك الله بالإنقاذ والنجاة ؟ هل تخاف العوز في الشيخوخة ؟ إسمع إذن وعد الرب “اِسْمَعُوا لِي يَا بَيْتَ يَعْقُوبَ وَكُلَّ بَقِيَّةِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ، الْمُحَمَّلِينَ عَلَيَّ مِنَ الْبَطْنِ، الْمَحْمُولِينَ مِنَ الرَّحِمِ. وَإِلَى الشَّيْخُوخَةِ أَنَا هُوَ، وَإِلَى الشَّيْبَةِ أَنَا أَحْمِلُ. قَدْ فَعَلْتُ، وَأَنَا أَرْفَعُ، وَأَنَا أَحْمِلُ وَأُنَجِّي” (إش 46 : 3 -4).

هل تخاف الوحدة ؟ ها هو الرب يناديك ” لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ. لاَ تَتَلَفَّتْ لأَنِّي إِلهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي” (إش 41 : 10).

هل تخاف أن لا يُعينك أحد ؟ إسمع وعد الرب لك “لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الْمُمْسِكُ بِيَمِينِكَ، الْقَائِلُ لَكَ: لاَ تَخَفْ. أَنَا أُعِينُكَ” (إش 41 : 13).

“وَالآنَ هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ، خَالِقُكَ يَا يَعْقُوبُ وَجَابِلُكَ يَا إِسْرَائِيلُ: لاَ تَخَفْ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي. إِذَا اجْتَزْتَ فِي الْمِيَاهِ فَأَنَا مَعَكَ، وَفِي الأَنْهَارِ فَلاَ تَغْمُرُكَ. إِذَا مَشَيْتَ فِي النَّارِ فَلاَ تُلْذَعُ، وَاللَّهِيبُ لاَ يُحْرِقُكَ. لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ، مُخَلِّصُكَ. جَعَلْتُ مِصْرَ فِدْيَتَكَ، كُوشَ وَسَبَا عِوَضَكَ. إِذْ صِرْتَ عَزِيزًا فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّمًا، وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ. أُعْطِي أُنَاسًا عِوَضَكَ وَشُعُوبًا عِوَضَ نَفْسِكَ. لاَ تَخَفْ فَإِنِّي مَعَكَ. مِنَ الْمَشْرِقِ آتِي بِنَسْلِكَ، وَمِنَ الْمَغْرِبِ أَجْمَعُكَ” (إش 43 : 1 -5).

وألم ينفذ الله هذه المواعيد فلم يُغرق البحر الأحمر شعبه القديم ؟ ولم تحرق النار الملتهبة الفتية الثلاثة الذين إتكلوا عليه؟ فلماذا تخاف إذن ؟! وهو بنفسه يقول لك ” أَنَا أَسِيرُ قُدَّامَكَ وَالْهِضَابَ أُمَهِّدُ. أُكَسِّرُ مِصْرَاعَيِ النُّحَاسِ، وَمَغَالِيقَ الْحَدِيدِ أَقْصِفُ. وَأُعْطِيكَ ذَخَائِرَ الظُّلْمَةِ وَكُنُوزَ الْمَخَابِئِ، لِكَيْ تَعْرِفَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي يَدْعُوكَ بِاسْمِكَ، إِلهُ إِسْرَائِيلَ” (إش 45 : 2 -3).

هل تخاف إجتياز وادي ظل الموت ، ها هو داود قد اتكل على الرب فهتف مغنياً “الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ. أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي” (مز 23 : 1 -4).

فتوكل على الرب بكل قلبك، وأذكر أن الكتاب المقدس يحوي 366 وعداً لكل يوم من أيام السنة البسيطة والكبيسة، وهذه المواعيد تبدأ كلها بكلمة (لا تخف) لأن الرب يريد أن يحررك من عذاب الخوف كل أيام حياتك .

والآن وقد انتهينا من الحديث عن التوكل على الرب ، دعنا نتحدث قليلاً عن ضرورة التسليم لمشيئته تسليماً كاملاً، فوراء هذا التسليم الكامل يربض سر السلام .
إن كثيرين يفقدون سلامهم نتيجة لعنادهم وتمردهم على مشيئة الله، مع أن مشيئته صالحة ومرضية وكاملة !!

منذ وقت قريب نشرت صحيفة الأهرام مأساة حدثت في حياة الفيلد مارشال مو نتجومري القائد البريطاني الشهير . وقد ضمنها في مذكراته التي كتبها بخط يده قال مونتجومري « قابلت زوجتي في سويسرا … وتزوجنا في شهر يوليو سنة 1917 ، وعرفت طعم السعادة العظيمة .

وكنت أشعر بأنه لا يمكن أن يكون في العالم حب في قوة حبنا وحنانه، قضينا في كويتا ثلاث سنوات سعيدة ثم عُهد إلىَّ قيادة كتيبة المشاة التاسعة في بورتسموث ، فبعثت بزوجتي وابني ليقيما في فندق في برنهام على البحر .

وفي يوم كانت زوجتي ( بتي ) تلعب على الشاطىء مع ديفيد ابننا فإذا بحشرة تلدغها في قدمها ، حشرة لم يُعرف نوعها ولكنها على أية حال من النوع السام ، فقد تورمت ساقها ولم تجد المحاولات التي بُذلت لإنقاذ حياتها فتوفيت .

أجل ماتت (بتي ) بين ذراعي ودفنتها دون أن يعلم ديفيد بوفاتها ، بل إني لم أكن أسمح له برؤيتها وهي تعاني آلام السم . فلم يكن قد جاوز التاسعة من عمره في ذلك الحين،  وكان سعيداً في مدرسته .

وذهبت إلى ديفيد في المدرسة وأبلغته النبأ، وربما أكون قد أخطات في تصرفي، ولكني فعلت ما إعتقدت أنه الصواب، وعدت إلى منزلي في بورتسموث واختليت بنفسي فرفضت مقابلة الناس جميعاً، وشعرت بالهزيمة ، ورحت أسائل نفسي عن الذنب الذي جنيته حتى أعاقب بمثل هذه الضربة الساحقة … وأحسست بالتمرد ضد مشيئة الله … وضاع سلامي … ولكني سرعان ما بدأت أسترد ثقتي وإيماني بالله، وأدركت أن الله علا شأنه يُسير كل أمر لحكمة عنده، وتيقنت أنه لا بد أن هذه إرادته جل شأنه وليس لأي منا أن يشكو، أو يتمرد ، أو يتذمر …. وسلمت لمشيئة الله كل التسليم وعاد إلى هدوء نفسي وعدت أفكر في واجباتي تجاه جنودي وتجاه ابني»

وفي السجل المقدس تُقابلنا قصة عالي الكاهن وهو يسمع كلمات صموئيل التي تؤكد له أن الرب سيجلب الشر على بيته بسبب خطية بنيه ، ونسمع عالي ينطق بهذه الكلمات “فَأَخْبَرَهُ صَمُوئِيلُ بِجَمِيعِ الْكَلاَمِ وَلَمْ يُخْفِ عَنْهُ. فَقَالَ: هُوَ الرَّبُّ. مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْهِ يَعْمَلُ” (1 صم 3 : 18).

هو الرب صاحب السلطان
هو الرب الذي أحبنا
هو الرب الذي لا يحب الخطية فينا
هو الرب وما يحسن في عينيه يعمل …. وهو لا يعمل إلا الصلاح ، والبر، والحق ، فليتنا نتعلم درس التسليم الكلي لمشيئته .

في كتاب عيون الماء في الصحراء نجد هذه الكلمات الرائعة كتبتها الأخت (لورا بارتز سنو) وهي تتأمل في الآية القائلة “هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: لاَ تَصْعَدُوا وَلاَ تُحَارِبُوا إِخْوَتَكُمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. ارْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ، لأَنَّ مِنْ عِنْدِي هذَا الأَمْرَ. فَسَمِعُوا لِكَلاَمِ الرَّبِّ وَرَجَعُوا لِيَنْطَلِقُوا حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ” (1 مل 12 : 24).

قالت « لك مني في هذا اليوم رسالة … دعني أهمس بها في أذنك … عسى أن تكون لك كالنور الوهاج الذي يُذيب الضباب العاصف من سبيلك، وعسى أن تفتت الصعوبات التي تعترضك وتمهد لك طريق الحياة … إنها رسالة قصيرة خمس كلمات فقط … لكن دع هذه الكلمات تغوص في أعماق نفسك، واستخدمها كوسادة تُريح عليها رأسك المتعب.

” لأَنَّ مِنْ عِنْدِي هذَا الأَمْرَ”

هل أبداً فكرت أن ما يعنيك يعنيني ؟ لأن “هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: بَعْدَ الْمَجْدِ أَرْسَلَنِي إِلَى الأُمَمِ الَّذِينَ سَلَبُوكُمْ، لأَنَّهُ مَنْ يَمَسُّكُمْ يَمَسُّ حَدَقَةَ عَيْنِهِ” (زك 2 : 8)

“إِذْ صِرْتَ عَزِيزًا فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّمًا، وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ. أُعْطِي أُنَاسًا عِوَضَكَ وَشُعُوبًا عِوَضَ نَفْسِكَ” (إش 43 : 4).

ولذا فإن سروري أن أدربك وأعلمك طريقي .
أريدك أن تعلم حينما تُحيط بك التجارب، ويأتيك العدو كنهر “أن مِنْ عِنْدِي هذَا الأَمْرَ” حتى تلجأ في ضعفك إلى قوتي ، وتعرف أن أمانك يتوقف على تركك إياي أقاتل عنك وأحارب حروبك.

هل أنت تجتاز ظروفاً صعبة ، يحيط بك أناس لا يفهمونك، ولا يروق لهم ذوقك، ولا لذوقهم فهمك ، لذلك وضعوك في المؤخرة ؟ “من عندي هذا الأمر “ أنا إله الظروف كلها، وأنت لم تصل إلى مكانك هذا بمجرد الصدفة ، إنه المكان الذي أردته لك في عنايتي .

ألم تطلب مني أن أجعلك متواضعاً ؟ أنظر ! ها أنا قد وضعتك في المدرسة الخاصة التي تعلمك هذا الدرس . وكل ما يحيط بك من أحداث وأشخاص ، إنما جئت بهم لتنفيذ مشيئتي .

هل أنت في ضيقات مالية؟ وهل من الصعب عليك أن توازن بين الوارد والمنصرف من دخلك؟ “من عندي هذا الأمر ” فأنا حامل (حافظة نقودك) وأريد أن تتخلى عن كل مصدر بشري وأن تعتمد على مواردي ! … أن مواردي غير محدودة “فَيَمْلأُ إِلهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” ( في 4 : 19).

إنني أريد أن تختبر عملياً مواعيدي ، فلا تسمح أن يقال عنك “وَلكِنْ فِي هذَا الأَمْرِ لَسْتُمْ وَاثِقِينَ بِالرَّبِّ إِلهِكُمُ” (تث 1 : 32).

هل تمر في ليل حالك الظلام تُحيط بك المآسي والأحزان ؟ “من عندي هذا الأمر ” أنا رجل الأوجاع ومختبر الحزن ، وقد جعلت تعزيات البشر غير كافية لك ، حتى إذا لجأت إليَّ حصلت على عزاء أبدي ” وَرَبُّنَا نَفْسُهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، وَاللهُ أَبُونَا الَّذِي أَحَبَّنَا وَأَعْطَانَا عَزَاءً أَبَدِيًّا وَرَجَاءً صَالِحًا بِالنِّعْمَةِ” (2 تس 2 : 16).

هل تاقت نفسك إلى القيام بعمل عظيم لأجلي ، وبدلاً من ذلك أصابك المرض ونمت في سرير الألم والضعف ؟ “من عندي هذا الأمر “.

إنني لم أستطع أن أسترعي إنتباهك لشخصي في أيامك المليئة بالأعمال، وأنا أريد أن أعلمك بعض دروسي العميقة الغور ، وأن أريك أن الذين يقفون منتظرين هم أيضاً يخدمون، إن كثيرين من عظماء خدامي هم أولئك الذين يخدمون في الخفاء ، وقد حرموا من الخدمة النشيطة أمام الناس ، حتى يحركوا في وحدتهم ( عربة الصلاة) بقوة .

وفي هذا اليوم أنا أضع في يدك دهنة الزيت هذه ! فإستخدمها بحرية يا بني وإمسح بها كل ظرف قاس يعترض طريقك ، وكل كلمة مؤلمة توجه إليك ، وكل ضوضاء قد تفقدك صبرك ، وكل عمل قد يظهر ضعفك . وعندما تفعل هذا فإن الأشواك التي تراها في سبيلك ستضيء أمامك بحضور شخصي ، وسيملأك سلامي .

فتعلم كيف تسلم لمشيئة الرب تسليماً كاملاً ، وافعل كما فعل رب المجد حين كان مع تلاميذه على الأض بالجسد إذ نقرأ عنه أنه في ليلة الصلب “وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى. قَائِلًا: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ” (لو 22 : 41 -42 ).

وأذكر أنك حين تُسلم لإرادة الآب ، فإن ملائكة السماء ستأتي لمعونتك، لأننا نقرأ عن سيدنا هذه الكلمات “وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ” (لو 22 : 43).

فلا يغيب عن ذهنك أن الخطوة الرابعة لنوال سلام القلب والعقل، هي أن تتوكل على الرب بكل قلبك وتُسلم لمشيئته تسليماً كاملاً .

الخطوة الخامسة : نفذ فلسفة المسيح تنفيذاً عملياً واجعل شخصه المبارك مركز سلامك :

ما هي فلسفة المسيح التي أطلب إليك أن تنفذها تنفيذاً عملياً ؟
إنها في كلماته الخالدة ” فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ” (مت 6 : 34).

وفي هذه الفلسفة يكمن سر سلام قلبك وعقلك ، لأن الكثير من القلق الذي يُصيبُنا ناتج عن تفكيرنا الدائم في الغد …. ومن أفجع الحقائق عن الطبيعة الإنسانية أنها تميل إلى نبذ الحياة في يومها وتفكر دائماً في المستقبل البعيد …

فالبشر يلذ لهم أن يحلموا بروضة مزهرة عبر الأفق، بدلاً من أن ينعموا بالأزاهير المتفتحة خارج نوافذهم في اليوم الذي يعيشون فيه !!

إن الإهتمام للغد هو مصدر خوف للكثيرين، مع أننا نقرأ في سفر الأمثال هذه الكلمات “لاَ تَفْتَخِرْ بِالْغَدِ لأَنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مَاذَا يَلِدُهُ يَوْمٌ” (أم 27 : 1).

ونقرأ في رسالة يعقوب هذه العبارات “هَلُمَّ الآنَ أَيُّهَا الْقَائِلُونَ: نَذْهَبُ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا إِلَى هذِهِ الْمَدِينَةِ أَوْ تِلْكَ، وَهُنَاكَ نَصْرِفُ سَنَةً وَاحِدَةً وَنَتَّجِرُ وَنَرْبَحُ. أَنْتُمُ الَّذِينَ لاَ تَعْرِفُونَ أَمْرَ الْغَدِ! لأَنَّهُ مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْمَحِلُّ. عِوَضَ أَنْ تَقُولُوا: إِنْ شَاءَ الرَّبُّ وَعِشْنَا نَفْعَلُ هذَا أَوْ ذَاكَ. وَأَمَّا الآنَ فَإِنَّكُمْ تَفْتَخِرُونَ فِي تَعَظُّمِكُمْ. كُلُّ افْتِخَارٍ مِثْلُ هذَا رَدِيءٌ” (يع 4 : 13 16).

فالإهتمام للغد والترتيب له دون وضع الله في برنامج حياتنا أمر رديء .

يقول ديل كارنيجي في كتابه ( دع القلق وأبدأ الحياة ) ما يلي :

«إعترض الكثيرون على قول السيد المسيح “فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ” (مت 6 : 34) وقال هؤلاء المعترضون « كيف لا نفكر في الغد ؟ بل ينبغي أن نفكر فيه، وأن نتأهب له ، ينبغي أن نوفر مالاً لأوقات الشيخوخة، وأن نعد المشروعات لمستقبل حياتنا ».

وهذا حق ! نعم يتحتم عليك أن (تفكر ) في الغد ، ولكن لا يجب أن ( تهتم) له أي أن تحمل همه ، لأن الهم مرادف للقلق ، وقد أوصانا السيد له المجد قائلاً “فَلاَ تَطْلُبُوا أَنْتُمْ مَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَشْرَبُونَ وَلاَ تَقْلَقُوا” (لو 12 : 29).

أنت وأنا نقف للحظة في ملتقى طريقين أبديين : الماضي الفسيح الذي ولى بغير رجعة ….. والمستقبل المجهول الذي يطارد الزمن ، ويتربص بكل لحظة حاضرة … ولسنا بمستطيعين العيش ولو بمقدار جزء من الثانية في أحد هذين الطريقين الأبديين . فإذا حاولنا ذلك لم تجدنا المحاولة إلا تحطيم أجسامنا وعقولنا . وإذن فدعنا نرض بالعيش في الحاضر الذي لا يمكن أن نعيش إلا فيه، فهذا هو كل ما تتطلبه منا الحياة .

سيدة إسمها (مسز أ . ك . سيلدز ) من أهالي متشيجان ، تملكها اليأس مرة إلى حد الإشراف على الإنتحار، قبل أن تتعلم كيف لا تهتم للغد . وقد روت هذه السيدة قصتها لديل كارنيجي فقالت « في عام 1937 فقدت زوجي ، فإنتابني الحزن الشديد ، فضلاً عن الفقر المدقع الذي وجدت نفسي أكابده . فكتبت إلى مخدومي السابق (مستر ليون روش) صاحب شركة (روش كارلر ) في مدينة كانساس أطلب عملاً واستطعت أن أحصل على عملي السابق ، وهو بيع الكتب للمدارس الريفية والداخلية (بالعمولة ) وكنت قد بعت سيارتي حين إنتاب المرض زوجي،  ولكني إستطعت تدبير شيء من المال دفعته دفعة أولى في سيارة مستعملة، وعدت أبيع الكتب من جديد ، وكنت أظن أن العودة إلى العمل قد تذهب بعض حزني، ولكن خاب أملي .

وفي ربيع عام 1938 إقتضاني العمل أن أرتحل إلى بلدة (فرساي) بولاية ميسوري. وهناك شعرت بالوحدة والإكتئاب حتى إني فكرت جدياً في الإنتحار . فقد لاح لي أن إستمرار حياتي على هذا المنوال أمر مستحيل، إذ كنت أخشى أن أستيقظ كل يوم لأواجه الحياة التي أظلمت في عيني، وكنت دائمة القلق أخشى ألا أستطيع تسديد أقساط السيارة ، أو دفع إيجار الغرفة ، وأخشى ألا أجد طعاماً أقتات به. وأخشى أن تتدهور صحتي فلا أجد الطبيب ، وما منعني من الإنتحار إلا شيئان : تصوري مقدار حزن شقيقتي لموتي ، وعدم توافر ما يكفي من المال لجنازتي !

وفي ذات يوم قرأت مقالاً إنتشلني من هذه الوهدة، ووهبني القدرة على مواجهة الحياة.  ولن أنسى قط العبارة التي قرأتها في ذلك المقال « ليس اليوم الجديد إلا حياة جديدة لمن يفكرون. فلا تهتموا للغد لأن الغد يهتم بما لنفسه» وكتبت هذه العبارة لفوري على الآلة الكاتبة وألصقتها على نافذة سيارتي في مواجهة مقعد القيادة لكي أراها طوال وقت قيادتي للسيارة . لقد علمتني هذه العبارة أن أعيش كل يوم على حدة،  وأن أنسى الأمس، وألا أحمل هماً للغد .

وعندما استحوذت هذه العبارة على تفكيري استطعت أن أتغلب على الخوف من المرض، والخوف من الحاجة، وأنا الآن سعيدة ناجحة وفضلاً عن هذا فأنا أعلم أنني لن أرتد خائفة قلقة مرة أخرى ، مهما واجهني من مصاعب الحياة، كما أعلم أنه لا حاجة بي إلى الخوف من المستقبل ، ما دمت أعيش كل يوم على حدة ، وما دمت أعلم أن كل يوم جديد إنما هو حياة جديدة ، وهأنذا أحيا والسلام يملأ جوانحي .

يعيش في أمريكا رجل إسمه ( لويل توماس ) إستخرج هذه الكلمات “هذَا هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي صَنَعُهُ الرَّبُّ، نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ فِيهِ” (مز 118 : 24). ووضعها داخل إطار علقه على جدار إستديو الإذاعة الخاص به لكي يراها في معظم الأوقات .
“هذَا هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي صَنَعُهُ الرَّبُّ، نَبْتَهِجُ وَنَفْرَحُ فِيهِ”

فكل يوم من أيام حياتنا هو يوم صنعه الرب ، وينبغي علينا أن نبتهج ونفرح فيه … فالأمس ليس إلا حلماً ، والغد ليس إلا خيالاً ، أما اليوم إذا عشناه كما ينبغي فإنه يجعل من الأمس حلماً سعيداً ويجعل من الغد خيالاً حافلاً بالرجاء … فإذا أردت أن تستمتع بسلام القلب والعقل فليس عليك إلا أن تنفذ فلسفة المسيح تنفيذاً عملياً ولا تهتم للغد .

وفوق هذا كله فعليك أن تجعل شخص يسوع المبارك مركز سلامك :

إسمعه وهو يُخاطب تلاميذه طارداً كل اضطراب ورهبة وقلق من قلوبهم، هاهي كلماته تنساب كالموسيقى المهدئة :

“سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ” (يو 14 : 27) … ثم إصغ إليه وهو يناديهم قائلاً “قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلاَمٌ. فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ” (يو 16 : 33).

وفي هاتين الآيتين تلمع أمامنا الحقائق الآتية :

(1) المسيح ترك لتلاميذه تركة هي ( تركة السلام ) .
(2) إن المسيح أعطى لتلاميذه عطية هي (عطية سلامه) .
(3) إن هذه التركة وتلك العطية، تحفظان القلب من الإضطراب والرهبة .
(4) إن المسيح قد أعلن لتلاميذه أنه ” فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ”
(5)إن المسيح قد أكد للتلاميذ أنه (مركز السلام الكامل) .

فمحيط الدائرة وهو العالم الذي يحيط بنا مليء بالضيق ! لكن مركز الدائرة وهو شخص المسيح المجيد هو (مركز السلام الكامل ) .

ولقد اختبر حبقوق حقيقة هذا السلام عندما جعل الرب مركز سلامه وبهجته فقال في أغنيته الجميلة ” فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي. اَلرَّبُّ السَّيِّدُ قُوَّتِي، وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَالأَيَائِلِ، وَيُمَشِّينِي عَلَى مُرْتَفَعَاتِي” (حب 3 : 17 -19).

رجل مفلس ! تحيط به ظروف الضيق الإقتصادي من كل ناحية وتهدده أخبار الجيوش التي ستنقض على بلاده ، يرى الأشرار يبتلعون الأبرار لكنه جعل الرب مركز سلامه فإستمتع بالبهجة والفرح والسلام العميق .

وتعال معي لنرى السيد له المجد بعد قيامته، وهو يظهر ثلاث مرات في إنجيل يوحنا ، ليُعطي السلام لتلاميذه ، ويغرس في قلوبهم اليقين بأنه راعيهم الصالح الأمين .

في المرة الأولى ظهر ليُعطي السلام لتلاميذه الخائفين : ويصور يوحنا هذا الظهور الرائع بالكلمات “وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ! وَلَمَّا قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ” (يو 20 : 19 – 20).

فهل أغلقت الحياة أبوابها في وجهك ؟ وهل ملأ الخوف من مفاجآت الحياة قلبك ؟! دع الرب يأخذ مكانه ( في الوسط) ليكون هو مركز سلامك ، وأفرغ عند قدميه أسباب خوفك،  وهو بيده المثقوبة على الصليب سيزيل الخوف من قلبك .

وهلم بنا الآن لنرى المشهد الثاني الذي ظهر فيه الرب ليهب السلام لتلميذ إمتلأ قلبه بالشك ويتحدث يوحنا الحبيب عن هذا المشهد بالعبارات ” وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلاَمِيذُهُ أَيْضًا دَاخِلًا وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ، وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ وَقَالَ: سَلاَمٌ لَكُمْ!. ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا. أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُ: رَبِّي وَإِلهِي!. قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا “ (يو 20 : 26 -29).

وفي هذا المشهد يُعلن الرب لتوما الممتلىء بالشك أنه يعرف مكنونات قلبه ، ومطاليب عقله فيقول له ” هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي” … وهنا يتلاشى الشك الموجود في قلب توما، وتزول الأفكار المضادة من عقله،  ويهتف قائلاً لسيده ” رَبِّي وَإِلهِي” .

فإذا عذبك الشك فليس عليك إلا أن تطرحه عند قدمي فاديك ، وثق أنه حينما يأتي المسيح في وسط شكوكك ، فإن الشكوك ستتبخر إلى الأبد ، ويغمر قلبك السلام العميق .
وها نحن قد وصلنا إلى المشهد الثالث الذي ظهر فيه الرب ليُعلم تلاميذه أنه وحده مُسدد حاجاتهم المادية ، ويهبهم راحة الثقة في عنايته التي لن تتخلى عنهم … والقصة تتلخص في أن بطرس ذهب مع بعض التلاميذ للصيد ، وأغلب الظن أنهم كانوا في حاجة إلى طعام فذهبوا إلى بحر طبرية عسى أن يعطيهم البحر سمكاً. ويقول البشير ” وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يُمْسِكُوا شَيْئًا” (يو 21 :3 ).

وهنا ظهر السيد له المجد على شاطىء بحر طبرية ، ويسجل يوحنا الحبيب هذا الظهور الجميل في هذه الكلمات ” وَلَمَّا كَانَ الصُّبْحُ، وَقَفَ يَسُوعُ عَلَى الشَّاطِئِ. وَلكِنَّ التَّلاَمِيذَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَسُوعُ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: يَا غِلْمَانُ أَلَعَلَّ عِنْدَكُمْ إِدَامًا؟. أَجَابُوهُ: لاَ! فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الشَّبَكَةَ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ الأَيْمَنِ فَتَجِدُوا. فَأَلْقَوْا، وَلَمْ يَعُودُوا يَقْدِرُونَ أَنْ يَجْذِبُوهَا مِنْ كَثْرَةِ السَّمَكِ. فَقَالَ ذلِكَ التِّلْمِيذُ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ لِبُطْرُسَ: هُوَ الرَّبُّ!. فَلَمَّا سَمِعَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنَّهُ الرَّبُّ، اتَّزَرَ بِثَوْبِهِ، لأَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا، وَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ. وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ فَجَاءُوا بِالسَّفِينَةِ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعِيدِينَ عَنِ الأَرْضِ إِلاَّ نَحْوَ مِئَتَيْ ذِرَاعٍ، وَهُمْ يَجُرُّونَ شَبَكَةَ السَّمَكِ. فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى الأَرْضِ نَظَرُوا جَمْرًا مَوْضُوعًا وَسَمَكًا مَوْضُوعًا عَلَيْهِ وَخُبْزًا. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: قَدِّمُوا مِنَ السَّمَكِ الَّذِي أَمْسَكْتُمُ الآنَ. فَصَعِدَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَجَذَبَ الشَّبَكَةَ إِلَى الأَرْضِ، مُمْتَلِئَةً سَمَكًا كَبِيرًا، مِئَةً وَثَلاَثًا وَخَمْسِينَ. وَمَعْ هذِهِ الْكَثْرَةِ لَمْ تَتَخَرَّقِ الشَّبَكَةُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: هَلُمُّوا تَغَدَّوْا!. وَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ مِنَ التَّلاَمِيذِ أَنْ يَسْأَلَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ إِذْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الرَّبُّ “ (يو 21 : 4 -12).

فأنظر كيف أزال الرب بحضوره الشخصي قلق التفكير في الماديات من قلوب التلاميذ ، وكيف أراهم أن في يديه سمك البحر وطعام الجسد ، وكيف علمهم أن يعتمدوا على كلمته في إصطياد الناس لملكوته ويثقوا في عنايته التي تُجهز لهم حاجات الحياة … لقد أعد لتلاميذه الجمر والسمك والخبز وأمرهم أن يتناولوا طعاماً لم يتعبوا في إعداده ليلقنهم درس اليقين في عنايته ومحبته، فإستراحت قلوبهم ، وغمر السلام عقولهم ونفوسهم .

فيا أيها المحتاج إلى الرعاية ، إجعل المسيح مركز سلامك ، واسترح على رعايته التي لن تتركك.
لقد كان المسيح الكريم هو مركز السلام في حياة الرسل الأولين، فحين دعاهم أعضاء المجمع اليهودي ” فَانْقَادُوا إِلَيْهِ. وَدَعُوا الرُّسُلَ وَجَلَدُوهُمْ، وَأَوْصَوْهُمْ أَنْ لاَ يَتَكَلَّمُوا بِاسْمِ يَسُوعَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمْ” (أع 5 : 40 ).

نقرأ عنهم الكلمات ” وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ. وَكَانُوا لاَ يَزَالُونَ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ وَفِي الْبُيُوتِ مُعَلِّمِينَ وَمُبَشِّرِينَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ” (أع 5 : 40 -41).

لقد ركزوا سلامهم في مخلصهم ، فوهبهم قوة فوق الطبيعة رفعتهم فوق آلامهم ، بل فوق تهديدات الأعداء حولهم وهكذا استمروا في تبشيرهم بإسم يسوع المبارك الكريم،  وهم في ملء السلام العظيم .

كذلك إستمتع بطرس بالسلام حين قبض عليه هيرودس الملك ووضعه في السجن مزمعاً أن يقدمه بعد الفصح إلى الشعب إذ نقرأ عنه “وَلَمَّا كَانَ هِيرُودُسُ مُزْمِعًا أَنْ يُقَدِّمَهُ، كَانَ بُطْرُسُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ نَائِمًا بَيْنَ عَسْكَرِيَّيْنِ مَرْبُوطًا بِسِلْسِلَتَيْنِ، وَكَانَ قُدَّامَ الْبَابِ حُرَّاسٌ يَحْرُسُونَ السِّجْنَ” (أع 12 :6).

بطرس نائم! وهو يعلم أنه سيقدم في اليوم التالي ضحية على مذبح إرضاء الجماهير .
بطرس نائم ! على أرض باردة ، ووسط جنود أشداء، وهو مربوط بسلسلتين .
بطرس نائم ! وأي نوم ؟! لقد كان نومه عميقاً هادئاً حتى أن ملاك الرب اضطر لكي يوقظه أن يضرب جنبه !!

أي هدوء وإطمئنان هذا ؟
أي سلام عميق يغمر النفس ويُعطي للقلب الراحة والإستقرار ؟

ألا ترى عظم الفرق بينك وبين بطرس ، فبطرس ينام وهو ينتظر في الغد حكم الإعدام . وأنت تتقلب على فراش القلق والأرق لأجل مشكلة تافهة من مشاكل الحياة !!
بطرس ينام وهو مربوط بالسلاسل الثقيلة ، وأنت تقضي الليالي الطوال مفتوح العينين وأنت ممدد على فراش وثير !!
فأي سلام غامر عذب فياض ملأ قلب بطرس ؟!

إنه سلام المسيح الكريم . السلام الذي عبر عنه المرنم بالكلمات :

لا تقدر الدنيا تنيل هذا السلام الأسمى

كلا ولا عـــــــــني تزيل تلك العطايا العظمى

هذا ســـــلام لي شراه رب الفدى بالصلب

كالنهر يجري في صفاه يروي ظماء القلب

إن تطم حولي النائبات كاللج وسط البحر

يدم سلامي في ثبات أساسه في الصخر

هذا سلام المؤمنين من ربهم حلو ثمين

ســـــــلام ســـــــــلام ســــــــــــلام كل حين

فإذا كنت تخاف الظروف، أو تعذبك الشكوك ، أو يقلقك التفكير في ماديات هذه الحياة فإجعل الرب يسوع المسيح مركز سلامك، ورنم مع داود النبي قائلاً “اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي، مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟ عِنْدَ مَا اقْتَرَبَ إِلَيَّ الأَشْرَارُ لِيَأْكُلُوا لَحْمِي، مُضَايِقِيَّ وَأَعْدَائِي عَثَرُوا وَسَقَطُوا. إِنْ نَزَلَ عَلَيَّ جَيْشٌ لاَ يَخَافُ قَلْبِي. إِنْ قَامَتْ عَلَيَّ حَرْبٌ فَفِي ذلِكَ أَنَا مُطْمَئِنٌّ” (مز 27 : 1 -3).

الخطوة السادسة : إكتف بما أنت فيه :

إن أردت أن تستمتع بسلام عقلك وقلبك ، وبالتالي أن تحتفظ بالصحة والنضارة في جسدك ووجهك ! إكتف بما أنت فيه وخفف من سرعة سيرك في طريق الحياة ، وإرفع أقدامك المتوترة بالمطامع عن مفتاح البنزين فإن السيارة المسرعة هيهات أن يطمئن ركابها.

إن الطمع والطموح الزائد عن الحد من أسباب فقدان السلام ، ولقد كانت فلسفة بولس الرسول في الحياة هي فلسفة الإكتفاء ، إسمعه وهو يسجل هذه الفلسفة في رسالته إلى أهل فيلبي قائلاً ” لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ. أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ. أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي” (في 4 : 11 – 13).

فهل هذه الفلسفة فلسفة واقعية ؟!

أجل ! إنها فلسفة من يريد لنفسه الحياة السعيدة ، الممتلئة بالسلام ، ذلك لأن المطامع الأشعبية التي تملأ عقول البشر وقلوبهم لا تحرمهم من السلام فقط بل تحرمهم من الصحة التي يستمتعون بها بالحياة .

منذ وقت قريب تحدث طبيب بشري عن مرض إنخفاض ضغط الدم قال « إن العوامل الوحيدة التي تشترك بين أصحاب الضغط المنخفض بصفة دائمة من بين الأصحاء ظاهرياً هي عوامل الإجهاد البدني ، والعناء العقلي والقلق النفساني المستمد من عجز المرء عن المواءمة بين قدرته ومطامعه في الحياة ثم بين طاقاته وما يواجهه من المتاعب والأزمات …. إن معظم مرضى الضغط المنخفض من أعضاء ناد واحد هو نادي المطامع، وإقتحام العقبات، والوصول بأقصى سرعة إلى الأهداف» .
فأنظر إلى أي مدى تصل بك مطامعك ؟! وتعلم درس القناعة والإكتفاء .

فالسلام لا ينبع مما تملكه من أشياء بل ينبع من القلب المكتفي القانع بنعمة الله:

منذ أيام قليلة نشرت صحيفة الأهرام خبراً يثبت أن سلام القلب والعقل ليس في الثروة، أو الجاه ، أو المتع الحسية، وجاء الخبر في هذه الكلمات « إنتحر شاب ألماني في العشرين من عمره ، أبوه مليونير ! وكانت وصيته الأخيرة العجيبة أن يدفن على أنغام الجاز باند ، أما أسباب الإنتحار فهي الأعجب … وقد سجلها الشاب بصوته القوي على شريط يستغرق الإستماع إليه 90 دقيقة أهداه إلى أبيه. قال الشاب « لقد استمتعت بالحياة إلى الحد الأقصى ، كل النساء كن يجرين ورائي ، كان لدي المال بوفرة هائلة، وكنت أملك سيارة خاصة ويختاً جميلاً وعشاً صغيراً في أجمل بقعة في الدنيا … فماذا يمكن للحياة أن تقدمه لي بعد ذلك لقد شبعت من الدنيا … ومللت الحياة . والآن لم يبق لي سوى أن أموت ».
وقد مات … أمسك ببندقية صيد وأفرغ رصاصها في رأسه، وهكذا أثبت بصورة حزينة أن السلام لا يمكن أن يشترى بمتاع الحياة .

وهناك حقيقة أخرى وهي : أن أطماعنا هي السبب الرئيسي في كآبتنا وغمنا :

وتبدو هذه الحقيقة في وضوح في قصة الملك آخاب فقد ظن ذلك الملك أن سعادته لا تكمل إلا إذا حصل على كرم ( نابوت اليزرعيلي ) المجاور لقصره ، فلما رفض نابوت أن يبيع الكرم لأنه ميراث آبائه ” فَدَخَلَ أَخْآبُ بَيْتَهُ مُكْتَئِبًا مَغْمُومًا مِنْ أَجْلِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمَهُ بِهِ نَابُوتُ الْيَزْرَعِيلِيُّ قَائِلًا: لاَ أُعْطِيكَ مِيرَاثَ آبَائِي. وَاضْطَجَعَ عَلَى سَرِيرِهِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا” (1 مل 21 : 4).

ملك ….. لكنه في ميدان الطمع أصبح كالأطفال .
إكتئب وإغتم لأنه لم يستطع الحصول على كرم مجاور لقصره ، وهو الذي يحكم البلاد والعباد … والطمع هو السبب الرئيسي في كآبتنا وغمنا .

وعلمت زوجته الشريرة (ايزابل ) بالأمر، فتآمرت على نابوت اليزرعيلي وقتلته ظلماً وعدواناً، ثم ذهبت إلى آخاب قائلة ” وَلَمَّا سَمِعَتْ إِيزَابَلُ أَنَّ نَابُوتَ قَدْ رُجِمَ وَمَاتَ، قَالَتْ إِيزَابَلُ لأَخْآبَ: قُمْ رِثْ كَرْمَ نَابُوتَ الْيَزْرَعِيلِيِّ الَّذِي أَبَى أَنْ يُعْطِيَكَ إِيَّاهُ بِفِضَّةٍ، لأَنَّ نَابُوتَ لَيْسَ حَيًّا بَلْ هُوَ مَيْتٌ” (1 مل 21 :15).

وأنظر إلى الطمع كيف يعمي عيون أصحابه، فيأخذون ما يطمعون فيه حتى ولو تلوثت أيديهم بالدماء، وتعال بنا لنرى ماذا حدث للملك أخاب، إذا ما كاد أخاب ينزل إلى كرم نابوت حتى جاءه إيليا التشبي قائلاً “وَكَلِّمْهُ قَائِلًا: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَلْ قَتَلْتَ وَوَرِثْتَ أَيْضًا؟ ثُمَّ كَلِّمهُ قَائِلًا: هكَذاَ قَالَ الرَّبُّ: فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ الْكِلاَبُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ الْكِلاَبُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضًا. فَقَالَ أَخْآبُ لإِيلِيَّا: هَلْ وَجَدْتَنِي يَا عَدُوِّي؟ فَقَالَ: قَدْ وَجَدْتُكَ لأَنَّكَ قَدْ بِعْتَ نَفْسَكَ لِعَمَلِ الشَّرِّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ” (1مل 21 : 19 -20).

والشخص الذي لا يكتفي بما أعطاه الله من بركات، ويطمع في أشياء الآخرين لا بد أن يعيش حياته في الهم والحزن والإكتئاب، وأن يببيع نفسه للظلم والشر، فلا يستمتع في يوم من أيامه بسلام القلب والعقل .

ونأتي الآن إلى الحقيقة الثالثة وهي : أن أموالنا وممتلكاتنا لا تطيل أعمارنا :

جاء واحد إلى السيد له المجد وقال له “لِذلِكَ كُلُّ مَا قُلْتُمُوهُ فِي الظُّلْمَةِ يُسْمَعُ فِي النُّورِ، وَمَا كَلَّمْتُمْ بِهِ الأُذْنَ فِي الْمَخَادِعِ يُنَادَى بِهِ عَلَى السُّطُوحِ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ يَا أَحِبَّائِي: لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ، وَبَعْدَ ذلِكَ لَيْسَ لَهُمْ مَا يَفْعَلُونَ أَكْثَرَ. بَلْ أُرِيكُمْ مِمَّنْ تَخَافُونَ: خَافُوا مِنَ الَّذِي بَعْدَمَا يَقْتُلُ، لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يُلْقِيَ فِي جَهَنَّمَ. نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ: مِنْ هذَا خَافُوا! أَلَيْسَتْ خَمْسَةُ عَصَافِيرَ تُبَاعُ بِفَلْسَيْنِ، وَوَاحِدٌ مِنْهَا لَيْسَ مَنْسِيًّا أَمَامَ اللهِ؟ بَلْ شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ أَيْضًا جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ. فَلاَ تَخَافُوا! أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ! وَأَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَنِ اعْتَرَفَ بِي قُدَّامَ النَّاسِ، يَعْتَرِفُ بِهِ ابْنُ الإِنْسَانِ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ. وَمَنْ أَنْكَرَنِي قُدَّامَ النَّاسِ، يُنْكَرُ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلاَ يُغْفَرُ لَهُ. وَمَتَى قَدَّمُوكُمْ إِلَى الْمَجَامِعِ وَالرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَحْتَجُّونَ أَوْ بِمَا تَقُولُونَ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يُعَلِّمُكُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا يَجِبُ أَنْ تَقُولُوهُ. وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ: يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ. فَقَالَ لَهُ: يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟ قَالَ لَهُمُ: انْظُرُوا وَتَحَفَّظُوا مِنَ الطَّمَعِ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ لأَحَدٍ كَثِيرٌ فَلَيْسَتْ حَيَاتُهُ مِنْ أَمْوَالِهِ” (لو 12 : 3 -15).

وفي هذه الكلمات نرى السيد مخاطباً السائل بالقول ( يا إنسان ) كأنه يذكره بإنسانيته التي يجب أن تتسامى عن المادة، ولا تنحدر إلى حضيض التراب، لأن الإنسان في الواقع هو ( إبن السماء) لا ( ابن الأرض ) وفي ذات الوقت يؤكد السيد له المجد لذلك السائل ( إنه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله ) وقد استطرد السيد فضرب هذا المثل الذي أراد أن يؤكد به أن ممتلكات الإنسان لا تطيل حياته في هذه الأرض فقال “إِنْسَانٌ غَنِيٌّ أَخْصَبَتْ كُورَتُهُ، فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قَائِلًا: مَاذَا أَعْمَلُ، لأَنْ لَيْسَ لِي مَوْضِعٌ أَجْمَعُ فِيهِ أَثْمَارِي؟ وَقَالَ: أَعْمَلُ هذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَلاَتِي وَخَيْرَاتِي، وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي” (لو 12 : 17 -19).

فهل أطالت الخيرات الكثيرة حياة هذا الغني ؟ وهل أضافت الغلات الوفيرة يوماً واحداً إلى عمره ؟ كلا ! إذ يتابع المسيح له المجد حديثه قائلاً “فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَا غَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟ هكَذَا الَّذِي يَكْنِزُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ غَنِيًّا للهِ” (لو 12 : 20 -21).

فإكتفِ بما أنت فيه، وبينما أنت تشق طريقك من نجاح إلى نجاح إحذر الطمع الذي هو عبادة الأوثان وإحذر الطموح الزائد الذي يحرمك نعمة السلام . وليكن تفكيرك سماوياً كما قال بولس الرسول ” فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ. اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ. مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ” (كو 3 : 1 -4).

وأذكر السيد له المجد الذي عاش حياته على الأرض بالجسد وهو يلبس رداء منسوجاً بغير خياطة، والذي قال عن نفسه “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ، وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ” (لو 9 : 58).
ومع ذلك فقد كان وما زال رغم فقره المادي (رئيس السلام ) و (واهب السلام ) .

الخطوة السابعة : إمتلىء بالمحبة الإلهية والأفكار الإيجابية :

كتب دكتور والتر الفريز وهو من أشهر الأطباء الأمريكيين يقول « إن عقلك قد يكون هو نفسه سبب مرضك . لا الجراثيم ولا الميكروبات . عش في سلام مع عقلك وأنت تستمتع بالحياة .

إن علاج الجسم وحده بغير الإهتمام بالنفس والعقل أصبح علاجاً قديماً !! وسأثبت لك هذه الحقيقة بما أسرده لك من حالات :

حضرت لعيادتي ثلاث سيدات تشكو كل منهن من التهاب وتورم في عينيها، وإتضح أنهن سليمات تماماً وخاليات من المرض، وكان السر هو أن الأولى تكره زوجها وتطالبه بالطلاق ويرفض وتصاب بهذه الحالة بعد كل مشاجرة .

والثانية فوجئت وهي في أول شهور زواجها بإعتراف زوجها بأنه تزوجها لمالها وليس لجمالها أو لشيء آخر .
أما الثالثة فإنها أصيبت بهذه الحالة بعد أن تراجع فتاها عن وعده لها بالزواج وإبتعاده عنها نهائياً .
وأنا نفسي أصبت بألم شديد قاس في معدتي عندما أصيبت إبنتي وعمرها خمس سنوات بنوع من الإلتهاب الرئوي الذي كان يقضي على الأطفال في يومين أو ثلاثة . وقد شُفيت إبنتي ولم أعد أحس بأي ألم في معدتي برغم إنقضاء 40 سنة على هذا الحادث .
إن كثيراً من أمراضنا قد يكون سببها في عقولنا ، لا في الميكروبات التي نظن أنها غزت أجسادنا.

فما هو العلاج لهذه الأمراض الجسدية والنفسية والعقلية ؟
إن العلاج يوجد في هذه ( الروشتة) إمتلىء بالمحبة الإلهية والأفكار الإيجابية .

لكن كيف يمتلىء المرء بالمحبة الإلهية ؟

هناك خطوتان :
خطوة التجديد وخطوة الإمتلاء من الروح القدس. فالتجديد بعمل نعمة الله في القلب يغير عواطف الإنسان . ويعطيه نصرة على الحقد ، والحسد ، والغيرة ، وحب الإنتقام وهذه كلها إنفعالات ضارة تشوش سلام القلب والعقل.

حدثنا دكتور رونالد براون عن شاب إسمه Ray Graves ) ( راي جريفز ، صحبه في رحلته حول العالم، وكان قد إكتشف سر الحياة المنتصرة الذي يتلخص في هذا الشعار (عش مع المسيح كل الطريق ) .

قال دكتور براون « بعد أن تجدد ) جريفز ( صار ضابطاً لبوليس الأحداث في مدينة (شاتاناجو) بولاية تينسي، وكان عليه أن يرعى الأحداث المنحرفين ، وقد تجدد بواسطة خدمته أكثر من خمسين ولداً من المجرمين . سألته مرة : كيف قدتهم إلى إختبار التجديد ؟

فأجاب جريفز : «لم أعظهم طول الوقت ، ولم أصل معهم طول الوقت ، ولكنني أحببتهم طول الوقت بمحبة يسوع ، وأظهرت لهم هذ المحبة ».

ثم قال جريفز سأقص عليك إختباراً حياً رائعاً « في يوم ما أمسكت بصحيفة صباحية ، وقرأت فيها عن ولد إسمه (لستر) عمره ستة عشر عاماً ضرب زوج أخته بالرصاص في رأسه، وعرفت أن هذا الولد سيأتي إلى إصلاحية الأحداث ليكون تحت رعايتي فدخلت إلى مخدعي وصليت قائلاً : يابابا السماوي هذه حالة مستعصية فعرفني يارب ماذا أفعل بها !
إتصلت بالمستشفى الذي نقل إليه المصاب فقال لي الطبيب : «إن الرصاصة ما زالت في رأسه وأنه غالباً سيموت ، وإذا أخرجنا الرصاصة فسيعيش مشلولاً وسيفقد إحدى عينيه ».
دخلت مرة ثانية إلى مخدعي وصليت قائلاً : «يا بابا السماوي إن الطبيب لن يستطيع أن يفعل شيئاً فأرجو أن تفعل أنت شيئاً . وإستجاب الرب صلاتي ولم يمت ( تومي ) المصاب وتحسنت حالته يوماً بعد يوم .

تقابلت مع ( لستر) قبل أن تتحسن حالة تومي وقلت له : « هل تعرف أن زوج أختك سيموت؟! وأعترف أنني لم أرَ حقداً أو كراهية مجسمة كهذه في حياتي … لمعت عينا لستر بالكراهية وقال : لقد أطلقت عليه الرصاص لأقتله وأنا أتمنى أن يموت».
ذهبت لمقابلة ( تومي ) بعد أن تحسن وسألته : هل تريد أن تشفى تماماً ؟ قال نعم ! لكي أخرج وأقتل لستر كما أراد أن يقتلني .

هنا رأيت الكراهية القاتلة وهي تملأ قلبين وتسيطر على شخصين، ولجأت إلى الآب السماوي بالصلاة، وشرعت أتعامل مع هذين الشخصين بالمحبة الإلهية حتى جاء يوم سألني فيه لستر: « لماذا تحبني هذا الحب الشديد يا مستر جريفز ؟!»

وحانت الفرصة التي طالما صليت لأجلها، فشرحت للشاب المجرم قصة الخلاص الثمين، وكيف أن دم يسوع المسيح يُطهر من كل خطية … وركع لستر معي وسلم قلبه للمسيح .

وما حدث مع لستر حدث مع تومي إذ سألني عن سر محبتي له، وكانت فرصة حدثته فيها عن محبة المسيح المخلصة.

إشتغل تومي بعد خروجه من المستشفى حارساً في ( جراج ) وكان لا بد أن أجعله يتقابل مع لستر … ورتبت المقابلة … أخذت لستر في سيارتي ليقابل تومي في مكان هاديء بعيد … وكانت لحظة مكهربة لحظة اللقاء بين الغريمين … لأول مرة تلاقيا بعد أن أطلق لستر الرصاص على تومي … وحين تقابلا وضع كل واحد منهما يده في يد الآخر … وهنا أمسكت اليدين معاً وطلبت من كل منهما أن يصلي لأجل الآخر … ويا للعجب !! فاضت المحبة الإلهية في القلبين بالصفح والغفران ، وطلب كل واحد البركة لأخيه، وزالت العداوة والمرارة من نفسيهما تماماً .

إن التجديد يُغير القلب، ويملأه بالمحبة الإلهية ويُزيل منه حب الإنتقام.

وحين قال المسيح له المجد “وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ” (مت 5 : 44).
لم يكن يبغي تقويم أخلاقنا فحسب ، وإنما كان يرسم الطريق لصحة أجسادنا وفقاً لمبادىء الطب الحديث …. فكم من نساء إكتست وجوههن بالتجاعيد ، وإنقلبت سحنتهن فغدت بغيضة منفرة لا لشيء إلا لدأبهن على الغضب والإنفعال، وليس هناك وسيلة من وسائل التجميل يمكن أن تعيد النضرة والجاذبية إلى وجوههن مثل قلب عامر بالغفران ، والحنان، والمحبة .

عندما سأل بطرس السيد له المجد قائلاً  ” يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ “ (مت 18 : 21 -22).

وهو إذ طالبنا بهذا المقياس الكبير من الغفران، إنما كان يهدف من وراء ذلك أن تستمر حياتنا دائماً خالية من الأحقاد والإنفعالات النفسية الضارة التي تدمر سلام قلوبنا وعقولنا “لأَنَّ الْغَيْظَ يَقْتُلُ الْغَبِيَّ، وَالْغَيْرَةَ تُمِيتُ الأَحْمَقَ” (أي 5 : 2).

فإصغ إلى كلمات بولس الرسول القائلة “إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ. لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ. فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ. لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ” (رو 12 : 18 – 21).

وأذكر كلمات رجل حكيم قال « لا تفكر في محاولة الإقتصاص من أعدائك، فإنك بمحاولتك هذه تؤذي نفسك ، أكثر مما تؤذي أعدائك لأنك تحرم قلبك وعقلك من نعمة السلام ».
يحتفظ لنا التاريخ بقصة عن سيدة إسمها ( مسز ماتي بيري ) كانت حياتها أشد قذارة من الأوحال، ولم يكن أحد يعتقد أنها ستتجدد وتصبح قديسة من القديسات المباركات … لكنها ذهبت في يوم ما إلى إجتماع تبشيري وسمعت رسالة الإنجيل من خادم ممتلىء بروح الله،وكانت الرسالة قوة الله للخلاص لنفسها العزيزة فقبلت الرب يسوع المسيح وتجددت وصارت أختاً عاملة في كنيستها .

وفي ليلة ما وقفت (مسز ماتي بيري) بوجهها المشرق الباسم، في إجتماع من إجتماعات الهواء الطلق تشهد عن مخلصها الذي أحبته من قلبها … كان وجهها يطفح سروراً وهي تتكلم عن النعمة الغنية التي غيرت حياتها السوداء، وجعلتها حياة بيضاء … وكانت تتكلم في حماس وغيرة حين أحست بشيء جامد يصطدم بجسمها ويؤلمها …. وتطلعت لترى سر تلك الضربة فوجدت ( حبة من حبات البطاطس ) قذفها بها أحد المشاغبين وفي هدوء إنحنت وأخذتها ووضعتها في حقيبتها.

مرت بضعة شهور ، وأعلنت الكنيسة عن يوم عيد الشكر وتركت الحرية لكل إنسان أن يُحضر ما يشاء . وفي صباح عيد الشكر ، حضرت ( مسز بيري ) وهي تحمل سلة من البطاطس ووضعتها في الصندوق الكبير المعد لعطايا الشكر.

إنتهى الإجتماع بفرح وتقدم أحدهم يسأل مسز بيري : « لماذا إخترتِ أن تقدمي سلة بطاطس يا مسز بيري ؟» وأشرق وجه المرأة التقية وهي تجيب « لقد ضربني أحدهم في ليلة ما بحبة بطاطس آلمتني في جسدي فأخذتها، وقطعتها إلى قطع وزرعتها في حديقة بيتي فكان محصولها ما في هذه السلة … وابتسمت وهي تقول « نعم هذه بطاطس الغفران !»

وفي إمكاننا أن نزرع كل الإساءات التي تصدمنا في الحياة في أرض النعمة ونُخرج منها أجمل الثمار لمجد الله .

هذا يأتي بنا إلى الخطوة الثانية خطوة الإمتلاء من الروح القدس وعنها يقول بولس الرسول :

“وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي، لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا “ (رو 5 : 5) وعندما يملأ الروح القدس القلب والحياة، تظهر ثماره في تصرفات الإنسان … فما هو ثمر الروح القدس؟ يُجيبنا بولس الرسول قائلاً “وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ” (غل 5 : 22).

والواقع أن كل الأثمار الموجودة في هذه الشجرة الإلهية هي أثمار المحبة في الحياة العملية.
فالفرح هو المحبة المتهللة.
والسلام هو المحبة الهادئة .
وطول الأناة هو المحبة الصابرة .
واللطف هو المحبة الإجتماعية .
والصلاح هو المحبة العاملة.
والإيمان هو المحبة الواثقة.
والوداعة هي المحبة المتعلمة.
والتعفف هو المحبة الطاهرة .

فعندما يمتلىء الإنسان بالروح القدس يمتلىء في حقيقة الأمر بالمحبة الإلهية التي تضبط إنفعالاته، وتكيف تصرفاته وحركاته .

ويبدو هذا واضحاً في حياة التلاميذ في البشائر وفي سفر الأعمال فالتلاميذ في البشائر كانوا يتشاجرون، وكانت محبة الذات تظهر في تصرفاتهم بشكل ملحوظ، وكانت عواطفهم باردة من نحو آلام سيدهم .

أما التلاميذ في سفر أعمال الرسل بعد أن إمتلأوا بالروح القدس، فقد نسوا أنفسهم في غمرة خدمتهم لسيدهم وكانوا كلهم معاً ، وكان عندهم كل شيء مشتركاً، وفاضت قلوبهم بالمحبة بعضهم لبعض، حتى لقد قيل في التاريخ أن الوثنيين كانوا يقولون عنهم « أنظروا كيف يحب بعضهم بعضاً ».

إن المحبة الإلهية هي سر السلام وقد سجل بولس أوصافها في هذه الكلمات “الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّوءَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ” (1 كو 13 : 4 -7).

فإرفع قلبك لله وأطلب منه أن يملأك بالروح القدس لكي تفيض في حياتك أنهار المحبة الإلهية.

بقي الآن أن نتحدث عن ضرورة ملء العقل بالأفكار الإيجابية، والأفكار الإيجابية هي الأفكار المشرقة عن الله، أفكار الفرح والسرور ، والمجد ، والجلال ، والمحبة .

وكم من مرات يحاول الشيطان أن يشوه أمامنا محبة الله حين يظهر الضباب في حياتنا ، وتملأ الضيقات والأمراض والآلام والأحزان ظروفنا، أو يتأخر الرب في إستجابة صلواتنا، أو نرسب في إمتحاننا … فيشوش بأفكاره المظلمة سلام قلوبنا وعقولنا .

حدثني صديق جليل قال : « كان ولدي مريضاً جداً، ودخلت لأراه وهو في سرير مرضه فطلب مني أن أحضر له (سمكاً مُملحاً ) فأفهمته بلطف أنه من الخطر عليه أن يأكل هذا النوع من السمك والمرض ما زال يُسيطر عليه …. لكن الولد بكى …. وصرخ …. وضرب السرير بأقدامه …. وإتهمني أنني لا أحبه ولا أعبأ بتلبية رغبته، وكان قلبي يتألم لبكائه ولو أنني لم أجب له طلبه، وخرجت من حجرته، وجلست أتأمل الأمر ، وقلت لنفسي : ألا نفعل نحن هذا كثيراً مع الله، فنطالبه بما يشبه ( السمك المملح) ونحن مرضى، فلما يهمس في آذاننا بصوته الحنون : هذا خطر !! ولما لا يُجيب طلباتنا !. نتذمر وتتوتر أعصابنا ونقول أن الله لا يعبأ بنا ولا يحس بآلامنا ، مع أنه يحس … ويتضايق …. ويتألم … ولكنه في محبته لا يعطينا ما يضر حياتنا !! ».

أجل ! أن الأفكار السوداء عن الله كثيراً ما تملأ رؤوسنا ، مع أنه جلت حكمته، ينادينا من السماء قائلاً “لأَنِّي عَرَفْتُ الأَفْكَارَ الَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلاَمٍ لاَ شَرّ، لأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاء” (أر 29 : 11).

وإسمع كلمات الرسول إلى أهل كورنثوس وهي تنساب كالموسيقى المهدئة للنفس المضطربة المعذبة “لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا “ (1كور 10 : 13).

وتعني هذه الكلمات أن ( الله أمين ) … أمين في مواعيده ، أمين في محبته ، أمين في عنايته، وأنه لا يسمح لنا بتجربة فوق إحتمالنا، وأنه سيجعل مع كل تجربة تُصيبنا منفذاً مشرقاً لنا “أَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ. يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ” (أي 5 : 18).

وألم يحدث هذا في حياة أيوب ؟!

أجل … حدث …. فعندما سمح الرب بأخذ أولاده وممتلكاته أبقى له منفذ صحته .
وعندما سمح للشيطان بأن يمس صحته أضاء حوله بمنفذ أصدقائه الذين جاءوا ليرثوا له ويعزوه “فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاَثَةُ بِكُلِّ الشَّرِّ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ، جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ: أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ، وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَأْتُوا لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ” (أي 2 : 11).

ولما فشل أصدقاؤه في تعزيته جاء هو بنفسه وانتشله من تجاربه.
فإفتح عينيك وسط آلامك وأحزانك، لكي ترى ( المنفذ الإلهي ) الذي أعد لك ، فقد يكون هذا المنفذ في صحتك أو في خدمتك ، أو في العواطف النبيلة التي يحيطك بها أصدقاؤك … وأشكر الرب .

مرات يُخيل إلينا أن الله يتأخر عن إنقاذنا وإظهار برنا ، فبينما نرى الأشرار حولنا يرتفعون ويرتقون . نجد أنفسنا في أسفل درجات السلم وقد أصابنا الإعياء من طول الإنتظار !!
لقد تأخر الرب في إخراج يوسف من السجن ، ولكن هذا التأخير كان ضرورياً ليوسف حتى يتعلم في مدرسة الألم ، ويختبر الناس عن قرب ليكون عادلاً حين يجلس على كرسي الحكم .

وكذلك تأخرت ترقية (مردخاي) إذ كان يجب أن ينالها حين أخبر عن بغثانا وترش خصي الملك، اللذين طلبا أن يمدا أيديهما إلى الملك أحشويرش .

لكن الرب رتب تأخير هذه الترقية إلى اليوم الذي كان ( هامان) عدو (مردخاي) مُزمعاً أن يأخذ فيه أمراً من الملك بصلب مردخاي على الخشبة التي أعدها له !! وليجعل من (هامان ) مُناديا بإكرامه في ساحة المدينة ، فقد طار نوم الملك في تلك الليلة ورتب الرب أن يقرأ عن قصة نجاته على يد مردخاي ، وأن يفكر في إكرامه وإذ يدخل هامان في الصباح يسأله الملك “مَاذَا يُعْمَلُ لِرَجُل يُسَرُّ الْمَلِكُ بِأَنْ يُكْرِمَهُ؟”

فيظن هامان أنه المقصود بهذا الإكرام فيطلب كل ما بقلبه فيقول له الملك « أسرع وإفعل هكذا لمردخاي » ونقرأ عنه بعد ذلك الكلمات ” فَأَخَذَ هَامَانُ اللِّبَاسَ وَالْفَرَسَ وَأَلْبَسَ مُرْدَخَايَ وَأَرْكَبَهُ فِي سَاحَةِ الْمَدِينَةِ، وَنَادَى قُدَّامَهُ: هكَذَا يُصْنَعُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُسَرُّ الْمَلِكُ بِأَنْ يُكْرِمَهُ” (إس 6 : 11).

فإذا تأخرت ترقيتك ! وإذا لم تشرق الأنوار بسرعة في سبيلك !
فإستمر في أفكارك الجميلة عن الله ، وحارب كل فكر شرير يحاول الشيطان أن يشوه به محبة الله لك منفذاً كلمات الرسول “هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ “ (2 كو 10 :5).

وأذكر دائماً هذه النصيحة

إنتظر قطار الله المحمل بالبركات ولو تأخر في الوصول إليك

وتيقن من صدق الكلمات القائلة “وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ” (إش 40 : 31).

وأطع كلمات بولس الرسول التي كتبها من سجن روما إلى الأحباء في فيلبي قائلاً “أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَقٌ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا” (في 4 : 8 -9).

ويقيناً أنك لن تجد مكاناً للأفكار السلبية … أفكار الحزن واليأس والتذمر والشقاء في عقل قد إمتلأ بهذه الأفكار الإيجابية الجليلة .
فلا تنس أن تطبق هذه الخطوة العملية في حياتك « إمتلىء بالمحبة الإلهية والأفكار الإيجابية».

الخطوة الثامنة : لا تحتفظ بهمومك لنفسك بل إلقها على الله بالصلاة :

كتب بولس الرسول في أواخر أيام حياته هذه الكلمات “لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (في 4 : 6 -7).
ولا جدال في أن هذه النصيحة الغالية هي إحدى الخطوات في طريق الإمتلاء بسلام القلب والعقل.

إن بولس هنا يدعونا أن نصلي، وكثيرون من المعذبين في الأرض يمكن أن يخلصوا من عذابهم لو أنهم طلبوا العون من الله، بدلاً من أن يخوضوا وحدهم معارك الحياة .
إصغ إلى كلمات داود “أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ. لاَ يَدَعُ الصِّدِّيقَ يَتَزَعْزَعُ إِلَى الأَبَدِ” (مز 55 : 22).

واسمع كلمات بطرس الرسول ” مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ” (1 بط 5 :7)
وفي الآيتين نلاحظ وجود الضمير (هو) الذي يعود إلى الرب نفسه ويعني وجود هذا للضمير أن الرب نفسه (هو الذي يعولك ويعتني بك) فهو لا يكلف ملاكاً بالقيام بهذا الأمر بل هو بمحبة قلبه يرعاك، ويطالبك لا بأن تلقي عليه (بعض همك) بل ( كل همك) لتعيش متحرراً من حمل الهموم والأحزان مغرداً كالطائر السعيد .

في السجل المقدس تُقابلنا إمرأة إسمها (حنة) ألقت همها على الرب فإعتنى بها وأعطاها سؤل قلبها، وسكب في نفسه سلاماً فياضاً كانت ضرتها تغيظها لأجل المراغمة أي ( المكايدة ) وكانت تعيرها بأن الله لا يحبها ولا يهتم بها لأنه حرمها نعمة الأولاد ، لكن (حنة) إتخذت طريق الصلاة لتحصل على سلام قلبها وعقلها، فلم تحاول أن تقدم شكواها لجاراتها ، ولكنها ذهبت إلى هيكل الرب وهي مرة النفس ” فَصَلَّتْ إِلَى الرَّبِّ، وَبَكَتْ بُكَاءً” (1 صم 1 : 10)

كانت صلاتها تحمل آلام نفسها ، وقد عبرت عن معنى هذه الصلاة قائلة  ” فَأَجَابَتْ حَنَّةُ وَقَالت: لاَ يَا سَيِّدِي. إِنِّي امْرَأَةٌ حَزِينَةُ الرُّوحِ وَلَمْ أَشْرَبْ خَمْرًا وَلاَ مُسْكِرًا، بَلْ أَسْكُبُ نَفْسِي أَمَامَ الرَّبِّ” (1صم 1 : 15).

وبعد أن سكبت حزنها أمام الرب ملأها الرب بالهدوء العميق ، والسلام الذي يحفظ قلبها من أن يمتلىء بالحقد ، ويسجل الكتاب تأثير الصلاة على نفسها بالقول ” فَقَالَتْ: لِتَجِدْ جَارِيَتُكَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ. ثُمَّ مَضَتِ الْمَرْأَةُ فِي طَرِيقِهَا وَأَكَلَتْ، وَلَمْ يَكُنْ وَجْهُهَا بَعْدُ مُغَيَّرًا” (1 صم 1 : 18).

لقد وجدت سلامها في الصلاة الواثقة في الرب “تَوَكَّلُوا عَلَى الرَّبِّ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّ فِي يَاهَ الرَّبِّ صَخْرَ الدُّهُورِ” (إش 26 :4).

بحق قال الفريد تينسون الشاعر العظيم « إن ما تُحدثه الصلاة لأعظم وأجل مما يحلم به العالم» فالصلاة هي السر الكامن وراء كل حياة أصابت تأثيراً روحياً باقياً على الأيام ، وهي الوسيلة الناجحة لحل كافة الخلافات بينك وبين الغير ، بل أنها القوة التي تنمي الصداقات الحقيقية المخلصة ، وهي العلاج الأكيد للحسد والغيرة وكل ما يعكر سلام النفس وهدوء القلب .

فإذا وجدت أناساً يكرهونك ، أو أساءوا إليك وأنت تكرههم وتتجنبهم فما عليك إلا أن تصلي لأجلهم إلى الله ، وسَتُدهش للنتائج العجيبة :

إنك ستصير أكثر شفقة ولطفاً وصبراً وستشعر أنك أصبحت شخصاً أسعد حالاً ، وستعيش في عالم أكثر صفاء وصداقة من العالم الذي إعتدت أن تعيش فيه ، وسيغمر قلبك السلام العميق .

فليكن شعارك إذن كلمات داود “بَدَلَ مَحَبَّتِي يُخَاصِمُونَنِي. أَمَّا أنَا فَصَلاَةٌ” (مز 109 :4).

وهلم بنا الآن لنذهب إلى بيت عنيا لنرى مثالاً آخر لقوة الصلاة في شخصية (مريم أخت لعازر) والقصة تخبرنا أن مرثا قبلت الرب في بيتها ، وشرعت تعد له ولمن معه الطعام ، وتحت ضغط الإحساس بالمسئولية، وبدافع رغبتها بأن تكون وليمتها موضع حديث الناس ، إرتبكت وفقدت إتزانها كما يقول لوقا البشير “وَأَمَّا مَرْثَا فَكَانَتْ مُرْتَبِكَةً فِي خِدْمَةٍ كَثِيرَةٍ” (لو 10 : 40) والعمل فوق الطاقة يولد الإرتباك، وفي هذه الحالة يصبح الشخص (عصبياً) !! وها نحن نرى مرثا في عصبيتها تتقدم إلى السيد قائلة “فَوَقَفَتْ وَقَالَتْ: يَا رَبُّ، أَمَا تُبَالِي بِأَنَّ أُخْتِي قَدْ تَرَكَتْنِي أَخْدُمُ وَحْدِي؟ فَقُلْ لَهَا أَنْ تُعِينَنِي” (لو 10 :40).

وفي هذه الكلمات نسمع رثاء مرثا لنفسها وإستجدائها لعطف الآخرين ، وتذمرها على ضيفها العظيم .
لكن مريم لم ترد على شكوى أختها !! ولم تحاول أن تدافع عن نفسها !! فأين كانت مريم ؟ “وَكَانَتْ لِهذِهِ أُخْتٌ تُدْعَى مَرْيَمَ، الَّتِي جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَكَانَتْ تَسْمَعُ كَلاَمَهُ” (لو 10 : 39).

هنا يظهر الفرق بين إمرأة غمرت نفسها في العمل المنزلي بغير صلاة ، وإمرأة إنتزعت نفسها إنتزاعاً من وسط مشاغلها لتختبر قوة الصلاة ، فغمرتها الصلاة بالهدوء النفسي والسلام العميق ولذا فقد تركت قضيتها بين يدي الرب ليدافع عنها ، وفي هدوء نفسها ظلت جالسة عند قدمي سيدها الذي تولى الدفاع عنها “فَقَالَ مُوسَى لِلشَّعْبِ: لاَ تَخَافُوا. قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ الَّذِي يَصْنَعُهُ لَكُمُ الْيَوْمَ. فَإِنَّهُ كَمَا رَأَيْتُمُ الْمِصْرِيِّينَ الْيَوْمَ، لاَ تَعُودُونَ تَرَوْنَهُمْ أَيْضًا إِلَى الأَبَدِ. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ” (خر 14 : 13 -14).

فإسمع دفاع الرب عن ( مريم) وستجد فيه سر الإضطراب، وسر السلام ” فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَها: مَرْثَا، مَرْثَا، أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ. فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا” (لو 10 : 41 – 42).

فالإضطراب هو نتيجة حتمية للإهتمام الزائد بأمور الحياة الكثيرة ، أما سر السلام فهو في إختيار شخص الرب ، والجلوس عند قدميه ، وسماع كلامه .

ومرة ثانية نتقابل مع (مريم) في إنجيل يوحنا الأصحاح الثاني عشر حيث نجدها تأخذ “فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَنًا مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، وَدَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ، وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا، فَامْتَلأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ” (يو 12 : 3).

وإذ بنظرات الغيظ تلاحقها ، وأصوات الإحتجاج تدوي في أذنيها “وَكَانَ قَوْمٌ مُغْتَاظِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَالُوا: لِمَاذَا كَانَ تَلَفُ الطِّيبِ هذَا؟ لأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هذَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ. وَكَانُوا يُؤَنِّبُونَهَا” (مر 14 : 4 -5).

فهل دافعت مريم في هذه المرة عن نفسها ؟ كلا !

إنها كعادتها تركت قضيتها في يد الرب ليدافع عنها . وها هو السيد يتقدم للدفاع عنها ، فيخلد في هذا الدفاع ذكراها إلى مدى الدهور قائلاً ” أَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ: اتْرُكُوهَا! لِمَاذَا تُزْعِجُونَهَا؟ قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلًا حَسَنًا! لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَمَتَى أَرَدْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِمْ خَيْرًا. وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ. عَمِلَتْ مَا عِنْدَهَا. قَدْ سَبَقَتْ وَدَهَنَتْ بِالطِّيبِ جَسَدِي لِلتَّكْفِينِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ، تَذْكَارًا لَهَا” (مر 14 : 6 -9).

فألق همومك، ومخاوفك على الله بالصلاة ولا شك أنك ستختبر ما إختبره داود حين قال “طَلَبْتُ إِلَى الرَّبِّ فَاسْتَجَابَ لِي، وَمِنْ كُلِّ مَخَاوِفِي أَنْقَذَنِي” (مز 34 : 4).

لاحظ عبارة (من كل مخاوفي) فهي تشمل مخاوف إختبارات الطفولة المزعجة ، والخوف من المجتمع الذي تعيش فيه ، والخوف من ركوب الطائرات والسيارات، والخوف من ركوب البحر ، والخوف من العوز في الشيخوخة ، والخوف من المستقبل المجهول ، والخوف من بعض الحيوانات الأليفة، والخوف من الظلام ، والخوف على أولادك وبناتك ، والخوف من المرض .

كل المخاوف تتلاشى عندما تطلب الله وتستند عليه بالصلاة ، إذ عنه قال موسى “إِنَّ قِسْمَ الرَّبِّ هُوَ شَعْبُهُ. يَعْقُوبُ حَبْلُ نَصِيبِهِ. وَجَدَهُ فِي أَرْضِ قَفْرٍ، وَفِي خَلاَءٍ مُسْتَوْحِشٍ خَرِبٍ. أَحَاطَ بِهِ وَلاَحَظَهُ وَصَانَهُ كَحَدَقَةِ عَيْنِهِ. كَمَا يُحَرِّكُ النَّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ، وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ وَيَأْخُذُهَا وَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنَاكِبِهِ، هكَذَا الرَّبُّ وَحْدَهُ اقْتَادَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ أَجْنَبِيٌّ” (تث 32 : 9 -12).

“لَيْسَ مِثْلَ اللهِ يَا يَشُورُونُ. يَرْكَبُ السَّمَاءَ فِي مَعُونَتِكَ، وَالْغَمَامَ فِي عَظَمَتِهِ. الإِلهُ الْقَدِيمُ مَلْجَأٌ، وَالأَذْرُعُ الأَبَدِيَّةُ مِنْ تَحْتُ. فَطَرَدَ مِنْ قُدَّامِكَ الْعَدُوَّ وَقَالَ: أَهْلِكْ” (تث 33 : 26 -27).

فلا تحتفظ بهمومك لنفسك لئلا تحني ظهرك، بل ألقها على الله بالصلاة، وأذكر دائماً ما قاله وليم جيمس «إن أمواج المحيط المصطخبة المتقلبة لا تُعكر قط هدوء القاع العميق ولاتقلق أمنه، وكذلك المرء الذي عمق إيمانه بالله، خليق بألا تُعكر طمأنينته التقلبات السطحية المؤقتة، فالرجل المؤمن بالله إيماناً حقيقياً، عصى على القلق، محتفظ أبداً بإتزانه، مستعد دائماً لمواجهة ما عسى أن تأتي به الأيام من ظروف وأحداث ».

إن الصلاة تشعرك بأنك لست وحيداً في حل مشكلاتك وهمومك، إذ ليس في مقدورك أن تحمل أثقالك وحدك، وعندما تكون مشكلتك ماسة بذاتك فستأبى أن تذكرها لأقرب الناس إليك، ولكنك تستطيع بغير حرج أن تذكرها لإلهك، وقد أجمع الأطباء النفسيون على أن علاج التوتر العصبي، والأزمات الروحية، يتوقف إلى حد كبير على الإفضاء بمبعث توترنا، ومنشأ أزماتنا، وليس هناك من هو أفضل من الرب نحدثه بآلامنا وأحزاننا.

يحدثنا السجل المقدس عن شاب شريف ولد في ظروف محزنة فسمته أمه (يعبيص) أي (حزن) ولكن الشاب الذي حمل هذا الإسم الحزين لجأ إلى الله بالصلاة قائلاً “وَكَانَ يَعْبِيصُ أَشْرَفَ مِنْ إِخْوَتِهِ. وَسَمَّتْهُ أُمُّهُ يَعْبِيصَ قَائِلَةً: لأَنِّي وَلَدْتُهُ بِحُزْنٍ. وَدَعَا يَعْبِيصُ إِلهَ إِسْرَائِيلَ قَائِلًا: لَيْتَكَ تُبَارِكُنِي، وَتُوَسِّعُ تُخُومِي، وَتَكُونُ يَدُكَ مَعِي، وَتَحْفَظُنِي مِنَ الشَّرِّ حَتَّى لاَ يُتْعِبُنِي. فَآتَاهُ اللهُ بِمَا سَأَلَ” (1 أخ 4 : 9 -10).

وفي وسعك أن تعمل كما عمل، فالصلاة تمكنك من التعبير بأمانة عن مشاكلك وظروف حياتك، وهكذا تتضح أمامك المشاكل وتجد لها الحل السليم . وكذلك تُحفزك الصلاة إلى العمل، وتُذهب عنك الضجر والملل، فهي كما قال عنها الكسيس كاريل «أعظم طاقة مولدة للنشاط عُرفت حتى اليوم ».

فإذهب الآن إلى مخدعك، وإركع أمام إلهك، وإفتح له مغاليق قلبك، وأطلب منه أن يعيد إليك لمعان إيمانك. وعندئذ ستفيض في قلبك أنهار السلام والراحة والإطمئنان . وأذكر دائماً هذه النصيحة «لا تحتفظ بهمومك لنفسك بل ألقها على الله بالصلاة ».

الخطوة التاسعة : إدرس الكتاب المقدس وأطع وصايا الله التي فيه :

إن كثيرين يذهبون إلى الإجتماعات الدينية بإنتظام، يواظبون على التناول من مائدة الرب، ويقدمون لله بعض العطاء ولكنهم مع هذا يحسون بالقلق الدفين والشقاء الجاثم على القلب!

لماذا ؟ يُجيبهم السيد الرب قائلاً “لَيْتَكَ أَصْغَيْتَ لِوَصَايَايَ، فَكَانَ كَنَهْرٍ سَلاَمُكَ وَبِرُّكَ كَلُجَجِ الْبَحْرِ” (إش 48 :18).

إذن فسر حرمانهم من السلام يمكن أن يلخص في كلمة واحدة (العصيان) وتعال معي لأريك مثالاً مُجسماً للعصيان في حياة (شاول الملك) فقد طلب منه الرب صراحة أن يحرم الخطاة عماليق، وأن لا يعفو عنهم وكانت كلماته “فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارًا “ (1صم 15 :3).

وكان الواجب على شاول أن يطيع الله طاعة كاملة. الله أمر . وعلى الإنسان الطاعة المطلقة. لكن شاول لم يطع طاعة مطلقة بل أطاع طاعة جزئية إذ “وَعَفَا شَاوُلُ وَالشَّعْبُ عَنْ أَجَاجَ وَعَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالثُّنْيَانِ وَالْخِرَافِ، وَعَنْ كُلِّ الْجَيِّدِ، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُحَرِّمُوهَا. وَكُلُّ الأَمْلاَكِ الْمُحْتَقَرَةِ وَالْمَهْزُولَةِ حَرَّمُوهَا” (1 صم 15 :9).

فهل إستمر شاول مُستمتعاً بسلامه بعد هذا العصيان السافر؟

جاء صموئيل وفي فمه هذه الكلمات “فَلِمَاذَا لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ، بَلْ ثُرْتَ عَلَى الْغَنِيمَةِ وَعَمِلْتَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ؟”

وأراد الملك شاول أن يجد لنفسه عذراً ” فَقَالَ شَاوُلُ لِصَمُوئِيلَ: إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ لِصَوْتِ الرَّبِّ وَذَهَبْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَرْسَلَنِي فِيهَا الرَّبُّ وَأَتَيْتُ بِأَجَاجَ مَلِكِ عَمَالِيقَ وَحَرَّمْتُ عَمَالِيقَ. فَأَخَذَ الشَّعْبُ مِنَ الْغَنِيمَةِ غَنَمًا وَبَقَرًا، أَوَائِلَ الْحَرَامِ لأَجْلِ الذَّبْحِ لِلرَّبِّ إِلهِكَ فِي الْجِلْجَالِ” (1 صم 15 : 19 -21).

ياله من عذر أقبح من الذنب ! “لأَجْلِ الذَّبْحِ لِلرَّبِّ إِلهِكَ فِي الْجِلْجَالِ”

أي أنه أراد أن يُغطي عصيانه بالإعتذار بأن هذا العصيان كان لأجل الذبح للرب … كأن الرب يُريد الذبائح أكثر من الطاعة المطلقة لكلمته.

وهنا دوى صوت صموئيل كالرعد قائلاً ” هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ. لأَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ. لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ رَفَضَكَ مِنَ الْمُلْكِ” (1صم 15 : 22 -23).

مسكين شاول فقد سلامه ودار يبحث عن إمرأة صاحبة جان ليستشيرها في محنته، ثم إذ بلغ قمة يأسه أنهى حياته بيده … مات شاول منتحراً بلا سلام !!

فهل أنت مُطيع لوصايا الله ! … إجلس اليوم إلى نفسك وخذ معك كتابك المقدس …. كتابك المقدس وحده بلا كتب أخرى.
كتابك المقدس وليس سواه …. وفتشه بتدقيق وسل نفسك : هل أنا مُطيع لوصايا الله؟

هل أطعت وصية الله في إتمام فريضة المعمودية بالماء بحسب كلمته ؟

هل أطيع الله في تكريسي، وصومي، وصلاتي، وصدقتي، وعشوري فأعمل كل هذه بحسب كلمته؟ أم أنا سائر في تيار جارف هو تيار وصايا وتعاليم الناس ؟

دعني أذكرك بكلمات السيد له المجد “لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ” (مت 7 : 21 -23).

فإبحث الآن عن سبب قلقك واضطرابك وخوفك، فلعلك سائر في طريق عصيان إرادة الله وأنت لا تدري، وإدرس من اليوم كتابك بنشاط وفهم وتدقيق، وعندما تتحقق أن التعليم هو من الله أطعه بلا تردد فيفيض كنهر سلامك وتشدو مُرنماً :

يسوع ربي قد حباني ذا السلام التام

فاض سـرور مالئاً قلبي إلى التمام

في وسط الهم الشديد يفيض ذا السلام

نفسي التعوبة غدت تشدو على الدوام

لماذا أشكو من صعو بات في ذي الحياة

وعن قريب سيجىء وأحظى بالنجاة

قلبي دوماً يفيض سلام قلبي دوماً يفيض سلام

ولو هاجت جيوش الظلام فـــــــهـــــو لي يســــوع لي

 

الفصل الثالث

سلام الحياة العائلية

كيف تحصل على السلام في بيتك ؟ كيف تقضي رحلة الحياة مع زوجتك بنفس راضية وقلب ينبض بالحب والهناء ؟ كيف تحمي أسرتك من الإنفجارات التي تهدم كيانها وتشوش سلامها ؟

ليس من شروط البيت الممتلىء بالسلام أن يكون فيه فريجيدير وتليفون وغسالة كهربائية ومطبخ إنسيابي وأثاث فاخر، فإن هناك مئات من البيوت التي يُخيم عليها الشقاء وهي مؤثثة بأحدث الأجهزة وأجمل الأثاث .

إذن ما هي شروط السلام في البيت ؟!!؟

(1)دقق في إختيار شريكة حياتك :

إن السبب الأكبر للمآسي الزوجية يبدأ غالباً قبل الزواج، فالشاب لا يحسن إختيار زوجته ولا يدقق في هذا الأمر ، فيكفي أن تكون العروس جميلة الوجه والتركيب ليقول الشاب الجليل (هذه زوجتي)! بينما أثبتت الحياة العملية أن جمال الوجه والجسد ليس كل شيء في السعادة الزوجية .

فقبل الوجه والجسد ، هناك تجانس العقول ، وتقارب السن، وإتفاق المزاج، وتعانق الأرواح، والزواج في المسيحية هو وحده بين روحين وقلبين وجسدين وهذه الوحدة تربط الزوجين مدى الحياة كما هو مكتوب :

“فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ” (مت 19 : 4 -6).

وفي يقيني أنه لو دقق كل شاب في إختيار الفتاة التي سيقضي معها رحلة العمر ، ولو دققت كل فتاة في إختيار الشاب الذي ستقضي معه رحلة الحياة ، لإستراحا من كثير من مآسي الزواج التي نراها ونسمع عنها كل يوم .

أعرف أماً أعطاها الله عدداً من البنات كلهن مؤمنات يعرفن الرب، كانت ترفض بشدة أي شاب غير مؤمن يتقدم لطلب إحدى بناتها مهما علا مركزه الإجتماعي أو إرتفع رقم مرتبه وثروته، وكانت تقول « أن الرب قد أوصانا بصراحة قائلاً  “لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا” (2 كو 6 : 14 – 16). وكل بنت من بناتها تزوجت وعاشت في حياة هنيئة سعيدة ».

فالتدقيق في إختيار شريكة الحياة أو شريك الحياة أول شرط لسلام البيت .

(2) تعلم أن تتعاون مع زوجتك :

إن التعاون في البيت هو سر من أسرار السلام فيه … التعاون في تربية الأولاد … التعاون في تدبير الوارد والمنصرف من الدخل … التعاون في تنظيم البيت … ويجب أن يكون التعاون بروح رياضي … روح الحب والهناء والصفاء .

في كثير من البيوت نجد أن سبب الخلاف يعود إلى إختلاف وجهات النظر في تربية الأطفال، أو إلى إسراف الزوج وتبذيره لغير سبب معقول، أو إلى بخل الزوج وتقتيره الشديد على زوجته .

قالت زوجة جليلة في بحث إجتماعي قامت به مجلة أسبوعية « إن معظم الخلافات بيني وبين زوجي ترجع لأسباب مالية فزوجي يريد الإستيلاء على مرتبي، ويُعارضني في إنفاق أي قرش حتى ولو كان لشراء فستان بسيط لطفلتنا ، فهو كما يقول دائماً يُريد أن يقتصد ليشتري قطعة أرض يبنيها بيتاً نسكنه وتعتمد عليه إبنتنا في المستقبل، ولكني لا أشاركه هذا الرأي، ولا أستطيع أن أعيش في حرمان تام قد يمتد إلى سنوات طويلة في سبيل ذلك البيت الذي يحلم به، وماذا يجديني في شيخوختي بيت أنفقت في سبيله شبابي ؟!».

وعلاج كل هذه الحالات هو (التعاون) وإنتفاء روح الأنانية، فسر الكثير من المتاعب الزوجية يعود إلى الأنانية، والزوج الأناني يطلب ما لنفسه فقط ، يُريد راحة جسده وعقله غير عابىء بمتاعب زوجته، ولن يدوم الحال إذ سترفع الزوجة عصا التمرد ، ويدب الشقاق في البيت مع أن قليلاً من التضحية والتعاون كفيلان بالقضاء على كل تذمر …. والزوجة الأنانية التي تريد أن تشعر بأنها معبود زوجها سوف تثير المتاعب والشجار في جو الأسرة .

إن الزوجة المثالية هي كما وصفها أحدهم « وسادة يسند إليها الزوج رأسه المتعب ، وكتاب يقرأه ، وعصا يستند عليها عندما يصيبه الكلل ، ومظلة يفردها فوق رأسه ليحتمي من أمطار الحياة ، وسيارة تحمله سريعاً إلى تحقيق آماله وفريجيدير تهدىء له أعصابه بعد الكفاح ونظارة تقرب له السعادة وتبعد الشقاء، وتعظم صور الأماني الجميلة والأحلام، وطوبى للشاب الذي يجد هذه المرأة فهي لن تتركه يُكافح وحده في الحياة …. وطوبى للفتاة التي تجد زوجاً خلا من الأنانية ، إن التعاون سيملأ بيتهما بالسلام .

(3) أقم للرب مذبحاً في بيتك :

في سفر الملوك الثاني الأصحاح الرابع نجد صورة لبيت ممتلىء بالسلام ، فقد سأل إليشع ربة البيت “اُرْكُضِ الآنَ لِلِقَائِهَا وَقُلْ لَهَا: أَسَلاَمٌ لَكِ؟ أَسَلاَمٌ لِزَوْجِكِ؟ أَسَلاَمٌ لِلْوَلَدِ؟ فَقَالَتْ: سَلاَمٌ” (2 مل 4 : 26).

ولقد كان بيت هذه المرأة ممتلئاً بالسلام لأنها فكرت في خدمة الله بلا غرض، ولأنها جعلت الله مكاناً في بيتها ، ولأنها احتملت بقوة الله التجربة حين جاءتها، ولأنها كانت عظيمة الإيمان بالله . ولكن من أين جاءت هذه المرأة بكل هذه الصفات؟ إن السر يكمن في وجود الله في البيت، وجود المذبح العائلي، وحيثما يوجد المذبح العائلي تجد بيتاً ممتلئاً بالسلام .

حدثتنا فلورا جونس سيمان عن سيدة كانت في شبابها فتاة جميلة ، تزوجت من شاب جليل وكان بيتهما مثالياً في العبادة والتقوى والمواظبة على بيت الله … وفي يوم دخلت التجربة المحرقة بيتهما وماتت ابنتهما الجميلة ذات العينين الزرقاوتين …. ومرت أيام والمرأة لا تتعزى إلى أن جاء يوم أمسكت فيه كتابها المقدس وقرأت كلمات الرب يسوع “لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي” (يو 14 : 1).

وفي ذلك اليوم ذهبت إلى مكان هادىء ، وركعت والدموع في عينيها وسكبت قلبها أمام الله وطلبت منه العزاء والغفران لأنها فشلت في أن تكون واسطة العزاء لزوجها كما كان يجب أن تكون. وهناك وجدت هذه المرأة العزاء والسلام …. ومن ذلك الوقت أقامت مذبحاً للرب في بيتها وتعلمت أن تأتي إليه بآلامها وأحزانها وأن تجد عنده سلامها وتعزيتها .

فأقم للرب مذبحاً في بيتك ….. إن البيت الذي به مذبح للرب لا يمكن أن يستمر فيه روح الشجار ، إذ سيطيع الرجل فيه كلمات بطرس الرسول “كَذلِكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ، كُونُوا سَاكِنِينَ بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ مَعَ الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ كَالأَضْعَفِ، مُعْطِينَ إِيَّاهُنَّ كَرَامَةً، كَالْوَارِثَاتِ أَيْضًا مَعَكُمْ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ، لِكَيْ لاَ تُعَاقَ صَلَوَاتُكُمْ” (1بط 3 : 7).

لقد كانت عادة إبراهيم أن يبني مذبحاً للرب حيثما ذهب، وحيثما بنى المذبح عاش في هدوء وسلام. فإفعل كما فعل إبراهيم .

(4)تغاضى عن الأمور التافهة التي تحدث داخل أسرتك :

من عجب أن توافه الحياة هي التي تعكر صفو البيت وتشوش سلامه ، فتحطيم صحن من الصيني قد يحطم سلام الأسرة إلى أيام إذا لم نتساهل مع التوافه التي تحدث داخل الأسرة … ووضع مقعد في غير محله قد يثير (خناقة كبرى) وطريقة إطعام الطفل الصغير قد يُولد شجاراً إن النصيحة الكبرى التي نوجهها هنا للزوجين أن لا يدققا كثيراً في الأمور التافهة التي تحدث داخل الأسرة فيمتلىء بيتهما بالسلام .

(5)واظب على إجتماع روحي مع أفراد عائلتك :

هذه خطوة عملية لملء بيتك بالسلام ، لأن مواظبتك مع زوجتك وأولادك على إجتماع بعينه سيعالج مشاكل بيتكم ويدخل السلام إلى حياتكم .

حدث منذ سنوات أن دخل إلى إجتماعي صديق جليل كان قد تشاجر مع زوجته، وقبل أن يدخل الإجتماع أرسل لزوجته كلمة لكي تحضر الكنيسة إن شاءت … وجاء الإثنان : هو جلس في مكان الرجال، وهي جلست في ناحية السيدات …. ولم أكن أعلم عن شجارهما شيئاً … كانت المرة الأولى التي دخلا فيها كنيستي …. وكان الرب في محبته قد جهز الرسالة وكان موضوعها (أسباب الشقاء العائلي ) وخرج الإثنان ليتصافحا،  ويُصلحا ما أفسده الشجار !! شكراً لله .

فواظب على إجتماع روحي مع أفراد أسرتك ، لقد قال الرب لنوح “ادْخُلْ أَنْتَ وَجَمِيعُ بَيْتِكَ إِلَى الْفُلْكِ، لأَنِّي إِيَّاكَ رَأَيْتُ بَارًّا لَدَيَّ فِي هذَا الْجِيلِ” (تك 7 : 1)

وقال يشوع في خطابه الأخير “وَإِنْ سَاءَ فِي أَعْيُنِكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا الرَّبَّ، فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ: إِنْ كَانَ الآلِهَةَ الَّذِينَ عَبَدَهُمْ آبَاؤُكُمُ الَّذِينَ فِي عَبْرِ النَّهْرِ، وَإِنْ كَانَ آلِهَةَ الأَمُورِيِّينَ الَّذِينَ أَنْتُمْ سَاكِنُونَ فِي أَرْضِهِمْ. وَأَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ” (يش 24 : 15).

وقال بولس الرسول ” أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْضِ. وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأْدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ” (أف 6 : 1 -4).

فلا تنس هذه النصيحة وواظب على إجتماع روحي مع أفراد عائلتك ليتربى الأولاد بتأديب الرب وإنذاره .

(6)لا تتطلع إلى من هو أعلى منك :

إن زوجات كثيرات وللأسف أزواج كثيرين أيضاً يتطلعون جميعاً إلى من هو أعلى منهم في المرتب والمعيشة والحياة ، ففلان قد إقتصد المئات والزوج المسكين …. أو بعبارة أدق الزوج الذي يظن أنه مسكين لم يقتصد إلا القليل ، وفلانة تسكن في عمارة ضخمة بينما هي الجميلة بنت الأصول لا تسكن إلا شقة متواضعة ، وقس على هذا الرغبة في ملء البيت بكل أنواع الترف الآلي ، والأثاث الجميل ، هذه الرغبة التي تدفع المرء إلى التذمر وتحرم البيت من نعمة السلام العذب الفياض فإحذر من التطلع إلى من هو أعلى منك …. وأشكر في كل حين على كل شيء فالسيد الرب لا يمنع خيراً عن السالكين بالكمال ، وعندما يحين الحين سيملأ بيتك بالخيرات …. ويكفيك ما أنت فيه من راحة بال وأذكر كلمات الملك الحكيم ” لُقْمَةٌ يَابِسَةٌ وَمَعَهَا سَلاَمَةٌ، خَيْرٌ مِنْ بَيْتٍ مَلآنٍ ذَبَائِحَ مَعَ خِصَامٍ” (أم 17 : 1).

(7)أغمر بيتك بعواطف المحبة والترنيمات العذبة لكي تطرد بها متاعبك:

أنا لا أدري لماذا لا نملأ بيوتنا بالكلام الحلو …. لماذا لا نتعلم الكلام الحلو ، لماذ لا نتذوق الكلام الحلو ؟!

إن معظم الشجار يحدث في البيت لأنه إمتلأ بالكلام الجارح القاسي ، بحجة الدفاع عن الحقوق والكرامات ، مع أن إعتقادي هو أن البيت ليس هو الميدان الذي يدافع فيه الزوج أو الزوجة كل واحد عن حقوقه وكراماته ، بل أن البيت في الواقع هو عش الزوجية الذي يجب أن نجد فيه راحة البال، ونحس فيه بدفء الأنفاس التي تحب ، ونشعر فيه بالبهجة والإطمئنان.

فإسمع نصيحة كاتب جليل قال « إنثر الحب في بيتك ، وإجعله في كل ركن من أركانه، فالبيت الممتلىء بالسلام لا يقتصر على زوجين متحابين ، إن الحب يغمر كل أرجائه …. الخدم يحبون سيدهم ، والأطفال يحبون والديهم ، والجيران يشعرون بأن الأسرة الصغيرة هي جزء منهم !

فالحب الذي يعيش في حجرة واحدة يموت عادة في ريعان الشباب ! إن الحب الكبير ليس له حدود !

فالحب الحقيقي هو الذي يشمل الخدم والأولاد والجيران والدنيا كلها !
فإذا أحببت زوجتك وكرهت الناس فستكتشف بعد فترة أن كراهيتك للناس قتلت حبك لزوجتك !

والزوجة الغبية هي التي تغار من حب زوجها لأصدقائه . إنها تتصور أن هذا الحب مقتطع من حب زوجها لها ، ولذلك تحارب هذا الحب وتحاول دائماً أن تدفع زوجها إلى كره أصدقائه ! ثم تكتشف بعد فوات الأوان أن الكراهية التي زرعتها في قلب زوجها التهمت حبه لها …. فإملأ بيتك بالحب ووزعه على من حولك تجد السلام في بيتك وفي نفسك.

وفوق ما تقدم إستخدم الترنيمات العذبة ، فالترنيم يطرد المتاعب من البيت ويملأه بالسلام التام .

حدثتنا فلورا سيمان قالت «كنت أعرف زوجة شابة، كان زوجها يأتي من عمله كل يوم وقد غمره الشعور باليأس ، وكان يحمل لها دائماً أخباراً سيئة عن ظروفه في العمل ، وكان دائم الخوف من المستقبل …. من المرض …. من أن تسوء صحة زوجته !! … ولم تبدو عليها دلائل القلق وكل ما كانت تعمله للتخلص من الأفكار السوداء الكئيبة هو أن تذكر لزوجها بعض المواعيد المشجعة من الكتاب المقدس !!

وذات يوم دخلت إلى المطبخ لتعد وجبة العشاء وبينما كانت تقوم بعملها كانت تشدو بترنيمة عذبة مؤثرة ، وفجأة إندفع زوجها إلى المطبخ في دهشة وقد بدا في عينيه نور جديد وظهرت لمحة إطمئنان في قسمات وجهه وهتف قائلاً « أنتِ تُرنمين هذه الترنيمة الجميلة العذبة ! إنني مسرور لأن أسمعك تُرنمين في هذه الظروف ، لقد كنت أخاف أن تتدهور صحتك من الأخبار السيئة التي أحملها إليكِ ولكنني الآن أشعر بالهدوء والإطمئنان والسلام … »

ومن ذلك الوقت بدأت أعصاب الزوج المتوترة تهدأ ، وبدت علامات السعادة على وجهه المتعب ، لقد بددت هذه السيدة الغيوم التي تلبدت في جو بيتها بترنيماتها التي بعثت الأمل والرجاء في نفسها ونفس زوجها ، وإستطاعت بذلك أن تملأ أرجاء البيت بالراحة العظمى والسلام العميق ». فأطرد متاعبك بالترنيم ! إن موسيقى السماء تطرد من البيت الحزن، واليأس، والشقاء.

يحتفظ لنا السجل المقدس بإختبار جليل للملك يهوشافاط، فقد إجتمع حوله الأعداء من كل مكان ، لكنه وجه قلبه لطلب الرب وأعطاه الرب وعداً بالإنتصار .

والان إقرأ معي هذه الكلمات “وَبَكَّرُوا صَبَاحًا وَخَرَجُوا إِلَى بَرِّيَّةِ تَقُوعَ. وَعِنْدَ خُرُوجِهِمْ وَقَفَ يَهُوشَافَاطُ وَقَالَ: اسْمَعُوا يَا يَهُوذَا وَسُكَّانَ أُورُشَلِيمَ، آمِنُوا بِالرَّبِّ إِلهِكُمْ فَتَأْمَنُوا. آمِنُوا بِأَنْبِيَائِهِ فَتُفْلِحُوا. وَلَمَّا اسْتَشَارَ الشَّعْبَ أَقَامَ مُغَنِّينَ لِلرَّبِّ وَمُسَبِّحِينَ فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ أَمَامَ الْمُتَجَرِّدِينَ وَقَائِلِينَ: احْمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. وَلَمَّا ابْتَدَأُوا فِي الْغِنَاءِ وَالتَّسْبِيحِ جَعَلَ الرَّبُّ أَكْمِنَةً عَلَى بَنِي عَمُّونَ وَمُوآبَ وَجَبَلِ سِعِير الآتِينَ عَلَى يَهُوذَا فَانْكَسَرُوا” (2 أخ 20 : 20 -22).

لقد إنتصر يهوشافاط على أعدائه ومتاعبه ومخاوفه بالترنيم فإذهب أنت أيضاً وإصنع هكذا ليكن الرب يسوع هو الضيف الدائم في مسكنك :

إن وجود المسيح في البيت سيزيل منه كل آثار الخطية ، فليس من المعقول أن يكون (يسوع المجيد ) في البيت وهناك صور الراقصات العاريات ، أو الروايات النجسة الفاسدة،  أو زجاجات الخمر ، أو علب التبغ ، أو أغاني الراديو العالمية المبتذلة .

إن يسوع في البيت سيسطر بمحبته على كل حديث ، ويبارك بنعمته كل تصرف ، فلا تقام في ذلك البيت حفلات كوكتيل ، ولا تعزف الموسيقى لحلقات راقصة، فإن يسوع يرفض الحضور في هذه الحفلات وتلك الحلقات .

إن وجود المسيح في البيت سيعطي لأفراد الأسرة إحساساً غامراً بالإطمئنان ويملأ قلوب أفراد البيت بالسلام ، ويوقف كل شجار وكل خصام .

إن يسوع في البيت هو المشير الحكيم في كل مشكلة معقدة .

وهو الطبيب الشافي العظيم لكل مرض .

وهو الحارس الطيب الكريم لكل فرد .

وهو المعتني بالأسرة جمعاء في السراء والضراء .

إنه يأتي والأبواب مغلقة ليقول لنا (سلام لكم ) .

فيزيل بجراحات يديه مخاوف نفوسنا .

ويضمد بحنان قلبه جراحات قلوبنا .

ويرفع بقوة حضوره معنوياتنا .

ويبارك بحضور شخصه طعامنا وشرابنا .

ويملأ أرجاء بيتنا بالسلام العميق الفياض .

فهو وحده بغير منازع .

العجيب

المشير

الإله القدير

الأب الأبدي

مزيل الخوف

مريح التعابى

مهدىء الإضطراب

واهب الراحة

رئيس السلام

 

شبرا مصر في 21 أكتوبر1958

 

BOOKS WRITTEN

BY Rev. La bib Michail Ibrahim

 

1- Knot of Knots 1947

2- Problem of Suffering 1949

3- Truth about Immortality 1949

4- Flowers of Marital Happiness 1949

5- Truth about Incarnation 1950

6- Truth about Water Baptism 1950

7 – 1951 The Chritian and the Law
Truth about the relation between

8- Truth about Trinity 1951

9- Truth about New Birth 1951

10- Surprises of the Second Coming 1953

11- Voice of Experience 1954

12- Conference of the Saints 1955

13- Case of the Cross 1956

14- The Way to Eternal Life 1957

15- Great is thy Faith 1957

16- Your Way to Pea co 1958

 

مجموعة مؤلفات

القس

لبيب ميخائيل

 

1- عقدة العقد

2- مشكلة الألم

3- عالم الخلود حقيقة أم خيال

4- زهور السعادة الزوجية

5- حقيقة التجسد

6- حقيقة معمودية الماء

7- حقيقة الصلة بين المسيحي والناموس

8- حقيقة عقيدة التثليث

9- حقيقة إختبار الميلاد الثاني

10- مفاجآت المجيء الثاني

11- صوت الإختبار

12- مؤتمر القديسين

13- قضية الصليب

14- طريق الحياة الأبدية

15- عظيم إيمانك

16- طريقك إلى السلام

 

محتويات الكتاب

الإهداء

تقديم الكتاب

الفصل الأول

أنت في حاجة إلى السلام

 

الفصل الثاني

سلام القلب والعقل

 

الفصل الثالث

سلام الحياة العائلية