معمودية الماء في الكتاب المقدس

 Water Baptism in the Bible

الكتاب الذي يوضح لك معنى الإيمان المسيحي وأهمية وضرورة معمودية الماء

بقلم

الدكتور القس لبيب ميخائيل

دكتوراه في الدراسات اللاهوتية من أمريكا

الطبعة الرابعة

1999

 

 حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف

فلا يجوز استخدام أو اقتباس، أو إعادة نشر أو طبع

لهذا الكتاب أو أي جزء منه بدون إذن كتابي من المؤلف

وللمؤلف وحده حق إعادة النشر والطبع

تقديم الكتاب

صدرت الطبعة الأولى  من هذا الكتاب بعنوان (المعمودية في الكتاب المقدس) في فبراير سنة 1944، ثم صدرت الطبعة الثانية بعنوان (حقيقة معمودية الماء) في مارس سنة 1950، وكلما مرت الأيام إزدادت إقتناعًا بأن هذا الموضوع من الخطورة بحيث يجب أن نكتب فيه الكثير.

ومن أسف أن يقول البعض أن هذا الموضوع غير جوهري، ولا ضرورة لبحثه أو الخوض فيه، وهؤلاء يسيئون إلى الكتاب المقدس من حيث يدرون أو لا يدرون. ذلك لأن كلامهم يعني أن بعض ما أعطانا الله في كلمته المقدسة ليس جوهريًا، وكأن الله الكامل العظيم جلت قدرته يعطي أولاده أشياء وفرائض لا ضرورة لها، ولا نتيجة للتفكير فيها. وحاشا لله أن يفعل ذلك.

أما إيماني وأثق أنه إيمان جميع أولاد الله المخلصين، فهو إيمان صاحب المزمور القائل “كَلاَمُ الرَّبِّ كَلاَمٌ نَقِيٌّ، كَفِضَّةٍ مُصَفَّاةٍ فِي بُوطَةٍ فِي الأَرْضِ، مَمْحُوصَةٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ” (مز 12: 6).

وعلى هذا فإن واجب المؤمن أن يبحث بجد ووقار وإهتمام كل كلمة، وكل أمر، وكل فريضة في الكتاب المقدس، وأن يسرع إلى طاعة ما أمر به الرب.

إننا نؤمن أن الكتاب المقدس قد كُتب بواسطة أُناس الله الذين أُوحىَّ إليهم به بكيفية فائقة الطبيعة، وأنه يحوي الحق دون أي خلط أو إمتزاج بالخطأ، ولذا فإن هذا الكتاب المقدس سيبقى إلى إنقضاء الدهر كما هو الآن الكتاب الوحيد الكامل، والإعلان النهائي لمشيئة الله للناس، والمركز الوحيد للوحدة المسيحية، والمقياس الأعلى الذي يجب أن نمتحن به كل سلوك، أو عقيدة، أو وجهة نظر إنسانية.

فماذا يقول الكتاب المقدس عن معمودية الماء؟

هل فريضة المعمودية للأطفال أو للمؤمنين البالغين الفاهمين؟ هل يعلم الكتاب المقدس بمعمودية الأطفال أم أن عماد الأطفال مجرد تعليم دخيل، لا أساس له في كلمة الله؟ هل حلت المعمودية في العهد الجديد محل الختان في العهد القديم؟ ما هي المعاني المتضمنة في المعمودية المسيحية؟ وهل معمودية الماء هي طريق نوال إختبار الميلاد الثاني؟ أين يذهب الأطفال الذين لم يعتمدوا من كل الأمم والشعوب والقبائل والألسنة بعد موتهم؟ هل تغني معمودية الروح القدس عن معمودية الماء؟ هل تمحو معمودية الماء الخطية الجدية (أي خطية آدم)؟ هل المعمودية هي طريق دخول الأطفال إلى ملكوت الله؟ هل المعمودية تجعل الطفل مسيحيًا؟ هل من ضرورة لتنفيذ فريضة العماد؟

كل هذه الأسئلة تخطر بالذهن عندما يفكر المرء في موضوع معمودية الماء، وإني بنعمة الله اقدم هذا الكتاب للمخلصين من أولاد وبنات الله، ويقيني انهم سيجدون فيه الإجابة الشافية عن هذه الأسئلة، وأنهم سيطيعون الرب الذي فداهم في محبة وإخلاص بعد ان يروا هذا الحق الإلهي القديم الذي حجبته عن عيونهم تعاليم الناس.

وكل رجائي من القاريء العزيز أن يقرأ هذا الكتاب، وإلى جانبه كتابه المقدس، ليفتحه عند كل آية، وليتأكد بنفسه من ضرورة طاعة هذا الحق الكريم.

وقد قال رب المجد بفمه المبارك “اَلَّذِي مِنَ اللهِ يَسْمَعُ كَلاَمَ اللهِ” (يو 8: 47).

 ولإلهنا كل المجد.

شبرا مصر في 30 مايو 1961

القس لبيب ميخائيل

الفصل الأول

معمودية يوحنا

نقرأ في الإصحاح الثالث من إنجيل لوقا هذه الكلمات “وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ سَلْطَنَةِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ، إِذْ كَانَ بِيلاَطُسُ الْبُنْطِيُّ وَالِيًا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَهِيرُودُسُ رَئِيسَ رُبْعٍ عَلَى الْجَلِيل … فِي أَيَّامِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ حَنَّانَ وَقَيَافَا، كَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ عَلَى يُوحَنَّا بْنِ زَكَرِيَّا فِي الْبَرِّيَّةِ، فَجَاءَ إِلَى جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا” (لو1:3-3).

ويحق لدارس الكتاب المقدس أن يتسائل: من كان يوحنا المعمدان؟ ولماذا كرز بالمعمودية بالماء؟ وهل كانت معموديته من السماء أم من الناس؟ وماذا كانت تعني هذه المعمودية؟

ونجد الإجابة عن السؤال: من كان يوحنا المعمدان؟ في إنجيل متى إذ نقرأ هذه العبارات “ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا: «مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ؟ لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَانًا لاَبِسًا ثِيَابًا نَاعِمَةً؟ هُوَذَا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ الْمُلُوكِ. لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا؟ نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ. فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ. لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ” (مت7:11-14).

ونأتي الآن إلى السؤال الثاني: لماذا كرز يوحنا بمعمودية الماء؟ ولماذا عمد أولئك الذين أتوا إليه؟ والجواب عن سؤالنا موجود في إنجيل يوحنا حيث نقرأ “وَهذِهِ هِيَ شَهَادَةُ يُوحَنَّا، حِينَ أَرْسَلَ الْيَهُودُ مِنْ أُورُشَلِيمَ كَهَنَةً وَلاَوِيِّينَ لِيَسْأَلُوهُ: «مَنْ أَنْتَ؟» فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يُنْكِرْ، وَأَقَرَّ: «إِنِّي لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ». فَسَأَلُوهُ: «إِذًا مَاذَا؟ إِيلِيَّا أَنْتَ؟» فَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا». «أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟» فَأَجَابَ: «لاَ». فَقَالُوا لَهُ: «مَنْ أَنْتَ، لِنُعْطِيَ جَوَابًا لِلَّذِينَ أَرْسَلُونَا؟ مَاذَا تَقُولُ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: «أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: قَوِّمُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ». وَكَانَ الْمُرْسَلُونَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ، فَسَأَلُوهُ وَقَالُوا لَهُ: «فَمَا بَالُكَ تُعَمِّدُ إِنْ كُنْتَ لَسْتَ الْمَسِيحَ، وَلاَ إِيلِيَّا، وَلاَ النَّبِيَّ؟» أَجَابَهُمْ يُوحَنَّا قِائِلًا: «أَنَا أُعَمِّدُ بِمَاءٍ، وَلكِنْ فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي، الَّذِي صَارَ قُدَّامِي، الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ». هذَا كَانَ فِي بَيْتِ عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ. وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: يَأْتِي بَعْدِي، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ. لكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ».وَشَهِدَ يُوحَنَّا قَائلًا: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلًا وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ” (يو19:1-34).

وفي إجابة يوحنا المعمدان نرى السبب الذي من أجله كرز بمعموديته.

أرسل اليهود (كهنة ولاويين) ليسألوا يوحنا رسميًا، «من أنت؟ … ما بالك تُعمد؟».

كان قادة اليهود الذين ضمهم (السنهدريم) قد تضايقوا من كرازة يوحنا عن التوبة، ووصفه إياهم بأنهم أولاد الأفاعي، ولذا فقد أرسلوا إليه وفدًا لعلهم يستخلصون من بين شفتيه إعترافًا يتخذونه تكأة ويتصرفون معه بمقتضاه.

أرسل اليهود من أورشليم (كهنة ولاويين) ليسألوه «من أنت؟». “وَإِذْ كَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ، وَالْجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ الْمَسِيحُ” (لو 3: 15). ولكن النبي العظيم أعترف ولم ينكر وأقر إني لست أنا المسيح.

وهنا سأله الوفد القادم من أورشليم: إذًا ماذا؟ إيليا أنت؟ مشيرين بذلك إلى نبوة ملاخي القائلة “هأَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ، فَيَرُدُّ قَلْبَ الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ، وَقَلْبَ الأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ. لِئَلاَّ آتِيَ وَأَضْرِبَ الأَرْضَ بِلَعْنٍ” (ملا 4: 5، 6). ولو أنهم وضعوا السؤال بصيغة أخرى وقالوا: هل أتيت بروح إيليا وقوته؟ لكان قد رد بالإيجاب، إذ أنه الشخص الذي قال عنه ملاك الرب “لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمْ. وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا” (لو 1: 15-17). لكن لأنهم قصدوا أن يسألوه إن كان هو إيليا بالذات قد عاد إلى العالم على ما كانوا يعتقدون فلم يكن هنالك بُد من الإجابة بصفة قاطعة حازمة «لست أنا».

كان في جُعبة وفد أورشليم سؤال ثالث: النبي أنت؟ وهم يقصدون بالنبي ذاك الذي تنبأ عنه موسى قائلاً “يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي. لَهُ تَسْمَعُونَ” (تث 18: 15). ولو عرفوا الحقيقة، لأدركوا أن ذلك النبي الذي تحدث عنه موسى هو المسيح ذاته ولما كانوا في حاجة إلى هذا السؤال. وهذا ما يقرره بطرس في حديثه بعد شفاء الأعرج عند باب الهيكل الجميل قائلاً “فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلآبَاءِ: إِنَّ نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كُلِّ مَا يُكَلِّمُكُمْ بِهِ” (أع 3: 22). وما يؤكده استفانوس في خطابه للمجمع “هذَا هُوَ مُوسَى الَّذِي قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ” (أع 7: 37).

إرتبك الوفد، فقد فرغت جعبة أسئلتهم، ولكنهم أرادوا ان يعودوا بجواب قاطع: “فَسَأَلُوهُ وَقَالُوا لَهُ: «فَمَا بَالُكَ تُعَمِّدُ إِنْ كُنْتَ لَسْتَ الْمَسِيحَ، وَلاَ إِيلِيَّا، وَلاَ النَّبِيَّ؟»” (يو 1: 25).

وهنا أجابهم يوحنا في لغة واضحة عن سبب معموديته قائلاً: “أَنَا أُعَمِّدُ بِمَاءٍ، وَلكِنْ فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ … الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ … وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ. لكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ” (يو 1: 26، 27، 31).

إذن فقد كان السبب الأول لمعمودية يوحنا هو إظهار المسيح حمل الله، وابن الله لإسرائيل:

وفي إنجيل متى نرى في أية صورة أُظهر المسيح لإسرائيل “حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ. وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلًا: «أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!» فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ». حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ. فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلًا: «هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ»” (مت13:3-17)

ويتوقف الدارس المدقق أمام هذه الكلمات، فيوحنا كان “يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا” (مر 1: 4). والرب يسوع المسيح لم يكن بحاجة إلى التوبة لأنه “«الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ” (1 بط 2: 22).

ولذا فهو لم يكن بحاجة إلى الغفران.

فلماذا إعتمد يسوع إذن؟

لقد كان يوحنا يعرف حياته الطاهرة السامية، صحيح أنه لم يكن يعرف أنه ابن الله، ولكنه كان يعرف تمامًا حياته الخالية من الدنس والإثم، ولذلك منعه حين جاء ليعتمد منه قائلاً “أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ” (مت 3: 14)، ولكن يسوع له المجد طلب منه أن يعمده قائلاً “اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ” (مت15:3).

فما معنى كلمات الرب هذه؟ .. وأي برّ كان في معمودية يوحنا؟

لقد كان الرب يسوع المسيح هو القدوس البار كما شهد عنه بطرس الرسول قائلاً “وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ” (أع 3: 14). ولذا فهو لم يكن بحاجة إلى بر إذ هو بار في ذاته.

إذن فالبر الذي قصد يسوع أن يكمله بعماده في نهر الأردن، هو البر الذي كان مزمعًا أن يصنعه لنا بموته، ودفنه، وقيامته، هذا البر الإلهي الذي قال عنه بولس الرسول “وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ” (رو21:3-26).

فبر الله قد ظهر في تقديم إبنه يسوع المسيح كفارة، والمعمودية في معناها الحقيقي هي رمز إلى الموت، والدفن، والقيامة، ولذا فقد إعتمد الرب يسوع من يوحنا.

إعتمد كحمل الله الذي لا بد أن يُذبح على الصليب، ويموت، ويُدفن في القبر، ويقوم في اليوم الثالث.

إعتمد لكي يعمل رمزيًا ما لا بد أن يعمله حرفيًا ليكمل كل بر، كما قالت نبوة دانيال النبي “سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ وَعَلَى مَدِينَتِكَ الْمُقَدَّسَةِ لِتَكْمِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَتَتْمِيمِ الْخَطَايَا، وَلِكَفَّارَةِ الإِثْمِ، وَلِيُؤْتَى بِالْبِرِّ الأَبَدِيِّ، وَلِخَتْمِ الرُّؤْيَا وَالنُّبُوَّةِ، وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ الْقُدُّوسِينَ (دا 9: 24).

فعندما عمد يوحنا يسوع المسيح، ورأى الروح القدس نازلاً مثل حمامة من السماء ومستقرًا عليه. عرف أنه ابن الله الطاهر القدوس، حمل الله الذي بلا عيب ولا دنس الذي يرفع خطية العالم، المسيح الذي مسحه الله بالروح القدس، وأدرك يوحنا أنه أخذ حمل الله الذي سيموت لأجل خطية العالم، ودفنه في الماء، وأخرجه من الماء ليمثل في معموديته حقائق إنجيله العظيم الكريم، إذ أن الإنجيل في حقيقة الأمر يتلخص في كلمات بولس الرسول القائلة “وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ، وَبِهِ أَيْضًا تَخْلُصُونَ، أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ” (1 كو 15: 1-4).

وهكذا أُظهر المسيح في معمودية يوحنا لإسرائيل:

  • نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية (تك15:3).
  • ابن الله الخالي من الخطية حتى يستطيع أن يخلص الخطاة (يو34:1).
  • حمل الله الذي لا بد أن يموت لكي يرفع خطية العالم. (يو29:1).
  • المسيح المقام من الأموات لتبرير الخطاة (هو2:6)، (رو25:4).

وفي عبارة واحدة «إن معمودية يوحنا كان غرضها الأول إظهار المسيح المصلوب، المدفون، المقام لإسرائيل لكي يؤمنوا به وتكون لهم الحياة الأبدية».

فهي إذن تحوي في معانيها ذات المعاني الموجودة في المعمودية المسيحية بفرق واحد أن المُعتمد بمعمودية يوحنا، كان يعتمد على أساس توبته وإيمانه بالمسيح الآتي كحمل الله لفدائه كما قال بولس لتلاميذ أفسس “إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ، قَائِلًا لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ” (أع 19: 4).

وعلى هذا فقد كان اليهودي الذي يعتمد بمعمودية يوحنا يعلن عن توبته، وحاجته للغفران، وإستحقاقه بحسب الطبيعة للموت والدينونة، وإيمانه بالمسيح يسوع الآتي لكي يصلب، ويُدفن، ويقوم لتبريره إذ أنه “بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!” (عب 9: 22).

وقد كانت معمودية يوحنا “مَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا” (مر 1: 4). أي أنها كانت معمودية مؤسسة على عمل الفداء المزمع أن يتممه الرب يسوع المسيح بموته على الصليب ليهب الناس الغفران كما هو مكتوب “الَّذِي لَنَا فِيهِ الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا” (كو 1: 14).

أما المعتمد بالمعمودية المسيحية فهو يعتمد على أساس توبته وإيمانه بالمسيح الذي مات، ودُفن، وقام كما قال بطرس لمن نُخسوا في قلوبهم يوم الخمسين “تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع 2: 38). ويعتمد “بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت19:28).

ونستطيع أن نرى أن شرط العضوية في الكنيسة التي أسسها الرب يسوع المسيح في وجوده على الأرض بالجسد، كان (معمودية يوحنا) أو (معمودية التلاميذ) (يو1:4، 2). نرى هذا من كلمات بطرس في سفر أعمال الرسل الإصحاح الأول إذ لما أرادوا أن يختاروا شخصًا يأخذ مكان يهوذا قال بطرس  “فَيَنْبَغِي أَنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا مَعَنَا كُلَّ الزَّمَانِ الَّذِي فِيهِ دَخَلَ إِلَيْنَا الرَّبُّ يَسُوعُ وَخَرَجَ، مُنْذُ مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ عَنَّا، يَصِيرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَاهِدًا مَعَنَا بِقِيَامَتِهِ” (أع 1: 21، 22).

وهكذا نرى أن معمودية يوحنا كانت معمودية قانونية سماوية بحسب مشورة الله. وأن الرسل الأولين أعضاء الكنيسة المحلية في أورشليم كانوا معتمدين بهذه المعمودية. وأن الذين إنضموا يوم الخمسين إلى هذه الكنيسة المحلية في أورشليم إعتمدوا بالمعمودية المسيحية إذ نقرأ عنهم “فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ” (أع 2: 41).

وهكذا يبدوا لنا واضحًا أن معمودية الماء كانت شرطًا للإنضمام إلى الكنيسة المسيحية المحلية في أورشليم.

ولقد ظهر الثالوث الأقدس يوم عمد يوحنا الرب في نهر الأردن، فسمعنا صوت الآب من السماء، ورأينا الابن صاعدًا من الماء، وشاهدنا الروح القدس في هيئة جسمية مثل حمامة مستقرًا على حمل الفداء.

ويقينًا أن معمودية يوحنا كانت من السماء، إذ شهد الرب يسوع المسيح عنها قائلاً “لأَنَّ يُوحَنَّا جَاءَكُمْ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَمَّا الْعَشَّارُونَ وَالزَّوَاني فَآمَنُوا بِهِ. وَأَنْتُمْ إِذْ رَأَيْتُمْ لَمْ تَنْدَمُوا أَخِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِهِ” (مت 21: 32).

“وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ سَمِعُوا وَالْعَشَّارُونَ بَرَّرُوا اللهَ مُعْتَمِدِينَ بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا. وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ وَالنَّامُوسِيُّونَ فَرَفَضُوا مَشُورَةَ اللهِ مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ، غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ مِنْهُ” (لو29:7، 30).

وإذن فقد كانت معمودية يوحنا هي مشورة الله، وقد أعلنت طريق بر الله بالإيمان بيسوع المسيح، والفريسيون والناموسيون الذين رفضوا هذه المعمودية رفضوا في الواقع مشورة الله من جهة أنفسهم.

والآن يخطر ببالنا سؤال هو: كيف عمدّ يوحنا المعمدان؟

وبغير شك أن يوحنا قد عمد بالتغطيس، وليس بأية طريقة اخرى، ويبدو هذا واضحًا في خلال البشيرين.

ففي إنجيل مرقس نقرأ الكلمات “وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ” (مر 1: 5).

والحرف الصغير (في)يؤكد أن معمودية يوحنا كانت بالتغطيس في نهر الأردن.

وفي ذات الإنجيل نقرأ عن معمودية يسوع “وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يَسُوعُ مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ وَاعْتَمَدَ مِنْ يُوحَنَّا فِي الأُرْدُنِّ” (مر 1: 9).

وفي إنجيل متى نقرأ “فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ” (مت 3: 16). فيسوع له المجد إعتمد (في) الأردن أي غطس في مائة، ثم صعد من الماء، وهكذا يؤكد أن المسيح له المجد إعتمد بالتغطيس.

وإذا كان الرب له المجد قد إعتمد ليرينا موته ودفنه وقيامته. فهل توجد طريقة أخرى تصور الدفن الحقيقي غير طريقة التغطيس أي الدفن في الماء؟

ومع كل ما تقدم فإننا نجد كلمات أخرى في إنجيل يوحنا تؤكد المعمودية بالتغطيس وهذه هي “وَكَانَ يُوحَنَّا أَيْضًا يُعَمِّدُ فِي عَيْنِ نُونٍ بِقُرْبِ سَالِيمَ، لأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانُوا يَأْتُونَ وَيَعْتَمِدُونَ” (يو 3: 23).

وإذا كان إختيار (عين نون) سببه لأنه كان هناك مياة كثيرة فبكل يقين أن المعمودية لم تكن بالرش ولا بالسكب بل كانت بالتغطيس وإلا  … فلماذا المياة الكثيرة؟

سؤال أخير نختتم به الحديث عن معمودية يوحنا هو :

 هل عمد يوحنا الأطفال؟

والإجابة القاطعة: كلا

فلو أن يوحنا عمد الأطفال إذًا لقبلهم التلاميذ حين جاءوا إلى الرب يسوع، إذ لا يعقُل أن يعمدهم يوحنا وينتهرهم التلاميذ، ولكننا نجد التلاميذ ينتهرونهم، وهذا ما سجله إنجيل لوقا “فَقَدَّمُوا إِلَيْهِ الأَطْفَالَ أَيْضًا لِيَلْمِسَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمُ التَّلاَمِيذُ انْتَهَرُوهُمْ” (لو 18: 15).

ومع أن هؤلاء الأطفال لم يعتمدوا بمعمودية يوحنا إلا أن الرب قال عنهم لتلاميذه “دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ. فَاحْتَضَنَهُمْ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وَبَارَكَهُمْ” (مر14:10-16).

ومازال الرب يبارك ويحتضن الأطفال من كل الأمم والشعوب والقبائل والألسنة والأديان دون أن يطالبنا بأن نعمدهم بالماء في طفولتهم. فليطمئن كل أب على أولاده، ولتطمئن كل أم على أطفالها الذين ماتوا دون أن يعمدوا بالماء.

لكن لماذا لم يعمد يوحنا الأطفال؟

إن السبب الأول هو أن الأطفال لا يدركون معنى الإيمان، ولا معنى التوبة، ورسالة يوحنا المعمدان كانت “تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ” (مت 3: 2). “أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً” (مر 1: 3).

ونتيجة لهذه الكرازة “حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ، وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ” (مت5:3، 6). وكان يوحنا يوبخ جموع الآتين إلى معموديته بهذه العبارات الملتهبة “يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. ولاَ تَبْتَدِئُوا تَقُولُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْرَاهِيمَ. وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ” (لو7:3-9).

وليس يُعقل أن هذه الكلمات قد وُجهت إلى الأطفال. إذ كيف يفهم الطفل معنى التوبة؟ وأي خطية إرتكبها ليتوب عنها؟ وكيف يقدر الطفل أن يصنع أثمارًا تليق بالتوبة وهو لم يرتكب خطية فعلية يحاسب عليها؟ وهل يوجد غضب آت على الأطفال، أم ان المسيح إحتضنهم ووضع يديه عليهم وباركهم، وقال عنهم  “أَمَّا يَسُوعُ فَدَعَاهُمْ وَقَالَ: «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ” (لو 18: 16).

النتيجة الواضحة لكل ذي عينين أن يوحنا لم يعمد طفلاً واحدًا وبالتالي أن معمودية يوحنا لم تكن للأطفال.

بحق كتب البشير يوحنا عن يوحنا المعمدان قائلاً “كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ اسْمُهُ يُوحَنَّا. هذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ، لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ. لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ، بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ” (يو6:1-8).

وما أجمل ما قاله عنه رب المجد “كَانَ هُوَ السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ، وَأَنْتُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِنُورِهِ سَاعَةً” (يو 5: 35).

هذا الشخص الأمين هو الذي أرسله الله ليعمد بالماء، وإليه جاء المسيح من الناصرة إلى قرب أريحا ليعتمد في نهر الأردن بواسطته، خاتمًا بهذا على قانونية معموديته.

الفصل الثاني

الأمر بالمعمودية المسيحية

نقرأ في الإصحاح السادس عشر من إنجيل متى الحديث الذي جرى بين الرب يسوع المسيح وتلاميذه، ويسجله البشير في هذه الكلمات “وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ قِائِلًا: «مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟» فَقَالُوا: «قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ». قَالَ لَهُمْ: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!». فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا” (مت13:16-18).

فأي صخرة تلك التي بنى عليها المسيح له المجد كنيسته؟

يقينًا إن هذه الصخرة هي (شخصه المبارك المجيد) كما يقرر ذلك بولس الرسول قائلاً “فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمْ أَكَلُوا طَعَامًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ” (1كو1:10-4).

والآن: ما معنى كلمة (كنيسة) وهل بنى المسيح له المجد كنيسته كما وعد بطرس أثناء وجوده على الأرض بالجسد .. هذه الكنيسة التي قال عنها “أَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا”؟

إن كلمة كنيسة ليست عربية الأصل لكنها مُعربة عن الكلمة اليونانية (إكليزيا) ثم رخمت بالإستعمال فصارت كنيسة، وقد وردت في العهد الجديد (117) مرة، ومعناها الأصلي عند اليونان (مجمع منظم) وأعضاء هذا المجمع كانوا يدعون بصورة خاصة من بيوتهم، أو أعمالهم للإهتمام بالمسائل العامة، وقد كانت شروط الإنضمام لهذا المجمع معروفة واضحة، وأهمها أن لا يكون عضو هذا المجمع (عبدًا بل حرًا) والعهد الجديد يستعمل هذه الكلمة (إكليزيا) حسب معناها، وعلى هذا فإن كنيسة العهد الجديد تشير إلى مجمع معين على الأرض، مكون من المؤمنين المعتمدين بالماء، هؤلاء يدعون (الكنيسة المحلية)، فالكنيسة المحلية مؤلفة من أعضاء متجددين مُعمدين بالماء، متساوين مع بعضهم البعض، وكلهم قد تحرروا بالمسيح واتفقوا على رفع سلطة كلمة الله، وهم يطلبون ويعملون مشيئة الله فقط كما هي ظاهرة في كلمته المقدسة.

وهذه هي الكنيسة التي بناها المسيح أثناء وجوده على الأرض وهي قطعًا لم تكن إمتدادًا لكنيسة العهد القديم، لكنها بناء جديد قال عنه السيد “عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي”.

فلننظر كيف بنى الرب له المجد كنيسته!!

إن الرب له المجد قد إختار رسله من بين تلاميذه أثناء وجوده على الأرض إذ نقرأ في إنجيل لوقا الكلمات “وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ. وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ دَعَا تَلاَمِيذَهُ، وَاخْتَارَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِينَ سَمَّاهُمْ أَيْضًا «رُسُلًا” (لو 6: 12، 13).

إذن فقد كان للرب تلاميذ، وهؤلاء كانوا مُعمدين بالماء اقرأ (يو1:4، 2) ومن هؤلاء إختار إثنى عشر وسماهم رسلاً، وبهذا بدأ كنيسته ويقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى كورنثوس “فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلًا رُسُلًا” (1 كو 12: 28).

وهذا يعني أن الكنيسة بُنيت أثناء وجود المسيح على الأرض، وأنه بناها بنفسه ووضع فيها أولاً  أولئك الرسل.

ويؤكد هذا ما نقرأه في إنجيل متى الإصحاح الثامن عشر في حديث الرب لتلاميذه إذ قال لهم “وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضًا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ. وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى الأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَطْلُبَانِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ” (مت15:18-20).

وترينا هذه الكلمات أن الرب كان قد بنى كنيسته فعلاً وإلا لما قال لتلاميذه “إِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ” إذ لا يعقل أن يأخذ أحدهم قضيته لهيئة غير موجودة.

وإذن فالكنيسة المحلية تكونت من التلاميذ والرسل الأولين، تكونت قبل يوم الخمسين، وكان كل أعضائها كما قلنا مُعمدين بالماء بمعمودية يوحنا أو بمعمودية التلاميذ اقرأ (اع22:1)، (أع1:4، 2). وقد كانت معمودية يوحنا من السماء كما مرّ بنا اقرأ (مت25:21). وإلى هذه الكنيسة المحلية في أورشليم أنضم نحو ثلاثة آلاف نفس بعد تجديدهم وعمادهم بالماء يوم الخمسين كما يقول سفر أعمال الرسل “فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ” (أع 2: 41). ولا يمكن ان ينضم هؤلاء إلى هيئة غير موجودة، فالكنيسة إذن كانت موجودة قبل يوم الخمسين.

وقد أعطيت كنيسة المسيح فريضة العشاء الرباني أثناء وجود المسيح بالجسد على الأرض، وأعطيت الأمر بإجراء هذه الفريضة حين قال السيد “اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي” (لو 22: 19)، ومعروف أن هذه الفريضة خاصة بالكنيسة وحدها بغير جدال إذ أنها أعطيت لها وحدها (مت26:26-29)، (مر22:14-25)، (لو19:22-20).

والكنيسة الكتابية المحلية لها السلطة أن تقبل أعضاء كما يقول بولس للكنيسة في رومية “وَمَنْ هُوَ ضَعِيفٌ فِي الإِيمَانِ فَاقْبَلُوهُ، لاَ لِمُحَاكَمَةِ الأَفْكَارِ” (رو 14: 1).

ولها السلطة أن تعزل أعضاء كما يقول بولس الرسول لكنيسة كورنثوس المحلية “وَأَمَّا الآنَ فَكَتَبْتُ إِلَيْكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ أَخًا زَانِيًا أَوْ طَمَّاعًا أَوْ عَابِدَ وَثَنٍ أَوْ شَتَّامًا أَوْ سِكِّيرًا أَوْ خَاطِفًا، أَنْ لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا …  أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ تَدِينُونَ الَّذِينَ مِنْ دَاخِل … فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ” (1 كو 5: 11-13).

وكما يقول أيضًا للكنيسة المحلية في تسالونيكي “ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ” (2 تس 3: 6، 14).

لهذه الكنيسة المحلية التي بناها الرب يسوع المسيح أُعطيت السلطة للعماد، فالسلطة لم تعط للرسل كأفراد وإلا لإنتهت بموتهم، وإنما أُعطيت للكنيسة كلها، وهي مستمرة البقاء كما وعدها السيد المسيح  “وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا” (مت 16: 18).

ونحن نقرأ أمر الرب لكنيسته في بشارتي متى ومرقس. ففي بشارة متى نقرأ الكلمات “وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ. وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا. فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (مت16:28-20).

ويلاحظ الدارس المخلص لكلمة الله ان أمر الرب لكنيسته جاء بهذا الترتيب.

أولاً: اذْهَبُوا.

ثانيًا: وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ.

ثالثًا: وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.

رابعًا: وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ.

فالكنيسة عليها أن تذهب، وتتلمذ جميع الأمم، وتعمد من يتتلمذون بإسم الآب والابن والروح القدس، وتعلمهم أن يحفظوا جميع ما أوصاها به الرب.

فالمعمودية بالماء إذن لا يجب أن تجري لأحد ما لم يصبح تلميذًا للمسيح.

وكيف يصبح الإنسان تلميذًا للمسيح؟

إنه يصبح كذلك عن طريق الكرازة بالإنجيل، فحين يسمع الفرد الإنجيل ويقبله بالإيمان يصبح تلميذًا للمسيح كما نقرأ في سفر أعمال الرسل القول “فَبَشَّرَا فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَتَلْمَذَا كَثِيرِينَ” (أع 14: 21).

والشخص المنصف في حكمه يستطيع أن يتأكد أن الطفل ليس في مقدوره أن يستمع لبشارة الإنجيل وأن يستوعب معانيها؛ وأن يقبلها ويصبح تلميذًا للمسيح، ولذا فإنه من الخطأ، بل من العصيان لكلمة الله أن نعمد طفلاً، لأن الطفل لا يقدر أن يتتلمذ للمسيح، وأمر المسيح الصريح لكنيسته «تلمذوهم وعمدوهم» فبحسب الترتيب الذي وضعه الرب الحكيم يجب أن يتتلمذ المرء قبل أن يعتمد بالماء، وإلا كانت معموديته قبل التلمذة بمثابة شهادة مزورة لا يجب الإعتراف بها بحال من الأحوال.

ويتفق أمر الرب المذكور في بشارة متى تمامًا مع أمره المذكور في بشارة مرقس، “أَخِيرًا ظَهَرَ لِلأَحَدَ عَشَرَ وَهُمْ مُتَّكِئُونَ، وَوَبَّخَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ وَقَسَاوَةَ قُلُوبِهِمْ، لأَنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا الَّذِينَ نَظَرُوهُ قَدْ قَامَ. وَقَالَ لَهُمُ: «اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ” (مر 16: 14-16).

ويرى الدارس للوهلة الأولى أن أمر الرب في إنجيل مرقس جاء بهذا الترتيب:

أولاً: “اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ” – يقابله في إنجيل متى “اذْهَبُوا”.

ثانيًا: “َاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا” – يقابله في إنجيل متى “َعَمِّدُوهُمْ”

ثالثًا: “مَنْ آمَنَ” – يقابله في إنجيل متى “تَلْمِذُوا”

رابعًا: “وَاعْتَمَدَ” – يقابله في إنجيل متى “عَمِّدُوهُمْ”

والفرق الوحيد الذي يبدو أمام القاريء بين ما جاء في إنجيل مرقس وما جاء في إنجيل متى هو أن كلمة “تَلْمِذُوا” قابلت في إنجيل مرقس الكرازة والإيمان، وقد سبق أن رأينا أن الطريق إلى التلمذة هو الكرازة كما جاء في سفر الأعمال “فَبَشَّرَا فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَتَلْمَذَا كَثِيرِينَ” (أع21:14).

 فالكرازة هي الطريق للإيمان، والإيمان هو الطريق للتلمذة، او بعبارة أدق ان التلمذة والإيمان صنوان عزيزان. لأن المؤمن الحقيقي هو تلميذ للمسيح، ولأن التلميذ الحقيقي هو مؤمن بالمسيح.

فالندرس الآن معنى الإيمان، لأن (الإيمان) هو الشرط الذي وضعه الرب للمعمودية بالماء في أمره الكريم “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” (مر16:16).

وأول ما نراه أن الإيمان بالمسيح يجب أن يكون إيمانًا شخصيًا كما تقول الآية (من آمن) أي (كل واحد يؤمن)، فالأم والأب لا يستطيعان أن يؤمنا نيابة عن أولادهما لأن الإيمان بالمسيح هو إيمان شخصي محض كما يقول الرب “الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ” (يو 3: 36).

فهل يعرف الطفل الصغير معنى الإيمان؟ وهل في مقدوره أن يعرف الرب يسوع المسيح كإبن الله وأن يؤمن به إيمانًا قلبيًا؟ يقينًا إنه لا يستطيع أن يعرف معنى الإيمان … وإذا لم يكن في مقدور الطفل أن يؤمن إيمانًا قلبيًا بالمسيح، فكيف نُعمده بالماء ونكسر أمر الرب الصريح “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” وهو أمر يرينا بوضوح أن الإيمان والمعمودية أمران يختصان بالفرد ذاته وليسا من شأن والديه؟ لأن معنى أمر الرب باللغة البسيطة «أن كل واحد يؤمن ويعتمد يخلص».

إن الإيمان المخلص يستلزم ثلاثة عناصر:

العنصر الأول هو عنصر المعرفة:

فمن الضروري أن يسمع الإنسان عن المسيح لكي يؤمن به، وليس هناك إيمان بلا معرفة كما يقول بولس الرسول “أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ. فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ وَكَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟…  إِذًا الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ” (رو14:10، 15، 17).

فالمعرفة إذا ضرورية للإيمان، والطريق الوحيد للمعرفة الصحيحة عن المسيح هو الكتاب المقدس، ولكي تتعرف بالمسيح عليك أن ترجع إلى أقواله التي سطرها الروح القدس في الكتاب المقدس لأن “الإِيمَانُ بِالْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ بِكَلِمَةِ اللهِ” وكل تعليم خارج الكتاب المقدس هو تعليم باطل لا يمكن أن يقودك إلى الإيمان. وكل وعظ غير مؤسس على أقوال الكتاب المقدس قد يؤثر فيك كسامع لكنه لا يمكن أن يقودك للإيمان. فإن أردت أن تؤمن عليك أن تتعرف بالرب عن طريق الكتاب المقدس.

يقول يوحنا البشير في إنجيله “وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ” (يو 20: 31).

فالإيمان الحق يأتي للقلب عن طريق الكتاب المقدس، وقد كان هدف الروح من كتابة إنجيل يوحنا هو أن يؤمن الناس بالمسيح وبالإيمان به تكون لهم الحياة الأبدية.

فلا بد من المعرفة قبل الإيمان، ويقينًا إن الطفل الصغير في سني حياته الأولى لا يمكنه أن يعرف معنى الإيمان، وبالتالي فمن الخطأ أن نعمده بغير إيمان.

العنصر الثاني هو عنصر التصديق:

إن المعرفة وحدها لا تكفي، ويقول الواعظ الأمريكي (دوايت لايمان مودي): «إنني أعتقد أن النجارين الذين قاموا ببناء فُلك نوح كانوا يعرفون عنه أكثر مما يعرف نوح نفسه، لكن معرفتهم هذه لم تفدهم شيئًا. وعندما جاء الطوفان غرقوا مع الباقين لأنهم لم يكونوا داخل الفلك».

إذا فمعلوماتنا عن المسيح … عن ميلاده من عذراء، وحياته في فلسطين، وموته على الصليب، لا تفيدنا شيئًا، ما لم نصدق تلك المعلومات تصديقًا قلبيًا تجعلنا نخصصها لأنفسنا، وذلك لأن الإيمان الحق الذي يخلص الإنسان يعني «تصديق أقوال الله بلا تردد» كما يقول يوحنا الرسول “إِنْ كُنَّا نَقْبَلُ شَهَادَةَ النَّاسِ، فَشَهَادَةُ اللهِ أَعْظَمُ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ شَهَادَةُ اللهِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا عَنِ ابْنِهِ. مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. مَنْ لاَ يُصَدِّقُ اللهَ، فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا اللهُ عَنِ ابْنِهِ. وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ. مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ” (1يو9:5-12).

وقد عرّف كاتب الرسالة إلى العبرانيين الإيمان بالقول “وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى” (عب 11: 1). فالإيمان معناه الثقة واليقين بما قاله الله في كلمته المقدسة.

إن أخطر ما يتعرض له المرء هو أن يؤسس إيمانه على الناس، أو على أقوالهم، ونظرياتهم، وتقاليدهم، وتعاليمهم، فهذه الأسس كلها أسس باطلة خداعة.

وفي الكتاب المقدس نجد حادثًا يؤكد لنا هذا الحق، فقد خشى الملك يربعام بن نباط أن يصعد شعبه إلى أورشليم للعبادة لئلا يرجع قلب الشعب إلى الملك (رحبعام) ملك يهوذا، فعمل عجليّ ذهب وقال لهم “كَثِيرٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَصْعَدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّذِينَ أَصْعَدُوكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ” (1 مل 12: 28). “وَإِذَا بِرَجُلِ اللهِ قَدْ أَتَى مِنْ يَهُوذَا بِكَلاَمِ الرَّبِّ إِلَى بَيْتِ إِيلَ، وَيَرُبْعَامُ وَاقِفٌ لَدَى الْمَذْبَحِ لِكَيْ يُوقِدَ. فَنَادَى نَحْوَ الْمَذْبَحِ بِكَلاَمِ الرَّبِّ وَقَالَ: «يَا مَذْبَحُ، يَا مَذْبَحُ، هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هُوَذَا سَيُولَدُ لِبَيْتِ دَاوُدَ ابْنٌ اسْمُهُ يُوشِيَّا، وَيَذْبَحُ عَلَيْكَ كَهَنَةَ الْمُرْتَفَعَاتِ الَّذِينَ يُوقِدُونَ عَلَيْكَ، وَتُحْرَقُ عَلَيْكَ عِظَامُ النَّاسِ». وَأَعْطَى فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَلاَمَةً قَائِلًا: «هذِهِ هِيَ الْعَلاَمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا الرَّبُّ: هُوَذَا الْمَذْبَحُ يَنْشَقُّ وَيُذْرَى الرَّمَادُ الَّذِي عَلَيْهِ». فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ كَلاَمَ رَجُلِ اللهِ الَّذِي نَادَى نَحْوَ الْمَذْبَحِ فِي بَيْتِ إِيلَ، مَدَّ يَرُبْعَامُ يَدَهُ عَنِ الْمَذْبَحِ قَائِلًا: «أَمْسِكُوهُ». فَيَبِسَتْ يَدُهُ الَّتِي مَدَّهَا نَحْوَهُ وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَيْهِ. وَانْشَقَّ الْمَذْبَحُ وَذُرِيَ الرَّمَادُ مِن عَلىَ الْمَذبَحِ حَسَبَ الْعَلاَمَةِ الَّتِي أَعْطَاهَا رَجُلُ اللهِ بِكَلاَمِ الرَّبِّ. فَأَجَابَ الْمَلِكُ وَقَالَ لِرَجُلِ اللهِ: «تَضَرَّعْ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ إِلهِكَ وَصَلِّ مِنْ أَجْلِي فَتَرْجعَ يَدِي إِلَيَّ». فَتَضَرَّعَ رَجُلُ اللهِ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ فَرَجَعَتْ يَدُ الْمَلِكِ إِلَيْهِ وَكَانَتْ كَمَا فِي الأَوَّلِ. ثُمَّ قَالَ الْمَلِكُ لِرَجُلِ اللهِ: «ادْخُلْ مَعِي إِلَى الْبَيْتِ وَتَقَوَّتْ فَأُعْطِيَكَ أُجْرَةً” (امل1:13-7).

 لكن رجل الله رفض أن يقبل ضيافة الملك .. وهذا هو السبب!! “فَقَالَ رَجُلُ اللهِ لِلْمَلِكِ: «لَوْ أَعْطَيْتَنِي نِصْفَ بَيْتِكَ لاَ أَدْخُلُ مَعَكَ وَلاَ آكُلُ خُبْزًا وَلاَ أَشْرَبُ مَاءً فِي هذَا الْمَوْضِعِ. لأَنِّي هكَذَا أُوصِيتُ بِكَلاَمِ الرَّبِّ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ خُبْزًا وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً وَلاَ تَرْجعْ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبْتَ فِيهِ” (1مل8:13، 9).

لقد أطاع رجل الله كلمة الرب بتدقيق ورفض دعوة الملك له ونقرأ عنه  “فَذَهَبَ فِي طَرِيق آخَرَ، وَلَمْ يَرْجعْ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ إِلَى بَيْتِ إِيلَ” (1مل10:13).

ثم حدثت مأساة في حياة رجل الله هذا، سطرها الوحي في هذه الكلمات “وَكَانَ نَبِيٌّ شَيْخٌ سَاكِنًا فِي بَيْتِ إِيلَ، فَأَتَى بَنُوهُ وَقَصُّوا عَلَيْهِ كُلَّ الْعَمَلِ الَّذِي عَمِلَهُ رَجُلُ اللهِ ذلِكَ الْيَوْمَ فِي بَيْتِ إِيلَ، وَقَصُّوا عَلَى أَبِيهِمِ الْكَلاَمَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ إِلَى الْمَلِكِ. فَقَالَ لَهُمْ أَبُوهُمْ: «مِنْ أَيِّ طَرِيق ذَهَبَ؟» وَكَانَ بَنُوهُ قَدْ رَأَوْا الطَّرِيقَ الَّذِي سَارَ فِيهِ رَجُلُ اللهِ الذَّي جَاءَ مِنْ يَهُوذَا. فَقَالَ لِبَنِيهِ: «شُدُّوا لِي عَلَى الْحِمَارِ». فَشَدُّوا لَهُ عَلَى الْحِمَارِ فَرَكِبَ عَلَيْهِ وَسَارَ وَرَاءَ رَجُلِ اللهِ، فَوَجَدَهُ جَالِسًا تَحْتَ الْبَلُّوطَةِ، فَقَالَ لَهُ: «أَأَنْتَ رَجُلُ اللهِ الَّذِي جَاءَ مِنْ يَهُوذَا؟» فَقَالَ: «أَنَا هُوَ». فَقَالَ لَهُ: «سِرْ مَعِي إِلَى الْبَيْتِ وَكُلْ خُبْزًا». فَقَالَ: «لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَرْجعَ مَعَكَ وَلاَ أَدْخُلُ مَعَكَ وَلاَ آكُلُ خُبْزًا وَلاَ أَشْرَبُ مَعَكَ مَاءً فِي هذَا الْمَوْضِعِ، لأَنَّهُ قِيلَ لِي بِكَلاَمِ الرَّبِّ: لاَ تَأْكُلْ خُبْزًا وَلاَ تَشْرَبْ هُنَاكَ مَاءً. وَلاَ تَرْجعْ سَائِرًا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبْتَ فِيهِ” (1مل11:13-17).

إلى هنا وقف رجل الله الذي من يهوذا موقفًا دقيقًا بالنسبة لكلام الرب، وكان ينبغي أن يستمر كذلك، وأن يصدق كلام الرب الذي سمعه أكثر من تصديقه لأي كلام من أي شخص ولو كان ذلك الشخص نبيًا شيخًا!!

لكن النبي الشيخ الساكن في بيت إيل خدع رجل الله الذي من يهوذا وهنا نقرأ الكلمات “فَقَالَ لَهُ: «أَنَا أَيْضًا نَبِيٌّ مِثْلُكَ، وَقَدْ كَلَّمَنِي مَلاَكٌ بِكَلاَمِ الرَّبِّ قَائِلًا: ارْجعْ بِهِ مَعَكَ إِلَى بَيْتِكَ فَيَأْكُلَ خُبْزًا وَيَشْرَبَ مَاءً». كَذَبَ عَلَيْهِ. فَرَجَعَ مَعَهُ وَأَكَلَ خُبْزًا فِي بَيْتِهِ وَشَرِبَ مَاءً” (1مل18:13، 19).

لقد صدّق رجل الله إدعاء النبي الشيخ، صدّق كلمة الملاك أكثر من تصديقه لكلمة الرب، صدق كلمة النبي الشيخ أكثر من الله، ولذا فقد إنحرف عن الطريق الذي قاله له الرب وأكل خبزًا في بيت النبي الشيخ.

فماذا كانت النتيجة؟!

أصغ بكل سمعك إلى كلمة الرب “وَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عَلَى الْمَائِدَةِ كَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى النَّبِيِّ الَّذِي أَرْجَعَهُ، فَصَاحَ إِلَى رَجُلِ اللهِ الَّذِي جَاءَ مِنْ يَهُوذَا قَائِلًا: «هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ خَالَفْتَ قَوْلَ الرَّبِّ وَلَمْ تَحْفَظِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أَوْصَاكَ بِهَا الرَّبُّ إِلهُكَ، فَرَجَعْتَ وَأَكَلْتَ خُبْزًا وَشَرِبْتَ مَاءً فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَكَ: لاَ تَأْكُلْ فِيهِ خُبْزًا وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً، لاَ تَدْخُلُ جُثَّتُكَ قَبْرَ آبَائِكَ». ثُمَّ بَعْدَمَا أَكَلَ خُبْزًا وَبَعْدَ أَنْ شَرِبَ شَدَّ لَهُ عَلَى الْحِمَار،ِ أَيْ لِلنَّبِيِّ الَّذِي أَرْجَعَهُ، وَانْطَلَقَ. فَصَادَفَهُ أَسَدٌ فِي الطَّرِيقِ وَقَتَلَهُ. وَكَانَتْ جُثَّتُهُ مَطْرُوحَةً فِي الطَّرِيقِ وَالْحِمَارُ وَاقِفٌ بِجَانِبِهَا وَالأَسَدُ وَاقِفٌ بِجَانِبِ الْجُثَّةِ” (1مل20:12-24).

فينبغي علينا إذًا أن لا نؤمن في هذا الإنسان أو ذاك، ولا فيما يعظنا به هذا الواعظ أو ذلك النبي إذا كانت الأقوال التي نسمعها لا تتفق تمامًا مع الكتاب المقدس، لأن كل تعاليم البشر تتزعزع وتتداعى “وَأَمَّا كَلِمَةُ الرَّبِّ فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ” (1 بط 1: 25).

ولنثق أن الإيمان المؤسس على كلمة الله هو الإيمان الذي يغير الحياة، ويقينًا أن الطفل ليست عنده القدرة العقلية لمعرفة كلمة الله وتصديقها، وعلى هذا فليس لنا أي حق في أن نعمده لأننا بهذا نعارض أمر الرب القائل “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” (مر 16: 16).

العنصر الثالث هو عنصر التخصيص:

والتخصيص هو أهم عنصر في الإيمان الحق، قدم (مودي) هذا التشبيه الجميل قال: «قد يخبرني أحدهم أن عشرة آلاف جنيه قد أُودعت بإسمي في أحد المصارف، وقد أصدق أنا هذا الخبر، لكن ما لم أذهب إلى المصرف وأستلم المبلغ وأبدأ في إنفاقه فإنني لا أنتفع شيئًا» فالإيمان الحي هو الذي يعرف – ويصدق – ويمتلك بركات الله في المسيح.

حين ذهبت المرأة السامرية إلى مدينتها قائلة “هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟” (يو 4: 29). خرجوا من المدينة وأتوا إليه .. لقد عرفوا عنه من المرأة، وصدقوا ما قالته لهم، ولكنهم بعدئذ خصصوا الرب لأنفسهم إذ نقرأ الكلمات “فَآمَنَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ كَثِيرُونَ مِنَ السَّامِرِيِّينَ بِسَبَبِ كَلاَمِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَشْهَدُ أَنَّهُ: «قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ». فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ السَّامِرِيُّونَ سَأَلُوهُ أَنْ يَمْكُثَ عِنْدَهُمْ، فَمَكَثَ هُنَاكَ يَوْمَيْنِ. فَآمَنَ بِهِ أَكْثَرُ جِدًّا بِسَبَبِ كَلاَمِهِ. وَقَالُوا لِلْمَرْأَةِ: «إِنَّنَا لَسْنَا بَعْدُ بِسَبَبِ كَلاَمِكِ نُؤْمِنُ، لأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا وَنَعْلَمُ أَنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ (يو39:4-42).

إن تخصيص المسيح يعني قبوله في القلب والثقة به تمامًا كالمخلص الشخصي كما يقول إنجيل يوحنا “وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ” (يو 1: 12).

حدثنا الواعظ الأمريكي الأشهر (دوايت لايمان مودي) بهذه الحادثة قال «كنت أعظ مرة في إجتماع ما فلاحظت بين الحضور سيدة كانت تركز نظرها فيَّ طوال العظة وهي تصغي بإنتباه لكل كلمة أنطق بها وكأنها تخشى أن تفلت منها كلمة واحدة، وبعد الإجتماع ذهبت إليها وسألتها إذا كانت قد إختبرت الإيمان أم لا؟ ولشدة دهشتي أجابتني قائلة «كلا» ولكني أود من كل قلبي أن أصبح مؤمنة، إنني أبحث عن الإيمان منذ ثلاث سنوات حتى الآن لكني لم أحصل عليه بعد، ماذا يجب عليَّ أن أفعل؟ فقلت لها: «لا بد أن هناك خطأ ما، فيسوع يبحث عنك منذ سنوات كثيرة، وما دمت أنت أيضًا تبحثين عنه كان يجب أن تلتقيا منذ زمن بعيد».

فسألتني: «ماذا يجب عليَّ أن أفعل؟» فأجبتها: «لا تفعلي شيئًا، فقط آمني بالرب يسوع المسيح فتخلصي».

وهنا قالت لي: «لقد سمعت عن هذا الأمر حتى تصدعت رأسي، الكل يقولون لي آمني … آمني … آمني … لكني حتى الآن لم اختبر هذا الإيمان الذي حدثني عنه الجميع».

قالت: وإذا قُلت إنني أثق به، هل يخلصني؟

قلت: كلا! قد تقولين ذلك آلاف المرات ومع ذلك لا تستفيدين شيئًا … لكنني أسألك. هل تثقين في الرب يسوع المسيح؟

قالت: نعم أنا أثق فيه من كل قلبي. ومع ذلك فأنا لا أشعر بأي تغيير.

قلت: أنت إذًا تبحثين عن الشعور، لكن اعلمي أنه لا يوجد وعد واحد في كل كلمة الله يخص الشعور، ولا يوجد أي إرتباط على الإطلاق بين الشعور والخلاص، والآن هل تتركين شعورك جانبًا وتضعين ثقتك بالكامل في الرب.

أطرقت في صمت تفكر عدة دقائق ثم نظرت إليَّ وعيناها تلمعان ببريق التصميم وقالت: إنني أثق من كل قلبي أن الرب يسوع المسيح سوف يخلصني هذه الليلة.

لم تصلّ، ولم تبكِ، ولم تنفعل، لكنها قررت فقط أن تثق وكان في ذلك كل الكفاية لنوال الخلاص في نفس اللحظة.

وفي الليلة التالية بعد إنتهاء الإجتماع وجدتها تطوق عنق إحدى الحاضرات بيديها في محبة وحنان وهي تقول: فقط ثقي في يسوع. وكانت هذه هي رسالتها الإختبارية التي إستخدمها الرب في خلاص نفوس كثيرة من تلك الليلة فصاعدًا.

إن الإيمان الصحيح يعني تخصيص المسيح للنفس والثقة فيه وحده لا سواه. إذ أن أخطر أعداء الإنسان هو الثقة في النفس والإتكال على البر الذاتي، أو الثقة في الناس والإعتماد على أرائهم وتعاليمهم، لأن هذا معناه أن الشخص يستبدل (بر الله) ببره الذاتي، أو ثقته في (كلمة الله) بالثقة في تعاليم الناس.

ولم نسمع قط أن إنسانًا ما إستطاع أن يهب نفسه الخلاص، أو أن شخصًا ما إستطاع أن يهب غيره الخلاص. فلو أن أحد الذين لدغتهم الحيات المحرقة في البرية نظر إلى موسى، أو إلى أي شخص آخر لسرى السم في جسده ومات، لكن كان على كل من لدغته الحيات أن يثق في كلمة الله، وأن ينظر إلى الحية النحاسية المرفوعة على الراية كما قال الله وعندئذ ينال وعد الله ويُشفى في الحال.

لقد قال الله بصريح العبارة “اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ” (إش 45: 22).

وقال الرب يسوع المسيح “وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو14:3، 15).

فعليك أن تؤمن شخصيًا بالمسيح، وتطلب شخصيًا أن تعتمد بالماء. فالإيمان الذي يخلصك مؤسس على معرفتك لكلمة الله، وتصديقك لها، وتخصيصك المسيح لنفسك. وهذه كلها أشياء لا يقدر الطفل أن يدركها أو يعملها.

في سفر أعمال الرسل الإصحاح السادس عشر نرى أنه بعد أن إستيقظ حافظ السجن، وأحس بحاجته للخلاص. إندفع إلى داخل السجن، ثم أخرج بولس وسيلا وقال “يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟ فَقَالاَ: «آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ” (أع 16: 30، 31).

وفي جواب بولس وسيلا نجد حقيقة معنى الإيمان بالمسيح ففي تحليل هذا الجواب الخطير نرى أن:

          1. 1) الإيمان بالمسيح معناه أن يؤمن الفرد بالمسيح (ربًا):

لقد أجاب بولس وسيلا حافظ السجن بالقول “آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ”. وهذا يعني أن الإيمان الذي يخلص الإنسان هو أن يؤمن الفرد شخصيًا بالمسيح ربًا، ويتوّجه على حياته ملكًا وسيدًا، وهو عمل لا يتم إلا بالروح القدس الذي يستخدم كلمة الله في إعلان حقيقة شخص المسيح كما يقول بولس “لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ” (1 كو 12: 3). لقد كان اللص على الصليب يقترب من نهايته المرعبة بسرعة مخيفة، ولكنه ما كاد يسمع صلاة الغفران التي نطق بها المسيح فوق الصليب حتى أحس بتبكيت شديد على خطاياه وصرخ قائلاً “اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ” (لو 23: 42).

لقد آمن بالمسيح ربًا، وهنا سمع صوت الرب يسوع يقول له “الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” (لو 23: 43).

2) الإيمان بالمسيح معناه أن يختبر الفرد المسيح (مخلصًا):

تقول الآية “آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ” وإسم يسوع معناه (المخلص) كما قال ملاك الرب ليوسف في الحلم “يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ” (مت20:1، 21).

فالمؤمن الحقيقي هو الشخص الذي يثق بقلبه في المسيح كمخلص من عقاب الخطية وسلطانها، وهو الذي يختبر فعلاً قوة المسيح في تحريره من عبودية إبليس ومن قيود خطاياه.

يُحدثنا كاتب الرسالة إلى العبرانيين في الإصحاح الحادي عشر عن إيمان هابيل وأخنوخ وإبراهيم وموسى وغيرهم من أبطال الإيمان، لكنه في الإصحاح الثاني عشر يحول أنظارنا بسرعة عن أولئك الرجال ويطلب منا أن ننظر إلى شخص واحد فقط هو شخص الرب يسوع وأن نثبت أعيننا في قائلاً “نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ” (عب 12: 2). ويقينًا إن الروح القدس قصد من وراء هذه الكلمات أن يعلمنا أن لا نبني إيماننا على الناس مهما كانت عظمة إيمانهم، ودرجة صلاحهم وقداستهم، فأفضلهم لا يستطيع أن يخلصنا، وعندما نأتي إلى موضوع الخلاص علينا أن نؤمن في الرب يسوع وحده ولا سواه فهو الذي قيل عنه “اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ” (مت 1: 21).

3) الإيمان بالمسيح معناه أن يؤمن الفرد بالرب يسوع (مسيحًا):

كان جواب بولس وسيلا لحافظ السجن “آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ” أي الممسوح من الله للخلاص، كما قال عن نفسه “رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ” (لو 4: 18). وهذا الإيمان الصحيح يجعل الفرد يولد الميلاد الثاني الذي قال عنه المسيح لنيقوديموس “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ” (يو 3: 5).

فالإيمان الشخصي الصحيح بالرب يسوع المسيح، كمن مات على الصليب، ودُفن، وقام، يلد الإنسان من جديد فيستطيع أن يرى ملكوت الله، وأن يدخل هذا الملكوت.

وهنا يحق لنا أن نسأل بإخلاص: هل يستطيع الطفل وهو تحت سن الإدراك والمسئولية أن يؤمن بالمسيح بكل هذه المعاني؟ هل يدرك الطفل معنى الإيقان بالأمور التي لا تُرى؟ وهل يعرف الطفل ويفهم حقائق الكتاب المقدس الضرورية لنوال الخلاص؟

وإذا كانت الإجابة الصحيحة عن هذه الأسئلة: كلا.

إذًا فليس من إختصاصنا –  بحسب الكتاب المقدس – أن نُعمد الأطفال، وليس من مسئولية الوالدين أن يُعمدوا أطفالهم لأن أمر المسيح الواضح: “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” “تلمذوهم وعمدوهم” والطفل لا يعرف معنى الإيمان، وعلى هذا فهو ليس تلميذًا للمسيح، فمعموديته عصيان صريح – من جانب من يعمدوه – لأمر الرب يسوع المسيح. وموافقة المؤمن البالغ على المعمودية التي أُجريت له في طفولته دون إرادته تعني الموافقة من جانبه على التمسك بالخطأ وعصيان أمر الرب الكريم.

الفصل الثالث

الأسس الخاطئة لمعمودية الأطفال

رأينا في أمر الرب بالمعمودية ترتيبًا منطقيًا واضحًا للحوادث اذهبوا – اكرزوا – تلمذوا – عمدوا ولسنا نجد ما هو أوضح من هذا الترتيب البديع.

فعلى الكنيسة أن تذهب إلى العالم وتكرز بالإنجيل للناس أجمعين، وعلى من يسمع الإنجيل أن يؤمن به ويقبله ويصبح تلميذًا للمسيح، ثم يخضع في طاعة لفريضة المعمودية.

وفي جميع المواضع في العهد الجديد، نجد أن عقب الميلاد الجديد، كان الفرد يسرع إلى ربط نفسه مع المسيح بالمعمودية.

وليس في كل الكتاب المقدس آية واحدة تُعلم بمعمودية الأطفال، ولذا فإن معمودية الأطفال تجري على أسس خاطئة لا بد لنا أن نفحصها في هذا الفصل.

وأول أساس خاطيء لمعمودية الأطفال هو الإعتقاد بأن المعمودية هي طريق نوال الميلاد الثاني الذي به يدخل المرء إلى ملكوت الله، وأن في حرمان الأطفال منها حرمان من الدخول إلى هذا الملكوت:

ويبني أصحاب هذا التعليم إعتقادهم على تفسير خاطيء للآية التي قالها الرب يسوع لنيقوديموس الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ (يو 3: 5). فيقولون إن الماء والروح في هذه الآية هي إشارة لمعمودية الماء، وأن المعمودية هي الوسيلة الوحيدة لنوال الميلاد الثاني وبدونها يُحرم الطفل من ملكوت الله.

ويقينًا ما أشد خطر تعليم كهذا. يسند خلاص النفس الثمينة إلى طقس خارجي. بل والأدهى، إلى طقس يُتمم دون أن تكون هناك إرادة للشخص الذي يُتمم فيه لقبوله أو رفضه لأنه يُجرى له وهو في سن الطفولة العاجزة عن التعبير عن إرادتها، ثم يقال إن ذلك الطفل قد أصبح بواسطة هذا الطقس الخارجي عضوًا في الكنيسة المنظورة، وإبنًا لله، ووارثًا الملكوت.

وهكذا تضيع قيمة التبشير بإنجيل الخلاص، بل وتضيع قيمة الكرازة بضرورة التوبة، والإيمان والولادة الجديدة لأُناس قد صاروا آليًا بالمعمودية (مؤمنين)، (مولودين الميلاد الثاني)، (أبناء الله) وينام الضمير على هذا الأساس الفاسد ويذهب الناس بالملايين إلى الحجيم، وهم يظنون أنهم في طريقهم إلى السماء وتتم فيهم كلمات صاحب الأمثال تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً، وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ (أم 14: 12).

ولا شك أن من واجب كل مؤمن بالحق، أن يدرس هذا الإدعاء على ضوء كلمة الله كما قال إشعياء النبي إِلَى الشَّرِيعَةِ وَإِلَى الشَّهَادَةِ. إِنْ لَمْ يَقُولُوا مِثْلَ هذَا الْقَوْلِ فَلَيْسَ لَهُمْ فَجْرٌ!” (إش 8: 20). (أي ليس لهم نور).

فهل يُعلم الكتاب المقدس بأن المعمودية هي واسطة الميلاد الثاني؟

إن تعليمًا كهذا ينهار بمقارنة بسيطة بين ما جاء في الإصحاحين الأول والرابع من رسالة كورنثوس الأولى، لأننا سنتيقن بعد هذه المقارنة أن الميلاد الثاني لا يمكن نواله بالمعمودية.

ففي (1كو15:4) يقول بولس للكورنثيين أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ فهنا يقول بولس الرسول لأعضاء كنيسة كورنثوس أنه ولدهم ثانية في المسيح يسوع بالإنجيل، ولو كانت المعمودية هي واسطة الميلاد الثاني لكان هذا يفيد حتمًا أنه عمدهم بالماء، لكنه على العكس يقول لهم أَشْكُرُ اللهَ أَنِّي لَمْ أُعَمِّدْ أَحَدًا مِنْكُمْ إِلاَّ كِرِيسْبُسَ وَغَايُسَ لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُرْسِلْنِي لأُعَمِّدَ بَلْ لأُبَشِّرَ، لاَ بِحِكْمَةِ كَلاَمٍ لِئَلاَّ يَتَعَطَّلَ صَلِيبُ الْمَسِيحِ” (1كو14:1-17).

فالرسول بولس يؤكد بعبارة صريحة أنه لم يعمدهم، وفي ذات الوقت يؤكد أنه ولدهم في المسيح بالإنجيل، وهكذا نرى جليًا أن الميلاد الثاني ليست وسيلته المعمودية ولكنه إختبار يحصل عليه المرء بقبوله الإنجيل كما قرر بولس قائلاً لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ (1كو 15:4).

وقد يسأل سائل: إذًا ما معنى كلمة الولادة من الماء والروح، هذه الولادة التي قصدها المسيح في كلامه مع نيقوديموس؟

وللإجابة نقول:

أولاً: إن المسيح لم يتحدث إلى نيقوديموس عن (العماد) بل عن (الميلاد) فقال بصريح اللفظ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ ومعلوم أن الإنسان (يولد) ميلادًا روحيًا في لحظة معينة (ويعمد بالماء) في لحظة أخرى ففرق بين الميلاد الثاني، ومعمودية الماء.

ثانيًا: إن المسيح كان يتحدث مع مُعلم يهودي هو نيقوديموس، وأن ذلك المعلم كان يجب أن يعرف أن الماء جاء في العهد القديم كتشبيه لكلمة الله، وهذا واضح كل الوضوح في سفر إشعياء إذ جاء (الماء) بمعنى (كلمة الله) وكواسطة (للولادة) أيضًا، فقال إشعياء لأَنَّهُ كَمَا يَنْزِلُ الْمَطَرُ وَالثَّلْجُ مِنَ السَّمَاءِ وَلاَ يَرْجِعَانِ إِلَى هُنَاكَ، بَلْ يُرْوِيَانِ الأَرْضَ وَيَجْعَلاَنِهَا تَلِدُ وَتُنْبِتُ وَتُعْطِي زَرْعًا لِلزَّارِعِ وَخُبْزًا لِلآكِلِ، هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي (إش 55: 10، 11).

فكلمة الله تظهر في هذه الآية كواسطة للولادة بكل جلاء، وقد أكد الرسل في العهد الجديد في عبارات لا تقبل التأويل أن الولادة الثانية هي نتيجة عمل كلمة الله في القلب بروح الله. فلنستمع إليهم وهم يؤكدون هذه الحقيقة:

قال بطرس الرسول مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ (1 بط 1: 23).

وقال يعقوب الرسول شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لِكَيْ نَكُونَ بَاكُورَةً مِنْ خَلاَئِقِهِ (يع 1: 18).

وقال بولس الرسول أيضًا عن تقديس الكنيسة أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ (أف26:5). فالماء جاء إشارة للكلمة في هذه الآية، ويفسر هذا قول الرب يسوع قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَقٌ (يو 17: 17). وقوله لتلاميذه أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ (يو 15: 3). فكما أن الماء هو واسطة نقاء الجسد كذلك كلمة الله هو واسطة تنقية الإنسان وولادته الولادة الثانية.

من هذا كله نخرج بنتيجة أكيدة هي: أن الولادة الثانية لا تتم بالمعمودية، بل بعمل كلمة الله إذ يستخدمها روح الله، والروح القدس لا يستخدم في تعامله مع الناس إلا كلمة الله كما يقرر بولس الرسول ذلك قائلاً سَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ (أف 6: 17). وهذا ما قصده المسيح حين قال لنيقوديموس إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ (أي من كلمة الله) وَالرُّوحِ (أي من الروح القدس) لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ (يو 3: 5).

ويقينًا أنه لو كانت المعمودية هي الميلاد الثاني لكان من المحتم أن كل من يعتمد بالماء مهما كانت حالته يولد ميلادًا ثانيًا، لكننا نقرأ في سفر أعمال الرسل حادثة ترينا أن المعمودية ليست هي الولادة الثانية، ففي الإصحاح الثامن نقرأ الكلمات وَسِيمُونُ أَيْضًا نَفْسُهُ آمَنَ. وَلَمَّا اعْتَمَدَ كَانَ يُلاَزِمُ فِيلُبُّسَ، وَإِذْ رَأَى آيَاتٍ وَقُوَّاتٍ عَظِيمَةً تُجْرَى انْدَهَشَوَلَمَّا رَأَى سِيمُونُ أَنَّهُ بِوَضْعِ أَيْدِي الرُّسُلِ يُعْطَى الرُّوحُ الْقُدُسُ قَدَّمَ لَهُمَا دَرَاهِمَ. قَائِلًا: «أَعْطِيَانِي أَنَا أَيْضًا هذَا السُّلْطَانَ، حَتَّى أَيُّ مَنْ وَضَعْتُ عَلَيْهِ يَدَيَّ يَقْبَلُ الرُّوحَ الْقُدُسَ». فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «لِتَكُنْ فِضَّتُكَ مَعَكَ لِلْهَلاَكِ، لأَنَّكَ ظَنَنْتَ أَنْ تَقْتَنِيَ مَوْهِبَةَ اللهِ بِدَرَاهِمَ! لَيْسَ لَكَ نَصِيبٌ وَلاَ قُرْعَةٌ فِي هذَا الأَمْرِ، لأَنَّ قَلْبَكَ لَيْسَ مُسْتَقِيمًا أَمَامَ اللهِ. فَتُبْ مِنْ شَرِّكَ هذَا، وَاطْلُبْ إِلَى اللهِ عَسَى أَنْ يُغْفَرَ لَكَ فِكْرُ قَلْبِكَ، لأَنِّي أَرَاكَ فِي مَرَارَةِ الْمُرِّ وَرِبَاطِ الظُّلْمِ(أع13:8، 18-23). ففي هذا الجزء نرى أن سيمون (اعتمد) ولكنه كان في ذات الوقت فِي “مَرَارَةِ الْمُرِّ وَرِبَاطِ الظُّلْمِ” فالمعمودية لم تجدده أو تلده الميلاد الثاني.

لقد شرح لنا العهد الجديد معنى الميلاد الثاني بكل وضوح فأرانا : أن الميلاد الثاني هو الخليقة الجديدة فقال بولس إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا (2 كو 5: 17).

وأن الميلاد الثاني هو دافع المحبة للإخوة فقال يوحنا كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا (1 يو 5: 1).

وأن الميلاد الثاني هو سر النصرة على الخطية كما قرر يوحنا الرسول قائلاً كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ (1 يو 3: 9).

وأن الميلاد الثاني هو سر النصرة على العالم كما قال يوحنا لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا. مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟ (1يو4:5، 5).

فهل معمودية الماء تهب الطفل كل هذه الصفات، وتُحدث في حياته هذه التغييرات؟ إن منطق الواقع وهو أبلغ من منطق المترافع يرينا أن ملايين من الذين إعتمدوا في طفولتهم عاشوا طوال حياتهم في الخطية، ولم يختبروا قط معنى الميلاد الثاني، ولم يدركوا ما هي المسيحية الحقيقية التي تهبهم يقين الحياة الأبدية. بل أن ملايين المُعمدين في طفولتهم من المسيحيين بالأسم في كل أنحاء العالم يسكرون، ويرقصون، ويقامرون، ويكذبون، ويحلفون، ويلحدون، ويعيشون في النجاسة والرذيلة، وبدلاً من أن يحيوا الحياة المنتصرة جرفهم تيار العالم، وبدلاً من أن يحبوا الإخوة امتلأت قلوبهم بالكراهية، ولو كانت معمودية الماء هي وسيلة الميلاد الثاني لما رأينا هذه اللُطخ السوداء في حياة أولئك المُعمدين لأنها لُطخ لا تتفق مع أوصاف الكتاب للمولدين من الله.

وفوق هذا كله فإن الكتاب المقدس أرانا بكيفية لا تقبل النقاش طريق الحصول على الميلاد الثاني فقال يوحنا الرسول في غرة إنجيله هذه الكلمات إلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، (أي الرب يسوع) وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ (يو11:1-13).

وفي هذه الكلمات نفى الرسول الحبيب:

حصول المرء على الميلاد الثاني عن طريق الوراثة أو الولادة الطبيعية بقوله (ليس من دم) فالطفل لا يولد ثانية بالوراثة إطلاقًا.

كذلك نفى إمكانية الحصول على هذا الإختبار عن طريق القدرة البشرية بقوله “وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ”.

وكذلك نفى إمكانية الحصول على هذا الإختبار بالتناسل الطبيعي بقوله “وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل”.

وأكد أن الميلاد الثاني هو (من الله) وأن الفرد يحصل عليه بقبوله الشخصي للرب يسوع المسيح كمخلص له بالإيمان البسيط بقوله “وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ” (يو 1: 12). وبقوله “كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا” (1 يو 5: 1).

فالشخص الذي يقبل الرب يسوع بإيمان قلبي يولد من فوق، يولد من الله. ويغسله المسيح بدمه الكريم، فيردد بفرح مع بولس الرسول قائلاً لأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلًا أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ وَالْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا. وَلكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ ­ لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ ­ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ (تي 3: 3-5). وكذلك يهتف للرب يسوع من قلبه مع يوحنا الرسول قائلاً الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ (رؤ5:1، 2 ) فغُسل الخطية هو بدم يسوع المسيح وليس بماء المعمودية وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!” (عب 9: 22).

فوآسفاه على من يحاولون غسل الخطية بالماء لا بالدم.

هذا كله يأتي بنا إلى نتيجة واضحة هي أن المعمودية ليست هي طريق نوال الميلاد الثاني، وأن الأطفال لا يولدون ثانية بالمعمودية على الإطلاق، وأن حرمان الأطفال من المعمودية يتفق تمام الأتفاق مع كلمة الله، إذ لا بد من أن يؤمن الفرد بالمسيح إيمانًا قلبيًا ويولد الميلاد الثاني قبل أن يعتمد، وما دام الطفل لا يعرف معنى الإيمان فلا حق له في العماد.

ثاني أساس خاطيء لمعمودية الأطفال هو الإعتقاد بإمكانية عمادهم على إيمان والديهم:

يعترف الجميع بأن العهد الجديد لم يذكر خبرًا عن عماد الأطفال، ولكنهم يحتجون أن علة عدم وجود خبر في الكتاب عن عماد الأطفال بالقول أن ذلك العهد الذي إعتمد فيه المؤمنون البالغون وحدهم كان فترة إنتقال من اليهودية والوثنية إلى المسيحية، وجميع من قبلوا المسيح وقتئذ كانوا أناسًا بالغين عاشوا قبلاً في اليهودية أو الوثنية، ولكن عندما نظمت الكنيسة كان في إستطاعة اولئك البالغين أن يعمدوا أولادهم على إيمانهم في الكنيسة التي ينتمون إليها.

ويقينًا ان هذا التعليم يأتي بنا إلى خرافة شديدة الخطر هي :

خرافة الإيمان الوراثي

وهو تعليم قائم على مجرد الحدس والتخمين ولا أساس له في الكتاب المقدس، وأول ما نراه في كلمة الله أنه لا يوجد مطلقًا في كلمات الكتاب ما يخول للوالدين أو للنظم الكنسية أن تجعل شخصًا عضوًا في الكنيسة قبل أن يؤمن إيمانًا شخصيًا ويعتمد بالماء بناء على إعترافه بإيمانه.

وإذا كان عماد الأطفال على إيمان والديهم حقيقة كتابية، فهل كان هناك وقت أنسب لعماد أطفال المؤمنين من نهضة يوم الخمسين، أو من ظروف الإنتعاش الذي حدث في السامرة؟!

إن سفر الأعمال يؤكد لنا أن الذين إعتمدوا يوم الخمسين كانوا جميعًا مؤمنين مدركين فاهمين لمعنى التوبة والإيمان، وقد قال بطرس وسائر الرسل لهؤلاء تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ (أع38:2). وعبارة كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْتؤكد أن الذين إعتمدوا كانوا فقط المؤمنين التائبين، ولا نجد في سفر الأعمال أن بطرس قال لهؤلاء المعتمدين أن يعمدوا أطفالهم على إيمانهم.

وفي إنتعاش السامرة يؤكد الوحي أن الأطفال لم يعتمدوا على إيمان والديهم في الكلمات وَلكِنْ لَمَّا صَدَّقُوا فِيلُبُّسَ وَهُوَ يُبَشِّرُ بِالأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ وَبِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، اعْتَمَدُوا رِجَالًا وَنِسَاءً (أع 8: 12). وفي قوله (رجالاً ونساء) نفى نفيًا باتًا قاطعًا إمكانية عماد الأطفال على إيمان والديهم إذ لو كان ذلك ممكنًا لعمد كل رجل وكل امرأة أولادهما على إيمانهما. وقد كان إيمانهما في ذلك الوقت لامعًا واضحًا، أما في أيامنا فإننا لا نستطيع أن نتأكد من حقيقة إيمان الوالدين، إذ كم من المسيحيين الأسميين الأشرار يعمدون أولادهم على إيمانهم. ويا له من إيمان يشبه إيمان الشياطين.

والآن إلى (خرافة الإيمان الوراثي) لنفحصها في ضوء كلمة الله، فهل نجد في الكتاب المقدس ما يسند هذه الخرافة الخطرة:

يقينًا: لا

نقولها ونحن نستمع إلى كلمات الكتاب العظيم الكريم.

ها هو داود الذي ولد في بيت يهودي متدين يقول هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي (مز 51: 5).

وها هو يوحنا المعمدان يحطم خرافة الإيمان الوراثي، والدين الوراثي في كلمات ملتهبة وجهها للجموع الذين خرجوا ليعتمدوا منه قائلاً يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. ولاَ تَبْتَدِئُوا تَقُولُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْرَاهِيمَ (لو7:3، 8).

وها هو يوحنا التلميذ الحبيب يؤكد في إنجيله أن الميلاد الثاني ليس بالوراثة بل بالإيمان الشخصي بالرب يسوع المسيح قائلاً كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ. كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ. إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ (1يو11:9-13).

وها هو الرب يسوع يرينا إستحالة الإيمان الوراثي في الكلمات اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ (يو 3: 6).

ومرة ثانية يلهب قلوب المتكلين على الدين الوراثي عندما جاءوا إليه قائلين إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ! … أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ (يو33:8، 39). قائلاً لهم أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا (يو44:8).

ثم يأتي بولس الرسول ناقضًا خرافة الدين الوراثي في الكلمات لأَنَّنَا قَدْ شَكَوْنَا أَنَّ الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّينَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ الْخَطِيَّةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ (رو9:3-12، 22، 23).

فهل يبقى بعد هذه الآيات الوضاءة المنيرة مكان للإعتماد على الإيمان الوراثي؟

لقد أكد لنا الكتاب المقدس في كل آياته أن الخلاص هو إختبار شخصي، وإنه لا فرق بين المسيحي بالإسم وبين أي شخص من الوثنيين، وأرانا أن موقف المسيحي بالإسم المولود من والدين مسيحيين كموقف أي إنسان آخر في أي دين أمام الله أَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِوإن نهاية المسيحي بالإسم إذا لم يختبر شخصيًا خلاص الله هو الهلاك في الجحيم، وإنه لا بد أن يتوب كل إنسان ويولد ثانية لكي يرى ويدخل ملكوت الله.

فهل الميلاد الثاني ضرورة لأبناء الوثنيين وليس ضرورة لأبناء المسيحيين؟

وهل رسالة التوبة والإيمان للخطاة من الأديان الأخرى وليست للخطاة المنتمين إسمًا للمسيح؟

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نعظ في الإجتماعات عن ضرورة التوبة والإيمان بالمسيح للخلاص وكل الحضور من المولودين من والدين مسيحيين؟!

إن الكتاب المقدس يؤكد لنا أن الخلاص إختبار فردي ضروري لكل إنسان وهذه آيات الكتاب الواضحة:

لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ (يو 3: 16).

لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ (رو 10: 13).

لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ (رو 10: 9).

هكَذَا، أَقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ (لو 15: 10).

هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي (رؤ 3: 20).

من كل هذه الآيات نرى أن خلاص المسيح هو خلاص فردي، وأن ديانة الوراثة ديانة باطلة، بل خرافة خطرة ونصل إلى نتيجة حاسمة هي إننا لا نستطيع أن نُعمد الأطفال على إيمان والديهم، وأن معمودية على هذا الأساس الخاطيء لا تتفق مع الحق الكتابي الصريح القائل مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ“.

ثالث أساس خاطيء لمعمودية الأطفال هو الإعتقاد بأن المعمودية في العهد الجديد حلت محل الختان في العهد القديم:

ساد على أذهان الكثيرين الإعتقاد بأن الختان كان رمزًا لمعمودية الماء وبما أن الختان في العهد القديم كان ضروريًا لأطفال الإسرائيليين فيصح على هذا الأساس أن يعتمد أطفال المسيحيين.

فهل نجد في الكتاب المقدس ما يسند هذا التعليم؟

لنعد إلى الكتاب الكامل بقلب مُخلص، وعقل متفتح، وضمير صالح، وسنرى أنه يعلن لنا في وضوح أن الختان ليس رمزًا لمعمودية الماء. وهذه هي الأسباب:

كان الختان للذكور دون الإناث كما أمر الرب قائلاً “اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ” (تك 17: 12). فلو كان الختان رمزًا للمعمودية لأمر الرب بعماد الذكور وحدهم، لكننا نرى في العهد الجديد أن المعمودية للذكور والإناث كما نقرأ بصريح اللفظ في الآية القائلة “اعْتَمَدُوا رِجَالًا وَنِسَاءً” (أع 8: 12). فالختان إذًا ليس رمزًا للمعمودية.

لم تقل الكنيسة الأولى في سفر أعمال الرسل أن الختان كان رمزًا للمعمودية، وكلام الرُسل في سفر الأعمال مُوحى به من الله فهو فوق كل تعليم وتقليد بشري بغير جدال، ولا يمكننا أن نضع التقاليد البشرية فوق ما جاء في هذا السفر بحال من الأحوال فلندرس ما جاء في سفر الأعمال لنرى بأعيننا كيف أن الرُسل الأولين لم يعتقدوا قط أن الختان كان رمزًا للمعمودية، ففي الإصحاح الخامس عشر من سفر أعمال الرسل نقرأ الكلمات الآتية “وَانْحَدَرَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَجَعَلُوا يُعَلِّمُونَ الإِخْوَةَ أَنَّهُ «إِنْ لَمْ تَخْتَتِنُوا حَسَبَ عَادَةِ مُوسَى، لاَ يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَخْلُصُوا». فَلَمَّا حَصَلَ لِبُولُسَ وَبَرْنَابَا مُنَازَعَةٌ وَمُبَاحَثَةٌ لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ مَعَهُمْ، رَتَّبُوا أَنْ يَصْعَدَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَأُنَاسٌ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى الرُّسُلِ وَالْمَشَايخِ إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنْ أَجْلِ هذِهِ الْمَسْأَلَةِ … فَبَعْدَ مَا حَصَلَتْ مُبَاحَثَةٌ كَثِيرَةٌ قَامَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنْذُ أَيَّامٍ قَدِيمَةٍ اخْتَارَ اللهُ بَيْنَنَا أَنَّهُ بِفَمِي يَسْمَعُ الأُمَمُ كَلِمَةَ الإِنْجِيلِ وَيُؤْمِنُونَ … وَاللهُ الْعَارِفُ الْقُلُوبَ، شَهِدَ لَهُمْ مُعْطِيًا لَهُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا لَنَا أَيْضًا … وَبَعْدَمَا سَكَتَا أَجَابَ يَعْقُوبُ قِائِلًا: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، اسْمَعُونِي. أَنَا أَرَى أَنْ لاَ يُثَقَّلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمِ، بَلْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ نَجَاسَاتِ الأَصْنَامِ، وَالزِّنَا، وَالْمَخْنُوقِ، وَالدَّمِ” (اقرأ أع1:15-20).

وإلى هنا يجدر بنا أن نقف قليلاً لنتأكد بأنفسنا أن المعمودية لم تحل محل الختان، لأنه لو كانت المعمودية قد حلت محل الختان، أفما كان الأولى أن الرُسل والمشايخ المجتمعين في هذا المجمع بأورشليم، يحلون النزاع الذي قام بخصوص ضرورة الختان بعبارة واحدة قاطعة فيقولون المتنازعين «إن الختان كان رمزًا للمعمودية وقد حلت المعمودية محل الختان فلا ضرورة للختان بعد الآن» لكن الرُسل الأولين لم يقولوا ذلك، لأنهم لم يؤمنوا بهذا التعليم وهم بقرارهم الذي قالوا فيه “لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ” (أع 15: 28) قد نفوا نفيًا قاطعًا أن الختان كان رمزًا للمعمودية.

المعمودية رمز وليست مرموزَا إليه فهي رمز الموت، والدفن، والقيامة مع المسيح والرمز لا يرمز إليه رمز أخر، فالختان ليس رمزًا للمعمودية.

كان الختان لوليد البيت والمبتاع بالفضة من كل إبن غريب كما يقول الرب “اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ: وَلِيدُ الْبَيْتِ، وَالْمُبْتَاعُ بِفِضَّةٍ مِنْ كُلِّ ابْنِ غَرِيبٍ لَيْسَ مِنْ نَسْلِكَ” (تك 17: 12). وتطبيقًا لهذا المبدأ نجد أن إسماعيل الموصوف بأنه “وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا” (تك 16: 12) قد خُتن هو الآخر، فهل يوافقنا الحق المعلن في العهد الجديد بأن نعمد العبيد، والوحشيين، دون أن يؤمنوا إيمانًا شخصيًا بالرب يسوع المسيح؟ إن منطق الواقع يؤكد لنا أن الختان ليس رمزًا للمعمودية.

كان أمر الرب بضرورة ختان الأطفال صريحًا إذ قال “اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ” أما أمر الرب بخصوص المعمودية فهو في غاية الوضوح ويتطلب الإيمان قبل العماد إذ قال “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” (مر 16: 16). ولم يأمر الرب في أي موضع في الكتاب أن نعمد أطفالنا، ولو قصد هذا لأعطى أمرًا صريحًا بضرورة عماد أطفال المسيحيين كما أعطى أمره بضرورة ختان أطفال الإسرائيليين. ولكننا لا نجد في كل العهد الجديد أمرًا بعماد الطفل في اليوم الثامن من ميلاده، أو في أي وقت من سني طفولته، وعلى هذا فإنه لا يوجد إنطباق بين الختان والمعمودية، ويعني هذا جليًا أن الختان ليس رمزًا للمعمودية.

كان الختان وصية يمارسها كل يهودي سواء كان شريرًا أم صالحًا، أما المعمودية فلا يصح بحسب كلمة الرب أن يمارسها إلا الذين آمنوا فعلاً كما نقرأ في سفر الأعمال “وَكَثِيرُونَ مِنَ الْكُورِنْثِيِّينَ إِذْ سَمِعُوا آمَنُوا وَاعْتَمَدُوا” (أع 18: 8). فالترتيب الموجود هنا هو السماع – الإيمان – المعمودية وهي أمور لا تنطبق على الختان، فالختان إذًا ليس رمزًا للمعمودية.

كان الختان يترك علامة محسوسة في الجسد، أما المعمودية فلا تترك أية علامة في الجسد. فلا إنطباق بين الختان والمعمودية.

كان الطفل الذي لا يُختن في اليوم الثامن “َتُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا” (تك 17: 14). ولكن هل الطفل الذي لا يعتمد في اليوم الثامن يقطع من شعبه؟ وهل يفصل أبواه من عضوية الكنيسة؟ إن كمنطق الواقع يقول: كلا. وعلى هذا فالختان ليس رمزًا للمعمودية.

إخـتُتن المسيح في اليوم الثامن بحسب الناموس (لو21:2) ولكنه إعتمد من يوحنا في بدء خدمته وعمره نحو ثلاثين سنة (لو21:3، 23) فلو كانت المعمودية قد حلت محل الختان، فالشخص المختون لا يجب أن يعتمد وبالأولى كان المسيح لا يعتمد إذ ما الداعي لإجراء فريضتين في معنى واحد؟ إذن فالختان لم يكن رمزًا للمعمودية.

لو كانت معمودية الماء قد حلت محل الختان فلماذا إختُتِن تيموثاوس بعد عماده بمدة طويلة؟ إذ يقول الكتاب “ثُمَّ وَصَلَ إِلَى دَرْبَةَ وَلِسْتَرَةَ، وَإِذَا تِلْمِيذٌ كَانَ هُنَاكَ اسْمُهُ تِيمُوثَاوُسُ، ابْنُ امْرَأَةٍ يَهُودِيَّةٍ مُؤْمِنَةٍ وَلكِنَّ أَبَاهُ يُونَانِيٌّ، وَكَانَ مَشْهُودًا لَهُ مِنَ الإِخْوَةِ الَّذِينَ فِي لِسْتَرَةَ وَإِيقُونِيَةَ. فَأَرَادَ بُولُسُ أَنْ يَخْرُجَ هذَا مَعَهُ، فَأَخَذَهُ وَخَتَنَهُ مِنْ أَجْلِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي تِلْكَ الأَمَاكِنِ، لأَنَّ الْجَمِيعَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَبَاهُ أَنَّهُ يُونَانِيٌّ” (أع1:16-3). فلو كانت المعمودية قد حلت محل الختان لما ختن بولس تيموثاوس بعد عماده، فالختان إذًا ليس رمزًا للمعمودية.

كان الختان فريضة جسدية لحفظ الشعب الإسرائيلي من الإندماج بالأمم، ليكونوا وحدهم حتى يحفظوا أقوال الله ومواعيده إلى أن يأتي المسيح، لذلك أطلق الإسرائيليين على كل أمُمي أنه (رجل أغلف) بعيد عن رعوية إسرائيل، وغريب عن عهود الموعد، وعلى هذا كان الختان هو العلامة الجسدية التي تميز اليهودي مهما كانت أخلاقه وصفاته وحياته الروحية، ذلك لأن اليهود كانوا أمة خاصة علامة أفرادها المميزة هي ختان الذكور. لكن المسيحية الكتابية هي إختبار شخصي فردي كما يقول الرب له المجد “أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى” (يو 10: 9). وإذن فلا إنطباق للختان على المعمودية فالختان ليس رمزًا للمعمودية.

بقيت بضعة آيات وردت في رسائل بولس تتعلق بهذا الموضوع لا بد من ذكرها لفهمها فهمًا صحيحًا، ففي رسالة كولوسي نقرأ “وَبِهِ أَيْضًا خُتِنْتُمْ خِتَانًا غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ الْمَسِيحِ. مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ” (كو11:2، 12).

فلنقف هنا قليلاً لنفصل كلمة الحق بالإستقامة فالآية تقول وَبِهِ أَيْضًا خُتِنْتُمْ خِتَانًا غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ الْمَسِيحِفما هو هذا الختان غير المصنوع بيد؟ أهو المعمودية بالماء وهي تُجرى على أيدي خادم من البشر؟ أم هو شيء آخر حدثنا عنه الكتاب المقدس؟

دون ريب أن هذا الختان غير المصنوع بيد هو ما قصده الرسول بولس بقوله «بختان المسيح» أي الختان الذي أجراه المسيح بإنهاء الجسد من محضر الله حين قطع على الصليب، وما قال عنه في رسالته إلى أهل رومية وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ (رو 2: 29).

نعم، بعد أن يُختن القلب من الخطية بقوة عمل الصليب، ويفعل روح الله عندئذ فقط يحق للإنسان أن يعتمد بالماء ليعترف بموت ودفن (الإنسان العتيق) وليقوم للسلوك كإنسان جديد في المسيح وهنا يتم القول المكتوب في آيتنا مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ (كو 2: 12).

وأمام هذا النور الكتابي الوضاح نتيقن أن الختان ليس رمزًا للمعمودية.

وتوجد آية أخرى جاء فيها ذكر الختان وردت في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية حيث يقول فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّاوَأَخَذَ عَلاَمَةَ الْخِتَانِ خَتْمًا لِبِرِّ الإِيمَانِ (رو3:4، 11). فأي ختم هذا الذي أخذه إبراهيم؟ ومتى أخذه؟

الكتاب يقول إنه َأَخَذَ عَلاَمَةَ الْخِتَانِ خَتْمًا لِبِرِّ الإِيمَانِوأنه أخذ هذه العلامة بعد الإيمان، فهل تُعلمنا هذه الآية أن الختان حل محل المعمودية؟ وهل المعمودية هي ختم الإيمان؟

أنسمع ما يقوله الرسول في رسالته إلى أهل أفسس الَّذِي فِيهِ أَيْضًا أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ، الَّذِي فِيهِ أَيْضًا إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ (أف 1: 13).

ومن هذه الآية نرى في وضوح أن الختم المذكور ليس هو معمودية الماء بل هو (ختم روح الله) في قلب الأبناء، وعلى هذا نقرر بكل يقين أن الختان لم يكن رمزًا للمعمودية، إنما هو رمز لختان القلب بالروح، ولختم المؤمن بروح الموعد القدوس.

ونصل بناء على كل هذه الأدلة الكتابية إلى نتيجة حاسمة هي أن القول بأن المعمودية في العهد الجديد حلت محل الختان في العهد القديم قول باطل لا يتفق البتة مع كلمة الله الصريحة الواضحة وعلى هذا فلا حق لنا أن نُعمد الأطفال.

ورابع أساس خاطيء لمعمودية الأطفال هو الإعتقاد بأن الأطفال الذين يموتون بغير عماد يهلكون أو يذهبون إلى مكان مظلم:

 يسود على عقول الكثيرين إعتقاد فاسد هو أن الطفل إذا مات بغير عماد فإنه يهلك في الجحيم أو في القليل يذهب إلى مكان مظلم، ولا يعاين ملكوت الله، وهو إعتقاد قائم على غير أساس من الكتاب المقدس.

قالت لي سيدة مات طفلها في لهجة حزينة: «لقد مات طفلي في السنة الأولى من عمره، ولم يؤلمني موته قدر ما آلمني أنه مات بغير عماد، وقد قال لي الكثيرون من أقاربي وأصدقائي ورجال الدين الذين يزورونني: إن أكبر خطأ إرتكبته في حياتي هو أنني تركت طفلي يموت بغير عماد، وبهذا ذهب إلى مكان مظلم لا يقدر أن يعاين منه ملكوت الله، ولا يقدر أن يدخل ملكوت الله».

ولست أدري أي إله هذا الذي يؤمن به أولئك الذين يقولون أن الطفل غير المُعمد يهلك في الجحيم أو يذهب إلى مكان مظلم لأنه بدون معمودية لا يقدر أن يعاين بهاء مجد الله!!

أيمكن أن الله الذي إسمه المُحبب إلى القلب هو (الله المحبة) .. أيمكن للآب الذي بذل إبنه الوحيد لأجل العالم الأثيم أن يبعد من محضره طفلاً بريئًا من أي جنس أو لون أو دين، وأن يرسله إلى سواد الظلام لأنه لم يعتمد بالماء؟!

إننا إذا قبلنا التعليم القائل أن الطفل غير المُعمد لا يعاين ملكوت الله ولا يقدر أن يدخله، وجب علينا أن نجد لهذا الطفل مكانًا في الكتاب المقدس نقرر ذهابه إليه. فهو بحسب هذا التعليم الباطل لن يذهب إلى السماء ولن يذهب إلى الجحيم!! فإلى أين يذهب إذًا؟

إن الكتاب المقدس يحدثنا عن مكانين لا ثالث لهما إذ يقول رب المجد بفمه المبارك عن الأشرار فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ (مت 25: 46).

ونقرأ في سفر الرؤيا عن مكانين يقول يوحنا عن أولهما ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً (رؤ 21: 1). ويقول عن ثانيهما وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي (رؤ 21: 8). فإذا كان الكتاب المقدس قد حدثنا عن مكانين فقط (السماء) و (البحيرة المتقدة بنار وكبريت) فأين هو المكان الثالث الذي يذهب إليه هذا الطفل وليس في الكتاب المقدس من تكوينه إلى رؤياه إشارة إلى مثل هذا المكان؟ إن يوحنا يؤكد لنا أن الأبدية السعيدة لا ظلام فيها قائلاً عن المدينة السماوية وَأَبْوَابُهَا لَنْ تُغْلَقَ نَهَارًا، لأَنَّ لَيْلًا لاَ يَكُونُ هُنَاكَ (رؤ 21: 25). فلنهتف من قلوبنا:

ماتت الخرافة فلتحيا الحقيقة.

قُلت للسيدة الطيبة الحزينة «لا تحزني يا سيدتي، فطفلك لن يذهب للجحيم ولا إلى مكان مُظلم، فليس هناك مكان بهذا الوصف إلا في مُخيلة البشر، بل تعزي وثقي أن طفلك الآن مع ملايين الأطفال من كل الأمم والشعوب والقبائل والألسنة يتمتع بنور السماء».

والآن إلى الكتاب المقدس لنقرأ معًا الآيات التي تثبت بكل جلاء ذهاب الأطفال غير المعمدين إلى السماء.

يقول بولس الرسول “وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ” (رو 2: 5، 6).

ويقول يوحنا الرسول في سفر الرؤيا “وَانْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ، وَانْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ الْحَيَاةِ، وَدِينَ الأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ. وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا. وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ” (رؤ 20: 12، 13).

فهل إرتكب الطفل عملاً يمكن أن يدان عليه أمام الله الديان العادل؟

يقينًا: لا … وكون حكم الدينونة في اليوم الأخير يُبني على أعمال الإنسان، فهذا يؤكد قطعًا ذهاب الأطفال للسماء، إذ ليس للأطفال عمل يوجب عليهم الحكم بالإدانة لأنهم لم يخطئوا بالفعل، ولذلك فلن يدخلوا مع من يدانون في يوم الدينونة، وبالتالي فإنهم سيتمتعون بالوجود في السماء، لأننا لا نجد الأطفال في زمرة الذين نصيبهم البحيرة المتقدة بنار وكبريت (رؤ8:21).

في إنجيل مرقس نقرأ هذه الكلمات “وَقَدَّمُوا إِلَيْهِ أَوْلاَدًا لِكَيْ يَلْمِسَهُمْ. وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ فَانْتَهَرُوا الَّذِينَ قَدَّمُوهُمْ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ ذلِكَ اغْتَاظَ وَقَالَ لَهُمْ: «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ. فَاحْتَضَنَهُمْ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وَبَارَكَهُمْ” (مر 10: 13-15).

وهذه العبارات الوضاءة ترينا أن الرب يسوع المسيح يُحب الأولاد، وأن ملكوت الله حق طبيعي لهم، وأنه إحتضنهم وباركهم .. فهل يعقل عاقل أن يسوع يرسل هؤلاء الأولاد الصغار الأبرياء بسبب عدم عمادهم إلى مكان مُظلم وهو الذي إحتضنهم ووضع يديه عليهم وباركهم ودعاهم إليه من كل الأمم والأديان والأجناس بلا استثناء وبلا شروط؟!

قال الرب له المجد “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ” (مت 18: 3). وفي هذه الآية نرى أن الأولاد هم أبناء الملكوت، وأن الرب يطالبنا بأن نرجع ونصير مثلهم في بساطتهم حتى ندخل ملكوت السموات، إن المعمودية لا ضرورة لها للأطفال لأنها لن تدخلهم إلى الملكوت، ولا خطر البتة على طفل لا يعتمد بالماء، لأن معمودية الأطفال لا تتفق مع حق الكتاب الثمين.

أكد لنا السيد أيضًا أن الأطفال هم في يد الآب المُحب فقال “أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ: مِنْ أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ هَيَّأْتَ تَسْبِيحًا” (مت 21: 16). وهذا يؤكد لنا بصورة قاطعة أن الأطفال لا يحتاجون إلى (جحد الشيطان) كما يعتقد للبعض، إذ أنه من أفواههم تخرج تسبيحات الله.

أرانا الرب أيضًا أنه ينبغي علينا أن لا نحتقر الأطفال قائلاً “اُنْظُرُوا، لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 18: 10).

فإذا كان الطفل في ملكوت الله كما قيل (لمثل هؤلاء ملكوت الله)، وإذا كان الرب يسوع قد رحب بالأطفال من كل الأمم والشعوب بغير إستثناء إذ قال (دعوا الأولاد يأتون إليَّ) ولم يقل (دعوا الأولاد المعمدين) بل الأولاد بإطلاق المعنى … وإذا كان الملائكة الخادمون للأولاد ينظرون كل حين وجه الآب السماوي، فكيف يعقل أن الطفل إذا مات بغير عماد يذهب إلى مكان لا يعاين فيه ملكوت الله؟ وما فائدة المعمودية للطفل إذا كانت لا تدخله إلى الملكوت، ولا يحرم إذا لم يعتمد من هذا الملكوت؟

إن الطفل لا يُحاسب طالما هو تحت سن المسئولية والإدراك، وها نحن قد رأينا أن آيات الكتاب المقدس الواضحة تهدم في قوة التعليم القائل بأن الأطفال الذين يموتون بغير عماد يهلكون أو لا يعاينون ملكوت الله … وبعد أن عرفنا هذا الحق الكتابي فلا حق لنا أن نُعمد الأطفال.

وخامس أساس خاطيء لمعمودية الأطفال هو الإستنتاج غير الصحيح بأن الرسل عمدوا الأطفال في البيةت المذكورة في رسالة كورنثوس وسفر الأعمال:

يقول الباحثون عبثًا عن دليل كتابي يؤيد معمودية الأطفال، أليس لدينا في سفر الأعمال عدة حوادث ذكر فيها العماد، وفي كل حادثة إعتمدت العائلة كلها أي أهل البيت؟! وأليس في هذا الدليل الكافي على أن الرسل قد عمدوا الأطفال؟

والذين يقولون هذا القول يريدون أن يجعلوا الحوادث تفسر القانون، ولا يريدون الخضوع للقانون.

فلنفرض مثلاً أن مدرسة شبرا الثانوية قد أعلنت في إحدى الصحف قرارًا حازمًا صريحًا بأنها لن تقبل طالبًا نجح في الشهادة الإعدادية بمجموع درجات أقل من 70%، ثم ظهرت نتيجة إمتحان الإعدادية وأعلنت الصحيفة أن جميع طلبة مدرسة شبرا الإعدادية قد نجحوا جميعًا بمجموع درجات 70% أو يزيد؟!

إن المعنى الأخير هو المعنى الذي يتفق مع العقل، لأنه يحفظ للقرار الرسمي قوته وإحترامه.

وهذا تمامًا ما نراه في حوادث معمودية (أهل البيت)، فالرب قد أصدر أمره الواضح الصريح “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ”، فهل نطبق القانون على هذه البيوت فننفي عدم وجود الأطفال، أو نغلب الإستنتاج والتخمين على القانون؟!

ومع ذلك فإن الروح القدس يؤكد لنا بصورة قاطعة ظاهرة لكل ذي عينين أنه لم يعتمد في هذه البيوت أي طفل صغير؟!

فلنفتح معًا سفر الأعمال ولندرس حالة هذه البيوت:

وأول بيت يقابلنا في هذا السفر الجليل هو بيت كرنيليوس ونقرأ عنه هذه الكلمات وَكَانَ فِي قَيْصَرِيَّةَ رَجُلٌ اسْمُهُ كَرْنِيلِيُوسُ، قَائِدُ مِئَةٍ مِنَ الْكَتِيبَةِ الَّتِي تُدْعَى الإِيطَالِيَّةَ. وَهُوَ تَقِيٌّ وَخَائِفُ اللهِ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ(أع 10: 1، 2).

إلى بيت هذا الرجل جاء بطرس الرسول بعد أن أراه الله رؤيا سماوية خاصة، ويتابع سفر الأعمال القصة بالكلمات وَفِي الْغَدِ دَخَلُوا قَيْصَرِيَّةَ. وَأَمَّا كَرْنِيلِيُوسُ فَكَانَ يَنْتَظِرُهُمْ، وَقَدْ دَعَا أَنْسِبَاءَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ الأَقْرَبِينَ وَلَمَّا دَخَلَ بُطْرُسُ اسْتَقْبَلَهُ كَرْنِيلِيُوسُ وَسَجَدَ وَاقِعًا عَلَى قَدَمَيْهِفَأَقَامَهُ بُطْرُسُ قَائِلًا: «قُمْ، أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ» ثُمَّ دَخَلَ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ مَعَهُ وَوَجَدَ كَثِيرِينَ مُجْتَمِعِينَ فَفَتَحَ بُطْرُسُ فَاهُ وَقَالَ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الأَمْرَ الَّذِي صَارَ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئًا مِنَ الْجَلِيلِ، بَعْدَ الْمَعْمُودِيَّةِ الَّتِي كَرَزَ بِهَا يُوحَنَّا يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ غُفْرَانَ الْخَطَايَا» …  فَبَيْنَمَا بُطْرُسُ يَتَكَلَّمُ بِهذِهِ الأُمُورِ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ. فَانْدَهَشَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِتَانِ، كُلُّ مَنْ جَاءَ مَعَ بُطْرُسَ، لأَنَّ مَوْهِبَةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ قَدِ انْسَكَبَتْ عَلَى الأُمَمِ أَيْضًا. لأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ وَيُعَظِّمُونَ اللهَ. حِينَئِذٍ أَجَابَ بُطْرُسُ: «أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حَتَّى لاَ يَعْتَمِدَ هؤُلاَءِ الَّذِينَ قَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أَيْضًا؟» وَأَمَرَ أَنْ يَعْتَمِدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ (أع24:10-27، 34،37، 38، 43، 44-47).

وهنا نجد حادثة تنطق في قوة بضرورة معمودية الماء حتى لأولئك الذين امتلأوا من الروح القدس قبل أن يعتمدوا، فكم من اشخاص يقولون أن أهم شيء هو أن يعتمد المؤمن بالروح القدس ولا ضرورة للعماد بالماء، لأن معمودية الماء ليست مهمة وجوهرية، ونحن نسأل هؤلاء الذين يريدون أن يتهربوا من طاعة الرب تحت هذا الستار.

إذا كانت معمودية الروح القدس تكفي، فلماذا أمر بطرس أن يعتمد بالماء أولئك الذين قبلوا هذه المعمودية، أما كان من الكفاية أن يهنئهم على إختبارهم ويذهب في سبيله؟

لقد كان بطرس يذكر كلمات يوحنا المعمدان أَنَا عَمَّدْتُكُمْ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ (مر 1: 8). ولكنه كان يعرف أن معمودية الروح القدس لا تلغي معمودية الماء، وأن أمر الرب يسوع ثابت إلى الأبد … وهو يعرف أن أمر الرب واضح «تلمذوهم وعمدوهم … من آمن واعتمد خلص» لذا نراه بمجرد أن رأى أن الحاضرين قبلوا الروح القدس وتيقن من حقيقة إختبارهم المسيحي الحي يقول: أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حَتَّى لاَ يَعْتَمِدَ هؤُلاَءِ الَّذِينَ قَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أَيْضًا؟ (أع 10: 47).

ويرى الدارس المدقق لهذه الحادثة أن ذلك البيت كان خاليًا من الأطفال، وأن بطرس الرسول لم يعمد طفلاً واحدًا في ذلك البيت على الإطلاق وإليك الأدلة الكتابية على صدق هذا الكلام:

كان كل مَن في البيت في سن تجعله يعرف معنى مخافة الرب (أع2:10).

الذين حضروا عظة بطرس كانوا أهل بيت كرنيليوس وأنسباؤه وأصدقاؤه (عدد 24) وقد قال كرنيليوس عنهم: “وَالآنَ نَحْنُ جَمِيعًا حَاضِرُونَ أَمَامَ اللهِ لِنَسْمَعَ جَمِيعَ مَا أَمَرَكَ بِهِ اللهُ” (أع 10: 33). ويقينًا أن هذا الكلام لا ينطبق على الأطفال غير المدركين.

حل الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة (عدد44-46)، فهل يحل الروح القدس على الأطفال؟

أمر بطرس أولئك الذين حل عليهم الروح القدس أن يعتمدوا، وكان أمره في غاية الوضوح وهو أن يعتمد فقط أولئك الذين قبلوا الروح القدس عدد 47 وهذا واضح في الترجمة الإنجليزية إذ يقول الكتاب:

“And he commanded them to be baptized in the name of the lord”.

وفي هذا أكبر الدليل على أن الذين إعتمدوا هم فقط الذين قبلوا الروح القدس وهذا يؤكد تمامًا عدم وجود أطفال في ذلك البيت. فهل يعقل أن الطفل امتلأ بالروح القدس. وتكلم بألسنة وعظم الله؟ أترك للضمير المُخلص الجواب.

إن معمودية الروح القدس لا تغني إطلاقًا عن ضرورة طاعة الرب في إتمام فريضة معمودية الماء.

كان كرنيليوس ساكنًا في قيصرية وهي على شاطيء البحر تماًا فالعماد قد تم بالتغطيس.

هذا يأتي بنا إلى البيت الثاني في سفر أعمال الرسل وهو بيت ليدية ونقرأ عنه هذه الكلمات “فَكَانَتْ تَسْمَعُ امْرَأَةٌ اسْمُهَا لِيدِيَّةُ، بَيَّاعَةُ أُرْجُوَانٍ مِنْ مَدِينَةِ ثَيَاتِيرَا، مُتَعَبِّدَةٌ للهِ، فَفَتَحَ الرَّبُّ قَلْبَهَا لِتُصْغِيَ إِلَى مَا كَانَ يَقُولُهُ بُولُسُ. فَلَمَّا اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا طَلَبَتْ قَائِلَةً: «إِنْ كُنْتُمْ قَدْ حَكَمْتُمْ أَنِّي مُؤْمِنَةٌ بِالرَّبِّ، فَادْخُلُوا بَيْتِي وَامْكُثُوا». فَأَلْزَمَتْنَا” (أع 16: 14).

يقول الدكتور إيرنسيد لكي نثبت وجود أطفال في هذا البيت ينبغي علينا أن نثبت:

أولاً: أن ليدية كانت متزوجة.

ثانيًا: أنها كانت أم.

ثالثًا: أن اولادها لم يؤمنوا بالرب.

رابعًا: أن أمرًا إلهيًا جديدًا يعارض أمر الرب الصريح “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَص” (مر 16: 16)، قد صدر لبولس بعماد الأطفال ولم يسجله سفر الأعمال.

وكل هذه أمور يستحيل على أي شخص إثباتها في هذه الحادثة وقد كتب وليم كلمي في تعليقه على هذه الحادثة قائلاً «تلمذوا» هذا هو أمر السيد لخدامه، وقد تعمدت ليدية بعد أن صارت تلميذة (يو1:4)، لقد كان الختان للذكور فقط في اليهودية ولكن التلاميذ المتجددين “اعْتَمَدُوا رِجَالًا وَنِسَاءً” (أع12:8)، فالختان لم يكن رمزًا للمعمودية … ولم تعتمد ليدية وحدها بل إعتمدت هي وأهل بيتها كذلك، وماذا تعني الكلمات أنها إعتمدت هي وأهل بيتها؟ هل تعني وجود أطفال في هذا البيت؟

إننا لا نسمع عن أطفال في هذا البيت، ولا حتى عن زوج، فربما كانت ليدية أرملة بلا عائلة، وربما أنها كانت عذراء لم تتزوج إطلاقًا. ومع ذلك فقد كان لها (أهل بيت) فمن كان هؤلاء؟ إن (أع40:16) يرينا أن بيت ليدية كان فيه إخوة إذ نقرأ “فَخَرَجَا مِنَ السِّجْنِ وَدَخَلاَ عِنْدَ لِيدِيَّةَ، فَأَبْصَرَا الإِخْوَةَ وَعَزَّيَاهُمْ ثُمَّ خَرَجَا” وإذن فمن كانوا في بيت ليدية كانوا إخوة مؤمنين. ولكننا لا نسمع عن وجود أطفال صغار بالمرة في ذلك البيت، والكتاب المقدس، وهو السجل المدقق المُوحى به من الله لا يذكر شيئًا بالمرة عن عماد الأطفال، وعلى هذا يكون التقليد، والعقل والبشري، والإرادة الإنسانية، التي تريد أن تستنتج على أسس فرضية غير صحيحة وجود أطفال في ذلك البيت، أستنتجها في الواقع بغير حق ، فلا هنا و لا في خلال هذا الإصحاح ولا في رسالة كورنثوس الأولى نجد دليلاً واحدًا على أن احدًا إعتمد إلا بعد إيمانه بالمسيح وإعترافه الشخصي بهذا الإيمان، ومعمودية الأطفال لا تستند على أساس من الكتاب المقدس Exposillon of the acts vol.2 page 54,55.

ولا يجب أن ننسى في الختام أن مدينة فيلبي كان خارجها نهرًا حيث جرت العادة أن تكون صلاة (أع13:16) وهذا دليل واضح على أن العماد قد تم بالتغطيس.

هذا يصل بنا إلى البيت الثالث في سفر أعمال الرسل وهو بيت حافظ السجن ونحن نعرف كيف أخذ حافظ السجن بولس وسيلا وألقاهما في السجن الداخلي وضبط أرجلهما في المقطرة، وكيف أن بولس وسيلا كانا في نصف الليل يصليان ويسبحان الله … وكيف حدثت الزلزلة وهنا نتابع الحادثة من السجل المقدس “وَلَمَّا اسْتَيْقَظَ حَافِظُ السِّجْنِ، وَرَأَى أَبْوَابَ السِّجْنِ مَفْتُوحَةً، اسْتَلَّ سَيْفَهُ وَكَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، ظَانًّا أَنَّ الْمَسْجُونِينَ قَدْ هَرَبُوا فَنَادَى بُولُسُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «لاَ تَفْعَلْ بِنَفْسِكَ شَيْئًا رَدِيًّا! لأَنَّ جَمِيعَنَا ههُنَا!». فَطَلَبَ ضَوْءًا وَانْدَفَعَ إِلَى دَاخِل، وَخَرَّ لِبُولُسَ وَسِيلاَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا وَقَالَ: «يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟» فَقَالاَ: «آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ». وَكَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ. فَأَخَذَهُمَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَغَسَّلَهُمَا مِنَ الْجِرَاحَاتِ، وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ. وَلَمَّا أَصْعَدَهُمَا إِلَى بَيْتِهِ قَدَّمَ لَهُمَا مَائِدَةً، وَتَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ إِذْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاللهِ” (أع27:16-34).

والمتأمل في هذا الجزء الثمين من كلمة الله يرى أن بولس وسيلا أجابا حافظ السجن بالقول “آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ” (أع 16: 31). وليس هناك شخص درس كلمة الله بإخلاص يقدر أن يقول إن معنى كلام بولس وسيلا هو أن إيمان حافظ السجن يخلص أهل بيته حتى ولو عاش أهل بيته في الخطية، لأن هذا يناقض تعليم الكتاب المقدس عن الخلاص الشخصي كما يقول بولس “لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ” (رو 10: 9). وإنما المعنى الذي قصده بولس وسيلا هو أن الإيمان بالمسيح يخلص حافظ السجن، كما يخلص كذلك أهل بيته في حالة إيمان كل فرد في ذلك البيت بشخص الفادي الكريم.

وهذا هو المعنى الذي فهمه حافظ السجن لذلك أضر أهل بيته إلى بولس وسيلا ليسمعوا رسالة الخلاص “وَكَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ” (أع 16: 32). وفي هذا أكبر الدليل على أن كل أفراد بيت حافظ السجن كانوا في سن تؤهلهم لسماع كلمة الرب أي أننا لا نجد بينهم أطفالاً غير مدركين، وبتأثير عمل روح الله وكلمة الله في قلوب أفراد عائلة السجان آمنوا. ومع أننا لا نسمع في خلال الحادثة أن بولس وسيلا تحدثا إلى هؤلاء عن ضرورة معمودية الماء بعد الإيمان إلا أننا نستطيع أن نرى ذلك بوضوح في الكلمات “وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ” (أع 16: 33).

ويمتليء قلب المؤمن الحقيقي بالفرح إذ يرى طاعة حافظ السجن والذين له في إتمام معمودية الماء في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ولكن حين يملك الرب يسوع على القلب يمتليء القلب بالحُب له ويسرع في طاعته حتى ولو كان الوقت بعد منتصف الليل.

وماذا حدث بعد أن إعتمد هؤلاء الذين سمعوا كلمة الرب يقول الكتاب “وَلَمَّا أَصْعَدَهُمَا إِلَى بَيْتِهِ قَدَّمَ لَهُمَا مَائِدَةً، وَتَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ إِذْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاللهِ” (أع 16: 34).

أجل. بعد طاعة الرب في المعمودية لا بد أن يأتي التهليل الحقيقي الذي يشعر به كل مؤمن يعتمد بعد إيمانه.

والكلمات “تَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ إِذْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاللهِ” تؤكد بصفة قاطعة ان كل فرد في ذلك البيت آمن بالله وتهلل بفرح الإيمان وهذا واضح جدًا في الترجمة الإنجليزية إذ نقرأ:

“And when he brought them into his house he set meat before them, and rejoiced, believing in God with all his house” (acts34:16).

 إن الحادثة تؤكد لنا بوضوح عدم وجود أطفال في ذلك البيت، وما كان ممكنًا لبولس وسيلا أن يكسرا قانون الرب الصريح “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَص” فيعمدا طفلا قبل أن يؤمن شخصيًا بالمسيح ويصبح تلميذًا له!!

نأتي أخيرًا إلى البيت الرابع وهو بيت إستفانوس Stephanas ونقرأ عنه في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس في الكلمات “وَعَمَّدْتُ أَيْضًا بَيْتَ اسْتِفَانُوسَ” (1 كو 1: 16). ولقد كان بيت إستفانوس هذا من بين أعضاء كنيسة كورنثوس وإذا عدنا إلى سفر الأعمال الإصحاح الثامن عشر نجد كيف تأسست كنيسة كورنثوس في الكلمات “وَكَثِيرُونَ مِنَ الْكُورِنْثِيِّينَ إِذْ سَمِعُوا آمَنُوا وَاعْتَمَدُوا” (أع 18: 8). والترتيب الذي نراه في هذه الآية هو :

السماع.

الإيمان.

العماد.

ولا شك أن هذا الترتيب ينطبق على بيت إستفانوس الذي صار أفراده أعضاء في كنيسة كورنثوس بعد عمادهم. وعن هذا البيت ذاته نقرأ في ختام الرسالة “وَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ: أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ بَيْتَ اسْتِفَانَاسَ أَنَّهُمْ بَاكُورَةُ أَخَائِيَةَ، وَقَدْ رَتَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِخِدْمَةِ الْقِدِّيسِينَ، كَيْ تَخْضَعُوا أَنْتُمْ أَيْضًا لِمِثْلِ هؤُلاَءِ، وَكُلِّ مَنْ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيَتْعَبُ” (1كو15:16، 16).

وفي هذه الكلمات ما ينفي نفيًا قاطعًا وجود أطفال في ذلك البيت وإلا فهل يعقل أن الأطفال رتبوا أنفسهم لخدمة القديسين؟ وهل يعقل أن الرسول يطلب من الكنيسة في كورنثوس الخضوع لمثل هؤلاء ويكون بين هؤلاء أطفالاً غير مدركين؟

ليتنا نتعلم باستمرار أن نرفع سلطان كلمة الله، ولا نتجرأ أن نزيد عليها كلمة متذكرين كلمات صاحب الأمثال القائلة “كُلُّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ نَقِيَّةٌ. تُرْسٌ هُوَ لِلْمُحْتَمِينَ بِهِ. لاَ تَزِدْ عَلَى كَلِمَاتِهِ لِئَلاَّ يُوَبِّخَكَ فَتُكَذَّبَ” (أم 30: 5، 6).

هذا يأتي بنا إلى الكلمات الموجودة في رسالة بولس الرسول إلى أهل كورنثوس الإصحاح العاشر “فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمْ أَكَلُوا طَعَامًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ” (1كو1:10-4).

لقد حاول المحاولون عبثًا أن يجدوا في الكلمات “وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ” (1 كو 10: 2). دليلاً يبررون به معمودية الأطفال، إذ قالوا أنه من الممكن أنه كان هناك اطفال في جماعة إسرائيل، وأنهم قد مروا هم أيضًا تحت السحابة وبهذا إعتمدوا كما إعتمد الكبار.

وقد نسى هؤلاء أن بولس تكلم هنا بصراحة عن (الأباء) الذين أكلوا طعامًا واحدًا روحيًا وشربوا شرابًا واحدًا روحيًا. وأن هذه المعمودية كانت معمودية أمة بأسرها وهي تختلف عن المعمودية المسيحية الفردية.

ونسوا كذلك أن الذين قال عنهم بولس أنهم “اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ” قال عنهم بالذات أيضًا “فَلاَ تَكُونُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ كَمَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ … وَلاَ نَزْنِ كَمَا زَنَى أُنَاسٌ مِنْهُمْ ..  وَلاَ نُجَرِّبِ الْمَسِيحَ كَمَا جَرَّبَ أَيْضًا أُنَاسٌ مِنْهُمْ” (1كو7:10، 8، 9).

فهل الأطفال يعبدون الأوثان؟ ويزنون؟ ويجربون المسيح؟!

وفوق هذا فإن قيل إن مجرد مرور الأطفال تحت السحابة وعبورهم في البحر يعتبر معمودية لهم؟ إذًا فنقدر أن نقول إن البقر والغنم والعربات والخيول التي مرت تحت السحابة قد إعتمدت هي الأخرى، وكذلك إعتمد جسد يوسف المحنط الذي كانت تحمله العربة!!

إن الحقيقة التي نراها ساطعة أمامنا أن بولس الرسول لم يقصد الأطفال في حديثه، وأن كلمة (جميع) في إستعمالها الكتابي لا تعني بالضرورة الأطفال أيضًا فنقرأ في سفر العدد هذه الآيات “فَرَفَعَتْ كُلُّ الْجَمَاعَةِ صَوْتَهَا وَصَرَخَتْ، وَبَكَى الشَّعْبُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَتَذَمَّرَ عَلَى مُوسَى وَعَلَى هَارُونَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ لَهُمَا كُلُّ الْجَمَاعَةِ: «لَيْتَنَا مُتْنَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، أَوْ لَيْتَنَا مُتْنَا فِي هذَا الْقَفْرِ! وَلِمَاذَا أَتَى بِنَا الرَّبُّ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ لِنَسْقُطَ بِالسَّيْفِ؟ تَصِيرُ نِسَاؤُنَا وَأَطْفَالُنَا غَنِيمَةً” (عد1:14-3).

 فهل صرخ الأطفال وبكوا وتذمروا على موسى وعلى الرب؟ (عب16:3).

نحن نعلم أن الأطفال لم يكن في إستطاعتهم أن يتذمروا على الرب، لسبب بسيط هو أنه لم يكن في إمكانهم أن ينطقوا بالكلمات، ونرى أن الذين إعتمدوا هم (الآباء) وهم أنفسهم الذين بأكثرهم لم يسر الله، لأنهم عبدوا الأوثان، وزنوا، وجربوا المسيح، وتذمروا ولا يعقل أن هذه الكلمات قيلت عن الأطفال.

ولا نستطيع أن نختم الحديث في هذا الصدد إلا بعد أن نذكر أن عبارة (أهل بيته أو جميع بيته) من الممكن أن يستخدمها الوحي ومع ذلك فهي لا تعني كل فرد في المنزل من الصغير إلى الكبير. ففي (1صم21:1) نقرأ “وَصَعِدَ الرَّجُلُ أَلْقَانَةُ وَجَمِيعُ بَيْتِهِ لِيَذْبَحَ لِلرَّبِّ الذَّبِيحَةَ السَّنَوِيَّةَ، وَنَذْرَهُ” ومع هذا فالسجل المقدس يؤكد لنا أن زوجته حنة وإبنها صموئيل لم يصعدا لتقديم الذبيحة السنوية فيقول “وَلكِنَّ حَنَّةَ لَمْ تَصْعَدْ لأَنَّهَا قَالَتْ لِرَجُلِهَا: «مَتَى فُطِمَ الصَّبِيُّ آتِي بِهِ” (1 صم 1: 22).

فكلمة (جميع بيته) في هذه العبارة لا تعني كل من في البيت من الصغار والكبار، فإذا كان الوحي يعلن أن جميع البيت ليس بالضرورة كل من فيه، فلماذا نستند على الهواء، ونعارض أمر الرب الصريح القائل “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَص” لتثبيت تعليم ليس من الكتاب المقدس في شيء؟

إننا نصل من كل ما تقدم إلى نتيجة حاسمة هي أن البيوت المذكورة في سفر الأعمال ورسالة كورنثوس الأولى لم يكن بها أطفال وأن معمودية الأطفال لا سند لها في كل أسفار الكتاب المقدس.

وسادس أساس خاطيء لمعمودية الأطفال هو الإعتقاد بأن معمودية الماء تطهر الطفل من الخطية الجدية أي خطية آدم:

يقول القائلين بهذا التعليم، أن الأطفال مشتركون في الخطية الجدية مثل الكبار، ولا يمكنهم التطهير منها والدخول إلى ملكوت النعمة إلا بالمعمودية. وهذا القول يناقض الكتاب المقدس مناقضة صريحة، لأنه يجعل لماء المعمودية قوة وفاعلية دم المسيح الكريم في التطهير من الخطية. والقلب يحزن على من يريدون أن يستبدلوا دم المسيح بالماء.

والكتاب المقدس يعلم صراحة في كل أسفاره أن (دم المسيح وحده) هو الذي يكفر عن النفس كما يقول الله في سفر اللاويين “لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ” (لا 17: 11). اقرأ (عب11:9، 12)، (عب4:10).

وأن (دم المسيح وحده) هو وسيلة التطهير من كل الخطية كما يقول يوحنا الرسول “وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ” (1 يو 1: 7).

وأن (دم المسيح وحده) هو الذي يغسل الخطايا كما يقول يوحنا أيضًا في سفر الرؤيا “الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ” (رؤ 1: 5).

وأن (دم المسيح وحده) هو وسيلة فدائنا وغفران خطايانا كما يقول بولس الرسول “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أف 1: 7).

ويقينًا إن القلب المؤمن بالحق يحزن وينكسر حين يرى البشر يحاولون أن يضعوا شيئًا إلى جوار دم المسيح الكريم لتطهيرهم من الخطية.

نحن لا ننكر أن الأطفال مشتركون في خطية آدم مثل الكبار ولكننا نعرف يقينًا أن خطية آدم قد إنتهى حسابها في الصليب دون إستشارتهم، وها هو يوحنا المعمدان يشير إلى المسيح هاتفًا “هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ” (يو 1: 29). ويلاحظ القاريء أن الآية تذكر كلمة (خطية) بصيغة المفرد، لا (خطايا) العالم في صيغة الجمع.

وما هي الخطية التي اشترك فيها العالم كله؟ إنها خطية آدم بلا جدال، وقد جاء الرب يسوع ورفع هذه الخطية ودفع أجرتها بموته على الصليب، دون أن يستشير البشر أو يطلب موافقتهم على ذلك، ولذا فنحن لا نجد آية واحدة في كل الكتاب المقدس ترينا أن أحدًا من الناس سوف يدان لأجل خطية آدم، بل على العكس من ذلك يقول الكتاب بصراحة أن “لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَحْمِلُ حِمْلَ نَفْسِهِ” (غل 6: 5).

“اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ” (حز 18: 20). وعلى هذا الأساس الكتابي يمكننا القول بأن كل أطفال العالم سيذهبون إلى السماء لو ماتوا قبل سن الإدراك والمسئولية والتمييز بين الخير والشر، دون حاجة إطلاقًا إلى معمودية الماء لتطهيرهم من خطية آدم، لأن دم المسيح قد قام بهذا العمل العظيم، وسدد إلى التمام أجرة هذه الخطية التي يسمونها (الخطية الجدية) مبارك اسم الله إلى الأبد.

وهنا يجدر بنا أن نتوقف قليلاً عند الكلمات القائلة “أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ وَفِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِنَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي” (تث 5: 9). لنفهم معناها في ضوء الكتاب كله، لأن الكثيرين غير المؤمنين سيذهبون إلى جهنم لا محالة، وأن المعمودية وحدها هي التي تنقذ الأطفال الأبرياء المساكين من هذا العقاب الأليم.

وهنا نعود فنردد ما قُلنا حتى يتركز تمامًا في الأذهان، وهو أن (دم المسيح وحده) هو وسيلة التطهير والغفران، ويقينًا أنها عقيدة مُرعبة هذه التي يعتنقها القائلون بهلاك الأطفال الأبرياء! إنها تصور الآب القدوس الرحوم المُحب الشفوق وهو يقذف بملايين الأطفال من كل الأديان والأمم والشعوب والألسنة إلى بحيرة النار والكبريت، مع أنهم في براءة طفولتهم الحلوة العذبة لم يرتكبوا ذنبًا ولا خطية سوى أن والديهم لم (يعمدوهم بالماء) في طفولتهم مع أن هذه العقيدة تتنافى مع كلمات الكتاب المقدس الصريحة القائلة “اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ” (حز 18: 20)، بل وتتنافى مع عدالة الله الناصعة البياض.

عندما أراد بيلاطس أن يبريء المسيح سأل اليهود قائلاً: “فَأَيَّ شَرّ عَمِلَ هذَا؟” (لو 23: 22). فصرخوا بلا سبب ولا دليل قائلين “اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ” (لو 23: 21). وكم من أُناس يقولون بلا مبرر معقول إن الطفل البريء غير المعتمد هالك لا محالة ونحن نسألهم «وأي شر عمل؟» ويرد عليهم رب المجد قائلاً “دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ” (لو 18: 16).

وهنا يحق لنا أن نسأل: إذًا ما هو التفسير الصحيح لإفتقاد الله ذنوب الآباء في الأبناء؟ ولكي نفهم معنى هذه الكلمات ينبغي أن ندرسها في مواضعها، فالله لم يذكر إفتقاد ذنوب الآباء في الأبناء إلا بالإرتباط مع السجود للأوثان وصُنع التماثيل، فقال الله في سفر الخروج “لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ.لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ” (خر 20: 4، 5).

والمتأمل في كلمات الرب يرى أن العقاب هنا على الأبناء الذين يتبعون آباءهم في السجود للأوثان وفي بُغض الله وكرهه لذلك قال الرب  “فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ” وطبيعي أن الطفل لا يعي معنى السجود للأوثان، ولا يمكنه أن يتعمد أن يغضب الله، فالآية لا ذكر فيها للأطفال بل لأشخاص توارثوا الخطية ولم يتوبوا عنها، بل كبروا فيها وتعمدوا عملها بإصرار.

والآية لا ذكر فيها إطلاقًا لمعمودية الماء كطريق لنوال التطهير والغفران.

ويكفي أن أورد هنا جزءًا مما جاء في كتاب شرح أصول الإيمان لمؤلفه الدكتور أندراوس وطسون، فقد جاء في صفحة 331 من هذا الكتاب ما يلي:

س: هل معاقبة الأبناء من أجل خطايا الآباء توافق عدل الباري؟

ج: نعم إنها توافق ذلك لأن الأبناء الذين يعاقبون على خطايا أبائهم يكونون قد سلكوا مسالك آبائهم الشريرة وتبعوا قدوتهم الرديئة واستحسنوا أفعالهم السيئة أو على الأقل لم يرفضوها ولا حزنوا عليها.

س: فكيف تفسر إذًا ما قيل في (حز20:18) “اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ”؟

ج: إن المشار إليه بقول النبي هو الابن الذي لا يسلك في مسلك أبيه الشرير كما يتضح من الإصحاح (14:18، 17) “وَإِنْ وَلَدَ ابْنًا رَأَى جَمِيعَ خَطَايَا أَبِيهِ الَّتِي فَعَلَهَا، فَرَآهَا وَلَمْ يَفْعَلْ مِثْلَهَا … فَإِنَّهُ لاَ يَمُوتُ بِإِثْمِ أَبِيهِ. حَيَاةً يَحْيَا “ (حز 18: 14، 17). وأما التهديد المتضمن في قول الرب “أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ” (خر 20: 4، 5).

فأنه يقع على الذي يتمثل بأبيه الشرير مثل ناداب بن يربعام الذي “عَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَسَارَ فِي طَرِيقِ أَبِيهِ” (1مل26:25) وذلك يظهر أيضًا من ألفاظ التهديد ذاتها إذ يقول الله “أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ”.

هذا كله يصل بنا إلى نتيجة حاسمة هي أن المعمودية لا يمكن أن تطهر من خطية آدم ولا من ذنوب الآباء، وإنما التطهير من كل خطية هو بدم المسيح وحده، وعلى هذا فإن معمودية الأطفال لا أساس لها في كلمة الله.

وسابع أساس خاطيء لمعمودية الأطفال هو الإعتقاد بصدق التقاليد أكثر من الإعتقاد بسلطان الكتاب المقدس الوحيد:

يستند القائلون بتعليم معمودية الأطفال على القول: إن معلمي الكنيسة وآبائها هكذا سلكوا وهكذا علموا بوجوب تعميد الأطفال، ويذكرون أن ذلك تقليد قديم، وأن معظم الطوائف تعمد الأطفال، ولذا يجب أن نسير بحسب التقاليد، ويزعمون أن تعليم معمودية المؤمنين تعليم جديد.

ويقينًا أن الذين يعمدون الأطفال استنادًا على قدم التقاليد، يحطون دون أن يدروا أو وهم يدرون من سلطان الكتاب المقدس الوحيد.

لأن أيهما أقدم أمر الرب بخصوص المعمودية في البشائر، وسفر أعمال الرسل، ورسائل الرسل أم تقاليد الكنيسة؟!

وإذا كانت الأناجيل، وسفر أعمال الرسل، ورسائل الرسل، كلها تعلم بضرورة المعمودية بعد الإيمان، فأيهما التعليم الجديد، تعليم الكتاب المقدس القديم أم تعليم التقاليد؟

لا شك في أن الكتاب المقدس كتاب كامل، يحوي كل ما نحتاج إليه بخصوص الإيمان والحياة، والكتاب المقدس هو إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة، وكل النور الذي نحتاج إليه لإيماننا وأعمالنا نجده في الكتاب المقدس وحده، ونحن لا نستطيع أن نحذف منه شيئًا أو أن نزيد عليه حرفًا – اقرأ (أم5:30، 6)، (رؤ18:22، 19).

وأي مؤمن حقيقي مقاد بالروح القدس يستطيع أن يفهم الكتاب ويعيش بحسب إعلاناته.

وعلى هذا فإن كل تعليم يجب أن يُمتحن بالكتاب المقدس!! فلنسمع ماذا يقول بولس الرسول لتيموثاوس “وَأَمَّا أَنْتَ فَاثْبُتْ عَلَى مَا تَعَلَّمْتَ وَأَيْقَنْتَ، عَارِفًا مِمَّنْ تَعَلَّمْتَ. وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ، بِالإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلًا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ” (2 تي 3: 14-17).

ولنسمع ماذا يقول المزمور المئة والتاسع عشر “سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي” (مز 119: 105).

فالكتاب المقدس هو (وحي الله) وهو (سراج الرجل ونور السبيل) للمؤمن الحقيقي، وبه يجب أن نمتحن كل عقيدة وكل تقليد.

إن الأغلبية ليست هي الحكم على صدق التعليم، فقد إتفقت الأغلبية على صلب الرب يسوع المسيح وهتفت الجماهير الثائرة أمام بيلاطس قائلة «أُصلبه أُصلبه» مع أنها لم تجد في المسيح علة واحدة. وقد قال لنا الرب “لاَ تَتْبَعِ الْكَثِيرِينَ إِلَى فِعْلِ الشَّرِّ، وَلاَ تُجِبْ فِي دَعْوَى مَائِلًا وَرَاءَ الْكَثِيرِينَ لِلتَّحْرِيفِ” (خر 23: 2).

وها هو الرب له المجد يوبخ الكتبة والفريسيين الذين جاءوا إليه من أورشليم ليسألوه “لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ؟” (مر 7: 5) فأجاب وقال لهم “حَسَنًا تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ! كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا، وَبَاطِلًا يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ. لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ … رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ … مُبْطِلِينَ كَلاَمَ اللهِ بِتَقْلِيدِكُمُ الَّذِي سَلَّمْتُمُوهُ. وَأُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ (مر6:7-13).

إن المؤمن الحقيقي ليس أمامه سوى طريق واحد، هو طريق إعلاء سلطان الكتاب المقدس … أما وصايا وتعاليم الناس، أما تقليد البشر الذي يعارض كلمة الله فليس له أية قيمة في عينيَّ المسيحي المولود من الله.

وقد إتفقت شهادة الذين درسوا الكتاب المقدس في مختلف عصور التاريخ على أن الكتاب يخلو تمامًا من الحديث عن معمودية الأطفال.

ففي سنة 197 م إحتج ترتليان ضد معمودية الأطفال.

وقال مارتن لوثر: «لا يمكننا أن نبرهن أن معمودية الأطفال رتبها المسيح أو المسيحيون الأوائل بعد الرسل».

وقال يوحنا كلفن: «لم يوضح التلاميذ شيئًا في كل الكتاب المقدس بخصوص معمودية الأطفال».

وقال دكتور بردو مؤلف تاريخ الكنيسة «واضح أن المسيح لم يأمر بعماد الأطفال».

وكتب دكتور آدم كلارك في تفسير الآية «من آمن وإعتمد خلص» قائلاً: «من آمن بالإنجيل كإعلان الله، وإعتمد كمن يضع نفسه لإتمام مطاليب الإنجيل نال الخلاص».

وقال دكتور أدولف دايسمان أستاذ العهد الجديد بجامعة برلين «إن المسيحيين الأوائل أدركوا معنى المعمودية كرمز للموت والدفن والقيامة مع المسيح لأنهم كانوا يعتمدون وهم في سن الإدراك وكانت المعمودية تترك في ذهن المتجدد المعتمد تأثيرًا لا يُمحى».

وقال تشارلس ما كنتوش مفسر أسفار موسى الخمسة: «إنني أحتج وأشتكي على أولئك الذين بدلاً من أن يعظوا بالمسيح ويعلموا به، يقلقون عقول شعب الله بتعليمهم عن ضرورة معمودية الأطفال. ومن جهتي أقول إنني خلال 32 سنة فتشت بلا طائل عن سطر واحد في الكتاب المقدس يعلم بمعمودية الماء لغير المؤمنين الكبار أو الذين يعترفون بإيمانهم، فوجدت مزاعم، وتعليلات، واستدلالات ولكنني لم أجد آية واحدة مباشرة في الكتاب المقدس تعلم بمعمودية الأطفال» كتاب (Things New and Old Vol. 25 page 48).

وقال أندرو ميلر: «هناك تناسق تام في العهد الجديد من جهة الأمر والمثال بخصوص معمودية الماء. ولكن في يومنا الحاضر، ومنذ بداية القرن الثالث نجد في الكنائس إختلافات لا تنتهي بخصوص التعليم والإجراء لهذه الفريضة المهمة. ولقد كان (إيريناوس) أسقف ليون أول من أشار بمعمودية الأطفال. مات هذا الأسقف سنة 200 ميلادية وظهرت كتاباته في ختام القرن الثاني، أما الآباء الرسوليون فلم يذكروا شيئًا بخصوص معمودية الأطفال على الإطلاق» أندرو ميلر في كتابه (Short paper on Church History).

وأخيرًا نذكر ما قاله دكتور هـ. أ. إيرنسيد في ختام كتابه (المعمودية وماذا يقول الكتاب عنها) فقد قال: «والآن أيها القاريء، لي كلمة أخيرة معك .. هل أنت متأكد أنك نلت الخلاص؟ فإذا كنت قد خلصت فهل حفظت كلمة الرب يسوع، وأطعت تعليم الروح القدس بأن اعتمدت بالماء ما دمت أعلنت إيمانك بالمسيح؟

في (عب5:8) يلفت الروح القدس أنظارنا إلى إهتمام الرب ببيته في البرية قائلاً «أنظر أن تصنع كل شيء حسب المثال الذي أظهر لك في الجبل» وهذه الكلمة لم تترك مجالاً لفكر الإنسان ليضع شيئًا في ذلك البيت في تلك الأيام. إن المثال الذي أعطاه الله قد حدد ورسم كل شيء.

وخيمة الإجتماع قد إنتهت منذ وقت طويل، ولكن الله له مسكن على الأرض الآن قال عنه بولس في رسالة أفسس “الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا للهِ فِي الرُّوحِ” (أف 2: 22). وقال عنه في رسالة تيموثاوس الأولى “بَيْتِ اللهِ، الَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ” (1 تي 3: 15). فهل يمكن أن نفكر لحظة أن كنيسة الله أقل في نظامها من ذلك الظل القديم؟

فما هو المثال المُعطي لنا من الله الآن؟ ألا نجده في (أع41:2، 42). “فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ. وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ” (أع 2: 41، 42).

فهل قبلت كلمة الله؟ وإذا كنت قد قبلتها فهل إعتمدت بالماء بعد إيمانك؟ إذا لم تكن قد إعتمدت فإني أتوسل إليك أن تتأمل في كلمات الرب يسوع “إِنْ عَلِمْتُمْ هذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ” (يو 13: 17).

بقى سؤال أخير هام قد يخطر ببال الكثيرين وهو:

هل من ضرر لمعمودية الأطفال؟

ويقينًا أن هناك عدة أضرار خطيرة لمعمودية الأطفال:

أولها: وأبلغها خطرًا هو أن معمودية الأطفال هي عصيان صريح سافر لأمر الرب الواضح “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” (مر 16: 16). وفي هذا كل الخطر على الناس لأنه يضعف من سلطان الكتاب المقدس على ضمائرهم، ويجعلهم يثقون في تعاليم البشر، ويهملون الخضوع لتعاليم كلمة الله الموحى بها، وفي هذا كل الضرر وكل الخطر.

وثانيها: أنها تعطي للناس رجاءً باطلاً بأنهم ولدوا الميلاد الثاني بالمعمودية وصاروا مسيحيين حقيقيين، مع أن المعمودية لم تعطهم هذا الميلاد، وبذا يعيشون في طمأنينة كاذبة، وتفقد رسالة إنجيل الخلاص معناها وتأثيرها بالنسبة إليهم، وبدلاً من أن يعود الواحد من أولئك المعتمدين إلى الله لنوال الخلاص والقلب الجديد بالإيمان الشخصي بالرب يسوع، ويعتمد بالماء في طاعة شخصية لأمر الرب يستمر في خطاياه معتقدًا بأنه صار مسيحيًا من يوم أن عمده والداه. و يا له من إعتقاد باطل كاذب .. وهكذا يموت ويهلك في خطاياه.

وثالثهما: أنها تعطي للناس فكرة فاسدة بأنهم إنضموا إلى الكنيسة المنظورة لا عن طريق الإيمان الشخصي والمعمودية الكتابية كما تعلم كلمة الله، وإنما عن طريق طقس أُجريَّ لهم في طفولتهم دون أن يكون لهم أية حرية في قبوله أو رفضه، وبهذا تصبح عضوية الكنيسة أمرًا هينًا، وتضُم الكنيسة بهذا الطريق الخاطيء عشرات من غير المتجددين وكل مؤهلاتهم أنهم إعتمدوا بالماء في طفولتهم مع أن الكتاب يقول بصراحة “وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ” (أع 2: 47). ومن هم هؤلاء المخلصين؟ إنهم الذين انطبقت عليهم كلمات الرب “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” (مر 16: 16). وهم الذين أرانا سفر أعمال الرسل كيفية إنضمامهم للكنيسة في الكلمات “فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ” (أع 2: 41). “وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ” (أع 2: 47) فما أكبر شقة الخلاف بين تعليم الله وتعاليم الناس!

ورابعها: أنها تقف عثرة في طريق من يتجدد، وتعرضه لموقف العناد لمشيئة الرب، وتدخله في صراع ما كان أغناه عن الدخول فيه لو لم يعتمد في طفولته، فيتردد وقتًا من الزمن بين إطاعة أمر الرب الصريح “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” وبين عصيان هذا الأمر الكريم إستنادًا على المعمودية غير الكتابية التي أجريت له في طفولته، وهو قطعًا لن يستريح إذا كان مؤمنًا حقيقيًا إلا بعد أن يطيع الرب طاعة شخصية ويعتمد بالمعمودية الكتابية.

 

الفصل الرابع

المعمودية في سفر الأعمال

يجدر بنا ونحن ندرس موضوع معمودية الماء، أن نمر مرورًا سريعًا على المواضع التي ذكرت فيها المعمودية في سفر أعمال الرسل، والتي لم نذكرها فيما سبق من حديث أو ذكرناها بغير تفصيل، وسنرى بكل جلاء مقدار إهتمام الكنيسة الأولى بإطاعة أمر سيدها بخصوص المعمودية بعد الإيمان.

ويقينًا أن هذا السفر الجليل يرد ردًا قاطعًا على كل من يحاول أن يقلل من قيمة معمودية الماء، أو يسلبها أهميتها وضرورتها بعد الإيمان.

لقد كان الرسل الأولون أناسًا أمناء في تطبيق أمر الرب كما نطق به، لم يحاولوا أن ينقصوا منه، ولم يحاولوا أن يزيدوا عليه، فليتنا نعود بإخلاص قلب، وبمحبة الرب إلى بساطة الكنيسة الأولى مطيعين أمر ربنا الذي قال لنا “«إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ” (يو 14: 15) “غَيْرَ مُخَوَّفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُقَاوِمِينَ” (في 1: 28).

والآن إلى سياحة في سفر أعمال الرسل، هذا السجل الموحى به من الله عن أعمال الكنيسة الأولى، هذا السفر القديم الصادق، الذي هو أصدق من التقليد، وأكثر دقة من التاريخ لنرى من هم أولئك الذين عمدهم الرسل في ذلك السفر الجليل.

معمودية يوم الخمسين:

وأول حادثة عماد تقابلنا في هذا السفر هي حادثة عماد الثلاثة آلاف الذين وعظهم بطرس يوم الخمسين، وربحهم للمسيح. ثم طلب منهم أن يعتمدوا بعد ان نالوا الخلاص الثمين. وتأتي الحادثة في هذه الكلمات “وَكَانَ يَهُودٌ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ سَاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ …  فَلَمَّا صَارَ هذَا الصَّوْتُ، اجْتَمَعَ الْجُمْهُورُ فَوَقَفَ بُطْرُسُ مَعَ الأَحَدَ عَشَرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ لَهُمْ … فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا» … فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا لِبُطْرُسَ وَلِسَائِرَ الرُّسُلِ: «مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟» فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ : «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. لأَنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ وَلِكُلِّ الَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ، كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ إِلهُنَا … فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ. وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ” (أع5:2، 14، 36-41).

والآن لندرس هذه الحادثة في ضوء هذه الملاحظات:

أن بطرس وعظ جموع اليهود في أورشليم عن خطيتهم التي أرتكبوها بصلبهم المسيح.

أن نحو ثلاثة آلاف من هذه الجموع نخسوا في قلوبهم أي أحسوا بالتبكيت على خطيتهم، والتبكيت لا يحس به إلا الشخص المدرك لمعنى المسئولية.

أن الإحساس بالتبكيت قاد هؤلاء الذين أحسوا به إلى السؤال عن طريق الخلاص، فقالوا لبطرس ولسائر الرسل «ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟» وهذا ينفي تمامًا وجود أطفال بين هؤلاء السائلين.

أن بطرس طلب منهم أن يتوبوا قائلاً «توبوا» وكذلك طلب (من كل واحد منهم) أن يعتمد على أسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، اي أن يعتمد بالمعمودية التي أمر بها الرب يسوع المسيح حين قال “َعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت 28: 19).

والكلمات “كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ” تؤكد أن المعمودية عمل فردي لا يدل على إيمان والديهم، إذ أن بطرس لم يطلب من هؤلاء الذين صاروا مسيحيين حقيقيين أن يعمدوا أطفالهم على إيمانهم، فالقول بأن المعمودية بعد الإيمان كانت لليهود والوثنيين فقط قول باطل، لأن الرسل الأولين لم يعمدوا الأطفال بعد أن صار والديهم مسيحيين ولم يزيدوا كلمة على أمر الرب الصريح.

أن الثلاثة آلاف قبلوا كلام بطرس بفرح، وقبول الكلمة هو واسطة الميلاد الثاني كما يقول يعقوب الرسول “شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لِكَيْ نَكُونَ بَاكُورَةً مِنْ خَلاَئِقِهِ” (يع 1: 18).

أن الثلاثة آلاف بعد أن ولدوا الميلاد الثاني بقبول كلمة الله إعتمدوا بالماء وإنضموا إلى الكنيسة في أورشليم، فالمعمودية بعد الإيمان هي شرط الإنضمام إلى الكنيسة المحلية.

أن الثلاثة آلاف بعد إنضمامهم للكنيسة بالمعمودية واظبوا على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات، فكسر الخبز هو فريضة خاصة بالكنيسة المحلية، ولا يجب أن يشترك في هذه الفريضة إلا الذين آمنوا وإعتمدوا بالماء، أي الذين إنضموا للكنيسة بعد إيمانهم وطاعتهم للرب في المعمودية.

أن التوبة والإيمان شرطان ضروريان للعماد في كل الأجيال، لأن الإنجيل لا تتوقف وصاياه على جيل دون جيل، ولا تتغير بتغير الظروف والعصور إذ قال الرب يسوع “اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ، وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ” (لو 21: 33). “وَأَمَّا كَلِمَةُ الرَّبِّ فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ” (1 بط 1: 25).

وهل نجد شخصًا له ذرة من التفكير السليم يقرأ حادثة عماد الثلاثة آلاف، ويقول إن الطفل يسمع رسالة الإنجيل، ثم يقوده السماع إلى التبكيت، والتبكيت إلى السؤال، والسؤال إلى التوبة والإيمان، والتوبة والإيمان إلى طاعة الرب في فريضة معمودية الماء، ثم الإنضمام إلى الكنيسة والإشتراك في مائدة الرب!!

إننا لا نستطيع أن نرى بين هذه الآلاف طفلاً واحدًا، أو شخصًا واحدًا لم يعترف بإيمانه الشخصي بالمسيح، وهذا يؤكد أن معمودية الأطفال ليست من تعليم الكتاب المقدس على الإطلاق.

وهنا يقول قائل: إذن ما معنى كلمات بطرس لهؤلاء الراجعين “لأَنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ”؟ وألا نجد في هذه الكلمات تصريحًا بضرورة معمودية الأطفال، فكيف لا نعمد الأطفال والموعد لهم؟

وكل دارس للكتاب المقدس يعرف أن (معمودية الماء) لم تكن موعدًا إلهيًا تحدث عنه الأنبياء، وإنما هذا الموعد هو (موعد الروح القدس) وإذا عدنا إلى الإصحاح الذي وردت فيه الكلمات “لأَنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ” فإننا نقرأ قول بطرس عن المسيح “وَإِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ، سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ” (أع 2: 33). وقد قال الرب يسوع لتلاميذه قبل صعوده “وَهَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ مَوْعِدَ أَبِي. فَأَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي” (لو 24: 49). ومرة أخرى أوصاهم قائلاً  “أَنْ لاَ يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا مَوْعِدَ الآبِ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي” (أع 1: 4). ومن كل هذه الآيات نرى أن الموعد الذي تكلم عنه بطرس لم يكن (معمودية الماء) بل كان (موعد الروح القدس) الذي حل على التلاميذ يوم الخمسين.

ونحن نرى أن بطرس قد أجاب الذين سألوا “مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟» فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ : «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. لأَنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ وَلِكُلِّ الَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ، كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ إِلهُنَا” (أع38:2، 39).

وقد أوضح بطرس لسامعيه «أن موعد الروح القدس هو لهم ولأولادهم ولكل الذين على بعد … كل من يدعوه الرب إلهنا». وتعني هذه الكلمات أن موعد الروح القدس هو لليهود الذين قبلوا المسيح، ولأولادهم الذين يقبلون المسيح كذلك، ولكل من يقبل المسيح من الأمم البعيدين “كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ إِلهُنَا”، وبعبارة أدق أن موعد الروح القدس هو للأفراد الذين يطيعون دعوة الرب كما قال بطرس والرسل “وَنَحْنُ شُهُودٌ لَهُ بِهذِهِ الأُمُورِ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضًا، الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ” (أع 5: 32). وهذه الحقيقة تؤكدها كلمات بولس الرسول “لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ (غل 3: 14). فموعد الروح لا يمكن نواله إلا بالإيمان الشخصي بالرب يسوع المسيح.

ولنلاحظ أن من تأثيرات نوال هذا (الموعد) نوال القوة للشهادة “لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا” (أع 1: 8). فهل يقدر الطفل أن يشهد للمسيح بقوة وهو لا يعرف أن ينطق بالكلمات؟ وهل من المعقول أن الله يعطي عطاياه لمن لا يدركونها أو يستخدمونها؟!

إن الله يعطي موعد الروح للشخص، بعد أن يكبر، ويدرك، ويفهم، ويقبل الرب يسوع، ويصبح إبنًا له بالمسيح، كما يقول الرسول بولس “فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ الْمَوْعِدِ وَرَثَةٌ” (غل 3: 29). “ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: «يَا أَبَا الآبُ»” (غل 4: 6).

فهل أدركت يا قارئي المحبوب أن الموعد المذكور في الآية هو (موعد الروح القدس) وليس (معمودية الماء)؟ وهل أدركت أن كلمة (أولادكم) لا تعني أطفالكم فقد قال يوحنا المعمدان للفريسيين المرائين “يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي!” (مت 12: 34) وليس يعقل أنه قصد بهذا الأطفال الأبرياء!! وقال الرب يسوع لليهود “لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ!” (يو 8: 39). وكان حديثه موجهًا إلى الكبار المعاندين وليس إلى الأطفال.

من هذا كله نصل إلى نتيجة أخيرة وهي أن (موعد الروح القدس) ليس للأطفال بل للمؤمنين البالغين الفاهمين، وأن الآية لا ذكر فيها للمعمودية، لأن معمودية الماء لم تكن أبدًا وعدًا من المواعيد الإلهية، بل هي فريضة ضرورية يتممها المؤمن بالمسيح في طاعة شخصية.

معمودية أهل السامرة:

ذكرت معمودية أهل السامرة في هذه الكلمات “فَانْحَدَرَ فِيلُبُّسُ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ وَكَانَ يَكْرِزُ لَهُمْ بِالْمَسِيحِ. وَكَانَ الْجُمُوعُ يُصْغُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى مَا يَقُولُهُ فِيلُبُّسُ … وَلكِنْ لَمَّا صَدَّقُوا فِيلُبُّسَ وَهُوَ يُبَشِّرُ بِالأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ وَبِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، اعْتَمَدُوا رِجَالًا وَنِسَاءً” (أع5:8، 6، 12).

فلندرس معمودية أهل السامرة في ضوء هذه الملاحظات:

أن فيلبس كرز لشعب السامرة بالمسيح، وقد صدق هذا الشعب رسالة فيلبس، وآمنوا بتعليمه عن الآمور المختصة بملكوت الله، ودفعهم إيمانهم هذا إلى التوبة عن السحر والإنقطاع عن إتباع سيمون الساحر.

إنهم بعد (تصديقهم) أي (إيمانهم) إعتمدوا رجالاً ونساء. فمعمودية المؤمنين الكبار من الرجال والنساء ليس بدعة، وإنما هي تعليم كلمة الله، وإنما البدعة هي معمودية الأطفال التي لا وجود لها في الكتاب المقدس.

أن فيلبس لم يطلب من (الرجال والنساء) الذين إعتمدوا وصاروا أولادًا وبنات لله أن يعمدوا أولادهم على (إيمانهم) مما ينفي تمامًا معمودية أولاد المؤمنين على إيمان والديهم، ويؤكد أن الكنيسة الأولى لم تعلم هذا التعليم.

 معمودية الوزير الحبشي :

وردت حادثة عماد الوزير الحبشي في الإصحاح الثامن من سفر أعمال الرسل، كان ذلك الوزير عائدًا من أورشليم إلى الحبشة، وإذ رأى الرب إخلاص قلبه في البحث عن الحق، كلم ملاك الرب فيلبس أن يذهب إلى الطريق الذي عاد فيه – وهنا نقرأ من السجل المقدس “فَقَامَ وَذَهَبَ. وَإِذَا رَجُلٌ حَبَشِيٌّ خَصِيٌّ، وَزِيرٌ لِكَنْدَاكَةَ مَلِكَةِ الْحَبَشَةِ، كَانَ عَلَى جَمِيعِ خَزَائِنِهَا. فَهذَا كَانَ قَدْ جَاءَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيَسْجُدَ. وَكَانَ رَاجِعًا وَجَالِسًا عَلَى مَرْكَبَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ النَّبِيَّ إِشَعْيَاءَ. فَقَالَ الرُّوحُ لِفِيلُبُّسَ: «تَقَدَّمْ وَرَافِقْ هذِهِ الْمَرْكَبَةَ». فَبَادَرَ إِلَيْهِ فِيلُبُّسُ، وَسَمِعَهُ يَقْرَأُ النَّبِيَّ إِشَعْيَاءَ، فَقَالَ: «أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟» فَقَالَ: «كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرْشِدْنِي أَحَدٌ؟». وَطَلَبَ إِلَى فِيلُبُّسَ أَنْ يَصْعَدَ وَيَجْلِسَ مَعَهُ. وَأَمَّا فَصْلُ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُهُ فَكَانَ هذَا: «مِثْلَ شَاةٍ سِيقَ إِلَى الذَّبْحِ، وَمِثْلَ خَرُوفٍ صَامِتٍ أَمَامَ الَّذِي يَجُزُّهُ هكَذَا لَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. فِي تَوَاضُعِهِ انْتُزِعَ قَضَاؤُهُ، وَجِيلُهُ مَنْ يُخْبِرُ بِهِ؟ لأَنَّ حَيَاتَهُ تُنْتَزَعُ مِنَ الأَرْضِ» فَأَجَابَ الْخَصِيُّ فِيلُبُّسَ وَقَالَ: «أَطْلُبُ إِلَيْكَ: عَنْ مَنْ يَقُولُ النَّبِيُّ هذَا؟ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ عَنْ وَاحِدٍ آخَرَ؟» فَفَتَحَ فِيلُبُّسُ فَاهُ وابْتَدَأَ مِنْ هذَا الْكِتَابِ فَبَشِّرَهُ بِيَسُوعَ. وَفِيمَا هُمَا سَائِرَانِ فِي الطَّرِيقِ أَقْبَلاَ عَلَى مَاءٍ، فَقَالَ الْخَصِيُّ: «هُوَذَا مَاءٌ. مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟» فَقَالَ فِيلُبُّسُ: «إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ يَجُوزُ». فَأَجَابَ وَقَالَ: «أَنَا أُومِنُ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ». فَأَمَرَ أَنْ تَقِفَ الْمَرْكَبَةُ، فَنَزَلاَ كِلاَهُمَا إِلَى الْمَاءِ، فِيلُبُّسُ وَالْخَصِيُّ، فَعَمَّدَهُ. وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ الْمَاءِ، خَطِفَ رُوحُ الرَّبِّ فِيلُبُّسَ، فَلَمْ يُبْصِرْهُ الْخَصِيُّ أَيْضًا، وَذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ فَرِحًا” (أع27:8-39). ويقينًا إن هذه الحادثة من أجمل ما نقرأه في سفر الأعمال فلندرسها في ضوء هذه الملاحظات:

أن الله رأى في الوزير الحبشي شخصًا مخلصًا يبحث عن الحق جاء إلى أورشليم ليسجد، فأرسل إليه من يرشده إلى طريق الخلاص الصحيح. والله ما زال يرشد النفوس المخلصة بواسطة خدامه الأمناء وكلمته المقدسة إلى اليوم.

أن تبشير فيلبس لذلك الوزير كان على أساس الكتاب المقدس والتبشير السليم هو التبشير بالكلمة وحدها.

أننا وإن كنا لا نقرأ عن حديث فيلبس للوزير بخصوص معمودية الماء، إلا أننا نستطيع أن نرى ذلك واضحًا في طلب الخصي أن يعتمد، وليس من المعقول أن يطلب الخصي شيئًا لم يسمع عنه. ومن هنا نرى أن الكرازة الصحيحة هي الكرازة بأمر الرب “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ”.

أن شرط المعمودية هو الإيمان الشخصي بالرب يسوع، وأن عدم الإيمان مانع جوهري عن إتمام المعمودية، ونرى هذا في الكلمات “هُوَذَا مَاءٌ. مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟” وقد أجاب فِيلُبُّسُ “إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ يَجُوزُ” فالإيمان من كل القلب شرط أساسي لمعمودية الماء، والطفل لا يستطيع أن يؤمن من كل القلب، ولذا فعماده هو كسر لأمر الرب.

أن المعمودية (يجب أن تكون بالتغطيس) ونرى هذا في الكلمات “فَنَزَلاَ كِلاَهُمَا إِلَى الْمَاءِ … وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ الْمَاءِ” فلو كانت المعمودية بالرش أو بالسكب، لما نزلا كلاهما إلى الماء.

أن المؤمن بعد أن يطيع الرب في المعمودية يمتليء بالفرح كما قيل عن الخصي “وَذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ فَرِحًا”.

 معمودية شاول الطرسوسي:

في الإصحاح التاسع من سفر الأعمال نقرأ عن مقابلة الرب لشاول الطرسوسي – الذي صار فيما بعد بولس الرسول – في طريق دمشق، وأنه بعد أن رأى نور الرب وسمع صوته قال وهو مرتعد ومتحير “يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «قُمْ وَادْخُلِ الْمَدِينَةَ فَيُقَالَ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ” (أع 9: 6). وقد كلم الرب حنانيا في رؤيا لمقابلة شاول “فَمَضَى حَنَانِيَّا وَدَخَلَ الْبَيْتَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، قَدْ أَرْسَلَنِي الرَّبُّ يَسُوعُ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَيْ تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ». فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ. وَتَنَاوَلَ طَعَامًا فَتَقَوَّى” (أع17:9-19). لقد ناداه حنانيا و وَالآنَ لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ دَاعِيًا بِاسْمِ الرَّبِّ” (أع16:22). وأطاع شاول “وَقَامَ وَاعْتَمَدَ” وفي هذه الحادثة نرى:

أن شاول تجدد في طريق دمشق عندما قابل الرب وسمع صوته إذ إعترف به ربًا قائلاً “يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟” “وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ” (1 كو 12: 3).

أن شاول لم يتناول طعامًا إلا بعد أن أطاع الرب في المعمودية، فالمؤمن المُحب للرب طعامه أن يعمل مشيئة الرب ويحفظ وصاياه.

أن خادم الرب الأمين يجب أن ينادي كل مؤمن قائلاً “لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ” ليثبت طاعته لأمر سيده القائل «تلمذوهم وعمدوهم» وهذا كله يؤكد لنا ضرورة الإيمان الشخصي قبل العماد، وبما أن الطفل لا يفهم ما هو الإيمان الشخصي، ولا يدرك معناه فلا يصح أن نعمده بحال من الأحوال.

معمودية أهل كورنثوس:

 ونقرأ عن هذه المعمودية في الكلمات وَكَثِيرُونَ مِنَ الْكُورِنْثِيِّينَ إِذْ سَمِعُوا آمَنُوا وَاعْتَمَدُوا” (أع 18: 8). والترتيب الموجود في هذه الآية يتفق مع أمر الرب الصريح “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” ويدل على أن الرب قد قصد فعلاً الترتيب الحرفي لأمره فالكورنثيون (سمعوا وآمنوا وإعتمدوا). وليس هناك إيمان بلا سماع، ولا معمودية بلا إيمان، بحسب أمر الرب الكريم.

لنتقدم الآن إلى آخر حادثة عماد سجلها سفر أعمال الرسل وهي حادثة عماد تلاميذ أفسس وإليك ما قيل عنها فَحَدَثَ فِيمَا كَانَ أَبُلُّوسُ فِي كُورِنْثُوسَ، أَنَّ بُولُسَ بَعْدَ مَا اجْتَازَ فِي النَّوَاحِي الْعَالِيَةِ جَاءَ إِلَى أَفَسُسَ. فَإِذْ وَجَدَ تَلاَمِيذَ قَالَ لَهُمْ: «هَلْ قَبِلْتُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟» قَالُوا لَهُ: «وَلاَ سَمِعْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ». فَقَالَ لَهُمْ: «فَبِمَاذَا اعْتَمَدْتُمْ؟» فَقَالُوا: «بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا». فَقَالَ بُولُسُ: «إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ، قَائِلًا لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ». فَلَمَّا سَمِعُوا اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ” (أع1:19-5).

والدارس المُدقق يرى أن هؤلاء التلاميذ حين إعتمدوا بمعمودية يوحنا، لم يكونوا مدركين للمعاني التي فيها، ويبدو أنهم إعتمدوا بهذه المعمودية منجرفين مع التيار، لا عن وعي وفهم وإيمان وإدراك، ونحن نرى ذلك في كلمات بولس لهم “إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ، قَائِلًا لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ” وهؤلاء الأشخاص لم يكن لهم الإيمان الذي نادى به يوحنا (الإيمان بالمسيح يسوع) مع أنهم إعتمدوا بمعموديته مما يثبت عدم فهمهم لهذه المعمودية.

وحقيقة ثانية نذكرها هنا هي أن يوحنا قال للجموع الذين إعتمدوا منه “أَنَا عَمَّدْتُكُمْ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا هُوَ (أي الرب يسوع المسيح) فَسَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ” (مر 1: 8). مما يثبت كذلك أنهم إعتمدوا وهم لا يدرون أي معنى لمعموديتهم – لا بعلاقتها بالمسيح، ولا بعلاقتها بالروح القدس – مع أن يوحنا المعمدان أعلن بوضوح في رسالته عن العلاقتين. وما دام هؤلاء إعتمدوا وهم لا يدرون شيئًا عن حقيقة معموديتهم فقد كان من الضروري أن يعتمدوا من جديد بالمعمودية الكتابية “فَلَمَّا سَمِعُوا اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ”.

وكل من إعتمد في طفولته هو في مثل حالة هؤلاء التلاميذ، فقد عمدوه وهو لا يعرف معنى المعمودية ولا معنى الإيمان، وعمدوه دون أن تكون له إرادة في العماد. ومعمودية من هذا الطراز ليست معمودية كتابية، والتمسك بها هو بمثابة التمسك بشهادة مزورة، وهو موافقة من جانب المتمسك بها على رضاه على عصيان أمر الرب الصريح.

من كل ما مر بنا في سفر أعمال الرسل نرى أن الكنيسة الأولى، وهي في حالة نقاوتها وتمسكها بأوامر رأسها الرب يسوع المسيح لم تعمد الأطفال، وأن معمودية الأطفال هي تعليم دخيل لا وجود له في أسفار الكتاب المقدس وعلى هذا فإن المسيحيين الذين يعمدون أطفالهم يعصون أمر الرب الصريح.

 

الفصل الخامس

كيفية المعمودية الكتابية

ما هي الكيفية الصحيحة للمعمودية الكتابية؟ هل يجوز العماد بالرش؟ أو بالسكب؟ أو لا بد أن يكون بالتغطيس؟

ويقينًا أن الكتاب المقدس لا يوافق إلا على طريقة واحدة للمعمودية هي (العماد بالتغطيس)، فكل الحقائق والآيات والحوادث التي سجلها الوحي عن المعمودية تؤكد ضرورة العماد بالتغطيس وقبل أن نتقدم لتأكيد صدق ما نقول نرى لزامًا علينا أن نشرح لغويًا:

معنى كلمة العماد

وينبغي أن نحمل في أذهاننا أن العهد الجديد قد كتب في الأصل باللغة اليونانية، ولذا فلكي نفهم معنى كلمة (العماد) ينبغي أن نعود إلى اللغة التي كتبت بها أصلاً ، وندعها تشرح لنا معناها، فالكلمة التي أستعملها الرب له المجد في أمره بفريضة المعمودية هي الكلمة اليونانية (بابتزو Baptizo) وهي مشتقة من الكلمة الأصلية (بابتو Bapto) وهذه الكلمة معناها الحرفي في اللغة اليونانية هو (الغمس أو التغطيس أو الصبغ أو الغمر) ولذلك تُرجمت كلمة (يعتمدون) الواردة في الإصحاح الخامس عشر من رسالة بولس الرسول الأولى إلى كورنثوس في الكتاب المطبوع في رومية إلى كلمة (يصطبغون) فكلمة العماد في معناها الأصلي: تعني تغطيس شخص في الماء إلى أن يغطيه الماء ويغمره فيصبح مدفونًا تحت الماء.

وإليك بعض الآيات التي ذكرت فيها الكلمة اليونانية الأصلية (بابتو Bapto) وهي الكلمة التي إستعملها الرب في أمره بالمعمودية، ففي إنجيل (يو26:13) نقرأ هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ” والكلمة المترجمة (أغمس) هي ذاتها الكلمة (بابتو Bapto) اليونانية التي إشتقت منها كلمة عماد ومعمودية.

وفي (رؤ13:19) نقرأ  “وَهُوَ مُتَسَرْبِلٌ بِثَوْبٍ مَغْمُوسٍ بِدَمٍ، وَيُدْعَى اسْمُهُ كَلِمَةَ اللهِ”.

وفي الآيات الآتية في العهد القديم ترجمت الكلمة العبرانية (تابال – Tabal) إلى اللغة اليونانية بكلمة (Baptizo) عندما ترجم اليهود توراتهم إلى هذه اللغة (راجع لا6:4، لا6:14، لا51:14، عد18:19، را14:2، خر22:12، تث24:33 أي31:9، لا9:9، 1صم27:14، 2مل15:8، يش15:3، تك31:37، 2مل14:5).

وقد ترجم المترجمون هذه الكلمة في النسخة العربية في هذه المواضع وغيرها بالكلمة (غمس أو غطس) كما في (2مل14:5) فكلمة العماد إذًا تعني في لغتها الأصلية (الغمس والتغطيس) وهاك بعض ما قاله كبار من درسوا الكتاب المقدس في تفسير هذه الكلمات، فقد قال مارتن لوثر «العماد ليس هو إلا تغطيس في الماء بحسب كلمة الله» وقال كلفن «إن كلمة العماد Baptizo تعني التغطيس ومن المؤكد أن التغطيس كان هو المتبع في الكنيسة الأولى لفريضة المعمودية» وقال وليم تندل: «إن التغطيس في الماء يشير إلى أننا دُفِنا مع المسيح، لنقوم معه في حياة جديدة». وقال كورتليوس «إن كلمة عماد عند اليونانيين معناها بلا شك التغطيس وهذا نفس ما أوصى به ربنا عن العماد –  فهو قد أمر بالتغطيس في الماء».

والآن إلى الآيات الوضاءة المنيرة في العهد الجديد التي تثبت ضرورة العماد بالتغطيس. فتعال معي لنقرأها هناك:

“وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يَسُوعُ مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ وَاعْتَمَدَ مِنْ يُوحَنَّا فِي الأُرْدُنِّ. وَلِلْوَقْتِ وَهُوَ صَاعِدٌ مِنَ الْمَاءِ رَأَى السَّمَاوَاتِ قَدِ انْشَقَّتْ، وَالرُّوحَ مِثْلَ حَمَامَةٍ نَازِلًا عَلَيْهِ” (مر9:1، 10).

“وَكَانَ يُوحَنَّا أَيْضًا يُعَمِّدُ فِي عَيْنِ نُونٍ بِقُرْبِ سَالِيمَ، لأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانُوا يَأْتُونَ وَيَعْتَمِدُونَ” (يو 3: 23).

“فَأَمَرَ أَنْ تَقِفَ الْمَرْكَبَةُ، فَنَزَلاَ كِلاَهُمَا إِلَى الْمَاءِ، فِيلُبُّسُ وَالْخَصِيُّ، فَعَمَّدَهُ. وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ الْمَاءِ، خَطِفَ رُوحُ الرَّبِّ فِيلُبُّسَ، فَلَمْ يُبْصِرْهُ الْخَصِيُّ أَيْضًا، وَذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ فَرِحًا” (أع38:8، 39).

“مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ” (كو 2: 12).

ومن هذه الآيات التي تلمع كالنور، نرى أن المعمودية الكتابية لا بد أن تتم بالتغطيس، فالحرف الصغير (في) يؤكد هذه الحقيقة.

فالرب يسوع إعتمد من يوحنا في الأردن، أي نزل في ماء الأردن – ولم يقف على شاطئه ويسكب عليه يوحنا أو يرشه ببعض الماء – بل نزل إلى ماء الأردن، وإعتمد في ذلك الماء، أي غطس فيه يوحنا “وَلِلْوَقْتِ وَهُوَ صَاعِدٌ مِنَ الْمَاءِ رَأَى السَّمَاوَاتِ قَدِ انْشَقَّتْ، وَالرُّوحَ مِثْلَ حَمَامَةٍ نَازِلًا عَلَيْهِ” (مر 1: 10). ويقول بولس في (أف9:4) “اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا” لأنه لا صعود من الماء إلا بعد النزول فيه … لقد نزل يسوع كحمل الله المزمع أن يُذبح على الصليب ودفنه يوحنا في ماء الأردن، ثم قام وصعد من الماء إشارة إلى قيامته وصعوده إلى السماء والمؤمن المُحب للرب لا بد أن يسير في خطواته، ويعتمد بنفس الكيفية التي إعتمد بها فاديه أي يعتمد بالتغطيس.

ويوحنا كان يعمد (في عين نون بقرب ساليم) والسبب؟ لأنه كان هناك مياة كثيرة وكانوا يأتون ويعتمدون منه. والشخص الذي يفكر بمنطق متزن سليم يرى في هذه الآية ما يؤكد العماد بالتغطيس. إذ لماذا المياة الكثيرة إذا كان العماد يمكن أن يكون بالرش أو بالسكب؟!

وفي معمودية (الخصي الحبشي) نقرأ “فَأَمَرَ أَنْ تَقِفَ الْمَرْكَبَةُ، فَنَزَلاَ كِلاَهُمَا إِلَى الْمَاءِ، فِيلُبُّسُ وَالْخَصِيُّ، فَعَمَّدَهُ. وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ الْمَاءِ، خَطِفَ رُوحُ الرَّبِّ فِيلُبُّسَ” (أع 8: 38، 39).

وأمام نور هذه الكلمات نسأل: لو كان العماد يجوز بالرش أو بالسكب، أفما كان الأولى جدًا أن فيلبس يعمد هذا (الوزير العظيم) بطريقة من الطريقتين، ولا يعمده بالتغطيس؟ ولكن فيلبس كان يعرف أمر مخلصه وكان مطيعًا لهذا الأمر، ولذا فقد “َنَزَلاَ كِلاَهُمَا إِلَى الْمَاءِ، فِيلُبُّسُ وَالْخَصِيُّ، فَعَمَّدَهُ – أي غطسه في الماء حتى دفنه – وبعد ذلك صعدا من الماء”.

وفي الآية التي ذكرها بولس في رسالته إلى أهل كولوسي “مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ” يصرخ الحرف الصغير (في) في آذاننا أن المعمودية لا تكون صحيحة وكتابية إلا (بالتغطيس) أي بالدخول في ماء المعمودية.

وقد علق ف. ب. ماير على كلمات بولس الرسول قائلاً «ينبغي أن تمارس فريضة المعمودية بالتغطيس، أي بدفن الجسم كله في الماء، لأن المعمودية بالماء هي (دفن) بحسب كلمة الله، فالمعمودية عبارة عن قبر يدفن فيه الشخص المعتمد متشبهًا بموت المسيح. أما رش بضع نقط من الماء على الرأس، فلا يمكن أن يشبه ما حدث في تلك اللحظة الرهيبة التي فيها أخذ يوسف الذي من الرامة ونيقوديموس جسد يسوع ودفناه في قبر جديد في البستان»

من كل هذه الشواهد الكتابية، يستطيع المؤمن أن يستريح تمامًا على أن المعمودية الكتابية لا طريقة لها سوى التغطيس.

وقد يحاول الشخص الذي يريد الهروب من طاعة الرب أن يقول: وبأية كيفية نعمد النساء وهل يليق أن نعمدهم بالتغطيس؟

وقائل هذا الكلام يريد أن يضع نفسه في موضع الله، وأن يستحسن بعقله البشري الملوث بالأفكار غير النظيفة ما لم يستحسنه الله. فنحن نقرأ في (أع12:8) “اعْتَمَدُوا رِجَالًا وَنِسَاءً” فكيف عمد فيلبس النساء المؤمنات؟ عمدهن بالتغطيس … وعمدهن بملابسهن الكاملة، وعمدهن في ملء الوقار والخشوع أمام الله.

وإذا كانت المرأة تذهب إلى الطبيب لفحصها، وقد يكون الطبيب عديم الإيمان، فهل يصعب عليها أن تنفذ أمر الرب يسوع المسيح في المعمودية وهي في كامل ملابسها، وقد أتت بإيمان لكي تتمم أمر الرب الكريم؟!

ليت الرب في محبته يغسل أفكارنا من الدنس والأثم، ويجعلنا نفكر في كل ما هو حق، وما هو جليل، وما هو طاهر، فنطيع كلمته في خشوع، وندفن معه بالمعمودية للموت.

وما أجمل ما كتبه قديس محبوب في هذا الصدد إذ قال: إذا كان الرب قد رضى في حبه أن ينزل إلى القبر البارد، وأن يستمر هناك ثلاثة أيام وثلاث ليال. فهل يصعب عليَّ كمؤمن أن أنزل معه لمدة دقائق إلى ماء المعمودية.

إن المعمودية لا بد أن تكون بالتغطيس، لأن أية كيفية أخرى لا يمكن أن تؤدي معنى الدفن مع المسيح.

وهنا قد يقول معترض: وكيف أمكن أن يعمد الرسل الأولون ثلاثة آلاف بالتغطيس؟ وقائل هذا الكلام: نسى أنه كان في أورشليم إثنى عشر رسولاً، وسبعون مبشرًا، وكانت هناك مياة كثيرة للإغتسال الطقسي تملأ الأحواض الموجودة في أورشليم، فبكل سهولة وفي مدة وجيزة كان من الممكن أن يعمد كل واحد بالتغطيس في الماء.

وقد حدث منذ عهد ليس ببعيد أن عمدت الكنيسة المعمدانية في جنوب الهند 2200 متجدد بالتغطيس، وتم عمادهم بكل راحة وهدوء في ست ساعات، ولم يكن هناك سوى ستة قسوس أجروا لهم فريضة العماد.

فهل يبقى بعد ذلك حجة لمحتج … إلا العصيان الصريح لأمر الرب يسوع المسيح؟!!

الفصل السادس

معنى المعمودية الكتابية

لو كانت المعمودية بالماء جائزة للأطفال، لكانت مجرد طقس جامد بلا معنى يؤدي لطفل لا يفهم ولا يعي ولا يعارض.

لكن العهد الجديد يوضح لنا في آياته المتكررة معنى المعمودية الكتابية، وبحسب كلمة الله نرى أن معمودية الماء تحوي في معناها الإنجيل كله، فالرب له المجد قصد بهذه الفريضة المقدسة أن تكون تطبيقًا عمليًا للإنجيل في حياة كل مؤمن، فالإنجيل هو أن المسيح (مات) وأنه (دفن) وأنه (قام) (1كو1:15-4).

والمعمودية الصحيحة تحوي كل هذه المعاني في حياة المؤمن المطيع.

ويخطيء خطأ كبير من يعتقد أن المعمودية هي طريق إخراج الشيطان من الطفل، لأن الطفل ملاك حارس (مت3:18) وليس فيه شيطان “مِنْ أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ هَيَّأْتَ تَسْبِيحًا؟” (مت 21: 16).

كذلك يخطيء خطأ كبير من يعتقد أن المعمودية تجعل الطفل مسيحيًا، فالشخص لا يصبح أهلاً لأن يحمل هذا الأسم الجليل إلا بعد أن يصبح تلميذًا للمسيح. ولا يمكن أن يصبح تلميذًا إلا إذا قبل المسيح كمخلص شخصي لنفسه، وهذا ما يؤكده كاتب سفر الأعمال بالقول “وَدُعِيَ التَّلاَمِيذُ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلًا” (أع 11: 26). فمن ليس تلميذًا للمسيح ليس مسيحيًا، والأطفال مع أن الرب يسوع يحبهم لكننا لا نجد في كل العهد الجديد أنهم دعوا تلاميذًا للمسيح ولذا فإن (عماد الأطفال) لا يمكن أن يجعلهم مسيحيين. ونظرة مخلصة إلى ملايين المُعمدين في طفولتهم ترينا مدى ضلالهم، ونجاستهم، وشرهم، وبعدهم عن المسيح أو بعبارة أدق ترينا (أن المعمودية لم تجعلهم مسيحيين) لأن الماء لا قوة فيه لجعل الإنسان مسيحيًا دون أن يقبل شخصيًا خلاص الرب يسوع.

والآن ما معنى المعمودية الكتابية؟

المعمودية الكتابية تعني الموت مع المسيح:

وهذا ما يقرره بولس الرسول قائلاً “أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟” (رو3:6، 4).

فمعمودية الماء هي إعتراف من المؤمن المطيع للرب بأنه مات مع المسيح، وحسبان لنفسه أنه مات عن الخطية “احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ” (رو 6: 11).

وقبل أن يتوب المرء توبة حقيقية، ويقبل المسيح كمخلص شخصي لنفسه، ويموت بذلك عن الخطية تعتبر معموديته شهادة مزورة لمسيحية زائفة. والدليل على صدق إخلاصه للرب، أن يعتمد بالماء بعد إيمانه، وأن يمزق الشهادة المزورة التي أعطوها له رغم إرادته في طفولته.

وهكذا يعلن بطاعته للرب موته عن الخطية ليعيش لمجد ذاك الذي خلصه بموته.

المعمودية الكتابية تعني الدفن مع المسيح:

وهذا ما يؤكده بولس في رسالته إلى أهل كولوسي قائلاً “مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ” (كو 2: 12)، ويقول ج. و. كلابهام إن المعمودية هي إنكار أكيد لإمكانية إصلاح الطبيعة العتيقة في نظر الله، وإعتراف بأن “نِهَايَةُ كُلِّ جسد” قَدْ أَتَتْ أَمَام الله (تك13:6)، وعلى ذلك فلا بد للجسد من (الدفن). ولكن ما ترمز إليه المعمودية ليس دفنًا فقط بل دفنًا مع المسيح، فهو إذ حمل هو نفسه طوعًا خطايانا في جسده على الخشبة، خضع لقصاص الخطية وهو (الموت) ومن ثم (دفن) بعد أن حكم على الجسد بالموت، وهكذا علينا أن نُدفن طواعية معه في المعمودية “لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ” (رو 6: 5). فيجب أن يتعمق الإحساس في قلب كل مؤمن أن المعمودية هي دفن مع المسيح.

المعمودية الكتابية تعني القيامة مع المسيح:

وهذا هو تعليم الروح القدس “مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ” (كو 2: 12). ففي المعمودية نموت مع المسيح، وندفن معه، وفيها نقوم مع المسيح أيضًا “الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ” … نقوم لكي نسلك في جدة الحياة.

المعمودية الكتابية تعني سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح:

وهذا ما يقرره بطرس الرسول قائلاً “كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ. لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ اللهِ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1 بط 3: 20، 21).

والمتأمل في هذا الجزء الثمين من كلمة الله يرى الحقائق الآتية:

أن نوح آمن بكلمة الله (عب7:11) ولذلك بنى الفُلك ليخلُص هو وأهل بيته من الطوفان بالإحتماء فيه. والفُلك كان رمزًا للمسيح الذي يحمي من يختبيء فيه من دينونة الله (رو1:8).

أن نوح دخل الفُلك اولاً ثم نزلت مياة الطوفان، فلا بد من الإلتجاء إلى فُلك النجاة الرب يسوع المسيح قبل دخول ماء المعمودية.

أن الثماني أنفس الذين دخلوا الفُلك، وإجتازوا الماء لم يكن فيهم طفلاً واحدًا. بل كانوا نوحًا وزوجته وأولاده الثلاثة مع زوجاتهم وكلهم من الكبار البالغين.

أن الفُلك إجتاز طوفان الماء، وليس رذاذ ماء، فالماء أنصب عليه من السماء، والأرض كما يقول سفر التكوين “انْفَجَرَتْ كُلُّ يَنَابِيعِ الْغَمْرِ الْعَظِيمِ، وَانْفَتَحَتْ طَاقَاتُ السَّمَاءِ” (تك 7: 11). وإنفتاح طاقات السماء لا يعني أن السماء أمطرت رذاذًا بل ان فيضانًا من الماء إنسكب على الفلك، فصار الفُلك محصورًا بين ماء السماء وماء الأرض اي مدفونًا في وسط الماء.

ويقول بطرس إن مثال ما حدث لنوح يجب أن يحدث لكل مُعتمد فيجب أن يؤمن بكلمة الله، ويدخل إلى فُلك النجاة الرب يسوع المسيح، ثم يعتمد بالتغطيس في الماء. وفي المعمودية يسأل ضميره المغسول بالدم، الذي صار ضميرًا صالحًا ليعطي جوابًا عن الله بعد أن تمتع ببركات القيامة في حياته وعرف أن الله أحبه لدرجة انه اسلم إبنه الوحيد لفدائه ذاك الذي قال عنه بولس أنه “الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا” (رو 4: 25).

ومعلوم أنه قبل (القيامة) (الدفن) والدفن لا يمكن أن يتم برش قليل من التراب على رأس الميت، بل لا بد أن يختفي جسده كلية عن العيون.

وهكذا فهم بطرس الرسول معنى المعمودية، ونفى بكلامه نفيًا قاطعًا إمكان إتمامها بالرش وبالسكب، وإمكان إتمامها للأطفال، لأن الطفل لا يقدر أن يجيب بضمير صالح عن الله بقيامة يسوع ولذا فلا يجب إطلاقًا أن نعمده.

المعمودية الكتابية تعني لبس المسيح:

كما يقول بولس للمؤمنين المعتمدين في غلاطية “لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ” (غل 3: 27). فالمعمودية في هذا المعنى هي عمل المؤمن الفاهم الذي يعرف أنه يلبس المسيح بالمعمودية.

المعمودية الكتابية تعني الإيمان بالثالوث الأقدس:

حين قال الرب يسوع لكنيسته “دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت18:28، 19). كان كأنه يشترط على من يعتمد أن يؤمن بالله الواحد المثلث الأقانيم والشخص الذي يعتمد باسم الآب والابن والروح القدس يعترف بمحبة الآب له حتى بذل إبنه الوحيد لخلاصه، ويعترف أن الابن هو الذي وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لفدائه، ويعترف أن الروح القدس هو الذي عمل في قلبه بالكلمة المقدسة وأعلن له حقيقة شخص الرب يسوع العجيب فقبله كمخلص لنفسه.

وهكذا حين يعتمد المؤمن باسم الآب والابن والروح القدس، يعلن إيمانه في عمل الثالوث العظيم في خلاصه من الخطية، ويصير بذلك مقبولاً من جانب الآب، لأنه إغتسل من الخطية بدم الإبن، وسكن فيه الروح القدس.

هذه هي المعاني التي تحتويها معمودية الماء، وأي طفل رضيع من أولئك الذين يعتمدون في طفولتهم يفهم كل هذه المعاني .. بل أي شخص غير مؤمن من كل قلبه بالرب يسوع المسيح يدركها؟

فيا صديقي القاريء، هل إعتمدت وأنت مُدرك لهذه المعاني؟ إن معمودية الطفولة، ليست هي المعمودية الكتابية، ولذا فأمام نور الكلمة الوضاح يجب أن تتوب، وتؤمن بالرب يسوع المسيح وتطيع الرب شخصيًا بأن تطلب أن تعتمد بالماء بالمعمودية التي بحسب الكتاب المقدس.

الفصل السابع

ملاحظات هامة عن المعمودية

الآن قد يسأل الفرد المؤمن الذي يحب طاعة كلمة الله قائلاً: إذا كنت قد إعتمدت بالماء بطريقة غير كتابية، أي بطريقة الرش، او السكب، أو بغير سلطان الكنيسة المحلية، أو وأنا في طفولتي قبل إيماني الشخصي بالمسيح، أفلا تكفي هذه المعمودية سيما وأنها أُجريت باسم الآب والابن والروح القدس؟

ونُجيب مثل هذا السائل قائلين: ما هو أمر الرب الصريح بخصوص المعمودية، ألم يقل وهو صاحب السلطان في السماء وعلى الأرض “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ” (مر 16: 16). فهل وضع إسم الثالوث الأقدس بمجرد الألفاظ على عمل خاطيء يصيره صوابًا.

لقد قال رب المجد بفمه المبارك هذه الكلمة “لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت 7: 21). فاستخدام اسم الرب والنطق به بشفاهنا دون تنفيذ إرادته لا يعني إلا العصيان الأثيم ولذلك سيقول الرب لمن يقول له «يا رب يا رب» … “إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!” (مت 7: 23).

وإرادة الله قد أعلنت في كل أسفار العهد الجديد بضرورة المعمودية بعد الإيمان، فكيف يمكن للمؤمن المحب للرب أن يعصي وصيته؟ وهل يرضى المؤمن الحقيقي أن يستمر متمسكًا بخطأ الإنسان أكثر من طاعته لسلطان كلمة الله.

إن أي طقوس أو فرائض أُجريت للشخص قبل تجديده، هي في الواقع طقوس وفرائض ميتة بلا حياة، ولم تكن تعني وقت إتمامه له أي شيء بالنسبة إليه.

وما إحتواه الإصحاح السادس من رسالة رومية لا يمكن أن ينطبق على أي إنسان لم يعتمد لموت المسيح، ويقينًا أن الطفل لا يمكن ان يعتمد بهذا المعنى إذ أنه لا يعرف شيئًا عن ذلك الموت، وكذلك الشخص غير المتجدد الذي لم يختبر شخصيًا قوة موت المسيح فإنه يعيش في خطاياه كما لو أن موت المسيح لم يتم على الصليب، ولو عرف هذا الشخص حاجته إلى موت المسيح، وإرتاح على عمل الصليب الكامل إذن لصار إبنًا لله (رو8:5-10).

والمعمودية للطفل أو للشخص غير المتجدد هي إحتقار لكلمة الله، وهي جزء من الأعمال الميتة التي يجب أن يتوب عنها الخاطيء لأنها أجريت كطقس جامد بالجسد، وليست من الإيمان “وَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ فَهُوَ خَطِيَّةٌ” (رو 14: 23). إذ “بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ” (عب 11: 6).

وفي حالة عماد الطفل غير الواعي، دون طاعة شخصية من جانبه فهذا يقينًا عمل غير كتابي، ويكون في أعلى قمة رداءته وخطورته إن أجرى بإعتقادالوالدين أن المعمودية تلد الطفل ميلادًا ثانيًا او تجعله مسيحيًا حقيقيًا إذ أن هذا إنكارًا صريحًا للتجديد بالقبول الشخصي للمسيح (يو12:1، 1بط23:1) إن طقسًا كهذا هو عصيان وإهانة لكلمة الرب.

فهل يمكن لي كمؤمن متجدد، أن أرضى عن طقس من إبتكار البشر، إخترعوه ووضعوا عليه باطلاً إسم الثالوث الأقدس، وأخشى أن أطيع الرب طاعة حرفية كما ورد أمره في كلمته؟

إن الخوف يأتي من العصيان لا من الطاعة، والطاعة ليست أمرًا طائفيًا، ولكنها أمر إلهي في الكتاب المقدس.

وأفضل طريق لتمجيد إسم الثالوث الأقدس هو طرح ما ليس من الكتاب جانبًا، والخضوع لكلمته المعلنة في كتابه بشجاعة وسرور، لأن الله لا يمكن أن يربط إسمه القدوس بما هو مضاد لكلمته المقدسة.

فالمعمودية بعد الإيمان حتى ولو كان الفرد معتمدًا في طفولته هي المعمودية المطلوبة من كل مؤمن، ليثبت بنفسه طاعته لكلمة إلهه. إذ أين مكان الطاعة في حياة طفل لا إرادة له؟!

هنا نأتي إلى إعتراض آخر يقول أصحابه ألم يقل الكتاب “إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ” (أف 4: 5). ونحن نقول نعم هذا حق، لكن المعمودية الواحدة التي ذكرها بولس هي المعمودية الصحيحة التي يسبقها (الإيمان الواحد) أما المعمودية التي قبل (الإيمان الواحد) فهي عصيان لكلمة الله، ولا يجب التمسك بالعصيان.

أخيرًا يقول معترض ألم يقل بولس لكنيسة كورنثوس “أَشْكُرُ اللهَ أَنِّي لَمْ أُعَمِّدْ أَحَدًا مِنْكُمْ” (1 كو 1: 14). وأليس معنى ذلك أن بولس لم يهتم كثيًرا بالمعمودية؟ وصاحب هذا الإعتراض ينبغي أن يقرأ الإصحاح كله ليرى أن بولس شكر الله هنا لأنه لم يعمد الكثيرين في كورنثوس وحجته “حَتَّى لاَ يَقُولَ أَحَدٌ إِنِّي عَمَّدْتُ بِاسْمِي” (1 كو 1: 15).

لكن إهتمام بولس بالمعمودية يظهر في تطبيقاته الكثيرة لها في رسائله (اقرأ رومية 6، وكولوسي 2، غلاطية 3).

وفي طلبه من تلاميذ أفسس أن يعتمدوا بعد إيمانهم (أع19). وحاشا لبولس وهو الأمين لفاديه أن يهمل شأن أمره الكريم بضرورة المعمودية بعد الإيمان.

والملاحظة الدقيقة تدل على أن معمودية المؤمنين الحقيقيين هي إمتحان للطاعة الشخصية لربنا يسوع المسيح، فكثيرًا ما تثير عاصفة من الاضطهاد المُر، ليس فقط من الأشرار، بل من كثيرين ممن يدعون مسيحيين، لكنهم لا يريدون الخضوع للكلمة الإلهية، أو لا يريدون السير في طريق الإنفصال الذي هو طريق البركة أيضًا.

وكثيرًا ما سمعنا حقيقتين من أفواه الذين أطاعوا الرب ودُفنوا في مياة المعمودية لأجل سيدهم المبارك.

إحداهما: أن الصراع الداخلي الذي ثار في نفوسهم وإنتهى بالخطوة الفاصلة بإطاعتهم للمعمودية بعد الإيمان كان صراعًا قويًا وهائلاً.

والحقيقة الثانية: هي أن عمادهم كان من أسعد إختباراتهم على الأرض ونقطة الإبتداء في حياة الإنفصال والخدمة للرب.

والحقيقتان تؤكدان: أن عماد المؤمنين ليس أمرًا هينًا أو ضئيلاً أو إختياريًا بل هو وصية هامة لرئيس إيماننا الرب يسوع المسيح.

لقد أعطى الرب أمره بضرورة عماد المؤمنين به لكنيسته، فالكنيسة المحلية هي التي لها السلطة أن تعمد المؤمنين بواسطة خدامها المفرزين للخدمة، يجب أن تتم بسلطة الكنيسة المحلية.

إذًا فلا يتردد المؤمن المغسول بالدم أن يشهد ضد الخطأ فيخضع للفريضة الحقيقية، وإن يكن طبيعيًا أن هذا قد يثير ضده غضب من يتمسكون بتعاليم غير كتابية، لكن عزاء من يضطهد لأجل إيمانه وطاعته للرب في كلمات الرسول الجليل “لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ” (في 1: 29). فلنسرع إلى الطاعة إذن، حتى لا نتعرض للتيهان في البرية متذكرين كلمات صموئيل النبي التي قالها لشاول “هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ. أَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ” (1 صم 15: 22، 23).

بل متذكرين كلمات ربنا يسوع المبارك القائلة “أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا” (يو 14: 23).

ولإلهنا المبارك العظيم كل مجد وسجود وحمد

 

محتويات الكتاب

 

تقديم الكتاب

الفصل الأول

معمودية يوحنا

الفصل الثاني

الأمر بالمعمودية المسيحية

الفصل الثالث

الأسس الخاطئة لمعمودية الأطفال

الفصل الرابع

المعمودية في سفر أعمال الرسل

الفصل الخامس

كيفية المعمودية الكتابية

الفصل السادس

معنى المعمودية الكتابية

الفصل السابع

ملاحظات هامة عن المعمودية