Site icon Dr. Labib Mikhail

عشاء الرب

 

The Lord’s Supper

دراسة تحليلية عميقة لموضوع العشاء الرباني كما جاء في الكتاب المقدس

بقلم

الدكتور القس لبيب ميخائيل

 

Second Edition
1999

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

 

THE LORD’S SUPPER

BY
DR. LABIB MIKHAIL

SECOND EDITION
1999

Copyright 1999
By Dr. Labib Mikhail

P.O. Box 2581
Springfield, Virginia 22152

U.S.A.

 

تقديم الكتابْ

 

لستُ أظن أن هناك موضوعًا عقائديًا قد أثار من الجدل والنقاش بين مختلف الطوائف المسيحية ما أثاره موضوع “عشاء الرب”، ذلك أن هذا الموضوع رغم وضوحه وبساطته في كلمة الله، قد جعلته تعاليم الناس لغزاً محيراً، وموضوعًا للخلاف بين المسيحيين.

 

وهدفي من كتابة هذا الكتاب هو إعادة الحق القديم المُعلن في كلمة الله إلى أذهان الناس، وعندما ندرس بروح الإخلاص حق الله بخصوص هذا الموضوع الخطير، فلا بد أن تقودنا كلمة الله إلى الطريق القويم، وأن تنير عيون أذهاننا لنعرف ماذا قصد الرب في حكمته حين أعطانا هذه الفريضة المقدسة.

 

وكل ما أطلبه من قارئي المحبوب أن يقرأ هذا الكتاب وكتابه المقدس بين يديه، ليراجع كل آية في مكانها، ويدرس بتدقيق كل كلمة في أصولها، وحينئذ سيرى الحق الخاص بعشاء الرب، وسيتأكد بنفسه معنى هذا العشاء العظيم في وضعه الأصيل السليم.

 

وعندئذ تصبح فرصة عشاء الرب فرصة شكر وحمد لذاك الذي أسلم نفسه لأجلنا، حاملاً خطايانا في جسده على الخشبة، طالبًا منا، كلما اجتمعنا حول مائدته وأكلنا من الخبز وشربنا من الكأس، أن نخبر بموته إلى أن يجيء.

ولإلهنا الكريم كل المجد،

 

شبرا مصر في سبتمبر ١٩٦٥

القس لبيب ميخائيل

 

الفصل الأول

هل من علاقة بين عشاء الرب

والإصحاح السادس من إنجيل يوحنا؟

 

نقرأ في الإصحاح السادس من انجيل يوحنا الكلمات التي تحدث بها الرب يسوع لليهود وهذه هي: “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ” (يو53:6-55).

 

ويحق لمن يدرس كلمة الله أن يسأل إزاء هذا التناقض في التفسير: هل من علاقة بين ما جاء في الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا وبين عشاء الرب؟

 

ويجدر بنا في بداية الإجابة على هذا السؤال أن نذكر حقيقتين، الحقيقة الأولى هي: أن إنجيل يوحنا قد سكت تمامًا عن ذكر تفاصيل عشاء الرب، وأن ما نقرأه في إنجيل يوحنا الإصحاح الثالث عشر هو حديث عن عشاء الفصح.

 

والحقيقة الثانية هي: أنه ما من مرة تحدث المسيح في هذا الإنجيل عن شيء لم يفهمه سامعوه إلا وشرحه الروح القدس لنا بكلمات واضحة لا إبهام فيها.

 

ففي الإصحاح الثاني من إنجيل يوحنا نقرأ الكلمات “فَأَجَابَ الْيَهُودُ وَقَالوُا لَهُ: «أَيَّةَ آيَةٍ تُرِينَا حَتَّى تَفْعَلَ هذَا؟» أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ». فَقَالَ الْيَهُودُ: «فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ، أَفَأَنْتَ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ تُقِيمُهُ؟»” (يو18:2-21). لقد فهم اليهود خطأ أن المسيح يتكلم عن الهيكل المبني بالحجارة. وهنا يشرح الروح القدس معنى كلمات الرب يسوع فيقول “وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ” (يو21:2).

 

فالروح القدس لم يتركنا في جهالة من جهة كلمات ربنا يسوع، بل أكد لنا أن كلماته عن الهيكل قصد بها هيكل جسده، ولم يقصد قط الهيكل المبني بالحجارة.

 

وعلى هذا القياس لو أن حديث الرب عن الأكل من جسده والشرب من دمه كان إشارة إلى العشاء الرباني، لشرح لنا الروح القدس هذا الحديث بكلمات واضحة ولم يتركنا في جهل بإزائها، ولقرأنا مثلاً الكلمات “أما هو فكان يقول عن العشاء الرباني الذي كان مزمعًا أن يصنعه مع التلاميذ” لكننا لا نقرأ تعليقًا مثل هذا قط، مما يؤكد إنعدام العلاقة بين هذا الكلام وبين عشاء الرب.

 

وقاريء إنجيل يوحنا يلاحظ أن سامعي المسيح قد أساءوا مراراً فهم كلماته، لأنه كان يتكلم كلامًا روحيًا إلى أذهان أعمتها المادية عن الفهم الصحيح.

 

• ففي الإصحاح الثاني نرى أنه تحدث عن هيكل جسده، وظنوا هم أن حديثه عن الهيكل الذي استغرق بناؤه ست وأربعين سنة.

 

• وفي الإصحاح الثالث تحدث الرب إلى نيقوديموس عن ضرورة الميلاد من فوق في كلمات “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ” (يو3:3). وإذ بنيقوديموس يفهم هذا الكلام الروحي فهمًا ماديًا فيظن أن الرب يتحدث عن الميلاد الجسدي الطبيعي فيقول له “كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟ أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟” (يو4:3). وهكذا نرى أن نيقوديموس وقد كان معلمًا لإسرائيل قد أساء فهم معنى كلمات الرب له المجد.

 

• وفي الإصحاح الرابع من إنجيل يوحنا نرى كيف أساءت المرأة السامرية فهم كلمات الرب الثمينة فهو يقول لها “لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا” (يو10:4). وهي تظن بعقلها المادي أن الرب يقصد ماء الآبار الأرضية فتجيبه قائلة “يَا سَيِّدُ، لاَ دَلْوَ لَكَ وَالْبِئْرُ عَمِيقَةٌ. فَمِنْ أَيْنَ لَكَ الْمَاءُ الْحَيُّ؟” (11:4).

 

• وهكذا إذ نتقدم إلى الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا نرى أن اليهود قد أساءوا فهم كلمات الرب يسوع القائلة “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ” (يو53:6-55).

 

فاليهود ظنوا أن الرب يقصد الأكل الحرفي من جسده والشرب الحرفي من دمه؛ الأمر الذي لم يحدث قط فما من أحد أكل من جسد المسيح لأنه علق بكامله فوق الصليب، وما من أحد شرب من دم المسيح، لأنه سفك بكامله فوق الصليب.

 

ولذا فقد صحح الرب في نفس الإصحاح فهم اليهود الخاطيء لكلماته، فحين قالوا “إِنَّ هذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟” (يو60:6). “فَعَلِمَ يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ تَلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هذَا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَهذَا يُعْثِرُكُمْ؟ فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا! اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ” (يو61:6-63).

 

وكأن الرب يقول لهم في عبارات مفهومة تمامًا سأصعد بجسدي إلى السماء، وأنا لا أعني الأكل الحرفي من جسدي والشرب الحرفي من دمي، وإنما أنا أكلمكم كلامًا روحيًا يجب أن تفهموه في وضعه الصحيح “اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ” (يو63:6).

 

ولو أن الرب كان يقصد أن يشير بكلماته عن الأكل من جسده والشرب من دمه إلى “العشاء الرباني” لكان الروح القدس قد شرح هذا المعنى بكلمات واضحة تمامًا كما فعل في موضوع الهيكل إذ قال “وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ” (يو 21:2).

 

لكن الواقع أنه لا توجد علاقة بين ما جاء في الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا وبين عشاء الرب، وقد ذكر مفسر جليل عدة أسباب تؤكد انتفاء العلاقة بين كلمات الرب في يوحنا “6” وبين فريضة العشاء الرباني ونحن ننقل تحليله للموضوع فيما يلي مضيفين إليه بعض العبارات لزيادة الإيضاح.

 

1) لا علاقة بين عشاء الرب وبين حديث المسيح في الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا، لأنه ليس من الطبيعي أن يتحدث المسيح له المجد إلى سامعيه عن فريضة لم تكن قد رسمت بعد، وواضح من البشائر أن فريضة العشاء الرباني رسمت بعد مرور عام على هذا الحديث، فمن المحقق أن الذين سمعوا المسيح له المجد في كفرناحوم لم تكن عندهم أية فكرة عن فريضة العشاء الرباني لا تصريحًا ولا تلميحًا، مما يؤكد أن كلمات ربنا عن الأكل من جسده والشرب من دمه لا تشير إطلاقًا إلى عشاء الرب.

 

2) إن الكلمة المترجمة «جسد» في حديث المسيح في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس، هي غير الكلمة المترجمة “جسد” في كلامه عن العشاء الرباني، ففي الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا استعمل المسيح الكلمة اليونانية «ساركس» ومعناها الحرفي «لحم» لكن في كل موضع جاء فيه ذكر فريضة عشاء الرب سواء أكان على لسان المسيح أم على لسان بولس الرسول استعملت الكلمة «سوما» ومعناها الحرفي «جسد» (اقرأ مت 26:26 ومر 22:14 ولو 19:22 و1كو24:11-27). وكل منهما تتفق والمناسبة الخاصة التي قيلت فيها. فلما تكلم المسيح هنا عن الخبز الحي بمقارنته بالمن الذي أكله الاسرائيليين وماتوا، كان من الطبيعي أن يستعمل كلمة “ساركس” أي «لحم» على اعتبار كونه مادة مغذية مشبعة. لكنه لما تكلم عند رسمه فريضة العشاء الرباني بمناسبة صلبه وتركه للتلاميذ علامة يذكرون بها موته كان من الطبيعي أن يستعمل كلمة: «سوما» أي «جسد» على اعتبار كون الجسد نظامًا أليًا مركبًا من أعضاء وقد كسر بالموت على الصليب. ولو أن كلمات الرب في يوحنا (6) تشير إلى العشاء الرباني لكان من الضروري أن يستخدم نفس الكلمة للتعبير عن جسده في الموضعين.

 

3) إنه ليس من المعقول أن يطلب الرب من اليهود أن يشربوا دمه، وشرب الدم محرم على اليهود والمسيحيين سواء، وعلة تحريمه أنه يكفر عن النفس، ودم يسوع كفر عن نفوسنا فمن المحرم علينا شربه إذ نقرأ عنه “الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ” (رو25:3).

 

والآن تعالى معي لنقرأ كلمة الله الصادقة: ففي سفر اللاويين نقرأ “وَكُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَأْكُلُ دَمًا، أَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّ النَّفْسِ الآكِلَةِ الدَّمِ وَأَقْطَعُهَا مِنْ شَعْبِهَا، لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ” (لا10:17-11).

 

وفي سفر أعمال الرسل في العهد الجديد نقرأ “لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ، أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلًا أَكْثَرَ، غَيْرَ هذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ: أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبحَ لِلأَصْنَامِ، وَعَنِ الدَّمِ، وَالْمَخْنُوقِ، وَالزِّنَا، الَّتِي إِنْ حَفِظْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْهَا فَنِعِمَّا تَفْعَلُونَ. كُونُوا مُعَافَيْنَ” (أع29،28:15).

 

من هذا كله نتأكد أن الرب له المجد لم يقصد أبدًا أن نأكل جسده الحقيقي ونشرب دمه الحقيقي، لإن شرب الدم محرم تحريمًا قاطعًا في كلمة الله، ولا يعقل أن يحرم الله شرب الدم ويأمر بشربه في نفس الوقت. وهنا يجدر بنا أن نتقدم إلى الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا لنتفهم محتوياته الروحية الثمينة.

 

جاءت الجماهير تسعى إلى الرب يسوع المسيح بعد أن أطعمها من الخبز والسمك بمعجزة إلهية، وإذا بفاحص القلوب يناديهم قائلاً “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: أَنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي لَيْسَ لأَنَّكُمْ رَأَيْتُمْ آيَاتٍ، بَلْ لأَنَّكُمْ أَكَلْتُمْ مِنَ الْخُبْزِ فَشَبِعْتُمْ. اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ، لأَنَّ هذَا اللهُ الآبُ قَدْ خَتَمَهُ” (يو27،26:6). وإذا باليهود يسألونه “مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ اللهِ؟» أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «هذَا هُوَ عَمَلُ اللهِ: أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ” (يو29،28:6). وهنا نرى الرب يؤكد لسامعيه ان عمل الله هو أن يؤمن الفرد بشخص الرب يسوع الذي أرسله الآب لفداء العالم.

 

مع إن هؤلاء السامعين كانوا قد رأوا آية إشباع الجماهير من خمسة أرغفة والسمكتين إلا أنهم يقولون للسيد في جراءة عجيبة “فَأَيَّةَ آيَةٍ تَصْنَعُ لِنَرَى وَنُؤْمِنَ بِكَ؟ مَاذَا تَعْمَلُ؟ آبَاؤُنَا أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ خُبْزًا مِنَ السَّمَاءِ لِيَأْكُلُوا” (يو31،30:6). ويجيبهم الرب قائلاً “الحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ، بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ، لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ” (يو33،32:6). وبالتفكير المادي الذي سيطر على عقول اليهود قالوا “يَا سَيِّدُ، أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هذَا الْخُبْزَ” (يو34:6). تمامًا كما فعلت السامرية حين سيطر التفكير المادي على عقلها فقالت “يَا سَيِّدُ أَعْطِنِي هذَا الْمَاءَ، لِكَيْ لاَ أَعْطَشَ وَلاَ آتِيَ إِلَى هُنَا لأَسْتَقِيَ” (يو 4: 15). وقد أجاب السيد على طالبي الخبز قائلاً “أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا” (يو35:4). وفي هذه الكلمات شبه المسيح له المجد نفسه بالخبز.

 

ويحق لنا أن نتسائل أمام هذه الكلمات “هل المسيح خبز حرفي؟ وهل تحوّل جسده من لحم ودم إلى خبز؟ أم هو خبز روحي لغذاء الحياة؟ (يو35:6). فإذا تمسكنا بحرفية هذه الآية لاعتقدنا أن جسد المسيح خبز حرفي، وليس لحمًا ودمًا، وإذا قلنا إن الكلمات روحية تُفهم بالمعنى الروحي وجب أن نفسر الإصحاح كله تفسيرًا روحيًا.

 

إذ أن من أبسط قواعد التفسير الصحيح أن نفسر الجزء كله أو الحديث كله في الجزء الذي نقرأه من الكتاب المقدس بطريقة واحدة فإذا بدأنا التفسير حرفيًا فمن الضروري أن نفسر الجزء كله تفسيرًا حرفيًا، وإذا بدأنا التفسير روحيًا فلا بد أن نفسر الجزء كله تفسيرًا روحيًا.

 

وإذن فالمعاني المتضمنة في باقي الحديث في هذا الإصحاح هي معاني روحية لأن جسد المسيح له المجد ليس خبزًا حرفيًا يؤكل بالفم، ولكنه خبز روحي يتغذى به المؤمن الحقيقي بالإيمان.

 

ولقد تذمر اليهود لهذا الإعلان الجليل الذي تحدث به الرب عن نفسه “فَكَانَ الْيَهُودُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَالَ: «أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟»” (يو42،41:6). لقد رفض اليهود أن يؤمنوا بأن يسوع له المجد قد نزل من السماء، وسيطر عليهم تفكيرهم المادي بكيفية منعتهم عن الإيمان به كإبن الله النازل من السماء الواهب حياة للعالم. مع إنه قال عن نفسه “وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاء” (يو 3: 13).

 

وماذا فعل الرب إزاء تذمرهم؟ يقول البشير “فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «لاَ تَتَذَمَّرُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ. لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ: وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَعَلِّمِينَ مِنَ اللهِ. فَكُلُّ مَنْ سَمِعَ مِنَ الآبِ وَتَعَلَّمَ يُقْبِلُ إِلَيَّ. لَيْسَ أَنَّ أَحَدًا رَأَى الآبَ إِلاَّ الَّذِي مِنَ اللهِ. هذَا قَدْ رَأَى الآبَ. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا. هذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ. أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ” (يو43:6-51).

 

وفي هذه الأعداد التي تبدأ من عدد 32 وتنتهي بعدد 51 أطلق يسوع له المجد على نفسه هذه الأسماء:

 

1) الخبز الحقيقي (عدد32).

2) خبز الله (عدد33).

3) خبز الحياة (عدد 35)

4) خبز الحياة (عدد 48)

5) الخبز النازل من السماء (عدد50).

6) الخبز الحي (عدد51).

ثم أعلن لنا أنه مع أنه “الخبز” فهو أيضًا مُعطي الخبز فقال “الْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ” (عدد51). وهنا شبه – له المجد – جسده بالخبز بعكس ما حدث في العشاء الرباني إذ شبه الخبز بجسده مما يؤكد أن لا علاقة بين كلمات هذا الإصحاح وبين العشاء الرباني.

 

ويبدو أن اليهود قد اساءوا تمامًا فهم حديث الرب “فَخَاصَمَ الْيَهُودُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: «كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ؟» فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي. هذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. لَيْسَ كَمَا أَكَلَ آبَاؤُكُمُ الْمَنَّ وَمَاتُوا. مَنْ يَأْكُلْ هذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَد” (يو52:6-59).

 

ونحن أمام كلمات روحية ثمينة كما قال عنها الرب نفسه “اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ” (عدد63). ونجد أنفسنا مضطرين أن نفهمه روحيًا لأن حديث الرب في كل إصحاح هو حديث روحي، والشرب هو شرب روحي تمامًا كما قال إرميا النبي “وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي” (إر 15: 16). والذهن الروحي يعرف أن الأكل الذي يعنيه إرميا النبي هنا معناه التغذية بكلمة الرب، ولايمكن أن يعني إرميا أنه أكل صفحات الأسفار المقدسة المطبوعة من الورق حرفيًا. والشرب أيضًا هو شرب روحي كما يقول بولس الرسول “وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ” (1 كو 10: 4).

 

ويقينًا أن جسد المسيح ودمه اللذان تحدث عنهما المسيح في هذا الإصحاح يشير إلى حياة المسيح وموته، فجسده يكني به عن حياته، ودمه يكني به عن موته، فحياته هي قوام حياتنا، ودمه هو وسيلة غفران خطايانا ونجاتنا من الموت الأبدي، والأكل الذي يعنيه الرب هنا هو تخصيص عمله الكفاري الذي أكمله على الصليب للفرد شخصيًا لينال بالإيمان به الحياة الأبدية.

 

أما الذين يتمسكون بحرفية هذه الآيات ويصرون على تطبيقها على عشاء الرب فهم يقعون في عدة أخطاء خطيرة.

 

الخطأ الأول: هو جعلهم عشاء الرب الوسيلة الوحيدة لنوال الحياة الأبدية: إذ أن حرفية الكلمة تقول “إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ” (يو 6: 53). فإذا تمسكنا بحرفية هذه الكلمات ولم نأخذها في معناها الروحي العميق الذي قصده الرب – كان معناها أن عشاء الرب هو الوسيلة الوحيدة لنوال الحياة الأبدية. وهذ يتعارض تمامًا مع ما حدث للص على الصليب. فهو قد مات بعد أن أعطى الرب يسوع أمره بصنع العشاء الرباني لتلاميذه، ولكن هذا اللص لم يتناول من عشاء الرب، والمتمسكون بالحرفية يجدون أنفسهم في مأزق حرج دقيق حين يسمعون وعد الرب للص قائلاً “الحَقَّ أقولُ لكَ: إنَّكَ اليومَ تكونُ مَعي في الفِردَوْسِ” (لو43:23).

 

فكيف ذهب اللص إلى الفردوس ونال الحياة الأبدية وهو لم يتناول من عشاء الرب؟ إلا إذا كان المعنى الذي قصده الرب هو المعنى الروحي، أي تخصيص موته الكفاري للمؤمن الواثق! وقد عمل اللص هذا، وأمن بالرب يسوع مخلصًا شخصيًا لنفسه، واعترف به، ونال بذلك الحياة الأبدية.

 

الخطأ الثاني: هو أن الكتاب المقدس يعلم في كل مناسبة بأن الإيمان الحي هو الوسيلة الوحيدة التي بها ينال الإنسان الحياة الأبدية وليس التناول من عشاء الرب. فهل يناقض الكتاب المقدس نفسه إذ يقول مرة أن الإيمان – والإيمان وحده – هو وسيلة نوال الحياة الأبدية ومرة أخرى أن نوال الحياة الأبدية هو بالتناول من عشاء الرب؟

 

اسمع ماذا يقول الكتاب:

– “لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ” (رو 10: 9).

– “وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ، وَلكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا” (رو 4: 5).

– “«اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ” (يو 5: 24).

– “الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ” (يو 3: 36).

فهل يعني الإيمان الذي ننال به الحياة الأبدية الأكل والشرب من عشاء الرب؟

إن شرط التناول من عشاء الرب أن يكون الإنسان مؤمنًا متجددًا عائشًا في سلوك مُرضي للرب كما يقول الرسول بولس امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ فِيكُمْ، إِنْ لَمْ تَكُونُوا مَرْفُوضِينَ؟” (2 كو 13: 5).

 

تأتي بنا هذه الحقائق الكتابية الثمينة إلى نتيجة منطقية سليمة هي أن كلمات الرب في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس لا علاقة لها بالعشاء الرباني، وأن الأكل والشرب من جسد المسيح ودمه لا يعني أن نأكل لحمًا ماديًا ونشرب دمًا قانيًا، وإنما تعني أن يخصص الفرد موت الرب يسوع لنفسه، وأن يقبله في قلبه مخلصًا شخصيًا، ويتضح لنا هذا لدى التأمل في كلام الرب يسوع في عدد 63 “اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ” (يو63:6).

 

وهذا يعني أن كلام المسيح في هذا الحديث هو كلام روحي يجب أن يؤخذ بمفهومه الروحي.

 

الخطأ الثالث: هو وضع الناس في حيرة فتارة يقال لهم إن عشاء الرب يُعطى لمغفرة الخطايا، وتارة يقال لهم إن من يأكل ويشرب من عشاء الرب من دون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه.

 

إن جعل عشاء الرب واسطة لغفران الخطايا، والتطهير، ونوال الحياة الأبدية، يؤكد أن المحتاجين إلى هذا العشاء هم الخطاة والأموات بالذنوب والخطايا، ومن الناحية الأخرى نسمع التحذير الكتابي القائل “وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ. لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ” (1كو29،28:11). وكذلك نسمع التحذير التقليدي «من كان طاهرًا فليدن من السرائر المقدسة ومن كان غير طاهر فلا يدن منها».

 

وهذه حيرة كبرى .. كيف يكون عشاء الرب وسيلة للغفران والتطهير ونحذر الخطاة وغير الطاهرين من الاقتراب إليه؟ وكيف يكون وسيلة نوال الحياة الأبدية وفي الوقت ذاته يكون دينونة لغير المستحقين؟

 

لقد شبه كاتب جليل هذا التناقض بهذه الكلمات «هب أنك وجدت زجاجة كُتب عليها لشفاء مرضى السُل، والضعفاء، والمرضى، وعلى أسفل الزجاجة ذاتها وجدت مكتوبًا ممنوع قطعيًا أن يتعاطى هذا الدواء مرضى السُل، والضعفاء، والمرضى، فماذا نقول عن مخترع دواء كهذا؟!»

 

إن عشاء الرب في وضعه الكتابي ليس للخطاة غير المتجددين، ولا هو وسيلة لنوال غفران الخطايا، وإنما هو مائدة تقدم لأولئك الذين نالوا خلاص الرب وتجددوا وغفرت خطاياهم وأطاعوا كلمته فاعتمدوا بالماء بعد إيمانهم، وصاروا أعضاء في الكنيسة المحلية وبهذا يحق لهم التناول من هذا العشاء كما نقرأ في سفر أعمال الرسل “فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ. وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ” (أع42،41:2). والترتيب الكتابي بحسب هذه الكلمات هو ما يلي:

 

1) سمعوا

2) نُخِسوا في قلوبهم

3) سألوا “ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟”

4) عرفوا “فقال لهم بطرس توبوا وليعتمد كل واحد منكم على أسم يسوع المسيح لغفران الخطايا.

5) قبلوا

6) اعتمدوا بالماء

7) واظبوا على تعليم الرسل .. وكسر الخبز.

 

فانظر كيف يناقض تعليم الناس كلمة الله؟

 

الخطأ الرابع: هو أن التمسك بحرفية الكلمات في يوحنا 6 يجعلنا نقول إنه يكفي أن يتناول الإنسان من عشاء الرب مرة واحدة في عمره لينال الحياة الأبدية وهو اعتقاد لا يعلم به الكتاب المقدس قط.

 

أجل. هناك موقف محرج جداً لا بد أن يتعرض له من يتمسك بحرفية الكلمات الواردة في انجيل يوحنا الإصحاح السادس وتطبيقها على عشاء الرب، إذ الكلمات تقول «من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية» فإذا كانت هذه الكلمات تنطبق حرفيًا على عشاء الرب، إذن يكفي جدًا أن يتناول الإنسان مهما كانت حالته ونجاسته وصفاته من عشاء الرب مرة واحدة في عمره لينال الحياة الأبدية.

 

قد يقول قائل: كلا، لا بد أن يستوفي المتناول شروط التوبة والإيمان وحياة القداسة.

 

فنجيبه أن حرفية الآية لا تعني هذا وهذه كلماتها مرة أخرى «من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية» والكلمات لا تتطلب شروطًا، إنها باب مفتوح للجميع بلا قيد ولا شرط، فإما أن يكون معناها تخصيص موت المسيح وحياته للفرد بالإيمان البسيط وبهذا فعلاً ينال الإنسان مهما كانت حالته الحياة الأبدية. أو أن نطبقها على عشاء الرب وعندئذ فيكفي جدًا أن يتناول الفرد من عشاء الرب مرة واحدة في عمره لينال الحياة الأبدية .. والحياة الأبدية في مفهومها الصحيح هي الحياة التي لا تنتهي أبدًا، ولا يمكن أن تنتهي.

 

فهل صحيح أن من يتناول من عشاء الرب مرة واحدة في عمره ينال الحياة الأبدية مهما كانت حالته وصفاته؟! يقينًا لا. إذا ما معنى الكلمات “وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ. لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ” (1كو29،28:11).

 

إننا نعلم تمام العلم وكل ذي عقل يوافقنا على ما نقول، إن كثيرين جدًا ممن يتناولون عشاء الرب دون تجديد حقيقي يهلكون هلاكًا أبديًا، فكيف نوفق إذن بين هذه الحقيقة وبين قول المسيح في عدد 54 «من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية»، إن الإجابة الوحيدة الشافية تدفعنا إلى التسليم بأن أكل جسد المسيح وشرب دمه لا يشيران إلى الأكل من عشاء الرب، بل إلى الإيمان به مخلصًا شخصيًا للفرد الذي يقبله. ولكي نؤكد أن الأكل والشرب من جسد المسيح ودمه في الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا يشيران إلى الإيمان الشخصي سنضع الجدول التالي ليتأمله صاحب الذهن الروحي ويستريح على حق الله الصريح.

 

– “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا” (يو35:6) – “مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (يو54:6)
– “لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (يو40:6)
– “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ” (يو47:6)

 

ومن مقارنة دقيقة لهذه الآيات نرى أن الرب استخدم كلمات «من يقبل إليَّ فلا يجوع» «من يؤمن بي فلا يعطش أبدًا»، فجعل الإقبال إليه مكان الأكل للشبع، والإيمان به مكان الشرب للإرتواء، ثم قال إن “مَنْ يَرَى الابْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ”(يو40:6). وهذا تفسير بسيط جميل للكلمات “مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (يو54:6). وهكذا جعل الرب الأكل والشرب منه يعني الإيمان الفردي به مخلصًا شخصيًا.

 

ولو أننا تأملنا جيدًا في المعنى الروحي الذي قصده الرب من «الأكل والشرب» و أدركنا جيدًا أن هذا يعني الإيمان الشخصي به لارتاحت قلوبنا تمامًا على الحق الثمين المُعلن في كلمة الرب.

 

كتب مفسر جليل تفسيراً قارن فيه بين الإيمان الشخصي بالمسيح والأكل والشرب من جسده ودمه فذكر هذه المقارنات:

 

1) الأكل والشرب يسبقها جوع وعطش. كذلك الإيمان بالمسيح يسبقه جوع وتعطش إليه “طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ” (مت 5: 6).

 

2) الأكل والشرب يستلزمان تخصيص الطعام والشراب للآكل والشارب إذ لا فائدة للطعام ما لم يؤكل، ولا نفع للشراب ما لم يُشرب، كذلك الإيمان لا بد أن يكون شخصيًا. فيخصص كل مؤمن المسيح لذاته قائلاً مع الرسول “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2: 20).

 

3) الأكل والشرب ترافقهما لذة خاصة يتمتع بها من يأكل ويشرب، كذلك الإيمان بالمسيح يملأ القلب بهجة، فيقتات الإنسان به، ويتلذذ بشخصه “ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ” (مز 34: 8). فأكل جسد الرب وشرب دمه هنا معناه تخصيص الرب بالإيمان لنفسي إذ مات لأجلي ليحييني.

 

ولقد كفانا الرب نفسه شر سوء فهم كلماته فبعد أن تحدث عن الأكل من جسده والشرب من دمه أختتم حديثه بالقول “كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي. هذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. لَيْسَ كَمَا أَكَلَ آبَاؤُكُمُ الْمَنَّ وَمَاتُوا. مَنْ يَأْكُلْ هذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ” (يو58،57:6).

 

وفي هذه الكلمات تلمع أمامنا عدة حقائق ذكرها مفسر جليل نسجلها فيما يلي:

 

1) إن اجتياز الحياة من الآب الحي إلى الابن الحي هو نموذج ومثال وعلة اجتياز الحياة من الابن الحي إلى المؤمن. ويتألف هذا العدد من شطرين متوازيين يخبرنا أولهما عن صلة الأب بالمسيح الابن، ويحدثنا الثاني عن صلة المسيح بالمؤمن. وكل من هذين الشطرين يتضمن عبارتين: إحداهما تصف المعطي، والأخرى تصف الآخذ. فالآب هو الحي، وهو المصدر الأصلي للحياة. والعلة المطلقة لها، والابن باعتبار كونه فاديًا ومرسلاً من الآب هو حي به لأنه يستمد كيانه الإنساني منه ليتم رسالته التي جاء أرضنا لأجلها. كلمة «أنا حي» لا تعني الكيان المطلق لكنها تصف حياة المسيح الإنسان في جميع مظاهرها (يو 4:2، 6:7، 16، 28:8).

 

والنتيجة الطبيعية لهذه الحقيقة هي أن المسيح في حياته على الأرض قد أرانا «صورة طبق الأصل» من حياة الله، ومن الأهمية بمكان أن نذكر أن المسيح يتكلم في هذا العدد عن حياته الإنسانية، أما الشطر الثاني من الآية فيصف المسيح بأنه قوت المؤمن، ويصف المؤمن في اقتياته الدائم بالمسيح، فالأكل هنا روحي محض «فمن يأكلني فهو يحيا بي».

 

2) إن الرب يسوع شبه نفسه في كل هذا الإصحاح بالخبز الذي نزل من السماء، فلو تمسكنا بحرفية كلماته لاعتقدنا أن لحمه ودمه قد صارا خبزًا وهو الأمر الذي لم يصر، ولا يعتقد به أحد. فتشبيه يسوع ذاته بالخبز يعني أنه غذاء الحياة الروحية. ونعود مكررين أنه لم يشبه الخبز في هذا الحديث بجسده ودمه كما حدث في العشاء الرباني بل شبه نفسه بالخبز مما يؤكد أن لا علاقة بين هذا الإصحاح وبين عشاء الرب.

 

3) إن الرب يسوع ذكر أن الأكل منه ليس أكلاً حرفيًا جسديًا بالفم والأسنان إذ قال بعبارة صريحة لَيْسَ كَمَا أَكَلَ آبَاؤُكُمُ الْمَنَّ وَمَاتُوا (يو58:6). ومعروف ان اليهود أكلوا المن بأفواههم ومضغوه بأسنانهم وماتوا، لكننا لا نأكل الرب يوع المسيح بأفواهنا ونمضغه بأسناننا. حاشا. لكننا نؤمن به بقلوبنا ونخصصه فاديًا لحياتنا، ونحيا إلى الأبد. “مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ” (1 يو 5: 12). وهكذا يبدو لنا جليًا أن الرب يسوع لم يقصد قط حرفية الأكل منه، بل قصد الإيمان الشخصي به باعتباره «ابن الله النازل من السماء الواهب الحياة للعالم».

 

وقد استصعب اليهود أن يؤمنوا بشخصه الإلهي بهذا الاعتبار لأنهم كما قالوا كانوا عارفين بأبيه وأمه كما نقرأ “فَكَانَ الْيَهُودُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَالَ: «أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ». وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟»” (يو41:6). “فَخَاصَمَ الْيَهُودُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: «كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ؟»” (يو52:6). “فَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، إِذْ سَمِعُوا: «إِنَّ هذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟» فَعَلِمَ يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ تَلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هذَا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَهذَا يُعْثِرُكُمْ؟ فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا! اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ، وَلكِنْ مِنْكُمْ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ»” (يو660:6-64).

 

وفي هذه الكلمـــات نــرى أن اليهود قد تذمــروا وخاصموا بعضهــم بعضًــا ثلاث مــرات، في الأعداد) 41، 52، 60، 61( بسبب سوء فهمهم لكلمات الرب يسوع، وعدم قبولهم إياه باعتباره ابن الله النازل من السماء الواهب حياة للعالم إذ قالوا أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، وكذلك بسبب تفسيرهم المادي لكلامه الروحي إذ قالوا كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ؟

 

ولو أن الرب له المجد قصد حرفية الأكل من جسده والشرب من دمه لقال لهم بكلمات مفهومة «سأعطيكم جسدي ودمي تحت شكليّ الخبز والخمر في العشاء الرباني الذي أنا مزمع أن أصنعه مع تلاميذي فلا يعثركم كلامي هذا» ولكن الرب لم يقل هذا قط، بل على العكس أكد لسامعيه أن كلماته تحمل معنى روحيًا فقال لهم «أَهذَا يُعْثِرُكُمْ؟ فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا!» وهذه الإجابة ينقصها جواب «إن» الشرطية، وتقديره « فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدًا إلى حيث كان أولاً فأنكم ستتأكدون إني نزلت من السماء، وأنني بموتي على الصليب لأجلكم سأعطيكم الحياة الأبدية». وهذا ما حدث تمامًا إذ صعد الرب يسوع إلى السماء، وأرسل الروح القدس في يوم الخمسين، ولما امتلأ بطرس به وعظ الجمع وحقق لهم لاهوت المسيح، وضرورة موته على الصليب وبركات هذا الموت، فأمن عدد غفير من اليهود ووجدوا في المسيح الحياة الأبدية.

 

وفي كلمات ربنا «أَهذَا يُعْثِرُكُمْ؟ فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِدًا إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلًا!» نجد معنى أخر هو، أنه سيصعد بجسده الذي يروه أمامهم إلى السماء، وعلى هذا فهم لن يأكلوا جسده حرفيًا، ولن يشربوا دمه حرفيًا، لأنه سيصعد بجسده إلى حيث كان أولاً.

 

وفي كلماته «وَلكِنْ مِنْكُمْ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ» ما لا يدع مجالاً للشك في أنه كان يعني بالأكل من جسده والشرب من دمه الإيمان الشخصي به، ولو كان الأمر غير ذلك لقال لهم ولكن منكم قوم سيرفضون أكل عشاء الرب وهو ما لم يقله الرب له المجد على الإطلاق.

 

ويقينًا أن الرسل قد فهموا كلام الرب يسوع فهمًا روحيًا، فهموا أن الأكل والشرب من جسده ودمه يعني الإيمان الشخصي به باعتباره ابن الله الآتي من السماء الذي جاء ليبذل نفسه فدية عن كثيرين، ولو أنهم فهموا كلماته فهمًا حرفيًا ماديًا، إذن لهجموا على المسيح له المجد وأكلوا جسده بأسنانهم، وشربوا دمه بأفواههم لتكون لهم حياة أبدية. ولكننا نجد الإصحاح يُختتم بالكلمات: “مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ. فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ: «أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟» فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ، وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ»” (يو66:6-69). والمتأمل في هذه الكلمات الختامية يرى أنه لو كانت هناك علاقة بين حديث الرب في هذا الإصحاح وبين العشاء الرباني إذن لما سمح الرب للكثيرين من تلاميذه أن يرجعوا للوراء ولا يعودوا يمشون معه، بل قال لهم: «لا ترجعوا إلى الوراء لأن كلامي معناه الأكل والشرب من جسدي ودمي في فريضة العشاء الرباني» ولكن الرب بدلاً من هذا يوقف الإثنى عشر في موقف دقيق قائلاً «أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟» .

 

وهنا يجيبه بطرس، كما عرف بقية الرسل حقيقة المسيح. عرفوا أن المسيح هو ابن الله الحي النازل من السماء. عرفوا أنه خبز الحياة الروحية للمؤمن الحقيقي.

 

عرفوا أنه نزل من السماء ليهب حياة أبدية لكل من يؤمن به، وبموته على الصليب. وقد قبل المسيح اعتراف بطرس، وسُر به وأعلن قبوله له “وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ” (يو69:6). لأن بطرس فهم ما قصده سيده، فهم أن الأكل والشرب من جسده ودمه يعني الإيمان الشخصي به باعتباره ابن الله الآتي لخلاص العالم الذي بذل جسده ودمه لفدائنا.

 

فليتنا نفهم ما فهمه الرسل الأولون، ونتأكد بأنفسنا أنه ليس بين الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا وبين عشاء الرب أية علاقة، لا سيما وأن إنجيل يوحنا هو الإنجيل الوحيد الذي رأى الروح القدس في حكمته أن لا يذكر فيه تفاصيل هذا العشاء حتى لا يدع مجالاً لربط كلمات الرب في هذا الإصحاح بفريضة عشاء الرب.

****************************************************************************

الفصل الثاني

ماذا نرى في عشاء الرب؟

أطلق العهد الجديد عدة تسميات للعشاء الرباني، فأسماه «كسر الخبز» إذ نقرأ عنه في سفر أعمال الرسل “وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ إِذْ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِيَكْسِرُوا خُبْزًا، خَاطَبَهُمْ بُولُسُ وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمْضِيَ فِي الْغَدِ” (أع 20: 7). وأسماه «مائدة الرب»، إذ قال بولس الرسول “لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ” (1 كو 10: 21). وأسماه «عشاء الرب» إذ قال بولس الرسول كذلك موبخًا الكورنثيين “فَحِينَ تَجْتَمِعُونَ مَعًا لَيْسَ هُوَ لأَكْلِ عَشَاءِ الرَّبِّ” (1 كو 11: 20).

«فكسر الخبز» و «مائدة الرب» و«عشاء الرب» كلها مسميات لمُسمى واحد هو ما تعارفنا على تسميته بالعشاء الرباني وهي تسمية لم ترد بحرفيتها في كلمة الله.

وبكل يقين أن «عشاء الرب» هو فريضة مقدسة في الكنيسة المسيحية، والعبادة الحقيقية تجد قمتها ولذتها وتمامها في عشاء الرب، والمؤمن الذي لا يواظب على الأكل من عشاء الرب بالكيفية الكتابية هو مؤمن مشكوك في قداسة سلوكه وتقواه.

وهنا يحق لنا أن نتسائل ما هو التعليم الكتابي عن عشاء الرب، وماذا نرى في هذا العشاء المجيد؟

والكتاب المقدس يعلمنا بكل وضوح أننا نرى في عشاء الرب «تذكارًا» و «اخبارًا» و «انتظارًا» وشركاء مع أعضاء الكنيسة الأبرار، و «عهدًا جديدًا للأحرار».

1) إننا نرى في عشاء الرب تذكارًا: وهذا ما قاله الرب نفسه ليلة أمر بصنع هذا العشاء “وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي»” (لو 22: 19). وهذا يتفق تمامًا مع ما ذكره الرسول بولس في قوله “أَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلًا: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي»” (1كو23:11-25).

فعشاء الرب إذن يذكرنا بالرب نفسه، الرب الذي مات على الصليب من أجلنا، والذي صعد إلى السماء بجسده المبارك الممجد، وسيعود إلينا في هذا الجسد ليأخذنا إليه، ونحن حين نلتف حول مائدة الرب نذكر الرب الذي مات عنا.

2) إننا نرى في عشاء الرب إخبارًا: وهذا ما يقوله بولس الرسول “فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ” (1 كو 11: 26).

فكلما اجتمع المفديون حول مائدة الرب كان معنى اجتماعهم الإخبار بموت الرب يسوع لأجلهم، ذلك الموت الذي ماته مرة واحدة على صليب الجلجثة والذي قال فيه اشعياء النبي “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا” (إش 53: 5). فعشاء الرب هو التذكار الدائم للإخبار بموت الرب.

3) إننا نرى في عشاء الرب إنتظارًا: إذ يقول بولس الرسول “فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ” (1 كو 11: 26). فالقديسون الذين يجتمعون حول عشاء الرب في الكنيسة المحلية، يفكرون وهم حول مائدته في مجيئه الثاني لأخذ عروسه من هذه الأرض، فيملأ هذا الرجاء قلوبهم بالفرح والبهجة والانتعاش، ويدفعهم للإنتظار والسهر والعيش في سيرة مقدسة وتقوى، ولسان حالهم يقول “آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ” (رؤ 22: 20).

4) إننا نرى في عشاء الرب شركة مع الأبرار: وكلمات بولس الرسول تؤكد هذا الحق الصريح إذ يقول “كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ، أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ” (1كو17،16:10).

ومن البديهي أن الرغيف الواحد يتكون من حبات حنطة، طحنت وعُجنت، وخُبزت، فصارت رغيفًا واحدًا، وهكذا أيضًا المؤمنون المفديون الذين اشتركوا في التمتع ببركات الفداء الذي تم بدم المسيح وببذل جسده على الصليب، والذين أطاعوا الرب في معمودية الماء بعد إيمانهم وصاروا أعضاء في الكنيسة المحلية، يعلنون باشتراكهم معًا، في الأكل من الخبز الواحد ، وحدانيتهم في المسيح «نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد، فعشاء الرب إذًا هو رمز الشركة والوحدة مع أعضاء الكنيسة المحلية المغسولين بدم المسيح، الذين يسجدون للآب بالروح والحق.

5) إننا نرى في عشاء الرب عهدًا جديدًا للأحرار: وهذا ما نقرأه في إنجيل لوقا “وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلًا: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ” (لو20،19:22).

وفي هذه الكلمات نرى أن في الخبز إشارة إلى تجسد المسيح، وفي الكأس «عهدًا جديدًا» إشارة إلى نهاية عهد الناموس بطقوسه وفرائضه وذبائحه وكل محتوياته، وبداية عهد النعمة بكل بركاته وأمجاده “لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا” (يو 1: 17). (اقرأ بنفسك الرسالة إلى العبرانيين الإصحاحات من 7-10).

أجل انتهى الناموس بنيره بموت المسيح، ولذا نحن نقرأ أنه عندما “قَامَ أُنَاسٌ مِنَ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ آمَنُوا مِنْ مَذْهَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ، وَقَالُوا: «إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَنُوا، وَيُوصَوْا بِأَنْ يَحْفَظُوا نَامُوسَ مُوسَى” (أع5:15).

وقف بطرس قائلاً “الآنَ لِمَاذَا تُجَرِّبُونَ اللهَ بِوَضْعِ نِيرٍ عَلَى عُنُقِ التَّلاَمِيذِ لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلاَ نَحْنُ أَنْ نَحْمِلَهُ؟” (أع10:15).

ويقول بولس في رسالته إلى الكنيسة في رومية “وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ، إِذْ مَاتَ الَّذِي كُنَّا مُمْسَكِينَ فِيهِ، حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لاَ بِعِتْقِ الْحَرْفِ” (رو 7: 6).

هذه هي المعاني التي نراها في عشاء الرب، ما أحسن وما أجمل أن يعيها الذهن، ويحفظها القلب ليعرف المؤمن ويُدرك معنى هذه الفريضة المجيدة.

********************************************************************

الفصل الثالث

العشاء الأول

 

نرى لزامًا علينا ونحن بصدد تحليل ودراسة موضوع عشاء الرب أن نتحدث قليلاً عن العشاء الأول، ذلك العشاء الذي صنعه الرب نفسه في علية أورشليم.

فإلى المكتوب في كلمة الله:

“وَفِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْفَطِيرِ تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ لَهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟» فَقَالَ: «اذْهَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَى فُلاَنٍ وَقُولُوا لَهُ: الْمُعَلِّمُ يَقُولُ: إِنَّ وَقْتِي قَرِيبٌ. عِنْدَكَ أَصْنَعُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي». فَفَعَلَ التَّلاَمِيذُ كَمَا أَمَرَهُمْ يَسُوعُ وَأَعَدُّوا الْفِصْحَ. وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ اتَّكَأَ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ. وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ قَالَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي». فَحَزِنُوا جِدًّا، وَابْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ: «هَلْ أَنَا هُوَ يَا رَبُّ؟» فَأَجَابَ وَقَالَ: «الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ هُوَ يُسَلِّمُنِي! إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ!». فَأَجَابَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ وَقَالَ: «هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟» قَالَ لَهُ: «أَنْتَ قُلْتَ». وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي». وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي». ثُمَّ سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ” (مت17:26-30).

هذا ما سجله متى البشير. والآن إلى كلمات بولس الرسول لنسمع ماذا يقول:

“لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي» كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلًا: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي»” (1كو23:11-25).

والكلمات التي سجلها متى البشير ترينا أن العشاء الأول الذي صنعه الرب، صنعه في علية بأورشليم في يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يذبح فيه الفصح، كما يؤكد ذلك لوقا البشير بالكلمات “وَجَاءَ يَوْمُ الْفَطِيرِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْبَحَ فِيهِ الْفِصْحُ. فَأَرْسَلَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا قَائِلًا: «اذْهَبَا وَأَعِدَّا لَنَا الْفِصْحَ لِنَأْكُلَ». فَقَالاَ لَهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ؟». فَقَالَ لَهُمَا: «إِذَا دَخَلْتُمَا الْمَدِينَةَ يَسْتَقْبِلُكُمَا إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعَاهُ إِلَى الْبَيْتِ حَيْثُ يَدْخُلُ، وَقُولاَ لِرَبِّ الْبَيْتِ: يَقُولُ لَكَ الْمُعَلِّمُ: أَيْنَ الْمَنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي؟ فَذَاكَ يُرِيكُمَا عِلِّيَّةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً. هُنَاكَ أَعِدَّا». فَانْطَلَقَا وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا، فَأَعَدَّا الْفِصْحَ” (لو7:22-13).

فالعشاء الرباني الأول صُنع في بيت، وليس في الهيكل، أو في كنيسة مبنية لهذا الغرض، وكانت مواد هذا العشاء الأول موضوعة على مائدة عادية وليست على مذبح خاص وهناك في تلك العُلية المفروشة في ذلك البيت صنع الرب العشاء الأول.

وهنا يجدر بنا أن نقف لحظة لنجيب على سؤال طالما تردد في أذهان الكثيرين وهو: إذا كان الرب قد صنع العشاء الأول على مائدة بسيطة فعلى أي أساس يصر التقليديون على صنع العشاء الرباني على مذبح خاص؟ والواقع أن كلمة الله تؤكد لنا أن المؤمنين في الكنيسة المحلية الأولى في أورشليم اعتادوا أن يتناولوا عشاء الرب في البيوت، وبغير شك أن هذه البيوت لم تكن بها مذابح خاصة لصُنع عشاء الرب عليها وهذا واضح في الكلمات “وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ …. وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ” (أع46،42:6). فمكان «كسر الخبز» كان هو البيوت وليس الهيكل.

ولو أراد الرب يسوع أن تكون هذه الفريضة ذبيحة، تُقدم على مذبح خاص، لأقام مذبحًا خاصًا لها، قبل أن يقدمها للتلاميذ ولفعل كما فعل إبراهيم حين قدم إسحق ابنه ذبيحة إذ نقرأ عنه “فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ” (تك 22: 9). ولفعل كما فعل إيليا حين أراد أن يقدم للرب ذبيحة أمام الشعب إذ نقرأ هذه الكلمات “قَالَ إِيلِيَّا لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «تَقَدَّمُوا إِلَيَّ». فَتَقَدَّمَ جَمِيعُ الشَّعْبِ إِلَيْهِ. فَرَمَّمَ مَذْبَحَ الرَّبِّ الْمُنْهَدِمَ. ثُمَّ أَخَذَ إِيلِيَّا اثْنَيْ عَشَرَ حَجَرًا،… وَبَنَى الْحِجَارَةَ مَذْبَحًا بِاسْمِ الرَّبِّ، … ثُمَّ رَتَّبَ الْحَطَبَ وَقَطَّعَ الثَّوْرَ وَوَضَعَهُ عَلَى الْحَطَبِ” (1مل30:18-33).

ولكن الرب يسوع لم يبن مذبحًا لهذا الغرض قط، بل صنع العشاء الأول على مائدة متواضعة في غرفة مفروشة بأورشليم، وفي هذا أكبر دليل على أن عشاء الرب ليس ذبيحة بحال من الأحوال، وأن المذبح ليس ضروريًا لصنع هذا العشاء، فالذين يصرون على ضرورة إقامة مذبح للعشاء الرباني عليه لا يجدون لأنفسهم سندًا من كلمة الله. وهنا اسمع من يقول: قف قليلاً .. ألسنا نقرأ في سفر إشعياء الكلمات “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ فِي أَرْضِ مِصْرَ خَمْسُ مُدُنٍ تَتَكَلَّمُ بِلُغَةِ كَنْعَانَ وَتَحْلِفُ لِرَبِّ الْجُنُودِ، يُقَالُ لإِحْدَاهَا «مَدِينَةُ الشَّمْسِ. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا. فَيَكُونُ عَلاَمَةً وَشَهَادَةً لِرَبِّ الْجُنُودِ فِي أَرْضِ مِصْرَ. لأَنَّهُمْ يَصْرُخُونَ إِلَى الرَّبِّ بِسَبَبِ الْمُضَايِقِينَ، فَيُرْسِلُ لَهُمْ مُخَلِّصًا وَمُحَامِيًا وَيُنْقِذُهُمْ. فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ، وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ الرَّبَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً، وَيَنْذُرُونَ لِلرَّبِّ نَذْرًا وَيُوفُونَ بِهِ” (إش18:19-21).

ويسأل المعترض قائلاً: أليس المذبح المذكور في هذه النبوة هو مذبح الكنائس التقليدية، والذي يصنع عليه التقليديون عشاء الرب؟!

والآن إلى الإجابة على سؤال المعترض:

فكلمات نبوة إشعياء تقول: «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ فِي أَرْضِ مِصْرَ خَمْسُ مُدُنٍ تَتَكَلَّمُ بِلُغَةِ كَنْعَانَ وَتَحْلِفُ لِرَبِّ الْجُنُودِ» ومعروف أن لغة كنعان في وقت هذه النبوة كانت هي اللغة العبرانية (اقرأ إش11:38)، فهل يتكلم التقليديون في مصر في صلواتهم باللغة العبرانية أو باللغة القبطية؟

وهناك ملاحظة أخرى جديرة بالاعتبار وهي: أن المدن المذكورة في النبوة عددها خمس مدن فقط في كل أرض مصر، وأن هذه المدن في أرض مصر وحدها وليست في سواها من دول العالم الفسيح، فهل تنطبق هذه النبوة على الكنائس التقليدية المنتشرة في كل مدن مصر، بل في دول كثيرة من دول العالم اليوم؟! لكي تنطبق النبوة على التقليديين يجب أن يغلقوا كنائسهم في أنحاء مصر، بل وفي العالم كله ويبقون منها خمس مدن فقط في أرض مصر ليصح ادعاءهم!

وتقول النبوة أن هذه المدن الخمس، «تَحْلِفُ لِرَبِّ الْجُنُودِ»، والحلف مخالف لوصايا العهد الجديد، إذ قال لنا الرب يسوع “أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ، وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ. وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ” (مت33:5-37).

وإذن فالمدن التي تتكلم باليهودية، وتحلف لرب الجنود في أرض مصر لا يمكن أن تكون مدنًا مسيحية على الإطلاق ولا تشير بحال من الأحوال إلى وجود الكنائس التقليدية في هذه البلاد.

ثم تستمر النبوة قائلة “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا” (إش19:19).

والنبوة لا تتحدث عن «مذابح» تنتشر في العالم، في روما، وباريس، وأثينا، وأديس أبابا، والقاهرة، بل عن «مذبح واحد»، في وسط أرض مصر، مذبح واحد للمدن الخمس التي تتكلم بلغة كنعان، وتحلف لرب الجنود، مما يخالف روح العهد الجديد تمامًا ويؤكد أن هذه المدن يهودية وليست مسيحية. وقد تمت هذه النبوة منذ زمان بعيد قبل ميلاد ربنا يسوع المسيح، وبعض أجزاء النبوة في هذا الإصحاح سيتم في مُلك الألف السنة حين تمتلئ الأرض من معرفة الرب، فلا علاقة بين هذا المذبح ومذابح الكنائس التقليدية على الإطلاق، ذلك لأن هذا المذبح مرتبط كذلك بإقامة عمود للرب عند تخم مصر إذ تقول النبوة:

«فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا» فإذا قال التقليديون إن المذبح يشير إلى المذابح الموجودة في كنائسهم، فمن حقنا أن نسألهم: أين العمود الذي للرب عند تخم مصر؟ وكيف تفسرونه؟

وإذا أصر التقليديون على تطبيق هذه النبوة على مذابحهم طالبناهم بهدم المذابح التي في أديس أبابا، وفي السودان، وفي أثينا باليونان، وفي غيرها من المدن لأن النبوة تختص فقط بأرض مصر، وبأرض مصر ولا سواها، وهي نبوة تختص بمدن يهودية وبالتالي تتحدث عن ذبائح وتقدمات يهودية كذلك.

وهنا قد يسأل معترض آخر قائلاً ولكن ألا نقرأ في الرسالة إلى العبرانيين الكلمات “لَنَا «مَذْبَحٌ» لاَ سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَخْدِمُونَ الْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ” (عب 13: 10). ونجيب على هذا الإعتراض بالقول: بأن كاتب الرسالة إلى العبرانيين لا يتحدث عن «مذابح » بل عن «مذبح واحد فقط»، ويقول عن المذبح الواحد أنه «لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه» وفي الوقت الذي كتبت فيه الرسالة إلى العبرانيين كان المسكن اليهودي، أو الهيكل اليهودي ما زال قائمًا وكانت الذبائح الموسوية ما زالت تقدم على مذبحه، وقد أكد الكاتب أن لا سلطان لخدام المسكن اليهودي أن يأكلوا من المذبح الذي للمؤمنين بالرب يسوع المسيح، ويقول المفسر المشهور دكتور آدم كلارك في تفسيره لهذه الآية«بأن المذبح المذكور هنا يشير إلى الذبيحة التي قدمت عليه، وهو الرب يسوع المسيح نفسه بكل بركات ذبيحته الكفارية، والذين يستمرون في تقديم الذبائح الموسوية ويثقون في قيمتها لغفران خطاياهم بعد معرفتهم بذبيحة المسيح الكاملة التي لا تتكرر، لا سلطان لهم في الأكل والتغذي روحيًا بالمسيح، والتمتع ببركات ذبيحته على الصليب».

وهذا الشرح جليل وصادق، لأن محاولة تفسير هذا المذبح بأنه المذبح الذي يصنع عليه التقليديون العشاء الرباني محاولة غير مجدية، ذلك لأن مذابح التقليديين لم تكن موجودة إطلاقًا عندما كتب كاتب الرسالة إلى العبرانيين كلماته، هذا من جهة، ومن جهة اخرى نرى أن في سلطان أي إنسان يدّعي المسيحية مجرد إدعاء أن يأكل من العشاء الذي يصنع في الكنائس، في حين أن المذبح المذكور في (عب10:13) لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه، لأن الأكل منه، هو أكل روحي، شرطه الإيمان القلبي بالرب يسوع المسيح، والتوقف عن تقديم الذبائح الموسوية، وحين يمتلئ القلب بالإيمان ويتوقف اليهودي عن تقديم الذبائح القديمة يستطيع أن يتغذى بالرب يسوع المسيح بروحه وقلبه، لا بفمه وأسنانه.

والآن لنعد إلى علية أورشليم لنرى ماذا فعل الرب في تلك الليلة التاريخية، وفي البشائر نقرأ، أنه فيما كان التلاميذ يأكلون عشاء الفصح أخذ يسوع خبزًا من فوق المائدة «وبارك وكسر» … وأخذ الكأس «وشكر» ويقول بولس الرسول بالروح القدس أن الرب شكر على الكأس بعد أن أكل التلاميذ الخبز وهذا واضح من كلماته “كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلًا: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي” (1 كو 11: 25).

ويستخدم متى الرسول كلمة «بارك» ولكن بولس الرسول يستخدم كلمة «شكر» وهذا يعني أن البركة والشكر مترادفان يحملان معنى واحد ولا يدلان على مجموعة صلوات تقال ساعة العشاء الرباني. أما كلمة «كسر» فهي لا تشير إلى صلاة نطق بها الرب، بل إلى عمل أجراه على الخبز الذي بين يديه.

وهنا تأتي ملاحظة في غاية الأهمية تسترعي أنتباهنا، هي أن الرب له المجد «بارك» الخبز وحده ثم أخذ الكأس «وشكر» بعد أن أكل التلاميذ الخبز، فيجب والحال هذه أن تكون البركة على الخبز وحده، ثم على الكأس وحدها بعد أن يأكل أعضاء الكنيسة المحلية الخبز، ويجب أن يأكلوا ويشربوا من العنصرين، لأن التلاميذ في ليلة العشاء الأول، بعد أن أخذوا الخبز وأكلوه، قال لهم الرب وهو يقدم لهم «الكأس» “اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ” (مت 26: 27). فمن الانحراف عن الحق الكتابي أن نشكر على الخبز والكأس دفعة واحدة، أو أن نقدمهما للمتناولين دفعة واحدة، أو أن نقدم الخبز وحده للمتناولين كما تفعل الكنائس الكاثوليكية مانعة أعضائها من الشرب من الكأس.

وهناك سبب جوهري أخر يؤكد ضرورة تقديم الخبز وحده والكأس وحدها، فتقديم الرب يسوع الخبز وحده والكأس وحدها، يشير إلى أن موته كان سيتم فعلاً وحقيقة على الصليب لأن انفصال الخبز عن الكأس يرمز إلى انفصال جسد المسيح عن نفسه الناطقة بالموت “لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ” (لا11:17). فمن الخطأ البين أن نشكر على عنصري الفريضة معًا في وقت واحد، أو ان نقدمهما ممتزجين معًا بغير هذا الترتيب الكتابي الجميل.

وملاحظة أخيرة في هذا المجال نجدها في الكلمات “وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ” (مت26:26) والكلمات هنا تشير إلى الأكل من عشاء الفصح، ومعناها أن التلاميذ أكلوا عشاء الفصح قبل أكلهم عشاء الرب، وهذا يعني أن اشتراط الانقطاع عن الطعام تسع ساعات على الأقل قبل التناول من عشاء الرب تعليم لا سند له في الكتاب المقدس، بل هو مجرد تقليد بشري لا قيمة له.

ومرة أخرى لنعد إلى العلية ولنقرأ ماذا صنع الرب ليلة العشاء الأول، فهو قد «بارك» أو «شكر» قبل تقديم الخبز إلى التلاميذ، فأي كلمات تلك التي استخدمها الرب في تلك الليلة التاريخية؟ ولماذا لم يدونها لنا البشيرون؟

بغير شك إن الروح القدس قد قصد بعدم تدوين كلمات ربنا التي نطق بها ليلة العشاء، أن يخرج الشكر ساعة صنع عشاء الرب بإرشاد الروح القدس، وأن لا يكون شكرًا محفوظًا نردده كل مرة بحرفيته، فيصبح عملاً أليًا لا يمس حساسيات القلب، وصلاة مكررة تفقد تأثيرها بتكرار ترديدها وينطبق عليها أمر ربنا يسوع “وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلًا كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ” (مت 6: 7). أجل قصد الروح بعدم تسجيل كلمات الشكر التي نطق بها ربنا ساعة العشاء أن يعلمنا أن الشكر يجب أن يتدفق من القلب المتجدد بالروح القدس كما يقول يهوذا في رسالته “مُصَلِّينَ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ” (يه 1: 20).

وهنا أسمع همسًا أتيًا من بعيد يقول: ألم يردد الرب ليلة صنع العشاء الرباني كلمات القداس الإلهي ليستحيل الخبز إلى جسده الحقيقي، ونتاج الكرمة إلى دمه الحقيقي؟ وهذا السؤال جدير بالاعتبار، وفي اعتقادي أنه من الضروري أن نناقش هنا بحرية وفهم وإخلاص هذا الإدعاء.

ولكي نسير في مناقشتنا على أساس سليم، يجب أن نضع مفاهيم واضحة للكلمات التي نستعملها … فما معنى كلمة القداس؟

يقول القس مرقس داود في كتابه «تفسير قداس الكنيسة القبطية الارثوذكسية» الطبعة الرابعة المطبوعة بمطبعة الوحدة بالفجالة على صفحة 21 بعنوان «معنى كلمة قداس» مايلي: «كلمة قداس» يقابلها في اليونانية كلمة «ليتورجيا» Leitourgia من Leitoc عمومي و Ergon عمل، أي العمل العمومي ومنها كلمة ليتورجي الانكليزية .. فيكون معنى القداس مجموع التشكرات والصلوات التي تقدم لله لتقديس السر المقدس جسد المسيح ودمه، ثم يستطرد في صفحة 28 من كتابه قائلاً «سبق القول بأن القداس هو مجموعة الصلوات التي تقدم لله حتى ينقل الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه. وطبعًا أول من مارس هذا السر هو الرب يسوع نفسه، فيكون هو أول من نطق بكلمات التقديس، ثم يستمر الكاتب فيقول في صفحة 29 «ومن ذلك طبعًا نستنتج أن المسيح رسم لرسله وسلمهم الكيفية التي يجب بها ممارسة هذا السر، وبعد ذلك سار التلاميذ وخلفاؤهم من بعدهم على هذا الترتيب المسلم لهم من الرب نفسه. ثم زادوا بعض الصلوات على تلك الصلاة الأساسية التي وضعها المسيح حسبما دعت إليه الحاجة بعد تأسيس الكنيسة المقدسة واتساع نطاقها.

ويظن البعض أن المسيح علم تلاميذه طريقة ممارسة جميع الأسرار وضمنًا هذا السر المقدس. ويتابع المؤلف حديثه في صفحة 31،30 قائلاً «ويذكر كتاب المجموع الصفوي صفحة 126 إن الكتاب المقدس لم يبين لنا ما هي الشعائر التي قام بها المسيح أنئذ ولم يكتب لنا الحواريون شيئًا نستدل منه على نوع هذه الصلوات التي تُليت، ولا حددوا لنا شيئًا عن الطقوس التي يجب عملها لتقديس هذا السر حتى يتبع طبقًا للزمان والمكان بل كل بلد يستعمل أهلها اللغة الخاصة بهم التي يعرفونها ويفهمون معناها وكانوا يكتفون بتعليمها جهارًا (شفويًا) فيستلمها الكهنة عن بعضهم كما أخذوها من الرسل ويحفظونها عن ظهر قلبهم (غيبًا) وللآن لم يقف أحد على كتاب في الليتورجيات ألفه أحد المؤلفين في الأجيال الأربعة الأولى للمسيح، إذ أنها لم تدون في مدتهم ولا بعدها بزمن يسير بل بقيت متداولة يتناقلها الخلف عن السلف إلى الجيل الخامس أو آخر القرن الرابع كما شهد بذلك أعظم الباحثين في هذا الموضوع … ولقد أجمعت كل الأدلة على أن أول من استعمل القداس في الكنيسة القبطية هو مرقس الرسول. نذكر من هذه الأدلة ما يأتي (1) شهادة الآباء الأولين- فالكل ذكروا أن مرقس الرسول هو أول من استعمل القداس المستعمل في الكنيسة القبطية وأضاف إليه بطاركتها الذين أتوا بعده بعض زيادات طفيفة لا تنافي جوهره حسب مسيس الحاجة. قال الأب الفاضل شمس الرياسة المسمى بأبي البركات المعروف بابن كبر في كتابه (مصباح الظلمة وإيضاح الخدمة): «إن القديس كيرلس الكبير أخذ قداس القديس مرقس وكمله»

(انتهى كلام مؤلف كتاب تفسير قداس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية) وإزاء إدعاء المدعين بأن الرب يسوع هو أول من نطق بكلمات التقديس، وأن مرقس هو أول من استعمل القداس في الكنيسة القبطية يحق لنا أن نسأل: هل حقًا كان الرب يسوع هو أول من نطق بكلمات التقديس؟ وهل كان مرقس البشير أول من استعمل القداس؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن أعطى الحق للبطاركة الذين جاءوا بعد مرقس ليزيدوا على كلمات القداس الأصيل الزيادات التي وضعوها حسب مسيس الحاجة؟ وإذا كان القداس من وضع الرب يسوع، ومن كتاب مرقس، فأين هو القداس الأصيل الذي كتبه مرقس ولماذا لم يحفظ كما حُفظ انجيل مرقس بالتمام؟ بل لماذا لم يُسجله البشيرون في الأناجيل؟ وكيف يكون هذا القداس الأصيل ناقصًا حتى يحتاج إلى أن يكمله القديس كيرلس الكبير حسب كلام التقليديين؟

أما أن الرب يسوع المسيح هو أول من نطق بالقداس، فهو لغو لا حق فيه، لأنه لو كان الرب يسوع قد نطق بكلمات القداس، والقداس هو مجموعة الصلوات التي تقدم لله حتى ينقل الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه بحسب تعريف التقليديين، إذن لسجل البشيرون الثلاثة متى، ومرقس، ولوقا هذه الكلمات الهامة والمقدسة والخطيرة بحرفيتها في بشائرهم لأنها تحوي سرًا رهيبًا وعميقًا ينقل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه كما يعتقد التقليديين، ولكننا لا نجد ذكراً لكلمات الشكر التي نطق بها ربنا عندما صنع العشاء الرباني في أي من هذه البشائر، وليس يعقل أن يعلم الرب تلاميذه كيفية الصلاة حين أعطاهم الصلاة المعروفة باسم «الصلاة الربانية» ثم يغفل البشيرون عن تسجيل صلاة خطيرة تنقل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه كما يدّعي التقليديون !!!

عندما أعطى الرب في العهد القديم للكهنة اللاويين شريعة الذبائح، أعطاهم تفاصيل تقديم كل ذبيحة بكيفية دقيقة فذبيحة المحرقة تقدم بطريقة خاصة مذكورة في سفر اللاويين الإصحاح الأول، وذبيحة السلامة لها طريقتها التي تقدم بها في لاويين الإصحاح الثالث وذبيحة الخطية تقدم أيضًا بطريقة أوضحها الرب في لاويين الإصحاح الرابع، وذبيحة الإثم تفاصيلها نقرأها في لاويين الإصحاح الخامس.
فهل الذبائح الموسوية أهم من عشاء الرب حتى توضح تفاصيلها في كلمة الله، ويغفل الكتاب المقدس عن تسجيل تفاصيل عشاء الرب، وكتابة الكلمات التي تنقل عنصريه إلى جسد الرب ودمه بحرفيتها كما يدعي التقليديون؟!

والآن إلى الإدعاء بالقول أن مرقس الرسول هو أول من استعمل القداس في الكنيسة القبطية – وقبل أن نستطرد لمناقشة هذا الإدعاء ينبغي أن نصحح خطأ وقع فيه مؤلف كتاب تفسير قداس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كما يقع فيه الكثيرون – وهو أنه ذكر أن مرقس كان رسولاً، مع أن مرقس لم يكن رسولاً، بل كان بشيراً، وفي قائمة أسماء الرسل المذكورة في البشائر لا نجد اسم مرقس كرسول من الرسل الذين اختارهم المسيح له المجد (اقرأ بنفسك مت 1:10-4) و (لو12:6-16). وبعد هذا التصحيح الضروري تؤكد أن مرقس البشير لم يستخدم القداس قط للعديد من الأسباب:

1) أنه إذا كان مرقس البشير هو أول من استعمل القداس، فكيف يصح هذا وبالقداس أسماء شهداء وأشخاص ولدوا بعد مرقس بأكثر من أربعمائة سنة يسجل أسمائهم قداس أغريغوريوس المعمول به في الكنيسة القبطية بالكلمات «تفضل يا رب أن تذكر جميع القديسين الذين أرضوك منذ البدء أبائنا القديسين رؤساء الأباء …. والقديس كيرلس والقديس باسيليوس والقديس أغريغوريوس وأبانا الصديق العظيم أنطونيوس والبار أنبا بولا. والثلاثة أنبا مقارات القديسين وأبانا أنبا يحنس وأبانا أنبا بيشوي» إلى أخره من هذه الأسماء التي ولد اصحابها قطعًا بعد مرقس البشير بوقت طويل قد يصل إلى مئات السنين؟!

2) إذا كان مرقس البشير هو أول من استعمل القداس وكان القداس بتسليم من المسيح للرسل – كما يدعي التقليديون – فبناء على هذا الإدعاء كان لا بد أن نجد قداسًا واحدًا فقط في جميع الكنائس التقليدية لا يختلف في ألفاظه أو معناه، ولكننا نجد في الكنائس التقليدية الكاثوليكية، والأرثوذكسية أكثر من خمسين قداسًا منها 14 قداسًا فقط في الكنيسة الأثيوبية، وثلاثة قداسات تستخدمها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ونكتفي هنا بذكر أسماء «القداسات» الموجودة الآن في الكنيسة الأثيوبية وأسماء الثلاثة قداسات التي تستخدمها الكنيسة القبطية نقلا عن كتاب «تفسير قداس الكنيسة القبطية» صفحة 37، وهذه أسماء القداسات:

1) قداس الرسل

2) قداس الرب

3) قداس يوحنا ابن الرعد

4)قداس القديسة مريم

5) قداس الثلاثمائة

6) قداس القديس أثناسيوس

7) قداس القديس باسيليوس

8) قداس القديس غريغوريوس

9) قداس القديس أبيفانيوس

10) قداس القديس يوحنا ذهبي الفم

11) قداس القديس كيرلس

12) قداس القديس يعقوب السروجي

13) قداس القديس ديوسقوروس

14) قداس القديس غريغوريوس الثاني.

أما الآن فلا يستعمل بالكنيسة سوى ثلاثة قداسات هي التي ذكرها ابن العسال في المجموع الصفوي حيث يقول «وقد ترتب في البيعة القبطية ثلاثة قداسات تتلى على الجسد المقدس لباسيليوس وغريغوريوس وكيرلس والاعتماد على ذلك» فصل 12 بند 28.

فانظر إلى أي مدى سار الإنسان، حتى يؤلف، ويغير، ويبدل حسب مقتضيات الحال في كلمات يدعي أنها تنقل الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه، وأليس في هذا أكبر دليل على أن القداس لم يلقنه الرب للرسل، ولم يكن مرقس أول من استعمله بدليل أننا لا نجد قداسًا مكتوبًا قبل أواخر القرن الرابع للميلاد كما يؤكد ذلك مؤلف كتاب تفسير قداس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بينما نجد الإنجيل الذي كتبه مرقس موجودًا بكامله قبل هذا التاريخ.

3) إذا كان مرقس البشير هو أول من استعمل القداس، وكان القداس هو ذات كلمات الرب يسوع التي لقنها للرسل كما يدعون، فكيف استباح البطاركة لأنفسهم وهم قد جاءوا بعد مرقس بمئات السنين أن يزيدوا على كلمات القداس، وكيف يقول شمس الرياسة في كتابه «مصباح الظلمة وإيضاح الخدمة» «إن القديس كيرلس الكبير أخذ قداس القديس مرقس وكمله». والله يحذر من أن يزيد الإنسان كلمة على كلماته فيقول في سفر الأمثال “كلُّ كَلِمَةٍ مِنَ اللهِ نَقِيَّةٌ. تُرْسٌ هُوَ لِلْمُحْتَمِينَ بِهِ. لاَ تَزِدْ عَلَى كَلِمَاتِهِ لِئَلاَّ يُوَبِّخَكَ فَتُكَذَّبَ” (أم6،5:30). ويختتم سفر الرؤيا بالكلمات “أَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هذِهِ النُّبُوَّةِ، يَحْذِفُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمِنَ الْمَكْتُوبِ فِي هذَا الْكِتَابِ” (رؤ19،18:22).

وهل من المنطق أن يقال إن الرب يسوع هو أول من نطق بكلمات التقديس، وأن مرقس البشير الذي أوحى له الروح القدس بكتابة الإنجيل المعروف باسمه هو أول من استعمل القداس ويكون هذا القداس ناقصًا، يأتي كيرلس الكبير فيكمله؟! وأليس من حقنا أن نسأل المرددين لهذا الكلام قائلين: هل كان مرقس البشير يصلي على الخبز والخمر بقداس ناقص؟ وهل كان للقداس الناقص التأثير الفعال لنقل الخبز والخمر إلى جسد ودم المسيح كالقداس الكامل سواء بسواء؟ وفي خلال مئات السنين قبل أن يولد كيرلس الكبير ويصبح بطريركا، هل كان القساوسة يخدمون بقداس ناقص؟ وهل كان هذا القداس الناقص ذات الفاعلية والتأثير؟

4) إذا كان الرب يسوع قد لقن القداس لرسله، وخصهم به دون سواهم من المؤمنين، فلماذا لم يشر كتبة البشائر الأربعة أو كاتب سفر الأعمال إلى هذا الأمر الخطير؟ وكيف يمكن للمسيحي الحقيقي أن يثق في كتاب، أو ترتيب لم يذكره الكتاب المقدس، والكتاب المقدس هو الدستور الوحيد للإيمان، والسلوك، والعقيدة بالنسبة للمسيحي المتجدد الدارس لكلمة الله، وهناك آيات كثيرة تؤكد هذا الحق؟

يقول الرب يسوع المسيح لليهود “تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي. إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ، هَلْ هُوَ مِنَ اللهِ، أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي” (يو17،16:7). والتعليم الذي من الله هو الذي مصدره الكتاب المقدس لا سواه، كما يقول الرب بفمه المبارك “اَلَّذِي مِنَ اللهِ يَسْمَعُ كَلاَمَ اللهِ” (يو 8: 47). وكما يقول بولس الرسول “كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ” (2 تي 3: 16).

فمن حق المسيحي الحقيقي رفض القداس لأن الكتاب المقدس لم يسجله ولم يذكر شيئًا بخصوصه، كما يؤكد ذلك كتاب المجموع الصفوي بالكلمات «إن الكتاب المقدس لم يبين لنا ما هي الشعائر التي قام بها المسيح آنئذ، ولم يكتب لنا الحواريون (أي الرسل) شيئًا نستدل منه على نوع هذه الصلوات التي تُليت، ولا حددوا لنا شيئًا عن الطقوس التي يجب عملها لتقديس هذا السر».

5) يتردد في القداس كثيرًا صلوات خاصة بالأرثوذكس والأرثوذكسيين ففي أوشية السلامة نقرأ «صلوا من أجل سلامة الوحدة المقدسة الجامعة الرسولية الأرثوذكسية .. هذه الكائنة من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها» وفي أوشية القسوس نقرأ «أذكر يا رب القمامسة والقسوس الأرثوذكسية» وفي أوشية الموضع نقرأ «أذكر يا رب خلاص هذا الموضع المقدس الذي لك وكل المواضع وكل ديارات أبائنا الأرثوذكسيين» في حين أن الكنيسة الأرثوذكسية لم تكن قد ظهرت في أيام مرقس البشير، ولا كانت موجودة من اقاصي المسكونة إلى أقصاها، فمن المعروف أن الكنيسة انقسمت إلى كاثوليكية وارثوذكسية بعد مرقس بمئات السنين، «الكنيسة الكاثوليكية» بمعنى «الكنيسة الجامعة» وإن «الأرثوذكس» أطلقوا على انفسهم هذا الأسم «الكنيسة الأرثوذكسية» بمعنى الكنيسة المستقيمة الرأي بعد إنقسام الكنيسة البابوية، فكيف يصح القول بأن مرقس هو أول من استعمل القداس، وفيه هذه الصلوات الخاصة بمذهب لم يظهر إلا بعد موته بمئات السنين؟ !!

6) في القداس مخالفات صريحة وخطيرة ضد كلمة الله نذكر بعضها فيما يلي:

أ‌) في القداس نقرأ فيما يقال في بدء الإنجيل «اسجدوا لإنجيل ربنا يسوع المسيح» ومكتوب “أَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ” (مت 4: 10). إن المسيحي الحقيقي يجب عليه أن لا يستحي بالإنجيل (رو16:1)، وان يعيش حسب الإنجيل (في27:1)، وأن يكرز بالإنجيل (مر15:16)، ولكنه لا يجب أن يسجد للإنجيل لإن السجود لله وحده، وليس هناك آية واحدة في كل الكتاب المقدس تأمر بالسجود للإنجيل.

ب‌) يطلب القداس في أوشية الأباء السحق والإذلال للأعداء مما يخالف كلمات ربنا يسوع إذ يقول القداس «وجميع الأساقفة الأرثوذكسيين والقمامصة والقسوس والشمامسة … أنعم عليهم وعلينا بالسلامة والعافية في كل موضع وصلواتهم التي يقدمونها عنا وعن كل شعبك وصلواتنا نحن أيضًا عنهم أقبلها إليك على مذبحك المقدس الناطق السمائي رائحة بخور. سائر أعدائهم الذين يرون والذين لا يرون أسحقهم وأذلهم وأما هم فاحفظهم بسلام وعدل في كنيستك المقدسة» وكلام كهذا يتنافى تمامًا مع أمر ربنا يسوع القائل “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت43:5-45). فهل من الممكن أن يكون الرب يسوع هو الذي لقن لرسله هذا القداس الذي يخالف كلامه مخالفة صريحة .. وهل يناقض الرب نفسه؟!

جـ) يعلم القداس أن عشاء الرب هو لخلاص وغفران الخطايا ولنوال الحياة الأبدية فيقول في صلاة بعد الإستعداد «أنت يا رب علمتنا هذا السر العظيم الذي للخلاص» «أعطي يا رب أن تكون مقبولة ذبيحتنا عن خطايا وجهالات شعبك» ويقول في أوشية التقدمة «نسألك ونطلب من صلاحك يا محب البشر أظهر وجهك على هذا الخبز وعلى هذه الكأس. هذين اللذين وضعناهم على هذه المائدة الكهنوتية التي لك .. وليكونا لنا جميعًا ارتقاء وشفاء وخلاصًا لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا» وفي صلاة الحجاب يقول «نسأل ونتضرع إلى صلاحك يا محب البشر أن لا يكون لنا دينونة ولا لشعبك أجمع هذا السر الذي دبرته لنا خلاصًا ولكن محوًا لخطايانا وغفرانًا لتكاسلنا» ثم يقول في سر حضور الروح القدس «ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح يعطي لغفران الخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منها» وهذه الكلمات تخالف تعاليم العهد الجديد كل المخالفة، فالعهد الجديد يُعلم بأن الخلاص، وغفران الخطايا ونوال الحياة الأبدية .. كل هذه البركات ينالها الفرد بالإيمان البسيط بالرب يسوع.

ففي إنجيل يوحنا نقرأ “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3: 16). وفي رسالة أفسس نقرأ “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” (أف 9،8:2).

وفي رسالة رومية نقرأ “لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، خَلَصْتَ. لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ” (رو10،9:10).

فانظر إلى أي مدى يخالف القداس كلمة الله، وأحكم لنفسك عن مصدر هذا القداس.

د) تتكرر في القداس الصلوات لأجل الراقدين، بل أن هناك صلاة خاصة بهم معروفة بأسم «أوشية الراقدين» كلها لأجل الذين رحلوا عن العالم، وهذا يخالف تمامًا روح الكتاب المقدس الذي لا نجد فيه امرًا بخصوص الصلاة لأجل الموتى على الإطلاق.

هـ) تمتليء صلوات القداس بطلب شفاعات القديسين المنتقلين بحجة أنها شفاعة توسلية، ويطلب القداس غفران الخطايا بواسطة شفاعة القديسة العذراء مريم في الكلمات «ليس لنا دالة عند ربنا يسوع المسيح سوى طلباتك وشفاعتك يا سيدتنا كلنا والدة الإله» ثم في الكلمات «بشفاعة والدة الإله القديسة مريم. يا رب انعم لنا بمغفرة خطايانا» وهذه الكلمات لا تتفق إطلاقًا مع تعليم الكتاب المقدس الذي يرينا أن الرب يسوع المسيح وحده هو الذي يشفع فينا بموته على الصليب شفاعة كفارية وتوسلية.

فنحن نستطيع الاقتراب إلى يسوع مباشرة وبلا وساطة أو شفاعة من البشر. كما قال لنا بفمه المبارك “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت 11: 28). “كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا” (يو 6: 37).

والرب يسوع هو الوسيط الأوحد بيننا وبين الله “لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ” (1 تي 2: 5). وهو كذلك شفيع المؤمنين الوحيد الذي نقرأ عنه “فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ” (عب 7: 25). “وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا” (1يو2،1:2)، وغفران الخطايا لا يمكن الحصول عليه إلا بالاتكال على فاعلية دم المسيح الكريم كما نقرأ “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، فْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أف 1: 7). فكيف تتفق كلمات العهد الجديد الصريحة وطلب غفران الخطايا بشفاعات القديسة مريم؟!

7) في ترتيب العشاء الرباني يخالف القداس الترتيب المعطى من الرب لهذه الفريضة في أشياء كثيرة إليك هي:

أ‌) يقول الكاهن في القداس «أعط يا رب أن تكون مقبولة أمامك ذبيحتنا عن خطايا وجهالات شعبك ويبل أطراف أصابعه اليمنى ويحمل القربان على يده اليسرى ويمسحه على مثال العماد الطاهر، وعمل من هذا الطراز لا نقرأ عنه فيما صنعه الرب يسوع ليلة العشاء فهو يقينًا من ابتكار الذهن البشري.

ب‌) يذكر القداس في الرشومات أن المسيح ذاق الخمر التي في الكأس بعد أن باركها بالكلمات: ويمسك الكاهن حافة الكأس بيده ويقول: «وذاق وأعطاه ايضًا لتلاميذه القديسين ورسله الأطهار». ونحن نؤكد عن علم ويقين أن كلمة «ذاق» لم تُذكر في أي من البشائر في علاقتها بعشاء الرب على الإطلاق.

ت‌) يقول الكاهن في القداس في الرشومات «وهكذا أيضًا الكأس بعد العشاء مزجها من خمر وماء» ومرة ثانية نقول عن علم ويقين أن الرب يسوع لم يمزج الخمر التي بالكأس بماء ليلة صنع العشاء، ولا توجد في البشائر كلها أية إشارة إلى ذلك، ففكرة مزج الخمر بالماء بعيدة كل البعد عن كلمة الله.

8) يذكر القداس في أكثر من موضع أن عشاء الرب بعنصريه يُعطى لمغفرة الخطايا فيقول الكاهن في الرشومات «وقسمه وأعطاه لخواصه التلاميذ … قائلاً خذوا كلوا منه كلكم لأن هذا هو جسدي الذي يقسم عنكم وعن كثيرين يُعطى لمغفرة الخطايا، ثم يحرك الكأس مثال الصليب بلطف وهو يقول «خذوا اشربوا منه كلكم لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك عنكم وعن كثيرين يُعطى لمغفرة الخطايا» وفي سر حلول الروح القدس يقول «يُعطى لمغفرة الخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه».

والعبارتان «يُعطى لمغفرة الخطايا» و«حياة أبدية لمن يتناول منه» عبارتان مزادتان على كلمة الله ولا وجود لهما في العهد الجديد إطلاقًا. ففي إنجيل متى نقرأ “لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا” (مت 26: 28).

وفي انجيل مرقس نقرأ “وَقَالَ لَهُمْ: «هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ، الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ” (مر 14: 24). “هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ” (لو 22: 20).

فمن أين جاءت عبارتا «يُعطى لمغفرة الخطايا» و«حياة أبدية لمن يتناول منه» إلا من تأليف وابتكار العقل البشري المنحرف عن الكتاب المقدس!!

9) يناقض القداس نفسه بخصوص عشاء الرب مناقضة تسترعي الانتباه فيقول تارة «نسألك يا سيدنا لا تردنا إلى خلف إذ نضع أيدينا على هذه الذبيحة المخوفة غير الدموية»، ثم يقول تارة ثانية «يقوم حولك الشاروبيم والسارافيم ولا يستطيعون أن ينظروك ونحن ننظرك كل يوم على المذبح ونتناول من جسدك ودمك الكريم» ثم يقول تارة ثالثة «فمنا امتلأ فرحًا ولساننا تهليلاً من جهة تناولنا من أسرارك غير المائتة يا رب».

ويحق لنا أن نسأل إزاء هذه الكلمات المتناقضة هذه الأسئلة:

كيف تكون الذبيحة غير دموية خالية من الدم ثم يقال إن المتناول يأكل من جسد الرب نفسه، ويشرب من دم الرب نفسه والذبيحة بحسب تعريف القداس «غير دموية» أي خالية من الدم؟
كيف تكون الذبيحة خالية من الدم باعتبارها غير دموية وفي ذات الوقت غير مائتة كما يقول القداس عنها إنها «غير المائتة»؟
كيف ينظر المتناول الرب بجسده ودمه على المذبح وعيناه تؤكدان أن الذي ينظره هو مجرد الخبز والكأس؟ وهل يوافق التقليديون على الاحتكام للعينين بهذا الخصوص؟!

10) يطلب القداس السجود للخبز والخمر إذ نقرأ في مقدمة القسمة «يرفع الكاهن الجسد بيده اليمنى ويضعه على يده اليسرى ويضع اصبعه السبابة اليمنى بجانب الأسباديقون ويقول «الجسد المقدس» ويرد الشعب «نسجد لجسدك المقدس» ثم يرفع الكاهن إصبعه من على الجسد ويمده إلى الكأس ويغمس إصبعه في الدم الكريم ويرفعه قليلاً ويرشم داخل الكأس رشمًا واحدًا وهو يقول «الدم الكريم» يرد الشعب «ودمك الكريم».

ونحن لا نجد هذا الترتيب فيما عمله الرب ليلة العشاء هذا من جهة، ونجد أن السجود للخبز والخمر يخالف أمر الرب الصريح (مت10:24).

ولم يحدث قط ليلة العشاء الأول الذي صنعه الرب أن الرسل سجدوا للخبز والكأس على الإطلاق.

لقد كان قدماء المصريين يعتقدون الله الواحد يتجسد في الشمس ولذلك عبدوا الشمس وسجدوا لها، ونحن نعتبرهم عبدة أوثان، وكل تعليم يتجسد الله في المادة الجامدة هو تعليم وثني مأخوذ عن الديانات البابلية، والمصرية والهندية الوثنية. فليحفظ الله أذهاننا تحت سلطان كلمتــه القائلة “فَلاَ تَكُونُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ كَمَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ” (1 كو 10: 7).

11) يؤكد القداس أن المسيح صعد إلى السماء، وأن عشاء الرب للذكرى فيقول «حقًا حقًا بموتك يا رب نبشر وبقيامتك المقدسة وصعودك إلى السموات نعترف»، ثم يعود فيقول «ففيما نحن أيضًا نصنع ذكرى ألامه المقدسة وقيامته من الأموات وصعوده إلى السموات وجلوسه عن يمينك أيها الأب» ولكنه بعد ذلك يناقض نفسه بالكلمات «أرفعوا عيونكم إلى ناحية المشرق لتنظروا المذبح وجسد ودم عمانوئيل إلهنا موضوعين عليه».

ولسنا ندري كيف يؤمن الفرد بأن الرب يسوع صعد إلى السماء وهو جالس بجسده عن يمين الآب وفي ذات الوقت يؤمن بأنه بجسده ودمه فوق المذبح، إن اعتقادًا كهذا يقودنا إلى تعليم تعدد أجساد المسيح، وهو تعليم خطر يهدد مبدأ الفداء ولا أساس له البتة في كلمة الله. زد على هذا أن الاعتراف بأن عشاء الرب هو ذكر لآلام المسيح يؤكد أن صاحب الذكرى غائب بالجسد عن ذاكريه.

12) أخيرًا وليس آخرًا يحوي القداس متناقضتين خطيرتين في كلماته:

المتناقضة الأولى: أنه تارة يسمى المكان الذي يصنع عليه العشاء الرباني «مذبحًا»، وتارة يسميه باسمه الكتابي «مائدة» وإليك كلماته بالحرف الواحد ففي صلاة الصُلح من قداس أغريغوريوس يقول «ارفعوا عيونكم … لتنظروا المذبح» وفي صلاة الشكر يقول «كل حسد وكل تجربة وكل فعل الشيطان ومؤامرة الناس الأشرار … أنزعها عنا .. وعن هذه المائدة» وفي أوشية التقدمة «نسألك ونطلب من صلاحك يا محب البشر أظهر وجهك على هذا الخبز وعلى هذه الكأس (يشير إليهما بيديه) هذين اللذين وضعناهما على هذه المائدة».

ونحــن نسأل هــل يمكن عمل عشـاء الرب على مائـــــدة أو لا بد من المذبــح؟ وإذا كان لا بد من المذبح فكيف يسمي القداس المكان الذي عليه عشاء الرب «مائدة»؟! أليس في هذا أكبر الدليل على عدم لزوم المذبح لصنع عشاء الرب؟ بل على التناقض الواضح في كلمات القداس؟!

المتناقضة الثانية: نجدها في مطالبة القداس للإكليروس والشعب أن يستخدموا عيونهم، ومع ذلك يرفض حكم هذه العيون، وهذه كلمات القداس في صلاة الصُلح «أيها الاكليروس وكل الشعب بطلبة وشكر .. بهدوء وسكوت … أرفعوا عيونكم إلى ناحية الشرق لتنظروا المذبح وجسد ودم عمانوئيل إلهنا موضوعين عليه».

فهل يرى الاكليروس والشعب بعينيه جسد ودم عمانوئيل، أم يرون الخبز والكأس لم يحدث فيهما أي تغيير أو تبديل؟

لقد أوضحنا ما يقوله القداس مستخدمين الأمانة العلمية في نقل كلماته بحرفيتها كما أوضحنا ما يقوله الكتاب المقدس ليرى القاريء المُخلص لنفسه مدى التناقض الجوهري بين ما جاء في الكتاب المقدس وبين ما جاء في القداس، مما يؤكد تأكيدًا قاطعًا بأن كلمات القداس ليست كلمات الرب يسوع، ولا هي كلمات مرقس البشير، وبالتالي أنه ليست لها أية فاعلية في نقل الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه.

وهنا يسأل القاريء المُخلص: كيف ومتى إذن جاء القداس؟

أما كيف جاء القداس؟ فهو قطعًا من تأليف وتصنيف البشر، وهو عبارة عن مجموعة من صلوات من أجل الزروع، والمياة، والثمار، والراقدين، ورجال الدين وغير هذه الموضوعات، ألفها الناس وبعض هذه الصلوات مأخوذ من العهد القديم مشبع بروح الانتقام التي لا تتفق مع روح كلمات العهد الجديد الذي لربنا ومخلصنا يسوع المسيح، وبعض هذه الصلوات موجه إلى القديسين الراحلين مما يتنافى مع تعاليم كلمة الله. ونحن نحث القاريء أن يقرأ بنفسه مدى التناقض بين كلمة الله وتأليف الناس!!

أما متى جاء القداس؟ فنحن نترك القس مرقس داود مؤلف كتاب تفسير الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يجيب عن السؤال في صفحة 31،30 من كتابه فيقول «ويذكر كتاب المجموع الصفوي صفحة 126 إن الكتاب المقدس لم يبين لنا ما هي الشعائر التي قام بها المسيح آنئذ ولم يكتب لنا الحواريون شيئًا نستدل منه على نوع هذه الصلوات التي تُليت، ولا حددوا لنا شيئًا عن الطقوس التي يجب عملها لتقديس هذا السر … وللآن لم يقف أحد على كتاب في الليتورجيات (أي القداسات) ألفه أحد المؤلفين في الأجيال الأربعة الأولى للمسيح، إذ أنها لم تدون في مدتهم ولا بعدها بزمن يسير بل بقيت متداولة يتناقلها الخلف عن السلف إلى الجيل الخامس أو أخر القرن الرابع كما شهد بذلك أعظم الباحثين في هذا الموضوع».

ويعني هذا الكلام أن تاريخ وضع القداس ووجوده مكتوبًا هو أخر القرن الرابع، أو أوائل القرن الخامس، فهو إذن لا يعود إلى أيام المسيح ولا إلى الرسل. وإلا لوجدناه مكتوبًا قبل هذا التاريخ كما وجدنا الأناجيل والرسائل وسفر الرؤيا. ولا يغيب عن بالنا أن الكنيسة المسيحية في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس كانت قد تدهورت تمامًا في التعليم والسلوك والنظام وابتعدت بُعداً شاسعًا عن مباديء ومفاهيم كلمة الله، لذلك يحق لكل مسيحي أن يرفض القداس بضمير صالح مستندًا على ما يقوله الكتاب المقدس الذي قال عنه صاحب المزمور “سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي” (مز 119: 105).

ليت قلوبنا تفطم تمامًا عن كل تعليم بشري، وليتنا نعود بإخلاص إلى كلمة الله الصافية لنطيع كلمة الله القائلة “كُفَّ يَا ابْنِي عَنِ اسْتِمَاعِ التَّعْلِيمِ لِلضَّلاَلَةِ عَنْ كَلاَمِ الْمَعْرِفَةِ” (أم 19: 27). أي كُف عن استماع التعليم الذي يضلك عن كلمة الله لأن “اَلْغَبِيُّ يُصَدِّقُ كُلَّ كَلِمَةٍ” (أم15:14)، أما أولاد وبنات الله فقد أمرهم الرب “امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ” (1تس21:5)، والمحك الوحيد لامتحان أي تعليم هو أن ينطبق التعليم على الكتاب المقدس وحده دون سواه.

 

عناصر عشاء الرب

هذا يأتي بنا إلى سؤال هام وخطير بخصوص عشاء الرب هو: ما هي العناصر التي تستخدم في هذا العشاء؟

وتجيب كلمة الله عن هذا السؤال بالكلمات “وَفِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْفَطِيرِ تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ لَهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟» فَقَالَ: «اذْهَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَى فُلاَنٍ وَقُولُوا لَهُ: الْمُعَلِّمُ يَقُولُ: إِنَّ وَقْتِي قَرِيبٌ. عِنْدَكَ أَصْنَعُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي». فَفَعَلَ التَّلاَمِيذُ كَمَا أَمَرَهُمْ يَسُوعُ وَأَعَدُّوا الْفِصْحَ. وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ اتَّكَأَ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ… وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي». وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي” (مت17:26-29).

والكلمات ترينا أن مادة عشاء الرب قد أُخذت من خبز الفصح، ونتاج الكرمة، ولو تأكدنا أنه في عشاء الفصح كان الخمير يُعزل تمامًا لعرفنا يقينًا ان الخبز الذي استخدمه الرب ليلة العشاء كان خبزًا غير مختمر، وأن الكأس كانت تحوي نتاج الكرمة غير المختمر كذلك “فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ خَمِيرًا مِنَ الْيَوْمِ الأَوَّلِ إِلَى الْيَوْمِ السَّابعِ تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ إِسْرَائِيلَ” (خر 12: 15).

وإليك وصية الرب بهذا الخصوص “سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَأْكُلُونَ فَطِيرًا. الْيَوْمَ الأَوَّلَ تَعْزِلُونَ الْخَمِيرَ مِنْ بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ مُخْتَمِرًا تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ، الْغَرِيبُ مَعَ مَوْلُودِ الأَرْضِ. لاَ تَأْكُلُوا شَيْئًا مُخْتَمِرًا. فِي جَمِيعِ مَسَاكِنِكُمْ تَأْكُلُونَ فَطِيرًا” (خر15:12-20).

من هذه الكلمات تتأكد أن مادة عشاء الرب كانت الخبز غير المختمر، ونتاج الكرمة غير المختمر أيضًا، وأن استخدام الخبز المختمر وعصير الكرمة المختمر لا يتفق مع كلمة الرب.

************************************************************************************

الفصل الرابع

عقيدة الاستحالة والكتاب المقدس

في هذا الفصل سنجيب على السؤال الذي طالما تردد على أذهان الكثيرين وهو: هل ينتقل الخبز ونتاج الكرمة إلى جسد المسيح ودمه بعد الشكر عليهما؟ وما هو تعليم الكتاب المقدس بخصوص هذا الأمر الخطير؟

وقبل أن نجيب عن هذا السؤال لا بد لنا أن نضع التعريف السليم لكلمة «الاستحالة» ثم لعقيدة القائلين بانتقال الخبز ونتاج الكرمة إلى جسد المسيح ودمه حرفيًا بعد الشكر عليهما.

أما كلمة «الاستحالة» فقد جاءت في «مختار الصحاح» بهذا المعنى «استحالت بمعنى أي انقلبت عن حالها، وبهذا يكون المعنى الذي نقصده بعبارة «عقيدة الاستحالة» هو العقيدة القائلة بانتقال الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه حرفيًا في فريضة عشاء الرب.

والآن إلى تعريف هذه العقيدة من الكلام الذي يقوله أصحابها. إليك كلماتهم ننقلها بالحرف الواحد من كتاب علم اللاهوت تأليف الايغومانس ميخائيل مينا المجلد الثاني صفحة 382 «تعتقد الكنيسة (أي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية) في هذا السر العظيم أنه يحتوي حقيقة بحالة ذاتية وجوهرية على جسد ودم ونفس ولاهوت ربنا يسوع المسيح. أي أن الخبز والخمر يستحيلان وينتقلان بكلمات التقديس إلى جسد المسيح ودمه لا على وجه رمزي أو إشاري ولا بحسب حلول اللاهوت وحضوره في مادتي الخبز والخمر بل أن الخبز والخمر يصيران حقيقة وفعلاً بحسب جوهرهما جسد الرب ودمه نفسه ولم يبق من الخبز والخمر شيء إلا الظواهر الخارجية فقط» ونقول هذا هو اعتقاد الكنيسة الكاثوليكية أيضًا.

فهل يتفق هذا الاعتقاد مع كلمة الله؟ هل يُعلم الكتاب المقدس بهذا التعليم؟ إن أول ما نؤكده هنا: إن الكتاب المقدس لا يقول عن عشاء الرب إنه «سر» فبينما يتكلم الكتاب المقدس عن العديد من الأسرار إلا أنه لا يذكر من بينها أي سر من الأسرار التي تعارف التقليديون على تسميتها بأسرار الكنيسة السبعة.

وإليك الأسرار التي ذكرها الكتاب المقدس لتقرأها بعينيك وتتأكد أن أسرار الكنيسة السبعة لا وجود لها في كلمة الله:

1) سر ظهور الله في الجسد: “وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ” (1 تي 3: 16).

2) سر شركة الأمم في الميراث والجسد: “بِسَبَبِ هذَا أَنَا بُولُسُ، أَسِيرُ الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ … أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ … أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ” (أف1:3-6).

3) سر القيامة والاختطاف: “هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ” (1كو52،51:15).

4) سر إتحاد المسيح والكنيسة: “لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا” (تك 2: 24).

5) سر خلاص الشعب القديم: “فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا هذَا السِّرَّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا عِنْدَ أَنْفُسِكُمْ حُكَمَاءَ: أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ” (رو25:11).

6) سر الإثم: “لأَنَّ سِرَّ الإِثْمِ الآنَ يَعْمَلُ فَقَطْ، إِلَى أَنْ يُرْفَعَ مِنَ الْوَسَطِ الَّذِي يَحْجِزُ الآنَ،وَحِينَئِذٍ سَيُسْتَعْلَنُ الأَثِيمُ، الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ” (2تس8،7:2).

7) سر بابل العظيمة: “وَعَلَى جَبْهَتِهَا اسْمٌ مَكْتُوبٌ: «سِرٌّ. بَابِلُ الْعَظِيمَةُ أُمُّ الزَّوَانِي وَرَجَاسَاتِ الأَرْضِ” (رؤ 17: 5).

هذه هي الأسرار الموجودة في الكتاب المقدس في العهد الجديد لا نجد من بينها سر المعمودية، ولا سر المسحة أو الميرون، ولا سر الافخارستيا أو عشاء الرب، ولا سر الاعتراف، ولا سر مسحة المرضى، ولا سر الزواج، ولا سر الكهنوت.

فهذه الأسرار كلها قد أُدخلت على المسيحية دون أساس من كلمة الله الصادقة النقية، ولو أراد الله أن تكون المعمودية، وعشاء الرب ، والاعتراف، وغيرها أسرارًا لكتب لنا هذا بنفس الوضوح الذي كتبه لنا فيما ذكرنا من أسرار.

ونتقدم الآن لسرد الأدلة الكتابية الوضاءة التي تؤكد أن عُنصريّ فريضة عشاء الرب، الخبز ونتاج الكرمة يظلان خبزًا ونتاج كرمة بعد الشكر، فلا يحدث فيهما تغيير لا في المظهر ولا في الجوهر، وإننا نأكل خبزًا ونشرب من نتاج الكرمة لنذكر الرب الذي مات لأجلنا على الصليب إلى أن يجيء، ولنتابع الأدلة الواضحة الصريحة التي تقدمها كلمة الله:

1) الدليل الأول هو حديث الرب نفسه ليلة العشاء:

لنقرأ معًا الكلمة المقدسة كما ذكرها لوقا البشير “وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي” (لو 22: 19).

ويهتف المعتقد باستحالة عناصر عشاء الرب قائلاً: انظر ها هو الرب يقول عن الخبز «هذا هو جسدي» فلا بد أن يكون قد صار جسده فعلاً وإلا فما هو تفسيركم لهذه الكلمات؟ وهنا يحق لنا أن نتسائل:

كيف كان المسيح جالسًا بجسده على مقعد حول مائدة الفصح مع التلاميذ، وفي ذات الوقت كان جسده في يده يقدمه للتلاميذ ليأكلوه؟

وهل حين كسّر المسيح الخبز الذي أخذه من على مائدة الفصح كان يكسّر جسده هو بلحمه ودمه وعظامه؟

وإذا كان هذا الخبز الذي أكله التلاميذ حول مائدة الفصح هو جسد المسيح الفعلي، فكيف بُذل هذا الجسد على الصليب بعد ساعات، مع أن التلاميذ كانوا قد أكلوه؟

وهل قام المسيح بعملية الفداء مرتين، مرة حين كسّر الخبز وأعطاه للتلاميذ، ومرة حين مات على الصليب فعلاً فوق الجلجثة؟

إن هذه الأسئلة تعترضنا وتدفعنا إلى التفكير ودرس كلمة الله حتى نجد لها جوابًا شافيًا، وليس من حق أحد أن يقول لنا: اسكتوا ولا تسألوا، لأن هذا يعني السير في الظلام، والبعد عن كلمة الله، والاعتقاد بعقيدة ضد العقل، والله لا يطالبنا بأن نؤمن بما هو ضد عقولنا.

إن إيماننا بأن جسد المسيح واحد لا يتعدد يؤكد لنا أن كلمات المسيح كانت كلمات مجازية فهمها التلاميذ كل الفهم، وأن الخبز لم يتحول إلى جسده الفعلي قط، وهذا ما تؤكده كلمات إنجيل متى فتعال معي لنقرأها هناك.

“وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي». وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي»” (مت26:26-29).

والدارس المدقق لهذا الجزء الثمين من كلمة الله يلاحظ أن الرب له المجد أخذ خبزًا من على مائدة الفصح، وبارك هذا الخبز للتلاميذ، وكسر هذا الخبز، وأعطى هذا الخبز للتلاميذ، ويبدو هذا واضحاً في الترجمة الانجليزية للكتاب المقدس إذ نقرأ:

“And as they were eating, Jesus took bread, and blessed it, and brake it, and gave it to the disciples, and said, Take, eat; this is my body” (Matt26:26).

فالذي أخذه المسيح كان خبزًا، والذي باركه كان خبزًا، والذي كسره بعد البركة كان خبزًا، والذي أعطاه للتلاميذ كان خبزًا لم يتغير ولم يستحيل وذلك لأن الكلمة «it» هي حرف يستعمل لغير العاقل، وقد وردت في النص ثلاث مرات لتؤكد لنا أن الخبز بعد البركة ظل خبزًا، تمامًا كما فعل له المجد حين أطعم الجماهير إذ نقرأ “فَأَمَرَ الْجُمُوعَ أَنْ يَتَّكِئُوا عَلَى الْعُشْبِ. ثُمَّ أَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى الأَرْغِفَةَ لِلتَّلاَمِيذِ، وَالتَّلاَمِيذُ لِلْجُمُوعِ. فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا” (مت20،19:14). فمع أن الرب له المجد بارك وكسر إلا أن الخبز ظل خبزًا في كل عناصره وشبعت به الجماهير الجائعة “ثُمَّ رَفَعُوا مَا فَضَلَ مِنَ الْكِسَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مَمْلُوءةً. وَالآكِلُونَ كَانُوا نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُل، مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلاَدَ” (مت21،20:14).

ويحق لنا أن نسأل: إذن لماذا قال المسيح عن هذا الخبز «هذَا هُوَ جَسَدِي»؟

ويقينًا أن الرب له المجد نطق بهذه الكلمات لتلاميذه الذين اعتادوا فهم أحاديثه، وهم تلاميذ عقلاء فهماء اختارهم لتوصيل رسالته للعالم. وقد سبق له المجد أن قال لهم “أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ” (يو 6: 35) “أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ” (يو 8: 12) “أَنَا هُوَ الْبَابُ” (يو 10: 9) “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ” (يو 14: 6) “أَنَا الْكَرْمَةُ” (يو1:15). فهل اعتقد التلاميذ العقلاء الفهماء أن الرب يسوع قد تحول إلى خبز حقيقي، أو نور طبيعي، أو باب خشبي أو حديدي، أو طريق أرضي، أو كرمة خضراء ذات أغصان؟ أو فهموا – وهذا هو الفهم الحق – إن المسيح له المجد استخدم هذه التشبيهات لكي يعرفهم بأوصافه الإلهية؟ بمعنى أنه الخبز، والنور، والباب، والطريق، والكرمة في تطبيق هذه الأشياء بمعناها الروحي على شخصه المبارك.

يقينًا أن التلاميذ لم يعتقدوا بحرفية هذه التشبيهات ولكنهم فهموها كما قصد معلمهم وفاديهم أن يفهموها.

وهذا ما حدث ليلة عشاء الرب، فحين قال الرب يسوع «هذَا هُوَ جَسَدِي» أدرك التلاميذ ما أراد سيدهم أن يفهموه، وعرفوا أن هذا الخبز الذي في أيديهم هو إشارة إلى جسده الذي كان سيكسر لأجلهم على الصليب.

أدركوا هذا لسببين:

أولاً: لأن جسد المسيح لم يكن قد كُسر بعد.

وثانيًا: لأن المسيح كان موجودًا مع التلاميذ حينما قال «هذَا هُوَ جَسَدِي» فلا يعقل أن المسيح يوزع جسده بالذات على التلاميذ ويأكلوه وهو ما زال موجودًا أمام عيونهم بهذا الجسد عينه، وإلا قادنا هذا الاعتقاد بالخرافة القائمة إن التلاميذ أكلوا المسيح فعلاً وشربوا دمه ليلة العشاء، وأنه دُفن في بطونهم ليتم كلماته إنه سيدفن ثلاثة أيام وثلاث ليال، وهي خرافة سوداء لا يقبلها مؤمن مستنير درس كلمة الله.

يموت الوالد المحبوب في بيت، ويضع أولاده صورته في إطار جميل في حجرة الاستقبال، ويدخل زائر ويطيل النظر إلى الصورة، ويلحظ الابن الموجود في الحجرة ذلك فيشير إلى الصورة قائلاً «هذا هو أبي، فهل يبلغ الغباء وسوء الفهم بذلك الزائر أن يعتقد أن الصورة المعلقة على الجدار تحوي لحم ودم نفس ذلك الوالد الراحل؟ إن شخصًا عاقلاً متزن التفكير لا يمكن أن يصل منطقه إلى هذا الحد الخطير.

مرة ثانية نسمع من يهتف مرددًا ولكن الرب قال «هذَا هُوَ جَسَدِي» فلا بد أن يكون الخبز قد انتقل وصار جسده.
ونجيب بأن «اسم الإشارة هذا» في استخدامه الكتابي لا يعني بحال ما استحالت الشيء المشار إليه.

والآن تعالى معي لنقرأ حادثة وردت في العهد القديم تؤكد صدق ما نقول، وبهذا نكون «قارنين الروحيات بالروحيات» (1كو13:2) وهذه كلمات الكتاب المقدس:

“وَكَانَ دَاوُدُ حِينَئِذٍ فِي الْحِصْنِ، وَحَفَظَةُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ حِينَئِذٍ فِي بَيْتِ لَحْمٍ. فَتَأَوَّهَ دَاوُدُ وَقَالَ: «مَنْ يَسْقِينِي مَاءً مِنْ بِئْرِ بَيْتِ لَحْمٍ الَّتِي عِنْدَ الْبَابِ؟» فَشَقَّ الأَبْطَالُ الثَّلاَثَةُ مَحَلَّةَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَاسْتَقَوْا مَاءً مِنْ بِئْرِ بَيْتِ لَحْمٍ الَّتِي عِنْدَ الْبَابِ، وَحَمَلُوهُ وَأَتَوْا بِهِ إِلَى دَاوُدَ، فَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَشْرَبَهُ، بَلْ سَكَبَهُ لِلرَّبِّ، وَقَالَ: «حَاشَا لِي يَا رَبُّ أَنْ أَفْعَلَ ذلِكَ! هذَا دَمُ الرِّجَالِ الَّذِينَ خَاطَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ». فَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَشْرَبَهُ” (2صم14:23-17).

فهل يعتقد عاقل أن الماء الذي في بئر بيت لحم والذي سكبه داود أمام الرب قد أصبح دمًا لأن داود قال «هذَا دَمُ الرِّجَالِ الَّذِينَ خَاطَرُوا بِأَنْفُسِهِمْ»؟ أو أن المعنى أن هذا الماء ثمنه دم الرجال الذين كان من الممكن أن يموتوا في سبيل إحضاره له؟ .. أنه بذات المعنى الرمزي إستخدم الرب اسم الإشارة هذا وهو يقدم الخبز إلى تلاميذه.

نتقدم الآن إلى «الكأس» وعنها يقول لوقا “وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلًا: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ” (لو 22: 20). بينما يقول متى “وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي»” (مت27:26-29).

ويلاحظ القاريء ملاحظتين هامتين:

1) إن الرب لم يقل في بشارة لوقا هذا هو دمي بل قال «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ».

وهنا نسأل مرة ثانية، هل كانت الكأس تحوي دم المسيح فعلاً وهو قد قال بفمه المبارك « الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ»؟ وهل كان دم المسيح قد سُفِكَ عن التلاميذ وقت تناولهم من عشاء الرب؟ وإذا كان التلاميذ قد شربوا دم المسيح ليلة العشاء، فأي دم إذن قد سُفِكَ فوق صليب الجلجثة؟!

إن المعنى الواضح الذي يستقيم مع النص المقدس، إن الرب له المجد وهو يعطيهم الخبز والخمر. قدم لهما هذين العنصرين كما هما بدون تغيير ولا استحالة، كإشارة إلى جسده الذي كان سوف يعلق على الصليب ويُبذل، وإلى دمه الذي كان سوف يُسفك من جراحاته الخمس فوق الجلجثة. وهذا مفهوم بسيط وواضح يتفق مع الكتاب المقدس ومع شهادة حواسنا.

وإن المرأ ليعجب أشد العجب حين يقرأ في كتاب علم اللاهوت المجلد الثاني صفحة 419 هذه الكلمات بالحرف الواحد «ولا يغرب عن أذهاننا أن سيدنا يسوع المسيح قدم ذبيحة واحدة بنوعين مختلفين أعني بسفك دم. وخلوًا من سفك دم، فقد قدم نفسه ذبيحة بسفك دم على خشبة الصليب، وقدم نفسه ذبيحة بغير سفك دم في ليلة الفصح المجيد حين منح تلاميذه جسده الطاهر ودمه الكريم».وكلام كهذا يناقض كلمة الله ويناقض نفسه مناقضة ظاهرة، فإذا كان المسيح قد قدم نفسه ذبيحة بغير سفك دم في ليلة الفصح المجيد حين منح تلاميذه جسده الطاهر ودمه الكريم – كما يقول مؤلف كتاب علم اللاهوت – تكون الذبيحة خالية من الدم بدون قيمة إطلاقًا لأنه “بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!” (عب 9: 22). وخلوها من سفك الدم يعني أن المسيح لم ينقل الخمر إلى دم وفي ذات الوقت يكون المسيح قد قدم نفسه مرتين وهذا أيضًا يناقض كلمة الله القائلة “وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ” (عب 10: 12).

إن فكرة «الذبيحة الدموية» فكرة لا تتفق مع الكتاب المقدس الذي يؤكد أن دم المسيح الكريم الذي سُفِكَ على صليب الجلجثة هو وحده وسيلة الفداء والغفران كما يقول بولس الرسول بالروح القدس “الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ” (أف 1: 7).

2) والآن إلى الملاحظة الثانية وهي جديرة بالاعتبار ونجدها في حديث البشير متى عن عشاء الرب، فلأول نظرة نلقيها على النص نلاحظ أن اسم الإشارة «هذا» قد ذُكر ثلاث مرات في حديث الرب له المجد: المرة الأولى حين قال (هذا هو جسدي)، والمرة الثانية حين قال (هذا هو دمي)، والمرة الثالثة حين قال (إني لا أشرب من نتاج الكرمة هذا)، ويبدو واضحًا أن الرب له المجد بعد أن قال عن نتاج الكرمة الموجود في الكأس (هذا هو دمي) عاد قائلاً وهو يستعمل ذات اسم الإشارة (هذا) (إني لا أشرب من نتاج الكرمة هذا) فأين الاستحالة إذن مادام ما في الكأس ما زال كما هو (نتاج الكرمة) حتى بعد أن باركه الرب نفسه؟!؟

إنه من حق كل دارس مخلص أن يسأل أمام هذا الجزء الثمين من كلمة الله بضعة أسئلة تريق نورًا على المعاني التي قصدها الرب.

كيف يقول الرب عن محتويات الكأس «هذَا هُوَ دَمِي» ثم يقول عن ذات المحتويات «نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا»، وهل كان ما حوته الكأس هو دمه أو نتاج الكرمة؟

وما معنى كلمات الرب «هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا» فهل كان ما في الكأس هو الدم الذي سُفِكَ من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا فعلاً؟ وهل يعني هذا أن المسيح قد سفك دمه مرتين، مرة ساعة أن أعطى تلاميذه العشاء ومرة حين مات موتًا حقيقيًا على صليب الجلجثة؟

إن الرسول بولس يكتب بالروح القدس في رسالته إلى أهل رومية مؤكدًا أن المسيح لم يمت سوى مرة واحدة لم تتكرر ولن تتكرر فيقول “لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً (رو 6: 10). وكذلك يؤكد هذه الحقيقة كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً “وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!… لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ الْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ إِلَى السَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ الآنَ أَمَامَ وَجْهِ اللهِ لأَجْلِنَا. وَلاَ لِيُقَدِّمَ نَفْسَهُ مِرَارًا كَثِيرَةً، كَمَا يَدْخُلُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ إِلَى الأَقْدَاسِ كُلَّ سَنَةٍ بِدَمِ آخَرَ. فَإِذْ ذَاكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَلَّمَ مِرَارًا كَثِيرَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّهُورِ لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ. وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ، هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ” (عب24،22:9-28).

ومن هذه الآيات الوضاءة المنيرة نتأكد أن المسيح لم يقدم نفسه ذبيحة إلا مرة واحدة على الصليب، وأنه لم ولا يمكن أن يقدم نفسه مرارًا كثيرة، وأنه لم يتألم بألام الصليب إلا مرة واحدة حين رُفع فعلاً على الصليب، ولم يسفك دمه كحمل الله الرافع خطية العالم إلا مرة واحدة، ولم يكن المسيح ساعة صنع العشاء الرباني قد سفك دمه بعد، ولم يكن قد صُلب بعد، والنتيجة المنطقية التي لا مناص منها لهذا كله تقودنا بأن نؤمن – وإيماننا حق – بأن ما في الكأس لم يكن سوى نتاج الكرمة الذي استعمله المسيح كإشارة إلى دمه الكريم، ونحن نعلم أن نتاج الكرمة قد سُمي رمزيًا «دم العنب» إذ نقرأ في سفر التكوين “رَابِطًا بِالْكَرْمَةِ جَحْشَهُ، وَبِالْجَفْنَةِ ابْنَ أَتَانِهِ، غَسَلَ بِالْخَمْرِ لِبَاسَهُ، وَبِدَمِ الْعِنَبِ ثَوْبَهُ” (تك 49: 11). “وَدَمَ الْعِنَبِ شَرِبْتَهُ خَمْرًا” (تث14:32). فالحديث بالاستعارة، والتشبيه، والمجاز، والكناية، حديث مألوف لدارس الكتاب المقدس.

2) الدليل الثاني نجده في كلمات الرب له المجد “اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي”

ذكر لنا لوقا في بشارته أن الرب له المجد بعد أن قدم للتلاميذ الخبز قال لهم “هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي” (لو 22: 19). وكذلك ذكر لنا بولس الرسول هذه الحقيقة فقال “لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلًا: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي” (1كو23:11-25).

ومن تكرار عبارة «اصنعوا هذا لذكري» نجد أن الاستحالة لا تتفق مع كلمة الله، ذلك لأنه لو كان الخبز يستحيل إلى جسد المسيح، والخمر يستحيل إلى دمه لقال الرب له المجد «اصنعوا هذا ليتحول الخبز إلى جسدي والخمر إلى دمي فأكون معكم بجسدي ودمي». ولكن المسيح له المجد يقول «اصنعوا هذا لذكري» ومفهوم أن (الذكرى) تتنافى مع وجود من نذكره بجسده ودمه أمام عيوننا وتحت حواسنا، فنحن نذكر صديقًا غائبًا، فإذا حضر فإننا لا نذكره بل نراه، فعبارة «اصنعوا هذا لذكري» تؤكد في غير إلتباس أننا في الخبز ونتاج الكرمة نذكر سيدنا الذي مات على الصليب مرة واحدة ولا تعني أن الخبز ونتاج الكرمة يتحولان إلى جسد المسيح ودمه.

وقد يقول قائل: «إن التذكار في الكتاب أربعة أنواع: خبري، وصوري، وأثري، وعيني، وعشاء الرب هو تذكار عيني أي من نفس الشيء كالمن الذي حفظه موسى في القسط تذكارًا للمن الذي أنزله الله من السماء لبني إسرائيل، فيصح أن يكون الخبز والخمر اللذان يصبحان بعد التقديس جسد المسيح ودمه تذكارًا لجسد المسيح الذي صُلب ودمه الذي سُفك على عود الصليب».

ونجيب على هذا الكلام بما كتبه خادم جليل من خدام الرب قال: «إن المن كان مجرد مادة غير عاقلة ولا ناطقة ولا حياة فيها، وككل مادة يمكن تجزئتها إلى أجزاء كثيرة العدد، وعليه يمكن القول أن المن الذي حُفظ في القسط كان جزءًا (لا كُلآً) من المن الذي تساقط في البرية طعامًا لبني إسرائيل (اقرأ خروج 32:16-36). فجزء حُفظ وأجزاؤه الأخرى أُكلت ولكن لا يمكن القول أن الجزء الذي حُفظ هو عين الأجزاء التي أُكلت وهُضمت أو أن الأجزاء التي أُكلت هي ذاتها التي حُفظت تذكارًا. فقانون التجزئة الذي تخضع له كل مادة لا يمكن سريانه على جسد المسيح المبارك وروحه الناسوتية.

ومن جهة أخرى كان (المن) تذكارًا عينيًا أي أنه من ذات الشيء الذي تراه العين، والعين البشرية لا ترى في الخبز جسدًا ولا في الكأس دمًا».

وعلى هذا نقول أن الرب حين قال «اصنعوا هذا لذكري» كان ينفي بكلماته هذه وجوده الجسدي في عنصري الفريضة المقدسة.

وهذا يتفق تمامًا مع ما كتبه بولس عن عشاء الرب للكورنثيين بالروح القدس فهو بعد أن حدثهم عن كيفية تسلمه لهذه الفريضة وطريقة أتمامها قال بالروح القدس “فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ” (1كو26:11).

ولنتتبع كلمات الرسول وهو يقول:

“إِنَّ الرَّبَّ … أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ” (1كو23:11)
“فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ” (1كو26:11)
“إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ” (1كو27:11)
“وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ” (1كو28:11)

والدارس المدقق يرى في كلمات بولس أن (الخبز) قد استمر خبزًا بعد البركة كما كان خبزًا قبلها، وإن الذين يأكلون عشاء الرب يأكلون (خبزًا) ويشربون من نتاج الكرمة، فالأكل من عشاء الرب لا يتم إلا بعد الشكر، وبعد الشكر ظل الخبز خبزًا باعتراف بولس الرسول إذ يقول في كلمات صريحة «كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ» ولم يقل «كُلَّمَا أَكَلْتُمْ جسد الرب» وقال «وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ» ولم يقل «وَشَرِبْتُمْ دم الرب».

وإلى أن يجيء الرب ثانية بجسده الذي صعد به إلى السماء فنحن نذكره، ونذكر موته، ونذكر حبه العظيم، ولكننا لا نقبل القول بأن عنصري فريضة عشاء الرب يتحولان إلى جسد ودم الرب نفسه، لأن هذا القول يتنافى مع كلمات بولس الرسول القائلة: “وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ. إِذًا نَحْنُ مِنَ الآنَ لاَ نَعْرِفُ أَحَدًا حَسَبَ الْجَسَدِ. وَإِنْ كُنَّا قَدْ عَرَفْنَا الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لكِنِ الآنَ لاَ نَعْرِفُهُ بَعْدُ” (2كو16،15:5).(أي لا نعرفه بجسده).

ولو أن الخبز يتحول إلى جسد المسيح الحقيقي، لقال الرسول بولس «إذاً نحن من الآن نعرف المسيح حسب الجسد في فريضة العشاء الرباني إذ أنه يحضر فيها بجسده ودمه». وهو أمر لم يقله الرسول قط بل نفاه نفيًا قاطعًا جامعًا مانعًا في كلماته «وَإِنْ كُنَّا قَدْ عَرَفْنَا الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لكِنِ الآنَ لاَ نَعْرِفُهُ بَعْدُ».

3) الدليل الثالث نجده في أمر الرب بالامتناع الكلي عن أكل الدم:

في سفر التكوين الإصحاح التاسع نقرأ أمر الله لنوح في هذه الكلمات “كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا. كَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ الْجَمِيعَ. غَيْرَ أَنَّ لَحْمًا بِحَيَاتِهِ، دَمِهِ، لاَ تَأْكُلُوهُ” (تك4،3:9).

وفي سفر اللاويين نقرأ الكلمات “وَكُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَأْكُلُ دَمًا، أَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّ النَّفْسِ الآكِلَةِ الدَّمِ وَأَقْطَعُهَا مِنْ شَعْبِهَا” (لا 17: 10).

وفي سفر أعمال الرسل نقرأ الأمر الإلهي وأمر الرسل في هذه الكلمات “لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ… أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبحَ لِلأَصْنَامِ، وَعَنِ الدَّمِ، وَالْمَخْنُوقِ، وَالزِّنَا” (أع29،28:15).

وفي هذه الآيات الصريحة نرى أن أكل الدم أو شربه خطيئة رهيبة محرمة بأمر الرب، ولا يعقل أبدًا أن الرب يحرم على الناس في العهدين القديم والجديد أكل الدم ثم نقول نحن أننا نشرب دم المسيح الحقيقي في فريضة العشاء الرباني، فهذا التعارض والتناقض يبعدنا بعدًا شاسعًا عن حق الله ويوقعنا تحت وطأة الجهل المخيف لمشيئة الرب، بل تحت وطأة العقاب الذي ذكره الرب. (لا10:17).

وهنا قد يسأل سائل: إذن ما معنى كلمات الرسول بولس القائلة “إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ” (1 كو 11: 27). والكلمات تحمل معناها في مبناها، فالرسول يقول «إذًا أي من أكل هذا الخبز» فالخبز إذاً ما زال خبزًا كما هو، ولكن هذا الخبز وهذا الكأس يشيران إلى جسد ودم الشخص المبارك العزيز الرب يسوع المسيح.

وللتوضيح نقدم هذا المثال: هب أن شخصًا عظيمًا أعطاك بطاقة تحمل أسمه وأرسلك إلى صديق له ليؤدي لك خدمة، فإذ بذلك الصديق يمسك ببطاقة ذلك العظيم ويلقي بها في سلة المهملات.

فإلى من تكون الإهانة قد وجهت؟ … هل إلى قطعة الورق التي تحمل أسم ذلك العظيم؟ .. أم إلى شخص ذلك العظيم ذاته؟

قطعًا إن الإهانة تكون قد وجهت إلى شخص ذلك العظيم، مع أن الذي أهان .. أهان قطعة ورق تحمل اسمًا مطبوعًا عليها.

وعلى هذا القياس نقول أن عنصري الخبز ونتاج الكرمة يشيران إلى جسد ودم ربنا المبارك الذي بذل حياته لأجلنا على الصليب، وكل استهانة بالترتيب والنظام اللائقين بعشاء الرب هي استهانة بصاحب الفريضة ذاته، فإذاً أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ.

4) الدليل الرابع هو دليل حكم الحواس السليمة:

لا شك في أن الله جلت قدرته حين خلق للإنسان حواسه الخمس كان في قصده الإلهي أن يستخدم هذه الحواس ويعتمد عليها في الحكم على الأشياء، بل أكثر من ذلك أن الله جعل الإنسان مسئولاً عن حواسه وعن كيفية استخدامها فقال ربنا المبارك “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ. فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ” (مت27:5-29).

وإذن فاستخدام الحواس للحُكم على الأشياء لا يتعارض قط مع مشيئة الله، فنحن نعرف النور والظلام بعيوننا، ونتذوق الطعام بألسنتنا، ونشم الروائح بأنوفنا، ونميز بين الأشياء الخشنة والناعمة بأيدينا، وحين نلغي حواسنا فنحن نلغي إنسانيتنا.

وفي رسالة يوحنا الأولى يلجأ الرسول يوحنا إلى شهادة الحواس للتدليل على صدق تجسد المسيح فيقول “اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ (حاسة السمع)، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا (حاسة النظر)، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا (حاسة اللمس)، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ. فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا. الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ” (1يو1:1-3).

وهكذا نرى أن يوحنا الرسول اعتمد في شهادته على ثلاث حواس هي: حاسة السمع، وحاسة النظر، وحاسة اللمس في إثبات تجسد فادينا الحبيب.

وترتليانوس الذي اشتهر في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث يشدد في ضرورة تصديق شهادة الحواس، فيكتب في إحتجاجه ضد مرسيان (كتاب 1 فصل 14). وفي كتابه عن النفس (صفحة 653) قائلاً «إن الله في إنجيله قد أوحى بهذه القضية داعيًا الخبز جسده لكي تفهموا من ذلك كيف جعل الخبز رمزًا لجسده، ويقول مرارًا كثيرة أنه هو الخبز الذي يشير إلى جسد المسيح. وزد على ذلك أنه يعلم بأنه يجب علينا أن نصدق شهادة حواسنا إذ يقول إنه لا يجب أن نشك في حواسنا لئلا نشك في صدق شهادتها في ما يخص المسيح نفسه. لأننا إن شككنا في صدق حواسنا ربما نصل إلى القول بأن المسيح انخدع حينما سمع صوت الآب يشهد له. أو انخدع في لمس حماة بطرس الذي شفاها».

والرب نفسه له المجد قد احترم واهتم بشهادة الحواس إذ قال لتوما “ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا»” (يو 20: 27).

وعلى هذا لا بد لكل إنسان متزن العقل أن يستخدم عقله وحواسه كلها لإدراك حقيقة الأشياء التي حوله والتي تقع تحت حسه.

وهنا قد يسأل سائل: هل تنكر على الرب يسوع قدرته على صنع المعجزات؟ ألا يقدر أن يحول الخبز إلى جسده، ونتاج الكرمة إلى دمه؟

ونحن نجيب: إننا بكل يقين نؤمن بقدرة الرب على صنع المعجزات، ولكننا نعرف من الكتاب المقدس أنه حين يجري الرب معجزة من المعجزات فإن حواسنا البشرية تشهد بهذه المعجزة وحين يحول الأشياء فإن حواسنا تؤكد هذا التحول المعجزي.

والكتاب المقدس مليء بأمثلة التحول العجيب:

فلقد حول الرب بقدرته عصا هارون إلى ثعبان إذ نقرأ “فَدَخَلَ مُوسَى وَهَارُونُ إِلَى فِرْعَوْنَ وَفَعَلاَ هكَذَا كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ. طَرَحَ هَارُونُ عَصَاهُ أَمَامَ فِرْعَوْنَ وَأَمَامَ عَبِيدِهِ فَصَارَتْ ثُعْبَانًا” (خر 7: 10). ورأى فرعون بعينيه ثعبانًا يتحرك أمامه.

وهكذا حول الرب بقدرته ماء النهر إلى دم إذ نقرأ “فَفَعَلَ هكَذَا مُوسَى وَهَارُونُ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ. رَفَعَ الْعَصَا وَضَرَبَ الْمَاءَ الَّذِي فِي النَّهْرِ أَمَامَ عَيْنَيْ فِرْعَوْنَ وَأَمَامَ عُيُونِ عَبِيدِهِ، فَتَحَوَّلَ كُلُّ الْمَاءِ الَّذِي فِي النَّهْرِ دَمًا. وَمَاتَ السَّمَكُ الَّذِي فِي النَّهْرِ وَأَنْتَنَ النَّهْرُ، فَلَمْ يَقْدِرِ الْمِصْرِيُّونَ أَنْ يَشْرَبُوا مَاءً مِنَ النَّهْرِ. وَكَانَ الدَّمُ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ” (خر21،20:7).

والكلمات تعلن لنا أن الماء قد أصبح بلون الدم، وأن هذا حدث بشهادة عيني فرعون وعيون عبيده، وأن الماء قد أصبح له طعم الدم حتى لم يقدر المصريون أن يشربوا منه، وحتى تسبب في موت السمك الذي فيه، وحتى أنتن النهر.

فالحواس كلها تشهد بهذا التحول بغير جدال، وعلى هذا فإن الله لا يرضى أن يخدع حواسنا، ولا يطلب منا أن نتوقف عن تصديقها.

وأخيرًا فعندنا في العهد الجديد معجزة تحول الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل وقد وردت في هذه الكلمات: “قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «امْلأُوا الأَجْرَانَ مَاءً». فَمَلأُوهَا إِلَى فَوْقُ. ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: «اسْتَقُوا الآنَ وَقَدِّمُوا إِلَى رَئِيسِ الْمُتَّكَإِ». فَقَدَّمُوا. فَلَمَّا ذَاقَ رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ الْمَاءَ الْمُتَحَوِّلَ خَمْرًا، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هِيَ، لكِنَّ الْخُدَّامَ الَّذِينَ كَانُوا قَدِ اسْتَقَوُا الْمَاءَ عَلِمُوا، دَعَا رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ الْعَرِيسَ وَقَالَ لَهُ: «كُلُّ إِنْسَانٍ إِنَّمَا يَضَعُ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ أَوَّلًا، وَمَتَى سَكِرُوا فَحِينَئِذٍ الدُّونَ. أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ إِلَى الآنَ!». هذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ” (يو7:2-11).

فالرب له المجد قد أجرى في قانا الجليل معجزة استحالة الماء إلى خمر، شهد عن هذه المعجزة رئيس المتكأ لأنه «ذاق» خمرًا جيدة حلوة المذاق، ولم «يذق» ماء ثم قال إنه خمر تحت أعراض الماء، أو قال إنه ماء في لونه وطعمه ورائحته ولكنه خمر بالإيمان، بل ذاق خمرًا حقيقية إذ كان الماء قد تحول فعلاً إلى خمر تشهد بجودتها حاسة التذوق.

فهل يحدث أي تغيير في الخبز ونتاج الكرمة في فريضة عشاء الرب؟ هل يتغير لونهما بعد الشكر؟ هل يتغير طعمهما؟ هل تشهد حواسنا المعطاة لنا من الله بأي تغيير يجري فيهما بعد البركة؟

يقينًا أننا إذا لجأنا إلى شهادة حواسنا الخمس لأكدت لنا تأكيدًا قاطعًا أن الخبز هو خبز في شكله وطعمه ورائحته وملمسه، وأن نتاج الكرمة هو نتاج كرمة في شكله وطعمه ورائحته وملمسه، فحاسة النظر تقول ذلك، وحاسة الشم تقول ذلك، وحاسة التذوق تقول ذلك، وحاسة اللمس تقول ذلك، فأربع من حواسنا الخمس تشهد هذه الشهادة بغير منازع ثم يقال لنا كلا … بل أنه يتحول ولو كذبت الحواس !!!

ولكن الرب قد أعطانا حواسنا لنستخدمها، ولم ينتظر من الناس الذين عاشوا في أيامه أن يصدقوا أو يؤمنوا أن لعازر قام من الأموات مع استمراره في قبره، أو أن يعتقدوا بأن عيني المولود الأعمى قد فُتحتا وهم يرونه ما زال مغمض العينين، بل على العكس طلب من الأبرص الذي شفاه قائلاً “اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ” (مر44:1).ليؤكد له الكاهن – بعد أن يراه بعينيه – طهارته التامة وشفاءه الكامل من البرص.

ولكننا نعجب كل العجب إذ نرى مؤلف كتاب علم اللاهوت الجزء الثاني في صفحة 386 وهو يكتب كلامًا متناقضًا غريبًا عن عشاء الرب فيقول «إنه في القربان المقدس متصفًا بالصفات المختصة بالأجساد، والصفات المختصة بالأرواح معًا. أي أنه ذو لون ومع ذلك غير منظور بالأعين الجسدية. وهو ملموس ومع ذلك غير محسوس باللمس. وهو مادي إلا أنه غير منقسم. ويؤكل إلا أنه من جهة الحال الذي فيه هو فيه عادم جميع الأفعال المنسوبة للحياة فلا يسمع ولا يتكلم ولا يتحرك، ومع ذلك فهو حي ويمنح الحياة لمن يتناول منه».

فهل قرأت أعجب وأغرب من هذا؟ هل رأيت شيئًا ذا لون ولا تراه العيون، وملموسًا ولا تلمسه الأيدي، وحيًا وميتًا في آن معًا، وعادم الأفعال المنسوبة للحياة وهو مانح الحياة؟! وهل إذا وُجد هذا الشيء في عالم الحقيقة يمكن أن يكون ربنا يسوع المسيح نفسه. حاشا وكلا؟!

إننا نرى في كل أجزاء الكتاب المقدس أن كل معجزة حقيقية حدثت بقوة الله تميزت بصفتين: أولهما: أن الحواس البشرية قد تأكدت من حدوثها، فالله الذي وهب الحواس للإنسان لم يطلب منه أن يلغي وجودها، وإلا انقلبت معايير الكون الذي نعيش فيه. والصفة الثانية: أن المعجزة حدثت لمجد الله ووفق كلمته المقدسة المعلنة في كتابه.

فهل يمكن أن الخبز يتحول إلى جسد المسيح الفعلي، ونتاج الكرمة يتحول إلى دم المسيح الفعلي لمجد الله؟

إن شيئًا كهذا إن حدث يجعل من المخلوق البشري صانعًا لخالقه إذ يصنع الكاهن القربان فيحوله إلى شخص المسيح، وحاشا للمخلوق أن يكون صانعًا لخالقه!!

وهنا يقول مؤلف كتاب علم اللاهوت في صفحة 402 «أنه إن كانت هذه الذبيحة لا يقدمها إلا الكهنة خدام المسيح ونوابه إلا أنه لا يغيب عن أفهامنا أن الكاهن الخصوصي الذي بقوته الإلهية يتحول الخبز والخمر إلى الجسد والدم الأقدسين هو المسيح له المجد فهو وحده الحبر الأعظم المطلق السلطان الثابت إلى الأبد وهو الذي ذبح نفسه ذبحًا حقيقيًا على الصليب، ويذبح نفسه ذبحًا سريًا على المذابح».

ونجيب نحن على كلامه قائلين إن هذا الكلام لا يتفق في أوصوله وفروعه مع الكتاب المقدس. فالمسيح له المجد لم يذبح نفسه ذبحًا حقيقيًا على الصليب بل أن الذي ذبحه هم اليهود كما قال بطرس الرسول مؤكدًا هذه الحقيقة مرتين.

في المرة الأولى قال “أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ … هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ” (أع23،22:2).

وفي المرة الثانية قال “أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ … أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ” (أع15،12:3).

فالذين صلبوا المسيح وقتلوه هم اليهود، ولم يذبح المسيح نفسه على الصليب. إذا لو كان لو كان هو ذابح نفسه إذن لكان منتحرًا … وتعالى الرب عن هذا علوًا كبيرًا!

إن حواسنا التي وهبنا إياها الله تؤكد لنا أننا نرى بعيوننا، ولا نلمس بأيدينا، ولا نشم بأنوفنا، أي تغير في عنصريّ عشاء الرب، ولذا فنحن نحترم حواسنا لأننا نثق في أن خالقنا أعطانا إياها للتمييز، ففي احترامنا لها تقدير وإجلال لقدرته في الخليقة، ولذا فنحن نتقدم إلى فريضة عشاء الرب في خشوع على أساس الكلمات التي نطق بها ربنا حين قال «اصنعوا هذا لذكري» (لو19:22). بل نتقدم إليها على أساس تفسير الروح القدس لها بواسطة بولس الرسول القائل “فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ”(1كو26:11). فنحن نأكل خبزًا، ونشرب نتاج الكرمة وبهما نذكر موت الرب، ونخبربه، وننتظر مجيئه الثاني الذي أصبح قريبًا على الأبواب.

5) الدليل الخامس هو كفاية ذبيحة المسيح على الصليب مرة واحدة لا تتكرر:

إننا ننقص من قدر الذبيحة الكاملة التي أجراها على الصليب مرة واحدة لن تتكرر وحين نقول أن الرب له المجد «يذبح نفسه ذبحًا سريًا على المذابح».

بل أن كلامًا كهذا في ضوء حق الله الصريح يُعتبر تجديف واضح بحق ذبيحة المسيح الكاملة فوق الصليب، وهو يجعل التقليديين، كاليهود الذين يقدمون ذبائح كل يوم، إذ أن التقليديين يقولون أنهم في ذبيحة القداس يقدمون المسيح كل مرة لأجل الأموات والأحياء، ومن عجب أنه عندما يموت الفرد منهم يرسلونه للمطهر إذا كان كاثوليكيًا أو يصلون حتى يفتح الرب باب الفردوس لنفسه إذا كان أرثوذكسيًا كأن ذبيحة المسيح غير كافية لتطهيره، وكأن موضوع أبديته أمر مشكوك فيه.

إننا نرفض عن يقين القول بأن الخبز يتحول إلى جسد المسيح، ونتاج الكرمة يتحول إلى دم المسيح، لأن هذا يعني أن ذبيحة المسيح تتكرر في كل مرة نجتمع فيها حول مائدة الرب، وتكرار ذبيحة المسيح أمر يتنافى تمامًا مع الإعلانات الواضحة في كلمة الله.

فهلم بنا إلى الكتاب المقدس لنرى آياته وهي تنير بنور وضاح لنبعد عن أذهاننا أي فكرة ولو تلميحية أو سرية عن تكرار ذبيحة الصليب.

ونحن نقرأ في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية الكلمات “عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ. لأَنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيَّةِ مَرَّةً وَاحِدَةً” (رو10،9:6).

ونقرأ في الرسالة إلى العبرانيين “فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ. لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَوَّلاً عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ خَطَايَا الشَّعْبِ، لأَنَّهُ فَعَلَ هذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ (عب25:7-27).

ونقرأ أيضًا في الرسالة إلى العبرانيين الكلمات“لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ الْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ إِلَى السَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ الآنَ أَمَامَ وَجْهِ اللهِ لأَجْلِنَا. وَلاَ لِيُقَدِّمَ نَفْسَهُ مِرَارًا كَثِيرَةً، كَمَا يَدْخُلُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ إِلَى الأَقْدَاسِ كُلَّ سَنَةٍ بِدَمِ آخَرَ. فَإِذْ ذَاكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَلَّمَ مِرَارًا كَثِيرَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّهُورِ لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ، وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ، هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ” (عب24:9-28).

ومرة ثالثة نقرأ في الرسالة إلى العبرانيين الكلمات “وَكُلُّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَارًا كَثِيرَةً تِلْكَ الذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ الْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ الْخَطِيَّةَ. وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ” (عب12،11:10)

وأخيرًا تعال بنا لنقرأ ما كتبه بطرس الرسول إذ قال “فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ” (1بط18:3).

ومن كل هذه الآيات الصريحة التي لا تحتاج إلى تفسير نرى أن الرب يسوع، كاهننا الأعظم هو حي في كل حين (أي أنه لا يموت في أية صورة من الصور الرمزية أو السرية أو الحقيقية)وأنه لا يمكن أن يكرر ذبيحة نفسه (لأن تكرار الشيء يعني ضمنًا نقصه)، وهو عندما مات على الصليب قال بفمه المبارك “قد أُكمل” (يو30:19). ولذا فلا تكرار لذبيحة الصليب أبدًا وفي أية صورة “لأَنَّهُ فَعَلَ هذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ” (عب27:7). “لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ” (عب14:10).

فكيف يحق لنا الاعتقاد بتحول الخبز ونتاج الكرمة إلى جسد المسيح ودمه؟

إن كان هكذا فالمسيح يقدم على كل مذبح، لأن معنى وجود المذبح وجود الذبيحة، ومعنى سفك دم الذبيحة وجود ذابح للذبيحة.

فإذا إعتقدنا بتحول عنصري عشاء الرب كان معنى هذا تكرار عملية سفك دم المسيح، ومعروف أن الذين سفكوا دم المسيـــح سفكوه بأيدي أثمة كما قال بطرس الرسول “وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ” (أع23:2).
فهل نريد أن تكون أيدينا أيدي أثمة؟

ثم كان معنى هذا أيضًا تكرار ذبيحة الصليب التي لا يمكن قط أن تتكرر لأن المسيح له المجد “لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ” (رو9:6). لأنه “قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً” (عب12:10). فإيماننا بكفاية ذبيحة المسيح على الصليب وبعدم تكرارها تحت أية صورة وبأي حال من الأحوال – وهو أمر يعلمه الكتاب المقدس بوضوح لا غموض فيه – يدفعنا إلى رفض عقيدة الاستحالة رفضًا تامًا لمناقضتها لكلمة الله.

وتكون كلمات أعضاء مجمع نيقية التي ذكرها مؤلف كتاب علم اللاهوت والتي يقولون فيها: «لا ينبغي أن ننظر على المائدة المقدسة إلى الخبز والكأس كأنهما مقدمان على بسيط الحال بل يجب أن نرفع الروح فوق الحواس ونتفهم بالإيمان أن حمل الله الرافع خطيئة العالم يستريح ههنا مذبوحًا من الكهنة وأنهم يتناولون جسد الرب نفسه ودمه الكريم نفسه» كلمات مناقضة تمامًا لإعلانات الكتاب المقدس، بل أنها تدمغ الكهنة بأنهم يذبحون الرب نفسه في كل مرة يصنعون فيها عشاء الرب، وهنا نرى ضرورة تكرار كلمات بطرس الرسول التي وجهها للذين ذبحوا المسيح قائلاً “يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ … هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ” (أع23،22:2).

فهل يرضى خادم الرب الأمين لنفسه أن يقف هذا الموقف الرهيب؟

6) الدليل السادس أن المسيح مات على الصليب ذبيحة خطية وذبيحة الخطية تُحرق بجملتها ولا يؤكل منها شيئًا:

وعن هذا يقول بطرس الرسول “الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ” (1بط24:2). ويقول كاتب الرسالة إلى العبرانين “لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا. لِذلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ:«ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا. بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ. ثُمَّ قُلْتُ: هنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ». إِذْ يَقُولُ آنِفًا: «إِنَّكَ ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا وَمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُرِدْ وَلاَ سُرِرْتَ بِهَا». الَّتِي تُقَدَّمُ حَسَبَ النَّامُوسِ. ثُمَّ قَالَ:«هنَذَا أَجِيءُ لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ». يَنْزِعُ الأَوَّلَ لِكَيْ يُثَبِّتَ الثَّانِيَ. فَبِهذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَكُلُّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَارًا كَثِيرَةً تِلْكَ الذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ الْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ الْخَطِيَّةَ. وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ” (عب4:10-12).

ثم يعود قائلاً “فَإِنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يُدْخَلُ بِدَمِهَا عَنِ الْخَطِيَّةِ إِلَى «الأَقْدَاسِ» بِيَدِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ تُحْرَقُ أَجْسَامُهَا خَارِجَ الْمَحَلَّةِ. لِذلِكَ يَسُوعُ أَيْضًا، لِكَيْ يُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ، تَأَلَّمَ خَارِجَ الْبَابِ” (عب12،11:13).

والآيات السابقة ترينا أن المسيح مات من أجل الخطية، وبالتالي فهو ذبيحة خطية، فمع أنه كانت هناك أنواع من الذبائح في العهد القديم، وهي ذبيحة المحرقة، وذبيحة السلامة، وذبيحة الإثم، وذبيحة الخطية، ومع أن كلا من هذه الذبائح كانت ترمز للمسيح من وجهة خاصة، وكانت هناك إختلافات كثيرة بين بعضها البعض في كيفية تقديمها – ولسنا هنا في مجال درس الإختلافات – لكننا نشير فقط إلى حقيقتين:

الحقيقة الأولى: إن دم كل ذبيحة من هذه الذبائح لم يكن يُشرب على الإطلاق، فشُرب الدم ممنوع قطعيًا في العهد القديم.

الحقيقة الثانية: إنه كان من الجائز للكهنة أن يشتركوا في أكل أجزاء خاصة من بعض هذه الذبائح، ولكن لم يكن مسموحًا لهم بأي حال من الأحوال أن يأكلوا ولو جزءًا يسيرًا من ذبائح الخطية التي يدخل بدمها للأقداس للتكفير بل كانت أجسام هذه الذبائح تُحرق بكاملها بالنار خارج المحلة بعد تقديم الدم للرب.

وتعال معي لنقرأ ماذا تقوله كلمة الرب بخصوص ذبيحة الخطية:

“وَإِنْ سَهَا كُلُّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ، وَأُخْفِيَ أَمْرٌ عَنْ أَعْيُنِ الْمَجْمَعِ، وَعَمِلُوا وَاحِدَةً مِنْ جَمِيعِ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا، وَأَثِمُوا، ثُمَّ عُرِفَتِ الْخَطِيَّةُ الَّتِي أَخْطَأُوا بِهَا، يُقَرِّبُ الْمَجْمَعُ ثَوْرًا ابْنَ بَقَرٍ ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ. يَأْتُونَ بِهِ إِلَى قُدَّامِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَيَضَعُ شُيُوخُ الْجَمَاعَةِ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِ الثَّوْرِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَذْبَحُ الثَّوْرَ أَمَامَ الرَّبِّ. وَيُدْخِلُ الْكَاهِنُ الْمَمْسُوحُ مِنْ دَمِ الثَّوْرِ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَيَغْمِسُ الْكَاهِنُ إِصْبَعَهُ فِي الدَّمِ، وَيَنْضِحُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى الْحِجَابِ. وَيَجْعَلُ مِنَ الدَّمِ عَلَى قُرُونِ الْمَذْبَحِ الَّذِي أَمَامَ الرَّبِّ فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَسَائِرَ الدَّمِ يَصُبُّهُ إِلَى أَسْفَلِ مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ الَّذِي لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. وَجَمِيعَ شَحْمِهِ يَنْزِعُهُ عَنْهُ وَيُوقِدُهُ عَلَى الْمَذْبَحِ. وَيَفْعَلُ بِالثَّوْرِ كَمَا فَعَلَ بِثَوْرِ الْخَطِيَّةِ. كَذلِكَ يَفْعَلُ بِهِ. وَيُكَفِّرُ عَنْهُمُ الْكَاهِنُ، فَيُصْفَحُ عَنْهُمْ. ثُمَّ يُخْرِجُ الثَّوْرَ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ وَيُحْرِقُهُ كَمَا أَحْرَقَ الثَّوْرَ الأَوَّلَ. إِنَّهُ ذَبِيحَةُ خَطِيَّةِ الْمَجْمَعِ” (لا13:4-21).

والآن لنسجل هنا بعض الملاحظات الضرورية بخصوص هذا الجزء الثمين من كلمة الله:

أ‌) إن ذبيحة الخطية المذكورة هنا هي عن خطية كل جماعة إسرائيل، وهذا ينطبق على الرب يسوع كما يقول بولس الرسول “لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ” (2 كو 5: 21).

ب‌) إن الثور الذي يقدم ذبيحة خطية يرينا أن حكم الموت هو الحكم الوحيد ضد الخطية، فإما أن يموت الشعب أو يموت الثور بدلاً عنهم، وهنا مبدأ الفداء يبدو واصحًا جليًا.

ت‌) كان شيوخ الجماعة يضعون أيديهم على رأس الثور إشارة إلى نقل الخطية عنهم ووضعها على الثور كما يقول إشعياء النبي “كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا” (إش 53: 6).

ث‌) كان الثور يذبح أمام الرب، وهذا شرط جوهري، لأن الخطية قد ارتكبت في حق الله فيجب أن يتم القصاص ضد الخطية أمام عينيه.

ج‌) كان الكاهن الممسوح يُدخل من دم الثور إلى خيمة الإجتماع (والكاهن هنا يقف نائبا عن الشعب، وفي ذات الوقت يرمز للرب يسوع المسيح الذي هو الكاهن والذبيحة معًا) أما الدم فلم يسمح الله بشُربه قط إذ كان يجب أن يقرب إلى الله فيراه ويصفح عن الخطية ولا ينتقم من فاعليها.

ح‌) وكان سائر الدم يصب إلى أسفل مذبح المحرقة الذي لدى باب خيمة الاجتماع، وذلك لأن الدم للرب فقط، ولا يمكن لإنسان أن يذوقه.

خ‌) كان الثور يخرج إلى خارج المحلة ويُحرق بالنار، فلا يؤكل لحمه ولا يُشرب دمه.

فمن هذا التعليم المؤسس على كلمة الله النقية نرى أن ذبيحة الخطية التي كانت ترمز للمسيح من جهة تقديمه ذاته عن البشرية للتكفير كان يجب حرقها بأجمعها، ولم يكن مُصرحًا حتى لرئيس الكهنة أن يشترك في أكل جزء منها، ولا حتى قطعة من جلدها أو جزء من فرثها.

فإذا قال التقليديون إن عشاء الرب ذبيحة عن خطايا الكاهن وجهالات الشعب كما يقول قداس باسيليوس «أعط يا رب أن تكون مقبولة أمامك ذبيحتنا عن خطاياي وجهالات شعبك» قلنا إنه بحسب كلمة الله لا يمكن أن يؤكل منه مُطلقًا بل يجب أن يُحرق بأكمله بعد صب الدم في أسفل المذبح. ولكننا نعلم تمامًا أن الرب قد أمر بالأكل من الخبز والشرب من الكأس، وعلى هذا فعشاء الرب ليس ذبيحة بل هو ذكرى لموت الرب إلى أن يجيء، وعلى هذا أيضًا نستطيع أن نؤكد أن الخبز ونتاج الكرمة لا يصبحان جسد الرب ودمه بحال من الأحوال وتكون عقيدة الاستحالة على غير أساس من كلمة الله.

7) الدليل السابع أن المسيح الآن بجسده في السماء وأنه سيبقى هناك إلى أن يجيء ثانية بهذا الجسد، وجسد المسيح لا يوجد في أكثر من مكان واحد في الوقت الواحد:

يسجل كاتب الرسالة إلى العبرانيين عن تجسد المسيح هذه الكلمات قائلاً “لِذلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا” (عب 10: 5).

والجسد الذي يتحدث عنه كاتب الرسالة للعبرانيين بالروح القدس، جسد واحد لا يتعدد، ولا يمكن أن يتعدد، ولا يوجد إلا في مكان واحد في الوقت الواحد، فمع أن المسيح له المجد يملأ الكون بلاهوته، إلا أنه لا يوجد بجسده إلا في مكان واحد، وإلا جاز للناس – لو إعتقدنا بتعدد أجساد المسيح – أن يشكوا في حقيقة موته بالجسد على الصليب، أو أن يتساءلوا: أي جسد من أجساده المتعددة هو الذي صُلب على الصليب؟ فجسد المسيح الطهور جسد واحد لا يتعدد.

هذا الجسد هــو الذي كان في أحشـــاء العذراء المباركــة كما قال لها جبرائيل “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ” (لو 1: 35).

هذا الجسد هو الذي كان “يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ .. عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ” (لو 2: 52).

هذا الجسد هو الذي سار به يسوع حين أخذه “عَسْكَرُ الْوَالِي .. إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ َوجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ الْكَتِيبَةِ، فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيًّا، وَضَفَرُوا إِكْلِيلًا مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ” (مت27:27-29).

هذا الجسد هو الذي حمل به يسوع الصليب، والذي صُلب فعلاً على الصليب كما نقرأ في إنجيل يوحنا “فَأَخَذُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ. فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ» وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ «جُلْجُثَةُ»، حَيْثُ صَلَبُوهُ، وَصَلَبُوا اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا، وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ” (يو16:19-18).

هذا الجسد هو الذي أخذه يوسف الرامي ونيقوديموس ووضعاه في قبر جديد كما نقرأ “ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ، وَهُوَ تِلْمِيذُ يَسُوعَ، وَلكِنْ خُفْيَةً لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، سَأَلَ بِيلاَطُسَ أَنْ يَأْخُذَ جَسَدَ يَسُوعَ، فَأَذِنَ بِيلاَطُسُ. فَجَاءَ وَأَخَذَ جَسَدَ يَسُوعَ. وَجَاءَ أَيْضًا نِيقُودِيمُوسُ، الَّذِي أَتَى أَوَّلًا إِلَى يَسُوعَ لَيْلًا، وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَنًا. فَأَخَذَا جَسَدَ يَسُوعَ، وَلَفَّاهُ بِأَكْفَانٍ مَعَ الأَطْيَابِ، كَمَا لِلْيَهُودِ عَادَةٌ أَنْ يُكَفِّنُوا. وَكَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ بُسْتَانٌ، وَفِي الْبُسْتَانِ قَبْرٌ جَدِيدٌ لَمْ يُوضَعْ فِيهِ أَحَدٌ قَطُّ. فَهُنَاكَ وَضَعَا يَسُوعَ لِسَبَبِ اسْتِعْدَادِ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْقَبْرَ كَانَ قَرِيبًا” (يو38:19-42).

هذا الجسد هو الذي قام في اليوم الثالث وظهر به الرب لتلاميذه إذ نقرأ ” .. وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسْطِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: «سَلاَمٌ لَكُمْ!» فَجَزِعُوا وَخَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا. فَقَالَ لَهُمْ: «مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ، وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟ اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي». وَحِينَ قَالَ هذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. وَبَيْنَمَا هُمْ غَيْرُ مُصَدِّقِين مِنَ الْفَرَحِ، وَمُتَعَجِّبُونَ، قَالَ لَهُمْ: «أَعِنْدَكُمْ ههُنَا طَعَامٌ؟» فَنَاوَلُوهُ جُزْءًا مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيٍّ، وَشَيْئًا مِنْ شَهْدِ عَسَل. فَأَخَذَ وَأَكَلَ قُدَّامَهُمْ” (لو36:24-43).

هذا الجسد هو الذي صعد به الرب إلى السماء كما نقرأ “وَأَخْرَجَهُمْ خَارِجًا إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَارَكَهُمْ. وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ، انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ” (لو50:24-51).

وإذن فيجب أن نضع في أذهاننا هذا الحق: إن جسد المسيح واحد، ولد به، و عاش به، و مات علي الصليب، و دفن فى القبر، و قام فى اليوم الثالث و صعد به إلي السماء.

وماذا يقول الكتاب المقدس عن هذا الجسد؟

إنه يؤكد أن يسوع الآن بجسده فى السماء كما يقرر كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلا “وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ” (عب 10: 12).

ولا يمكن البتة أن يكون المسيح جالسا بجسده عن يمين الله، وفي الوقت ذاته يحل بجسده ودمه في الخبز ونتاج الكرمة، ذلك لأن جسد المسيح واحد لا يتعدد كما تُعلم كلمة الله.

وهناك حقيقة ثانية يؤكدها الكتاب المقدس هي: أن يسوع سيأتي بجسده مرة ثانية.

أين؟ في فريضة العشاء الرباني؟
يقينًا: لا

وإنما في مجيئه الثاني إذ لا يمكن أن يوجد جسد المسيح في السماء وعلى مائدة العشاء الرباني في وقت واحد. وهذه كلمة الله تتكلم فلنسمع ما تقوله: “وَلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ. وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلاَنِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ، وَقَالاَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ»” (أع9:1-11).

فالرجلان اللابسان اللباس الأبيض شهدا أن يسوع انطلق بجسده إلى السماء، وأنه سيعود بذات الجسد إلى الأرض مرة ثانية في مجيئه الثاني، ولو أن عنصري فريضة عشاء الرب يتحولان إلى جسد الرب ودمه لقال هذان الرجلان للتلاميذ: إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي بجسده ودمه في فريضة عشاء الرب. لكنهما لم يقولا ذلك، بل أكدا أن الرب سيستمر بجسده في المجد إلى ان يعود ثانية إلى الأرض بذات الجسد الذي أرتفع به.

وهذا ما يقرره بولس الرسول قائلاً “لأَنَّ الرَّبّ نَفْسَهُ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا” (1 تس 4: 16).

فالرب نفسه الذي أظهر نفسه للتلاميذ (لو36:24) سيأتي ثانية بجسده.

متى؟ ليس في الخبز ونتاج الكرمة بل في صباح القيامة الأولى حين ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون اولاً.

أما عشاء الرب، هذه الفريضة المقدسة، فقد أُعطيت لأعضاء كنيسة المسيح ليذكروا بها الرب إلى ان يجيء، كما يقول بولس الرسول في شرحه لمعنى هذه الفريضة “فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ” (1 كو 11: 26).

فلو أن الخبز يتحول إلى جسد المسيح الحقيقي، ونتاج الكرمة إلى دمه الحقيقي لكان معنى هذا أن المسيح يأتي فعلاً في عنصريّ الفريضة كما يقول القائلون، وتكون العبارة التي ذكرها بولس الرسول: «إِلَى أَنْ يَجِيءَ» بلا معنى لأنه يكو قد جاء فعلاً في عنصريّ فريضة العشاء.

لكن الرسول بولس يؤكد لنا بالروح القدس أن الرب لم يأت بعد المجيء الثاني، وأننا كلما أكلنا من عنصريّ فريضة العشاء نُخبر بموته إلى أن يجيء، بل أكثر من ذلك يطالبنا رسل المسيح في رسائلهم ان نسهر وننتظر هذا الرجاء المبارك، والانتظار يعني أن الرب لم يأت بعد بجسده ودمه في عنصري الفريضة المقدسة، ولذا فنحن نرفض بإصرار التعليم القائل بأن عنصريّ فريضة عشاء الرب ينتقلان إلى جسد ودم حقيقي، ورفضنا مؤسس على التعليم النقي الذي نتعلمه من الكتاب المقدس.

فهل نرفع سلطان كلمة الله ونصدقها كما هي مكتوبة، أو نصدق تقاليد وتعاليم الناس؟

إن المؤمن الذي يعرف كلمة الرب يرفض المذهب «المورموني» «Mormonism» لأنه يُعلم بالكتاب المقدس مضافًا إليه كتاب المورمون، وتعاليم «جوزيف سميث».

ويرفض المذاهب العصرية لأنها تُعلم بالكتاب المقدس وقد حُذفت منه بعض تعاليمه الجوهرية.

ويرفض مذهب العلم المسيحي لأنه يُعلم بالكتاب المقدس مضافًا إليه تعاليم «ماري بيكر إدي».

ويرفض مذهب السبتيين الأدفنتست لأنه يُعلم بالكتاب المقدس مضافًا إليه تعاليم نبيتهم «إلن هوايت».

ويرفض مذهب شهود يهوة لأنه يعلم بالكتاب المقدس مضافًا إليه «تعاليم رسل وشروحات «رزرفورد».

وعلى ذات القياس يجب أن يرفض المذاهب التقليدية لأنها تُعلم بالكتاب المقدس مضافًا إليه التقاليد التي تناقضه.

لقد كان اليهود في أيام المسيح يعلمون بالعهد القديم مضافًا إليه تقليد الشيوخ، فهل وافق الرب يسوع المسيح على هذه التقاليد؟

تعال معي لنسمع كلماته الصريحة وهو يجيب على سؤال الفريسيين والكتبة: “لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ؟ (مر 7: 5).

وهنا تدوي كلمات الرب في قوة وهو يجيب “حَسَنًا تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ! كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا، وَبَاطِلًا يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ. لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ: غَسْلَ الأَبَارِيقِ وَالْكُؤُوسِ، وَأُمُورًا أُخَرَ كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ». ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «حَسَنًا! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ … مُبْطِلِينَ كَلاَمَ اللهِ بِتَقْلِيدِكُمُ الَّذِي سَلَّمْتُمُوهُ. وَأُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ” (مر6:7-13).

أجل إن كلمات الرب يسوع تدفعنا دفعًا إلى رفض تعاليم وتقاليد الناس إذ “َعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَنًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا، كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْا عَالِمِينَ هذَا أَوَّلًا: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (2بط19:1-21).

إن الكتاب المقدس، والكتاب المقدس وحده دون حذف أو إضافة هو سراج المؤمن المتجدد، ونور سبيله في هذه الحياة. لقد أكد لنا بولس الرسول أن “لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا” (1 كو 5: 7). وهذا يعني أن المسيح قد ذُبح في الماضي على صليب الجلجثة، ولن يُذبح أيضًا، لن يسود عليه الموت بعد.

وأكد لنا الرب بفمه المبارك أنه سيغيب عنا بالجسد إذ قال لأولئك الذين أزعجوا المرأة التي كسرت قارورة الطيب وسكبته على رأسه “اتْرُكُوهَا! لِمَاذَا تُزْعِجُونَهَا؟ قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلًا حَسَنًا! لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَمَتَى أَرَدْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِمْ خَيْرًا. وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ” (مر7،6:14).

أما الآن وهو غائب عنا بالجسد، فهو يقينًا معنا بلاهوته الذي يملأ الكون كما وعدنا في الكلمات:

“لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ” (مت 18: 20).
“وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (مت 28: 20).

هذه هي الرفقة الإلهية التي يتمتع بها المفديون، رفقة المسيح بلاهوته غير المحدود، وهي رفقة لا تعني مطلقًا وجود الرب معنا في الدهر الحاضر بجسده المُمجد.

فليتنا نعود إلى الكتاب المقدس، ونتقبل تعاليمه الصافية بخصوص عشاء الرب بخضوع. ذلك لأن هذا الموضوع خطير الشأن قال فيه أحد الذين يؤمنون بعقيدة الاستحالة: «إنه جليل الأهمية عظيم الخطر لأننا إذا كنا غير مُحقين فيما نؤمن به من أننا نأكل جسد المسيح ونشرب دمه الحقيقيين مع أننا نقدم لهما في السر عبادتنا القلبية لإتحادهما باللاهوت. فإننا نكون عابدين لخبز بسيط وخمر بسيط ومعنى هذا أننا نعبد الأوثان» فليكشف الله عيون أذهاننا، لنرى حقه المنير في كلمته، ولنتأكد خطر الاعتقاد باستحالة عُنصريّ فريضة العشاء، هذا الاعتقاد الذي ينقلنا إلى عداد عبدة الأوثان. وقد أوصانا الروح القدس بواسطة بولس الرسول بالكلمات:

“فَلاَ تَكُونُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ كَمَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ” (1كو7:10).

وها نحن قد قدمنا كلمة الله بلا غش وكلنا ثقة أن :

“اَلَّذِي مِنَ اللهِ يَسْمَعُ كَلاَمَ اللهِ” (يو 8: 47).

 

******************************************************************************

الفصل الخامس

أساس المائدة المقفلة

يسود بين الكثيرين اعتقاد خاطئ هو أنه في إمكان الشخص ما دام مؤمنًا بالرب يسوع المسيح أن يأكل من عشاء الرب في أية كنيسة مهما كانت عقائدها مختلفة عن عقائده، وأصحاب هذا الاعتقاد يبنون اعتقادهم على أن المائدة في أية كنيسة كانت – هي مائدة الرب فمن حق كل مؤمن أن يتناول منها دون اعتبار لمبدأ، ودون حساب. بل أن كثيرين من خدام الطوائف المختلفة يشجعون أعضاء المذاهب الأخرى أن يتقدموا ويتناولوا معهم عشاء الرب، ولذا فإننا نجد فوضى لا مثيل لها في الأكل من عشاء الرب، وعلى سبيل المثال: نجد أن عضو كنيسة الله الرسولية يأكل من عشاء الرب في الكنيسة الإنجيلية المشيخية، وعضو الكنيسة المشيخية يأكل من عشاء الرب في كنيسة الله، وعضو كنيسة نهضة القداسة يأكل من عشاء الرب في كنيسة الله الرسولية، وهكذا يتقدم الكثيرون للأكل من مائدة الرب في مختلف الطوائف أينما وجدوا هذه الفريضة دون فهم أو إدراك.

وتبدو ناحية أخرى من نواحي الخطأ بخصوص التناول من عشاء الرب، حتى في قلب الطائفة الواحدة، فتجد عضو كنيسة شبرا مصر مثلاً، يأكل من عشاء الرب في كنيسة مصر الجديدة، أو عضو كنيسة الفجالة يأكل من مائدة الرب في الجيزة. دون خطاب توصية من كنيسته يبين حقيقة موقفه بالنسبة لسلوكه واعتقاده ودون انتقاله لعضوية هذه الكنيسة أو تلك.

ولا بد لنا في هذا الفصل أن نناقش في وضوح هذا الأمر الخطير على ضوء تعاليم الكتاب المقدس لننير أذهان أولاد الله.

استقلال الكنائس المحلية

وأول ما يجب أن نشير إليه هو تعليم العهد الجديد عن استقلال الكنائس المحلية تحت سيادة الروح القدس وفي نور كلمة الله.

والآن قد يسأل أحدهم قائلاً لقد كررت في هذا الكتاب عبارة «الكنيسة المحلية» فماذا تقصد «بالكنيسة المحلية»؟
ونجيب قائلين: إن الكنيسة المحلية بحسب تعريف الكتاب المقدس، هي جماعة منظمة من المؤمنين المُعمدين بالماء باسم الآب والابن والروح القدس، المتعاهدين على السير بحسب تعاليم الكتاب المقدس وتحت قيادة الروح القدس، ولهذه الكنيسة مكان معين معروف، فمثلاً الكنيسة المعمدانية الكتابية الأولى بشبرا مصر، كنيسة محلية منظمة مكانها المعروف هو «شبرا مصر».

والعهد الجديد يشرح هذا الأمر بصورة واضحة فيحدثنا أنه كان في أورشليم «كنيسة محلية» أي جماعة منظمة من المؤمنين بالرب يسوع المسيح المعمدين بالماء على أساس اعترافهم بإيمانهم ونقرأ عن هذه الكنيسة المحلية الكلمات: “وَحَدَثَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ” (أع 8: 1).

كنائس محلية أخرى:

كما يرينا أنه قد تأسست كنائس محلية أخرى في درية ولسترة وإيقونية وأنطاكية نقرأ عنها في الكلمات:
“وَفِي الْغَدِ خَرَجَ مَعَ بَرْنَابَا إِلَى دَرْبَةَ. فَبَشَّرَا فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَتَلْمَذَا كَثِيرِينَ. ثُمَّ رَجَعَا إِلَى لِسْتِرَةَ وَإِيقُونِيَةَ وَأَنْطَاكِيَةَ يُشَدِّدَانِ أَنْفُسَ التَّلاَمِيذِ وَيَعِظَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ، وَأَنَّهُ بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ. وَانْتَخَبَا لَهُمْ قُسُوسًا فِي كُلِّ كَنِيسَةٍ، ثُمَّ صَلَّيَا بِأَصْوَامٍ وَاسْتَوْدَعَاهُمْ لِلرَّبِّ الَّذِي كَانُوا قَدْ آمَنُوا بِهِ” (أع20:14-23).

وكذلك يخبرنا أنه تأسست كنائس أخرى من الأمم يذكرها بولس في رسالته إلى أهل رومية بالكلمات: “سَلِّمُوا عَلَى بِرِيسْكِلاَّ وَأَكِيلاَ الْعَامِلَيْنِ مَعِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، اللَّذَيْنِ وَضَعَا عُنُقَيْهِمَا مِنْ أَجْلِ حَيَاتِي، اللَّذَيْنِ لَسْتُ أَنَا وَحْدِي أَشْكُرُهُمَا بَلْ أَيْضًا جَمِيعُ كَنَائِسِ الأُمَمِ، وَعَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِمَا” (رو3:16-5).

ونقرأ أيضًا عن الكنيسة المحلية في كورنثوس الكلمات:

“بُولُسُ… إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ” (1كو2،1:1).

ونقرأ كذلك عن كنائس غلاطية:

“بُولُسُ… إِلَى كَنَائِسِ غَلاَطِيَّةَ” (غل2،1:1)

وعن كنيسة التسالونيكيين:

“بُولُسُ … إِلَى كَنِيسَةِ التَّسَالُونِيكِيِّينَ” (1تس1:1).

ويقول الرب ليوحنا الرسول في سفر الرؤيا:

“وَالَّذِي تَرَاهُ، اكْتُبْ فِي كِتَابٍ وَأَرْسِلْ إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي أَسِيَّا: إِلَى أَفَسُسَ، وَإِلَى سِمِيرْنَا، وَإِلَى بَرْغَامُسَ، وَإِلَى ثِيَاتِيرَا، وَإِلَى سَارْدِسَ، وَإِلَى فِيلاَدَلْفِيَا، وَإِلَى لاَوُدِكِيَّةَ” (رؤ 1: 11).

وفي كل هذه الآيات يبدو أمامنا الحق المُنير، وهو أنه مع أنه في أيام الرسل كانت العقيدة واحدة، ولم تكن المسيحية قد انقسمت إلى مذاهب عديدة، إلا أن كل كنيسة محلية موجودة في مكان معين، كانت كنيسة مستقلة تمامًا قائمة بذاتها، لا سلطان لرياسات دينية، أو مجامع، أو سنودسات عليها، أو على خدامها أو أعضائها، ولا دخل لأية هيئات كنسية عُليا في إدارتها. ومن هذا يظهر أن فكرة الإدارة المركزية لكنائس الطائفة الواحدة لا أساس لها في كلمة الله.

والعهد الجديد يشرح في كلمات بسيطة مدى السلطات التي أعطيت للكنيسة المحلية، فقد أعطى الرب في حكمته للكنيسة المحلية عدة سلطات.

1) الكنيسة المحلية لها السلطة أن تقبل أعضاء:

وهذا ما كتبه بولس لكنيسة رومية المحلية “وَمَنْ هُوَ ضَعِيفٌ فِي الإِيمَانِ فَاقْبَلُوهُ، لاَ لِمُحَاكَمَةِ الأَفْكَارِ” (رو 14: 1)، وإنه لأمر معروف أن من حق الكنيسة المحلية وحدها أن تقرر قبول الأفراد في عضويتها.

2) الكنيسة المحلية لها السلطة أن تفصل أعضائها المنحرفين:

ونقرأ عن هذا في كلمات بولس الرسول “كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ فِي الرِّسَالَةِ أَنْ لاَ تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ. وَلَيْسَ مُطْلَقًا زُنَاةَ هذَا الْعَالَمِ، أَوِ الطَّمَّاعِينَ، أَوِ الْخَاطِفِينَ، أَوْ عَبَدَةَ الأَوْثَانِ، وَإِلاَّ فَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا مِنَ الْعَالَمِ! وَأَمَّا الآنَ فَكَتَبْتُ إِلَيْكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ أَخًا زَانِيًا أَوْ طَمَّاعًا أَوْ عَابِدَ وَثَنٍ أَوْ شَتَّامًا أَوْ سِكِّيرًا أَوْ خَاطِفًا، أَنْ لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا. لأَنَّهُ مَاذَا لِي أَنْ أَدِينَ الَّذِينَ مِنْ خَارِجٍ؟ أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ تَدِينُونَ الَّذِينَ مِنْ دَاخِل؟ أَمَّا الَّذِينَ مِنْ خَارِجٍ فَاللهُ يَدِينُهُمْ. «فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ” (1كو9:5-13).

وكذلك يكتب بولس الرسول إلى الكنيسة في تسالونيكي قائلاً “ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا” (2 تس 3: 6).

وكذلك يكتب إلى تيطس الذي تركه في كريت لكي يكمل ترتيب الأمور الناقصة ويقيم في كل مدينة قسوسًا قائلاً “اَلرَّجُلُ الْمُبْتَدِعُ بَعْدَ الإِنْذَارِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، أَعْرِضْ عَنْهُ. عَالِمًا أَنَّ مِثْلَ هذَا قَدِ انْحَرَفَ، وَهُوَ يُخْطِئُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ” (تي11،10:3).

من كل هذه الآيات الكتابية نرى أن سلطة عزل العضو المنحرف هي من صميم عمل الكنيسة المحلية. وأنه حين تحكم الكنيسة المحلية على أحد أعضائها بالعزل فلا بد أن يمتنع بقية الأعضاء عن الاختلاط بهذا العضو، بل لا بد أن يتجنبوه، ويعرضوا عنه.

وليس في هذا أي مساس بمبدأ المحبة المسيحية لأن المحبة “وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ” (1 كو 13: 6). فيجب أن نُخضع عواطفنا لحق الله مهما بدا لنا قاسيًا فليس من المعقول إننا نحب الأخرين أكثر من محبة الله لهم، وإلا كانت محبتنا جسدية لا تزيد عن كونها مجرد إدعاء بالحب.

3) الكنيسة المحلية لها السلطة أن تحل وتربط في الموضوعات التي يقدمها لها أعضائها:

وهذا واضح تمامًا في كلمات الرب يسوع المسيح “وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضًا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ” (مت15:18-18).

ولنلاحظ جيدًا أن «سلطة الحل والربط» هنا ليست معطاه للقساوسة أو الرعاة أو لأي فرد من الأفراد بل للكنيسة المحلية مجتمعة «فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ» وإن الكنيسة المحلية لا تحل وتربط الأشخاص بل الموضوعات المقدمة إليها منهم. فكلمة «مَا تَرْبِطُونَهُ …ومَا تَحُلُّونَهُ» تتحدث عن الموضوعات لإن «ما» لغير العاقل وهي تعني الموضوعات والقضايا والمشاكل وليست أفراد، فالكنيسة المحلية لها أن تقضي في دعاوي أعضائها – اقرأ بتأمل (1كو1:6-8).

4) الكنيسة المحلية لها السلطة أن تغفر وتمسك الخطايا:

وهذا ما نقرأه في كلمات ربنا لتلاميذه “مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ»” (يو 20: 23). وهذا الكلمات قيلت للتلاميذ باعتبارهم الممثلين للكنيسة المحلية في أورشليم ولو أنها كانت تعني سلطة فردية لرجال الدين إذاً لقلنا أن توما الرسول قد حُرم من هذه السلطة لأن المسيح نطق بهذه الكلمات للتلاميذ ولم يكن توما معهم (يو24:20)، ولكن هذه السلطة يقينًا هي سلطة الكنيسة المحلية التي في قدرتها أن تغفر وتمسك الخطايا لا على أساس القوانين الكنسية التي وضعها البشر، بل على أساس كلمة الله الصريحة، فالكنيسة المحلية تغفر للأخ الذي يعود تائبًا وعازمًا على عدم العودة للخطية كما يكتب بولس للكنيسة في كورنثوس عن الأخ الذي حزن على خطيته قائلاً “مِثْلُ هذَا يَكْفِيهِ هذَا الْقِصَاصُ الَّذِي مِنَ الأَكْثَرِينَ، حَتَّى تَكُونُوا – بِالْعَكْسِ – تُسَامِحُونَهُ بِالْحَرِيِّ وَتُعَزُّونَهُ، لِئَلاَّ يُبْتَلَعَ مِثْلُ هذَا مِنَ الْحُزْنِ الْمُفْرِطِ” (2كو7،6:2).

والكنيسة المحلية تمسك خطية الأخ المُبتدع والذي يسلك بلا ترتيب، والذي ينحرف في سلوكه اقرأ (1كو9:5-13، 2تس6:3، تي11،10:3).

هذه هي السلطات التي أعطاها الرب للكنيسة المحلية، ولا يمكن لها أن تمارسها إلا إذا كانت مائدة الرب مقفلة لا يأكل منها سوى أعضائها، وإلا فكيف تمارس الكنيسة المحلية سلطاتها؟!

إننا نعتقد بأن عشاء الرب يجب أن يكون خاصًا بأعضاء الكنيسة المحلية لا سواهم .. وهذه هي الأسباب المبنية على كلمات العهد الجديد:

1) السبب الأول هو أن عشاء الرب يتبع بالضرورة المعمودية بالماء:

هذا هو الترتيب الذي نقرأه في سفر أعمال الرسل “فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ. وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ” (أع42،41:2).

وواضح من كلمات سفر أعمال الرسل، أنه كانت هناك كنيسة محلية في أورشليم ملأها الروح القدس وإليها انضم نحو ثلاثة ألاف نفس.

وقد يسأل أحدهم: كيف انضم هؤلاء إلى الكنيسة المحلية في أورشليم؟

ونقول اولاً أن الانضمام إلى كنيسة محلية كتابية – أي تسير بحسب تعاليم الكتاب المقدس – لا يحدث بالميلاد من والدين منضمين إلى هذه الكنيسة أو تلك، فالميلاد الجسدي لا يعطينا أية إمتيازات روحية بل أننا به نرث الخطية كما قال داود في المزمور “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” (مز 51: 5).(اقرأ أيضًا أف3:2، يو44:8). وكذلك لا يتم بمعمودية الشخص بالماء وهو طفل لم يدرك معنى الخلاص، بل لا بد من أن يولد الإنسان من جديد بقبول المسيح مخلصًا شخصيًا (يو12:1) يتمم فريضة المعمودية في كنيسة محلية كتابية، تمامًا كما فعل أولئك الذين أنضموا إلى الكنيسة المحلية في أورشليم إذ نقرأ عنهم أنهم ساروا في خطوات واضحة هي:

أولاً أنهم قبلوا كلمة الله بفرح، وهذا يعني أنهم ولدوا ثانية كما يقول بطرس الرسول “مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ” (1 بط 1: 23).

ثانيًا أنهم اعتمدوا بالماء كما تؤكد كلمة «واعتمدوا» (أع41:2).

ومن هذه الخطوات نصل إلى نتيجة أكيدة هي: أن الشخص الذي نال الخلاص ينضم إلى الكنيسة المحلية عن طريق معموديته «ذلك لأن المعمودية هي أول فرائض الكنيسة، ومن سلطة الكنيسة المحلية وحدها أن تجريها، فمن يطيع أولى فرائض الكنيسة يصبح عضوًا بها.

وإنه لمن الخلط والفوضى غير المستساغة أن يعتمد المرء بالماء في كنيسة محلية ثم يحتفظ بعضويته في كنيسة لا تعلم بالمعمودية بعد الإيمان، اقول من الخلط والفوضى لأن هذا يعني خلط التبن مع الحنطة، وشركة الخطأ مع الصواب، والنور مع الظلمة.

ويؤكد لنا سفر أعمال الرسل أنه بعد أن اعتمد التائبون المؤمنون بالمسيح بالماء وانضموا إلى الكنيسة المحلية في أورشليم “وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ” (أع 2: 42).

وإذا تمسكنا بالمكتوب فإننا نضطر إضطرارًا إلى جعل مائدة الرب مقفلة حتى لا يتقدم إليها شخص لم يطع الرب في المعمودية بالماء لأننا لو سمحنا لمن لم يطع الرب في المعمودية بأن يأكل من عشاء الرب لأدى هذا إلى ضياع معنى وأهمية المعمودية، هذه الأهمية الكبرى التي جعلها لها العهد الجديد فكرر الحديث عنها في كل البشائر، وفي عدة إصحاحات من سفر الأعمال، وفي اكثر من رسالة من رسائل الرسل.

فلكي تحتفظ الكنيسة المحلية بالأهمية الكتابية للمعمودية يجب أن تكون المائدة مقفلة، أي لا يُسمح لأحد من غير أعضائها بالتناول منها.

2) السبب الثاني هو أن عشاء الرب هو رمز وحدة الكنيسة المحلية:

ونقرأ هذا الحق في كلمات بولس الرسول “أَقُولُ كَمَا لِلْحُكَمَاءِ: احْكُمُوا أَنْتُمْ فِي مَا أَقُولُ. كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ، أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ” (1كو15:10-17). وتعني هذه الكلمات ان الذين يأكلون من مائدة الرب يعترفون بأكلهم منها بأنهم اشتركوا في فوائد موت المسيح بسفكه دمه لغفران خطاياهم، وصلب جسده ليحمل فيه خطاياهم على الخشبة، وكذلك يعترفون بانهم خبز واحد وجسد واحد لأنهم يشتركون في الخبز الواحد.

فالكنيسة المحلية هي «جسد واحد » يشير الأكل من الخبز الواحد إلى وحدته.

والوحدة يجب أن تتوفر في عدة أمور:

أ‌) الوحدة يجب أن تكون في القول والفكر والرأي:

هذا واضح من كلمات بولس الرسول

“وَلكِنَّنِي أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلاَ يَكُونَ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٌ، بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ” (1 كو 1: 10).

“فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا” (في 2: 2).

“أَطْلُبُ إِلَى أَفُودِيَةَ وَأَطْلُبُ إِلَى سِنْتِيخِي أَنْ تَفْتَكِرَا فِكْرًا وَاحِدًا فِي الرَّبِّ” (في 4: 2).

ب‌) الوحدة يجب ان تكون في الروح:

هذا ما نراه في كلمات بولس القائلة “مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ” (أف3:4-6).

من هذا كله نرى أن «وحدة الكنيسة المحلية» يجب أن تتوفر في دائرة القول، والفكر ، والرأي، والروح … أو بمعنى آخر أن تكون وحدة إيمانية، وروحية في وقت واحد، فالروح القدس لا يرضى بأي نوع من انواع الاختلاف بين أعضاء الكنيسة المحلية ونقرأ عن كنيسة أورشليم “وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ” (أع 2: 46).

إننا لسنا ننكر أنه يوجد بين الطوائف المسيحية المختلفة مؤمنون حقيقيون، اولادًا لله بالميلاد الثاني حسب اختيار نعمة الله ولكنهم بحسب أمر الرب يجب أن يعتزلوا عن الخطأ ويتمموا مشيئة الرب في حياتهم بطاعتهم بإتمام معمودية الماء لينضموا إلى الكنيسة المحلية على أساس وحدة الرأي والفكر. لأنه كيف يكون «الجسد واحدًا»، كما نعلن في اشتراكنا في «الخبز الواحد» إذا بقى كل واحد على عقائده غير الكتابية؟!

هل يمكن أن تكون هناك وحدة في الرأي والفكر بين واحد يؤمن بشفاعة القديسين المنتقلين، وواحد لا يؤمن إلا بشفاعة الرب يسوع المسيح؟ وهل يمكن أن تكون هناك وحدة في الرأي والفكر بين واحد يؤمن بمعمودية الأطفال غير المدركين وواحد يؤمن بمعمودية المؤمنين البالغين؟! وهل يمكن أن تكون هناك وحدة في الرأي والفكر بين واحد يؤمن بضمان المؤمن الأبدي وواحد يؤمن بإمكانية هلاك المؤمن؟

إننا إذا جعلنا «مائدة الرب» مفتوحة للكل بلا استثناء، نضيع معنى الوحدة التي قصدها الرب بها، ويكون عشاء الرب المفتوح هذا قد فقد بذلك أسمى نواحي أغراضه الإلهية بحسب كلمة الله. ولهذا لا بد أن تكون « المائدة مقفلة» لأعضاء الكنيسة المحلية دون سواهم.

3) السبب الثالث أن عشاء الرب هو السلطة الحافظة لنقاوة الكنيسة المحلية:

ماذا تستطيع الكنيسة أن تفعل للعضو المنحرف في التعليم أو في السلوك؟

إن السلطة الوحيدة التي في يدها هي أن تعزله، والعزل لا يكون ذا معنى إلا إذا كانت مائدة الكنيسة المحلية مقفلة لتستطيع أن تحرم العضو المعزول من الأكل منها متممة الأمر الإلهي “أَنْ لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا” (1 كو 5: 11).

يأمر بولس الرسول كنيسة كورنثوس قائلاً “نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ” (1كو7:5)، ومعروف أن الخمير يرمز إلى «الشر والخبث» كما يقول بولس “إِذًا لِنُعَيِّدْ، لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ، وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ، بَلْ بِفَطِيرِ الإِخْلاَصِ وَالْحَقِّ” (1كو8:5) وكذلك يأمر ذات الكنيسة “فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ” (1كو13:5).

فكيف يمكن عزل العضو الخبيث إن لم يكن عضوًا في كنيسة محلية واحدة محددة المكان ليكون لهذه الكنيسة السلطان ان تعزله؟

وهل يمكن تطبيق أقوال الرب في (متى 15:18-20) على شخص ليس عضوًا في الكنيسة المحلية؟
يقينًا لا .

إن المائدة المفتوحة لجميع المؤمنين من كل الكنائس والطوائف هي بكل يقين ضد المكتوب، لأنها تهدم سلطة الكنيسة المحلية في عزل العضو الذي يظهر في حياته خمير السلوك المنحرف.

إن الكنيسة المحلية هي وحدها التي تعرف حالة أعضائها وخدامها من جهة السلوك، وهي وحدها التي تتحمل نتائج قراراتها، وبهذا لا يحدث اضطراب في الكنائس ذات العقيدة الواحدة بسبب عزل عضو هنا أو خادم هناك فاستقلال الكنائس المحلية يكفل لها السلام ويبعدها عن التداخل في أمور غيرها من الكنائس، ولهذا يجب أن يكون عشاء الرب مقفلاً في كل كنيسة محلية، ولا يحق لعضو الكنيسة المحلية الكتابية الأكل من عشاء الرب في أي كنيسة غير كنيسته المحلية، حتى إذا كانت الكنيسة من ذات المبدأ الواحد إلا إذا نقل عضويته إليها برسالة توصية من كنيسته تشهد فيها بنقاوة سلوكه وتعليمه كما يقول بولس الرسول “أَمْ لَعَلَّنَا نَحْتَاجُ كَقَوْمٍ رَسَائِلَ تَوْصِيَةٍ إِلَيْكُمْ، أَوْ رَسَائِلَ تَوْصِيَةٍ مِنْكُمْ؟” (2كو 3: 1). وهكذا يحق له أن يأكل من عشاء الرب في الكنيسة التي نقل عضويته إليها ليمارس حقه فيها، وتمارس الكنيسة المحلية سلطاتها عليه.

إن الكنيسة المحلية مسئولة عن أن تمنع كل عضو يظهر فيه خمير السلوك المنحرف من الأكل من عشاء الرب، وكذلك مسئولة عن أن تمنع كل عضو يظهر فيه خمير التعليم غير الكتابي من الأكل من مائدة الرب حتى لا يتفشى هذا التعليم ويفسد العجين كله.

وهنا ننتبه بشدة إلى أن خمير التعليم أشد خطرًا من خمير السلوك، وهذا يبدو جليًا بالمقارنة بين أسلوب الروح القدس الشديد إلى كنائس غلاطية حيث خمير التعليم، وأسلوبه مع كنيسة كورنثوس حيث خمير السلوك.

ففي رسالة بولس الرسول إلى كنائس غلاطية نقرأ عن خمير التعليم الكلمات “كُنْتُمْ تَسْعَوْنَ حَسَنًا. فَمَنْ صَدَّكُمْ حَتَّى لاَ تُطَاوِعُوا لِلْحَقِّ؟ هذِهِ الْمُطَاوَعَةُ لَيْسَتْ مِنَ الَّذِي دَعَاكُمْ. «خَمِيرَةٌ صَغِيرَةٌ تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ»” (غل7:5-9).

وخمير التعليم يعني كل تعليم مخالف لكلمة الله، فتعليم الفريسيين خمير (مت12:16)، وتعليم الصدوقيون خمير (مت12:16)، وتعليم هيرودس خمير (مر15:8)، وتعليم المعلمين المنحرفين في غلاطية خمير(غل7:5-9).

فتعليم الفريسيين هو مزج الرياء والتقاليد بالدين.
وتعليم الصديقيون هو مزج المادية بالدين.
وتعليم هيرودس هو مزج السياسة بالدين.
وتعليم الغلاطيون هو مزج الناموس بالنعمة.

وهذه التعاليم المنحرفة كلها خمير، يجب ان توقف الكنيسة المحلية سريانها بمجرد الإحساس بوجودها وذلك بعزل المعلمين المنحرفين من عضويتها.

هنا قد يعترض معترض بالقول: ولكن أليس هذا تعصبًا شديدًا ينبغي أن نتخلص منه؟ ألا يقول الرسول بولس “وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ” (1 كو 11: 28).

وأليس معنى هذه الكلمات أن الرسول وضع المسئولية على الفرد لا على الكنيسة التي ينتمي إليها؟

ونجيب: إن بولس يكتب هذه الكلمات لأعضاء في الكنيسة المحلية في كورنثوس، فهؤلاء أعضاء فعلاً، ولهم الحق في الأكل والشرب من الخبز والكأس، وهو يضع عليهم المسئولية الفردية باعتبار أن سرائر الإنسان لا يعرفها أحد إلا روح الإنسان الذي فيه، ولكن هذه المسئولية الفردية لا تنفي مسئولية الكنيسة المحلية في إدانة الانحراف الظاهر ففي ذات الرسالة يكتب بولس قائلاً “أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ تَدِينُونَ الَّذِينَ مِنْ دَاخِل؟ أَمَّا الَّذِينَ مِنْ خَارِجٍ فَاللهُ يَدِينُهُمْ. «فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ»” (1كو13،12:5).

ففي الإمتحان الداخلي للقلب، الفرد هو المسئول الأول والأخير أمام الله، أما في الانحراف الظاهر في السلوك أو العقيدة فالكنيسة المحلية هي المسئولة أمام الرب، وإذا لم تقم بمسئوليتها فإن الله يمد يده لتأديبها كجماعة كما يقول بولس لكنيسة كورنثوس “مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ. لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا، وَلكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا، نُؤَدَّبُ مِنَ الرَّبِّ لِكَيْ لاَ نُدَانَ مَعَ الْعَالَمِ” (1كو30:11-32).

هنا يعترض شخص آخر قائلاً: ألم يقل الرب له المجد “فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ” (مت24،23:5).

وألا تعني هذه الكلمات الأكل من عشاء الرب، وأن المسألة فردية محضة لا دخل للكنيسة فيها؟

ونجيب: إن كلمات الرب يسوع في (مت24،23:5) لا علاقة لها بالعشاء الرباني، فالمذبح الذي يتحدث عنه هنا هو المذبح اليهودي الذي كان اليهود يقدمون عليه قرابينهم كما نقرأ في سفر اللاويين “كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِذَا قَرَّبَ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ … يُقَرِّبْهُ. إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ … وَيَذْبَحُ … وَيَرُشُّونَ الدَّمَ مُسْتَدِيرًا عَلَى الْمَذْبَحِ الَّذِي لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ” (لا2:1-5). وفي عشاء الرب لا يقدم المؤمنون قربانًا للرب، بل يخبرون بأكلهم من الخبز وشربهم من نتاج الكرمة بموت الرب إلى ان يجيء، وقد سبق أن بينا في فصل سابق أن عشاء الرب ليس ذبيحة ولا يقدم على مذبح بحال من الأحوال.

فالكلمات التي نطق بها الرب موجهة إلى اليهود في زمانهم، ولا علاقة لها بعشاء الرب إذ أنه من المعروف أن المؤمن لا يقدم على مائدة الرب أي ذبيحة أو يرش أي دم.

ومن الممكن تطبيق كلمات الرب روحيًا في تصفية ما بيننا وبين إخواتنا كلما اقتربنا لنقدم ذبائحنا الروحية وعبادتنا القلبية لله نحسب نور العهد الجديد، كما يقول بطرس الرسول “كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ ­كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ­ بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1 بط 2: 5).

وهكذا يبدو واضحًا أن هذا الاعتراض لا صلة له بموضوع عشاء الرب. ويبقى الحق الكتابي الصريح ينير لنا الطريق، ويؤكد لأذهاننا وضمائرنا، وقلوبنا ضرورة «المائدة المقفلة» التي تربط أعضاء الكنيسة المحلية في وحدة مقدسة، وتجعلهم يحملون مسئولية تقدمها يكرسون عشورهم لها، ويواظبون على حضور اجتماعاتها، ويعضدون رسالتها في قوة ويقين، وفي ذات الوقت يتعاونون في محبة مسيحية مع الكنائس المحلية الأخرى ذات المبدأ الواحد في نشر الانجيل لجميع الأمم، وتوصيل أخباره المفرحة لكل إنسان يتصلون به.

فهل أنت عضو في كنيسة محلية تحس بعظم مسئوليتك بالنسبة إليها، كما تشعر بمسئوليتها بالنسبة إليك، وهل فهمت حق الرب بخصوص «المائدة المقفلة» فلا تسمح لنفسك أن تأكل من عشاء الرب في كنيسة غير كنيستك؟

أو أنت فراشة تائهة تتخبط بين النور والظلام، تذهب من كنيسة إلى كنيسة، ومن اجتماع إلى اجتماع، وتأكل من العشاء الرباني في كل طائفة، متفاخرًا بالباطل بأنك لا طائفي ولا يهمك العقائد الكتابية؟

ليت نور كلمة الله يشرق على قلبك وعقلك وضميرك بالروح القدس لتهتف قائلاً مع صاحب المزمور المئة والتاسع عشر “تَفَكَّرْتُ فِي طُرُقِي، وَرَدَدْتُ قَدَمَيَّ إِلَى شَهَادَاتِكَ.أَسْرَعْتُ وَلَمْ أَتَوَانَ لِحِفْظِ وَصَايَاكَ” (مز60،59:119).

*****************************************************************

الفصل السادس

عشاء العرس وعشاء الطيور

يتحدث العهد الجديد عن أربعة أعشية، العشاء الأول هو عشاء الإنجيل، والعشاء الثاني هو عشاء الرب، والعشاء الثالث هو عشاء عرس الخروف، والعشاء الرابع هو عشاء الطيور.

ويجدر بنا أن نتحدث في هذا الفصل الأخير من الكتاب عن هذه الأعشية مستهدفين أن يستخدم الرب هذا الحديث لخلاص الكثيرين.

1) العشاء الأول – عشاء الإنجيل

عن هذا العشاء تحدث الرب يسوع المسيح قائلاً “فَقَالَ لَهُ: «إِنْسَانٌ صَنَعَ عَشَاءً عَظِيمًا وَدَعَا كَثِيرِينَ، وَأَرْسَلَ عَبْدَهُ فِي سَاعَةِ الْعَشَاءِ لِيَقُولَ لِلْمَدْعُوِّينَ: تَعَالَوْا لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُعِدَّ. فَابْتَدَأَ الْجَمِيعُ بِرَأْيٍ وَاحِدٍ يَسْتَعْفُونَ. قَالَ لَهُ الأَوَّلُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ حَقْلًا، وَأَنَا مُضْطَرٌّ أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْظُرَهُ. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ، وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا. أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي. وَقَالَ آخَرُ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ، فَلِذلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ. فَأَتَى ذلِكَ الْعَبْدُ وَأَخْبَرَ سَيِّدَهُ بِذلِكَ. حِينَئِذٍ غَضِبَ رَبُّ الْبَيْتِ، وَقَالَ لِعَبْدِهِ: اخْرُجْ عَاجِلًا إِلَى شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ وَأَزِقَّتِهَا، وَأَدْخِلْ إِلَى هُنَا الْمَسَاكِينَ وَالْجُدْعَ وَالْعُرْجَ وَالْعُمْيَ.فَقَالَ الْعَبْدُ: يَا سَيِّدُ، قَدْ صَارَ كَمَا أَمَرْتَ، وَيُوجَدُ أَيْضًا مَكَانٌ. فَقَالَ السَّيِّدُ لِلْعَبْدِ: اخْرُجْ إِلَى الطُّرُقِ وَالسِّيَاجَاتِ وَأَلْزِمْهُمْ بِالدُّخُولِ حَتَّى يَمْتَلِئَ بَيْتِي، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْ أُولئِكَ الرِّجَالِ الْمَدْعُوِّينَ يَذُوقُ عَشَائِي»” (لو15:14-24).

وكلمات الرب يسوع ترينا أن هناك عشاء عظيمًا معدًا لمن يريد أن يستمتع به، هذا العشاء هو عشاء الإنجيل، عشاء الغفران، والسلام، والحياة الأبدية، والعشاء يحمل في طياته معنى الشبع والارتواء، فالنفس الخاطئة جائعة وعطشى، وشبعها وارتواؤها في شخص الرب يسوع المسيح الذي قال بفمه الطاهر“اَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا” (يو 6: 35). والذي نادى في سفر رؤيا يوحنا بكلماته الحلوة “هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي” (رؤ 3: 20).

ورغم حلاوة عشاء الإنجيل، فإن الناس في تهاونهم وعصيانهم وعدم تقديرهم لما عمله المسيح على الصليب لأجلهم يستعفون من تلبية الدعوة لهذا العشاء العظيم بأعذار تافهة واهية.

كان عذر الأول للإمتناع عن حضور العشاء “إِنِّي اشْتَرَيْتُ حَقْلًا، وَأَنَا مُضْطَرٌّ أَنْ أَخْرُجَ وَأَنْظُرَهُ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي” (لو18:14) وهو عذر يحمل الكذب في طياته، ذلك أنه لو كان ذلك المعتذر قد اشترى الحقل كما يقول فلا شك أنه رأه قبل شرائه، لكنه اعتذر بأنه مضطر بأن يخرج لينظر الحقل الذي اشتراه.

هل كان ذاهبًا ليمتع عينيه بما صار ملكًا له؟
هل كان ذاهبًا لتخطيط ذلك الحقل الذي اشتراه؟
هل كان ذاهبًا ليتأكد تمامًا من نجاح صفقته؟

وهب أن هذا هو الواقع ونفس الأمر، فهل الليل وهو وقت العشاء، وقت مناسب للخروج ونظر الحقل؟ وهل تستطيع العينان تمييز جودة الحقل أو ردائته في الظلام؟

عذر تافه لعدم الذهاب إلى العشاء … بل قل أنه عذر كاذب لا صدق فيه وكل الذين يعتذرون ويرفضون قبول المسيح بسبب ممتلكاتهم مساكين.

لقد كان الأولى بذلك المستعفي أن يفرح وأن يذهب ليشارك في العشاء العظيم، وعندما يشرق النهار بنوره الوضاح يذهب لينظر حقله كما يشاء.

أما الثاني فكان الاعتذار للإمتناع عن حضور العشاء “إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ، وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا، أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْفِيَنِي “ (لو19:14).

نفس الأكذوبة .. اشترى ولا بد أنه امتحن البقرات قبل أن يشتريها، ولكنه أراد أن يقدم عذرًا – اي عذر، فظهر تهاونه وإستخفافه بدعوة صاحب العشاء العظيم.

إنه عذر تجاري .. عذر أولئك الذين انشغلوا بتجارتهم ونسوا أبديتهم، وهو تافه لن يغني صاحبه في يوم الدينونة الرهيب.

أما الثالث فكان عذره “إِنِّي تَزَوَّجْتُ بِامْرَأَةٍ، فَلِذلِكَ لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَجِيءَ” (لو20:14). وهذا العذر مضحك للغاية، فالدعوة المقدسة دعوة إلى عشاء عظيم، والمكان هو أنسب مكان لزوجين، مكان مليء بالبهجة والطعام الوفير، والصحبة الجميلة .. لكن ما أكثر الذين يعتذرون بظروفهم العائلية عن عدم تلبيىة دعوة الرب.

فهل شغلتك ممتلكاتك عن الاشتراك في عشاء الإنجيل العظيم؟ هل ألهتك الدنيا بما قدمته لك من مغريات عن الذهاب للعشاء العظيم؟

هل انشغلت في العطايا ونسيت الله الذي أعطاها، واعتذرت بمشغوليتك عن الاستمتاع بالعشاء العظيم؟
“اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ” (أف 5: 14).

عندما رسم «سلمان»الرسام المشهور صورة المسيح وهو يقرع باب القلب، وفي يده مصباح يشير إلى النور الذي يشرق على قلب الخاطيء حين يفتح بابه للرب، أرسل إلى النقاد لدراسة صورته وإبداء ملاحظاتهم عنها قبل عرضها، وجاء جمع من النقاد وتأملوا الصورة الرائعة وهزوا رؤوسهم إعجابًا … لكن واحدًا منهم التفت إلى الفنان الكبير وقال : «صورتك رائعة يا سلمان لكنك نسيت شيئًا هامًا؟»

قال الفنان الكبير: «وما هو؟»
قال الناقد:«نسيت أن تضع ثقبًا للمفتاح في الباب!»
وضحك سلمان وقال: «عملت هذا عمدًا يا صديقي، فهذا الباب هو باب القلب البشري .. ومفتاحه من الداخل في يد صاحبه .. والمسيح لا يقتحم بابًا ولا يفتحه إلا إذا فتحه له صاحبه من الداخل.»

فهل تفتح باب قلبك للرب اليوم وأنت تقرأ هذه الكلمات، هوذا صوته يناديك: “يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي” (أم 23: 26).

وإذا فتحت له قلبك، وقبلته مخلصًا لك، ووثقت أنه بذل نفسه على الصليب بدلاً عنك ليغفر خطاياك، ويطهر قلبك، فأنك ستتمتع بعشاء الإنجيل .. عشاء الغفران، والسلام، والحياة الأبدية.

2) العشاء الثاني هو عشاء الرب 

عن هذا العشاء يقول بولس الرسول للقديسين في كنيسة كورنثوس “لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ” (1 كو 10: 21).

وقبل أن يصبح للمرء الحق في الأكل من هذا العشاء، لا بد له أن يسير في خطوتين: خطوة اختبار الميلاد الثاني، وخطوة المعمودية بالماء.

أنت مولود بالخطية، سواء كنت مولودًا من أبوين مسيحيين بالحق، أو وثنيين .. ذلك لأن “اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ” (يو 3: 6). فعامل الوراثة لا قيمة له في خلاصك وحصولك على الحياة الأبدية، ولا بد لك من أن تحصل على الخلاص بإيمانك الشخصي بالرب يسوع المسيح.

إن بولس الرسول يصف الإنسان الطبيعي في رسالته إلى أهل أفسس بعدة أوصاف:

أ‌) الوصف الأول أنه ميت بالذنوب والخطايا:

كما يقول “وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا” (أف 2: 1). والميت يحتاج للحياة ولا شيء غير الحياة، والحياة في المسيح وحده “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ” (يو 14: 6). “مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ” (1 يو 5: 12). فإذا لم تقبل المسيح مخلصًا لك، وتختبره شخصيًا، فأنت ميت بالذنوب والخطايا.

ب‌) الوصف الثاني أنه مستعبد لسلطان إبليس:

كما يقول “الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلًا حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ” (أف2: 2). والشخص المستعبد حاجته العظمى هي «الحرية»، والحرية هي هبة المسيح للخاطيء الراجع إليه كما قال بفمه المبارك “إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ .. فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا” (يو36،34:8). فإن قبلت المسيح مخلصًا شخصيًا لك استمتعت بالحرية الحقيقية، الحرية من سلطان الشيطان، هذه الحرية التي قال عنها الرب لبولس وهو يرسله للخدمه “أَنَا الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِالإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ” (أع18،17:26).

ت‌) الوصف الثالث أنه يتصرف طوعًا لمشيئات جسده:

كما يقول “الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلًا بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ” (أف 2: 3). “وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً، عَهَارَةٌ، نَجَاسَةٌ، دَعَارَةٌ، عِبَادَةُ الأَوْثَانِ، سِحْرٌ، عَدَاوَةٌ، خِصَامٌ، غَيْرَةٌ، سَخَطٌ، تَحَزُّبٌ، شِقَاقٌ، بِدْعَةٌ، حَسَدٌ، قَتْلٌ، سُكْرٌ، بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ” (غل19:5-21).

والشخص الذي يتصرف طوعًا لمشيئات الجسد، يحتاج ان يولد من فوق، ليخلق الرب فيه طبيعة جديدة تحارب طبيعته العتيقة، وليسكن فيه الروح القدس فيمكنه بسكناه من إماتة أعمال جسده وهذا كله لا يحدث إلا بقبول الرب يسوع المسيح حتى يولد الإنسان من فوق، ولادة روحية.

إن هذه الولادة الجديدة: ليست على الإطلاق بماء المعمودية، ولا هي بالتناول من عشاء الرب، ولا هي بالاعتراف على الكهنة وفرض تدريبات من الأصوام والصلوات وأفعال الإماتة، وإنما هي معجزة إلهية يختبرها الإنسان بالإيمان حين يقبل الرب يسوع المسيح مخلصًا شخصيًا لنفسه كما نرى هذا الحق واضحًا في إنجيل يوحنا في الكلمات “إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ” (يو11:1-13).

“اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ. اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ” (يو6:3-8).

ث‌) الوصف الرابع أنه ابن للغضب:

كما يقول الرسول “وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا” (أف 2: 3). وابن الغضب يحتاج إلى النجاة من دينونة الله، والإيمان الشخصي بالرب يسوع المسيح هو الطريق الوحيد للنجاة من غضب الله “الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ” (يو 3: 36).

يا لعمل الإيمان العظيم! إنه ينقل الإنسان من الموت إلى الحياة، وينقذه نهائيًا من الدينونة القادمة، وملأ قلبه سلامًا: “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ” (أف9،8:2).

بعد أن يحصل الإنسان على اختبار الخلاص بالإيمان الفردي بالرب يسوع المسيح مخلصًا لنفسه، يصبح من الضروري أن يطيع الرب في معمودية الماء كما قال الرب بفمه المبارك مرتين: المرة الأولى حين أعطى الأمر لكنيسته بالكلمات “فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت 28: 19). والمرة الثانية حين أعطى الأمر للفرد المؤمن بالكلمات “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ” (مر 16: 16).

ومن البديهيات البسيطة إنه إذا كانت الوراثة لا تجعل الإنسان مسيحيًا متجددًا، وإذا كان الخلاص اختبارًا فرديًا شخصيًا، فلا بد إذن أن تكون المعمودية بالماء طاعة فردية شخصية بها نظهر ولاءنا الشخصي للرب يسوع ولكلمته، وانفصالنا عن تعاليم وتقاليد الناس.

آه. كم تثير معمودية المؤمنين معارضة قوية ومقاومة عنيفة. ليس فقط من اولئك الذين لا يزالون تحت قبضة إبليس المباشرة، بل أيضًا من قبل اولئك الذين يدعون مسيحيين وليسوا بعد خاضعين للكلمة الإلهية ولا راغبين في سلوك طريق الانفصال والتكريس الحقيقي للرب يسوع.

لقد سمعنا من أفواه الذين أطاعوا الرب في معمودية الماء بعد تجديدهم، هذين القولين:

الأول: إن الصراع الداخلي المؤدي إلى الخطوة الحاسمة – خطوة المعمودية بالماء – كان حقيقيًا وشديدًا.

الثاني: إن يوم المعمودية كان – خلافًا لما توقعوه – من أسعد اختباراتهم على الأرض، ونقطة انطلاق جديدة في حياة التكريس والخدمة.

وفي هذين القولين تشديد على أن معمودية المؤمنين بالأمر الهين، ولا بالموضوع غير الجوهري كما يرغب الكثيرون من المعارضين في تسميته كذلك، وإنما هي وصية هامة، وحقيقية، وخطيرة، وضرورية يأمرنا بها رئيس خلاصنا العظيم الرب يسوع المسيح.

والمعمودية بالماء يجب أن تتم قانونيًا، فالرب يسوع هو صاحب السلطة العليا في هذه الفريضة. إن المعمودية أمر من السماء لا من الناس، وقد أعطى الرب لكنيسته هذه السلطة، ولذلك يجب أن يعتمد المؤمن بسلطة الكنيسة المحلية ومن شخص خولته الكنيسة المحلية هذه السلطة. وبولس الرسول يوضح هذا الحق في كلماته في رسالة أفسس قائلاً “جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ” (أف5،4:4).

فالمعمودية القانونية هي المعمودية التي تجري بسلطة الكنيسة المحلية التي يسميها بولس هنا «جسد واحد» ولا بد لكي تكون صحيحة أن تتم بعد الإيمان الفردي بالرب يسوع المسيح كما يقرر الرسول قائلاً «إيمان واحد» وهكذا تصبح قانونية «معمودية واحدة» لا حاجة لتكرارها.

أما المعمودية في الطفولة، وأما المعمودية بدون سلطة الكنيسة المحلية، فهي معمودية غير قانونية، إنها ليست بحسب مشورة الله.

وبعد المعمودية القانونية الصحيحة يصبح المؤمن عضوًا في الكنيسة المحلية ويصبح له الحق في الأكل من العشاء الثاني المذكور في العهد الجديد «عشاء الرب».

وهذا الترتيب واضح كل الوضوح في سفر الأعمال، ذكرناه فيما سبق من فصول، ولا مانع من تكراره للتأكيد. ففي سفر الأعمال الإصحاح الثاني نقرأ الكلمات: “فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا لِبُطْرُسَ وَلِسَائِرَ الرُّسُلِ: «مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟» فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ : «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ. وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ” (أع42،41،38،37). ومن كلمات سفر الأعمال نرى ضرورة المعمودية بالماء قبل الاشتراك في كسر الخبز مع الكنيسة المحلية.

وعشاء الرب كما أوضحنا في الفصول السابقة هو تذكار، وإخبار، وانتظار، وشركة مع أعضاء الكنيسة المحلية الأبرار، وعهد جديد للأحرار … وعناصره تبقى كما هي بعد الشكر، خبز غير مختمر، ونتاج كرمة غير مختمر نأكلها لنخبر بموت الرب إلى أن يجيء، ونعلن وحدتنا في المسيح ككنيسة محلية مجتمعة باسم الرب يسوع وتحت قيادة روحه.

ولقد شرحنا فيما سبق أنه لا علاقة بين كلمات الرب في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس وبين عشاء الرب، ونعود فنؤكد هنا هذا الحق حتى لا يغيب عن الأذهان.

فلما قال الرب “انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ” (يو19:2). شرح الروح القدس في الحال معنى كلماته بالقول “وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ” (يو21:2).

ولما وقف في اليوم الأخير العظيم من العيد ونادى قائلاً “إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ” (يو38،37:7). شرح الروح القدس في الحال معنى كلماته بالقول “قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ” (يو39:7).

ولما تحدث لبطرس قائلاً “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ، وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ” (يو 21: 18). شرح الروح القدس في الحال ما تشير إليه كلمات الرب بالقول “قَالَ هذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُمَجِّدَ اللهَ بِهَا” (يو19:21).

فلو أن حديث الرب القائل “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ” (يو53:6-55). كان يشير إلى العشاء الرباني باعتباره فريضة سيجريها الرب مستقبلاً إذن لشرح الروح القدس هذا المعنى في الحال، تمامًا كما فعل فيما ذكرناه من مناسبات.

ولكن هذه الكلمات هي كلمات روحية تعني تخصيص المسيح للفرد بقبوله بالإيمان وهكذا يهتف الفرد قائلاً مع بولس الرسول “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غل 2: 20). وهكذا يتبين لنا جليًا أن عشاء الرب هو فريضة خاصة بالكنيسة المحلية، وأنه يجب أن يكون مقفلاً على أعضائها لا سواهم، وأن الكنيسة المحلية حين تجتمع حول مائدة الرب يكون اجتماعها للشكر والابتهاج بما عمله الرب على الصليب، ويكون في ذات الوقت إعلانًا عن وحدتها في الفكر، والرأي، والقول، والروح.

فهل تجددت؟ وهل اعتمدت بالماء باسم الآب والابن والروح القدس بعد إيمانك معمودية صحيحة قانونية بسلطة الكنيسة المحلية؟

وهل أنت مواظب على كسر الخبز معتبرًا أن فرصته هي فرصة مباركة تؤكد انتظارك لمجيء الرب يسوع المسيح، ووحدتك مع إخوتك في الرب، وانفصالك عن موائد الشياطين (1كو21:10)؟

هذا هو العشاء الرباني الذي يذكره العهد الجديد «عشاء الرب».

3) العشاء الثالث عشاء عرس المسيح

عن هذا العشاء نقرأ في رؤيا يوحنا الكلمات “لِنَفْرَحْ وَنَتَهَلَّلْ وَنُعْطِهِ الْمَجْدَ! لأَنَّ عُرْسَ الْخَرُوفِ قَدْ جَاءَ، وَامْرَأَتُهُ هَيَّأَتْ نَفْسَهَا. وَأُعْطِيَتْ أَنْ تَلْبَسَ بَزًّا نَقِيًّا بَهِيًّا، لأَنَّ الْبَزَّ هُوَ تَبَرُّرَاتُ الْقِدِّيسِينَ». وَقَالَ لِيَ: «اكْتُبْ: طُوبَى لِلْمَدْعُوِّينَ إِلَى عَشَاءِ عُرْسِ الْخَرُوفِ!». وَقَالَ: «هذِهِ هِيَ أَقْوَالُ اللهِ الصَّادِقَةُ»” (رؤ7:19-9).

لحين يجتمع المفديون من كل العالم يوم الاختطاف السعيد، يكونون في المجد «الكنيسة الواحدة» التي قال عنها بولس الرسول في رسالته إلى أهل أفسس “أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ” (أف25:5-27).

فهنا على الأرض تتناثر الكنائس المحلية، ومن المفديين الحقيقيين في هذه الكنائس تتكون الكنيسة الواحدة في المجد، الكنيسة التي سيحضرها الرب لنفسه «كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب» وهذه الكنيسة المجيدة الخالية من الدنس والغضون وستستمتع بعشاء بهي جليل عظيم يسميه الكتاب «عرس عشاء الخروف». أجل إنه العشاء الذي ستزف فيه إلى عريسها المبارك الرب يسوع المسيح.

فالقديسون اليوم مخطوبون للرب كما يقول بولس “فَإِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ اللهِ، لأَنِّي خَطَبْتُكُمْ لِرَجُل وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ” (2 كو 11: 2). وبعد قليل جدًا سيأتي الآتي ولا يبطيء، وينتهي زمن الخطبة، ويأتي أوان الزفاف، وهناك في ربوع المجد الأسنى سيستمتع المفديون بعشاء العرس، عشاء الفرح، والتهليل، وذروة الحبور.

فهل أنت قديس في المسيح؟
هل لك نصيب في هذا العشاء البهيج؟

4) العشاء الرابع عشاء الطيور

يا ويل الذين سيحضرون هذا العشاء، ذلك لأنهم بدلاً من أن يستمتعوا بأكل الطيب والسمين، سيصبحون هم أنفسهم مأكلاً للطيور، وتشبع الطيور من لحومهم وعن هذا العشاء نقرأ في سفر رؤيا يوحنا هذه الكلمات: “وَرَأَيْتُ مَلاَكًا وَاحِدًا وَاقِفًا فِي الشَّمْسِ، فَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا لِجَمِيعِ الطُّيُورِ الطَّائِرَةِ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ: «هَلُمَّ اجْتَمِعِي إِلَى عَشَاءِ الإِلهِ الْعَظِيمِ، لِكَيْ تَأْكُلِي لُحُومَ مُلُوكٍ، وَلُحُومَ قُوَّادٍ، وَلُحُومَ أَقْوِيَاءَ، وَلُحُومَ خَيْل وَالْجَالِسِينَ عَلَيْهَا، وَلُحُومَ الْكُلِّ: حُرًّا وَعَبْدًا، صَغِيرًا وَكَبِيرًا». وَرَأَيْتُ الْوَحْشَ وَمُلُوكَ الأَرْضِ وَأَجْنَادَهُمْ مُجْتَمِعِينَ لِيَصْنَعُوا حَرْبًا مَعَ الْجَالِسِ عَلَى الْفَرَسِ وَمَعَ جُنْدِهِ. فَقُبِضَ عَلَى الْوَحْشِ وَالنَّبِيِّ الْكَذَّابِ مَعَهُ، الصَّانِعِ قُدَّامَهُ الآيَاتِ الَّتِي بِهَا أَضَلَّ الَّذِينَ قَبِلُوا سِمَةَ الْوَحْشِ وَالَّذِينَ سَجَدُوا لِصُورَتِهِ. وَطُرِحَ الاثْنَانِ حَيَّيْنِ إِلَى بُحَيْرَةِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ بِالْكِبْرِيتِ. وَالْبَاقُونَ قُتِلُوا بِسَيْفِ الْجَالِسِ عَلَى الْفَرَسِ الْخَارِجِ مِنْ فَمِهِ، وَجَمِيعُ الطُّيُورِ شَبِعَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ” (رؤ17:19-21).

استمع لي جيدًا. إذا رفضت خلاص الله المقدم لك مجانًا في عشاء الإنجيل، وعشت إلى وقت الضيقة العظيمة ووصلت إلى ختامها فسيصبح لحمك مأكلاً للطيور في يوم عشاء الإله العظيم.

فهل تعزم اليوم وأنت تقرأ هذه الكلمات أن تتوب بنعمة الله توبة صادقة عن كل خطاياك، وتقبل المسيح مخلصًا لك، وتسرع بإعلان طاعتك للرب في معمودية الماء كما فعل الخصي الحبشي (أع36:8-39)؟

وكما فعل شاول الطرسوسي الذي صار فيما بعد بولس الرسول (أع18:9)؟
وكما فعل حافظ السجن في مدينة فيلبي (أع33:16)؟

أو تريد أن تتمادي في حياة الخطية، وتتهاون بدعوة الرب لك، ولا تبالي باليد المثقوبة على الصليب الممدودة لمصافحتك ومصالحتك.

اصغ إلى ما يقوله الله في كلمته:

“لأَنِّي دَعَوْتُ فَأَبَيْتُمْ، وَمَدَدْتُ يَدِي وَلَيْسَ مَنْ يُبَالِي، بَلْ رَفَضْتُمْ كُلَّ مَشُورَتِي، وَلَمْ تَرْضَوْا تَوْبِيخِي. فَأَنَا أَيْضًا أَضْحَكُ عِنْدَ بَلِيَّتِكُمْ. أَشْمَتُ عِنْدَ مَجِيءِ خَوْفِكُمْ” (أم24:1-26).

وثق تمامًا أن الله يقول:

“وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ” (رؤ 20: 15).

 

والآن

بعد أن أشرقت المعرفة على نفسك وعقلك، ماذا أنت مزمع أن تفعل؟

هل ستبقى في عقائدك القديمة تابعًا لتعاليم وتقاليد الناس أو ستترك روح الله وكلمته يغسلان ذهنك من كل ما علق به من أخطاء.

كتب كاتب جليل يحلل الموانع التي تمنع الإنسان من الإصغاء إلى دعوة الحق كاملاً سنذكره فيما يلي مع بعض ما نرى إضافته للتوضيح .. قال الكاتب الجليل:

«يمنع الإنسان أن يصغي إلى دعوة العقائد الحقيقية موانع شتى من آفات العقل والخلق والبيئة، تجتمع وتتفرق، ويبتلى الفرد الواحد بها جميعًا، وقد يًبتلى بمانع واحد منها فيحول بينه وبين الإصغاء والإجابة:

يمنعه ان يجب الدعوة إلى الحق غطرسة، أو سيادة مهددة، أو مصلحة في بقاء القديم ومحاربة الجديد، أو ذهن مغلق لا يتفتح للفهم والتفكير، أو مغامسة للشهوات تُحبب إليه أن يستنيم إلى العُرف الذي يبيحها ويعزف عن الهداية التي تُحظرها وتقف في سبيلها، أو تعصب غضوب للعقيدة التي درج عليها، أو شعور بقوة سلطان تلك العقيدة في أبناء قومه، سواء منهم المتعصبون لها والقابلون لها على المجاراة والمدارة، أو جُبن ينهاه أن يخرج على المألوف ويتصدى لسخط الساخطين وإن تبين طريق الاستقامة والسداد، أو إيغال في الشيخوخة يصد الإنسان عن كل تغيير ويميل به إلى كل تواكل ومتابعة وتقليد، أو حداثة سن تجعله تابعًا لغيره في الرأي والعقيدة وتجعل له شرة تحجبه عن التروية والمراجعة، او ذلة مطبوعة تلحقه بمن اذله وبسط سلطانه عليه.

فالغطرسة صفة تأبى على صاحبها أن يستمع إلى قول أو يصيخ إلى دعوة، أو يتنزل إلى متابعة إنسان، ترفعًا عن الإصغاء قبل أن يهديه الإصغاء إلى موافقة أو إنكار.

والسيادة المهددة توحي إلى صاحبها كراهة الحق الذي يبدو أمامه جديدًا لأنه يحس بالبداهة أن صاحب هذا الحق الجديد أولى منه بالسيادة إن شاع ما أعلنه بين الناس، فتبطل سيادته ببطلان التعليم الخاطيء الذي قامت عليه، وقيام الحق الذي نسخه وعفاه.

والمصلحة في بقاء الخطأ القديم، ومحاربة الحق الذي يبدو جديدًا، تجعل الرجل يخشى الخسارة التي قد تصيبه من التغيير، فيميل إلى محاربة الحق قبل أن يبحث فيه، ويتعرف وجوه الخير الذي يصيبه منه.

والذهن المُغلق يجهل ما يُقال، ويعادي ما يجهل، وينفر من كل ما يشق عليه، وأول ما يشق عليه أن يفهمه شيئًا على وجهه الصحيح، او يتهيأ للفهم بأية حال.

ومغامسة الشهوات تبغض إلى المرء سلوانها والإقلاع عنها، وتقرن عنده. دعوة الحق للطهارة والاستقامة بشؤم التنغيص والتكدير، فيتبرم بها، ينزعج لها، كما ينزعج النائم المستغرق من نومة لذيذة قد استراح إليها.

والتعصب الغضوب لما إعتقده المرء يثيره أن تُمس عقيدته كما يثور لحماية ما يملكه أو الزود عن تراث الآباء والأجداد، لأنه يحسب عقيدته ملكًا له ولآبائه يرد عنها من يهجم عليها، كما يرد صاحب البيت من يهجم عليه.

والعقيدة إذا كانت قوية السلطان غلبت عزتها على عزة العقل والفؤاد، فأصر عليها من كان خليقًا أن يعافها ويعرف عيبها لو دعى إلى تركها وهي تتداعى وتتزعزع وتؤذن بالزوال.

والجُبن يخيف صاحبه أن يجهر بالحق ويبتعد به عن طريق المخافة، فلا يدنو إلى الصوت الذي عسى أن يقوده إلى الإصغاء فالإيمان فالجهر بما يضير.

والشيخوخة عدو لكل طارق. ففي الشيخوخة يخشى الإنسان أن يغير ما درج عليه.

والحداثة بين طيش يدعو إلى التمرد، وطاعة تدعو إلى متابعة الأولياء.

والذلة حجاب بين الذليل ونفسه يحجبه وراء من أذله، فلا تصل إليه دعوة الحق إلا من تلك الطريق.

هذه موانع الإصغاء إلى نداء الحق، أو هذه معظمها على الأقل. فامتحن نفسك اليوم، وانظر هل هناك مانع قابع على ذهنك، أو في قلبك يمنعك من رفض كل خطأ وكل خرافة، واتباع الحق في كلمة الله … وإذا لمست في داخلك شوق إلى طاعة الحق فأسرع بالإصغاء إليه.

إن الطريق الوحيد لحرية القلب، والفكر والإرادة، والضمير هو طريق العودة إلى الكتاب المقدس وحده … والتيقن قبل كل خطوة من أنه “هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ” (حز21:14).

ففي كلمة الله تكمن الحرية في كل معانيها ومفاهيمها الحقيقية كما قال رب المجد بفمه المبارك “إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي، وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ” (يو32،31:8).

فإلى الحرية التي حررنا المسيح بها.

الحرية من الخرافات الدنسة العجائزية.

الحرية من تعاليم وتقاليد الناس.

الحرية من التبعية للجماعات الكبيرة العدد رغم خطأ عقائدها. الحرية التي تجعل منك إنسانًا كريًا تمتحن كل شيء، وتتمسك بالحسن، وتستمد تعاليمك من الكتاب المقدس ولا سواه.

“وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا” (مت 16: 18).

“مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ” (أف 2: 20).

“كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ ­كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ­ بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1 بط 2: 5).

******************************************************************************

مجموعة مؤلفات

القس لبيب ميخائيل

 

1. المعمودية في الكتاب المقدس 1944
2. عقدة العقد 1947
3. مشكلة الألم (الطبعة الأولى) 1949
4. عالم الخلود حقيقة أم خيال؟ 1949
5. زهور السعادة الزوجية 1949
6. حقيقة التجسد 1950
7. حقيقة معمودية الماء 1950
8. حقيقة الصلة بين المسيحي والناموس 1951
9. حقيقة عقيدة التثليث 1951
10. حقيقة اختبار الميلاد الثاني 1951
11. مفاجآت المجيء الثاني 1953
12. صوت الاختبار 1954
13. مؤتمر القديسين 1955
14. قضية الصليب 1956
15. طريق الحياة الأبدية 1957
16. عظيم إيمانك 1957
17. طريقك إلى السلام 1958
18. مشكلة الألم (الطبعة الثانية المنقحة) 1959
19. تحضير الأرواح 1960
20. المسيحية والسعادة النفسية 1960
21. معمودية الماء في الكتاب المقدس 1961
22. كأس الخمر حلال أم حرام؟ 1962
23. يقين الخلاص 1962
24. نظرة المسيح 1963
25. الكتاب المقدس والإنسان المعاصر 1965
26. سر الاعتراف 1965
27. عشاء الرب 1966

******************************************************************************

إذا كنت؟!؟

• إذا كنت ترغب في التعمق في معرفة المسيحية الحقيقة العملية؟

• إذا كنت ترغب في فهم الكتاب المقدس بأكثر تدقيق!

ادرس بالمراسلة
سلسلة الدراسات اللاهوتية

وإذا اجتزت الدراسة بنجاح فسيمنحك مجلس إدارة الصوت المعمداني

«دبلوم الدراسات اللاهوتية»

سلسلة الدراسات اللاهوتية بالمراسلة تتكون من تسعة دروس

(1) مسيح الكتاب المقدس (2) صدق الكتاب المقدس
(3) الخطية والخلاص في الكتاب المقدس (4) التسليات العالمية في الكتاب المقدس
(5) الزواج والطلاق في الكتاب المقدس (6) كيف تدرس الكتاب المقدس
(7) الكنيسة المحلية في الكتاب المقدس (8) التفكير الخرافي والكتاب المقدس (9) مسيحية الكتاب المقدس

بادر بكتابة اسمك كاملاً، وعنوانك واضحًا. ووظيفتك إلى

Dr. Labib Mikhail
P.O. Box 2581
Springfield,Virginia 22152

U.S.A.

******************************************************************************

في هذا الكتاب

تقديم الكتاب 

الفصل الأول
هل من علاقة بين عشاء الرب

والإصحاح السادس من إنجيل يوحنا؟

الفصل الثاني

ماذا نرى في عشاء الرب؟

الفصل الثالث

العشاء الأول

الفصل الرابع
عقيدة الاستحالة والكتاب المقدس

الفصل الخامس
أساس المائدة المقفلة

الفصل السادس
عشاء العرس وعشاء الطيور

******************************************************************************

 

هذا الكتاب

قضيت خمس سنوات في إعداد
هذا الكتاب، قرأت خلالها
عدة كتب تتصل بموضوع عشاء
الرب، وقمت بمجهود شاق في
تحليل دقائق هذا الموضوع الخطير
رجعت إلى كل النصوص
الكتابية المتصلة بالعشاء الرباني
في البشائر، وفي سفر أعمال الرسل
وفي الرسائل، وتفهمت معانيها
بدراسة وتدقيق
وها أنا أقدم خلاصة ما وصلت
إليه يعد هذا الجهد كما قدم الغلام
الصغير خمسة أرغفة الشعير
والسمكتين إلى شخص المسيح
مصليًا أن يجعل الرب هذا
الكتاب، سبب بركة وإنارة لأذهان الكثيرين

القس لبيب ميخائيل

Exit mobile version